← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13571

الإرشاد إلى سبيل الرشاد

أبو علي بن أبي موسى الهاشمي

Полный текст (548 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكذلك لو ادعت امرأة زوجية رجل وأنكرها, ولا بينة لها, كان القول قوله, ولا يمين عليه. ولو ادعى رجل زوجية امرأة ميتة, وأحضر معه ولدا, فقال: هذه زوجتي, وهذا ابني منها, لم يقبل منه إلا أن يأتي ببينة تشهد بأصل النكاح, وأنه تزوجها بولي عصبة وشهود, ويكون الولد يولد لمثله, فيثبت حينئذ النكاح, ويستحق الميراث, ويثبت نسب الولد منه. هذه المسألة منقولة عنه على ما بينت, وليس عنه بيان هل يثبت نسب الولد من الميتة أم لا؟ والذي يقتضيه الحكم عندي: أن البينة إن شهدت بأصل النكاح, وأن هذا الولد ولده منها, ثبت نسب الولد منها واستحق الزوج والولد ميراثها. وإن شهد الشهود بأصل النكاح فقط, وللمرأة ورثة معروفون ينكرون نسب الولد منها افتقر الزوج إلى إقامة بينة تشهد أن الولد منها, فإن عدم ذلك ثبت نسب الولد منه بإقراره به, وكان للزوج الربع من الميراث, لأن قوله مقبول على نفسه, ولم يثبت نسب الولد من المرأة ولم يرثها. وكذلك لو ادعت امرأة زوجية ميت, وأقامت البينة على أصل النكاح على ما بينا, ورثته. ولو ادعى رجلان زوجية امرأة, فأقرت لأحدهما, وأنكرت الآخر, لم يُلتفت إلى إقرارها, ولم تسلم إلى المقرة له إلا أن يحضر البينة على أصل النكاح, والولي العاقد له, فإن عدم ذلك فرق بينهما جميعا. وإن أقام كل واحد منهما بينة على دعواه, كان الحكم لأعدلهما. فإن تساويا في العدالة على دعواهما حكم بأقدمهما. فإن جهل الأقدم منهما روي عنه: أنه يرجع في ذلك إلى قول الولي. فإن جهل الولي الأقدم من النكاحين فسخ النكاحان جميعا. فإن أقام أحدهما

стр. 492

البينة على عقد الولي النكاح له عليها على شروط النكاح الصحيح ولا ولي لها من عصباتها غيره, وأقام الآخر بينة بالعقد عليها بولاية أجنبي, ثبت النكاح الذي عقده الولي إن كان متقادما على الآخر, قولا واحدا. وإن كان النكاح الآخر هو المتقادم, فسخا جميعا, وتزوجت من اختارته منهما, إن كان قبل الدخول, في الحال, وإن كان بعد الدخول فبعد انقضاء العدة. ومن ادعت طلاق زوجها وأنكر, ولا بينة لها, فهي زوجته في الحكم, ولا يمين عليه. فإن ادعت أن الطلاق كان ثلاثا, لزمها الهرب منه, ولم يسعها تمكينه من نفسها بعد سماعها طلاقه لها ثلاثا. قال: وتفتدي نفسها منه بما أمكنها, ولا تمكنه من نفسها على حال. واليمين تلزم من ادعي عليه حق وأنكره على البتات, وتلزمه فيما يدعى على ميته على العلم. واختلف قوله فيمن باع سلعة, وظهر المشتري على عيب بها, وأنكره البائع, هل عليه اليمين على علمه أم على البتات؟ على روايتين. واختلف قوله فيمن باع عبدا فأبق عند المشتري, روي عنه أنه يحلف على علمه, وروي عنه أنه يحلف أنه لم يأبق عنده منذ اشتراه. قال: إلا أن يكون العبد ولد عنده, فيلزمه أن يحلف بالله على البتات أنه لم يأبق قط. وقد روي عنه أنه قال: على كل حال, واليمين على علمه فيما يدعي عليه في نفسه, أو فيما يدعى على ميته. وبالأول أقول. ولا يحكم الحاكم برد اليمين في الصحيح من قوله. قال: لأن النبي ﷺ جعل البينة على المدعي, واليمين على المدعى عليه, فلا

стр. 493

تحول عن الموضع الذي جعلها فيه النبي ﷺ . قال: والقسامة ليست أصلا في رد اليمين؛ لأن حكم الأيمان في القسامة يخالف حكم الأيمان في الحقوق؛ لأن النبي ﷺ جعل اليمين في القسامة على المدعين, وأقامها مقام بيناتهم, فلما نكلوا قال للمدعى عليهم: "تحلفون وتبرؤن". فلا يجوز اعتبار أحد الحكمين بالآخر. ومن ادعى على رجل دعوى فأنكر, ولا بينة للمدعي لم تجب ملازمته قبل ثبوت الحق عليه, ولا مطالبته بكفيل. فإن ذكر المدعي أن له بينة يحضرها في المجلس, فله ملازمته إلا أن يحضر بينته. فإن لم يحضرها حتى قام الحاكم من مجلسه صرفه. وإن قال المدعي: إن بينته بالبعد منه, كان له مطالبته بكفيل بنفسه إلى وقت حضور بينته. ويضرب لذلك أجلا متى جاء بطلت الكفالة. ومن ادعى عليه ما يعلم أنه لا يستحق عليه, وسعه أن يحلف على ذلك بالله تعالى: أنه لا يستحق عليه ليدفع الظلم عن نفسه. ومن أحلف رجلا على دعوى لم يسعه أن يدعيها عليه ثانيا, ولا أن يحلفه عليها يمينا ثانية, إلا أن يجد بينة تشهد له بها. ومن ادعى على رجل ورقا, فأقر له بذهب أو بغيره وقبل المدعي إقراره, لم يكن ذلك جوابا عن الدعوى, ولزمه رد الجواب والخروج إليه مما أقر له به. ومن ادعي عليه حق وهو معسر به لزمه الإقرار, ولم يجز له أن يجحده, ولا يسعه أن يحلف عليه, ويورِّي في نفسه أن يقضيه متى قدر, وإن فعل ذلك عامدا

