يفهمُ غيرَ المراد صرّح حينئذ باسمه الصريح ليحصلَ الإِفهامُ في هذا أولى من مراعاة مجرّد الأدب، وبالله التوفيق.
[٤٥/ ٩٧٨] روينا في كتاب الترمذي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الفاحِشِ وَلا البَذِيء" قال الترمذي: حديث حسن.
[٤٦/ ٩٧٩] وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "ما كان الفُحْشُ في شَيْءٍ إلَاّ شانَهُ، وَما كانَ الحَياءُ في شَيْءٍ إلَاّ زَانَهُ" قال الترمذي: حديث حسن.
[فصل]: يحرمُ انتهارُ الوالد والوالدة وشبههما تحريمًا غليظًا، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَاّ إيَّاهُ وبالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَريمًا. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كما رَبَّيَاني صَغِيرًا﴾ الآية [الإِسراء:٢٣ـ ٢٥].
[٤٧/ ٩٨٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛
أن رسولَ الله ﷺ قال: "مِنَ الكَبائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتُم الرجلُ والديه؟ قال: نَعَمْ، يَسُبّ أبَا الرَّجُلِ فَيسبُّ أباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ".
стр. 562
[٤٨/ ٩٨١] وروينا في سنن أبي داود والترمذي،
عن ابن عمر ﵄ قال: كان تحتي امرأةٌ وكنتُ أُحبها، وكان عمرُ يكرهُها، فقال لي: طلّقْها، فأبيتُ، فأتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلك له، فقال النبيُّ ﷺ : "طَلِّقْها" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٣٣٢ ـ بابُ النهي عن الكَذبِ وبيان أقسامهِ
قد تظاهرتْ نصوصُ الكتاب والسنّة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب. وإجماعُ الأمة منعقدٌ على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهمّ بيان ما يُستثنى منه والتنبيه على دقائقه، ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته:
[١/ ٩٨٢] وهو ما رويناه في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمن خَانَ".
[٢/ ٩٨٣] وروينا في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛
أن النبيَّ ﷺ قال: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفاقٍ حتَّى يَدَعَها: إِذَا ائتُمِن خانَ، وَإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ" وفي
стр. 563
رواية مسلم "إذا وعدَ أخلفَ" بدل "وإذا ائتُمِن خان".
وأما المستثنى منه:
[٣/ ٩٨٤] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أُمّ كلثوم ﵂؛
أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا" هذا القدر في صحيحيهما. وزاد مسلم في رواية له: قالت أُمّ كلثوم: ولم أسمعه يُرخِّصُ في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث ـ يعني: الحرب، والإِصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها. فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماءُ ما يُباح منه.
وأحسننُ ما رأيتُه في ضبطه، ما ذكرَه الإِمامُ أبو حامد الغزالي فقال: الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصد، فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يُمكن التوصلُ إليه بالصدق والكذب جميعًا، فالكذبُ فيه حرامٌ لعدم الحاجة إليه، وإن أمكنَ التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذبُ فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، وواجبٌ إن كان المقصود واجبًا، فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه: وجبَ الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عندَه أو عندَ غيره وديعة وسأل عنها ظالمٌ يُريدُ أخذَها وجبَ عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبرَه بوديعةٍ عندَه فأخذَها الظالمُ قهرًا، وجبَ ضمانُها على المُودع المُخبر، ولو استحلفَه عليها، لزمَه أن يَحلفَ ويورِّي في يمينه، فإن حلفَ ولم يورّ، حنثَ على الأصحّ، وقيل لا يحنثُ، وكذلك لو كان مقصودُ حَرْبٍ أو إصلاحِ ذاتِ البين أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا
стр. 564
يحصل إلا بكذب، فالكذبُ ليس بحرام، وهذا إذا لم يحصل الغرضُ إلا بالكذب، والاحتياطُ في هذا كلّه أن يورّي؛ ومعنى التورية أن يقصدَ بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارةَ الكذب فليس بحرام في هذا الموضع. قال أبو حامد الغزالي: وكذلك كل ما ارتبط به غرضٌ مقصودٌ صحيح له أو لغيره، فالذي له مثلُ أن يأخذَه ظالمٌ ويسألَه عن ماله ليأخذَه فله أن ينكرَه، أو يسألَه السلطانُ عن فاحشةٍ بينَه وبينَ الله تعالى ارتكبَها فله أن ينكرَها ويقول ما زنيتُ، أو ما شربتُ مثلًا.
وقد اشتهرتِ الأحاديث بتلقين الذين أقرّوا بالحدود الرجوع عن الإِقرار. وأما غرضُ غيره، فمثل أن يُسأَلَ عن سرّ أخيه فينكرَهُ ونحو ذلك، وينبغي أن يُقابِلَ بين مَفسدةِ الكذب والمفسدةِ المترتبة على الصدق؛ فإن كانت المفسدةُ في الصدق أشدّ ضررًا فله الكذبُ، وإن كان عكسُه، أو شكّ، حَرُمَ عليه الكذبُ؛ ومتى جازَ الكذبُ فإن كان المبيحُ غرضًا يتعلّقُ بنفسه فيستحبّ أن لا يكذبَ، ومتى كان متعلقًا بغيره لم تجز المسامحةُ بحقّ غيره؛ والحزمُ تركه في كل موضعٍ أُبيحَ إلا إذا كان واجبًا.
واعلم أن مذهبَ أهل السنّة أن الكذبَ هو الإِخبار عن الشيء، بخلاف ما هو، سواء تعمدتَ ذلك أم جهلته، لكن لا يأثمُ في الجهل وإنما يأثمُ في العمد، ودليلُ أصحابنا تقييد النبيّ ﷺ "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١).
стр. 565
٣٣٣ ـ بابُ الحثِّ على التثّبت فيما يحكيهِ الإِنسانُ والنهي عن التحديث بكلِّ ما سمعَ إذا لم يظنّ صحته
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولًا﴾ [الإِسراء:٣٦] وقال تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبالمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤].
[١/ ٩٨٥] وروينا في صحيح مسلم، عن حفص بن عاصم التابعي الجليل عن أبي هريرة ﵁؛
أن النبيّ ﷺ قال: "كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ" ورواه مسلم من طريقين: أحدهما هكذا. والثاني عن حفص بن عاصم، عن النبيّ ﷺ مرسلًا لم يذكر أبا هريرة، فتُقدَّمُ روايةُ مَن أثبت أبا هريرة، فإن الزيادة من الثقة مقبولة، وهذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه أهلُ الفقه والأصول والمحقّقون من المحدّثين، أن الحديث إذا روي من طريقين أحدهما مرسلٌ والآخر متصلٌ، قدّم المتصل وحكم بصحة الحديث، وجاز الاحتجاج به في كل شيء من الأحكام وغيرها. والله أعلم.
