← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1356

المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (183 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنني لما وقفت على كتاب (مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه) للدكتور خالد بن عبد اللطيف (١)، رأيته كتابًا حرَّر فيه المسائل العقدية الواردة في المصنفات الأصوليِّة، إلا أنَّ فيه إسهابًا في تقرير المسائل العقدية، وردًا للشبهات، مما جعل كثيرًا من المشتغلين بأصول الفقه ربما أعرض عنه، ورأيت من المناسب تهذيبه، بالاقتصار على تقرير المذاهب، وذكر بعض الأدلة المهمة في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة، وإضافة المسائل الأصولية التي بنيت على هذه المباحث العقدية، مما لم يذكرها. وقد عمدت إلى الرسائل العلمية الموسومة بتخريج الأصول على الأصول (٢)، وبناء الأصول على الأصول (٣)، وكذا ما يتعلق بالأبحاث المتعلقة

стр. 2

بأسباب الخلاف (١)، وأخذت منها المسائل الأصوليَّة المتأثرة والمبنيَّة على أصل عقدي، وأفدت من رسائل وكتب مطبوعة، اهتمت بهذا الأمر، سواء كان بالعمل على أصل عقدي معين، مع بيان أثره على المسائل الأصوليَّة (٢)، أو كانت من

стр. 3

منطلق مذهب عقدي معين (١)، أو كانت عامة من رسائل وكتب (٢)، أو بحوث محكَّمة للأغراض السابقة (٣).

стр. 4

وأثبت كثيرًا من المصادر التي اعتمدوا عليها، وشيئًا من تعليقاتهم كما هي؛ لأجل الإفادة منها. و سبب جمع هذا المؤلف هو ما رأيته من نقص في البناء العلمي في هذا الجانب لدي ولدى كثير من المتخصصين في أصول الفقه، فهو في المقام الأول مسوَّدة لي، ثمَّ رأيت أن يستفيد منها إخواني طلبة العلم، ورجوت أن يكون المطلع على هذا الكتاب قد أكمل نقصه في هذا الجانب، وما ذكر في هذا الكتاب يدلُّ على ما لم يذكر. وأنبه هنا إلى أمور، منها: الأمر الأول: من المسائل العقدية ما ذكر في كتب أصول الفقه استطرادًا، أو مثالًا، أو مقدمة لمسألة أصوليَّة، وليس فيها بناء أو أثر على المسألة الأصوليَّة، وتركتها، بناء على الأصل المهذَّب (مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه)، ولأجل أن يتنبَّه القارئ لها عند التأليف أو القراءة في كتب أصول الفقه، أو تكون عونًا لبيان عقيدة المؤلف لمن اضطر إلى ذلك، ولاسيما في الرسائل العلميَّة. ومما ورد في هذا الكتاب من هذه المسائل: أول واجب على المكلف: الشهادتان، وطريق ثبوت وجوب النظر، والاسم للمسمى، وحكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف، وعصمة الأنبياء قبل النبوة، وحقيقة المعجزة ومسائلها، ونسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع، ووضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة، وإمامة علي بن أبي طالب ﵁، وفهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال، وحقيقة الإيمان. والله أعلم. أما باقي المسائل العقدية الواردة في هذا الكتاب فهي مؤثرة في بناء المسألة

стр. 5

الأصولية، وهذه مما لا يسع الأصولي جهله في هذا الباب. الأمر الثاني: إن في معرفة الأصل العقدي ضبطًا لمسائل الأصول المبنية عليه، وبعدًا عن الوقوع في التناقض، وقدرة على تمييز القول الصحيح من الباطل من مسائل أصول الفقه، وتجنبًا عن موافقة المبتدع في بدعته. كما أن في إبطال الأصل العقدي إبطالًا للقول الأصولي المبني عليه. الأمر الثالث: ثمَّة قواعد عامة لابد من العلم بها، ودراستها على أهل التخصص، مفيدة في هذا الباب، ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام (١)، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم. والمعتزلة: وعيدية في باب الأسماء والأحكام، قدرية في باب القدر، جهمية محضة» (٢). وما ذكره ابن تيميَّة خلاصة مهمة؛ لأن أصول المتكلمين، تابعة للمعتزلة والأشاعرة. فباب الأسماء والأحكام: الأغلب على الأشاعرة الإرجاء، والمعتزلة الوعيدية (الخوارج) (٣). وفي باب القدر، الأشاعرة جبرية، والمعتزلة قدرية. وفي باب الصفات: الأشاعرة ليسوا جهمية محضة؛ لأنهم يثبتون بعض

стр. 6

الصفات، بخلاف المعتزلة الذين ينفون جميع الصفات، فهم بذلك جهمية محضة. لذا كان كل معتزلي جهميًا، وليس كل جهمي معتزليًا (١). ومما سبق يعرف أن الفرقة الواحدة تكون بدعتها في باب دون باب، وقد يطلق عليها أكثر من لقب باعتبار البدعة التي وقعت فيها، فيقال: المرجئة القدرية، أو القدرية المعتزلة، وقد تسمى الجبرية قدرية لغلوهم في إثبات القدر ولابد من دراسة عامة لهذه الفرق، والوقوف على وسطية أهل السنة والجماعة في هذا، وسيأتي في الكتاب بيان وتفصيل لهذه الأمور، بإذن الله. الأمر الرابع: لأهل السنة والجماعة إطلاقان: إطلاق عام، وإطلاق خاص، أما الإطلاق العام فهو مقابل الشيعة، فيدخل فيه جميع الطوائف إلا الرافضة. وأما الإطلاق الخاص فهو مقابل المبتدعة، وأهل الأهواء، فلا يدخل فيه سوى أهل الحديث والسنة المحضة الذين يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل السنة، وهم مرادي في هذا الكتاب عند إطلاقي لأهل السنة والجماعة، وسموا بأهل السنة لتمسكهم بها، وبالجماعة لأنهم اجتمعوا على الحق وأخذوا به (٢). ولما كان الخلاف بين متكلمي الأصول في غالبه بين الأشاعرة والمعتزلة، حسن التعريف بهما هنا، على سبيل الإجمال: فالمعتزلة: سموا بذلك لاعتزالهم أقوال المسلمين في مرتكب الكبيرة، حيث قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، وقيل غير ذلك،