стр. 494

وحلف استوجب النار إلا أن يتوب. وإذا علم صاحب الحق أنه معسر لم تحل له مطالبته في حال عسرته, ولزمه إنظاره إلى ميسرته. ولا يسع من عليه الحق منعه, ولا المطل به إذا كان قادرا على أدائه, والتمسه منه صاحبه, فإن منعه منه كان آثما وحل حبسه والتضييق عليه حتى يخرج منه. قد روى عمرو بن الشريد عن أبيه, قال: قال رسول الله ﷺ : "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته". قال وكيع بن الجراح: عرضه شكايته, وعقوبته بحبسه. وقال ابن مسعود: كفى بالمعك ظلما. قال أحمد: المعك: المطل. ومن كان له حق على رجل بشهود فقبض بعضه, وأشهد الشهود على ما قبضه منه ثم جحد الباقي, فقدمه إلى القاضي شهد الشهود له بدينه, وعليه بما قبضه منه. وإن لم يعلم الشهود أنه قبض من حقه شيئا لزمهم أن يشهدوا بجميع الحق, ولزم صاحب الحق الإقرار بما قبضه من حقه, ويأخذ بقيته. ومن كان عليه دين مؤجل فأراد سفرا بعيدا, الغالب من حاله أنه لا يعود إلا بعد حلول الدين, كان لصاحب الحق منعه منه إلا أن يوثقه, أو يعطيه كفيلا بحقه يؤديه إليه عند محله. فإن أراد سفرا قريبا, فهل له مطالبته بكفيل أم لا؟ قيل عنه: له ذلك؛ لأنه لا يأمن ما يحدث عليه. وقيل عنه: ليس له ذلك, لأن الكفيل لا يلزم إلا بعد حلول الحق وتوجه المطالبة به, وها هنا لم يجب بعد, فلا يلزمه. ولا يمين واجبة مع ثبوت البينة الكاملة إلا في دعوى البراءة من الحق, وفيما يدعى على ميت وارثه غائب, والحاكم يرى الحكم على الغائب, فيحلفه بالله على ما يراه من بقاء الحق واستحقاقه إياه في تركه المتوفى, وأنه لم يقبضه, ولا

стр. 495

قبض له, ولا أبرأه من شيء منه, ولا أحاله له, ولا بشيء منه, ولا حلله منه, ولا من شيء منه, وإنه لمستحق له في تركته وقته ذلك, ثم يحكم له به. وكذلك لو خلف المتوفى ورثة صغارا. ولو أقام رجل شهودا بحق له, فقال المشهود عليه: يحلف ويأخذ. لم يلزم المشهود له اليمين, وحكم له ببينته. واليمين الكاذبة لا تسقط الحق, وإنما تقطع الخصومة في الظاهر, فمن حلف يمينا كاذبة على حق لرجل ثم راجع الحق وجاء بما عليه, وسع المحلوف له أخذه. ولو كانت دار في يدي رجلين, فادعى أحدهما نصفها وادعى الآخر جميعها, ولا بينة لواحد منهما كانت الدار بينهما نصفين مع أيمانهما لتساوي أيديهما عليها. ولو كانت الدار في يد غيرهما وادعى كل واحد منهما جميعها, فأقر بها صاحب اليد لأحدهما, وقال: لا أعرفه عينا. أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كانت له مع يمينه. فإن ادعى أحدهما نصفها, وادعى الآخر جميعها, فأقر بها صاحب اليد لهما, فقد سلم النصف لمدعي الكل, ويقرعان على النصف الآخر, فمن قرع صاحبه منهما كان له مع يمينه. فإن كانت دار في يد رجل, فادعاها آخر, فأقر بها صاحب اليد لغائب, كان الخصم فيها الغائب دون صاحب اليد, ولا يقضى بها للحاضر على الغائب ببينة ولا غيرها, إلا أن يحضر أو وكيله في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى, قال: يقضى على الغائب إذا أقام الحاضر البينة العادلة على ملك الدار, ويجعل الغائب على حجته متى حضر. ولو كانت دار في يد رجل, فادعى رجل نصفها, وادعى آخر جميعها وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه, كان لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار, ولمدعي النصف

стр. 496

ربعها, ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يحكم به له من ذلك. وحكى بعض أصحابنا: أن أحمد ﵁ سوَّى بين كون الدار في أيديهما, وكونها في يد غيرهما إذا ادعى أحدهما جميعها, وادعى الآخر نصفها في أنها بينهما نصفين. والمنصوص عنه ما ذكرته, ولم يقع إلي عنه بما ذكره, ولا رأيت عنه إلا التفريق بين الموضعين, فإن كان الأمر, كما قال, فالمسألة على روايتين. ولو كانت الدار في يد أحدهما فادعاها كل واحد منهما, وأقام الخارج البينة أنها له, وأقام صاحب اليد البينة أنها له وفي يده, فالبينة بينة الخارج, ولا حكم لبينة صاحب اليد؛ لأنه مدعى عليه, والخارج هو المدعي, والنبي ﷺ جعل البينة بينة المدعي دون المدعى عليه. فإن كان عبد في يد رجل فادعاه آخر, وأقام صاحب اليد بينة أنه له وُلد في ملكه, وأقام المدعي بينة أنه له, فالبينة بينة من لا يد له في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: البينة بينة صاحب اليد الذي يثبت أن العبد ولد في ملكه, كما قلنا في النتاج في إحدى الروايتين. فإن أقام كل واحد منهما البينة أن العبد له ولد في ملكه, كانت البينة بينة من لا يد له قولا واحدا. وكذلك اختلف قوله في رجل ادعى دارا في يد غيره, وأقام بينة أنها له, وأقام صاحب اليد بينة أنها قطيعة له, فروي عنه أن البينة بينة الخارج, وروي عنه أن الدار لصاحب اليد الذي ثبت أنها قطيعة. ولو أقامت امرأة بينة على زوجها أنه أصدقها هذه الدار وقبضتها, وأقام رجل بينة أنه ابتاعها من الزوج, ونقده الثمن وقبضها, وجهل أولهما ابتياعا, ولم يوقت الشهود الشهادة, أقرع بينهما, فإن خرجت القرعة للرجل قضي بالدار له, وكان للمرأة على زوجها قيمة الدار, وإن خرجت القرعة للمرأة كانت الدار لها, ولزم الزوج أن يرد على المشتري الثمن الذي قبضه منه.

