Полный текст (548 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ابني عم أحدهما أخ لأم, فإن لابن العم الذي هو أخ لأم السدس بالأخوة, والباقي بينه وبين ابن العم الذي ليس بأخ نصفين. وبذلك قال علي بن أبي طالب ﵁.
وكالمرأة تموت وتخلف ابني عم, أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها, قال: لزوجها النصف, ولأخيها لأمها السدس, ثم الباقي بينهما نصفين. وبه قال زيد بن ثابت.
فلو ترك ابني عم, أحدهما أخ لأم, وابنة, كان للابنة النصف, والباقي لابني العم بينهما نصفين بالتعصيب, ولا يرث بالأخوة شيئا, لأن الأخ للأم يسقط مع الابنة.
فأما ميراث أهل الملل بعضهم من بعض, فإن الأظهر عنه: أن الكفر كله ملة واحدة, وأنه يورث اليهودي من النصراني, والنصراني من اليهودي. وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يؤيد هذا القول, وهو قوله ﷺ : "الناس حيز ونحن حيز". وقال بعض أصحابنا: إن الأديان أربعة, وإن كل ملة من الكفر لا ترث الأخرى. قال: وكذلك مخرج عندي على المذهب.
قال: وكل من لا كتاب له ملة واحدة. والأول أظهر عنه وأصح.
وقال بعض أصحابنا: فإذا ورثنا بعضهم من بعض لم نورث أهل الذمة من أهل الحرب, ولا أهل الحرب من أهل الذمة, وهذا الصحيح.
فأما الأسير من المسلمين فإنه يرث ويورث.
والكلالة عنده: من عدا الوالد والولد من سائر الورثة. وهو قول أبي بكر الصديق ﵁, وعبدالله بن عباس, وعبدالله بن مسعود, وزيد بن ثابت ﵃.
стр. 352
وقال بعض أهل العلم: الكلالة في اللغة: هو قول الرجل: قد كللت, فأنا كلُّ وكلالة, أي جللوه وأحاطوه به بنسبهم, ومنه سمي الإكليل إكليلا؛ لإحاطته بالرأس وتجلله إياه, فسمي المنعطفون على الرجل بأرحامهم كلالة؛ لتكللهم واجتماعهم في قرابة واحدة. وأنشد عمرو بن أبي عمرو الشيباني يمدح بني هاشم:
ورثتم قناة المُلك غير كلالة عن ابني منافٍ عبد شمس وهاشم
وقال بعض أهل اللغة: الكلالة من القرابة: من انتسب إليك. كما انتسبت إليه, كالإخوة وبني العمومة.
وقال أبو عبيدة: هو مصدر من كلله النسب, أي: أحاط به.
والأب والابن طرفان, فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه, فسمي ذهاب الطرفين كلالة. ومنه قيل: كلَّ السيف, إذا ذهب حده, وكل البصر؛ إذا أدام نظره, فقيل: كل النسب؛ إذا لم يكن فيه والد ولا ولد, أي ضعف.
فأما الموتى بالغرق, أو تحت الهدم, ولا يعلم أيهم مات قبل صاحبه, فإنه ورث بعضهم من بعض من تِلاد أموالهم دون ما ورثوه بعضهم من بعض.
وبذلك قال عمر بن الخطاب رض الله عنه, وهو في إحدى الروايتين عنه. وهو قول علي بن أبي طالب. وإياس بن عبدالمزني صاحب رسول الله ﷺ , وبه قال عبدالله بن مسعود ﵁.
من ذلك: لو أن أخوين غرقا, أو انهدم عليهما بيت, ولكل واحد منهما ابنة, وتركا ثمانية دراهم بينهما, ورثنا ابنة أحدهما من أبيها النصف مما ترك وهو درهان, وجعلنا الباقي وهو درهمان لأخيه الميت, ثم ورثنا بنت الآخر من مال أبيها الذي خلفه دون ما ورثناه من أخيه النصف, وهو درهمان من أربعة دراهم,
стр. 353
وجعلنا الدرهمين الباقيين لأخيه الميت, ثم ورثنا ابنة كل واحد منهما مما جعل في يد أبيها النصف, وهو درهم, فيصير في يد كل ابنة ثلاثة دراهم, وما بقي في يد كل واحدة من الميتين, وهو درهم واحد, فهو للعصبة, لأننا لا نورث أحدا منهما من شيء ورثه عن صاحبه.
ولا يختلف القول عنه في وجوب الرد على أهل الفرائض الوارثين بالنسب عند عدم العصبة, فيرد على كل واحد يرث بقدر سهمه. فأما من ورث بسبب, فإنه لا يرد عليه شيئا, ولا يزاد على فرض المسمى له, كالزوج والزوجة.
ولا يختلف قوله في صحة العول والقول به, ونحن نوضحه في باب الحساب وتصحيح المسائل إن شاء الله.
ومن تزوج في مرض موته تزويجا صحيحا, ورثته المرأة.
ومن طلق في مرض موته ثلاثا, ورثته الزوجة ما كانت في العدة, وبعد انقضائها ما لم تتزوج, فإن تزوجت فلا ميراث لها, وإن ماتت قبله لم يرثها.
وإن كان الطلاق أقل من ثلاث في المرض, فأيهما مات قبل صاحبه وقبل انقضاء العدة ورثه الآخر.
فإن ماتت المرأة بعد انقضاء العدة لم يرثها الزوج, وإن مات هو بعد انقضاء عدتها قبل أن تتزوج ورثته.
وإن كان الطلاق في الصحة توارثا جميعا قبل انقضاء العدة, ولم يرث واحد منهما صاحبه بعد انقضاء العدة. وقد ذكرت ذلك في باب الطلاق.
стр. 354
باب معرفة أصول المسائل وشيء من الحساب
يخرج حساب الصلب من سبعة أصول: منها ثلاثة تعول, وأربعة لا تعول.
فإذا كان في المسألة نصف ونصف, فأصلها من اثنين, وإذا كان فيها ثلث وثلثان, فأصلها من ثلاثة, وإذا كان فيها ربع وما بقي, أو ربع ونصف وما بقي فأصلها من أربعة. وإذا كان فيها ثمن وما بقي, أو ثمن ونصف فأصلها من ثمانبة. وهذه الأصول التي لا تعول.
وإذا كان في المسألة نصف معه ثلث أو سدس, فأصلها من ستة, ويعول هذا الأصل إلى سبعة, أو ثمانية, أو تسعة, أو عشرة.
فإذا كان في المسألة ربع معه ثلث أو سدس, فأصلها من اثني عشر, وتعول إلى ثلاثة عشر, وخمسة عشر, وسبعة عشر.
وإن كان فيها ثمن معه ثلث, أو سدس, فأصلها من أربعة وعشرين, وتعول إلى سبعة وعشرين, ولا تعول إلى أكثر من ذلك.
وإذا ألقيت عليك مسألة فانظر أهي من اللاتي تعول, أو من اللاتي لا تعول.
فإن استقامت غير منكسرة, فاقسمها, وإن انكسرت ولم تنقسم سهام فريق عليهم, فاضرب عددهم في أصل الفريضة وفيما عالت إليه إن كانت عائلة, مثل امرأة وأخوين, فللمرأة الربع سهم, وللأخوين ثلاثة أسهم لا تنقسم عليهما فاضرب اثنين في أصل المسألة تكن ثمانية, ومنها تصح, للمرأة سهمان ولكل أخ ثلاثة أسهم.
وإن وافق سهامهم عددهم فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة, مثل امرأة
стр. 355
وستة إخوة؛ للمرأة الربع سهم, وللإخوة ثلاثة أسهم توافقهم بالأثلاث, فاضرب ثلث عددهم, وهو اثنان في أصل الفريضة تكن ثمانية. فإن لم تنقسم سهام فريقين أو أكثر, فاضرب أحد الفريقين في الآخر, ثم ما اجتمع في الفريق الثالث, ثم ما اجتمع في أصل المسألة, مثل: ثلاثة نسوة وأخوين, فاضرب النسوة في الأخوين تكن ستة, ثم في المسألة تكن أربعة وعشرين, ومنها تصح.
