← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1356

المعتقد وأثره على مسائل أصول الفقه

عبد الرحمن بن علي الحطاب

Полный текст (183 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا الأمر قبيح، كما أنّه يعود على الرسالة وعلى مقصود البعثة بالخلل، ويؤدي إلى تجويز مخالفة المجتهد له، فهو اجتهاد مقابل اجتهاد، ومقام النبوة يقتضي الانقياد والاتباع للتشريع (١). الثالثة والعشرون: منع الاجتهاد في زمن النبي ﷺ عند القائل بالتحسين والتقبيح ؛ لأنّ «الاجتهاد عرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلًا» (٢). الرابعة والعشرون: عدم تأثير المجتهد إذا بذل وسعه في المسائل العقدية ولم يصب الحكم ؛ لأنّ «تأثيم المجتهد بعد استفراغ وسعه في الاجتهاد قبيح؛ إذ هو مفض إلى تكليف ما لا يطاق» (٣). وأمّا عدم تأثيمه في الفروع لأنّ «هذه المسائل ليس فيها دليل قاطع، ولا فيها حكم معين، والأدلة الظنية لا تدل لذاتها، وتختلف بالإضافة، فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليها دليل قاطع تكليف ما لا يطاق، وإذا بطل الإيجاب بطل التأثيم، فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف، ونفي التكليف ينتج نفي التأثيم» (٤). الخامسة والعشرون: منع التقليد في الفروع عند القائل بالتحسين والتقبيح ؛ لأنّ العامي «إذا قلَّد العالم فيها، كان إقدامه قبيحًا من حيث يجوز الخطأ

стр. 37

على العالم، والفعل الذي لا يؤمن كونه قبيحًا بمنزلة الخبر الذي لا يؤمن كونه كذبًا من القبح» (١).

стр. 38

المبحث الخامس رعاية الأصلح رعاية المصلحة، وتسمى الأصلح، ويقصد به: إذا كان هناك صلاحان وخيران فكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق فهو الأصلح، وقد اختلف الناس في وجوب رعاية المصلحة أو فعل الأصلح على قولين: الأول: أنه لا يجب على الله تعالى فعل الأصلح، بل هو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وبهذا قال أكثر الناس، وهو قول أهل السنة والأشاعرة وغيرهم. وهؤلاء اختلفوا: فقال بعضهم: إنَّ خلق الله وأمره متعلق بمحض المشيئة لا يتوقف على مصلحة، وهو قول الجهمية. وقال بعضهم: إنَّ الله أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وإن كان في بعض ذلك ضرر لبعض الناس، فلابد وأن يكون ذلك لمصلحة لأجلها خلقه الله، وهذا قول أكثر الفقهاء، وأهل الحديث والتصوف، وطوائف من أهل الكلام. الثاني: أنه يجب على الله تعالى فعل الأصلح، وبهذا قال عامة المعتزلة، ومنهم من قال يجب ذلك في أمور الدين والدنيا، وهؤلاء هم معتزلة بغداد، ومنهم من قال بوجوب فعل الأصلح في الدين فقط، وبهذا قال معتزلة البصرة، وقيل عنهم غير ذلك (١).

стр. 39

ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: منع فتور الشرائع عقلًا عند من يقول بوجوب رعاية المصالح على الله، وهو مذهب الكعبي من المعتزلة؛ لما فيه فتور الشرائع، وعدم بقاء التكاليف عقلًا، من تبدل المصلحة بالمفسدة، وتخلف أصل رعاية المصالح، وجوابه على التنزيل بوجوب رعاية الأصلح، «فمن الذي أنبأك أن الأصلح تقدير الشرائع، فقد يكون الأصلح في فتورها، حتى يعملوا بمقتضى عقولهم» (١). الثانية: منع تكليف ما لا يطاق ؛ لأنّه ليس أصلح للعبد، وما كان كذلك استحال عقلًا على الله التكليف به، فيمتنع التكليف بما لا يطاق. وجوابه: أنّه ليس من قبيل الاستحالة العقلية التي هي ضد الايجاب العقلي؛ فإنّه سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لكن من قبيل أن ذلك لا يليق بحكمة الله تعالى وفضله؛ لأنّ «المأمور بفعل لا بدَّ من أن يكون قادرًا على تحصيل المأمور به حقيقة؛ لأنّ تكليف ما ليس في الوُسع ليس بحكمة» (٢). الثالثة: عدم جواز نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل، عند من قال بوجوب مراعاة المصلحة على الله (٣)؛ لأن الأمر من الله يدل على أن المأمور به صلاح للمأمورين، وما كان صلاحًا لهم لا يجوز للحكيم أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه، وهذا ما يوجد في نسخ الفعل قبل التمكن، ولذا لم يجز.

стр. 40

أما من قال لا يجب رعاية المصلحة فقد جوَّز ذلك (١). ونوقش: بأن الأمر يدل على الصلاح ما دام الأمر قائمًا، فإذا نهى عنه علم أن الصلاح كان إلى غاية. ثم إن هذا يعود على النسخ بالإبطال؛ لأن الأمر بالشيء يدل على صلاحه، وما كان صالحًا للعبد لم يجز للحكيم أن ينهى عنه أو يرفعه (٢). ولهم أن يجيبوا: بأن النسخ هو رفع مثل الحكم لا نفسه، فيكون المرفوع غير الحكم السابق، فلم ينه عن شيء قد أمر به، أما هنا فالفعل واحد، فأمر به، ثم نهى عنه قبل فعله. الرابعة: قبول جميع الأحكام للنسخ ؛ عند القائل بوجوب الأصلح على الله تعالى (٣)؛ لأنه يجب على الله - تعالى الله عن قولهم - إذا علم المصلحة في رفع التكليف أن يرفعه عنهم، وإذا علم أن المصلحة في عدم رفعه ألاَّ يرفعه عنهم، وإن لم يقع ذلك كان خارجًا عن نمط الحكمة وسبيل العدل إلى الجور والسفه تعالى الله عن ذلك (٤). ومن لم يقل بذلك قال له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن هؤلاء من ينكر التعليل، فعنده أن الله تعالى يفعل بمحض المشيئة، ومنهم من قال هو يأمر بما فيه صلاح العباد، وينهى عما فيه فسادهم.

