← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13566

الأذكار للنووي ت مستو

النووي

Полный текст (619 стр.). Показаны 596–619 · переход к 601.

стр. 596

عليه أكثر من أن تُحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر، لكن نتبرّك بذكر حديث فيه. [١/ ١٠٤١] روينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ادْعُوا اللَّهَ وَأنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجابَةِ، وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّه تَعالى لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ" إسنادُه فيه ضعف. ٣٤٣ ـ بابُ فضلِ الدعاء بظهر الغيب قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُون: رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوانِنا الَّذين سَبَقُونا بالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وللمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ﴾ [محمد:١٩] وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﷺ : ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لي وَلِوَالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم:٤١] وقال تعالى: إخبارًا عن نوح ﷺ : ﴿رَبّ اغْفِرْ لي ولِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَللْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ﴾ [نوح:٢٨]. [١/ ١٠٤٢] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه؛ أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلمٍ يَدْعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلَاّ قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ" وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن أبي الدرداء أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأخِيهِ بِظَهْرِ بالغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ، عِنْدَ رأسهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعا لأخِيهِ بِخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ" (١).

стр. 597

[٢/ ١٠٤٣] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أسْرَعُ الدُّعاءِ إجابَةً دَعْوَةُ غائِبٍ لِغائبٍ" ضعّفه الترمذي. ٣٤٤ ـ بابُ استحباب الدعاءِ لمن أَحْسَنَ إليه، وصفة دُعائِه هذا الباب فيه أشياء كثيرة تقدمت في مواضعها. ومن أحسنها: [١/ ١٠٤٤] ما روينا في الترمذي، عن أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقالَ لِفاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أبْلَغَ في الثَّناءِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد قدّمنا قريبًا في كتاب حفظ اللسان في الحديث الصحيح قوله ﷺ : "وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا لَهُ حتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ". ٣٤٥ ـ باب استحباب طلب الدعاءِ من أهل الفضلِ وإن كان الطالبُ أفضل من المطلوبِ منه، والدعاء في المواضعِ الشريفة اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثرُ من أن تُحصر، وهو مجمعٌ عليه، ومن أدلّ ما يستدلّ به:

стр. 598

[١/ ١٠٤٥] ما روينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: استأذنتُ النبيّ ﷺ في العمرة، فأذنَ وقال: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِنْ دُعائِكَ" فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا. وفي رواية قال: "أشْرِكَنا يا أُخَيُّ في دُعائِكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد ذكرناه في أذكار المسافر. ٣٤٦ ـ بابُ نهي المكلّفِ عن دعائه على نفسه وولده وخادمه وماله ونحوها [١/ ١٠٤٦] روينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على خَدَمِكمْ، ولا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ ساعَةً نِيْلَ فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابَ مِنْكُمْ". قلتُ: نيل بكسر النون وإسكان الياء، ومعناه: ساعة إجابة يَنالُ الطالبُ فيها ويُعطى مطلوبَه. وروى مسلم هذا الحديث في آخر صحيحه وقال فيه: "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالى ساعَةً يُسألُ فيها عَطاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ". ٣٤٧ ـ بابُ الدليل على أنَّ دعاء المسلم يُجاب بمطلوبه أو غيره وأنه لا يستعجلُ الإِجابة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سألَكَ عِبادِي عَنِّي فإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ

стр. 599

الدَّاعِ إذَا دَعانِ﴾ [البقرة:١٨٦] وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. [١/ ١٠٤٧] وروينا في كتاب الترمذي، عن عُبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "ما على وَجْهِ الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ إلَاّ آتاهُ اللَّهُ إيَّاها، أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكْثَرُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري، وزاد فيه "أوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَها". [٢/ ١٠٤٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبيّ ﷺ قال: "يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي".

