الأَذْكَارُ النَّوَويَّة أَوْ «حِلْيَةُ الأَبْرَارِ وَشِعَارُ الأَخْيَارِ في تَلْخِيصِ الدَّعوَاتِ وَالأَذْكَارِ المُسْتَحَبَّةِ في اللَّيْل وَالنَّهَارِ»
تأليف
الإِمَام الحَافِظ المحَدِّثِ الفَقِيْهِ أَبي زَكَرِيَّا يَحْيى بن شَرَفِ النَّوَوي (٦٣١ - ٦٧٦ هـ)
حَقق نصوصَه وَخرّجَ أحاديثه وَعلّقَ عَليْه
محيي الدين مستو
دار ابن كثير
دمشق - بيروت
مكتبة دار التراث
المدينة المنورة - ص. ب ١٦٤٧
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
الأَذْكَارُ النَّوَويَّة
стр. 4
حقوق الطبع محفوظة لمحَقق الكتاب
الطبعَة الثانيَة
١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م
مكتبة دار التراث
المدينة المنورة - شارع الأمير عبد المحسن (قربان) ص. ب ١٦٤٧ تلفون ٨٢٦٥٤٥٢ فاكس: ٨٢٦٥٤٥٢
دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - شارع مسلّم البارودي - بناء خولي وصلاحي - ص. ب ٣١١ هاتف ٢٢٥٨٧٧ - بيروت - ص. ب ٦٣١٨/ ١١٣
стр. 5
مُقَدِّمَة المُحَقِّق
إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده اللهُ فلا مُضِل له، ومن يُضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله.
وبعد:
فإنَّ ذكرَ الله تعالى يُحيي القلوبَ، ويجلو صدأها، وُيذهب قسوتَها، وُيذيبُ ما رانَ عليها من مكاسبَ وشهوات، ويصلُها بالله ، فتَخفقُ في كنفه ورضوانه هانئةً مطمئنة .. والمسلم الذي يَنقادُ لربه سبحانه، ويذكرُه بلسانه وقلبه، وسرّه وجهره، إنما يُنيرُ دروبَ حياته ومَعَادِه بضياء إلهيٍّ غامر، ويُحرزُ نفسَه من كيد الشيطان ووسوسته، ويستحضرُ دائمًا أنه في حماية إلهٍ عزيز قدير، فتُثمرُ أوقاتُه بالمعارف والحكمة، ويكتسي وجهُه نضرةً وبهاءً.
وما أحوجَ المسلمين اليوم إلى ذكر الله تعالى واستغفارِه ومناجاتِه؛
بعد أن ادلهمَّت حولَهم الخطوبُ، واشرأبّتْ بينهم الفتنُ، وتداعى عليهم الأعداءُ، وتضافرتْ فوقَ رؤوسهم المحن .. وما أفقرَهم أفرادًا وجماعاتٍ إلى نور الذكر ليُبَدِّدَ ما اكتنفَ حياتَهم من ظلامٍ وفسادٍ وضَياع، وليجمعَ ما تشتَّتَ من قلوبهم وهِممهم، وما تبدَّدَ من إراداتِهم وعزائمِهم.
стр. 6
وأفضلُ الذكر والدعاء ما وردَ مأثورًا في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة؛ لما في ذلك من التوحيد الخالص، والعبادة المشروعة، والمحبّة الصادقة لله ورسوله، والالتزامِ بألفاظٍ مخصوصةٍ هدفَ لها الشّارعُ الحكيم.
وكتاب "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار" المعروف ب "الأذكار" للإِمام يحيى بن شرف النووي؛ قد أودعَ فيه مؤلِّفُه خلاصةَ علمه وفقهه، وأذابَ في كلماته وحروفه من روحه وإخلاصه .. ورسمَ للمسلم من خلال آيات الذكر الحكيم، وأحاديث النبي الكريم؛ خطةَ عملٍ كاملة تشملُ يومَه وليله، ونومَه واستيقاظه، وعملَه وعبادتَه، وصحته ومرضه، وحِلَّه وترحالَه ..
وهو كتاب مشهور ومقبول لدى خاصّةِ العلماء، وعامّةِ الناس، ولم يحظَ كتابٌ في الأدعية والأذكار -قديمًا وحديثًا- ما حظيَ به "الأذكارُ النووية" من الذيوع والانتشار.
وقد طُبعَ مرارًا، وأفضلُ طبعتين له فيما أعلم:
الأولى: طبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٧٥ هـ، وبهامشها تعليقات حديثيّة ولغوية ونحوية؛ مأخوذة باختصار من كتاب "الفتوحات الربانية في شرح الأذكار النووية" لمحمد بن علّان الصدِّيقي المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ. ولم تخلُ طبعة الأذكار هذه من تصحيفات وأخطاء، ومع ذلك فهي التي تُصَوَّرُ وتُطبع وتَشيعُ بين الناس.
الثانية: طبعة مكتبة المَلَّاح بدمشق سنة ١٣٩١ هـ؛ بتحقيق فضيلة المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله تعالى، وتمتاز بتحقيق النصوص، وتخريج الأحاديث، والتعليقات المفيدة، وقوبلت على نسختين خطيتين محفوظتين بالمكتبة الظاهرية العامرة بدمشق. ولا شك أن هذه الطبعة أعطت للكتاب كثيرًا مما يستحقُّه من عناية واهتمام.
стр. 7
وقد عرفَ علماؤُنا قديمًا فائدةَ هذا الكتاب العظيم، فقال بعضهم: "بعِ الدَّارَ واشترِ الأذكار"، وقال آخر: "ليس يذكرُ من لم يقرأ الأذكار"، ومن الوفاء والإِنصاف للكتاب في وقتنا الحاضر؛ أن يظهرَ للنَّاس بما يستحقُّه من مظهر قشيب، وطباعةٍ راقية، وخدمة منهجية، وعلمية فائقة .. والقارىء اليوم -بعد توفر الورق، وتقدُّم فن الطباعة- ليس بحاجة أن يبيعَ الدار أو غيرَها لشراء نسخة واحدة من كتاب كانوا يخطّونه على الرِقاق ويُمضون في كتابته أيامًا وشهورًا، بل بإمكانه الآن أن ينفقَ المال القليل؛ ليعمرَ دارَه وُيزيِّنَها بمكتبةٍ قيِّمةٍ، يَستقي منها مع أهله وأولاده الثقافةَ والعلمَ والأخلاق.
وأسألُ اللهَ سبحانه التوفيقَ والسَّدَادَ فى تحقيق وإعداد طبعة جديدة لكتاب "الأذكار" مُوَثَّقَةٍ ومُتميِّزَة؛ تتناسبُ مع تقدم الطرق الطباعية والإِخراج، وتكسرُ حلقةَ الاستمرار بتصوير طبعات قديمة تمّ إعدادُها وتنضيدُ حروفها الرصاصية المُكسَّرة منذ ثلاثين سنة أو أكثر.