стр. 7

وزعيمهم هو واصل بن عطاء. ومذهبهم يقوم على نفي الصفات عن الله تعالى، ونفي القدر في معاصي العباد، إضافة خلقها إلى فاعليها، وأن القرآن مخلوق، وهم فرق كثيرة، منهم الجبائية والنظامية وغيرها. ولهم أصول خمسة هي: ١ - التوحيد، ٢ - العدل، ٣ - المنزلة بين المنزلتين، ٤ - الوعد والوعيد، ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١). أما الأشاعرة فهم: منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، يقولون بإثبات سبع صفات فقط لله على اختلاف بينهم في إثباتها بين المتقدمين والمتأخرين، لأن العقل كما يزعمون دل على إثباتها وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والقدرة، والإرادة، والحياة. وقالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالذات ويستحيل أن يفارقه، والحروف دلالات على الكلام الأزلي، وعندهم أن الإيمان هو التصديق بالقلب. والعمل والإقرار من فروع الإيمان لا من أصله، وقد رجع أبو الحسن الأشعري عن قوله في الأسماء والصفات إلى مذهب أهل السنة والجماعة (٢). الأمر الخامس: لا يلزم في كل مسألة ذكر المذاهب كلها؛ لأن الأثر العقدي قد لا يكون مؤثرًا في المسألة الأصوليَّة عند أصحاب المعتقد الآخر، أو أن المسألة الأصوليَّة متأثرة عندهم بأصول أخرى، والنظر كان إليها عند تأصيل الأصل؛ إذ إن بناء الأصول الفقهية يكون بالأصل العقدي أو بغيره، بل قد يكون مخرَّجًا من الفروع. الأمر السادس: أثر العقيدة على مسائل أصول الفقه لا يُنكر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ المتكلمين: «صنفوا في أصول الفقه - وهو علم مشترك بين

стр. 8

الفقهاء والمتكلمين - فبنوه على أصولهم الفاسدة» (١). وقال ﵀: «وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لاسيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصوليَّة، وخلط بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئًا من أصول الأشعريَّة والسالميَّة وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئًا من أصول المعتزلة والكرَّاميَّة والكلابيَّة، ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة» (٢). ولكن أثر هذه الأصول الفقهية - المتأثرة بالعقيدة - على الفروع الفقهية ضعيف جدًا؛ إذ إن للفقهاء مآخذ ومدارك أخرى مؤثرة في الأصل وفي الفرع، غير الأصل العقدي - كما سبق الإشارة إليه - ويكون البناء في الغالب عليها، أو أنَّ التنظير في كتب العقيدة يخالف التأصيل في كتب أصول الفقه، فتقع بعض الفِرق في التناقض، كما وقع للأشاعرة في مسائل التعليل، والكلام النفسي. وفي هذا قال شيخ الإسلام عنهم: «والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل، وأما في الأصول: فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه» (٣). وقال الزركشي الأشعري عن مذهب التحسين والتقبيح العقليين إنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (٤)، فخالف أصل الأشاعرة

стр. 9

لما يترتب عليه من التناقض. ومما يؤكد عدم تأثر الفروع بالأصول الكلامية، أن الفقه كان قبل أن تظهر هذه الفرق الكلامية، بل كان أئمة المذاهب كالشافعي وأحمد يذمون الخوض فيما خاض فيه المتكلمون. ثمَّ إني أسميت الكتاب ب (المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه)، أسأل الله الكريم بمنه وكرمه أن ينفع به. • خطة البحث: يقسم الكتاب خمسة فصول. الفصل الأول: المسائل المتعلقة بالتوحيد (١)، وتحته سبعة مباحث: * المبحث الأول: أول واجب على المكلف: الشهادتان. * المبحث الثاني: طريق ثبوت وجوب النظر. * المبحث الثالث: تحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه. * المبحث الرابع: التحسين والتقبيح العقليان. * المبحث الخامس: رعاية الأصلح. * المبحث السادس: تكليف ما لا يطاق. * المبحث السابع: التصويب والتخطئة. الفصل الثاني: المسائل المتعلقة ب بالأسماء والصفات، وتحته ستة مباحث: * المبحث الأول: الاسم للمسمى. * المبحث الثاني: حكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف. * المبحث الثالث: صفة الكلام.

стр. 10

* المبحث الرابع: صفة الإرادة. * المبحث الخامس: الحكمة في أفعال الله وشرعه. * المبحث السادس: بقاء الأعراض. الفصل الثالث: المسائل المتعلقة بالقدر، وتحته: مسألة: قدرة العبد. الفصل الرابع: المسائل المتعلقة بالنبوات، وتحته خمسة مباحث: * المبحث الأول: العصمة، وتحته مطلبان: * المطلب الأول: عصمة الأنبياء قبل النبوة. * المطلب الثاني: عصمة الأنبياء بعد النبوة. * المبحث الثاني: حقيقة المعجزة ومسائلها. * المبحث الثالث: نسخ هذه الشريعة لما قبلها من الشرائع. * المبحث الرابع: وضع عيسى ﵇ الجزية بعد نزوله لا ينافي ثبوت أحكام الشريعة الخاتمة. * المبحث الخامس: إمامة علي بن أبي طالب ﵁. الفصل الخامس: المسائل المتعلقة بالاستدلال والتلقي، وتحته أربعة مباحث الآتية: * المبحث الأول: عدالة الصحابة. * المبحث الثاني: الإلهام. * المبحث الثالث: فهم الأدلة بحسب المعنى المراد والاستعمال. * المبحث الرابع: حقيقة الإيمان.