стр. 600

كتاب الاستغفار ٣٤٨ ـ باب الاستغفار اعلم أن هذا الكتاب من أهمّ الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل به. وقصدت بتأخيره التفاؤلَ بأن يختم الله الكريم لنا به، نسأله ذلك وسائر وجوه الخير لي ولأحبائي وسائر المسلمين آمين. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَللْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد:١٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٦] وقال تعالى: ﴿لِلَّذينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعِبادِ، الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بالأسحَارِ﴾ [آل عمران:١٥ـ١٧] وقال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ؟ وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ

стр. 601

نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ ..﴾ الآية [هود:٣]، وقال تعالى إخبارًا عن نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وقال تعالى حكاية عن هود ﷺ : ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ..﴾ الآية [هود:٥٢]، والآيات في الاستغفار كثيرة معروفة، ويحصل التنبيه ببعض ما ذكراه. وأما الأحاديث الواردة في الاستغفار فلا يمكن استقصاؤها، لكني أُشير إلى أطراف من ذلك. [١/ ١٠٤٩] روينا في صحيح مسلم، عن الأغرّ المزنيّ الصحابيّ رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّهُ لَيُغانُ على قَلْبِي، وإني لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِئَة مَرَّةٍ". [٢/ ١٠٥٠] وروينا في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "والله إنّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيهِ فِي اليَوْمِ أكثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّة". [٣/ ١٠٥١] وروينا في صحيح البخاري أيضًا، عن شداد بن أوس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "سَيِّدُ الاسْتغْفارِ أنْ يقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبّي لا إِلهَ إِلَاّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما

стр. 602

اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا صَنَعْتُ، أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عليَّ وأبُوءُ بِذَنْبي، فاغْفِرْ لي فإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أنْتَ؛ مَنْ قَالَهَا بالنَّهارِ مُوقِنًا بِها فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ موقِن بها فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ". قلت: أبوء بضم الباء وبعد الواو همزة ممدودة، ومعناه: أقرّ وأعترف. [٤/ ١٠٥٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنّا نعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مِئَةَ مرّة: "ربّ اغْفِرْ لي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ" قال الترمذي: حديث صحيح. [٥/ ١٠٥٣] وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ". [٦/ ١٠٥٤] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ".

стр. 603

[٧/ ١٠٥٥] وروينا في سنن أبي داود، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ أن رسول الله ﷺ كانن يُعجبه أن يدعوَ ثلاثًا، ويستغفرَ ثلاثًا. وقد تقدم هذا الحديث قريبًا في جامع الدعوات. [٨/ ١٠٥٦] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن مولى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً" قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ. [٩/ ١٠٥٧] وروينا في كتاب الترمذي، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "قالَ اللَّهُ تَعالى: يا بْنَ آدَمَ! إَّنكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ ما كانَ منْكَ وَلا أُبالي، يا بْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يابْنَ آدَمَ! لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطايَا ثُمَّ أتَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِها مَغْفِرَةً" قال الترمذي: حديث حسن. قلت: عنان السماء بفتح العين: وهو السحاب، واحدتها عنانة؛ وقيل العنان: ما عنّ لك منها، أي ما اعترضَ وظهر لك إذا رفعت رأسك. وأما قراب الأرض فروي بضم القاف وكسرها، والضم هو المشهور، ومعناه: ما يُقارب ملأها، وممّن حكى كسرها صاحب المطالع. [١٠/ ١٠٥٨] وروينا في سنن ابن ماجه، بإسناد جيد عن عبد الله بن