стр. 497

ولو مات رجل وترك زوجة مسلمة, وأخا مسلما, وولدا كافرا, فادعى الأخ والزوجة أنه مات مسلما, وادعى الولد أنه مات كافرا, كان فيها وجهان: أحدهما: أن الميراث للولد الكافر إلا أن يقيم الأخ والزوجة البينة على إسلامه, والوجه الآخر: أن للزوجة الثمن, والباقي بين الأخ والولد نصفين لتكافئهما في الدعوى. فإن توفيت امرأة رجل وابنها منه, وتركت أخاها وزوجها, فقال الأخ: مات ابنها قبلها فورثته, ثم ماتت, فورثتها أنا وزوجها. وقال الزوج: بل ماتت هي, فورثتها أنا وابني منها, ثم مات ابني فورثته. ولا بينة على أسبقهما موتا أقرع على ما تداعياه من الوفاة, فإن وقعت القرعة للأخ كان ميراث الزوجة بينه وبين الزوج نصفين. وإن وقعت للزوج كان ميراثها له دون الأخ, ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يقضى به له في معنى قوله. قال: ولو كان لرجل ثوب, فأقام رجل البينة أنه ابتاعه منه بمئة, وأقام آخر البينة أنه اشتراه منه بمئتين, والبائع يقول: بعته بمئتين, والثوب في يد البائع, فإن كان ذلك قبل الافتراق بالأبدان, كان للبائع أن يفسخ العقدين أو أيهما شاء. وإن كان الافتراق قد وقع, فالمشتريان بالخيار, إن شاءا فسخا البيع, ويرجع كل واحد منهما بما قدمه من الثمن. وإن كانا لم يختارا الفسخ كان الثوب بينهما نصفين لكل واحد منهما نصفه بنصف الثمن الذي ثبت أنه ابتاعه به. قيل لأحمد ﵁: فإن كان الثوب في يد أحدهما ولا يُدرى أيهما ابتاعه أولا؟ قال: لا ينفعه كونه في يده إذا كان مقرا أنه اشتراه من فلان. وروي عنه أنه فرق بين كون الثوب في يد البائع, أو في يد أحد المشتريين, فقال: إذا كان في يد أحدهما, وهما جميعا يقران به للبائع, ويدعي كل واحد منهما أنه ابتاعه منه قبل الآخر, وأقام كل واحد منهما البينة أنه الأول, أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له.

стр. 498

ولو كان لرجل عبد فأقام رجل البينة أنه ابتاع العبد من سيده بألف, والعبد في يد السيد, وأقام العبد بينة أنه سيده أعتقه, فالحكم لأقدمهما, فإن جهل ذلك ولم يوقت الشهود الشهادة, فعلى روايتين: قال في إحداهما: يقرع بينهما, فإن وقعت القرعة للعبد كان حرا, ورجع المشتري على السيد بالثمن, الذي ساقه إليه. وإن وقعت القرعة للمشتري بطل العتق, وكان العبد له. وقال في الرواية الأخرى: إذا أقام العبد البينة على العتق كان حرا, ورجع المشتري بالثمن على السيد. قيل له: وإن لم يوقت الشهود متى أعتقه؟ قال: وإن لم يوقتوا, فجعل العتق ها هنا مقدما على الابتياع, وجعل الحكم له ما لم يثبت أن الابتياع متقدم عليه. والأول أظهر عنه وأتبع لأصوله. قال: ولو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده هذا, فأنكر السيد والعبد جميعا العتق, لم يلتفت إلى إنكارهما, وكان العبد حرا. ولو ادعى ثلاثة أنفس عبدا, فأقام أحدهم البينة أن فلانا باعه هذا العبد بكذا, وهو يملكه, وأقام آخر البينة أن فلانا وهب له هذا العبد, وهو يملكه, وأقام الثالث البينة أن فلانا تصدق عليه بهذا العبد, وهو يملكه, ولم يوقت الشهود الشهادة, أقرع بينهم, فمن قرع منهم صاحبه كان العبد له. قال: ولو ابتاع رجل من رجلين ثوبين: أحدهما بعشرين, والآخر بعشرة, فادعى كل واحد منهما الثوب الذي بعشرين ولا بينة, أقع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له مع يمينه, والثوب الآخر للآخر. ولو كان عبدا بين رجلين, فشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق حصته منه, لم يقبل قوله, ولم يعتق العبد من واحد منهما. قال بعض أصحابنا: إن كان كل واحد من الشريكين موسرا يملك قيمة حصة شريكه من العبد, لم يجز له بيع حصته من العبد, وإن كنت لم أحكم بعتقه؛ لأن