стр. 11

الفصل الأول المسائل المتعلقة بالتوحيد

стр. 12

المبحث الأول أول واجب على المكلف: الشهادتان أدخل الكلام عن الواجب الأول على المكلف في علم أصول الفقه في موضعين: الموضع الأول (١): لما تكلموا عن موضوع أصول الفقه - وهو الدليل الشرعي - فاستطردوا في ذكر معنى الدليل، إلى أن تكلموا عن النظر وإفادته العلمَ، ومنه النظر المُعَرِّف لوجود الله تعالى، الذي عند أكثر المتكلمين الأصوليين أول واجب على المكلف. وأما الموضع الثاني (٢): فلما تكلموا عن الاجتهاد والتقليد، فرَّعوا الكلام عن التقليد في أصول الدين، ومنه معرفة وجود الله. ومذهب أهل السنة والجماعة هو أن أول واجب: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ (٣). ومن الأدلة على ذلك: قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن:

стр. 13

(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله) (١). وهو نص في أن الشهادتين أول واجب على المكلف. وقال ابن القيم: «أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام» (٢). وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات. وذهب المتكلمون إلى أن أول واجب هو: المعرفة، وقيل: النظر، وقيل: القصد، وقيل: الشك. وقيل: إن المعرفة واجبة قصدًا، والنظر واجب لكونه وسيلة قريبة إلى المعرفة، والقصد إلى النظر واجب لأنه وسيلة أبعد إلى المعرفة (٣)، ويعدُّ هذا قولًا، والقول الآخر هو أن أول واجب هو الشك. وقد اتفقوا على أن معرفة الله غير ضرورية، ولذلك فهم كلهم قد أوجبوا النظر، على خلاف بينهم في المراد بالوجوب والنظر، وذكروا أن مقابل النظر هو التقليد. كما أنهم اتفقوا على أن الإيمان بالله ورسوله يعد الواجب الثاني (٤).

стр. 14

المبحث الثاني طريق ثبوت وجوب النظر عندما تحدث الأصوليون عن مسألة: أول واجب على المكلف، استطردوا في مسألة طريق ثبوت وجوب النظر. وحكى بعض علماء أصول الفقه قولين في المسألة، فنقلوا عن الجمهور أن وجوب النظر ثابت بالشرع لا بالعقل، ونقلوا عن المعتزلة عكس هذا، فقالوا: إن النظر ثابت وجوبه بالعقل لا بالشرع (١). وبنوا المسألة على مسألة التحسين والتقبيح، وخلاصته: أن قول المعتزلة بحسن دفع الضرر المتوقع من ترك النظر: صحيح، ولا يصح قولهم: إن ذلك دليل على الوجوب، وإنما هو دليل على حسنه، والحسن ليس محصورًا في الواجب، إذ يجوز أن يكون مستحبًا. وأن قول الأشاعرة بأن الوجوب بالشرع لا بالعقل: صحيح، ولكن لا يصح قولهم بمنع تحسين العقل لدفع الضرر المتوقع من ترك النظر. وكلا الطائفتين أغفلت فطرية المعرفة في حق عامة المكلفين إلا من تغيرت فطرهم.

стр. 15

المبحث الثالث تحقق لحوق الوعيد وحكم الخلف فيه هذه المسألة تكلم الأصوليون عنها في ضمن بحثهم عن العموم، فحكوا عن الأشعري القول بالوقف في صيغ العموم. قال الزركشي: «ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد الواردة في الكتاب والسنة، كقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ونحوه، ومع المرجئة في عموم الوعد، نفى أن تكون هذه الصيغ موضوعة للعموم، وتوقف فيها، وتبعه جمهور أصحابه» (١). وقد نسب الوقف في عموم الأخبار للإمام أبي حنيفة، ولكن نفى الجصاص أن يكون مذهبه (٢). ونسب الوقف كذلك للإمام الشافعي، وليس بصحيح، قال أبو الحسين بن القطان: «شذت طائفة من أصحابنا فنسبت هذا القول للشافعي، لأشياء يتعلق بها كلامه، لأنه قال في مواضع من الآي: يحتمل الخصوص، ويحتمل العموم، ولم يرد الشافعي ما ذهبوا إليه، إنما احتمل عنده أن ترد دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أنه حقه الاحتمال» (٣).

стр. 16

والذي عليه سلف الأمة وجمهور المتأخرين العمل بالعموم، وأن التوقف فيه مذهب متأخر نشأ في القرن الرابع الهجري، ولم يأخذ به إلا قليل من أهل العلم (١). وسر المسألة أن الوعيدية احتجوا بآيات الوعيد المتعلقة بعصاة الموحدين، فأوجبوا لهم دخول النار قطعًا إن لم يتوبوا، وقد يبالغون أكثر من هذا فيحملون النصوص الواردة في شأن الكفار على العصاة الموحدين بدعوى العموم، كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. وقابل هؤلاء المرجئة، فحملوا كل ما ورد من بشارات لأهل الإيمان والتوحيد على كل من آمن ولو كان فاسقًا معه من السيئات ما يستوجب دخول النار، كقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]. والتحقيق هو الجمع بين النصوص الواردة في الوعد والوعيد، وبيان ذلك: (١) ما ذهب إليه المعتزلة من أن آيات الوعيد في العصاة على عمومها، قلنا: هي كذلك، لكن لا يقطع بها في حق الشخص المعين، لأن لحوق الوعيد مشروط بانتفاء موانع. (٢) وأما القول بالتوقف في نصوص الوعد، بناء على احتجاج المرجئة بها على دخول أصحاب الكبائر الجنة بلا عذاب، فلا وجه له، لأنه قد ثبت بالأدلة المتواترة دخول بعض أهل الإيمان من أهل الذنوب النار وخروجهم منها، إما بالشفاعة، وإما بعد أن يكمل نقاؤهم بالعذاب، فيصيرون حممًا، فيخرجون إلى الجنة، وعندئذ فما ورد من الأدلة في دخول أهل الإيمان الجنة بلا عذاب، إنما هو في حق من كمل إيمانه، أو من شاء الله إدخاله الجنة بلا عذاب وإن كان

стр. 17

فعل ما يستوجب دخول النار، رحمةً منه وفضلًا وعفوًا. ومن ههنا يعلم خطأ ما خاض فيه كثير من أهل العلم، من أن خلف الوعيد لا يعد كذبًا، وإنما هو كرم. لأنه لا يوجد خلف أصلًا، وإنما نصوص الوعيد وردت مقيدة، فوجب حمل المطلق على المقيد، فلا خلف ولا كذب.