[٢/ ٩٨٦] وروينا في صحيح مسلم،
عن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: بحسبِ المرءِ من الكذبِ أن يحدّثِ بكلّ ما سمعَ. وروينا في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مثله.
والآثارُ في هذا الباب كثيرة.
стр. 566
[٣/ ٩٨٧] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن أبي مسعود، أو حذيفة بن اليمان، قال:
سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا".
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي فيما رويناه عنه في معالم السنن: أصلُ هذا الحديث أن الرجلَ إذا أرادَ الظعن في حاجة والسير إلى بلد ركب مطية وسار حتى يبلغ حاجته، فشبّهَ النبيّ ﷺ ما يقدِّمُ الرجلُ أمامَ كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم: (زعموا) بالمطيّة، وإنما يُقال: (زعموا) في حديث لا سند له ولا ثبت، إنما هو شيء يُحكى على سبيل البلاغ، فذمّ النبيّ ﷺ من الحديث ما هذا سبيلُه، وأمر بالتوثق فيما يحكيه والتثبت فيه، فلا يَرويه حتى يكون معزوًّا إلى ثبت، هذا كلامُ الخطابي، والله أعلم.
٣٣٤ ـ بابُ التعريض والتورية
اعلم أن هذا الباب من أهمّ الأبواب، فإنه مما يكثرُ استعمالُه وتعمُّ به البلوى، فينبغي لنا أن نعتني بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأملَه ويعملَ به، وقد قدَّمنا في الكذب من التحريم الغليظ، وما في إطلاق اللسان من الخطر، وهذا البابُ طريقٌ إلى السلامة من ذلك. واعلم أن التوريةَ والتعريضَ معناهما: أن تُطلقَ لفظًا هو ظاهرٌ في معنى وتريدُ به معنىً آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلافُ ظاهره، وهذا ضربٌ من التغرير والخداع. قال العلماء: فإن دعتِ إلى ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ راجحةٌ على خداعِ المخااطب أو حاجة لا مندوحةَ عنها إلا بالكذب فلا بأس بالتعريض، وإن
стр. 567
لم يكن شيءٌ من ذلك فهو مكروهٌ وليس بحرام، إلا أن يُتوصَل به إلى أخذ باطل أو دفع حقّ، فيصيرُ حينئذ حرامًا، هذا ضابطُ الباب.
فأما الآثار الواردةُ فيه، فقد جاء من الآثار ما يُبيحه وما لا يُبيحه، وهي محمولةٌ على هذا التفصيل الذي ذكرناه. فمما جاء في المنع:
[١/ ٩٨٨] ما رويناه في سنن أبي داود، بإسناد فيه ضعفٌ لكن لم يُضَعِّفه أبو داود، فيقتضي أن يكون حسنًا عده كما سبق بيانه، عن سفيان بن أسد ـ بفتح الهمزة ﵁ قال:
سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِ كاذِبٌ".
وروينا عن ابن سيرين ﵀ أنه قال: الكلامُ أوسعُ من أن يكذب ظريفٌ. مثال التعريض المباح ما قاله النخعي ﵀: إذا بلغ الرجلَ عنك شيءٌ قلتَه فقل: الله يعلم ما قلتُ من ذلك من شيء، فيتوهم السامعُ النفيَ ومقصودُك الله يعلم الذي قلتُه. وقال النخعيُّ أيضًا: لا تقلْ لابنك: أشتري لك سكرًا، بل قل: أرأيتَ لو اشتريت لك سكرًا؟ وكان النخعي إذا طلبه رجلٌ قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد. وقال غيره: خرج أبي في وقت قبل هذا. وكان الشعبي يخطّ دائرة ويقول للجارية: ضعي أصبعك فيها وقولي: ليس هو هاهنا. ومثل هذا قول الناس في العادة لمن دعاهُ لطعام أنا على نيّة؛ موهمًا أنه صائم ومقصودُه على نيّة ترك الأكل؛ ومثلُه: أبصرتَ فلانًا؟ فيقول ما رأيتُه: أي ما ضربتُ رئته. ونظائرُ هذا كثيرة. ولو حلف على شيء من هذا وورَّى في يمينه لم يحنثْ،
стр. 568
سواء حلفَ بالله تعالى أو حلفَ بالطلاق أو بغيره، فلا يقعُ عليه الطلاق ولا غيره، وهذا إذا لم يحلّفه القاضي في دعوى؛ فإن حلَّفَه القاضي في دعوى فالاعتبار بنيّة القاضي إذا حلَّفه بالله تعالى، فإن حلّفه بالطلاق بالاعتبار بنيّة الحالف، لأنه لا يجوز للقاضي تحليفه بالطلاق فهو كغيره من الناس، والله أعلم.
قال الغزالي: ومن الكذب المحرّم الذي يُوجب الفسقَ ما جرتْ به العادةُ في المبالغة كقوله: قلتُ لك مِئة مرّة، وطلبتُك مِئةَ مرّة ونحوه بأنه لا يُراد به تفهيم المرات بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلبَه إلا مرّة واحدة كان كاذبًا، وإن طلبه مرّات لا يُعتاد مثلُها في الكثرة لم يأثم، وإن لم يبلغْ مئة مرّة وبينهما درجات يتعرّضُ المبالغُ للكذب فيها.
قلت: ودليل جواز المبالغة وأنه لا يُعدّ كذبًا:
[٢/ ٩٨٩] ما رويناه في الصحيحين،
أن النبيّ ﷺ قال: "أمَّا أبُو الجَهْمِ فَلا يَضَعُ العَصَا عَنْ عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاويَةُ فَلا مالَ لَهُ" ومعلوم أنه كان له ثوب يلبسه. وأنه كان يضعُ العصا في وقت النوم وغيره، وبالله التوفيق.
٣٣٥ ـ بابُ ما يقولُه ويفعلُه مَنْ تكلَّمَ بكلامٍ قبيح
قال الله تعالى: ﴿وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللَّهِ﴾ [فصّلت:٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذَا هُمْ مُبْصِرونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ
стр. 569
وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيها وَنعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ـ١٣٦].
[١/ ٩٩٠] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛
أن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ فَقالَ في حَلِفِهِ باللَاّتِ والعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَمَنْ قالَ لِصَاحِبِهِ: تَعالَ أُقامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ".
واعلم أن مَن تكلم بحرام أو فعله وجب عليه المبادرة إلى التوبة، ولها ثلاثة أركان: أن يقلع في الحال عن المعصية، وأن يندمَ على ما فعل، وأن يعزمَ أن لا يعود إليها أبدًا، فإن تعلَّق بالمعصية حق آدمي وجب عليه مع الثلاثة رابع، وهو ردّ الظلامة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منها، وقد تقدم بيان هذا، وإذا تابَ مِنْ ذنبٍ فينبغي أن يتوبَ من جميع الذنوب؛ فلو اقتصرَ على التوبة من ذنب صحَّت توبتُه منه؛ وإذا تابَ من ذنب توبةً صحيحةً كما ذكرنا ثم عاد إليه في وقت أثم بالثاني ووجب عليه التوبة منه، ولم تبطلْ توبتُه من الأوّل؛ هذا مذهبُ أهل السنّة خلافًا للمعتزلة في المسألتين، وبالله التوفيق.