стр. 41

الخامسة: عدم جواز نسخ الحكم إلى غير بدل عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح ؛ لعدم مصلحة العباد - في عقولهم -أن يرفع عنهم الحكم دون أن يُثبت بدلا عنه، إذ ليس من الصلاح أن يترك عباده هملًا من التكليف (١). وقد نوقش هذا من وجهين: الأول: لا نسلِّم بالمصلحة أصلًا، فإن الشرع لا ينبني عليها (٢). وهذا الجواب مبني على المناقضة في الأصل، وهو جار على أصول الأشاعرة ونحوهم ممن ينكر التعليل. الثاني: أننا لا نسلِّم أن المصلحة في إثبات البدل، بل قد تكون المصلحة في رفعه دون بدل، ومن ذلك السلامة من عدم الإخلال به (٣). السادسة: من نسخ الكتاب بالسنة المتواترة عند القائلين بوجوب رعاية الأصلح ؛ لأن الأمر من الله تعالى يدل على أن الشيء صلاح للمكلف، وما كان صلاحًا لا يجوز للحكيم أن ينهى عنه (٤). وهذا الوجه لا يظهر تعلقه بهذه المسألة، ولهذا اعترض عليه بأنه يعود على أصل النسخ بالإبطال. ونوقش أيضًا: بأن الصلاح وعدمه تابعان للأمر والنهي الشرعيين، فإذا ورد الأمر علم أن فيه صلاحًا، وإذا زال علم أنه لا صلاح فيه (٥).

стр. 42

السابعة: منع المعصية قبل ورود البعثة على النبي ﷺ عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح ؛ لأن من قال بوجوب رعاية المصلحة منع المعصية على النبي ﷺ قبل بعثته عقلًا؛ لأن المعصية توجب احتقارًا لصاحبها فتنفر الطبائع عن اتباعهم، وذلك خلاف المصلحة، ولذا يمتنع أن يقع ما هو خلاف المصلحة. ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة قال لا يمتنع عليه تعالى فعل شيء، فله أن يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء، ومن ذلك المعصية من النبي ﷺ قبل البعثة (١). الثامنة: منع العمل بالقياس عقلًا عند القائل بوجوب رعاية الأصلح (٢)؛ لأن القياس رجم بالظن، والرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا به، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفًا لحكم الله تعالى (٣). أما من قال بالوجوب من القائلين بوجوب رعاية المصلحة فقال: إن النصوص لا تحيط بالحوادث، ولذا كان من الواجب أن يكون للناس طريق صالح لإثبات الحكم فيما لا نهاية له، ولا طريق لذلك إلا بالقياس، فكان في القياس مصلحة للخلق، والله تعالى يجب عليه رعاية مصالح الخلق، ولذا وجب العمل بالقياس لتحقيق تلك المصالح (٤). ومن لم يقل بوجوب رعاية المصلحة فلا يلزمه ذلك.

стр. 43

التاسعة: أفعال الله وأحكامه معللة بالمصلحة ؛ وذلك رعاية للمصلحة (١)، وعليه فإنه «لا يصح أن يفعل فعلًا إلا لمصلحة العباد» (٢). ومن لم يقل بذلك لم يلزمه ذلك. العاشرة: شرع من قبلنا حجة عند من قال بوجوب رعاية الأصلح على الله ؛ معللين ذلك بقولهم: بأن مجيء النبي بشريعة آخر عبث لا فائدة فيه، «والحكيم لا يفعل فعلًا إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث» (٣). الحادية عشرة: منع اجتهاد النبي ﷺ عند القائل بوجوب رعاية المصلحة على الله بحسب زعمهم، «إن وافق الصلاح، فيمتنع أن يوافق في الجميع» (٤). بإدارك المصالح في مختلف الأحكام والأوقات، بل إن اختياره واجتهاده متردد «بين أن يكون مصلحة، وبين أن يكون مفسدة، فلا يؤمن من اختياره المفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة، وهي المصالح» (٥). الثانية عشرة: منع التقليد في الفروع عند القائل بوجوب مراعاة المصلحة على الله ؛ لأنّ العامي لا يأمن زلل ذلك المجتهد ووقوعه في الخطأ (٦).

стр. 44

الثالثة عشرة: منع المقلد والمستفتي من التخيير بين الأحكام والفتاوى عند تعددها، بل يجب عليه الأخذ بأشدِّها وأحوطها؛ رعاية للمصلحة فيه من تحصيل الأجر، والابتعاد عن الاثم (١).

стр. 45

المبحث السادس تكليف ما لا يطاق انعقد الإجماع على أن التكليف بالمستحيل لذاته أو عادة غير واقع في الشريعة، كالجمع بين الضدين، والطيران والمشي على الوجه، ونحو ذلك، وعندئذ أمكن القول بأن تكليف ما لا يطاق على ضربين (١): أحدهما: ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، مثل تكليف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، فهذا قد انعقد الإجماع على عدم وقوعه في الشريعة، لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل (٢). والثاني: تكليف من علم الله كفره بالإيمان، علما بأن الإيمان في نفسه ممكن مقدور، فهذا التكليف به واقع قطعًا لكن بالغ الرازي ومن تبعه فسموه تكليفًا بما لا يطاق، وهذا خلاف الشرع، وأدخلوا هذا ضمن حججهم في جواز تكليف ما لا يطاق!. وللناس كلام طويل في تحقيق مذهب أبي الحسن الأشعري، هل هو من القائلين بتكليف ما لا يطاق بناء على رأيه في قدرة المكلف أنها لا تكون قبل الفعل، وهي لا تبقى زمانين، فيلزم أن يكون العبد مكلفا بما لا يطيقه لعدم قدرته!، فهذا