стр. 499

الحرية تسري إلى جميع العبد, فلا يجوز له بيع حصته منه. وإن كانا معسرين جاز لكل واحد منهما بيع حصته من العبد متى أحب؛ لأن الحرية لم تسر إلى جميعه, ولا يشتريه الشريك, وهذا صحيح؛ لأن الشريك عالم بالعتق, فلا يحل له الابتياع, وأحمد ﵁ نص على أن العتق لم يقع من طريق الحكم, ولم يفرق بين اليسار والإعسار, ولم يجعل ها هنا للعبد أن يحلف مع شاهده ويصير حرا قولا واحدا, لأن كل واحد من الشريكين خصم للآخر, فلا تقبل شهادته عليه. ولو أعتق رجل عبده, فقال له الورثة: أعتقك في مرض موته. وقال العبد: بل أعتقني في صحته. كان القول قول الورثة, إلا أن يقيم العبد بينة على أنه أعتقه في صحته. هذا صحيح إذا كان المعتق لا ملك له سوى العبد, أو كان العبد لا يخرج من الثلث, فأما إذا كان يحمله الثلث, والورثة مقرون بالعتق, فقد صار العبد حرا, ولا فرق بين أن يكون أعتقه صحيحا أو مريضا. وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت الذي في أيديهما, أو ورثتهما من بعدهما, ولا بينة لواحد منهما على ما يدعيه منه, قضي لما كان يصلح للنساء للمرأة, وبما كان يصلح للرجال للرجل, وما يصلح لكل واحد منهما بينهما نصفين, ولكل واحد اليمين على صاحبه فيما يحكم له به. ويقبل قول من أسلم بغير سبي في دعوى النسب إذا صدقه المدعي, ولا يقبل ذلك ممن أعتق من السبي إلا ببينة عادلة تشهد على ولادة معروفة قبل السبي. قال بعض أصحابنا: ولا تقبل البينة على ذلك ممن أسلم عندنا ممن حضر الولادة عندهم. ولا فرق عندي بين من أسلم عندنا, أو جاءنا مسلما من عندهم في قبول شهادته بذلك على ما بينت. ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما يثبت عنده من الحقوق إذا أوصل إليه شاهدان يقولان: قرأه علينا, أو قرئ عليه بحضرتنا, وقال: اشهدا أنه كتابي إلى فلان.

стр. 500

فإن مات القاضي الكاتب, أو عُزل قبل وصول الكتاب, لم يقبله المكتوب إليه, ولم يعمل به. وكذلك لو مات القاضي المكتوب إليه, أو عزل قبل وصول الكتاب, لم يعمل به من ولي مكانه. فإن حكم حاكم بشيء ثبت عنده, وكتب به إلى قاض آخر, فثبت حكمه عند المكتوب إليه عمل به وأمضاه. وسواء كان القاضي الكاتب حيا أو ميتا, ناظرا أو مصروفا. وقول القاضي فيما حكم به مع بقاء نظره مقبول قولا واحدا. وقوله بعد عزله: كنت حكمت في ولايتي بكذا وكذا. مقبول عنده أيضا, ويتوجه أن لا يقبل ذلك منه بعد عزله, إلا أن يشهد على حكمه شاهدان فيلزم الحاكم الثاني تنفيذ حكمه. والأول هو المنصوص عنه. ولو حكم رجلان ليحكم بينهما, وارتضيا بحكمه, فحكم بينهما, كان حكمه جائزا عليهما ولازما لهما. وينبغي له أن يشهد عليهما بالرضا بحكمه بينهما قبل الحكم, لكيلا يجحد المحكوم عليه منهما أنه حكمه, فلا يقبل قوله عليه إلا ببينة. ولو أقرض ذمي ذميا خمرا, ثم أسلم المقرض, لم يكن له مطالبة المستقرض بالخمر ولا بقيمتها, فإن ابتاع ذمي من ذمي خمرا إلى أجل وقبضا ثم أسلم البائع, فهل له أن يأخذ من المشتري ثمن الخمر أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: الخمر لا قيمة لها, ولا يحل ثمنها, فلا يأخذ منه شيئا. وقال في الرواية الأخرى: قد وجب الثمن له يوم باعها, وله أخذه منه. ولو باع ذمي ذميا خمرا بألف, ثم مات البائع, وخلف ابنا, فأسلم الابن كان له أن يأخذ من المشتري الألف الذي ابتاع به الخمر من أبيه.

стр. 501

كتاب الشهادات وشهادات النساء العدول جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الولادة, والاستهلال, والحيض, وعيوب النساء الغامضة, والرضاع, وما أشبه ذلك. وأقل من يحكم بشهادته منهم في ذلك امرأة واحدة عادلة. وقيل عنه: امرأتان. ويقبل في الأموال شهادة رجلين, أو رجل وامرأتين, أو رجل واحد ويمين الطالب عند عدم الرجلين والرجل والمرأتين, مسلما كان الطالب أو ذميا, رجلا كان أو امرأة. وشهادة ذميين على وصية المسلم في السفر جائزة, عند عدم الشهود من المسلمين, لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]. وما يقبل لهم في غير ذلك شهادة على مسلم بحال. وهل تقبل شهادات بعضهم على بعض أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: لا تقبل, والأخرى: تقبل. ولا يقبل في الشهادة على الزنى أقل من أربعة رجال أحرار مسلمين عدول مرضيين, يصفون الزنى, ويشهدون أنهم عاينوا فرجه في فرجها, كالمرود في المكحلة. فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى, أحدهم زوجها, فعلى روايتين: قال في إحداهما: هم أربعة قد أحرزوا ظهورهم, فلا حد عليهم ولا على المرأة. وقال في الأخرى: الرجل قاذف وليس بشاهد؛ لأنه خصم, وعليه جلد ثمانين, وعلى كل واحد من الشهود الثلاثة ثمانون جلدة.