стр. 18

المبحث الرابع التحسين والتقبيح العقليان ذهب أهل السنة والجماعة: إلى أن الأفعال منشأ للمصلحة والمفسدة، إما لذاتها، وإما لاعتبارات، وإما لوصفها، وقد يستقل العقل بدرك بعض تلك الصفات، أي يعلم حسنها وقبحها، كحسن الإيمان بالله والعدل والصدق، وكقبح الكفر والظلم، وقد لا يستقل بذلك، ولا يعرفه مفصلًا في كل فعل بعينه إلا بخطاب الشرع، وما يعلم العقل حسنه أو قبحه لا يترتب على تركه أو فعله عقاب حتى يرد بذلك الشرع. وعبَّر الزركشي الأشعري عن هذا المذهب بأنه: «المنصور لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض، وإليه إشارات متأخري الأصوليين والكلاميين فليتفطن له» (١). ومن الأدلة الصحيحة التي يمكن التعويل عليها في إثبات الحسن والقبح العقليين: دليل الفطرة (٢) - أو ما يعبِّر عنه بعضهم: أن ذلك معلوم بالضرورة، وما كان كذلك فلا يحتاج إلى بحثه وتقريره بالأدلة (٣). ولو تتبعنا نصوص الشرع لوجدنا الدلالة على أن هذا مركوز في الفطرة،

стр. 19

ومن ذلك: قوله الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. فالفاحشة هنا هي طواف المشركين عراة بالبيت رجالا ونساء، فبين الله أنه لا يأمر به لقبحه، فلو كان القبيح هو المقول فيه لا تفعل - كما تقول الأشاعرة - لكان معنى الآية: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا يصان عنه كلام الباري لعدم فائدته، ثم بين الله أنه لا يأمر إلا بما هو حسن (١) فقال سبحانه: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فوصف الله بعض رزقه بأنه طيب، وأن هذا الوصف يقتضي عدم تحريمه، فدل على ثبوت وصف للفعل هو منشأ للمصلحة مانع من التحريم، وهذا هو التحسين العقلي عينه (٢). ثمَّ إن المولى ضرب أمثلة عقلية كثيرة دالة على حسن التوحيد ومدح فاعله، وعلى قبح الشرك وذمه وذم فاعله، والأدلة فيه كثيرة. كقوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [: يس: ٢٣ - ٢٤] فلم يحتج الله عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل ومقتضى الفطرة، لأن من لا يملك دفع ضر عن نفسه فأولى أن لا يقدر على دفعه عن غيره، فكانت عبادته من كان ناقصًا

стр. 20

ضلالًا مبينًا (١). أما المعتزلة فقد اتفقت على ثبوت الحسن والقبح للأفعال بالعقل، وترتب الثواب والعقاب على ذلك، ثم ينقل خلاف بينهم بعد ذلك في جهة حسن الفعل أو قبحه هل هو لذاته كحسن الصدق أو قبح الكذب، أم هل هو لصفة الفعل، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع، كالكذب لإنجاء نبي مثلًا، فالكذب هنا نافع فيكون حسنًا لهذه الصفة، ويكون الصدق قبيحًا في هذه الحالة لضرره، أم هل هو لاعتبارات، كضرب اليتيم مثلًا، فإنه باعتبار التأديب حسن، وباعتبار الظلم قبيح. ثم هؤلاء التزموا التسوية في الأحكام شاهدًا وغائبًا، فزعموا أن ما يحسن من العبد يحسن من الله، وما يقبح منه يقبح منه، فوضعوا لله شريعة بعقولهم، فأوجبوا عليه أشياء لم يوجبها على نفسه، وحرموا عليه أشياء لم يحرمها على نفسه (٢). ومنعت الأشاعرة تحسين العقل وتقبيحه، وجَوَّزُوا على الرب تعالى كل شيء ممكن، وزعموا أن القبيح في أفعال الله ما كان ممتنعًا كالجمع بين النقيضين ونحوه، ثم هم اتفقوا على أن ترتب الثواب والعقاب على الشرع وحده. والمعروف عن المتقدمين منهم منع تحسين العقل وتقبيحه مطلقًا، وأن الحسن هو المأمور به شرعًا، والقبيح هو المنهي عنه شرعًا -ونحو هذه العبارات (٣) - وأنه ليس للفعل صفات تقتضي أن يكون جائزًا أو ممنوعًا، فلا فرق في الأصل بين الكفر والإيمان، ولا بين الزنا والعفاف، ولا بين الصدق والكذب، ونحو ذلك.

стр. 21

أما المتأخرون فذكروا أن للحسن والقبح إطلاقات ثلاثة: الإطلاق الأول: على معنى ملاءمة الشيء للطبع أو منافرته. والإطلاق الثاني: على معنى كون الشيء صفة كمال كالعلم والصدق، أو صفة نقص كالجهل والظلم. والإطلاق الثالث: على معنى أن الفعل متعلَّق الذم عاجلا وعقابه آجلًا، أو المدح عاجلًا، والثواب آجلًا. وذكروا أنه لا خلاف في أن الإطلاقين الأولين عقليان، وأما الثالث فهو محل النزاع (١). وخلاصة ما سبق أنَّ المعتزلة ذهبت في تعريف الحسن والقبح إلى أنَّ الحسن: ما لفاعله أن يفعله، والقبيح: ما ليس لفاعله أن يفعله، وهم يجعلون حسنه وقبحه ناشئ عن نفس الفعل. وذهبت الأشعرية إلى أنَّ الحسن: ما ورد الشرع بتعظيم فاعله، والثناء عليه، والقبيح يقابله. وجعلوا منشأ الحسن والقبح هو الأمر والنهي لا غير. وذهب أهل السنة والجماعة إلى أن منشأ الحسن والقبح مجموع الأمرين: الأوامر والنواهي، وكذا الأفعال، وتعريفهم موافق لتعريف الأشاعرة، فالحسن: ما أُمر به شرعًا، والقبيح: ما نُهي عنه شرعًا. وهذا لا يعني عدم وجود الصفات المتعلقة بالأفعال حقيقة (٢).

стр. 22

ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل (١): المسألة الأولى: تعريف الحكم الشرعي. عُرِّف بأنّه: «خطاب الله» عند من يمنع دخول العقل في الأحكام، وهم أهل السنة والجماعة والأشاعرة. وعرفته المعتزلة بأنّه: إعلام الله أيانا، أو دلالته لنا على كون الفعل واجبًا ومندوبًا ومباحًا وحرامًا ونحوها، والإعلام والدلالة يتناولان الإعلام بالشرع ودلالة العقل (٢)، فالعقل يوجب حكمًا شرعيًا، فهو حاكم. ومثل هذه المسألة: تقييد الأحكام بصفة التشريع، كتقييد تعريف الواجب، بالقول: (شرعًا)، أو (خطاب الشارع)، أو (من جهة نظر الشرع) عند من جعل الشرع هو الحاكم وليس العقل (٣). قال الرازي: «وقولنا: شرعًا، إشارة إلى ما نذهب إليه من أنَّ هذه الأحكام لا تثبت إلَّا بالشرع» (٤).