كما أسأله تعالى العفوَ والعافية، وسلامةَ القصد، وحسنَ الخاتمة.
المدينة المنورة
٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ
١٨ كانون الأول ١٩٨٥ م
محيي الدين
стр. 8
(٢)
وَصْفُ النُّسَخِ المَخْطوُطةِ
قال الإِمام النووي -رحمه الله تعالى-: ابتدأتُ فيه -أي الأذكار- يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة ٦٦٦ هـ، أسألُ اللهَ الكريم إتمامَه على أحسن الوجوه، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل (١).
وقال ﵀: فرغتُ من جمعه في المحرم من سنة ٦٦٧ هـ
سوى أحرف ألحقتُها بعد ذلك، وأجزتُ روايتَه لجميع المسلمين (١). فيكون جمعه في أربعة أشهر.
وصف النسخ المخطوطة:
١ - نسخة المكتبة الظاهرية: رقم /٧٠١٧/ حديث، ورمزت إليها بحرف "أ"، وتقع في مجلد بخط نسخ قديم مقروء، كتبها محمد بن أحمد بن عبد الكريم، صبيحة يوم الاثنين ١٢ ذي الحجة سنة ٧٣٩ هـ بالقاهرة المحروسة. وعدد أوراقها ١٧٦ وصفحاتها ٣٤٦، ومسطرتها ٢٠ - ٢٢ سطرًا ١٩ سم، وبهامش الصفحات تصحيحات بخط الناسخ نفسه.
٢ - نسخة المكتبة الظاهرية: رقم /١٢٢٤/ حديث، ورمزت إليها بحرف "ب"، وتقع في مجلد بخط نسخ جيد، وصفحتها الأولى فيها زخرفة
стр. 9
تضمنت عنوان الكتاب، كتبها محمد بن عثمان بن محمد بن عثمان البعلي سنة ٨٢٢ هـ. وعدد أوراقها ١٧٩. ومسطرتها ٢١ سطرًا ٢٠ سم. والأبواب فيها مرقّمة، وبهامشها تصحيحات وتعليقات. وفي صفحة العنوان كتب بخط مختلف: هذه النسخة مقروءة على جماعة من العلماء آخرهم شيخ الإِسلام خطاب ... وعليه خطّه آخر الكتاب، وبالله التوفيق. وفي الصفحة الأولى كُتب بخط مغاير أيضًا: وقف الشيخ عثمان الكردي.
٣ - نسخة دار الكتب الوطنية بتونس: موجودة في الجامعة الإِسلامية، ميكروفيلم برقم ٣٨٢٣، كتبها أحمد بن أحمد البسطامي سنة ٨٧٢ هـ. وخطّها نسخ واضح، ورمزت إليها بحرف "ج"، ومسطرتها ٢٥ سطرًا ١٢ × ١٨ سم.
وعلى صفحتها الأولى العبارة التالية: قوبلت هذه النسخة على نسخة المصنف فصححت و ... ، وبالله التوفيق، وذلك في شهر رمضان المعظّم من شهور سنة ٨٢٥ هـ. ومن الواضح أن هذه العبارة إنما وُجدت على النسخة التي اعتمدها البسطامي، ونقل منها هذه العبارة.
٤ - نسخة مكتبة عارف حكمت: رقم /٢١٧/ مواعظ، ورمزت إليها بحرف "د"، وتقع في ٥٤٠ صفحة، وهي نسخة مذهّبة، وتاريخ نسخها ٨٦٧ هـ. كتبها أحمد بن أخي طوي المرزيفوني، وأولها: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا [الله] (*) وحده لا شريك له عدّة للقائه، محمد رسول الله ﷺ سيد أوليائه. قال الشيخ الإِمام العامل الورع الزاهد المتقن الضابط محيي الدين يحيى بن شرف .. ومسطرتها ١٧ سطرًا ٦ × ١٤ سم.
والأبواب فيها مرقمة، والفهرس في مقدمة النسخة، والصفحة الأولى من الفهرس والأولى والثانية من المقدمة مزخرفة الهوامش. وكل الصفحات مُحاطة بإطار عريض مذهب وخطوط دقيقة زرقاء، والحق أن هذه النسخة تحفة فنية رائعة، عمرها ٥٣٩ سنة. ولم يتيسر لي وضع صور منها في هذه الطبعة.
стр. 10
منهج التحقيق:
١ - تمهيد: صحبتُ كتاب "الأذكار" فترة زمنية سعيدة دامت سنة كاملة، تذوقت فيها حَلَاوَةَ القرب من رحمة الله، والشعور برضاه، وعرفت كيف يجد الذاكرون سموَّ الروح، وتحرّرَ الإِرادة، وراحةَ الضمير، ولذَّةَ المناجاة .. ولمستُ صدقَ رسالةِ محمد ﷺ وتناسقها، ووحدة مصدرها، وصفاء عقيدتها؛ في جميع هذه الأذكار والأدعية الصادرة عنه ﷺ في جميع أحيانه وأحواله. ولازمت الكتاب مُوَثِّقًا لنصوصه، ومخرِّجًا لأحاديثه، ومتأملًا في أبوابه وفصوله، وبذلت في ذلك جهودًا أرجو الله أن يدّخرها لي عنده، وأن يجعلها بمنّه وإحسانه خالصة لوجهه الكريم.
وقد تكونت لديّ ملاحظتان هامتان حول منهج النووي رحمه الله تعالى في جمعه لمادة الكتاب:
الأولى: لم يقتصر الإمام النووي -رحمه الله تعالى- على سرد الدعوات والأذكار حسب ورودها كنصوص في مصادرها الأولى، وإنما رسم للمسلم منهج حياته وسلوكه، ونظم علاقته بالخلق والخالق، وقيَّد تصرفاته وكلامه وفق أحكام الشرع، بعناوين ومقدمات واستنتاجات، وبأسلوب سهل يدل على دراية وفهم وإخلاص وورع. ومن هنا تميّز كتاب الأذكار، وأقبل عليه الخاصّة والعامّة، وشاع بين الناس، وحظي باهتمام كبير.
والمتأمل فيما وصلنا من كتب المتقدمين في موضوع الذكر والدعاء، يجدها لا تزيد على ذكر النصوص المتلاحقة والروايات المختلفة تحت عناوين عامة، وكثير منها جمع الصحيح من الأحاديث والضعيف والواهي دون تمييز؛ فأصبح من العسير على عامّة المسلمين أن يعملوا بما ورد فيها قبل نقد طرقها وتمحيصها، وتحديد المراد من نصوصها .. فجاءَ تأليفُ كتاب الأذكار، يسدُّ فراغًا ظاهرًا، ويلبّي حاجةً مُلحّة.