стр. 46

لازم مذهبه، وهو غير لازم له (١). والنزاع في مثل هذا أكثره لفظي، ولكن منه ما هو اعتباري، فالقول بأن التكليف بما علم الله أنه لا يقع يسمى تكليفًا بما لا يطاق ليس صحيحًا، لكن مع ذلك قال أصحابه: إنه واقع في الشريعة، لكن القول بأن العبد ليست له قدرة بإطلاق، أو له قدرة ولا يوجد توفيق خاص لأهل الإيمان، فالنزاع فيه حقيقي (٢). والرازي يميل أحيانًا إلى الجبر المحض كما صنع في كتابه المحصول (٣). ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: عدم التكليف بالمعدوم (٤)، لعدم تعلق القدرة به، والإمكان شرط في التكليف، ومن لم يجعل الإمكان شرطًا في التكليف؛ فإنّه يجوِّز تكليف ما لا يطاق، فلا يمتنع عنده، أن يكون المطلوب عدمًا أو غيره؛ لأنّ غايته أنه تكليف بمحال، وهو على هذا القول جائز (٥). والقول بأن تعلق التكليف بالعدم، تكليف بما لا يطاق غير مسلم عند من يثبت

стр. 47

القدرة السابقة على الفعل التي هي توفر الأسباب وسلامة الأعضاء (١). تنبيه: ذكر بعض الأصوليين تناقض من قال: بجواز التكليف بالمحال مع قوله: إنّه لا تكليف إلا بفعل (٢). الثانية: القول ببقاء التكاليف بعد فتور الشريعة ممن لا يرى حكمًا لغير الشّرع قول بتكليف ما لا يطاق؛ لتعذر الوصول إليه، والعلم به (٣). الثالثة: عدم جواز تكليف الغافل «كالنائم والناسي ؛ لمضادة هذه الأمور الفهم، فينتفي شرط صحة التكليف، وهذا بناء على امتناع التكليف بالمحال» (٤). وكذا المجنون «ليس بمكلف إجماعا، ويستحيل تكليفه؛ لأنّه لا يعقل الأمر والنهي، ولا يبعد من القائلين تكليف ما لا يطاق جواز تكليفه كالغافل» (٥). ومثلهم: الصبي، والمغمى عليه، والسكران، والمخطئ فيما هو مخطئ فيه، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق (٦). الرابعة: منع تكليف المكرَه ممن يمنع تكليف ما لا يطاق ؛ لأنّه لا يجوز تكليف غير القادر، والمكره كذلك (٧).

стр. 48

الخامسة: التكليف بخلاف ما علمه الله، كتكليف الكافر الذي علم الله أنه يموت على الكفر بالإيمان، ممكن في نفسه، وليس محالًا بل هو واقع، ومن قال: إنّه مستحيل قال: إنّ التكليف به تكليف بما لا يطاق على الخلاف في جوازه وعدمه (١). السادسة: التمكن ليس شرطًا للتكليف عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق، فيجوز تكليف من علم الله أنّه لا يتمكن من الفعل في الوقت (٢). وأما القائل بامتناع تكليف ما لا يطاق، فتبنى المسألة عندهم على مسألتي تلازم الأمر والإرادة، والحكمة من التكليف. فمن حصر فائدة التكليف بالامتثال، وكان الامتثال ممتنعًا لعدم القدرة عليه، امتنع كتكليف لامتناع فائدته. ومن لم يشترط الإرادة للأمر، وجعل حكمة التكليف إمّا الامتثال، وإمّا الإرادة -وهم أهل السنة- فلم يمنعوا من التكليف بما علم الله عدم تمكن المكلف منه في الوقت؛ لأنّه وإن لم يحصل الامتثال، إلا أن للتكليف به فائدة أخرى: هي ابتلاء عزم المكلف على الفعل (٣). السابعة:، منع التكليف بما كان مشروطًا بشرط مستحيل عند من يمنع تكليف ما لا يطاق ؛ لأنّ المشروط لا يوجد بدون شرطه. وأمّا من جوَّز تكليف ما لا يطاق، فإن كان لا ينظر في أفعال الله تعالى وأوامره إلى الحكمة والتعليل، فإنّه يجوِّز التكليف بالمشروط بشرط مستحيل، وحجته أنّ

стр. 49

لله أن يتصرف في ملكه بما شاء من أفعال وأوامر، ومن جملة ذلك هذا التكليف. وإن كان يقول: إن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة، ولا تخلو من فوائد وحِكم؛ فإنّه يمنع هذا التكليف؛ لأنّه إنما أجاز تكليف ما لا يطاق عنده لما فيه من حكمة الابتلاء للمكلف، أو الإعلام بنزول العذاب به، وهذه الحكمة لا تتأتى هنا، فامتنع التكليف بالممكن المشروط بالمستحيل على القول بتجويز المحال (١). الثامنة: يتوجه التكليف على المكلَّف في كل وقت، سواء كان المكلف وقت التوجه قادرًا أو غير قادر عند القائل بجواز تكليف ما لا يطاق. ومن منع تكليف ما لا يطاق، فقياس مذهبه في هذه المسألة -وقت توجيه التكليف- أن يجعل التكليف مقارنًا للقدرة، حتى لا يكون تكليف ولا قدرة (٢). التاسعة: اتفق العلماء على أن التكليف بالفعل المجهول -أي: الذي ليس معلوم الحقيقة للمكلف- لم يقع في الشريعة (٣)؛ لذا نقلوا الإجماع على أنّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واختلفوا في جوازه عقلًا، فمن منع تكليف ما لا يطاق عقلًا، منع من التكليف بالمجهول، واشترط في التكليف العلم بالتكليف، والعلم بالمكلَّف به. ومن جوَّز تكليف ما لا يطاق، فبعضهم طرد أصله هنا فجوَّز التكليف بالمجهول، ولم يشترط العلم، وبعضهم منع التكليف بالمجهول لأسباب،