стр. 502

فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى, فقال اثنان: زنى بها في هذا البيت. وقال الاثنان الآخران: بل زنى بها في هذا البيت, لبيت آخر, قيل عنه: إن الشهادة صحيحة, وليس هذا اختلافا في الفعل, وإنما هو اختلاف في الصفة. وقيل عنه: إن هذه ليست بشهادة صحيحة. وهذا اختياري, وهو الصحيح؛ لأن العلم محيط أن ظاهر هذه الشهادة يعطي: أن الشهود الأربعة لم يعاينوه على فعلة واحدة, وإنما شهد اثنان على فعل, وشهد اثنان على فعل آخر, لأن الفعلة الواحدة لا يجوز أن تقع في بيتين مخصصين, فصاروا قذفة, وعليهم الحد. ولا يقبل فيما سوى الأموال والزنى إلا شهادة رجلين حرين مسلمين عدلين. وشهادة الطبيب العدل في الموضحة وما في معناها مقبولة إذا لم يقدر على طبيبين, لأنها حال ضرورة, وكذلك شهادة البيطار في داء الداية. ولا تقبل شهادات النساء في نكاح, ولا طلاق, ولا إيلاء, ولا ظهار, ولا في شيء من الحدود. ولا تقبل لهن شهادة إلا في الأموال, وفيما لا يطلع عليه الرجال على ما بينت. والعتق من الأموال يجوز فيه شهادات النساء مع الرجال. وشهادة العبد العدل جائزة في كل شيء سوى الحدود. كذلك روي عن علي ابن أبي طالب, وأنس بن مالك ﵄. قال أحمد: من تزوج بشهادة عبدين أو مكفوفين صح نكاحه. ولا تجوز شهادة ظنين, ولا خصم, ولا جار إلى نفسه, ولا دافع عنها. ولا تقبل شهادة القاذف, حد أو لم يحد, إلا أن يتوب. ولا تجوز شهادة الابن للأبوين وإن علوا. وقيل عنه: تجوز. ولا تجوز شهادة الوالدين للولد وإن سفل قولا واحدا. وهل تقبل شهادة والد على ولده أو شهادة

стр. 503

ولد على والده أم لا؟ على روايتين. ولا تجوز شهادة زوج لزوجته, ولا شهادتها له, ولا شريك لشريكه, ولا وصي ليتيمه, ويجوز شهادة بعضهم على بعض. وشهادة الأخ العدل لأخيه وعليه, جائزة. ولا تجوز شهادة مجرب في كذبه, ولا مظهر لكبيرة؛ لأنها تجرح وتخرج من العدالة. ولا تقبل شهادات الصبيان في الجراح وإن لم يفترقوا, في الصحيح من المذهب. وهو قول عبدالله بن عباس ﵁, وقيل عنه: إنها تجوز. وبه قال علي بن أبي طالب ﵁. ولا تجوز شهادة قدري؛ لأنه مجوسي, ولا شهادة جهمي, ولا معتزلي, ولا شهادة مرجئ, يعتقد أن الإيمان قول بلا عمل, ولا شهادة رافضي يسب السلف, لأنه مشرك, ولا شهادة مبتدع يعلن ببدعته, ولا شهادة شارب الخمر, إلا أن يتوبوا وتظهر توبتهم. ولا تقبل في شيء من الأحكام إلا شهادة العدول. واختلف قوله في صفة العدول, فقيل عنه: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة, رجل مستور. وروي عنه أنه قال: وينبغي للعدل أن يكون فيه ست خصال: يكون فقيها, عالما, ورعا, زاهدا, عفيفا, بصيرا بما يأتي, بصيرا بما يذر. قال: ولا يقبل القاضي قول من لا يعرفه حتى يسأل عنه أهل الخبرة. قال: وينبغي للقاضي أن يسأل عن الشهود كل قليل؛ لأن الرجل قد يتغير من حال إلى حال. والعدل مخير بين تحمل الشهادة وترك تحملها, ما لم تدع إليه ضرورة,

стр. 504

ويفتقر الناس إليه. فإذا تحمل الشهادة وتعينت عليه, لزمه إقامتها, ويأثم في كتمان ما يعلم منها كما يأثم في قول ما لا يعلم. وشهادة الزور من الشرك, قال الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠] وقال: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان: ٧٢]. وروى شعبة بن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك, قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: "الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس, وشهادة الزور". ومن شهد بشهادة ثم رجع عنها قبل الحكم بها لم يُعمل بها, ولم يكن على الشاهد شيء, ومن حكم بشهادته ثم رجع عنها لم ينقض الحكم, وأغرم الشاهد ما أتلف بشهادته إن كان مالا, وإن كان دما فقال الشهود: سهونا أو شبه علينا. أغرموا الدية في أموالهم دون عواقلهم. وإن قالوا: تعمدنا. اقتص منهم في النفس وفيما دونها, كذلك روى يحيى بن زكريا عن أشعث عن الحكم وحماد عن إبراهيم: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل أنه سرق فقطعه, ثم أتي برجل آخر فقالا: ليس الأول, ولكنه هذا. فأبطل شهادته على الآخر وضمنهما دية الأول. قال أحمد: وذكر الشعبي عن علي في اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطعت يده, ثم رجعا, أي: أخطآ, قال: فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما. ثم أغرمهما الدية وتركهما.

стр. 505

ولو كانا شهدا على رجل بمال ثم رجع أحدها بعد الحكم بالشهادة أغرم نصف المال, ولم يكن له أن يرجع به على المحكوم له. ولو شهدا على رجل أنه طلق زوجته قبل الدخول بها, ففرق الحاكم بينهما, ثم رجعا, لزمهما نصف المسمى, وإن كان بعد الدخول ألزما جميع المسمى. فإن لم يكن سمى لها مهرا كان عليهما ما يحكم به على الزوج من مهر مثلها. وقد قيل: إنهما إن شهدا بالطلاق بعد الدخول ثم رجعا بعد التفريق, لم يلزمهما المهر؛ لأنه قد استحق على الزوج بعد الدخول. فإن شهد اثنان على ميت أنه أعتق عبده هذا في وصيته, وهو الثلث, وشهد آخران أنه أعتق عبده هذا -لعبد آخر- في وصيته, وهو الثلث, ثبت العتق لهما, وتحاص العبدان العتق, ولا يقرع بينهما ها هنا, لأن العتق قد وجب لكل واحد منهما بقدر الثلث, وإنما القرعة تجب إذا كان العتق لأحدهما بغير عينه, وتشاح العبدان فيه. فإن شهد شاهدان لرجل بالثلث, وشهد آخران لآخر بالثلث, وشهد آخران أن الموصي رجع عن أحدهما ولم يعيناه, أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كانت الوصية له. ولو ادعى رجل على رجل أنه فتح حرزه, وسرق منهما يجب القطع في مثله, وجاء بشاهد واحد يشهد له على ذلك, لم تثبت هذه الشهادة له حقا, ولم يجب بها حد ولا مال, وجلد الشاهد عشر جلدات. وقد روى حجاج بن أرطأة عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب في شاهد الزور أن يُضرب ظهره, ويحلق رأسه, ويسخم وجهه, ويطاف به, ويطال حبسه.