الثانية: حرصَ الإمامُ النووي في هذا الكتاب على بيان صحيح
стр. 11
الأحاديث وحَسَنِها وضَعيفِهَا ومُنكَرِها مما يفتقر إلى معرفته جميع الناس؛ كما صرَّح بذلك في المقدمة، وهو ما يُطلق عليه: الحكم على الحديث وبيان درجته. . وقد وفى رحمه الله تعالى بما وعد به، وحكم على كثير من الأحاديث التي أوردها في بعض فصول الكتاب بأنها ضعيفة أو ضعيفة جدًا، ولكنه سكت عن أحاديث كثيرة أيضًا وهي ضعيفة، وذهل عن أحاديث عديدة وهي واهية! .. ولعلّ هذا التساهل دخل عليه -رحمه الله تعالى- من عدة أمور:
١ - اعتمادُه على تصحيح غيره أو سكوته؛ وهذا ظاهر في النقل من سنن أبي داود، وقد دخل عليه من هذا الباب أحاديث ضعيفة سكت عنها أبو داود، واعتبرها الإمام النووي صالحة لمجرد هذا السكوت (١)!.
٢ - الحكم بجواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب؛ ما لم يكن الحديث موضوعًا (٢). . علمًا بأن أكثر الأحاديث الضعيفة الواردة في كتاب الأذكار من هذا الطريق؛ إنما تفيد حكم الاستحباب لما تضمنته من أفعال أو أقوال. . وهذا لا يثبت إلا بنص صحيح باتفاق العلماء، ومنهم الإِمام النووي (٣) رحمه الله تعالى. .
٣ - تخريج كثير من الأحاديث من كتاب "عمل اليوم والليلة"؛ لابن السني، ولو اعتمد رحمه الله تعالى التخريج من كتاب النسائي شيخ ابن السني لكان أولى، ولتخلّص من كثير من هذه الأحاديث الضعيفة التي ينفرد
стр. 12
بها ابن السني عن شيخه أو غيره. وقد تعجب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ونبّهنا إلى هذه النقطة الهامة فقال: "وعَجَبٌ من عدول الشيخ عن التخريج من كتاب النسائي مع تشدده وعلوّه إلى كتاب ابن السني مع تساهله ونزوله" (١).
٢ - خطوات منهج التحقيق:
أولًا: ضبط النصوص والتأكد من سلامتها، وذلك بالمقارنة بين النُّسخ المخطوطة (٢)، واستيفاء ما ورد فيها، واعتبرت نسخة الظاهرية رقم "أ" هي الأصل لتمامها وقدمها، علمًا بأنني لم أجد فروقًا جوهرية بين النُّسخ الأربع، وهذا في الغالب يعود لاهتمام النُّسّاخ بهذا الكتاب منذ عصر المؤلف حتى الآن. وقد سُرِرتُ سرورًا عظيمًا عندما عثرت على النسخة التونسية؛ لما تضمنته من توثيق يُفيد بأنها صححت على نسخة مكتوبة بخط النووي رحمه الله تعالى.
ثانيًا: ترقيم الآيات القرآنية وبيان سُوَرِها، ووضعت ذلك بين قوسين وبعد الآيات مباشرة لأُقلِّل من أرقام الهوامش.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث والأبواب، وجعلت لكل حديث رقمين الأول يشير إلى رقمه المتسلسل في الباب الذي ورد فيه، والثاني بعد الخط المائل هو رقمه المتسلسل في الكتاب وفي الهامش أيضًا، وذلك تسهيلًا للرجوع إليه أو الإحالة عليه مع تخريجه.
رابعًا: شرح بعض الألفاظ الغريبة التي لم يتناولها الإمام النووي؛ كما أُشير إلى بعض الفوائد الهامة والإِرشادات المفيدة المستفادة من بعض
стр. 13
الأحاديث النبوية، ولا أُكْثر من ذلك حتى لا أزيد في حجم الكتاب.
خامسًا: تخريج الأحاديث؛ تخريجًا مختصرًا، يقتصر على اسم الكتاب ورقم الحديث، أو رقم الجزء والصفحة إن لم تكن أحاديث الكتاب مرقمة، وقد توسعت في ذلك ولم أقتصر على تخريج الحديث في الموضع الذي أشار إليه النووي رحمه الله تعالى، وقد بذلت جهدي في تتبّع أقوال العلماء قديمًا وحديثًا من أهل الاختصاص في علم الجرح والتعديل، لاستخلاص الحكم على أحاديث غير الصحيحين وبيان درجتها، وكان كتاب "تحفة الأبرار بنكت الأذكار" (١) للسيوطي، وكتاب "الفتوحات الربّانية" (٢) وما اعتصره فيه مؤلفه ابن علّان -رحمه الله تعالى- من أمالي الحافظ ابن حجر المعروفة بنتائج الأفكار، وكتب الهيثمي والزيلعي، وتحقيقات وأحكام فضيلة الشيخ الألباني، وتخريجات فضيلة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول وغيره؛ هي مصادري ومواردي التي نهلت منها واستفدت.
سادسًا: الفهارس العلمية؛ صنعتُ للكتاب فهارس علمية، واقتصرتُ على فهارس أوائل الأحاديث، والآيات، والموضوعات؛ لفائدتها، ولم أرَ لفهارس الأعلام والأماكن وغيرها فائدة تُذكَر، وكان حرصي على بقاء حجم الكتاب معقولًا هو الدافع إلى الاختصار.
سابعًا: تمييز الأحاديث الضعيفة؛ وضعتُ بيانًا بأرقام الأحاديث الضعيفة، والواهية، حتى يكون المسلم على بيِّنة من أمره فيها، وهو واجد في الأحاديث الصحيحة والحسنة غنيته وكفايته.
стр. 14
ثامنًا: ترجمة الإمام النووي، وتوسّعت فيها قليلًا، لأن مَن يُداوم قراءة كتاب الأذكار يتشوق إلى الاستزادة من أخبار مؤلفه، لما يلمس فيه من تديّنه وإخلاصه ونقاء سريرته.
كما وضعت بين يدي القارىء أسماء الكتب المؤلفة في موضوع الأدعية والأذكار وأسماء مؤلفيها، وأشرتُ إلى المطبوع منها بحرف "ط" وهو قليل من كثير لا يزال مفقودًا أو مخطوطًا.
стр. 15
ترجمة مؤلف كتاب الأذكار
بسم الله الرحمن الرحيم. يحيى بن شرف النّووي (١)
نسَبُه:
هو الإِمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، النووي نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، ثم الدمشقي الشافعي، شيخ المذاهب وكبير الفقهاء في زمانه.
مَوْلدُه ونشأته:
ولد النووي رحمه الله تعالى في المحرم من ٦٣١ هـ في قرية نوى من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، وصادف أن مرَّ بتلك القرية الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي، فرأى الصبيانَ يُكرِهونه على اللعب وهو يهربُ منهم ويبكي لإِكراههم ويقرأ القرآن، فذهب إلى والده ونصحَه أن يفرّغه لطلب العلم، فاستجاب له. وفي سنة ٦٤٩ هـ قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لاستكمال تحصيله العلمي في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي من جهة الشرق. وفي عام ٦٥١ هـ حجَّ مع أبيه ثم رجع إلى دمشق.