стр. 50

وفي الجملة ما تقدّم من تفريع مسألة تكليف الغافل على مسألة تكليف ما لا يطاق يأتي هنا (١). العاشرة: التكليف بفعل العبادة في وقتٍ لا يتسع لها، لم يقع في الشريعة، أما عقلا فعلى القول بتكليف ما لا يطاق (٢). الحادية عشرة: من قسَّم ما لا يتم الواجب إلا به إلى قسمين: أحدهما: ما لا يقع تحت قدرة المكلف، جعل إيجاب هذا القسم ممتنعًا إلا على القول بتكليف ما لا يطاق (٣). وجعل كثير من الأصوليين إيجاب الواجب من غير إيجاب لما لا يتم إلا به تكليفًا بالمحال (٤). الثانية عشرة: يستحيل عقلًا أن يكون الشيء الواحد بالشخص حرامًا واجبًا من جهة واحدة ؛ لتضمنه الحكم بجواز الترك وعدمه؛ وذلك جمع بين النقيضين، فكان من قبيل المحال لذاته، وعليه فجواز ورود الشرع بذلك محال، فيتخرج

стр. 51

التكليف به على الخلاف في تكليف المحال، فمن جوزه جوزه؛ لأنّه فرد من أفراده، ومن منعه منعه (١). وإذا كان الواحد بالشخص له جهتان متلازمتان، لا يتصور انفكاكهما؛ فإنهما في حكم الجهة الواحدة؛ ولذا فإنَّ اجتماع الأمر به والنهي عنه باعتبار جهتيه محالًا، كالأمر بالواحد بالشخص، والنهي عنه من جهة واحدة؛ وذلك لتلازمهما، والإتيان باللازم دون الملزوم محال (٢). الثالثة عشرة: لا يجوز أن يرد في الكتاب ما لا يفهم معناه مما له تعلق بالتكليف (٣)؛ لأن الشارع إن خاطب العبد وكلَّفه بما لا يفهم كان في ذلك تكليفًا له بما لا يطيقه (٤). الرابعة عشرة: منع القول بقبول جميع الأحكام للنسخ، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنه يلزم منه جواز نسخ ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا، أنه إذا جاز تكليف ما لا يطاق جاز أنه يكلف باعتقاد تحريم ما لا يقبل إلا وجهًا واحدًا، وإذا جاز ذلك جاز النسخ له؛ لأنه إذا تصور التكليف بتحريم الاعتقاد تصور بقية الأحكام الخمسة، فأمكن التنقل بينها بالنسخ (٥).

стр. 52

الخامسة عشرة: منع نسخ المأمور به قبل التمكن من الفعل ؛ لأنه لو أمره بالفعل وأراده منه، ثم منعه كان قد كلَّفه ما لا يطيقه، وهذا ما يكون في النسخ قبل التمكن؛ لأن الله تعالى إذا أمر المكلف بأمر فهو يريده منه، فلا يتصور أن يأمره ويريده منه، ثم ينسخه قبل امتثال العبد له (١). وأمَّا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق فإن ذلك متصور، فيجوز أن يكلِّفه بالأمر، وهو يريد إيقاعه منه ثم ينسخه. السادسة عشرة: عدم ثبوت النسخ في حق من لم يبلغه ؛ لأن التكليف مشروط بالعلم بالمكلف به والقدرة عليه، وإذا لم يكن الأمر المكلف به كذلك كان غير مقدور عليه، وكان التكليف به تكليفًا بما لا يطاق، وتكليف من لم يبلغه النسخ بحكم الناسخ هو تكليف له بما لم يعلمه ولم يمكنه؛ لأن الإمكان مترتب على العلم، ولذا كان جزءًا من مسألة التكليف بما لا يطاق (٢). وهذا البناء قصره بعضهم على طلب الامتثال، أما الاستقرار في الذمة فليس من تكليف ما لا يطاق، فهو كالنائم ونحوه، أو هو من خطاب الوضع، فلا يشترط فيه العلم (٣)، ومنهم من عمَّمه على القسمين؛ لأن الثبوت في الذمة حكم، وهو لا يثبت إلا بعد العلم، فلا يقضي ما لم يعلم بوجوبه (٤). وكلام الأصوليين في نسبة هذه المسألة إلى أصل التكليف بما لا يطاق لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون الكلام مرتبطًا بطلب الامتثال وثبوت الإثم مع عدم

стр. 53

الفعل، وأن هذا هو الذي يكون من تكليف ما لا يطاق دون الاستقرار في الذمة فإنه مما تجوِّزه العقول. وعلى هذا جرى الجويني، والغزالي، وغيرهما (١). الحال الثانية: أن يكون الكلام مرتبطًا بالقسمين، وهذا هو المفهوم من كلام ابن تيمية (٢). السابعة عشرة: حجية العرف ؛ لأن عدم اعتبار عوائد الناس والمكلفين مما يسبب الحرج والمشقة مما لا يطيقونه، لأنه يؤدي إلى توجيه التكليف إلى غير العالم (٣). الثامنة عشرة: عدم جواز الاستدلال على الحكم بعدم الدليل ؛ «لأنه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل للزم منه تكليف المحال» (٤). التاسعة عشرة: الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، بل هو مستلزم للنهي عن ضده عند من يقول بعدم جواز تكليف ما لا يطاق. وأما على القول بجوازه، «فالأمر بالفعل لا يكون بعينه نهيًا عن أضداده، ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة، فضلًا عن كونه لا يكون منهيا عنه» (٥).