стр. 604

بُسْرٍ ـ بضم الباء وبالسين المهملة ـ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفارًا كَثِيرًا". [١١/ ١٠٥٩] وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِليْهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ" قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. قلتُ: وهذا الباب واسع جدًا، واختصاره أقرب إلى ضبطه، فنقتصر على هذا القدر منه. [فصل]: ومما يتعلَّق بالاستغفار ما جاء عن الرَّبيع بن خُثَيْم رضي الله تعالى عنه قال: لا يقلْ أحدُكم: أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقولُ: اللَّهمّ اغفر لي وتُبْ عليّ، وهذا الذي قاله من قوله: اللَّهمّ اغفر لي وتب عليّ حسن. وأما كراهيته أستغفرُ الله وتسميته كذبًا فلا نُوافق عليه، لأن معنى أستغفرُ الله أطلبُ مغفرتَه، وليس في هذا كذب، ويكفي في ردّه حديث ابن مسعود المذكور قبله. وعن الفُضيل رضي الله تعالى عنه: استغفارٌ بلا إقلاع توبةُ الكذّابين، ويُقاربه ما جاءَ عن رابعة العدوية رضي الله تعالى عنها قالت: استغفارُنا يحتاجُ إلى استغفار كثير. وعن بعضِ الأعراب أنه تعلَّقَ بأستار الكعبة وهو يقول: اللَّهمّ إن

стр. 605

استغفاري مع إصراري لؤم، وإن تركي الاستغفارَ مع علمي بسَعَة عفوك لعجز، فكم تَتَحَبَّبُ إليّ بالنعم مع غِناكَ عني، وأَتَبَغَّضُ إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا مَن إذا وَعدَ وَفَّى، وإذا توعَّدَ تجاوز وعفا، أدخلْ عظيمَ جُرمي في عظيم عفوكَ يا أرحم الراحمين. ٣٤٩ ـ بابُ النّهي عن صَمْتِ يَوْمٍ إلى الليل [١/ ١٠٦٠] روينا في سنن أبي داود، بإسناد حسن، عن عليّ ﵁، قال: حفظتُ عن رسول الله ﷺ : "لا يُتْمَ (١) بَعْدَ احْتِلام، وَلا صُماتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ". وروينا في معالم السنن للإِمام أبي سليمان الخطابي ﵁ قال في تفسير هذا الحديث: كان أهل الجاهلية من نُسْكهم الصُّماتُ، وكان أحدُهم يعتكفُ اليومَ والليلة فيصمتُ ولا ينطق، فنُهوا: يعني في الإِسلام عن ذلك، وأُمروا بالذكر والحديث بالخير. [٢/ ١٠٦١] وروينا في صحيح البخاري، عن قيس بن أبي حازم ﵀ قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحْمَسَ يُقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يَحِلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلَّمتْ.

стр. 606

الأحاديث التي عليها مدار الاسلام [فصل]: في آخر ما قصدتُه من هذا الكتاب، وقد رأيتُ أن أضمَّ إليه أحاديث تتمُّ محاسنُ الكتاب بها إن شاء الله تعالى، وهي الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام (١)، وقد اختلفَ العلماءُ فيها اختلافًا منتشرًا، وقد اجتمعَ مِن تداخل أقوالهم مع ما ضممتُه إليها ثلاثون حديثًا. ١٠٦٢ - الحديث الأول: حديثُ عمر بن الخطاب ﵁: "إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ" وقد سبق بيانَه في أول هذا الكتاب.

стр. 607

١٠٦٣ - الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنَا هَذَا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" رويناه في صحيحي البخاري ومسلم. ١٠٦٤ - الثالث: عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبرأ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألَا وَإنَّ حِمَى اللَّهِ تَعالى مَحَارِمُهُ، ألا وَإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألَا وَهِيَ القَلْبُ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٦٥ - الرابع: عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: حدّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بأرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْب رِزْقِهِ وَأجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، فَوَ الَّذي لا إِلهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حتَّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إلَاّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فيدْخُلُها، وَإنَّ أحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ

стр. 608

وبَيْنَها إِلَاّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها" رويناه في صحيحيهما. ١٠٦٦ - الخامس: عن الحسن بن عليّ ﵄، قال: حَفِظتُ من رسولِ الله ﷺ : "دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ" رويناه في الترمذي والننسائي، قال الترمذي: حديث صحيح. قوله يَريبك بفتح الياء وضمّها لغتان، والفتح أشهر. ١٠٦٧ - السادس: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" رويناه في كتاب الترمذي وابن ماجه، وهو حسن. ١٠٦٨ - السابع: عن أنس ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٦٩ - الثامن: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَاّ طَيِّبًا، وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] وَقالَ تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعث أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبّ يا رَبّ،