٣٣٦ ـ بابٌ في ألفاظٍ حُكي عن جماعةٍ من العلماء كراهتُها وليستْ مكروهةً
اعلم أن هذا البابَ مما تدعو الحاجةُ إليه لئلا يغترّ بقولٍ باطلٍ ويعوّل عليه.
стр. 570
واعلم أن أحكامَ الشرع الخمسة، وهي: الإِيجابُ، والندبُ، والتحريمُ، والكراهةُ، والإِباحة، لا يثبتُ شيء منها إلا بدليل، وأدلة الشرع معروفة، فما لا دليلَ عليه لا يُلتفتُ إليه ولا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس بحجة ولا يُشتغل بجوابه؛ ومع هذا فقد تبرعَ العلماءُ في مثل هذا بذكر دليلٍ على إبطاله، ومقصودي بهذه المقدمة أنّ ما ذكرتُ أن قائلًا كرهَه ثم قلت: ليس مكروهًا، أو هذا باطلٌ أو نحو ذلك، فلا حاجةً إلى دليل على إبطاله وإن ذكرتُه كنتُ متبرّعًا به، وإنما عقدتُ هذا الباب لأُبيِّن الخطأَ فيه من الصواب لئلا يُغترّ بجلالة مَن يُضاف إليه هذا القول الباطل.
واعلم أني لا أُسمّي القائلين بكراهة هذه الألفاظ لئلا تسقطَ جلالتُهم ويُساء الظنّ بهم، وليس الغرض القدح فيهم، وإنما المطلوب التحذير من أقوال باطلة نُقلت عنهم، سواء أصحّتْ عنهم أم لم تصحّ، فإن صحَّتْ لم تقدحْ في جلالتهم كما عرف، وقد أُضيف بعضُها لغرض صحيح بأن يكونَ ما قاله محتملًا فينظر غيري فيه، فلعلّ نظره يُخالف نظري فيعتضدُ نظرُه بقول هذا الإِمام السابق إلى هذا الحكم، وبالله التوفيق.
فمن ذلك ما حكاهُ الإِمامُ أبو جعفر النحاس في كتابه "شرح أسماء الله تعالى سبحانه" عن بعض العلماء أنه كره أن يُقال: تصدّق الله عليكَ، قال: لأن المتصدّقَ يرجو الثواب. قلتُ: هذا الحكم خطأ صريح وجهلٌ قبيح، والاستدلال أشدُّ فسادًا.
وقد ثبت في صحيح مسلم (١) عن رسول الله ﷺ أنه قال في قصر الصلاة: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
[فصل]: ومن ذلك ما حكاهُ النحَّاسُ أيضًا عن هذا القائل المتقدّم أنه
стр. 571
كره أن يُقال: اللَّهمّ أعتقني من النار، قال: لأنه لا يعتق إلا مَن يطلب الثواب. قلتُ: وهذه الدعوى والاستدلال من أقبح الخطأ وأرذل الجهالة بأحكام الشرع، ولو ذهبتُ أتتبعُ الأحاديثَ الصحيحة المصرّحة بإعتاق الله تعالى مَن شاء من خلقه لطال الكتاب طولًا مُمِلاًّ، وذلك كحديث "مَنْ أعْتَقَ رَقَبَةً أعْتَقَ اللَّهُ تَعالى بِكُلِّ عُضْو مِنْها عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" (١) وحديث "ما مِنْ يَوْمٍ أكْثَرُ أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ عَبْدًا مِنَ النّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة" (٢).
[فصل]: ومن ذلك قولُ بعضهم: يُكره أن يقولَ افعلْ كذا على اسم الله، لأن اسمَه سبحانه على كلِّ شيءٍ. قال القاضي عياض وغيرُه: هذا القول غلط، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة: أن النبيّ ﷺ قال لأصحابه في الأضحية: "اذْبَحُوا على اسْمِ الله" (٣) أي قائلين باسم الله.
[فصل]: ومن ذلك ما رواه النحاسُ عن أبي بكر محمد بن يحيى قال: وكان من الفقهاء الأدباء العلماء، قال: لا تقلْ: جمعَ الله بيننا في مستقرُ رحمته، فرحمةُ الله أوسعُ من أن يكون لها قرار؛ قال: لا تقلْ: ارحمنا برحمتك. قلت: لا نعلمُ لما قاله في اللفظين حجة، ولا دليلَ له فيما ذكره، فإنن مرادَ القائل بمستقرّ الرحمة: الجنة، ومعناه: جمعَ بيننا في الجنة التي هي دار القرار ودار المقامة ومحل الاستقرار، وإنما يدخلها الداخلون برحمة الله تعالى، ثم من دخلَها استقرّ فيها أبدًا، وأمِنَ الحوادث والأكدار، وإنما حصل له ذلك برحمة الله تعالى، فكأنه يقول: اجمع بيننا في مستقرّ نناله برحمتك.
стр. 572
[فصل]: ومن ذلك ما حكاهُ النحَّاسُ عن هذا المذكور، قال: لا تقل: توكّلتُ على ربي الربّ الكريم، وقل: توكلت على ربي الكريم. قلتُ: لا أصلَ لما قال.
[فصل]: روى النحّاسُ عن أبي بكر المتقدم قال: لا يقلْ: اللهمَّ أجِرْنا من النار ولا يقل: اللهمْ ارزقنا شفاعةَ النبيّ ﷺ فإما يُشفعُ لمن استوجبَ النار. قلتُ: هذا خطأ فاحش وجَهالة بيّنة، ولولا خوفُ الاغترار بهذا الغلط وكونه قد ذكرَ في كتب مصنفة لما تجاسرتُ على حكايته، فكم من حديث في الصحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبيّ ﷺ ، لقوله ﷺ : "مَنْ قالَ مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتي" (١) وغير ذلك.
ولقد أحسن الإِمام الحافظُ الفقيه أبو الفضل عِياض ﵀ في قوله: قد عُرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح ﵃ شفاعةَ نبيِّنا ﷺ ورغبتهم فيها قال: وعلى هذا لا يُلتفت إلى كراهة مَن كَرِهَ ذلك لكونها لا تكونُ إلا للمذنبين، لأنه ثبتَ في الأحاديث في صحيح مسلم (٢) وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة؛ قال: ثمّ كل عاقل معترف بالتقصير، محتاجٌ
стр. 573
إلى العفو، مشفقٌ من كونه من الهالكين؛ ويلزمُ هذا القائل أَنْ لا يدعوَ بالمغفرة والرحمة، لأنهما لأصحاب الذنوب، وكلُّ هذا خلافُ ما عُرف من دعاء السلف والخلف.