стр. 54

ومثل هذا الخلاف يجري في مسألة النهي عن الشيء هل هو أمر بضده (١). العشرون: لا يلزم المجتهد إصابة الحق، بل عليه بذل الجهد واستفراغ الوُسع في إصابة الحق على القول بعدم التكليف بما لا يطاق؛ لأنّ الله أخفاه فوجب الاجتهاد في طلبه، و «ما أخفاه الله، لا طريق لنا إلى إظهاره، وفي إلزامه تكليف ما لا يطاق» (٢). الحادية والعشرون: وجوب تقليد العامي للمجتهد ؛ لأنّ في تكليفه الاجتهاد في كل مسألة تكليف بما لا يطاق، وكذا القول بأنّه: «لا يجوز للعامي العمل بقول العالم، حتى يعرف علة الحكم … تكليف ما لا يطيقه» (٣)؛ لأنّ القدرة على معرفة الأحكام «من الأدلة المنفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة» (٤). الثانية والعشرون: جواز تقليد أي واحد من المجتهدين عند تعددهم دون اشتراط الاجتهاد في أعيانهم ؛ لأننا «لو كلفنا العامي بمعرفة الفاضل من المفضول لكان تكليفًا بالمحال» (٥).

стр. 55

المبحث السابع التصويب والتخطئة حكى الأصوليون الإجماع القديم على أن الحق واحد لا يتعدد، ثم أشاروا إلى خلاف حادث نسبوه إلى الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري. وهو أنهما قالا: إن كل مجتهد في الأصول مصيب!، وقد اختلفوا في تصوير ما نقل عنه (١). ولا عبرة بخلافهما؛ لأنه خلاف حادث لا يلتفت إليه (٢). وقد دلَّت نصوص كثيرة على أنه لا يكون القولان المتقابلان صوابًا مثل قول الله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] وقال ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]

стр. 56

وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٩٣] فهذه الأدلة صريحة في أن الحق في واحد من القولين أو الأقوال المتقابلة. وقد أجمع العلماء على بطلان مذاهب البراهمة واليهود والنصارى، فلو تعدد الحق لكانت تلك المذاهب صحيحة وحقًا، وحتى فيما دون ذلك مما اختلف فيه أهل القبلة؛ فإن الصحابة قد ثبت عنهم بلا نزاع تخطئة من خالف في الأصول،، فقاتلوا مانعي الزكاة والخوارج، ومن أدرك منهم القدرية فقد خطأهم، وهذا صنيع التابعين من بعدهم، فكان إجماعًا (١). أما حكم المخطئ في الاجتهاد في أصول الدين هل يعد آثمًا؟ وهل يكفر به؟. فجمهور المصنفين في الأصول يطلقون القول بتأثيمه، ثم يتنازعون في تكفيره، وينقلون رأيًا يعدونه شاذًا وينسبونه إلى العنبري والجاحظ، وهو أن المجتهد المخطيء غير آثم ومعذور عند الله. وهذا القول الذي عدوه شاذًا، إذا حرر بذكر الشروط والموانع، كان هو قول السلف بلا شك. والحجة التي يعتمد عليها من يقول بتأثيمه: أنه قد ثبت قتال الصحابة للمبتدعة، وتخطأتهم، كالخوارج، وثبت ذمهم للقدرية، وكذلك قد ثبت عن الأئمة الأعلام ردّ شهادة بعض أهل الأهواء، ونقل عنهم تكفير من قال بخلق القرآن، ونحو ذلك، ثم يخلصون إلى أن ذلك كان إجماعًا منهم (٢).

стр. 57

ومن قال بعدم تأثيمهم استدل بذلك على رفع الإثم عمن أخطأ خطًا يعذر به؛ فمن ذلك: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد ثبت أن الرسول ﷺ كما جاء في الحديث الصحيح قال: (قال الله: قد فعلت) (١) وهذا فيمن أخطأ من المسلمين مريدًا للحق، ولكن أخطأه إما بتأويل محتمل للنص إن بلغه، أو لعدم بلوغه له، ولا فرق بين الأصول والفروع في ذلك، فمن فرق فعليه الدليل (٢). الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ووجه الاستدلال: أن الله رفع الجناح والإثم عمن خاطبهم من المسلمين الذين أخطأوا فيما أخطأوا فيه، وتحمل الآية على العموم في الأصول والفروع لعدم الفرق (٣). والضابط المقرب لما سبق في حكم المخطيء من المسلمين: (أ) أن ينظر أولًا في المسألة التي وقع فيها الخطأ، فيشترط أن تكون شرعية لا عقلية كلامية، لأن الحكم للشرع، ثم ينظر هل هي من الأمور الدقيقة الخفية -ولو بحثت في ضمن أصول الدين-، أو هي ظاهرة جلية معلومة علمًا ضروريًا -وإن بحثت في ضمن الفروع-؟ فإن كانت من الأول فالخطأ فيها محتمل قريب، وإن كانت من الثاني فينظر فيما يلي:

стр. 58

ينظر في اختلاف أحوال الناس، وذلك من جهات: (١) عدم بلوغ العلم له أصلًا خاصة إذا كانت المسألة ليست معلومة عند الخاصة والعامة، إذ بعض المسائل المجمع عليها، قد ينفرد بالعلم بها العلماء لا عوام الناس (١). (٢) أن يكون من جهل ذلك حديث عهد بالإسلام (٢). (٣) قد يكون في زمن كثر فيه الجهل ولم تتميز السنة من البدعة عنده، أو قد تندرس بعض معالم الرسالة، خاصة قرب آخر الزمان (٣). (٤) ينظر في المكان الذي هو فيه، فقد يكون في مكان ينتشر فيه الجهل والخطأ، ولم يبلغه العلم الصحيح في كل المسائل (٤). (ب) ينظر في انتفاء الموانع: وأكثرها يرجع إلى: (١) الجهل: وشرطه ألا يكون مقصرًا في طلب الحق، أو مقلدًا معرضًا عن طلبه (٥). (٢) التأويل: وشرطه أن تحتمله الأدلة من الكتاب والسنة، وتحتمله اللغة احتمالًا ظاهرًا (٦).