стр. 23

ومثله ما ورد في التعاريف الأخرى للأحكام الشرعية: المندوب (١)، والمحرم (٢)، والمكروه (٣)، والمباح (٤). الثانية: تتعلق الأحكام بالأعيان والأفعال تعلقًا حقيقيًا ؛ لأجل صفات في العين أو الفعل اقتضت تلك الأحكام، عند من يقول بالحسن والقبح العقلي. وزعم «نفاة الحسن والقبح العقليين أنها ليست صفة ثبوتية للأفعال، ولا مستلزمة صفة ثبوتية للأفعال، بل هي من الصفات النسبية الإضافية، فالحسن: هو المقول فيه: "افعله" أو "لا بأس بفعله"، والقبيح: هو المقول فيه: "لا تفعله"» (٥) أي: أنه مجرد الأمر والنهي، وتعلق تلك الصفات بالأحكام نسبي لا حقيقي وهو قول الأشاعرة. الثالثة: شكر المنعم. أوجبت المعتزلة وجوب شكر المنعم عقلًا؛ لأنّ العقل عندهم موجب بذاته. وأهل السنة يقولون بحسن شكر المنعم عقلًا؛ لإثبات الصفات الذاتية؛ لكنهم لا يوجبون ذلك على الله عقلًا، ولا ثواب، ولا عقاب إلّا بالشّرع. وأمّا نفاة الحسن والقبح العقليين -كالأشاعرة- فليس بواجب عندهم عقلًا؛

стр. 24

لأنّهم ينفون الصفة عن الفعل، وهذا يستلزم ألا يدرك العقل فيه حسنًا ولا قبحًا، فضلًا عن أن يحكم عليه (١). الرابعة: حكم الأشياء قبل ورود الشرع. لا حكم للأشياء قبل الشرع، عند من لا يرى في الأفعال ولا في الأعيان صفات في أنفسها، -وهو مأخذ الأشاعرة- ومن ثمَّ فالحكم موقوف على الشرع، وقبل الشرع لا حكم لها؛ لأن أفعال العقلاء قبل الشرع لم يرد فيها خطاب شرعي حتى يحكم بالإباحة أو الحظر، وحيث لا شرع فإن العقل لا مدخل له في تعيين الأحكام الشرعية، فلا سبيل لمعرفة حكم الشرع فيها (٢). ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من لم يوافق المعتزلة في التحسين والتقبيح، وقال بالإباحة أو الحظر فقد ناقض» (٣). وأهل السنة والجماعة وإن أثبتوا للأفعال قبل الشرع الحسن أو القبح، إلا أنّه لا حكم للعقل بثواب أو عقاب، بل ذلك للشرع (٤). وذهب المعتزلة إلى أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع إما الإباحة أو الحظر، أي إن للعقل فيها حكم.

стр. 25

الخامسة: تكليف الصبي. ذهبت المعتزلة إلى تكليف الصبي متى عَقِل، وأمكنه معرفة الله تعالى، وجب عليه الإيمان؛ لقولهم بإدراك حسن الأشياء وقبحها، وبوجوب بعض الأحكام بالعقل. وأمّا أهل السنة فإنهم وإن أثبتوا الحسن والقبح، إلا أنهم ينفون أن يكون العقل حاكمًا في دين الله تعالى؛ ولهذا فلا يوجبون به شيئًا؛ لعدم تكليفه شرعًا (١). السادسة: تكليف المعدوم. ذهبت المعتزلة إلى عدم جواز تكليف المعدوم؛ لأن الأمر والنهي بدون المخاطب عبث، فيكون التكليف به قبيحًا. وذهبت الأشاعرة إلى جواز تكليفه؛ نظرًا لإثبات الكلام النفسي، «وأن الله تعالى لم يزل آمرًا ناهيًا مخبرًا» (٢). وأجاب الأشاعرة: «بأن تقبيح هذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وهي منهدمة الأركان» (٣). السابعة: تكليف المكره. منع تكليف المكره من يعتبر في أوامر الشرع موافقتها لقضايا العقول؛ لأنّ تكليفه يخالف العدل فيكون قبيحًا. أمّا من يجعل مدار الأحكام الشرعية على محض الإرادة والمشيئة من غير

стр. 26

تعليل لها؛ فإنّه يجوَّزه، ولا يعد قبيحًا عنده؛ لأنّه لا معنى للفعل القبيح إلا ما نهى عنه الشرع (١). الثامنة: الواجب المخيَّر، والحرام المخيَّر. منع المعتزلة التخيير في الواجب المخير؛ لأنّها إمّا أن تكون الواجبات متساوية في الحسن، فلا معنى لاستقلال أحدها بالوجوب. وإما أن يختص واحد منها بما يقتضي الوجوب من الحسن دونها، فيكون هو الواجب دون ما سواها (٢). قال الطوفي في بناء المسألة: «قلنا: مبني على وجوب رعاية الأصلح، وعلى أن الحسن والقبح ذاتيان أو بصفة، وهما ممنوعان، بل ذلك شرعي، فللشرع فعل ما شاء من تخصيص وإبهام» (٣). ومن منع وجوب رعاية الأصلح؛ فإنّه لا يجب عنده تساوي الخصال في الحسن والصلاح، ولم يجب تساويها في الوجوب (٤). ومثله - مأخذًا - الحرام المخير (٥)؛ لأن منع المحرم المخير عند المعتزلة؛ لأنّ الأشياء المخيَّر بينها، إن لم تكن قبيحة لم يجز أن تكون محرمة؛ -لأنّ المحرم عندهم حرم؛ لقبحه- فإذا كانت كلها قبيحة لم يجز أن يكون بعضها محرمًا، وبعضها مباحًا؛ لتساويها في المفسدة، فيكون إباحة بعضها معارضًا لقاعدة رعاية الأصلح للعباد في التكليف.