فإن تساوت الأعداد أجزأ أحدها على الباقي, مثل: امرأتين وأخوين, فاضرب اثنين في المسألة, فإن كان أحد العددين يخرج من الآخر, أغناك الأكثر عن الأقل, مثل: أربع نسوة وأخوين, فالأخوان نصف الأربعة, فاضرب الأربعة في المسألة تكن ستة عشر سهما, ومنها تصح.
فإن وافق أحد العددين الآخر, ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر في صحيح المسألة, مثل: أربع نسوة وأخت وستة أعمام. فالستة توافق الأربعة بالأنصاف, فاضرب نصف أحدهما في الآخر, ثم في أصل المسألة, تكن ثمانية وأربعين سهما, ومنها تصح.
فإذا أردت قسمة التركة, فاضرب سهام كل وارث في التركة, ثم اقسم ما اجتمع على ما صحت منه الفريضة, فما يخرج, فهو نصيبه, مثل: زوج وأم وأختين, للزوج النصف ثلاثة أسهم, وللأم السدس سهم واحد, وللأختين الثلثان أربعة, فأصلها من ستة, وتعول إلى ثمانية.
فإن كانت التركة عشرين دينارا, فاضرب سهام الزوج في عشرين تكن ستين, واقسمها على الثمانية يخرج له سبعة دنانير ونصف, وللأم سهم في عشرين مقسوم على ثمانية يخرج لها ديناران ونصف, ولكل أخت سهمان في عشرين تكن أربعين مقسومة على ثمانية يخرج لها خمسة.
стр. 356
ومن صولح على شيء فأخذه بميراثه, فأسقط سهامه من الفريضة, واقسم باقي التركة على سهام الباقين. مثاله: زوج وأم وأخ, والتركة ثلاثون دينارا وثوب, صولح الزوج على الثوب, الفريضة من ستة, أسقط سهام الزوج, بقي ثلاثة أسهم؛ سهمان للأم, وللأخ سهم. فاضرب سهمي الأم في الثلاثين تكن ستين, واقسمها على ثلاثة, يخرج لها عشرون دينارا, وللأخ سهم في ثلاثين مقسوم على ثلاثة, يخرج له عشرة دنانير.
стр. 357
باب المناسخات
فإن مات ميت فلم يقسم ميراثه حتى مات بعض ورثته فانظر, فإن كان ورثة الميت الثاني هو ورثة الميت الأول, ويرثون منه مثل ما ورثوا من الأول, فاجعل الميت الأول كأنه مات آخرهم, وألق من بعده, وكذلك في الميت الثالث والرابع وما زاد على ذلك, واقسم ما ترك الميت الأول على من بقي من الورثة, كرجل توفي وترك أربعة بنين وأربع بنات, مات أحد البنين, ثم ماتت ابنة, ثم مات ابن, ثم ماتت ابنة, ثم مات ابن, ثم ماتت ابنة, وجميعهم لأب وجد وأم واحدة, فجميع الميراث بين الابن والابنة الباقين للذكر مثل حظ الأنثيين, لأن ميراثهم في جميع المواريث كذلك, ليس معهم من غيَّر الفريضة ولا حجبهم عن بعضها, فلم يحتج فيها إلى ضرب.
فأما إذا كان الهالكون من غير هذا الجنس, فانظر في فريضة الهالك الأول ومن فيها من الورثة, فخذ سهامهم حتى تتفق من أقل من تخرج منها واحفظها, ثم انظر في الفريضة الثانية فاعلم ما فيها من الورثة, فخذ سهامهم حتى تتفق بينهم من أقصر ما تخرج وأقربه, ثم انظر هل لما أصاب الميت الثاني في ميراث الميت الأول جزء يوافق سهام فريضته؟ مثل أن يوافق بالأنصاف, أو الأثلاث, أو الأرباع. فإن كان كذلك, فاضرب وفق فريضة الثاني في أصل فريضة الميت الأول, فمنها تصح.
وإن لم تكن كذلك, فاضرب جميع فريضة الميت الثاني في أصل فريضة الميت الأول, فما يصح منها فاقسم منه فريضة الميت الأول ثم فريضة الميت الثاني. وكذلك إن كان ثالثا ورابعا فلم يوافق, فاضرب جميع فريضة الميت الثالث فيما استقر في يدك من سهام الميت الأول والثاني, ثم اعمل في الميت الرابع والخامس, وما زاد على ذلك, ثم اقسم كما وصفت.
стр. 358
من ذلك: لو هلك هالك وترك أبويه, فمات الأب قبل قسمة التركة, ففريضة الابن من ثلاثة أسهم, وفريضة الأب من أربعة أسهم, فلم ينقسم ما ورث الأب من ابنه على فريضته, ولما ورث نصف ولفريضته نصف, فاضرب نصف فريضته, وهو سهمان في فريضة الابن, وهي ثلاثة أسهم, تكن ستة أسهم, للأم من ذلك الثلث سهمان, وما يبقى وهو أربعة أسهم للابن. توفي عنها وترك زوجته, لها من ذلك الربع سهم, وما بقي للعصبة.
وقد يمكن اختصار مثل هذا, لأن الذي حصل في يد الأم ثلاثة أسهم, سهمان من قبل ابنها, وسهم من قبل زوجها. وفي يد العصبة ثلاثة أسهم ورثوها عن الأب, وهي متفقة بالأثلاث, فاجعل الفريضة من ثلثها, فتصير من سهمين, للأم نحو الثلث والربع سهم, والعصبة ثلاثة أرباع الثلثين سهم. وعلى هذا فاعمل فيما يأتي من مثل هذا الباب.
فأما الباب الآخر الذي لا يوافق؛ فكرجل هلك وترك ثلاث بنات, أمهم واحدة, فلم تقسم التركة حتى ماتت إحداهن, ثم ماتت أخرى قبل القسمة, ففريضة الميت الأول من ثلاثة أسهم, للبنات منها الثلثان سهمان, وذلك غير منقسم, ولا موافق, فاضرب عدد البنات, وهو ثلاثة في أصل الفريضة, وهو ثلاثة, تصبح من تسعة أسهم, للبنات منها الثلثان ستة أسهم, لكل واحدة سهمان, والباقي وهو ثلاثة أسهم للعصبة, ماتت إحدى البنات عن سهمين, فلأختيها من تركتها الثلثان, غير منقسم عليهما ولا موافق, وأصل فريضتها من ثلاثة أسهم, فاضرب أصل فريضة الابنة الميتة, وهو ثلاثة, في أصل فريضة الميت الأول, وهو تسعة, تصير سبعة وعشرين سهما, ثلثاها للبنات الثلاث, وهو ثمانية عشر سهما, لكل واحدة ستة أسهم, والباقي وهو تسعة أسهم للعصبة.
ماتت إحدى البنات عن ستة أسهم, لأختيها من ذلك الثلثان أربعة أسهم, لكل واحدة سهمان, ولها ميراثها عن أبيها ستة أسهم, فيصير لها بالميراثين ثمانية أسهم. فإذا توفيت واحدة منهما وخلفت أختها, فلأختها النصف أربعة
стр. 359
أسهم, والباقي وهو أربعة أسهم للعصبة, فيصير للأخت الباقية بالمواريث الثلاثة عن أبيها وأختيها اثنا عشر سهما, ويصير للعصبة بالمواريث الثلاثة خمسة عشر سهما, تسعة عن الأخت وسهمان عن الابنة الميتة أولا, وأربعة عن الميتة أخيرا.
فإن كانت العصبة جماعة, فدعها على ما قسمتها من سبعة وعشرين سهما, وإن كان واحدا وأردت الاختصار, فإنه لما اجتمع للعصبة ثلث صحيح, وهو خمسة, ولما اجتمع للابنة ثلث صحيح, وهو أربعة, فاجعل الفريضة من ثلثها, وافعل فيما يأتيك من هذا الباب كذلك ترشد إن شاء الله.
стр. 360
باب الحجر
قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ الآية [النساء: ٥ - ٦].
ففي الآية الأولى دلالة على جواز الحجر على الكبير السفيه, وفي الثانية دلالة على جواز الحجر على الصغير.
وقد روي عن عبدالله بن عباس ﵁ أنه قال: ويحجر على السفيه. وهو مذهب عثمان, وعلي, والزبير, رضوان الله عليهم.