стр. 59

ومن المسائل الأصولية المبنية على مسألة الأصل: المسألة الأولى: من اشتبه عليه الحرام بالحلال، وهو قائل بأن للواقعة حكمًا في نفس الأمر، والمجتهد بين مصيب ومخطئ، فإن عليه أن يرجع إلى أصله، فإن كان أصله التحريم، فإنه يحكم به بعد الاشتباه. ومن قال: إن كل مجتهد مصيب، وليس لله في الواقعة حكم واحد، فحكم كل واقعة بالنسبة للمجتهد ما أداه إليه اجتهاده (١). ولا يوصف ما وقعت الشبهة في تحريمه بالكراهة عند القائل بأن كل مجتهد مصيب (٢). الثانية: حجية الإجماع السكوتي، قال الزركشي فيها: " خلاف مشهور ينبني التفاته على الخلاف في أن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ وذلك لاحتمال أن الساكت إنما ترك الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب". الثالثة: منع تفويض الحكم للمجتهد بأن يحكم بما شاء من غير اجتهاد، ويكون حكمه صوابًا، ومدركًا شرعيًا؛ «لأنّ الحق عند الله واحد» (٣)، والاجتهاد قد يتعدد (٤). الرابعة: جواز صدور قولين عن المجتهد، «على القول: إن كل مجتهد مصيب، وأمّا على قوله عن المصيب واحد فلا» (٥). الخامسة: ينتقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية، إذا طرأ له ما يغير

стр. 60

حكمه على القول بأن المصيب واحد، ولا ينتقض على القول بتعدد الحق (١). السادسة: عدم تسمية ما توصل إليه المجتهد بالاجتهاد دينًا عند من يقول: إن المصيب واحد، وما عداه خطأ؛ «لأنّه لا يأمن أن يكون ما أداه إليه اجتهاده خطأ» (٢). السابعة: جواز تقليد العامي أيَّ مجتهد في المسائل الاجتهادية؛ بناء على القول بأن كل مجتهد مصيب (٣). الثامنة: جواز تقليد المجتهد غيره من المجتهدين ؛ بناء على القول بأن كل مجتهد مصيب (٤). التاسعة: إذا ورد على المكلَّف أكثر من حكم واجتهاد، فيجوز له أخذ ما شاء منها؛ بناء على أن كل مجتهد مصيب، «ومن أوجب تقليد الأعلم، قال: المصيب واحد» (٥). العاشرة: عدم لزوم التمذهب بناء على التصويب؛ «لأنّ الكل على الحق والصّواب» (٦).

стр. 61

الحادية عشرة: جوزا تتبع الرخص عند القائل بأن كل مجتهد مصيب؛ لأنّ الرخصة المتبعة صدرت عن اجتهاد فهي حق وصواب (١). الثانية عشرة: عدم جواز تعادل الأمارتين أو الظنيات في نفس الأمر عند من يقول إن المصيب من المجتهدين واحد؛ لأنّه يمنع معرفة الحق من الخطأ (٢). الثالثة عشرة: يتوقف المجتهد عند تعارض الأدلة عند من يقول إن المصيب واحد، أمّا القائل كل مجتهد مصيب؛ فإنّه يتخير (٣). الرابعة عشرة: لا يجب العمل بالراجح في الظنيات، عند من يقول كل مجتهد مصيب، بخلاف من قال: إن المصيب واحد، فيجب عليه العمل بالراجح (٤). الخامسة عشرة: يقع الترجيح بين المذاهب على القول بأن كل مجتهد مصيب، «إذ إنّ ماهية الصَّواب أو الخروج عن العهدة لا ترجيح فيه، ومن زعم أن ليس كل مجتهد مصيبًا، اتجه الترجيح عنده في المذاهب؛ لتتميز بالنظر الحجة من الشبهة، والراجح من المرجوح، والصَّواب من الخطأ» (٥).

стр. 62

الفصل الثاني المسائل المتعلقة بالأسماء والصفات

стр. 63

المبحث الأول الاسم للمسمى أدخلت هذه المسألة في علم أصول الفقه استطرادًا، وذلك عند بحثهم في اللغات في الكلام عن العام (١)، وعن نسبة الأسماء إلى المسميات (٢). فالبزدوي لما عرف العام بقوله: «كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنىً) قال: «ومعنى قولنا من الأسماء: المسميات هنا) (٣) علق عبد العزيز البخاري بقوله: «تفسيرُ الأسماء بالمسميات مع أن الاسم والمسمى واحد عندنا، احترازٌ عن التسميات؛ لأن الاسم يذكر ويراد به التسمية كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: التسميات، وقوله ﵇: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (٤). والذي عليه جمهور أهل السنة أن الاسم للمسمى، ويفصلون إذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟، فيقولون: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى (٥)، فهو

стр. 64

موضوع لإظهار المسمى (١). واستدلوا على قولهم: الاسم للمسمى، بأدلة منها: قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وبقول النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) (٢) وقول النبي ﷺ : (إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب) (٣). فكل تلك النصوص دالة على أن الاسم للمسمى، أي أنه موضوع له ليظهره ويدل عليه ويبينه. ومن أهل السنة من قال: الاسم هو المسمى نفسه، وهؤلاء قالوه ردًا على المعتزلة القائلين بأن الاسم غير المسمى، وما كان غيره فهو مخلوق! ولا شك أنهم لا يريدون أن اللفظ المؤلف من الحرف هو نفس الشخص المسمى (٤). ولذا كان أهل العلم بعد ذلك إذا سألوا هل الاسم غير المسمى؟ فصَّلوا فقالوا: إذا أريد أن الأسماء -التي هي أقوال- ليست هي المسميات نفسها: فهذا حق لا ينازع فيه أحد (٥)، (وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماءً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى) (٦) اه