стр. 27

وأمّا غير المعتزلة: فلا يجعلون مدار الأحكام على تحسين العقل وتقبيحه، ولا على وجوب الصلاح، فلا يمتنع أن يجعل الله المصلحة في اجتناب الجمع بين الفعلين، حتى لو فعل المكلف أحدهما لم تحصل المفسدة المترتبة على الجمع بينهما (١). التاسعة: التعبد بالعمل بخبر الآحاد. اختلف القائلون بالتحسين والتقبيح في التعبد بالعمل بخبر الآحاد. فمنعه بعضهم؛ لأن «التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وذلك يقتضي أن تكون المصلحة أو المفسدة معلومة، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وهو يجوز خطؤه فيقع المكلَّف في الجهل والفساد، وهو غير جائز» (٢)، ولأن في تعليق التكاليف به مفسدة استباحة الأموال والأعراض بأمر مظنون يجوز خطؤه. وأجاز العمل به آخرون؛ لما في العمل به من الحسن؛ وذلك لأن المتواتر عزيز، فلو لم يعمل بخبر الآحاد لتعطلت المصالح (٣). العاشرة: منع المعصية على النبي ﷺ قبل بعثته عقلًا (٤)؛ لأن المعصية توجب احتقارًا لصاحبها، فتنفر الطبائع عن اتباعهم، وذلك قبيح عقلًا، وهو خلاف المصلحة، ولذا يمتنع أن يقع ما هو خلاف المصلحة (٥).

стр. 28

ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة قال لا يمتنع عليه تعالى فعل شيء، فله أن يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء، ومن ذلك المعصية من النبي ﷺ قبل البعثة (١). بل إن جواز ذلك لا يفضي إلى القبح العقلي؛ لأن الإنسان بعد صفاء السريرة وحسن السيرة ينعكس حال الناس معه من حال الازدراء والاستخفاف إلى حال التعظيم والإجلال، ويؤكد ذلك أن انعكاس حالهم حينئذ دلالة المعجزة على صدقه وأحقيته بالرسالة، والمشاهدة قاضية بهذا الانعكاس في كثير من الصلحاء، حيث كانوا موصوفين بضد الصلاح محقورين من الناس، ثم انعكس حالهم بعد الصلاح، فلا وجه للملازمة (٢). الحادية عشرة: ذهب بعض من قال بالتحسين والتقبيح إلى كون النسخ بيانًا ؛ لأنه لو كان رفعًا؛ لأدى إلى أن ينقلب الحسن - الذي أثبته الله بالأمر - إلى قبيح وذلك بالنهي عنه، وهذا محال (٣). وبيانه: أنَّ الشيء إنما يؤمر به لحسنه وما فيه من مصلحة، وينهى عنه لقبحه وما فيه من مفسدة، ولو أمر بالحكم الواحد، ثم نهى عنه لكان حسنًا قبيحًا، مصلحة مفسدة، مرادًا غير مراد، وهو جمع بين النقيضين، والقول بالرفع يلزم منه ذلك؛ لأنه أمر بالحكم المنسوخ لحسنه، ثم نهى عنه برفعه لقبحه، فلزم أن يجتمع فيه النقيضان (٤).

стр. 29

وذهب شذوذ من المسلمين، بعض طوائف اليهود (١)، إلى عدم وقوع النسخ، بسبب ذلك. ونوقش: بأن التناقض إنما يكون مع اتحاد الزمان، وشرط النسخ التراخي ولا تناقض مع تعدد الزمان (٢). كما أنه يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر، فيأمر به في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه، فيكون حسنًا في وقت قبيحًا في وقت آخر، فلا يكون مناقضًا للحسن والقبح (٣). الثانية عشرة: قبول جميع الأحكام للنسخ. عدم قبول جميع الأحكام للنسخ (٤)، لأن الحسن والقبح صفات وأحكام لا تتغير بتغير الشرائع، ولذا يمتنع النسخ في هذه الأفعال المقتضية للحسن والقبح لاستحالة الأمر بالقبح، والنهي عن الحسن (٥)، وهذا عند القائلين بالتحسين والتقبيح. أما من لم يقل بالتحسين والتقبيح، فقد اختلفوا: فقال بعضهم بالمنع؛ لأن ما لا يمكن أن يقع إلا على وجه واحد، يمتنع أن يقع

стр. 30

على وجهين، ولو أمر به ثم نسخ لوقع على وجهين، وهو غير قابل لذلك (١). وقال بعضهم بالجواز نظرا لأدلة أخرى، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:: ٣٩]، ونحو ذلك (٢). الثالثة عشرة: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. ذهبت المعتزلة إلى منع نسخ الحكم مع بقاء التلاوة (٣)؛ لأن «الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرِّض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم يقبح منه ذلك» (٤). أما إن قيل إن الشرع هو الذي يثبت الحسن والقبح، والعقل لا مدخل له في ذلك فإن الشرع إن ورد بالنسخ للحكم دون التلاوة فهو حسن لورود الشرع به، ولا التفات إلى نظر العقل (٥). الرابعة عشرة: نسخ التكليف بالخبر. منع نسخ التكليف بالخبر؛ «لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى» (٦).

стр. 31

فلو كلف الشارع الإخبار بشيء، ثم نسخه، وأمر بالإخبار بضده لكان في ذلك كذب؛ لأنه كلفه بالإخبار بنقيض الحق ولابد، وهذا أمر يستقبحه العقل فكان ممتنعًا في حق الله تعالى لتنزهه عن الكذب، ولهذا لا يجوز النسخ في هذه الحالة لما يلزم من القول بالجواز من إفضاء إلى الباطل، وما أفضى إلى باطل فهو باطل (١). وقد أبدى ابن السبكي اعتراضًا على استناد المعتزلة إلى هذا الأصل، فقال: «بل لقائل أن يقول لا التفات لهذا على قاعدة التحسين والتقبيح، بل ينبغي القول به على أصلنا وأصلهم» (٢). ثم ذكر أنه على أصل الأشاعرة واضح الالتفات لإنكارهم للقاعدة، أما على أصلهم فلأنه قد يتعلق بالكذب قصد صحيح فلا يكون قبيحًا في حق المكلِّف أو المكلَّف، وقد ذكر الفقهاء مواضع يجب فيها الكذب لتعلق غرض شرعي به، ولا ينبغي للمعتزلة الخلاف في ذلك (٣). الخامسة عشرة: حكم نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل. ذهبت المعتزلة إلى منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، «لعدم حصول المصلحة من الفعل، وترك المصلحة عندهم يمنعه قاعدة الحسن والقبح» (٤). ثم إن نسخ الفعل قبل التمكن فيه أمر، ونهي، أمر بالعبادة، وهذا يقتضي حسن الأمر، ثم نهى عنها، وهذا يقتضي القبح، وبما أن الشرع كاشف عن الحسن والقبح فإنه لا يمكن أن يكشف عن الحسن أو القبح، ثم يأتي بما يدل على خلاف ذلك إذا