стр. 609

وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِي بالحَرَامِ، فأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟ " رويناه في صحيح مسلم. ١٠٧٠ - التاسع: حديث "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ" رويناه في الموطأ مرسلًا، وفي سنن الدارقطنيّ وغيره من طرق متصلًا، وهو حسن. ١٠٧١ - العاشر: عن تميم الداري ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "الدّين النَّصِيحَةُ، قلنا: لم؟ قال: لِلَّهِ، وَلِكِتابِهِ، وَلِرسُولهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِم" رويناه في مسلم. ١٠٧٢ - الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁؛ أنه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، وَما أمَرْتُكُمْ بِهِ فافْعَلُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ فإنَّما أهْلَكَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ وَاخْتِلافهُمْ على أنْبِيائِهِمْ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٧٣ - الثاني عشر: عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله! دلّني على عمل إذا عملتُه أحبّني

стр. 610

الله وأحبّني الناس؟ فقال: "ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيما عِنْدَ النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ" حديث حسن رويناه في كتاب ابن ماجه. ١٠٧٤ - الثالث عشر: عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وأنِّي رَسولُ الله إِلَاّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ للجَمَاعَةِ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٧٥ - الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاة، فإذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأمْوَالَهمْ إِلَاّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسابُهُمْ على الله تعالى" رويناه في صحيحيهما. ١٠٧٦ - الخامس عشر: عن ابن عمر ﵄ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أن لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإقامِ الصَّلاةِ، وَإيتاءِ الزَّكاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٧٧ - السادس عشر: عن ابن عباس ﵄؛ أن رسول

стр. 611

الله ﷺ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى رجالٌ أمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي وَاليَمِينُ على مَنْ أنْكَرَ" هو حسن بهذا اللفظ، وبعضه في الصحيحين. ١٠٧٨ - السابع عشر: عن وَابِصَةَ بن معبد ﵁؛ أنه أتى رسولَ الله صلى الله ﷺ فقال: "جِئْتَ تَسألُ عَنِ البِرّ وَالإِثْمِ؟ قال: نعم، فقال: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ: البِرُّ ما اطْمأنَّت إِلَيْهِ النَّفْس وَاطْمأنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، وَالإِثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإنْ أفْتاكَ النَّاسُ وَأفْتَوْكَ" حديث حسن رويناه في مسندَيْ أحمد والدارمي وغيرهما. وفي صحيح مسلم، عن النواس بن سمعانَ ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "البرّ: حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ". ١٠٧٩ - الثامن عشر: عن شَدَّادِ بن أوسٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ الإِحْسانَ على كُلَ شَيْءٍ، فإذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" رويناه في مسلم، والقِتلة بكسر أولها. ١٠٨٠ - التاسع عشر: عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ،

стр. 612

ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" رويناه في صحيحيهما. ١٠٨١ - العشرون: عن أبي هريرة ﵁؛ أن رجلًا قالَ للنبي ﷺ : أوصني قال: "لا تَغْضَبْ" فردّد مِرارًا، قال: "لا تَغْضَبْ" رويناه في البخاري. ١٠٨٢ - الحادي والعشرون: عن أبي ثعلبة الخُشنيِّ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وَحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وَسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها" رويناه في سنن الدارقطني بإسناد حسن. ١٠٨٣ - الثاني والعشرون: عن معاذٍ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلُني الجنةَ ويُباعدني من النار؟ قال: "لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْركُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكّاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ، ثم قال: ألا أَدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ " الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ

стр. 613

الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تلا ﴿تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَن المَضَاجِع﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ـ١٧] ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ بِرأْس الأمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سنَامِهِ؟ قلتُ: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ! قالَ: رأسُ الأمر الإِسلامُ، وعمودهُ الصلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثم قال: ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذلكَ كُلِّهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه، ثم قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فقلتُ: يا نبيّ الله! وإنّا لمؤاخَذُونَ بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ، أوْ على مَناخِرهِم إلَاّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟ " رويناه في الترمذي وقال: حسن صحيح. وذِروة السنام: أعلاه، وهي بكسر الذال وضمّها. وملاك الأمر بكسر الميم: أي مقصوده. ١٠٨٤ - الثالث والعشرون: عن أبي ذرّ ومعاذ ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَة تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ" رويناه في الترمذي وقال: حسن، وفي بعض نسخه المعتمدة: حسن صحيح. ١٠٨٥ - الرابع والعشرون: عن العِرباضِ بن ساريةَ ﵁، قال: وَعَظَنا رسولُ الله ﷺ موعظةً وَجِلت منها القلوب، وذرفتْ منها العيون، فقلنا: يا رسولَ الله! كأنها موعظةُ مُودّع فأوصنا، قال: "أُوصِيكُمْ

стр. 614

بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإنْ تأمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَليْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ" رويناه في سنن أبي داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ١٠٨٦ - الخامس والعشرون: عن أبي مسعود البدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئْتَ" رويناه في البخاري. ١٠٨٧ - السادس والعشرون: عن جابر ﵁: أن رجلًا سألَ رسولَ الله ﷺ فقال: أرأيتَ إذا صَلَّيْتُ المكتوبات، وصمتُ رمضانَ، وأحللتُ الحلالَ، وحرّمتُ الحرامَ، ولم أزدْ على ذلك شيئًا؛ أدخلُ الجنة؟ قال: "نَعَمْ" رويناه في مسلم. ١٠٨٨ - السابع والعشرون: عن سفيانَ بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإِسلام قولًا لا أسألُ عنه أحدًا غيرك، قال: "قُلْ آمَنْتُ باللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ" رويناه في مسلم. قال العلماءُ: هذا الحديث من جوامع كلمه ﷺ ، وهو مطابق لقول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا

стр. 615

هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [فصّلت:٣٠] قال جمهور العلماء: معنى الآية والحديث: آمنوا والتزموا طاعةَ الله. ١٠٨٩ - الثامن والعشرون: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل النبيَّ ﷺ عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة، وهو مشهور في صحيح مسلم وغيره. ١٠٩٠ - التاسع والعشرون: عن ابن عباس ﵄ قال: "كنتُ خَلْفَ النبيّ ﷺ يومًا فقال: "يا غُلامُ! إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذَا سَألْتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّهِ؛ وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ" رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ وفي رواية غير الترمذي زيادة "احْفَظِ اللَّهَ تَجدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أنَّ ما أخْطأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ" وفي آخره "وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسرًا" هذا حديث عظيم الموقع. ١٠٩١ - الثلاثون: وبه اختتامها واختتام الكتاب، فنذكره بإسناد

стр. 616

مستظرف، ونسأله الله الكريم خاتمة الخير، أخبرنا شيخنا الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسيّ ثم الدمشقي رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا أبو طالب عبد الله وأبو منصور يُونس وأبو القاسم حسين بن هبة الله بن مصري وأبو يَعلى حمزة وأبو الطاهر إسماعيل، قالوا: أخبرنا الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسين ـ هو ابن عساكر ـ قال: أخبرنا الشريفُ أبو القاسم عليّ بن إبراهيم بن العباس الحسيني خطيب دمشق، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن سلوان، قال: أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشميّ قال: أخبرنا أبو مسهر قال: أخبرنا سعيدُ بن عبد العزيز عن ربيعةَ بن يزيدَ عن أبي إدريسَ الخولاني، عن أبي ذرّ ﵁، عن رسول الله ﷺ ، عن جبريلَ ﷺ ، عن الله ﵎ أنه قال: "يا عِبادي! إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَّالَمُوا؛ يا عِبادي! إِنَّكُمُ الَّذينَ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وأنا الَّذي أغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أُبالي، فاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ؛ يا عبادي! كُلُّكُمْ جائعٌ إلَاّ مَنْ أطْعَمْتُهُ فاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ؛ يا عبادي! كُلُّكُمْ عارٍ إِلَاّ مَنْ كَسَوْتُهُ فاسْتَكْسُونِي أكْسِكُمْ؛ يا عِبادي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا على أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ منْ مُلْكِي شَيْئًا؛ يا عِبادي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا على أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذلكَ في مُلْكي شَيْئًا؛ يا عِبادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ فَسألُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا إِلَاّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً؛ يا عِبادي! إنَّما هِيَ أعْمالُكُمْ أحْفَظُها عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلَاّ نَفْسَهُ".