стр. 506

ولو أقام رجل شاهدي زور, فشهدا على رجل بطلاق زوجته, ففرق الحاكم بينهما, ثم ثبت أنهما شهدا بزور لم يقع التحريم بين الزوجين, ولم يحل للحاكم ولا لكل واحد من شهود الزور أن يتزوج بتلك المرأة, وهي باقية على حكم النكاح مع زوجها, لم تحرم عليه بذلك التفريق. وقد قيل عنه: إن لحكم الحاكم تأثيرا في التفريق. فعلى هذا من قوله, لا تعود إلى زوجها, ولا يحل للحاكم ولا لأحد شهود الزور أن يتزوجها قولا واحدا. والأول عنه أشهر, وفي مذهبه أظهر. وقد احتج أحمد ﵁ لذلك بما رواه: أن يحيى بن سعيد حدثه عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم تختصمو إلي, ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي له بما يقول, فمن قضيت له من حق أخيه, فإنما أقطع له قطعة من النار, فلا يأخذها". قال: فهذا رسول الله ﷺ يقول: إذا لم يكن له الحق, فإنما هو نار, فكيف يكون قول بعضنا أو حكم بعضنا يرد أمر الله وأمر رسوله ﵊؟!. وهذا هو الصحيح, غير أننا نكره له المراجعة ظاهرا, وإن كانت حلالا فيما بينه وبين الله تعالى, خوفا عليه من مكروه يناله ممن لا يعرف حقيقة الحال. ومن قال: رددت إليك أمانتك, أو ما وكلتني بيعه, أو: دفعت إليك ثمنه. فالقول قوله مع يمينه. فإن قال: رددت إليك إقراضك. لم يقبل منه إلا ببينة أو إقرار صاحب الحق بالقبض. ولو قال: دفعت إلى فلان ما أمرتني بدفعه إليه, فأنكر فلان, فالقول قوله. وعلى مدعي الدفع البينة وإلا ضمن, وله على المنكر اليمين. وقول ولي الأيتام الذي في كفالته وحضانته في الإنفاق عليهم مقبول فيما

стр. 507

يشبه وكذلك قول الوصي, إذ هو كالأب, وتصرفه فيما فيه الحظ لليتيم من بيع وابتياع جائز غير أن لا يبتاع له من نفسه, فإن فعل كان البيع في الوجهين باطلا. والقرض معروف إذا لم يجر منفعة. ومن سئل الإقراض فلم يفعل, لم يأثم. ومن كان عليه دين قدم قضاؤه على الصدقة. وإذا استقرض جاز له أن يرد خيرا مما أخذ إذا لم يكن شرط. وكذلك لو أقرضه دراهم فأعطاه بها طعاما أرخصه عليه, لم يكن به بأس. ولو أقرضه مكسرة فأعطاه عند القضاء صحاحا أقل منها على وجه الصرف, لم يجز. فإن دفع إليه صحاحا مثلها وكان على غير شرط جاز. فإن عاد يسأله أن يقرضه ثانية لم يفعل خوفا من أن يطمع منه في مثل ما مضى. فإن شرط ألا يأخذ إلا مثل ما يُعطي, جاز. وكل قرض جر منفعة ربا, وهو أن يقصد به الانتفاع حال الإقراض, فلا يجوز ذلك, وما ذكرناه إذا لم يكن على شرط ولا تشرف نفس, فموسع. ومن أقرض قرضا لم يقبل عليه هدية. ولا يكون القرض إلا حالا. وإن أجله فله الرجوع في الأجل. ولا يجوز أن يجعل القرض مضاربة إلا بعد قبضه. ويجوز أن يجعل الوديعة مضاربة مع من هي مودعة عنده قبل أن يقبضها. والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة, فلسيدها أخذها, فإن كانت ولدت من الزوج وثبت أنها أمة, كان لمستحقها بعد أخذها قيمة الولد يوم الحكم له بها, وهم أحرار. فإن لم يعلم أنها أمة إلا من إقرارها, فهل يقبل قولها, ولزم الزوج أن

стр. 508

يفدي ولده منها؟ أم لا يقبل ولا يلزمه أن يفديهم؟ على روايتين: أظهرهما: لا يقبل قولها. والأخرى: يقبل, وهم أحرار في كلا الوجهين. وإن كان غره منها غيرها, فما لزمه من فدى وغيره, رجع له على الغار, إلا عقرها, فلا يرجع به.

стр. 509

أحكام الجوار وإصلاح السفل على صاحب السفل حتى يضع صاحب العلو خشبه, وتعليق الغرف عليه إذا وهي السفل فهدم حتى يصلحه, ويجبر على البناء, لأن في تركه إتلاف حق صاحب العلو, ولا ضرر ولا ضرار. وقد روي عنه رواية أخرى: إذا كان السفل لواحد والعلو لآخر, كان بناء السفل عليهما إذا وهى إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم البناء على صاحب العلو. وكذلك لو كان السفل لواحد والوسط لآخر, والعلو لثالث, كان على هذه الرواية بناء السفل على الثلاثة إلى أن يضع الأوسط خشبه, ثم على الأوسط وصاحب العلو البناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد صاحب العلو ببناء ما بقي, وبذلك قضى أبو الدرداء ﵁. وعلى الرواية الأولى ينفرد صاحب السفل بالبناء إلى أن يضع صاحب الوسط خشبه, ثم ينفرد الأوسط بالبناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد الأوسط بالبناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد صاحب العلو ببناء ما بقي. ويمنع من فتح كوة قريبة ليستضيء بها ويشرف منها على جاره. وقيل: يمنع أيضا من فتح باب قبالة باب جاره, ويمنع من حفر بئر بإزاء بئر جاره, فإن فعل, فانقطع ماء بئر الجار أمر حافر البئر الثانية بسده, فإن عاد ماء بئر الجار فذاك, وإن لم يعد كلف صاحب البئر الأول حفر البئر التي سدت لأجله من ماله. وقد روي عنه رواية أخرى: أن الثاني إذا حفر في حقه لم يكلف سد بئره, وإن انقطع ماء بئر جاره.