стр. 65

وأما التسمية: فهي وضع الاسم للمُسمَّى (١)، والله هو المسمي لنفسه كما قال الرسول ﷺ : (أسألك بكل اسم هو لك سمَّيْت به نفسك) (٢). وذهبت إلى أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق (٣)، لذا انكروا صفات الله (٤) .. وللأشاعرة أقوال ثلاثة في المسألة: الأول: أن الاسم هو المسمى نفسه (٥). والثاني: أن الأسماء ثلاثة أقسام: ما دل على الذات كالموجود، فالاسم هنا هو المسمى نفسه، والقسم الثاني: ما اشتق من صفات المعاني كالسميع والعليم، فالاسم هنا لا هو المسمى ولا هو غير المسمى، والقسم الثالث: ما اشتق من الأفعال كالخالق والرازق، فالاسم هنا غير المسمى (٦)، وأصحاب هذين القولين

стр. 66

يزعمون أن الاسم يرد بمعنى التسمية كثيرًا (١). والقول الثالث: وهو للغزالي: واختاره الرازي: التفريق بين الاسم والمسمى والتسمية (٢). وأصحاب الأقوال الثلاثة متفقون على أن الأسماء -التي هي الأقوال- مخلوقة، لأنها من جملة الكلام - ولكن أصحاب القولين الأولين قالوا: إن الأسماء ترد بمعنى التسمية، حتى يتأتى لهم القول بخلقها، ولا يناقضوا أقوال أئمة السنة الصريحة في أن الأسماء غير مخلوقة. فهؤلاء إذا قالوا: الأسماء غير مخلوقة أرادوا المسمى، أي أن الله غير مخلوق! أما الأسماء - التي هي الأقوال- فيقولون إنها تسميات!

стр. 67

المبحث الثاني حكم إطلاق الأسماء الحسنى بلا توقيف وردت مسألة أسماء الله توقيفية، وجواز الإخبار عنها في علم أصول الفقه (١) في مواضع، ورودًا استطراديًا، وقد يحيلوها إلى كتب الكلام (٢)، ومن تلك المواضع: (١) الكلام عن حكم القياس في اللغة (٣). (٢) وفي المجاز، وهل يطلق على الله أنه متجوز؟ (٤). (٣) وفي تعريف العلم، فهل يطلق على علم الله أنه معرفة؟ (٥). (٤) وهل يطلق على الله أنه دليل (٦)؟، وهل هو شيء (٧)؟ وهل يطلق عليه أنه قديم (٨) أو فرد أو فذ؟ (٩).

стр. 68

والعلماء متفقون على جواز إطلاق ما ورد به الشرع من الأسماء على الله، كما اتفقوا على منع ما منع منه الشرع، وما دل على نقص أو عيب، وأما الذي وقع فيه الخلاف فهو فيما لم يرد به إذن من الشرع ولا منع ولا يتضمن نقصًا ولا عيبًا (١). والذي عليه أهل السنة والجماعة وأكثر المتكلمين أن التسمية متوقفة على إذن الشرع، فلا يجوز أن يُسمى الله باسم، إلا إذا ورد ذلك الاسم في الكتاب أو السنة (٢). واستدل أهل السنة بأن الله أعلم بنفسه، ونحن لا يمكننا أن نراه في الدنيا، بل ولا نحيط به علمًا مطلقًا، فهذا يدل على أنه لا يمكننا إدراك كل ما يستحقه من الوصف دون خبر. وجمهور أهل العلم القائلين بأن الأسماء الحسنى على التوقيف ذكروا أنها تثبت بالقرآن، والسنة الصحيحة -سواء كانت متواترة أو آحادًا- وبالإجماع، ومنعوا استعمال القياس لإثباتها (٣). وحكى بعض أهل العلم عن المعتزلة والكرامية (٤) والقاضي أبي بكر الباقلاني (٥) جواز إطلاق الأسماء على الله وإن لم يرد بها توقيف إن لم تتضمن

стр. 69

وصفًا ممنوعًا (١). وحكى بعض أهل العلم قولًا ثالثًا: وهو المنع من التسمية إلا بالشرع، والجواز في الوصف بما هو حق وصدق، وقد قال به الغزالي واختاره الرازي (٢). ولكن يبدو أن هذا القول يرجع إلى الأول، إذ الجميع قد اتفقوا على توقف التسمية على إذن الشرع، وأجازوا ما كان على سبيل الإخبار. وقد توقف إمام الحرمين الجويني في هذه المسألة (٣). كما أن الإخبار عن الله بما لا يتضمن نقصًا جائز، ويظهر أنه محل اتفاق بين أهل العلم؛ أما الذين لا يشترطون التوقيف في الأسماء الحسنى، فظاهرٌ تجويزُهم للإخبار من باب أولى، والذين اشترطوا التوقيف، الملاحظ عنهم الإخبار عن الله بالموجود والقائم بنفسه وواجب الوجود والقديم … إلخ ولذلك فقد لا يوجد خلاف في هذه المسألة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويُفرَّق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يُدعى إلا بالأسماء الحسنى» (٤). فباب التسمية توقيفي، وأما الإخبار فلا يشترط فيه التوقيف، ولكن تشترط فيه أمور لا بد منها، منها:

стр. 70

(١) أن يكون مدلول الاسم ثابتًا، -وهو المعنى- فيذكر ذلك الاسم لإثبات ذلك المعنى الحق الذي ينفيه من ينفيه، مثل: القديم، وواجب الوجود، والذات .. إلخ (١). (٢) أن يكون الاسم المخبر به، ذكر لنفي ما تنزه الله عنه من العيوب والنقائص، مثل: بائن من خلقه، فقد تكلم بهذا الأئمة ردًا على من أثبت الحلول والوحدة والاتحاد لله بخلقه -تعالى الله عن ذلك-. (٣) أن يكون الاسم المُخبر به ذُكر لإثبات معنى يستحقه ، لكن لا يستعمل إلا مقرونًا مع غيره ليفيد الحسن التام، مثل: الضار النافع (٢). وفيما يأتي الأسماء المخبر بها عن الله، الواردة في كتب أصول الفقه: (١) الدليل: وهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أضيف إلى معنى حسن فدل على صفة فعل لله تعالى، جاز استخدامه (٣). فدليل على وزن فعيل بمعنى فاعل، ولذلك حسن أيضًا الإخبار عن الله أنه الدال لخلقه على طريق الخير. وصح عن الإمام أحمد أنه قال: «أصول الإيمان ثلاثة: دال، ودليل، ومستدل؛

стр. 71

فالدال الله ، والدليل القرآن، والمستدل: المؤمن، فمن طعن على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فقد كفر» (١). (٢) عارف- والمعرفة: ولا شك أن (عارف) لم يرد في الأسماء الحسنى، ولكن هل يخبر عن الله أنه عارف وأنه ذو معرفة؟. ذكر أهل العلم أن المعرفة: اسم لعلم تقدمته غفلة (٢)، ولذلك لا يصح أن يقال لله: عارف، بل حكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك المنع (٣). ولكن وردت لفظة المعرفة في حديث وهو: (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (٤)، وهذه المعرفة إذا قصد بها التوفيق والهداية في الإنجاء للعبد مجازاة لمعرفته الخاصة بالله، فهذا المعنى صحيح، وإذا أطلقها الإنسان على علم الله العام، فقد يوهم نقصًا، فالأحوط ترك الإطلاق، ولزم التقييد كما جاء في النص دون الزيادة. والله أعلم.

стр. 72

(٣) شيء: وهذا الاسم لم يرد في أسماء الله الحسنى قط، ولكن إذا أطلقت من قبيل الإخبار جاز، ولذلك قال البخاري في صحيحه (١): «باب ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، فسمى الله -تعالى- نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا - وهو صفة من صفات الله، وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]». إه. والحديث الذي يدل على إطلاق الشيء على صفة الله، فهو ما أخرجه البخاري في الباب نفسه، وهو قول الرسول ﷺ لرجل: (أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سماها) (٢) اه. (٤) الفرد والفذ: لم يرد إذن من الشرع في تسمية الله بهما، أما إذا قصد الإخبار بهما عن الله، فصحيح لصحة معناهما. قال الأزهري: «والله هو الفرد، قد تفرد بالأمر دون خلقه» (٣). ونقل الأزهري نفسه أن الفذ بمعنى الفرد (٤). (٥) القديم: قال الآمدي في تقسيم العلم: «وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده .. »، وعلق الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه بقوله: «وصف علم الله أو غيره من صفاته بالقدم،

стр. 73

لم يرد في نصوص الشرع، وهو يوهم نقصًا» (١). وإيهام النقص هذا قاله تعليقًا على كلام الآمدي: «لاستحالة خلق القديم) فقال الشيخ: «أسماء الله وصفاته توقيفية ولم يرد في كتابه سبحانه ولا في سنة رسوله ﷺ تسميته بالقديم ولا إضافة القديم إليه أو إلى صفة من صفاته سبحانه، فيجب ألا يسمى سبحانه بذلك وألا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم كالبلى وطول الزمن وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود) (٢) اه. وما ذكره الشيخ عبد الرزاق لا شك أنه لم يرد في أسماء الله الحسنى لفظ (القديم)، ولذلك لا يجوز أن يعد في أسماء الله -جل وعلا-. وأما الإخبار بالقدم عن الله وصفاته فلا ينبغي إنكاره ما دام أن المُخبِر عنه قد أراد به معنىً صحيحًا (٣)، خاصة وأنه قد جاء وصف ملك الله بالقدم في السنة وهو: عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم … ) (٤). والاسم الذي يغني عن القديم هو الأول، إذ هو الوارد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر

стр. 74

رسول الله ﷺ هذا الاسم وبينه بيانًا شافيًا بقوله: (أنت الأول فليس قبلك شيء) (١) الحديث، فوجب ترك تسمية الله بالقديم، ويجب الاكتفاء بما ورد به الشرع وهو اسمه (الأول). (٦) المُتَجَوِّز: قال الرازي ذاكرًا أدلة من منع المجاز في كلام الله: «لو خاطب الله بالمجاز، لجاز وصفه بأنه متجوِّز ومستعير» (٢). ثم أجاب -لأنه من القائلين بإثبات المجاز مطلقًا - بقوله: «إن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير كونها اصطلاحية (٣) لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلًا ما لا ينبغي فعله، وهو في حق الله تعالى محال» (٤) اه. وهذه الإجابة صحيحة بخصوص منع وصف الله بالمتجوِّز والمستعير.

стр. 75

المبحث الثالث صفة الكلام (١) ذهب أهل السنة والجماعة إلى: أن الله متصف بالكلام، وأن نوع كلامه قديم، وهو يتكلم بما شاء متى شاء، وأن كلامه سبحانه بصوت يسمع، فقد كلَّم من أراد من رسله وملائكته، وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال سبحانه يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته، وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة بما يناسبهم، فكلام الله سبحانه شامل للفظ والمعنى (٢). وحقيقة الكلام عندهم هي: أنه إذا أطلق شمل اللفظ والمعنى، وإذا أريد به اللفظ فقط أو المعنى فقط ذكرت معه قرينة تدل عليه كما في قول الرسول ﷺ : (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به) (٣)، فلم يسم حديث النفس كلامًا بإطلاق، وجعله معفوًا عنه حتى يتكلم به باللسان أو يُعمل به.
следующие страницы →