[فصل]: ومن ذلك ما حُكي عن جماعة من العلماء أنهم كرهوا أن يُسمَّى الطوافُ بالبيت شوطًا أو دورًا، قالوا: بل يُقال للمرّة الواحدة طوفة، وللمرتين طوفتان، وللثلاث طوفات، وللسبع طواف. قلتُ: وهذا الذي قالوه لا نعلمُ له أصلًا، ولعلَّهم كرهوه لكونه من ألفاظ الجاهلية، والصوابُ المختار أنه لا كراهةَ فيه.
[٢/ ٩٩١] فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم،
عن ابن عباس ﵄ قال: أمرهم رسولُ الله ﷺ أن يرملوا ثلاثةَ أشواط ولم يمنعْه أن يأمرَهم أن يرملوا الأشواطَ كلَّها إلا الإِبقاء عليهم.
[فصل]: ومن ذلك: صُمنا رمضانَ، وجاء رمضانُ، وما أشبه ذلك إذا أُريد به الشهر. واختلف في كراهته؛ فقال جماعة من المتقدمين: يُكره أن يُقال رمضان من غير إضافة إلى الشهر، رُوي ذلك عن الحسن البصري ومجاهد. قال البيهقي: الطريق إليهما ضعيف؛ ومذهبُ أصحابنا أنه يُكره أن يُقال: جاء رمضانُ، ودخل رمضانُ، وحضر رمضانُ، وما أشبه ذلك مما لا قرينة تدلّ على أن المرادَ الشهرُ، ولا يُكره إذا ذُكر معه قرينة تدلّ على الشهر، كقوله: صمتُ رمضانَ، وقمتُ رمضانَ، ويجبُ صومُ رمضان،، وحضرَ رمضانُ الشهر المبارك، وشبه ذلك، هكذا قاله أصحابنا ونقله الإِمامان: أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه "الحاوي" وأبو نصر
стр. 574
الصباغ في كتابه "الشامل" عن أصحابنا، وكذا نقله غيرُهما من أصحابنا عن الأصحاب مطلقًا، واحتجُّوا بحديث:
[٣/ ٩٩٢] رويناه في سنن البيهقي، عن أبي هريرة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُولُوا رَمَضَانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ" وهذا الحديث ضعيف ضعَّفه البيهقيُّ والضعف عليه ظاهر، ولم يذكرْ أحدٌ رمضانَ في أسماء الله تعالى مع كثرة مَنْ صنَّف فيها. والصوابُ والله أعلم، ما ذهب إليه الإِمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه وغير واحد من العلماء المحقِّقين أنه لا كراهةَ مطلقًا كيفما قال، لأن الكراهةَ لا تثبتُ إلا بالشرع، ولم يثبتْ في كراهته شيء، بل ثبتَ في الأحاديث جواز ذلك، والأحاديث فيه من الصحيحين وغيرهما أكثر من أن تُحصر.
ولو تفرَّغتُ لجمع ذلك رجوتُ أن يبلغ أحاديثه مئين، لكن الغرضَ يحصل بحديث واحد، ويكفي من ذلك كله:
[٤/ ٩٩٣] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁؛
أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ" وفي بعض روايات الصحيحين في هذا الحديث "إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ" وفي رواية لمسلم "إذَا كانَ رَمَضَان" وفي الصحيح "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ" (١) وفي الصحيح "بُنِيَ الإِسْلامُ
стр. 575
على خَمْسٍ" (١) منها صوم رمضان، وأشباهُ هذا كثيرةٌ معروفة.
[فصل]: ومن ذلك ما نُقل عن بعض المتقدمين أنه يُكره أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة الدخان، والعنكبوت، والروم، والأحزاب، وشبه ذلك؛ قالوا: وإنما يُقال السورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورة التي يُذكر فيها النساء وشبه ذلك. قلتُ: وهذا خطأ مخالف للسنّة، فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك فيما لا يُحصى من المواضع كقوله ﷺ : "الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتَاه" (٢) وهذا الحديث في الصحيحين وأشباهُه كثيرة لا تنحصر.
[فصل]: ومن ذلك ما جاء عن مُطرف ﵀ أنه كره أن يقول: إن الله تعالى يقول في كتابه؛ قال: وإنما يُقال: إن الله تعالى قال: كأنه كره ذلك لكونه لفظًا مضارعًا، ومقتضاهُ الحالُ أو الاستقبالُ، وقول الله تعالى هو كلامُه، وهو قديم. قلتُ: وهذا ليس بمقبول، وقد ثبتَ في الأحاديث الصحيحة استعمالُ ذلك من جهات كثيرة، وقد نبَّهتُ على ذلك في شرح صحيح مسلم، وفي كتاب آداب القرّاء، قال الله تعالى: ﴿والله يقول الحقّ﴾ [الأحزاب:٤].
وفي صحيح مسلم (٣)، عن أبي ذرّ قال: قال النبيّ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ : ﴿مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]. وفي
стр. 576
صحيح البخاري (١) في تفسير ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾.
стр. 577
كتاب جامع الدّعوات
٣٣٧ ـ باب دعوات مهمة مستحبّة في جميع الأوقات
اعلم أن غرضنا بهذا الكتاب ذكر دعواتٍ مهمّة مستحبّة في جميع الأوقات غير مختصّة بوقت أو حال مخصوص ..
واعلم أن هذا البابَ واسعٌ جدًا لا يمكن استقصاؤهُ ولا الإِحاطة بمعشاره، لكني أُشيرُ إلى أهمّ المهمّ من عيونه. فأوّلُ ذلك الدعواتُ المذكوراتُ في القرآن التي أخبرَ الله بها عن الأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم وعن الأخيار وهي كثيرة معروفةٌ؛ ومن ذلك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه فعلَه أو علَّمه غيرَه؛ وهذا القسم كثير جدًا تقدّم جملٌ منه في الأبواب السابقة، وأنا أذكرُ منه هنا جُملًا صحيحةً تُضمّ إلى أدعية القرآن وما سبق، وبالله التوفيق.
[١/ ٩٩٤] روينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن النعمان بن بشير ﵄،
عن النبيّ ﷺ
стр. 578
قال: "الدُّعاءُ هُوَ العبادَة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[٢/ ٩٩٥] وروينا في سنن أبي داود، بإسناد جيد،
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يَستحبّ الجوامعَ من الدعاء ويدعُ ما سوى ذلك.
[٣/ ٩٩٦] وروينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁
عن النبيّ ﷺ قال: "لَيْسَ شَيْءٌ أكْرَمَ على اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّعاءِ".