стр. 510

قال: ويمنع من بناء حمام إلى جانب دار جاره, أو أن يحفر كنيفا إلى جانب حائط جاره إذا كان ذلك مضرا به, لقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار". ويقضى بالحائط إذا تداعاه نفسان ولا بينة لأحدهما لمن إليه القمط والعقود في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يحكم بمعاقيد القمط. ولا يحكم بالحائط لمن له عليه طروح خشب إذا نوزع فيه, ولم يكن له بينة؛ لأنه يجوز لمن لا ملك له في حائط أن يطرح خشبه عليه إذا لم يكن ذلك مضرا بمالكه, وليس لرب الحائط منعه منه إذا كان الحائط وثيقا, إلا أن يكون مضرا به فيمنع. وليس له البناء على حائط جاره بغير أمره, ولا على حائط مشترك بينه وبين غيره إلا بإذن شريكه. ولولا الحديث الوارد في طرح الخشب لمنعنا منه كما منعنا من البناء, ولكن اتباع السنة أولى. روى مال عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره". ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ لأرمين بها بين أكتافكم. وإذا استهدم الحائط المشترك جبر على نقضه قولا واحدا, فمن امتنع من النقض أشهد عليه الشريك, فما تلف له بسقوط الحائط بعد الإشهاد ضمنه

стр. 511

الممتنع من النقض. وإن لم يشهد عليه, لم يضمن ما تلف بالحائط. وإذا نقضاه فأراد أحدهما البناء, وامتنع الآخر, أجبر الممتنع في إحدى الروايتين على المباناة, وفي الرواية الأخرى: لا يجبر, ويبنيه المختار للبناء, ويمنع الآخر من الانتفاع به حتى يعطي له حصته مما لزمه عليه. ولو كان بيتا سفله لرجل وعلوه لآخر فدفع صاحب العلو لصاحب السفل من ثمن الأرض بقيمة حقه من المتاع, ويحصل المتاع مع نقصان من الأرض لشريكه, جاز ذلك. وما كان من حيوان, أو سيف, أو جوهرة, أو فص, أو حجر, أو حمام, وما في معنى ذلك لا يقسم. وسواء كان الفساد في القسمة حاصلا فيه أو في قيمته. وإذا أقر جماعة عند حاكم أن بينهم أرضا هي ملكهم على سهام ذكروها وسألوه قسمتها بينهم, قسمها, وذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بينهم بإقرارهم لا بثبوت بينة عنده على ملكهم. ولو ادعى أحد الشركاء غلطا في القسمة كلف البينة, فإن جاء بها, رد الغلط. ولو اقتسموا أرضا ثم استحق بعضهم المقسوم, ردت القسمة في الكل. وكذلك لو كانت الأرض ميراثا, فاقتسمها الورثة, ثم ثبت أن المتوفى كان أوصى بإخراج ثلثها, ردت القيمة, وكذلك لو كان المتوفى لا ملك له غيرها, ثم ثبت عليه دين فبيع بعضها في الدين بعد القسمة ردت القسمة, إلا أن يشاء جميع الورثة قضاء الدين من أموالهم وإقرار القسمة على حالها, فيكون ذلك لهم. فأما الوصية إذا قال الورثة بعد القسمة: نحن نخرج قمية ثلث الأرض بيننا بالحصص ونقر القسمة على حالها, فهل يجوز ذلك لهم أم لا؟ على وجيهن: أحدهما: يجوز, كما جاز في الدين. والوجه الثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن المستحق بالوصية بعض الأرض, فتبطل القسمة, ثم إن اختار الورثة ابتياع الثلث

стр. 512

بعد ذلك وإعادة القسمة, كان جائزا, إلا أن يكون الموصي وصى ببيع الثلث وإخراج ثمنه في الوجوه التي ذكرها في كتاب وصيته, فيجوز للورثة ابتياعه من الوصي على الإشاعة, ووزن ثمنه بالحصص, وإقرار القسمة على حالها وجها واحدا. ولا يقسم إلا على بالغ عاقل حاضر, أو على وكيل له ثابت الوكالة منه جعل إلى المقاسمة عنه. ولا يقسم على غائب لا وكيل له حاضر, ولا على يتيم إلا أن يقاسم عنه وليه أو وصيه, إذا كان في القسمة مصلحة له.

стр. 513

قتال أهل البغي قال الله : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩]. فإذا خرجت فئة على الإمام العادل, وبغت عليه, ونصبت إماما, أو خرجت عن طاعته, وأظهرت مشاققته, اجتهد في استصلاحها وردها عن بغيها بأرفق الأمور, وسئلت: ماذا نقمت, وما دعاها إلى الخروج؟ فإن ذكرت ما يوجب مظلمة أزيلت, وإن لم تذكر شيئا من ذلك أمرت بالعود إلى طاعة الإمام, فإن أبت لم تقاتل حتى تؤذن بالقتال. فإن أقامت على البغي بعد ذلك حل قتالها. قال أحمد ابن حنبل ﵁: السلطان ولي من حارب الدين كالخرمية ونحوهم. فإذا قوتل البغاة, فمن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين. ولا تخمس أموالهم, ولا تسبى ذراريهم, ولا تباح أموالهم, ولا يجاز على جريحهم. ومن قعد من الفئة الباغية عن القتال لم يقاتل ولم يقتل. كذلك روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه قال: ألا لا يتبع مدبر, ولا يذفف على جريح.