стр. 16
حَيَاته العلميّة:
تميزت حياةُ النووي العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور:
الأول: الجدّ في طلب العلم والتحصيل في أول نشأته وفي شبابه، وقد أخذ العلم منه كلَّ مأخذ، وأصبح يجد فيه لذة لا تعدِلُها لذة، وقد كان جادًّا في القراءة والحفظ، وقد حفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع العبادات من المهذب في باقي السنة، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها.
الثاني: سعَة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط، وثالثًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين، وخامسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرسًا في إصلاح المنطق لابن السكّيت في اللغة، ودرسًا في الصرف، ودرسًا في أصول الفقه، وتارة في اللمع لأبي إسحاق، وتارة في المنتخب للفخر الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.
الثالث: غزارة إنتاجه، اعتنى بالتأليف وبدأه عام ٦٦٠ هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك الله له في وقته وأعانه، فأذابَ عُصارة فكره في كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةُ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار، والإِنصافَ في عرض أراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها في سائر البلاد.
ويذكر الإِسنوي تعليلًا لطيفًا ومعقولًا لغزارة إنتاجه فيقول: "اعلم أن
стр. 17
الشيخ محيي الدين ﵀ لمّا تأهل للنظر والتحصيل، رأى في المُسارعة إلى الخير؛ أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفًا، ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلًا، وتحصيله تصنيفًا، وهو غرض صحيح، وقصد جميل، ولولا ذلك لما تيسر له من التصايف ما تيسر له".
ومن أهم كتبه:
" شرح صحيح مسلم" و"المجموع" شرح المهذب، و"رياض الصالحين"، و"تهذيب الأسماء واللغات"، والروضة "روضة الطالبين وعمدة المفتين"، و"المنهاج" في الفقه و "الأربعين النووية"، و"التبيان في آداب حَمَلة القرآن"، والأذكار "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبّة في الليل والنهار"، و"الإِيضاح" في المناسك.
شيوخه:
شيوخه في الفقه:
١ - عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، تاج الدين، عُرف بالفِرْكاح، توفي سنة ٦٩٠ هـ.
٢ - إسحاق بن أحمد المغربي، الكمال أبو إبراهيم، محدّث المدرسة الرواحيّة، توفي سنة ٦٥٠ هـ.
٣ - عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي ثم الدمشقي، أبو محمد، مفتي دمشق، توفي سنة ٦٥٤ هـ.
٤ - سلَاّر بن الحسن الإِربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي، إمام المذهب الشافعي في عصره، توفي سنة ٦٧٠ هـ.
شيوخه في الحديث:
١ - إبراهيم بن عيسى المرادي، الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي، الإِمام الحافظ، توفي سنة ٦٦٨ هـ.
стр. 18
٢ - خالد بن يوسف بن سعد النابلسي، أبو البقاء، زين الدين، الإِمام المفيد المحدّث الحافظ، توفي سنة ٦٦٣ هـ.
٣ - عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري، الحموي، الشافعي، شيخ الشيوخ، توفي سنة ٦٦٢ هـ.
٤ - عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي، أبو الفرج، من أئمة الحديث في عصره، توفي سنة ٦٨٢ هـ.
٥ - عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستاني، أبو الفضائل، عماد الدين، قاضي القضاة، وخطيب دمشق. توفي سنة ٦٦٢ هـ.
٦ - إسماعيل بن أبي إسحاق إبراهيم بن أبي اليُسْر التنوخي، أبو محمد تقي الدين، كبير المحدّثين ومسندهم، توفي سنة ٦٧٢ هـ.
٧ - عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، ثم الدمشقي الحنبلي، المفتي، جمال الدين. توفي سنة ٦٦١ هـ.
ومنهم: الرضي بن البرهان، وزين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسي، وجمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي الفتح الصيرفي الحرّاني، وأبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ، والضياء بن تمام الحنفي، وشمس الدين بن أبي عمرو، وغيرهم من هذه الطبقة.
[شيوخه في علم الأصول:]
أما علم الأصول، فقرأه على جماعة، أشهرهم: عمر بن بندار بن عمر بن علي بن محمد التفليسي الشافعي، أبو الفتح. توفي سنة ٦٧٢ هـ.
[شيوخه في النحو واللغة:]
وأما في النحو واللغة، فقرأ على:
الشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي، أبي العباس، توفي سنة ٦٦٤ هـ.
والفخر المالكي.
والشيخ أحمد بن سالم المصري.
стр. 19
مسموعاته:
سمع النسائي، وموطأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمي، وأبي عوانة الإِسفراييني، وأبي يعلى الموصلي، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وشرح السنّة للبغوي، ومعالم التنزيل له في التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيري، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وكتاب آداب السامع والراوي للخطيب البغدادي، وأجزاء كثيرة غير ذلك.
تلاميذه:
وكان ممّن أخذ عنه العلم: علاء الدين بن العطار، وشمس الدين بن النقيب، وشمس الدين بن جَعْوان، وشمس الدين بن القمَّاح، والحافظ جمال الدين المزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ورشيد الدين الحنفي، وأبو العباس أحمد بن فَرْح الإِشبيلي، وخلائق.
أخلاقُهُ وَصفَاتُه:
أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أن النووي كان رأسًا في الزهد ، وقدوة في الورع ، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويطيب لنا في هذه العجالة عن حياة النووي أن نتوقف قليلًا مع هذه الصفات المهمة في حياته:
الزهد:
تفرَّغَ الإِمام النووي من شهوة الطعام واللباس والزواج، ووجد في لذّة العلم التعويض الكافي عن كل ذلك. والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلى دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان في سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ في التقشف وشظف العيش.
الورع:
وفي حياته أمثلة كثيرة تدلُّ على ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال: إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعًا، ولا يجوز التصرّف في ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف
стр. 20
بين العلماء. ومن جوَّزَها قال: بشرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسي؟. واختار النزول في المدرسة الرواحيّة على غيرها من المدارس لأنها كانت من بناء بعض التجّار.
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلسًا، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكًا ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتبًا فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئًا. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه ممّن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما يأكله، وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغي وراء ذلك شيئًا.
مُناصحَتُه الحُكّام:
لقد توفرت في النووي صفات العالم الناصح الذي يُجاهد في سبيل الله بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مخلصٌ في مناصحته وليس له أيّ غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاعٌ لا يخشى في اللَّه لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه.