قيل لأحمد ابن حنبل ﵁: ويُحجر على الرجال؟ قال: أي لعمري, لولا الحجر لذهب أموال الناس.
وبيع المحجور عليه, وهبته, وشراؤه, وصدقته, باطل قولا واحدا.
وإقراره بالحقوق لا يصح إذا كان الحجر عليه لسفه.
وفي عتقه روايتان: إحداهما: لا يقع عتقه ولا ينفذ, والرواية الأخرى: يقع؛ لأنه استهلاك.
وطلاق المحجور عليه يقع, وإقراره بما يوجب حدا, أو قصاصا يلزمه.
وعقوده كلها في حال الحجر عليه غير جائزة, إلا في النكاح إذا كان محتاجا إليه.
وشراؤه للشيئ اليسير بالدرهم ونحوه جائز.
ولا يحجر على أحد من السفهاء غير الحاكم إلا الأب, فله الحجر على ابنه
стр. 361
السفيه, وإن كان بالغا, حاكما كان الأب أو غير حاكم. وقد روي عنه في الأب إذا كان خرفا أو سفيها: أن للابن أن يحجر عليه. وذلك محمول من قوله: إذا كان الابن حاكما.
قال: ومن أنفق ماله في الفساد وفي ابتياع المغنيات رأيت أن يحجر عليه, ويُمنع من ذلك أشد المنع. فإن كان يشتري الجواري للتسري والتمتع بهن, لم يمنع من ذلك.
ولم يختلف قوله في الغلام إذا بلغ الحلم وأونس منه الرشد: أنه يدفع إليه ماله إذا اختاره, ويُفك حجره كما قال الله تعالى.
وإن استظهر عليه بعد بلوغه بالحول والحولين, ليختبر ويظهر منه ما يستدل به على إيناس رشده فلا بأس.
وإن دفع إليه شيئا من ماله بعد البلوغ لبتجر به, وينظر كيف ضبطه وحفظه لماله, ثم يفك حجره بعد ظهور رشده كان حسنا, اتباعا لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦] وهو الاختبار لهم.
ويُشهد عليه إذا دفع ماله إليه, كما قال الله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء: ٦].
فأما الجارية إذا كانت محجورا عليها, فبلغت, وأُنس بها الرشد, فهل يدفع إليها مالها, كما قال في الغلام أم لا؟ اختلف قوله فيه, والظاهر عنه: أن حكم الجارية حكم الغلام. قال: وينبغي أن يحفظ عليها مالها, وقل امرأة يقع في يدها شيء إلا وأفسدته. قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥] النساء والصبيان. فينبغي أن يحفظ عليها. واحتج لذلك بحديث هشيم عن زكريا عن الشعبي عن شريح قال: عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن لا أجيز
стр. 362
لجارية عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولا, أو تلد بطنا, وهذا من قوله محمول على الاختبار والاحتياط, لأن الغالب من أحوال النساء قلة الضبط.
فأما من تحقق رشدها, وعرف صلاحها, وضبطها, وحفظها لمالها, وإصلاحها له, فإنه يدفع إليها عند وجود ذلك منها وظهوره عنها, نكحت أم لا, ولدت أو لم تلد.
ولا معنى لقول من يقول: إذا تم الغلام خمس وعشرون سنة فقد خرج من الحجر, لأنه هذا يوجب أن يدفع إليه ماله, وإن كان سفيها, والله تعالى نهى عن ذلك.
قال أحمد ابن حنبل ﵁: لا يدفع إليه حتى يؤنس منه الرشد وإن شمط.
فأما العبد المحجور عليه؛ فمن عامله عالما بحاله, فهو المتلف لماله, ولا مطالبة له عليه ما دام رقيقا, فإن عتق أتبعه به.
ومن عامل عبدا مأذونا له في التجارة وداينه كان ذلك على مولاه, لأن عليه غرمه. ويلزمه جميع ما يثبت على العبد من الديون, وإن كان ذلك أكثر من قيمته في الأظهر عنه. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه لا فرق بين أن يكون العبد مأذونا أو غير مأذون في أن جميع ما ادان في رقبته, ولا يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته أو يُسلمه.
стр. 363
باب الوكالة
والتوكيل لإثبات الحجج واستيفاء الحقوق جائز, حاضرا كان الموكل أو غائبا. وكذلك التوكيل بالشراء, والبيع والعتق, والطلاق, والقسمة, وسائر الحقوق والعقود جائز.
واختلف عنه: هل يجوز التوكيل باستيفاء الحد والقصاص أم لا؟ على روايتين.
وإقرار الوكيل على موكله غير جائز, وصلحه عنه غير ماض, إلا أن يجعل إليه لامصالحة, فيجوز حينئذ صلحه. وكذلك لو جعل إليه أن يقر عليه, جاز إقراره عليه.
وشراؤه لنفسه من نفسه من مال موكله باطل. وكذلك شراؤه لموكله من نفسه.
واختلف قوله: هل للوكيل أن يوكل به غيره بغير إذن موكله أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى, إلا بإذن الموكل, وبهذا أقول.
فإن وكل الوكيل وكيلا, وابتاع منه لنفسه من مال موكله, أو باعه لموكله من مال نفسه, فإن كان الموكل الأول جعل للوكيل أن يوكل فيما وكله به غيره؛ فالابتياع في الوجهين جائز. وإن كان لم يجعل إليه توكيل غيره؛ فالابتياع في الوجهين غير جائز في إحدى الروايتين, إذا قلنا: إن وكالة الوكيل لا تجوز, إلا بإذن موكله. وإذا قلنا: إن وكالته جائزة, وإن لم يجعل ذلك إليه, كان الابتياع جائزا في الوجهين.
والوكيل أمين ما لم يتعد أو يخن. فإن خالف أو خان كان ضامنا.
стр. 364
ولو باع الوكيل بالوكالة بيعا, ثم ادعى تلف المال, كان القول قوله, فإن اتُّهم لم يلزمه غير اليمين.
ولو وكله في طلاق زوجته, كان الطلاق بيد الوكيل, ما لم يفسخ وكالته, أو يطأ الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق, وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق, وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل, كما لو وكله في بيع دار ثم سكنها الموكل, فإن ذلك يكون عزلا للوكيل من الوكالة.
ومن وُكِّل في شيء مخصوص لم يكن وكيلا في غيره, ولا خصما في سواه.
فإذا أطلق وكالته جاز تصرفه في سائر حقوقه, وجاز بيعه عليه, وابتياعه له, وكان خصما في كل ما يدعيه لموكله ويُدّعى عليه بعد ثبوت وكالته منه.
ولو وكل وكيلا ثم وكل غيره, فهما وكيلاه حتى يخرج أحدهما من وكالته.
ومن وكل وكيلين على الاجتماع لم يجز انفراد أحدهما بالتصرف دون صاحبه, فإن جعل لهما التصرف في حالة الاجتماع والانفراد, جاز تصرفهما على الاجتماع وتصرف كل واحد منهما على الانفراد في الوكالة.
ولو دفع إلى رجل عشرة دراهم, فقال: ابتع لي بها ثوبا. فابتاع له الثوب, ولم ينقد الثمن, فهلك الثوب والثمن في يده, فالوكيل أمين في الثوب, ومن مال الموكل هلك, ويضمن الوكيل للبائع ثمن الثوب, لأنه خالف حين لم ينقده ثمنه عند عقد البيع, فضمن بالمخالفة, إلا أن يكون لم يفرط, مثل أن يبتاع الثوب, والثمن في بيته ويقبضه ويقول للبائع: امض لأفيك الثمن, فيهلك الثوب منه, ويكون الثمن قد هلك من حرزه, فيكون هلاك الثوب والثمن جميعا من الموكل, ويلزمه ضمان الثمن للبائع دون الوكيل.
ولو وكله في قبض ورق له, فصارف عليها الوكيل, لم يجز فعله, إلا أن يكون الموكل جعل إليه المصارفة, فيجوز فعله.
قال: ولو كان له على رجل خمسون دينارا, فوكل المدين صاحب الحق في
стр. 365
بيع داره أو متاعه, فباعه بورق, لم يجز له أن يصارف نفسه ويأخذ الدراهم بحقه, ولكن يبيعها من غيره بعين, ويستقصي فيها ويحتاط, ثم يأخذ من العين قدر حقه.