стр. 32

كان ذلك في فعل واحد، ومن هنا فمن قال بالحسن والقبح لزمه القول بعدم الجواز، ومن لم يقل به لم يلزمه ذلك (١). السادسة عشرة: حكم العمل بالقياس. اختلف القائلون بالتحسين والتقبيح في حسن وقبح العمل بالقياس: فمن منع العمل بالقياس عقلًا (٢)، قال: إن القياس رجم بالظن، والرجم بالظن جهل، والجهل قبيح، والأمر به قبيح، وما كان كذلك فلا يجوز عقلا القول به (٣). ومن قال بالعمل به منهم، قال: إن النصوص لا تحيط بالحوادث، ولذا كان من الواجب أن يكون للناس طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، وليس ذلك إلا بالقياس فكان في القياس دفعًا لهذا الضرر المظنون، فاقتضى العقل وجوب العمل به لدفع ذلك الضرر (٤). وعليه فإن من الحسن العمل به. وقالوا: إن الأحكام مبنية على المصالح، وهي متفاوتة حسب تفاوت الزمان والمكان، فلا يمكن ضبطها إلا بالتفويض إلى الرأي، وإلا خلت الوقائع من الأحكام لعدم كفاية عمومات النصوص، ولذا كان من الجائز عقلًا العمل بالقياس لتحقيق تلك المصالح (٥). ومن لم يقل بهذا الأصل فلا يلزمه ذلك، ونظر في العمل بالقياس إلى أدلة شرعية، وعقلية، ومنها ما ذكر في بيان كون العمل به حسنًا.

стр. 33

السابعة عشرة: وصف العِلَّة وتعريفها بأنها المؤثر. ذهب من قال بالتحسين والتقبيح إلى القول بأن العلة الشرعية مؤثرة في الحكم بذاتها (١)؛ لأن العقل إن كان يدرك الحسن والقبح يلزم أن يكون مدركًا للوصف المشتمل على المصلحة أو المفسدة الذي لأجله تثبت الأحكام أو تنفى، وإذا ثبت كون الوصف علة فإن العقل يقضي بترتيب الأثر عليه، فيكون مؤثرًا بنفسه (٢). ومن قال بنفي التحسين والتقبيح العقليين فإنه لا يقول إن العقل يقضي بترتيب الأثر على الوصف، بل الوصف علامة تعرف الحكم ليس غير. واشترط القائلون بالتحسين والتقبيح أن تعلَّل الأحكام بالمصلحة (٣)؛ لأنه «يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه» (٤). والعالم الحكيم لا يحسن منه أن يفعل أو يأمر أو يحكم إلا بحسن، كما يقبح منه أن يفعل أو يأمر أو يحكم بقبيح، ولو أمر بقبيح يعلم قبحه لكان ذلك مخالفًا لعلمه وحكمته (٥). ومن لم يقل بالحسن والقبح قال له أن يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، ولا يحمله شيء على شيء (٦).

стр. 34

الثامنة عشرة: تعليل أحكام الله وأفعاله. من أثبت للفعل صفة تقتضي حسنه أو قبحه؛ فإنّه يثبت كون ذلك الحكم معللًا بما فيه من صفة، وجعل أحكام الله تعالى وأفعاله معللة. والمعتزلة قالوا: «لا يصح أن يفعل فعلًا إلا لمصلحة العباد» (١). فأوجبوا ذلك، وخالفهم أهل السنة في مسألة الإيجاب، كما تقدم في أصل المسألة العقدية. وأما الأشاعرة الذين أنكروا صفات الأفعال ونفوا الحسن والقبح العقليين، ونفوا أن يكون في الفعل مصلحة تقتضي أن يكون الأمر به لأجلها، وأن يكون فيه مفسدة تقتضي أن يكون النهي عنه لأجلها، وبناء على ذلك أنكروا أن تكون أحكام الله تعالى معللَّة؛ لعدم ما تُعلل به، «ومن أنكر أن يكون للفعل صفات ذاتية، لم يحسن إلا لتعلق الأمر به، وأن الأحكام بمجرد نسبة الخطاب إلى الفعل فقط، فقد أنكر ما جاءت به الشرائع من المصالح والمفاسد، والمعروف والمنكر وما في الشريعة من المناسبات بين الأحكام وعللها» (٢). التاسعة عشرة: شرع من قبلنا. شرع من قبلنا حجة عند المعتزلة القائلة بالتحسين والتقبيح؛ لأن «الأحكام الشرعية حسنها ذاتي لا يختلف باختلاف الشرائع، فهي حسنة بالنسبة إلينا، فتركنا لها قبيح» (٣).

стр. 35

وبناء عليه: فإن مجيء النبي بشريعة أخرى عبث لا فائدة فيه، «والحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث» (١). نوقش: بأن «حسنها شرعي إضافي، فيجوز أن يكون الحكم حسنًا في حقهم، قبيحًا في حقنا» (٢). العشرون: نسب القول بأن الاستحسان هو: مايستحسنه المجتهد بعقله، على القول بالتحسين والتقبيح، ولما نسب إلى أبي حنيفة ﵀ نفاه الحنفية عنه. قال عبد العزيز البخاري: «فأبو حنيفة أجلُّ قدرًا، وأشد ورعًا من أن يقول في الدِّين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا» (٣) الحادية والعشرون: عدم وقوع المشترك في خطاب الشرع عند القائل بالتحسين والتقبيح ؛ لأنّ المقصود من الخطاب هو الإفهام، ولا يتحقق ذلك بالخطاب المشترك، فلا يتعلق به غرض صحيح؛ لما فيه من تجهيل للمكلف، فالمشترك «إن كان المقصود منه الإفهام، فإن وجد معه البيان فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الإفهام فهو عبث، وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه، فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي» (٤). الثانية والعشرون: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بالحسن والقبح ؛ لأنّ القول به يورد إيهامًا بوضعه للشرع، وهو مُورث للتهمة في حقه، ومنفر للناس عنه،