[٤/ ٩٩٧] وروينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ".
[٥/ ٩٩٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم،
عن أنس ﵁، قال: كان أكثرُ دعاءِ النبيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ آتنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي
стр. 579
الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
زاد مسلم في روايته قال: وكان أنس إذا أرادَ أن يدعوَ بدعوة دعا بها، فإذا أرادَ أن يدعوَ بدعاء دعا بها فيه.
[٦/ ٩٩٩] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن مسعود ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى".
[٧/ ١٠٠٠] وروينا في صحيح مسلم، عن طارق بن أشيم الأشجعي الصحابي ﵁ قال:
كان الرجل إذا أسلم علَّمه النبيُّ ﷺ الصلاة، ثم أمرَه أن يدعوَ بهذه الكلمات "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْنِي وَاهْدِني وَعافِني وَارْزُقْني" وفي رواية أُخرى لمسلم عن طارق: أنه سمع النبيّ ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله! كيف أقول حين أسألُ ربِّي؟ قال: "قُلِ اللَّهُمَّ اغْفرْ لي وَارْحَمْني وَعافني وَارْزُقْني؛ فإنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْياكَ وآخِرَتَكَ".
[٨/ ١٠٠١] وروينا فيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال:
قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ يا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا على طاعَتِكَ".
[٩/ ١٠٠٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁،
عن النبيّ ﷺ قال: "تَعَوَّذُوا باللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ
стр. 580
الشَّقاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ" وفي رواية عن سفيان أنه قال: في الحديث ثلاث، وزدتُ أنا واحدة، لا أدري أيّتهنّ .. وفي رواية قال سفيان: أشكّ أني زدتُ واحدة منها.
[١٠/ ١٠٠٣] وروينا في صحيحيهما، عن أنس ﵁،
قال: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِك مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ وَالبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَماتِ" وفي رواية "وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرّجالِ".
قلت: ضَلَع الدين: شدّته وثقلُ حمله. والمحيا والممات: الحياة والموت.
[١١/ ١٠٠٤] وروينا في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
عن أبي بكر الصديق ﵃؛ أنه قال لرسول الله ﷺ ؛ علّمني دُعاءً أدعُو به في صَلاتي، قال: "قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أنْتَ فاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".
قلتُ: روي كثيرًا بالمثلة، وكبيرًا بالموحدة، وقد قدّمنا بيانه في أذكار الصلاة، فيستحبّ أن يقول الداعي كثيرًا كبيرًا، يجمع بينهما، وهذا الدعاء وإن كان ورد في الصلاة فهو حسن نفيس صحيح فيُستحبّ في كل موطن، وقد جاء في رواية "وفي بيتي".
[١٢/ ١٠٠٥] وروينا في صحيحيهما، عن أبي موسى الأشعري رضي
стр. 581
الله عنه،
عن النبيّ ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي وَجَهْلي وَإسْرَافِي في أمْرِي، ومَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَدّي وَهَزْلي وَخَطَئي وَعَمْدي وَكُلُّ ذلكَ عِنْدِي؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ ومَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَما أعْلَنْتُ وَما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ وأنْتَ على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
[١٣/ ١٠٠٦] وروينا في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ كان يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما عَمِلْتُ وَمِنْ شَرّ مَا لَمْ أعْمَلْ".
[١٤/ ١٠٠٧] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عمر ﵄ قال:
كان دعاء رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عافيتك وَفَجْأةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سُخْطِكَ".
[١٥/ ١٠٠٨] وروينا في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم ﵁ قال:
لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَمِّ وَعَذَابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، وَمنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا".
[١٦/ ١٠٠٩] وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ ﵁ قال:
стр. 582
قال رسول الله ﷺ : "قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِني وَسَدّدْنِي" وفي رواية: "اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى وَالسَّدادَ".
[١٧/ ١٠١٠] وروينا في صحيح مسلم، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! علِّمني كلامًا أقوله، قال: "قُلْ لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيرًا، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ العَزِيزِ الحَكيمِ، قال: فهؤلاء لربي فما لي؟ قال: قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَارْحَمْني وَاهْدني وَارْزُقْنِي وَعافني" شكَّ الراوي في "وعافني".
[١٨/ ١٠١١] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال:
كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي دِيني الَّذي هُوَ عِصْمَةُ أمْرِي، وَأصْلِحْ لي دُنْيايَ الَّتِي فيها مَعاشِي، وأصْلِحْ لي آخِرَتِي الَّتي فيها مَعادي، وَاجْعَلِ الحَياةَ زيادَةً لي في كُلّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ راحَةً لي مِنْ كُلّ شَرٍّ".
[١٩/ ١٠١٢] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄؛
أن رسولَ الله ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خاصَمْتُ؛ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ أنْ تُضِلَّني، أنْتَ الحَيُّ الَّذي لَا يَموتُ وَالجِنُّ والإِنْسُ يَمُوتُونَ".
[٢٠/ ١٠١٣] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه،
стр. 583
عن بُريدةَ ﵁؛
أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللَّهمّ إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنتَ الله لا إِلهَ إِلاّ أنتَ الأحدُ الصمدُ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: "لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ تَعالى بالاسْمِ الَّذي إذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ أجابَ" وفي رواية "لَقَدْ سألْتَ اللَّهَ باسْمهِ الأعْظَمِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢١/ ١٠١٤] وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن أنس ﵁؛
أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يُصلّي ثم دعا: اللَّهمّ إني أسألك بأنَّ لكَ الحمدُ لا إِله إِلَاّ أنتَ المنّانُ بديعُ السَّماواتِ والأرض، يا ذا الجلال والإِكرام يا حيُّ يا قيّوم. فقال النبيّ ﷺ : "لَقَدْ دَعا اللَّهَ تَعالى باسْمهِ العَظيمِ الَّذي إذَا دُعيَ بهِ أجابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى".
[٢٢/ ١٠١٥] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، بالأسانيد الصحيحة، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ كانَ يدعو بهؤلاء الكلماتِ: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمنْ شَرّ الغِنَى وَالفَقْرِ" هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 584
[٢٣/ ١٠١٦] وروينا في كتاب الترمذي، عن زياد بن عِلَاقَة، عن عَمِّه، وهو قُطْبَةُ بن مالك ﵁ قال:
كان النبيّ ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلاقِ وَالأعْمالِ، وَالأهْوَاءِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢٤/ ١٠١٧] وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن شَكَل بن حُميد ﵁ وهو بفتح الشين المعجمة والكاف ـ قال:
قلتُ: يا رسولَ الله! علَّمني دعاء، قال: "قُلِ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ سَمْعِي وَمنْ شَرّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرّ لِساني، وَمِنْ شَرّ قَلْبي وَمنْ شَرّ مَنِيِّي" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢٥/ ١٠١٨] وروينا في كتابي أبي داود والنسائي، بإسنادين صحيحين، عن أنس ﵁؛
أن النبيّ ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ البَرَصِ وَالجُنُونِ وَالجُذَامِ، وَسَيِّءِ الأسْقامِ".