فإن وكله في قبض خمسين فقبض مئة, ثم هلك الجميع منه, كان ضامنا للباعث قدر الزيادة, لأنه خالف فيها وقبضها بغير حق.
فإن خلط الوكيل مال موكله بماله فيما لا يتميز, فهلك المالان, لم يضمن, وإن هلك أحدهما ضمن مال موكله, وكان الهالكمن ماله, لأنه لا يعلم هذا الهالك ماله أو مال موكله.
ولو وكله في قبض مال فأخذ به رهنا, وهلك الرهن في يده كان مسيئا, وكان الرهن هالكا من ماله, ولا ضمان على الوكيل ما لم يجن عليه, أو يفرط في حفظه.
ولو وكله في ابتياع سلعة, فابتاعها, ثم باعها بغير إذن الموكل, فعلى روايتين: إحداهما: البيع باطل, والرواية الأخرى: البيع موقوف على إجازة الموكل ورده, فإن أجاز صح, وإن رده بطل.
وكذلك لو باع السلعة وابتاع للموكل بثمنها سلعة أخرى, كان ذلك باطلا في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: موقوف على إجازة الموكل ورده, لحديث عروة البارقي الذي يرويه عبدالله بن أحمد بن أبيه, قال: حدثنا أبو كامل, حدثنا سعيد ابن زيد, حدثنا الزبير بن الخريت, حدثنا أبو لبيد عن عروة بن أبي الجعد البارقي, قال: عرض للنبي ﷺ جَلَب, وأعطاني دينارا, وقال لي: "أي عروة: ائت الجلب فاشتر لنا منه شاة", فأتيت الجلب فساومت صاحبه, فاشتريت منه شاتين بدينار, فجئت أسوقهما, قال: أو أقودهما, فلقيني رجل بالطريق, فساومني, فابتعته الشاة بدينار, فجئت بالدينار وجئت بالشاة, فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم, وهذه شاتكم. قال: "وصنعت كيف؟ " قال: فحدثته الحديث, فقال: "اللهم بارك له في صفقة يمينه". قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن
стр. 366
أصل إلى أهلي. قال: وكان يشتري الجواري ويبيع.
стр. 367
باب في
الضحايا, والذبائح, والعقيقة, والصيد,
وما يحرم من الأطعمة والأشربة
قال الله : ﴿لن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها. ولكن يناله التقوى منكم﴾ الآية [الحج: ٣٧].
فالأضحية سنة مؤكدة, فعلها رسول الله ﷺ , وندب إليها, فهي مستحبة لكل من استطاعها, لحديث زيد بن أرقم أنهم قالوا: يا رسول الله, هذه الأضاحي ما هي؟ قال: "سنة نبيكم", قالوا: فما لنا فيها: قال: "بكل شعرة حسنة", قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل صوفة حسنة".
وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان: الجذع من الضأن, وهو: ابن ستة أشهر إذا كان سمينا نبيلا. والثني من المعز, وهو: ما أوفى سنة, ودخل في الثانية.
ولا يجزئ من غير الضأن من الأزواج الثمانية إلا الثني. والثني من البقر: ما دخل في السنة الرابعة, ومن الإبل: ما كان له ست سنين.
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها, وإناثها أفضل من المعز.
ويستحب الأقرن الأملح من الضأن, والبياض أعجب إليه من السواد.
ويجزئ في الضحايا الخصي المشدوخ غير المجبوب, فإنه أسمن. والإبل والبقر أفضل من الغنم.
стр. 368
والبدنة تجزئ عن سبعة, وكذلك البقرة, والجواميس في الأضاحي كالبقر.
والشاة تجزئ عن واحد, وقد قيل عنه: ولو ضحى بشاة عن أهل البيت جاز, للحديث المروي أن النبي ﷺ ذبح كبشين, قرب أحدهما, فقال: "بسم الله, هذا عن محمد وعن أهل بيته".
فإذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة على أنهم سبعة, فإذا هم ثمانية ذبحوا معها شاة وأجزأتهم.
ومن أراد أن يضحي, فإذا دخل العشر لم يأخذ من شعره, ولا من أظفاره, حتى ينحر. واستحب له أن يحلق رأسه عقيب النحر, لحديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي, فلا يأخذ من شعره, ولا من أظفاره".
ولا يجوز في الأضاحي ولا في الهدايا عوراء بين عورها, وهي المخسوفة العين. فإن كانت العين صحيحة وفيها اليسير من البياض, لم يكن بها بأس. ولا العرجاء البين ظلعها, ولا المريضة البين مرضها, ولا العجفاء التي لا تنقي, وهي التي لا مخ لها, ولا البتراء, لأنه نقص في الخلق, ولا الجداء التي قد يبس ضرعها, ولا العضباء, وهي التي انكسر نصف قرنها فما زاد, ولا الشرقاء وهي التي خرمت السمة أذنها, ولا الخرقاء وهي المشقوقة الأذن, ولا المُقابَةَ, وهي: المقطوعة الأذن من أعلاها, ولا المدابرة, وهو: قطع الأذن من أسفل, فإن كان قطع الشيء اليسير من الأذن فلا بأس بها. ولا يضحي ببقر الوحش ولا بحمير الوحش.
ويستحب أن يتولى ذبح أضحيته بيده إن استطاع, رجلا كان أو امرأة, فإنه أفضل. فإن لم يستطع, فلا يضحيها له, إلا مسلم. فإن ذبح أضحيته ذمي كره له
стр. 369
ذاك وأجزأته, إن كانت من البقر, أو الغنم في الظاهر من قوله. وقيل عنه: لا تجزئه. فأما إن كانت من الإبل, فلا يجوز أن ينحرها ذمي قولا واحدا, فإن فعل لم تجزه على حال.
ولا يذبح أحد قبل صلاة العيد, فإن فعل لم تجزه, لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ذبح إلا بعد التشريق" يعني بعد الصلاة, كذلك فسره شعبة.
ولا يضحي أحد قبل أن ينحر الإمام, فمن فعل لم يجزه, لحديث أبي بردة بن نيار أنه ذبح يوم النحر قبل أن يذبح النبي ﷺ , فقال النبي ﷺ : "أعد ذبحا", وذكر باقي الحديث. ومن كان بعيدا عن المصر انتظر حتى يمضي من الوقت بعد صلاة العيد ما يغلب على ظنه أن الإمام قد نحر ثم ينحر أو يذبح.
ومن نحر في أول يوم قبل طلوع الشمس لم يُجزه قولا واحدا, فأما في اليوم الثاني واليوم الثالث, فله أن يذبح بعد طلوع الفجرالثاني وقبل طلوع الشمس قولا واحدا, وفي أي وقت شاء من النهار.
واختلف قوله: هل يجوز أن يضحي في اليومين ليلا أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما, وأجازه في الأخرى.
وزمان النحر يوم الأضحى ويومان بعده, ينحر فيها إلى غروب الشمس. واليوم الثالث من أيام التشريق هو زمان للتكبير إلى أن يصلي العصر, وليس بزمان للأضحية. وهو قول خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر, وعلي, وابن عمر, وأبي هريرة رضوان الله عليهم.
стр. 370
وأفضل أيام النحر أولها.
ولا يباع شيء من الأضاحي.
واختلف قوله في بيع جلود الإبل والبقر من الأضاحي, فروي عنه أنه قال: إذا باع الجلد واشترى بثمنه أضحية, فلا بأس. وروي عنه كراهة ذلك.
ولا يعطى الجازر منها شيئا, وهو قول علي بن أبي طالب ﵁.
وتوجه الضحية إلى القبلة, وإن ذبحها إلى غير القبلة غير متعمد جاز. وليقل الذابح: بسم الله والله أكبر. وإن زاد فقال: ربنا تقبل منا, فلا بأس.
ومن نسي التسمية عند ذبح الأضحية وغيرها لم يضره, وأُكلت قولا واحدا. وإن ترك التسمية عليها عامدا لم تؤكل في الظاهر من قوله, وقيل عنه: تؤكل.
ويأكل المضحي الثلث, ويهدي الثلث, ويتصدق بالثلث.