стр. 617

قال أبو مسهر: قال سعيدُ بن عبد العزيز: كان أبو إدريس إذا حدّثَ بهذا الحديث جثا على ركبتيه. هذا حديث صحيح، رويناه في صحيح مسلم وغيره، ورجال إسناده مني إلى أبي ذرّ ﵁ كلُّهم دمشقيون، ودخل أبو ذرّ ﵁ دمشق، فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد: منها صحة إسناده وَمَتنه، وعلوّه وتسلسله بالدمشقيين ﵃ وبارك فيهم، ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه والآداب ولطائف القلوب وغيرها، ولله الحمد. روينا عن الإِمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ورضي عنه قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.

стр. 618

خاتمة هذا آخرُ ما قصدتُه من هذا الكتاب، وقد مَنّ الله الكريمُ فيه بما هو أهلٌ له من الفوائد النفيسة والدقائق اللطيفة من أنواع العلوم ومهماتها، ومُستجادَاتِ الحقائق ومَطلُوبَاتِها. ومن تفسير آياتٍ من القرآن العزيز وبيانِ المراد بها، والأحاديث الصحيحة وإيضاح مقاصدها، وبيان نُكَتٍ من علوم الأسانيد ودقائقِ الفقه ومعاملاتِ القلوب وغيرها، والله المحمودُ على ذلك وغيره من نعمه التي لا تُحصى، وله المِنّة أن هداني لذلك، ووفّقني لجمعه ويَسَّرَه عليّ، وأعانني عليه وَمَنّ علي بإتمامه؛ فله الحمدُ والامتنانُ والفضلُ والطَّوْلُ والشكرانُ. وأنا راجٍ من فضل الله تعالى دعوة أخٍ صالح أنتفعُ بها تقرّبني إلى الله الكريم، وانتفاع مسلمٍ راغب في الخير ببعض ما فيه أكون مساعدًا له على العمل بمرضاة ربّنا. وأستودعُ الله الكريمَ اللطيفَ الرحيمَ منّي ومن والديّ، وجميعِ أحبابنا وإخواننا ومَنْ أحسنَ إلينا وسائرِ المسلمين: أديانَنا وأماناتِنا وخواتِيمَ أعمالنا، وجميعَ ما أنعمَ اللَّهُ تَعالى به علينا، وأسألُه سبحانه لنا أجمعين سلوكَ سبيل الرشاد والعِصْمة من أحوال أهل الزَّيْغ والعِناد، والدَّوامَ على ذلك وغيره من الخير في ازدياد، وأتضرّعُ إليه سبحانه أن يرزقنا التوفيقَ في الأقوال والأفعال للصواب، والجريَ على آثار ذوي البصائر والألباب، إنه

стр. 619

الكريم الواسعُ الوهَّاب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه متاب،، حسبنا الله ونِعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. والحمدُ لله ربّ العالمين أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلواتُه وسلامُه الأطيبان الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد خير خلقه أجمعين، كلما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذكره الغافلون، وعلى سائر النبيّينَ وآل كل وسائر الصالحين. قاله جامعه أبو زكريا محيي الدين عفا الله عنه: فرغتُ من جمعه في المحرّم سنة سبع وستين وستمائة، سوى أحرف ألحقتُها بعد ذلك (١)، وأجزتُ روايَته لجميع المسلمين (٢). ... * *