[٢٦/ ١٠١٩] وروينا فيهما، عن أبي اليَسَر الصحابي ﵁ وهو بفتح الياء المثناة تحت والسين المهملة
أنن رسول الله ﷺ كان يدعو
стр. 585
"اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْمِ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَمِ، وَأعُوذُ بِكَ أن يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطانُ عِنْدَ المَوْتِ؛ وأعُوذُ بِكَ أنْ أمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وأعُوذُ بِكَ أن أمُوتَ لَديغًا" هذا لفظ أبي داود، وفي رواية له "وَالغَمّ".
[٢٧/ ١٠٢٠] وروينا فيهما؛ بالإِسناد الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إني أعوذُ بِكَ منَ الجوع فَإنَّهُ بئْسَ الضَّجِيعُ، وَأعُوذُ بِكَر مِنَ الخِيانَةِ فإنَّها بِئْسَتِ البطانَةُ".
[٢٨/ ١٠٢١] وروينا في كتاب الترمذي، عن عليّ ﵁؛
أن مُكاتبًا جاءه فقال: إني عجزتُ عن كتابتي فأعنِّي، قال: ألا أُعلّمُك كلماتٍ عَلمنيهنّ رسولُ الله ﷺ لو كانَ عَليكَ مثلُ جبل صِيْرٍ دَيْنًا أدَّاهُ عنك؟ قُلِ: "اللَّهُمَّ اكْفني بِحَلالِكَ عَنْ حَرامِكَ، وَأغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٢٩/ ١٠٢٢] وروينا فيه، عن عمران بن الحصين ﵄؛
أن النبيّ ﷺ علَّمَ أباه حصينًا كلمتين يدعو بهما: "اللَّهُمَّ ألْهِمْنِي رُشْدِي، وَأعِذْنِي مِنْ شَرّ نَفْسِي" قال الترمذي: حديث حسن.
[٣٠/ ١٠٢٣] وروينا فيهما، بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله
стр. 586
عنه؛
أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بكَ منَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَسُوءِ الأخْلاقِ".
[٣١/ ١٠٢٤] وروينا في كتاب الترمذي، عن شهر بن حوشب، قال:
قلتُ لأُمّ سلمة ﵂: يا أُمّ المؤمنين! ما أكثرَ دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثرُ دعائه: "يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٣٢/ ١٠٢٥] وروينا في كتاب الترمذي، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسولُ الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ عافني في جَسَدِي، وَعافني في بَصَرِي، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنِّي، لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّه رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ".
[٣٣/ ١٠٢٦] وروينا فيه، عن أبي الدرداء ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "كانَ مِنْ دُعاءِ دَاوُدَ ﷺ : اللَّهُمَّ إني أسألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أحَبَّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي وَأهْلِي وَمنَ المَاءِ البارِدِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٣٤/ ١٠٢٧] وروينا فيه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁
стр. 587
قال:
قال رسول الله ﷺ : "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إذْ دَعا رَبَّهُ وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ، فإنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إِلَاّ اسْتَجابَ لَهُ" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا صحيح الإِسناد.
[٣٥/ ١٠٢٨] وروينا فيه وفي كتاب ابن ماجه، عن أنس ﵁؛
أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أيّ الدعاء أفضل؟ قال: "سَلْ رَبَّكَ العافِيَةَ وَالمُعافاةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسولَ الله! أيّ الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك. ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، قال: فإذَا أُعْطِيتَ العافِيَةَ في الدُّنْيا وأُعْطِيتَها في الآخرة فَقَدْ أفْلَحْت" قال الترمذي: حديث حسن.
[٣٦/ ١٠٢٩] وروينا في كتاب الترمذي، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال:
قلت: يا رسول الله! علّمني شيئًا أسأله الله تعالى، قال: "سَلُوا اللهَ العافِيَةَ" فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله! علَّمني شيئًا أسأله الله تعالى، فقال: "يا عَبَّاسُ، يا عَمَّ رَسُول اللَّهِ، سَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَة" قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
[٣٧/ ١٠٣٠] وروينا فيه، عن أبي أمامة ﵁، قال:
دعا
стр. 588
رسولُ الله ﷺ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، قلت: يا رسول الله! دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئًا، فقال: "أَلَا أدُلُّكُمْ ما يَجْمَعُ ذلكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنْ خَيْرٍ ما سألَكَ منْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما اسْتَعاذَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأنْتَ المُسْتَعانُ وَعَلَيْكَ البَلاغُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَاّ باللَّهِ" قال الترمذي: حديث حسن.
[٣٨/ ١٠٣١] وروينا فيه، عن أنس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "ألِظُّوا بِياذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ".
ورويناه في كتاب النسائي، من رواية ربيعة بن عامر الصحابي ﵁، قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد.
قلتُ: ألِظُّوا بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة، ومعناه: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.
[٣٩/ ١٠٣٢] وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن ابن عباس ﵄ قال:
كان النبيّ ﷺ يدعو ويقول: "رَبّ أعِنِّي وَلا تُعِنْ عَليَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لي وَلا تَمْكُرْ عَليَّ، وَيَسِّرْ هُدَايَ وَانْصُرْنِي على مَنْ بَغَى عَليَّ. رَبّ اجْعَلْنِي لَكَ شاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، إِلَيْكَ مُجِيبًا أوْ مُنيبًا، تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتي، وَأجِبْ دَعْوَتي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدّدْ لِساني، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ
стр. 589
قَلْبِي" وفي رواية الترمذي "أوَّاهًا مُنِيبًا" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلتُ: السخيمة بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة، وهي الحقد وجمعها سخائم، هذا معنى السخيمة هنا.
وفي حديث آخر "مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ في طَرِيقِ المُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ" (١) والمراد بها الغائط.
[٤٠/ ١٠٣٣] وروينا في مسند الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ وسنن ابن ماجه، عن عائشة ﵂؛
أن النبيّ ﷺ قال لها: "قُولي اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ عاجِلِهِ وآجِلِهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أعْلَمُ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ عاجله وآجِلهِ، ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأسألُكَ خَيْرَ ما سألَكَ بِهِ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما اسْتَعاذَكَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وأسألُكَ ما قَضَيْتَ لي مِنْ أمْرٍ أنْ تَجْعَلَ عاقِبَتَهُ رَشَدًا" قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإِسناد.