وكان الناسُ يرجعون إليه في الملمّات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعى لحلّ مشكلاتهم، كما في قضية الحوطة على بساتين الشام:
لما ورد دمشقَ من مصرَ السلطانُ الملكُ الظاهرُ بيبرسُ بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيرًا من بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمر الملك بالحوطة عليها، أي بحجزها وتكليف واضعي اليد على شيءٍ منها إثبات ملكيته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى
стр. 21
الشيخ في دار الحديث، فكتب إلى الملك كتابًا جاء فيه: "وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثباتٌ لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن في يده شيء فهو ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه ولايُكلَّفُ إثباته" فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. ولما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفِدْ، مشى بنفسه إليه وقابله وكلَّمه كلامًا شديدًا، وأراد السلطان أن يبطشَ به فصرف اللَّه قلبَه عن ذلك وحمى الشيخَ منه، وأبطلَ السلطانُ أمرَ الحوطة وخلَّصَ اللَّه الناس من شرّها.
وَفَاته:
وفي سنة ٦٧٦ هـ رجع إلى نوى بعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوى فمرض بها وتوفي في ٢٤ رجب. ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجّت هي وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفًا شديدًا، وتوجّه قاضي القضاة عزّ الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه في قبره، ورثاه جماعة، منهم محمد بن أحمد بن عمر الحنفي الإِربلي، وقد اخترت هذه الأبيات من قصيدة بلغت ثلاثة وثلاثين بيتًا:
عزَّ العزاءُ وعمَّ الحادث الجلل ... وخاب بالموت في تعميرك الأمل
واستوحشت بعدما كنت الأنيس لها ... وساءَها فقدك الأسحارُ والأصلُ
وكنت للدين نورًا يُستضاء به ... مسدَّد منك فيه القولُ والعملُ
زهدتَ في هذه الدنيا وزخرفها ... عزمًا وحزمًا ومضروب بك المثل
أعرضت عنها احتقارًا غير محتفل ... وأنت بالسعي في أخراك محتفل
وهكذا انطوت صفحة من صفحات عَلَمٍ من أعلَام المسلمين، بعد جهاد في طلب العلم، ترك للمسلمين كنوزًا من العلم، لا زال
стр. 22
العالم الإسلامي يذكره بخير، ويرجو له من اللَّه تعالى أن تناله رحماته ورضوانه.
رحم الله الإِمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد ﷺ (١).
стр. 23
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فاذْكُرُوني أذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُون﴾ [البقرة:١٥٢]
الحمد للَّه الواحد القهَّار، العزيز الغفَّار، مقدِّر الأقدار، مصرِّف الأمور، مُكوِّر الليل (١) على النهار، تبصرةَ لأُولي القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه ومن اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، ووفَّق من اجتباه من عبيده فجعلَه من المقرَّبين الأبرار، وبصَّرَ من أحبَّه فزهَّدهم (٢) في هذه الدار، فاجتهدوا في مرضاته والتأهُّب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه والحذر من عذاب النار، وأخذوا أنفسهم بالجدِّ في طاعته وملازمة ذكره بالعشيّ والإِبكار، وعند تغاير الأحوال وجميع آناء الليل والنهار، فاستنارت قلوبُهم بلوامع الأنوار، أحمده أبلغَ الحمد على جميع نعمه، وأسألُه المزيد من فضله وكرمه. وأشهد أن لا إله إلَاّ اللَّه العظيم، الواحد الصمد العزيز الحكيم؛ وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وصفيُّه وحبيبه وخليله، أفضلُ المخلوقين، وأكرمُ السابقين واللاحقين، صلواتُ الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كلٍّ وسائر الصالحين.
стр. 24
أما بعد: فقد قال الله العظيم العزيز الحكيم: ﴿فاذْكُرُوني أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا ليَعْدون﴾ [الذاريات:٥٦] فعُلِم بهذا أمن أفضل ـ أو أفضل ـ حال العبد، حال ذكره ربَّ العالمين، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ سيد المرسلين.
وقد صنَّف العلماءُ رضي اللهع عنهم في عمل اليوم والليلة والدعوات والأذكار كتبًا كثيرةً معلومةً عند العارفين، ولكنها مطوّلة بالأسانيد والتكرير، فضَعُفَتْ عنها هممُ الطالبين، فقصدتُ تسهيل ذلك على الراغبين، فشرعتُ في جمع هذا الكتاب مختصرًا مقاصد ما ذكرته تقريبًا للمعتنين، وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعًا للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد (١) متطلعين، بل يكرهونه وإن قَصُرَ إلا الأقلّين، ولأن المقصود به معرفةُ الأذكار والعمل بها، وإيضاحُ مظانّها للمسترشدين، وأذكر إن شاء الله تعالى بدلًا من الأسانيد ما هو أهم منها مما يخلّ به غالبًا، وهو بيان صحيح (٢)
الأحاديث وحسنها وضعيفها ومنكرها،
стр. 25
فإنه مما يفتقر إلى معرفته جميعُ الناس إلا النادر من المحدّثين، وهذا أهمّ ما يجب الاعتناء به، وما يُحقِّقهُ الطالبُ من جهة الحفاظ المتقنين، والأئمة الحُذَّاق المعتمدين، وأضمُّ إليه إن شاء الله الكريم جملًا من النفائس من علم الحديث، ودقائق الفقه، ومهمات القواعد، ورياضات النفوس، والآداب التي تتأكد معرفتُها على السالكين. وأذكرُ جميعَ ما أذكرُه مُوَضَّحًا بحيث يسهلُ فهمه على العوام والمتفقهين.
وقد روينا في صحيح مسلم (١)، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال:
"مَنْ دَعا إلى هُدىً كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئًا".
فأردت مساعدة أهل الخير بتسهيل طريقه والإِشارة إليه، وإيضاح سلوكه والدلالة عليه، وأذكر في أوَّلِ الكتاب فصولًا مهمة يحتاجُ إليها صاحبُ هذا الكتاب وغيره من المعتنين، وإذا كان في الصحابة مَن ليس مشهورًا عند مَن لا يعتني بالعمل نبَّهتُ عليه فقلت: روينا عن فلان الصحابيّ، لئلا يُشكَّ قي صحبته.
وأقتصر في هذا الكتاب على الأحاديث التي في الكتب المشهورة التي هي أصول الإِسلام وهي خمسة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي. وقد أروي يسيرًا من الكتب المشهورة غيرها.
وأما الأجزاء والمسانيد فلستُ أنقل منها شيئًا إلا في نادر من
стр. 26
المواطن، ولا أذكرُ من الأصول المشهورة أيضًا من الضعيف إلا النادر مع بيان ضعفه، وإنما أذكر فيه الصحيح (١) غالبًا، فلهذا أرجو أن يكون هذا الكتاب أصلًا معتمدًا. ثم لا أذكر في الباب من الأحاديث إلا ما كانت دلالته ظاهرة في المسألة.
والله الكريم أسألُ التوفيق والإِنابة والإِعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده من الخيرات، والدوام على أنواع المكرمات، والجمع بيني وبين أحبابي في دار كرامته وسائر وجوه المسرّات.