ويستحب له أن يتصدق بأفضلها, ويهدي الوسط, ويأكل الأدون. وله الادخار منها ما شاء. وإن زاد على ذلك, أو نقص, أو تصدق بجميعها, فكل جائز.
ومن أوجب أضحية ثم مات قبل أن يذبحها ضحى بها عنه ورثته, لا يسعهم غير ذلك.
ولا بأس أن يضحي عن اليتيم وليه إذا كان في ماله فضلة.
وله شرب لبن أضحيته إذا لم يعجفها, ويكره جز صوفها.
ولم يختلف قوله: إن الأضحية لا تباع بعد إيجابها إلا أن يريد إبدالها, فيبيعها, ويصرف ثمنها فيما هو خير منها من الأضاحي. وقيل عنه: إني لأستوحش منه, يعني من بيعها. وقيل عنه: له أن يبدلها بما هو خير منها, ولا يبدلها بما هو دونها, فصح من قوله: أن بيعها بعد الإيجاب لغير بدل لا يجوز. وإذا أراد الإبدال بما هو خير منها جاز. وإن باعها بشرط أن يضحي بها, صح بيعه قولا واحدا. وإن
стр. 371
باعها لغير ضحية كان بيعه باطلا في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: بيعه جائز.
وإذا ضاعت أضحيته فاشترى غيرها ثم وجدها ذبحهما جميعا, كما قلنا في البدنة.
وإذا اشتراها سليمة, وأوجبها, فحدث بها عيب لو كان بها منع من أن يضحي بها, كان له ذبحها وتجزيه, لأنه أوجبها سليمة.
ولو أوجب سبعة أنفس بقرة أو بدنة, فنُتجت, ذبحت وولدها عن السبعة.
فإن اشترك ثلاثة نفر في بقر أضحية, وقالوا: من جاءنا يريد أضحية شاركنا, فجاء قوم فشاركوهم, لم تجز, ولا تجزئ إلا عن الثلاثة الأول؛ لأنهم أوجبوها عن أنفسهم.
فإن اشترى رجل سُبع بقرة ذبحت للحم على أن يضحي به, لم يجزه. قال أحمد ﵁: هذا لحم اشتراه, وليس بأضحية.
стр. 372
باب الذبائح
والذكاة في الحلق, والنحر في اللَّبَّة.
والذكاة: قطع الحلقوم, والمريء, والوَدَجَين. فإذا قطع ذلك وأنهر الدم أُكلت.
فإن ذبحها فأبان رأسها غير متعمد أكلت قولا واحدا, فإن ذبحها من قفاها فلم تمر السكين على موضع الذبح حتى ماتت, لم تؤكل قولا واحدا. فإن مرت السكين على موضع الذبح وهي حية أكلت, وقد أساء في ذلك. وقد روي عنه: أن كل ذبيحة تذبح من غير مذبحها لغير تردّ ولا مانع من الذبح في المذبح, لا تؤكل.
والبقر والغنم تذبح, والإبل تنحر. فإن نحر ما يذبح, وذبح ما ينحر أكلت. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه توقف عن ذبح البعير. والأول عنه أظهر.
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا تم خلقه, أشعر أو لم يشعر, فإن خرج حيا ثم مات في الحال أكل. وإن تباقى أقل القليل فلا بد من تذكيته. فإن مات قبل أن يذكى لم يؤكل.
ولا ينبغي أن تسلخ الذبيحة حتى تموت وتبرد, ولا يقطع رأسها قبل السلخ. فإن فعل أساء وأكلت. ولو قطع منها بعد الذبح قطعة وهي تختلج كرهتُ ذلك, ولم تحرم.
قال: وأكره نفخ اللحم. وقد روى كليب الأودي عن علي بن أبي طالب رضي
стр. 373
الله عنه أنه مر باللحامين فقال: من نفخ فليس منا.
ولا يفرِسُ الذبيحة, والفَرْس: كسر عنقها عقيب الذبح قبل أن تموت, فإن فعل أساء وأكلت. والمنخنقة بحبل وما في معناه, والمتردية من جبل, والتي تتردى في بئر فيقع رأسها في الماء ولا يمكن إخراجها منه, والموقوذة بالبندق, أو بالعصا, أو الحجر, والنطيحة, وأكيل السبع إذا ماتت, أو بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش لمثله لم تؤكل. وإن قطع منها ما يقطعه من المذكى.
وما ندَّ من الإبل والبقر واستوحش فلم يقدر عليه, فحكمه حكم الصيد, إن طعنه فأسال دمه أو رماه بسهم فجرحه, وذكر اسم الله عليه فمات من ذلك أكل؛ لحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ : "ما غلبكم من هذه البهائم فاصنعوا به ما يُصنع بالوحش".
وما سقط في بئر لا ماء فيها ولم يقدر على ذبحه ولا نحره جرحه حيث أمكن من بدنه وسمى الله عليه وأكله.
ومتى ترك مسلم التسمية على الذبيحة ناسيا أكلت قولا واحدا. فإن تركها عامدا لم تؤكل في الصحيح من قوله. وقيل عنه: تؤكل.
وما عقره الذئب أو السبع وأدرك حيا ولم يتيقن أنه يموت من ذلك العقر ذكي وأكل.
قال أحمد ﵁: إذا مصعت بذنبها, وطرفت بعينها, وحركت يدها أو رجلها بعد الذبح وانهار الدم أكلت, إلا أن يكون السبع أو الذئب شق جوفها وأخرج حشوتها, فإنها لا تؤكل وإن ذكاها.
وكذلك لو نطحت شاة شاة, فشقت جوفها وأخرجت قُصبها -يريد بذلك
стр. 374
معاها- لم تؤكل, وإن أدرك ذكاتها.
وذبائح اليهود والنصارى تؤكل إذا ذكروا اسم الله عليها إلا البعير, فلا تصح فيه ذكاة اليهودي. ولا تؤكل ذبيحة المجوسي على حال. فإن ترك يهودي أو نصراني التسمية على الذبيحة عامدا أو ساهيا, فإنها تؤكل. وقد قيل عنه: إنهما إن تعمدا ترك التسمية عليها لم تؤكل.
ولا بأس بذبيحة الأخرس إذا نظر إلى السماء وأشار بيده إليها بالتوحيد لله تعالى.
واختلف قوله في ذبيحة الأقلف على روايتين: أجازها في إحداهما, ومنع منها في الأخرى.
قال: والمجنون إذا ذبح في حال زوال عقله لم تؤكل ذبيحته.
ولا تؤكل ذبيحة المرتد على حال.
قال: ويُجتنب أكل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم. ولا يؤكل ما ذُبح للزهرة.
قال: والسامرة من أهل الكتاب, فلا بأس بأكل ذبائحهم.
стр. 375
واختلف قوله في ذبيحة الصابئ, والأظهر من قوله: أنها تؤكل؛ لأنهم يسبتون, فهم بمنزلة اليهود, ولهم كتاب.
وتؤكل ذبيحة نصارى العرب. ولا بأس بذبيحة الصبي والمرأة إذا أطاقا الذبح.
وتوجه الذبيحة إلى القبلة. ولو انحرف عنها قليلا أساء وأكلت. وتوارى السكين عنها, ولا يُظهرها إلا عند الذبح. كذلك أمرنا رسول الله ﷺ أن نواري الشفرة. ولا يحد الشفرة وهي تنظر إليه, ويقول عند تحريك يده: بسم الله والله أكبر, كما ذكرنا في الأضاحي.
ولا تجوز الذكاة بالسن ولا بالظفر منزوعين, ولا متصلين بالخلقة, وتجوز بغير ذلك.
ولا بأس بالذبح بالليل والنهار.
قال: ولو ذبحها فوقعت بعد الذبح في ماء فماتت لم يأكلها, وكذلك لو ذبح طائرا فوقه في ماء, أو تردى من جبل لم يأكله, لأن الماء والتردي أعان على خروج نفسه, لأنه تردى وفيه بقية روح, ولم تزهق نفسه.
ولا بأس أن يأكل المضطر من الميتة بقدر ما يزيل الاضطرار, ويأمن معه الموت قولا واحدا. وهل يأكل منها حتى يشبع أم لا؟ على وجهين.