[٤١/ ١٠٣٤] ووجدت في المستدرك للحاكم، عن ابن مسعود رضي
стр. 590
الله عنه قال:
كان من دعاء رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلّ إثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةَ وَالنَّجاةَ (بعونِك) منَ النَّارِ" قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم.
[٤٢/ ١٠٣٥] وفيه، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: "وَاذُنُوباهُ وَاذُنُوباهُ! مرّتين أو ثلااثًا، فقال له رسولُ الله ﷺ : "قُلِ اللَّهُمَّ مَغْفِرَتُكَ أوْسَعُ مِنْ ذُنُوبي، وَرَحْمَتُكَ أرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي، فقالها، ثم قال: عُدْ، فعاد، ثم قال: عُدْ، فعاد، فقال: قُمْ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ".
[٤٣/ ١٠٣٦] وفيه، عن أبي أمامة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلَكًا مُوَكَّلًا بِمَنْ يَقُولُ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَمَنْ قالها ثلاثًا قالَ لَهُ المَلَكُ: إنَّ أرْحَمَ الرَّاحِمينَ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْكَ فَسَلْ".
٣٣٨ ـ بابٌ في آدابِ الدعاء
اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدّثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف: أن الدعاء مستحبّ، قال الله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.
стр. 591
وأما الأحاديث الصحيحة فهي أشهر من أن تُشهر، وأظهر من أن تُذكر، وقد ذكرنا قريبًا في الدعوات ما به أبلغ كفاية، وبالله التوفيق.
وروينا في رسالة الإِمام أبي القاسم القشيريّ ﵁ قال: اختلفَ الناسُ في أن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة للحديث السابق "الدُّعاءُ هُوَ العِبادَة" (١) ولأنَّ الدعاءَ إظهارُ الافتقار إلى الله تعالى. وقالت طائفة: السكوت والخمودُ تحت جريان الحكم أتمّ، والرضا بما سبق به القدر أولى. وقال قوم: يكون صاحبُ دعاءٍ بلسانه ورضا بقلبه ليأتيَ بالأمرين جميعًا.
قال القشيري: والأولى أن يُقال: الأوقات مختلفة؛ ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب، وإنما يُعرف ذلك بالوقت؛ فإذا وجدَ في قلبه إشارةً إلى الدعاء، فالدعاءُ أولى به؛ وإذا وجد إشارةً إلى السكوت فالسكوتُ أتمّ. قال: ويصحّ أن يُقال ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله فيه حقّ، فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظّ فالسكوت أتمّ. قال: ومن شرائط الدعاء أن يكون مطعمُه حلالًا. وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول: كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟.
ومن آدابه: حضور القلب، وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى. وقال بعضُهم: المراد بالدعاء إظهارُ الفاقة، وإلا فالله يفعلُ ما يشاء.
وقال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء: آدابُ الدعاء عشرة:
стр. 592
الأول: أن يترصَّدَ الأزمان الشريفة؛ كيوم عَرَفَة وشهر رمضان ويوم الجمعة والثلث الأخير من الليل ووقت الأسحار.
الثاني: أن يغتنمَ الأحوالَ الشريفة؛ كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة وبعدَها. قلتُ: وحالة رقّة القلب.
الثالث: استقبالُ القبلة ورفعُ اليدين ويمسحُ بهما وجهه في آخره.
الرابع: خفضُ الصوت بين المخافتة والجهر.
الخامس؛ أن لا يتكلَّف السجعَ وقد فسَّر به الاعتداء في الدعاء، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كل أحد يُحسن الدعاءَ فيخاف عليه الاعتداء. وقال بعضهم: ادعُ بلسان الذلّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق، ويُقال: إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات ويشهد له ما ذكره الله في آخر سورة البقرة ﴿رَبَّنا لا تُؤَاخِذْنا﴾ إلى آخرها [البقرة: ٢٨٦] لم يخبر سبحانه في موضع عن أدعية عباده بأكثر من ذلك. قلتُ: ومثلهُ قول الله في سورة إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذْ قالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ إلى آخره [إبراهيم:٣٥]. قلتُ: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حجرَ في ذلك، ولا تُكرهُ الزيادةُ على السبع، بل يُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء مطلقًا.
السادس: التضرّعُ والخشوعُ والرهبة، قال الله تعالى: ﴿إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥].
السابع: أن يجزمَ بالطلب ويُوقن بالإِجابة ويصدقَ رجاءه فيها، ودلائلُه كثيرةٌ مشهورة. قال سفيان بن عُيينة ﵀: لا يمنعنّ أحدَكم
стр. 593
من الدعاء ما يعلمُه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شرّ المخلوقين إبليس إذ ﴿قال أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ إِنَّكَ منَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤ـ ١٥].
الثامن: أن يُلحّ في الدعاء ويكرّره ثلاثًا ولا يستبطىء الإِجابة.
التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى. قلتُ: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كله أيضًا.
العاشر: وهو أهمّها والأصل في الإِجابة، وهو التوبةُ وردُّ المظالم والإِقبال على الله تعالى.
[فصل]: قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاءَ لا مَرَدَّ له؟ فاعلم أن من جملة القضاء ردّ البلاء بالدعاء، فالدعاءُ سببٌ لردّ البلاء ووجود الرحمة، كما أن الترسَ سبب لدفع السلاح، والماءُ سببٌ لخروج النبات من الأرض؛ فكما أن الترسَ يدفع السهمَ فيتدافعان، فكذلك الدعاءُ والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحملَ السلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] فقدَّرَ الله تعالى الأمرَ وقدَّرَ سبَبه. وفيه من الفوائد ما ذكرناه، وهو حضور القلب والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة، والله أعلم.
٣٣٩ ـ بابُ دعاءِ الإِنسان وتوسّله بصالحِ عملهِ إلى الله تعالى
[١/ ١٠٣٧] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، حديث أصحاب
стр. 594
الغار، عن ابن عمر ﵄ قال:
سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كان قَبْلَكُمْ حتَّى آوَاهُمُ المَبيتُ إلى غارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغارَ، فَقالُوا: إنَّهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إلَاّ أنْ تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى بصَالحِ أعْمالِكُمْ. قالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي أَبوانِ شَيْخانِ كَبِيرَانِ، وكُنْتُ لا أُغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلًا وَلا مالًا". وذكر تمام الحديث الطويل فيهم، وأن كلَّ واحد منهم قال في صالح عمله: "اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ما نَحْنُ فِيهِ" فانفرج في دعوة كلِّ واحدٍ شيءٌ منها وانفرجتْ كلُّها عقب دعوة الثالث "فخرجوا يمشون" قلتُ: أُغبق بضم الهمزة وكسر الباء: أي أسقي.