وحسبي الله ونِعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله لا قوَّة إلَاّ بالله، توكلتُ على الله، اعتصمتُ بالله، استعنتُ بالله، وفوَّضت أمري إلى الله، واستودعتُ الله ديني ونفسي ووالديّ وإخواني وأحبائي وسائر من أحسن إليّ وجميع المسلمين وجميع ما أنعم به عليّ وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استُودع شيئًا حفظه ونعم الحفيظ.
[فصل]: في الأمر بالإِخلاص وحسن النيّات في جميع الأعمال الظاهرات والخفيَّات.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِروا إلَاّ ليعبُدوا الله مُخلِصِينَ لَهُ الدّين حُنفاء﴾ [البيِّنة:٥] وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ الله لُحومُها وَلَا دِماؤُها ولكنِ ينالُهُ التَّقوى مِنكمْ﴾ [الحج:٣٧] قال ابن عباس ﵄: معناه ولكن يناله النيّات.
أخبرنا شيخنا الإمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن الحسن بن
стр. 27
سعد بن الحسن بن المفرّج بن بكار المقدسيّ النابلسيّ ثم الدمشقي ﵁، أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسن بن عليّ الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الواسطي، حدّثنا أبو نُعيم عبيد بن هشام الحلبي، حدّثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد ـ هو الأنصاري ـ عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلّ امرىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُه إلى ما هَاجَرَ إلَيْهِ".
هذا حديث متفق (١) على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام؛ وكان السلف وتابعوهم من الخلف ﵏ تعاالى يَستحبُّون استفتاح المصنفات بهذا الحديث، تنبيهًا للمُطالع (٢) على حسن النيّة، واهتمامه بذلك والاعتناء به.
روينا عن الإمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: منن أراد أن يُصنِّفَ كتابًا فليبدأ بهذا الحديث. وقال الإمام أبو سليمان الخَطَّابي ﵀: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبُّون تقديم حديث الأعمال بالنيّة أمامَ كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها. وبلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما
стр. 28
يُحْفَظ الرجلُ على قدر نيّته. وقال غيرُه: إنما يُعطى الناسُ على قدر نيّاتهم.
وروينا عن السيد (١) الجليل أبي عليّ الفُضيل بن عِياض ﵁ قال: تركُ العمل لأجل الناس رياءٌ، والعمل لأجل الناس شِركٌ، والإِخلاصُ أن يعافيَك الله منهما. وقال الإمام الحارث المحاسبيُّ ﵀: الصادق هو الذي لا يُبالي لو خرج كلُّ قَدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صَلاح قلبه، ولا يحبُّ اطّلاع الناس على مثاقيل الذرِّ من حس عمله ولا يكرهُ أن يطلعَ الناسُ على السيء من عمله. وعن حُذيفة المَرْعشيِّ ﵀ قال: الإِخلاصُ أن تستوي أفعالُ العبد في الظاهر والباطن.
وروينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم القُشَيريّ ﵀ قال: الإِخلاصُ إفرادُ الحق في الطاعة بالقصد، وهو أن يُريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون شيء آخر: من تَصنعٍ لمخلوق، أو اكتساب محمَدةٍ عند الناس، أو محبّة مدحٍ من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرّب إلى الله تعالى. وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله التُستَريُّ ﵁: نظر الأكياسُ في تفسير الإِخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن يكون حركتُه وسكونه في سرِّه وعلانيته لله تعالى، ولا يُمازجه نَفسٌ ولا هوىً ولا دنيا.
وروينا عن الأستاذ أبي علي الدقاق ﵁ قال: الإِخلاصُ: التوقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقِّي عن مطاوعة النفس،
стр. 29
فالمخلصُ لا رياء له، والصادقُ لا إعجابَ له. وعن ذي النون المصري ﵀ قال: ثلاثٌ من علامات الإِخلاص: استواءُ المدح والذمّ من العامَّة، ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، واقتضاءُ ثواب العمل في الآخرة.
وروينا عن القُشَيريِّ ﵀ قال: أقلُّ الصدق استواءُ السرّ والعلانية. وعن سهل التستري: لا يشمّ رائحة الصدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره، وأقوالهم في هذا غير منحصرة، وفيما أشرت إليه كفاية لمن وُفق.
[فصل]: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرّة واحدة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا بل يأتي بما تيسر منه، لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته:
"إذَا أَمَرْتُكُمْ بَشَيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ" (١)
[فصل]: قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا (٢)، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يُعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياطٍ في شيء من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزّه عنه ولكن لا يجب. وإنما ذكرتُ هذا
стр. 30
الفصل لأنه يجيءُ في هذا الكتاب أحاديثُ أنصُّ على صحتها أو حسنها أو ضعفها، أو أسكتُ عنها لذهول عن ذلك أو غيره، فأردتُ أن تتقرّر هذه القاعدة عند مُطالِع هذا الكتاب.
[فصل]: اعلم أنه كما يُستحبُّ الذكر يُستحبُّ الجلوس في حِلَق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وستردُ في مواضعها إن شاء الله تعالى، ويكفي في ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا. قالُوا: وَمَا رِياضُ الجَنَّةِ يا رَسُولَ الله؟! قالَ: حِلَقُ الذّكْرِ، فإنَّ لله تعالى سَيَّارَاتٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذّكْرِ، فإذَا أَتَوْا عَليْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ" (١).
وروينا في صحيح مسلم (٢)، عن معاوية ﵁ أنه قال: خرج رسول الله ﷺ على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجْلَسَكُم؟ قالوا: جلسنا نذكُر الله تعالى ونحمَدُه على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قالوا: واللَّهِ، ما أجلسنا إلاّ ذاك، قال: أما إني لَمْ أستحلِفكُمْ تُهمةً لكُمْ، ولَكنَّهُ أتاني جبْرِيلُ فأخْبَرَنِي أنَّ الله تعالى يُباهي بكُمُ المَلائكَةَ".
وروينا في صحيح مسلم (٣) أيضًا، عن أبي سعيد الخدري وأبي
стр. 31
هريرة ﵄: أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال:
"لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُون الله تَعالى إلا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَليهِمْ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيمَنْ عِنْدَهُ".
[فصل]: الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضلُ منه ما كانَ بالقلب واللسان جميعًا، فإن اقتصرَ على أحدهما فالقلبُ أفضل، ثم لا ينبغي أن يُتركَ الذكرُ باللسان مع القلب خوفًا من أن يُظنَّ به الرياء، بل يذكرُ بهما جميعًا ويُقصدُ به وجهُ الله تعالى، وقد قدّمنا عن الفُضَيل ﵀: أن ترك العمل لأجل الناس رياء. ولو فتح الإنسانُ عليه بابَ ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرّق ظنونهم الباطلة لا نسدَّ عليه أكثرُ أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمَّات الدين، وليس هذا طريق (١) العارفين.