ولا ينتفع بجلود الميتة دبغت أو لم تدبغ, لأن الدباغ لا يطهرها. ولا تباع, ولا تؤكل, ولا يستجمر لها. ولا يصلى في جلود السباع ولا عليها وإن دبغت. وما لا يؤكل لحمه لا تعمل الذكاة في طهارة جلده, كما لا تعمل في إباحة لحمه.
стр. 376
ولا بأس بصوف كل ميتة تعمل الذكاة في إباحتها. وكذلك شعرها ووبرها وريشها, لأنه طاهر لا روح فيه لا يحله موت. وله أخذه منها حية وميتة, فإن كان عليه نجاسة وجب غسله, وإن لم تصبه نجاسة أحببت غسله من غير أن تجب.
وناب الفيل وعظامه نجسة أخذت منه حيا أو ميتا.
وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح جميعه, ولم يؤكل, ولا يباع. فإن كان جامدا طرحت وما حولها, وأكل ما بقي.
واختلف أصحابنا في الاستصباح بالدهن النجس, فأجازه بعضهم, ومنع منه بعضهم. وبالمنع أقول.
ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم. ولا تؤكل شحوم ما ذكوه في إحدى الروايتين, وتؤكل في الأخرى.
ولا يؤكل ما ذكاه مجوسي بكلبه. فإن أخذ مسلم كلب مجوسي غير معلم فعلمه المسلم واصاد به أكل صيده أيضا. وقيل عنه: لا يؤكل, لأن تعليم المجوسي كذكاته. ولا بأس بأكل ما اصاده المجوسي من السمك والجراد.
стр. 377
باب الصيد
والصيد للهو مكروه وليس بمحرم, ولغير اللهو مباح مستحب.
ومن أرسل كلبه المعلم وذكر اسم الله عليه, فاصاد فقتل, ولم يأكل من الصيد, جاز أكله قولا واحدا. قال: ولتكن التسمية مع الإرسال.
وكل ما قتله الكلب المعلم بغير إرسال لم يؤكل, وما قتله عن إرسال أكل. فإن أكل الكلب من الصيد لم يؤكل, لأنه أمسك على نفسه. وقد روي عنه رواية أخرى أنه قال: إذا أرسل سمى وقتل فكل, وإن أكل منه الكلب, لأن التسمية له ذكاة.
ولا يؤكل صيد الكلب الأسود البهيم, لأنه شيطان, ولأن النبي ﷺ أمر بقتله, والأمر بذلك يفيد النهي عن اقتنائه والاصطياد به. والنهي يقتضي فساد المنهي.
وكل ما قتله البازي والصقر المعلم من الصيد عن إرسال أكل, وإن أكل البازي منه قولا واحدا. وما أدرك من ذلك حيا لم يؤكل إلا أن يذكى, إلا أن يكون به الرمق اليسير, فيموت في الحال قبل أن يدرك ذكاته, فلا بأس بأكله. وكذلك لو أدركه يتشحط في دمه ثم مات بالقرب أكل, لأن الكلب قتله. فإن كان فيه قوة لم يأكله حتى يذكيه. فإن أدرك الصيد حيا ولم يكن معه مُذية ولا ما يذكيه به أشلى الكلب عليه حتى يقتله ثم أكله.
ولو أرسل كلبه على صيد بعينه وسمى, فاصاد غيره أكل, وكذلك لو أرسله
стр. 378
على صيد فاصاد اثنين أكلهما. ولو رمى طائرا وسمى فأصاب غيره أكله. وكذلك لو رماه فأصابته الرمية, وأنفذته صيدا آخر أكلا جميعا.
قال: ولو رمى هدفا, فأخطأه وأصاب صيدا لم يأكله. وسواء سمّى عند رمي الهدف أو لم يسم, لأن هذا رمي لا يفتقر إلى تسمية, فوجودها كعدمها.
ولو أرسل كلبه فوجد معه كلب غيره, وقد أثبتا صيدا لم يأكله, لأنه سمى على كلبه ولم يسم على غيره.
وكل ما قتل من الصيد برمح, أو سهم, أو معراض أصاب بحده وجرحه أكله. وإن أدركه حيا ذكاه ثم أكله. وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل, لأنه وقيذ.
ومن رمى صيدا بسهم نهارا فأصابته الرمية, ثم غاب عنه, فوجده من يومه ميتا, وسهمه فيه, ولا أثر به غير سهمه أكله. وإن كان رماه ليلا, فغاب عنه ثم وجده ميتا لم يأكله. وإن رماه, فغاب عنه يومه ولم يجده إلا من بعد الغد لم يأكله, لأنه لا يدري ما حدث به. وقد قيل عنه: إذا وجده وبه سهمه, ولا أثر به غيره فإنه يأكله. والأول أظهر. وقيل عنه: إذا رماه رميا ظن أنه يموت منه أكله. وإن كان يخشى أن يكون شركه غيره فلا يأكله. يريد بذلك: أنه إذا رماه فغاب عنه, ثم وجد سهمه في موضع منه, الغالب من حاله أنه بعمله أكله, وإن كان السهم في موضع لا يموت من مثله غالبا لم يأكله, لجواز أن يكون قد شركه غيره.
قال: ولو رمى رجلان صيدا, وسميا, فأصاباه جميعا بحديد أكلاه. فإن رماه أحدهما بسهم والآخر بمعراض فأصابه السهم وجرحه, وأصابه المعراض بعرضه, لم يأكله واحد منهما, قال: لأني لا آمن أن يكون المعراض قتله. فإن أصابه المعراض بحده وجرحه أكلاه جميعا. فإن رمى أحدهما بسهم, والآخر ببندقة وأصابه, فسقط ميتا لم يؤكل, لأن البندقة تقتل.
ومن رمى صيدا على شجرة أو نخلة في دار قوم, فحمل الصيد نفسه وسقط
стр. 379
خارج الدار, فهو لمن اصَّاده. وإن سقط في دارهم, فهو لهم, لأنه في حريمهم.
قال: ولا بأس بصيد الدالوية. قال: ولو سمى ورمى صيدا, فمات الرامي ثم أصابت الرمية الصيد أُكل. فإن منع الصيد من الماء حتى مات أكل وكره الصيد بالشِّباش, وهو طائر يخيط عينه, لأجل تعذيبه.
ولا بأس بصيد الفخ والشبكة.
ولو ألقى الخَرْبَق للطير ليأكله فيسكر ويصيده لم يكن به بأس.
وصيد السمك حلال طيب. ولا بأس بإلقاء العلف للسمك في الماء ليجتمع فيُصاد.
ولا يصيد بالنجاسات, ولا بالمحرمات, فإن فعل كان مكروها عنده غير محرم. وقيل عنه: بل هو حرام لا يصاد به.
ولا بأس بصيد الطير الوحشي بالليل من غير أوكارها, وكرهه من أوكارها من غير أن يحرمه. ولا بأس بأخذ فراخ الطير من أوكاره.
ومن ترك التسمية على الصيد عند الإرسال عامدا أو ساهيا لم يؤكل. وإذا نصب المناجل للصيد وسمى حال النصب, فأصاب صيدا وجرحه وقتله أكله. فإن نصب قيودا لا حديد فيها, فوقعت في رجل صيد, فاضطرب فمات, لم يؤكل.
ولو رمى صيدا وسمى, فتردى من جبل, أو وقع في ماء, فمات, لم يؤكل. وكذلك لو كان طائرا فأصابته الرمية من الهواء إلى الأرض ومات, لم يؤكل, لأن
стр. 380
التردي أعان على قتله. وقد روي عنه: أنه يؤكل.
وما أدرك ذكاته من ذلك كله أُكل.
ولو ضرب صيدا فأبان منه عضوا, فمات الصيد في الحال, أو بالقرب, أكل الصيد قولا واحدا, ويأكل العضو المباين في الأظهر عنه, لأنها ذكاة واحدة. فإن تباقى الصيد ولم يمت عن قرب, ذبحه وأكله قولا واحدا. وهل يأكل العضو البائن أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه ميتة فلا يأكله. والرواية الأخرى: يأكل الجميع. فإن رماه فأبان رأسه, وقد سمى, أكله قولا واحدا.
стр. 381
باب الأطعمة
ولا بأس بادخار القوت للعيال.