وقد قال القاضي حسين من أصحابنا وغيره في صلاة الاستسقاء كلامًا معناه: أنه يُستحبّ لمن وقعَ في شدّة أن يدعوَ بصالح عمله، واستدلوا بهذا الحديث، وقد يُقال في هذا شيء: لأن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوبُ الدعاء الافتقار، ولكن ذكرَ النبيّ ﷺ هذا الحديث ثناءً عليهم، فهو دليلٌ على تصويبه ﷺ ، وبالله التوفيق.
[فصل]: ومن أحسن ما جاءَ عن السلف في الدعاء؛ ما حُكي عن الأوزاعيّ رحمه الله تعالى قال: خرج الناسُ يستسقون، فقام فيهم بلالُ بن سعد، فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا معشر مَن حضر! ألستم مقرِّين بالإِساءة؟ قالوا: بلى، فقال: اللَّهمّ إنّا سمعناك تقول: ﴿ما عَلى المحْسِنِين مِنْ سَبيلٍ﴾ [التوبة:٩١] وقد أقررنا بالإِساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ اللَّهمّ اغفرْ لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقوا. وفي معنى هذا أشدوا:
أنا المُذْنبُ الخَطَّاءُ والعفوُ واسعٌ ... ولو لم يكنْ ذنبٌ لما وقعَ العَفْوُ
стр. 595
٣٤٠ ـ بابُ رَفعِ اليدين في الدعاءِ ثم مَسْحِ الوَجْهِ بهما
[١/ ١٠٣٨] روينا في كتاب الترمذي، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسولُ الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَه.
[٢/ ١٠٣٩] وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄،
عن النبيّ ﷺ نحوه، وفي إسناد كل واحد ضعفٌ. وأما قول الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى: إن الترمذي قال في الحديث الأوّل: إنه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنه صحيح، بل قال: حديث غريب.
٣٤١ ـ بابُ استحبابِ تَكريرِ الدُّعاء
[١/ ١٠٤٠] روينا في سنن أبي داود، عن ابن مسعود ﵁:
أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعجبُه أن يدعوَ ثلاثًا، ويستغفرَ ثلاثًا.
٣٤٢ ـ بابُ الحثّ على حُضور القلب في الدُّعاء
اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل
стр. 596
عليه أكثر من أن تُحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر، لكن نتبرّك بذكر حديث فيه.
[١/ ١٠٤١] روينا في كتاب الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال:
قال رسول الله ﷺ : "ادْعُوا اللَّهَ وَأنْتُمْ مُوقِنُونَ بالإِجابَةِ، وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّه تَعالى لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ" إسنادُه فيه ضعف.
٣٤٣ ـ بابُ فضلِ الدعاء بظهر الغيب
قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ جاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُون: رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوانِنا الَّذين سَبَقُونا بالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وللمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ﴾ [محمد:١٩] وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﷺ : ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لي وَلِوَالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم:٤١] وقال تعالى: إخبارًا عن نوح ﷺ : ﴿رَبّ اغْفِرْ لي ولِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَللْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ﴾ [نوح:٢٨].
[١/ ١٠٤٢] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه؛
أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلمٍ يَدْعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إِلَاّ قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ" وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن أبي الدرداء أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأخِيهِ بِظَهْرِ بالغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ، عِنْدَ رأسهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعا لأخِيهِ بِخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ" (١).
стр. 597
[٢/ ١٠٤٣] وروينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛
أن رسول الله ﷺ قال: "أسْرَعُ الدُّعاءِ إجابَةً دَعْوَةُ غائِبٍ لِغائبٍ" ضعّفه الترمذي.
٣٤٤ ـ بابُ استحباب الدعاءِ لمن أَحْسَنَ إليه، وصفة دُعائِه
هذا الباب فيه أشياء كثيرة تقدمت في مواضعها. ومن أحسنها:
[١/ ١٠٤٤] ما روينا في الترمذي، عن أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "مَن صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقالَ لِفاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أبْلَغَ في الثَّناءِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقد قدّمنا قريبًا في كتاب حفظ اللسان في الحديث الصحيح قوله ﷺ : "وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا لَهُ حتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ".
٣٤٥ ـ باب استحباب طلب الدعاءِ من أهل الفضلِ وإن كان الطالبُ أفضل من المطلوبِ منه، والدعاء في المواضعِ الشريفة
اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثرُ من أن تُحصر، وهو مجمعٌ عليه، ومن أدلّ ما يستدلّ به:
стр. 598
[١/ ١٠٤٥] ما روينا في كتابي أبي داود والترمذي، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال:
استأذنتُ النبيّ ﷺ في العمرة، فأذنَ وقال: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِنْ دُعائِكَ" فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا. وفي رواية قال: "أشْرِكَنا يا أُخَيُّ في دُعائِكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد ذكرناه في أذكار المسافر.
٣٤٦ ـ بابُ نهي المكلّفِ عن دعائه على نفسه وولده وخادمه وماله ونحوها
[١/ ١٠٤٦] روينا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على خَدَمِكمْ، ولا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ ساعَةً نِيْلَ فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابَ مِنْكُمْ".
قلتُ: نيل بكسر النون وإسكان الياء، ومعناه: ساعة إجابة يَنالُ الطالبُ فيها ويُعطى مطلوبَه.
وروى مسلم هذا الحديث في آخر صحيحه وقال فيه: "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالى ساعَةً يُسألُ فيها عَطاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ".
٣٤٧ ـ بابُ الدليل على أنَّ دعاء المسلم يُجاب بمطلوبه أو غيره وأنه لا يستعجلُ الإِجابة
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سألَكَ عِبادِي عَنِّي فإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
стр. 599
الدَّاعِ إذَا دَعانِ﴾ [البقرة:١٨٦] وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
[١/ ١٠٤٧] وروينا في كتاب الترمذي، عن عُبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه:
أن رسولَ الله ﷺ قال: "ما على وَجْهِ الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ إلَاّ آتاهُ اللَّهُ إيَّاها، أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" فقال رجل من القوم: إذا نكثر، قال: "الله أكْثَرُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري، وزاد فيه "أوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَها".
[٢/ ١٠٤٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه،
عن النبيّ ﷺ قال: "يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولَ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي".
стр. 600
كتاب الاستغفار
٣٤٨ ـ باب الاستغفار
اعلم أن هذا الكتاب من أهمّ الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل به. وقصدت بتأخيره التفاؤلَ بأن يختم الله الكريم لنا به، نسأله ذلك وسائر وجوه الخير لي ولأحبائي وسائر المسلمين آمين.
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعَشِيّ وَالإِبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَللْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد:١٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٦] وقال تعالى: ﴿لِلَّذينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعِبادِ، الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بالأسحَارِ﴾ [آل عمران:١٥ـ١٧] وقال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ؟ وَلَمْ يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