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم (٢)، عن عائشة ﵂ قالت: نزلت هذه الآية ﴿وَلَاتَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء:١١٠] في الدعاء.
[فصل]: اعلم أن فضيلة الذكر غيرُ منحصرةٍ في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوها، بل كلُّ عاملٍ لله تعالى بطاعةٍ فهو ذاكرٌ لله تعالى، كذا قاله سعيدُ بن جُبير ﵁ زغيره من العلماء. وقال عطاء ﵀: مجالسُ الذِّكر هي مجالسُ الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيعُ وتصلّي وتصومُ وتنكحُ وتطلّق وتحجّ، وأشباه هذا.
[فصل]: قال الله تعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى قوله
стр. 32
تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ الله كَثيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
وروينا في صحيح مسلم (١)، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال:
"سَبَقَ المُفرِّدونَ، قالُوا: ومَا المُفَرِّدونَ يا رَسُولَ الله؟! قالَ: الذَّاكِرُونَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكرَاتُ".
قلت: روي المفرِّدون بتشديد الراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.
واعلم أن هذه الآية الكريمة (٢) مما ينبغي أن يهتمَّ بمعرفتها صاحبُ هذا الكتاب.
وقد اختُلِفَ في ذلك، فقال الإِمامُ أبو الحسن الواحديّ: قال ابن عباس: المراد يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكرَ الله تعالى. وقال مجاهد: لا يكونُ من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا. وقال عطاء: من صلَّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول الله تعالى: ﴿والذَّاكِرِينَ الله كَثيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ هذا نقل الواحدي.
وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا ـ أَوْ صَلَّى ـ رَكعَتينِ
стр. 33
جَمِيعًا كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ" (١) هذا حديث مشهور رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم.
وسئل الشيخ الإمام أبو عمر بن الصَّلاح ﵀ عن القدر الذي يصيرُ به من الذاكرينَ الله كثيرًا والذاكرات، فقال: إذا واظبَ على الأذكار المأثورة (٢) المثبتة صباحًا ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلًا ونهارًا، وهي مُبيّنة في كتاب عمل اليوم والليلة (٣)، كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والله أعلم.
[فصل]: أجمع العلماءُ على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجُنب والحائض والنفساء، وذلك في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله ﷺ والدعاء وغير ذلك. ولكنَّ قراءة القرآن حرامٌ على الجُنب والحائض والنفساء، سواءٌ قرأ قليلًا أو كثيرًا حتى بعض آية، ويجوز لهم إجراءُ القرآن على القلب من غير لفظ، وكذلك النَّظَرُ في المصحف، وإمرارُه على القلب. قال أصحابُنا: ويجوز للجُنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: ﴿إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون﴾، وعند ركوب الدابة: ﴿سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مُقرنين﴾ (٤)، وعند الدعاء: ﴿ربنا آتنا
стр. 34
في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار﴾، إذا لم يقصدا به القرآن، ولهما أن يقولا: بسم الله، والحمد لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواءٌ قصدا الذكر أو لم يكن لهما قصد، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن، ويجوزُ لهما قراءةُ ما نُسخت تلاوتُه "كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وأما إذا قالا لإِنسان: خذ الكتاب بقوّة، أو قالا: ادخلوها بسلام آمنين، ونحو ذلك، فإن قصدا غيرَ القرآن لم يحرم، وإذا لم يجدا الماء تيمَّمَا وجاز لهما القراءة، فإن أحدثَ بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث. ثم لا فرق بين أن يكون تَيمُّمُه لعدم الماء في الحَضَر أو في السفر، فله أن يقرأ القرآن بعده وإن أحدث. وقال بعضُ أصحابنا: إن كان في الحضر صلَّى به وقرأ به في الصلاة، ولا يجوزُ أن يقرأ خارجَ الصلاة، والصحيحُ جوازه كما قدّمناه، لأن تيمُّمَه قام مقام الغسل. ولو تيمَّمَ الجنبُ ثم رأى ماء يلزمُه استعمالُه فإنه يحرمُ عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجُنب حتى يغتسل.
ولو تيمَّم وصلَّى وقرأ ثم أراد التيمّم لحدثٍ أو لفريضةٍ أخرى أو لغير ذلك لم تحرم عليه القراءة.
هذا هو المذهب الصحيح المختار، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يحرمُ، وهو ضعيف.
أما إذا لم يجد الجُنبُ ماءً ولا تُرابًا فإنه يُصلِّي لحُرمة الوقت على حسب حاله، وتحرمُ عليه القراءة خارجَ الصلاة، ويحرمُ عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة.
وهل تحرمُ الفاتحة؟ فيه وجهان: أصحُّهما لا تحرمُ بل تجبُ، فإن الصَّلاةَ لا تصحُّ إلا بها، وكما جازت الصلاةُ للضرورة تجوزُ القراءة. والثاني تحرمُ، بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها مَن لا يُحسن شيئًا من
стр. 35
القرآن. وهذه فروعٌ رأيتُ إثباتها هنا لتعلقها بما ذكرتُه، فذكرتها مختصرة وإلا فلها تتمّات وأدلة مستوفاة في كتب الفقه، والله أعلم.
[فصل]: ينبغي أن يكون الذاكرُ على أكمل الصفات، فإن كان جالسًا في موضع استقبل القبلة وجلس مُتذلِّلًا مُتخشعًا بسكينة ووقار، مُطرقًا رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركًا للأفضل. والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضضِ واخْتِلَافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ. الَّذينَ يَذْكرُونَ الله قِيامًا وَقُعوداَ وَعلى جُنوبِهمْ وَيَتَفكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ ..﴾ [آل عمران: ١٩٠ـ ١٩١].
وثبت في الصحيحين (١)، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يتكىء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: ورأسه في حجري وأنا حائض (٢). وجاء عن عائشة ﵂ أيضًا قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعةٌ على السرير.
[فصل]: وينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خاليًا (٣) نظيفًا (٤)، فإنه أعظمُ في احترام الذكر المذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة. وجاء عن الإمام الجليل أبي ميسرة ﵁ قال: لا يُذكر الله تعالى إلَاّ في مكان طيّب. وينبغي أيضًا أن يكون فمه نظيفًا، فإن كان فيه تغيُّر أزاله بالسِّواك، وإن كان فيه نجاسة أزالها بالغسل بالماء،
стр. 36
فلو ذكر ولم يغسلها فهو مكروهٌ ولا يَحرمُ، ولو قرأ القرآن وفمُه نجسٌ كُره، وفي تحريمه وجهان لأصحابنا: أصحُّهما لا يَحرم.
[فصل]: اعلم أن الذكر (١) محبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال وردَ الشرعُ باستثنائها نذكرُ منها هنا طرفًا، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى. فمن ذلك أنه يُكره الذكرُ حالةَ الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجِماع، وفي حالة الخُطبة لمن يسمعُ صوتَ الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغلُ بالقراءة، وفي حالة النعاس. ولا يُكره في الطريق ولا في الحمَّام، والله أعلم.