ولحوم الحمر الأهلية حرام, وكذلك البغال. وألبان ذلك محرمة, كتحريم لحمها. ولحوم حمير الوحش حلال مباحة. ولحوم كل ذي ناب من السباع, وخلب من الطير, ما يفرس ويصيد بمخلبه حرام.
وما قُطع من بهيمة حية, مثل الألية والسنام, وما في معنى ذلك من الأعضاء الثابتة, فهو ميتة حرام.
ولا يأكل الغدة, ولا أذن القلب.
وطعام الفجأة مكروه. قال أحمد ﵁: هو الرجل يتعمد القوم حتى يضعوا طعامهم فيفجأهم, فأما على غير العمد, فلا بأس به.
وكل ما لفظه البحر من السمك فحلال. وكذلك ما طفا منه وقفا.
ولا بأس بأكل السلحفاة والرق إذا ذكيا. وكلب الماء مكروه أكله, وليس بمحرم إذا ذكي. والسرطان يذكى ويؤكل. وقد روي عنه: أنه يؤكل ولا يذكى.
والضفدع حرام, لما رواه عبدالرحمن بن عثمان عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل الضفدع.
واختلف عنه في التمساح, فقيل: إنه يحرم, وقيل: إنه مكروه غير محرم.
وفي الثعلب روايتان: إحداهما: أنه محرم, والأخرى: أنه مباح, واختياري: أنه
стр. 382
لا يؤكل. وأكل اللحم النيء مما تعافه النفس, وليس بمحرم, وكذلك المذكى القابّ.
ولا بأس بأكل لحم الضب والضبع. قد قُدِّم الضب على مائدة النبي ﷺ .
والجراد حلال, لقوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان", يريد: السمك والجراد والكبد والطحال. وقد روي عنه ﷺ في حديث أبي هريرة أنه قال في الجراد: "لا آكله ولا أُحرمه", أو: "ولا أنهى عنه" أنا شككت.
ولم يختلف قوله في الجراد إذا صيد حيا ثم طرح في الماء والملح حتى مات وطبخ, فإنه حلال. واختلف قوله إذا رأى في الصحراء جرادا ميتا, هل يجوز له أكله أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما, وأباحه في الأخرى, والعمل على إباحته, كالطافي من السمك والقافي.
وكذلك اختلف قوله فيمن اصاد سمكة فوجد في جوفها سمكة قد ابتلعتها, هل يأكل السمكة التي أصابها في جوف السمكة أم لا؟ على روايتين: أباح ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى.
وقال: لا يؤكل ما أُكل مرة. ولم يختلف قوله في الجراد الموجود في حواصل الطير أنه لا يؤكل.
فأما اليربوع, فإنه نهى عنه في موضع, وأرخص فيه في موضع آخر.
قال: ولا بأس بطبخ اللحم بالعنب.
стр. 383
واختلف قوله في التنور تشوى فيه المحرمات, هل يخبز فيه أم لا؟ فقيل عنه: إذا لم يلتصق به ما شوي فيه, فلا بأس بالخبز فيه, وقيل عنه: لا, حتى يُغسل. وأرخص في سجر التنور بالنجاسات في موضع, ونهى عنه في موضع آخر.
ولا بأس بالأرنب.
قال: ولا يؤكل القنفذ. قال أبو هريرة: هو حرام.
والفأر محرم أكله. وكذلك الوَرَل.
وابن آوى وابن عرس محرمان. وكذلك الهر والفيل ليس من أطعمة المسلمين.
والدب إن لم يكن له ناب فلا بأس به. وكره لحوم الحيات. قال: لأن للحية نابا. وكذلك كره أكل العقرب.
وكره من الطير ما يأكل الحية, كالرخم والغراب الأبقع. ولا بأس بالصغار من الغربان, يعني الأسود منها, قال: ولا يأكل الكبير, ويأكل الزاغ.
قال: ولا يأكل الخفاش. ولا بأس بأكل النعامة والزرافة. ولا بأس بأكل لحوم الخيل. وكره لحوم الجلالة وألبانها وبيضها, وأحب أن يتوقى عرقها حتى تحبس إلى أن يذهب ما في جوفها, فإن كانت دجاجة ونحوها حبست ثلاثا, وإن كان بعيرا, أو بقرة أو شاة حبس ذلك أربعين يوما, وقيل: إن الشاة تحبس سبعة أيام, وكذلك لو شرب بعير أو بقرة خمرا حبس أربعين يوما ثم أكل. وقيل عنه: إن ذلك محرم حتى يحبس.
ولو سلق بيضا في خمر لم يتشقق أكل. ولا يؤكل ما تشقق منه. ولو غسل
стр. 384
بيضة وطرحها في قدر فلما قشرها وجد فيها فرخا ميتا. فإن كانت انشقت في القدر لم يؤكل ما فيها, وإن كانت لم تنشق أكل ما في القدر.
قال: ولو سقط طائر في قدر, فمات فيها, طرح ما في القدر. حكي عن عكرمة أنه قال: ألقوا الطير, وأهريقوا المرق, وكلوا اللحم بعد أن يغسل بالماء ثلاثا ويغلى. قال أحمد ﵁: وتركه أعجب إلي؛ لأن اللحم قد يشرب النجاسة.
والذباب إذا سقط في الشراب, أو الثريد, أو القدر فمات فيه, غمس فيه, ثم ألقي, وأكل الطعام, لقول النبي ﷺ : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فامقلوه, فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء".
ولم يختلف قوله: إن الدم العبيط حرام. قال: والدم المسفوح: هو الذي لا يخالطه شيء. قال: ودم السمك ليس بعبيط. واختلف أصحابنا فيه على وجهين: منهم من قال: إنه حلال طاهر. ومنهم من قال: على أصل التحريم والتنجيس.
ولم يختلف قوله: إن اللحم إذا غسل وطبخ, فخرج على المرق حمرة الدم أنه لا بأس به ويؤكل.
قال: ولو ذبح بسكين, ثم مسحها بخرقة, ثم قطع بها جبنا رطبا أو غيره أُكل, ولم يكن به بأس, لأن ذلك مما عفي عنه.
قال: ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين عند أكله. وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين, فإن ذلك من صنع الأعاجم". لا يعرف, وليس بصحيح. والعمل على حديث عمرو بن
стр. 385
أمية الضَّمري, كان النبي ﷺ يحتز من لحم الشاة, فقام, إلى الصلاة, وجاء عن جامع بن شداد, عن المغيرة بن عبدالله, عن المغيرة بن شعبة: ضِفتُ رسول الله ﷺ ليلة, فأمر بجنب فشوي, ثم أخذ الشفرة فجعل يحز, فجاء بلال يؤذن بالصلاة. قال: فألقى الشفرة وخرج.
ولبن الشاة الميتة حرام نجس. والبيضة المأخوذة من الدجاجة الميتة بعد استحكام قشرها حلال.
وما عجن من الخبز بالماء النجس, أو طبخ به لم يؤكل, ولم يتصدق به. ويعلف للبهائم التي لا يؤكل لحمها.
ومن أصاب في حال الاضطرار ميتة وتمرا في حائط محوط, أو غنما, أو إبلا, أكل من الثمار, أو شرب من اللبن, ولم يأكل الميتة؟ قال: لا, هذا مما قد اختلف فيه, فإن أصاب شاة ميتة وأخرى ذكية أكل من الميتة ولم يتعرض للذكية.
وكذلك لو اضطر فوجد ثمرا قد أحرز في البيوت, أو إبلا قد أوت إلى المراح وميتة, أكل من الميتة, ولم يتعرض للثمر ولا لألبان الإبل. فإن وجد في حال الاضطرار طعاما لآدمي, وعدم الميتة سأله إياه بالثمن, فإن أبى عليه رفق به, فإن أبي أن يعطيه وخاف الموت أخذه منه قهرا بالثمن ما لم يكن لصاحبه ضرورة إليه كضرورته. فأما إن كانت به ضرورة إليه, فلا يتعرض له. وكذلك في الماء يجده مع غيره, وقد خاف الموت من العطش ولا ضرورة بصاحب الماء إليه يجوز له أخذه منه بالثمن لإحياء نفسه به. فإن لم يقدر على أخذه منه إلا بمقاتلته عليه لم يقاتله, فإن الله تعالى يرزقه, فإنه لا يأمن في قتاله أن يؤدي ذلك إلى قتله.