стр. 36

وهذا الأمر قبيح، كما أنّه يعود على الرسالة وعلى مقصود البعثة بالخلل، ويؤدي إلى تجويز مخالفة المجتهد له، فهو اجتهاد مقابل اجتهاد، ومقام النبوة يقتضي الانقياد والاتباع للتشريع (١). الثالثة والعشرون: منع الاجتهاد في زمن النبي ﷺ عند القائل بالتحسين والتقبيح ؛ لأنّ «الاجتهاد عرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلًا» (٢). الرابعة والعشرون: عدم تأثير المجتهد إذا بذل وسعه في المسائل العقدية ولم يصب الحكم ؛ لأنّ «تأثيم المجتهد بعد استفراغ وسعه في الاجتهاد قبيح؛ إذ هو مفض إلى تكليف ما لا يطاق» (٣). وأمّا عدم تأثيمه في الفروع لأنّ «هذه المسائل ليس فيها دليل قاطع، ولا فيها حكم معين، والأدلة الظنية لا تدل لذاتها، وتختلف بالإضافة، فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليها دليل قاطع تكليف ما لا يطاق، وإذا بطل الإيجاب بطل التأثيم، فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف، ونفي التكليف ينتج نفي التأثيم» (٤). الخامسة والعشرون: منع التقليد في الفروع عند القائل بالتحسين والتقبيح ؛ لأنّ العامي «إذا قلَّد العالم فيها، كان إقدامه قبيحًا من حيث يجوز الخطأ

стр. 37

على العالم، والفعل الذي لا يؤمن كونه قبيحًا بمنزلة الخبر الذي لا يؤمن كونه كذبًا من القبح» (١).

стр. 38

المبحث الخامس رعاية الأصلح رعاية المصلحة، وتسمى الأصلح، ويقصد به: إذا كان هناك صلاحان وخيران فكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق فهو الأصلح، وقد اختلف الناس في وجوب رعاية المصلحة أو فعل الأصلح على قولين: الأول: أنه لا يجب على الله تعالى فعل الأصلح، بل هو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وبهذا قال أكثر الناس، وهو قول أهل السنة والأشاعرة وغيرهم. وهؤلاء اختلفوا: فقال بعضهم: إنَّ خلق الله وأمره متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة، وهو قول الجهمية. وقال بعضهم: إنَّ الله أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وإن كان في بعض ذلك ضرر لبعض الناس، فلابد وأن يكون ذلك لمصلحة لأجلها خلقه الله، وهذا قول أكثر الفقهاء، وأهل الحديث والتصوف، وطوائف من أهل الكلام. الثاني: أنه يجب على الله تعالى فعل الأصلح، وبهذا قال عامة المعتزلة، ومنهم من قال يجب ذلك في أمور الدين والدنيا، وهؤلاء هم معتزلة بغداد، ومنهم من قال بوجوب فعل الأصلح في الدين فقط، وبهذا قال معتزلة البصرة، وقيل عنهم غير ذلك (١).

стр. 39

ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: منع فتور الشرائع عقلًا عند من يقول بوجوب رعاية المصالح على الله، وهو مذهب الكعبي من المعتزلة؛ لما فيه فتور الشرائع، وعدم بقاء التكاليف عقلًا، من تبدل المصلحة بالمفسدة، وتخلف أصل رعاية المصالح، وجوابه على التنزيل بوجوب رعاية الأصلح، «فمن الذي أنبأك أن الأصلح تقدير الشرائع، فقد يكون الأصلح في فتورها، حتى يعملوا بمقتضى عقولهم» (١). الثانية: منع تكليف ما لا يطاق ؛ لأنّه ليس أصلح للعبد، وما كان كذلك استحال عقلًا على الله التكليف به، فيمتنع التكليف بما لا يطاق. وجوابه: أنّه ليس من قبيل الاستحالة العقلية التي هي ضد الايجاب العقلي؛ فإنّه سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لكن من قبيل أن ذلك لا يليق بحكمة الله تعالى وفضله؛ لأنّ «المأمور بفعل لا بدَّ من أن يكون قادرًا على تحصيل المأمور به حقيقة؛ لأنّ تكليف ما ليس في الوُسع ليس بحكمة» (٢). الثالثة: عدم جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، عند من قال بوجوب مراعاة المصلحة على الله (٣)؛ لأن الأمر من الله يدل على أن المأمور به صلاح للمأمورين، وما كان صلاحًا لهم لا يجوز للحكيم أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه، وهذا ما يوجد في نسخ الفعل قبل التمكن، ولذا لم يجز.

стр. 40

أما من قال لا يجب رعاية المصلحة فقد جوَّز ذلك (١). ونوقش: بأن الأمر يدل على الصلاح ما دام الأمر قائمًا، فإذا نهى عنه علم أن الصلاح كان إلى غاية. ثم إن هذا يعود على النسخ بالإبطال؛ لأن الأمر بالشيء يدل على صلاحه، وما كان صالحًا للعبد لم يجز للحكيم أن ينهى عنه أو يرفعه (٢). ولهم أن يجيبوا: بأن النسخ هو رفع مثل الحكم لا نفسه، فيكون المرفوع غير الحكم السابق، فلم ينه عن شيء قد أمر به، أما هنا فالفعل واحد، فأمر به، ثم نهى عنه قبل فعله. الرابعة: قبول جميع الأحكام للنسخ ؛ عند القائل بوجوب الأصلح على الله تعالى (٣)؛ لأنه يجب على الله - تعالى الله عن قولهم - إذا علم المصلحة في رفع التكليف أن يرفعه عنهم، وإذا علم أن المصلحة في عدم رفعه ألاَّ يرفعه عنهم، وإن لم يقع ذلك كان خارجًا عن نمط الحكمة وسبيل العدل إلى الجور والسفه تعالى الله عن ذلك (٤). ومن لم يقل بذلك قال له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن هؤلاء من ينكر التعليل، فعنده أن الله تعالى يفعل بمحض المشيئة، ومنهم من قال هو يأمر بما فيه صلاح العباد، وينهى عما فيه فسادهم.
следующие страницы →