[فصل]: المرادُ من الذكر حضورُ القلب، فينبغي أن يكون هو مقصودُ
الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبُر في الذكر مطلوبٌ كما هو مطلوبٌ في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيح المختار استحباب مدَّ الذاكر قول: لا إله إلا الله، لما فيه من التدبر، وأقوالُ السلف وأئمة الخلف في هذا مشهورة، والله أعلم.
[فصل]: ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرّضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعها في وقتها.
وقد ثبت في صحيح مسلم (٢)، عن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 37
قال: قال رسول الله ﷺ :
"مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ فقرأهُ ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وَصلاة الظُّهْرِ كُتب له كأنما قرأه من اللَّيل".
[فصل]: في أحوال تعرضُ للذاكر يُستحبّ له قطعُ الذكر بسببها ثم يعودُ إليه بعد زوالها: منها إذا سُلِّم عليه ردّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطسَ عنده عاطشٌ شمَّته ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيبَ، وكذا إذا سمع المؤذّنَ أجابَه في كلمات الأذان والإقامة ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكرًا أزاله، أو معروفًا أرشد إليه، أو مسترشدًا أجابه ثم عاد إلى الذكر، كذا إذا غلبه النعاس أو نحوه. وما أشبه هذا كله.
[فصل]: اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً لا يُحسبُ شيءٌ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به بحيثُ يُسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له.
[فصل]: اعلم أنه قد صنَّف في عمل اليوم والليلة (١) جماعةٌ من الأئمة كتبًا نفيسة، رَووا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة، وطرَّقُوها من طرق كثيرة، ومن أحسنها "عمل اليوم والليلة" للإِمام أبي عبد الرحمن النسائي، وأحسن منه وأنفس وأكثر فوائد كتاب "عمل اليوم والليلة" لصاحبه الإمام أبي بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ ﵃. وقد سمعتُ أنا جميعَ كتاب ابن السني على شيخنا الإمام الحافظ أبي البقاء خالد بن يوسف (٢) بن سعد بن الحسن ﵁، قال: أخبرنا الإمام
стр. 38
العلامة أبو اليَمن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكِنْدي سنة اثنتين وستمائة، قال: أخبرنا الشيخ الإِمام أبو الحسن سعد الخير محمد بن سَهْل الأنصاريّ، قال: أخبرنا الشيخُ الإِمام أبو محمد عبد الرحمن بن سعد بن أحمد بن الحسن الدُّوني، قال: أخبرنا القاضي أبو نصر أحمدُ بن الحسين بن محمد بن الكسَّار الدَّينوري، قال: أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمدُ بن محمد بن إسحاق السُّني ﵁.
وإنما ذكرتُ هذا الإسناد هنا لأني سأنقلُ من كتاب ابن السني إن شاء الله تعالى جُملًا، فأحببتُ تقديمَ إسناد الكتاب، وهذا مستحسنٌ عند أئمة الحديث وغيرهم، وإنما خصصتُ ذكر إسناد هذا الكتاب لكونه أجمع الكتب في هذا الفنّ، وإلا فجميعُ ما أذكرهُ فيه لي به رواياتٌ صحيحةٌ بسماعات متصلة بحمد الله تعالى إلا الشاذّ النادر، فمن ذلك ما أنقلُه من الكتب الخمسة التي هي أصول الإسلام، وهي: الصحيحان للبخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، ومن ذلك ما هو من كتب المسانيد والسنن كموطأ الإمام مالك، وكمسند الإمام أحمد بن حنبل، وأبي عَوانة، وسنن ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي وغيرها من الكتب، ومن الأجزاء مما ستراه إن شاء الله تعالى، وكلُّ هذه المذكورات أرويها بالأسانيد المتصلة الصحيحة إلى مؤلفها، والله أعلم.
[فصل]: اعلم أن ما أذكرهُ في هذا الكتاب من الأحاديث أُضيفه إلى الكتب المشهورة وغيرها مما قدّمتُه، ثم ما كان في صحيحي البخاري ومسلم أو في أحدهما أقتصرُ على إضضافته إليهما لحصول الغرض وهو صحته، فإن جميعَ ما فيهما صحيح، وأما ما كان في غيرهما فأُضيفُه إلى كتب السنن وشبهها مبيِّنًا صحته وحسنه أو ضعفه إن كان فيه ضعفٌ في غالب المواضع، وقد أغفلُ عن صحته وحسنه وضعفه.
стр. 39
واعلم أن سنن أبي داود من أكبر ما أنقلُ منه، وقد روينا عنه أنه قال: ذكرتُ في كتابي: الصحيح وما يُشبهه ويُقاربه، وما كان فيه ضعف شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضُها أصحّ من بعض. هذا كلام أبي داود، وفيه فائدة حسنة يحتاجُ إليها صاحب هذا الكتاب وغيرُه، وهي أن ما رواه أبو داود في سننه ولم يذكر ضعفَه فهو عنده
صحيح أو حسن، وكلاهُما يُحتجّ به في الأحكام، فكيف بالفضائل. فإذا تقرّر هذا فمتى رأيتَ هنا حديثًا من رواية أبي داود وليس فيه تضعيف، فاعلم أنه لم يضعِّفْه (١)، والله أعلم.
وقد رأيتُ أن أُقدِّم في أوّل الكتاب بابًا في فضيلة الذكر مطلقًا أذكر فيه أطرافًا يسيرة توطئةً لما بعدها، ثم أذكرُ مقصود الكتاب في أبوابه، وأختمُ الكتابَ إن شاء الله تعالى بباب الاستغفار تفاؤلًا بأن يختم الله لنا به، والله الموفِّق، وبه الثقة، وعليه التوكل والاعتماد، وإليه التفويضُ والاستناد.
стр. 40
١ - بابٌ مختصر في أحرفٍ مما جاء في فضل الذكر غير مقيّدٍ بوقت
قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال تعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصّافّات:١٤٣] وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
[١/ ١] وروينا في صحيحي إمامي المحدّثين: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي مولاهم، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشيري النيسابوري ﵄ بأسانيدهما، عن أبي هريرة ﵁، واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولًا، وهو أكثر الصحابة حديثًا، قال:
قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ، حَبيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظيمِ" وهذا الحديث آخر شيء في صحيح البخاري.
[٢/ ٢] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي ذرّ ﵁ قال:
قال لي رسول الله ﷺ : "ألا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى؟ إِنَّ أحَبَّ الكَلام إلى اللَّه: سُبحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وفي رواية: سئل رسول الله ﷺ : أيّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصْطَفى اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ أوْ لعبادِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ".
[٣/ ٣] وروينا في صحيح مسلم أيضًا، عن سَمُرة بن جندب قال:
قال