وأكل الطين مكروه, لأنه يضر بالصحة, فإن أكل منه اليسير أرخص فيه.
стр. 386
وما تساقط من الثمار فله أكله, وما كان منها محوطا عليه لم يدخله إلا بإذن ربه, فإن استأذنه ثلاثا فلم يأذن انصرف, لأن الحائط صار حريما له. وما ليس بمحوط عليه منها, وهو في فضاء, فله أن يأكل منه لحاجة وغير حاجة. وكذلك يأكل من السبيل القائم غير المحوط عليه, ولا يفسد, ولا يتخذ خُبْنَة.
وقال في موضع: إذا لم يجد تحت النخل شيئا من التمر وبه ضرورة, فله أن يصعد فيأكل قدر ما ينفي ضرورته. فلا يختلف قوله في إباحة أكل ما تناثر من الثمار غير المحوط عليها لضرورة وغير ضرورة. ولا يضمن قيمة ما يأكله من ذلك. وما كان محوطا عليه, فلا يقربه لغير ضرورة إلا بإذن ربه قولا واحدا. ويأكل من في حال الاضطرار ما يحيي به نفسه. وهل عليه ثمن ما يأكله من ذلك أم لا؟ على وجهين.
فإن مر بإبل, أو بقر, أو غنم, وبه عطش, فهل له أن يشرب من ألبانها أم لا؟ على روايتين.
وكره نثار العرس, والنثار على الصبيان, لأنه في معنى النهبة. وكان أحمد ﵁ يفرق الجوز على الصبيان.
قال: ولا بأس بإجابة الداعي في الولائم, كالعرس والختان, وهو في النكاح آكد, لأن النبي ﷺ أولم على نسائه, وأمر بذلك. فإن كان صائما دعا وانصرف.
فإن دعي إلى عرس فيه طبل, أو مزمار, أو تخنث, أو غناء لم يحضره.
ولا يأكل من طعام يُشرب عليه الخمر. ولا يجيب دعوة من يُعرف بذلك. وقال بعض أصحابنا: لا يجيب الداعي إلا في وليمة العرس خاصة. ولا يجيب فيما سواها.
стр. 387
وإن دعي إلى طعام فرأى آنية ذهب أو فضة فلينصرف. كذلك روي عن أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ : أبي مسعود الأنصاري, وحذيفة, وعبدالله بن يزيد, وأبي أيوب الأنصاري.
والضيافة حق على كل مسلم, فمن نزل به ضيف كان عليه أن يُضيفه ثلاثا, قال النبي ﷺ : "الضيف حق واجب على كل مسلم". ويلزمه أن يقدر له ما يمونه في الثلاثة الأيام. ولا يلزمه بعد ذلك أن يضيفه, لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة عن النبي ﷺ : "الضيافة ثلاثة أيام, فما زاد فهو صدقة".
العقيقة
والعقيقة سنة مستحبة, تعق عن الولد يوم السابع, شاتان عن الغلام, وشاة عن الجارية.
وهي كالأضحية, وصفتها. وتذبح ضحوة, وينوي أنها عقيقة.
ولو ذبح عن الغلام شاة واحدة جاز إذا لم يقدر على شاتين. ويأكل منها ويتصدق. ولا تكسر عظامها, وتقطع من المفاصل جداول كبارا.
ويحلق رأس الصبي ويتصدق بوزن شعره ورقا. وإن خلق رأسه بخلوق مكان الدم, فلا بأس. وقد روي عنه أنه قال: وإن لطخ رأسه بالدم, فهو السنة.
والختان سنة مؤكدة في الذكور, والخفاض في النساء مكرمة.
وكره أن يختن الغلام يوم السابع, لأن اليهود كانت تفعله, وأجازه في رواية أخرى. ولم يختلف قوله: أنه بعد اليوم السابع مستحب.
стр. 388
باب الأشربة
قال الله : ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠].
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر, وكل مسكر حرام".
قال أحمد ابن حنبل ﵁: تحريم المسكر من عشرين وجها عن النبي ﷺ , في بعضها: "كل مسكر خمر" وبعضها: "كل مسكر حرام".
فالخمرة حرام, قليلها وكثيرها, وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب, فهوخمر. وقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرم والنخلة". وقال أحمد ﵁: حرمت الخمرة يوم حرمت, وشرابهم الفضيخُ: التمر والبسر.
وما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام. كذلك روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ , وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
стр. 389
وروي عنه ﷺ من حديث الزبير بن عدي عن ابن بريدة عن أبيه في حديث طويل أنه قال: "واجتنبوا كل مسكر". فنهى ﷺ عن جنس المسكر قليلا كان أو كثيرا.
والخمرة نجسة العين, ولا يجوز الانتفاع بها, وثمنها حرام. ونهى رسول الله ﷺ عن الخليطين من الأشربة. وذلك أن يخلط عند الانتباذ أو عند الشرب.
قال أحمد: إذا شرب خليطين فسكر, فهو بمنزلة رجل اتخذ لحم خنزير ميت, فهو حرام من الوجهين جميعا. وذلك أن الخنزير حرام أكله, والميتة حرام أكلها, فلما اجتمع المعنيان في شيء واحد كان حراما أكله من وجهين. والخليطان شربهما حرام, وإن لم يسكر إلا أن المسكر عنده محرم قليله وكثيره.
قال: ويشرب نبيذ السقاية إذا لم يكن مسكرا. وأما اليوم وقد وليه من وليه يعملون مسكرا فلا يشرب.
وقد قال في موضع آخر: إن ما أسكر من الأشربة وإن كان حراما, فإنه ليس كالخمرة بعينها, قال: لأن الذي يشرب الخمر مستحلا لها أرى حينئذ أن يُستتاب, فإن تاب وإلا قتل. وأما إذا شربها غير مستحل لها وهو يرى أنها محرمة رأيت عليه الحد ويضعف عليه.
وكان الانتباذ في الدباء, والحَنتَم, والنقير, والمزفت, منهيا عنه, ثم أرخص في سائر الأوعية, ونهي عن المسكر. وكره أحمد ﵁: أن ينبذ في الأوعية كلها إلا في السقاء إذا أوكي. وهذا الظاهر عنه. وقيل: إنه أرخص في انتباذ
стр. 390
غير المسكر في جميع الأوعية, وكره المزفت له, وكره أيضا أن يشرب نقيع الزبيب والعناب, ونقيع الزبيب والتمر هندي, ونحو هذا من الأدوية, وإن كان لا يسكر, لأجل النهي عن الخليطين. وسواء بقَّاه أياما أو نقعه غدوة وشربه عشاء, أو نقعه عشاء وشربه غدوة, لأن الاسم يتناوله. قال: ولكن إن طبخه وشربه لوقته لم يكن نبيذا, ولم ير به بأسا. وقيل عنه: إنه كره ذلك إذا نقع وغلى, ولم يكرهه قبل أن يغلي.
وما كان من العصير لم يمض له ثلاثة أيام, ولم يغل, فحلال قولا واحدا. وما مضى له ثلاثة أيام, فهو محرم غلى أو لم يغل. وما نشر قبل الثلاث وغلا فقد اختلف عنه فيه. فقيل عنه: إنه حرام, وهو الظاهر من قوله.
وقيل عنه: النبيذ عندنا على ثلاث: حلال, وحرام, وموقوف عنده, فأما الحلال: فنبيذ في سقاء يوكى وكاء شديدا, لأن لا يتنفس, وأما الحرام: فالذي يُسكر كثيره, وأما الموقوف عنده: فهو الذي ينشر.
وقطع في موضع آخر: أنه إذا غلى فقد حرم, وهو الصحيح من قوله.
وكره الخردل يطرح فيه الزبيب. فإن مضى عليه ثلاث لم يؤكل.
قال: والسلجم إذا طرح عليه الدبس والزبيب ممن يأكله ويتخذ منه الناطف والعصائد والحلوى المباحات جائز, وممن يتخذه خمرا لا يجوز, كره سعد, وابن عمر بيع العصير ممن يتخذه خمرا, وحديث عمر: "لعن الله بائع الخمر وحاملها".
следующие страницы →