стр. 514

وإن رجع البغاة عن البغي بعد القتال قبل منهم, كما لو رجعوا قبل القتال. وما أصابوه من دم أو مال في حال المعترك لم يطلبوا به, إلا أن يوجد المال بعينه. ومن قتل من أصحاب الإمام العادل كان شهيدا. وما جباه البغاة من خراج بلد تغلبوا عليه احتسب بذلك الإمام لأهل البلد إذا قدر عليه, ولم يعد عليهم به. ولا ينقض من أحكامهم ما لم يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع. قال أحمد: وكذلك يقاتل الإمام الحرورية إذا دعت إلى دينها وما هي عليه. فأما إذا اجتمعت فئة ممتنعة غير متأولة لا تدعو إلى نفسها, ولا إلى الإمام, فأصابت مالا أو دما, فليس حكمها حكم الفئة الباغية, بل حكمها حكم قطاع الطريق على ما بينت من أمرهم, لا يسقط عنهم ما أصابوا من الأموال والأنفس. والخوارج كلاب أهل النار. كذلك قال أحمد بن حنبل ﵁, لحديث فيهم من عشرة أوجه: "الخوارج كلاب أهل النار". والحكم فيهم ما قال علي بن أبي طالب ﵁ حين سمع رجلا في ناحية المسجد يقول: لا حكم إلا لله, فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل. لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم مساجد الله تذكرون فيها اسم الله , ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نبدؤكم بقتال. ولو كان على البغاة وال من قبل الإمام العادل, فقتلوه من قبل أن ينصبوا إماما, كان عليهم في ذلك القصاص في معنى قوله. وهو قول علي ﵇.

стр. 515

ولو أسر بالغ من الرجال الأحرار من الفئة الباغية, وحبس إذا خشي منه, ليكف شره عن المسلمين, جاز. ولو خاف الإمام العادل الضعف كان له تأخير قتالهم حتى تمكنه القوة عليهم. ولو استعان أهل الفئة الباغية بأهل الحرب على قتال أهل العدل, قتل أهل الحرب وسبوا, ولا تكون استعانة البغاة بهم على قتال أهل العدل, أمانا لهم. قال أصحابنا: ولو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل, كان نقضا لأمانهم. فإن استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتال أهل العدل, فقاتلوا معهم, فعلى وجهين: أحدهما ذلك نقض لعهدهم؛ لأن من قاتل المسلمين من أهل العهد فقد عاد حربيا. والوجه الآخر: لا يكون ذلك نقضا لعهدهم. والأول أظهر, إلا أن يدعوا الجهل, فيقولوا: كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن قتالها مباح, كما إذا حملنا المسلمون على قتال قطاع الطريق. أو قالوا: لم نعلم أن من حملونا على قتالهم مسلمون, فلا يكون هذا نقضا للعهد وجها واحدا. ويؤخذون بكل ما أصابوا من دم أو مال. وإن قتل رجل من أهل العدل ذا رحم محرم من أهل البغي, أو قتله الباغي في المعترك, قال بعض أصحابنا: إنهما يتوارثان. وحكاه عن أحمد ولم يسم ناقل المسألة عنه. والذي يقتضيه المذهب عندي: أن العادل إذا قتل الباغي في المعترك ورثه؛ لأن التأويل يسعه, كما لو أقاده بوليه لم يكن القود مانعا من الميراث. وكما قال أحمد فيمن شهد على ذي رحم محرم منه بالقتل أو الزنى فقتل بشهادته: إنه لا يكون بذلك قاتلا ويرثه. ومن أريد ماله أو دمه أو حريمه, فله أن يقاتل ويدفع عن نفسه, وإن أتى ذلك الدفع على نفس من أراده, وإن قتل هو كان شهيدا, قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 516

وسلم: "من قتل دون ماله, فهو شهيد".

стр. 517

قتال أهل الردة وإذا أسلم فريق من الكفار, ثم ارتدوا عن الإسلام إلى أي كفر كان في دار الإسلام أو دار الحرب وهم مقهورون, أو قاهرون في موضعهم الذي أريدوا فيه, أو في غيره, فعلى المسلمين أن يبدؤوا بجهادهم قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط, فإذا ظفروا بهم استتابوهم ثلاثا على ما بينت, فمن تاب منهم حقن دمه, ومن لم يتب قتل بالردة, وسواء في ذلك الرجل والمرأة والعبد. وما أصاب أهل الردة من المسلمين في حال الردة, أو بعد إظهار التوبة وهم ممتنعون في قتال أو غير قتال فسواء. والحكم عليهم كالحكم على المسلمين, لا يختلف في فعل ولا قود. وعليهم ضمان ما يصيبون من الأموال. وما أصاب منهم المسلمون في حال ردتهم من نفس ومال, فلا ضمان عليهم. فإن أسلموا وقد قتلوا منا مسلما خطأ, ودوه, وإن كان عمدا, كان عليهم القصاص.

стр. 518

صَوْل الفحل وإذا صال الفحل على رجل وطلبه, فلم يقدر على دفعه عنه نفسه إلا بقتله, لم يكن عليه ضمان قيمته, ولا تكون حرمته أعظم من حرمة مالكه لو طلب نفس رجل أو ماله, أن له أن يدفعه عن نفسه, وإن أتى الدفع على نفسه بضرب أو غيره. فإن عض قفاه فلم تنله يداه, ولم يقدر على ضرب فيه لتخليص نفسه منه, فبعج بطنه بسكين. أو فقأ عينيه بيديه, ليتخلص منه, لم يكن عليه ضمان. قد رفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ جارية كانت تحتطب, فاتبعها رجل, فراودها عن نفسها, فرمته بفهر أو حجر فقتلته, فقال عمر ﵇: هذا قتيل الله, والله لا يودى أبدا.

стр. 519

باب جمل من الفرائض والسنن المؤكدات والرغائب والآداب الوضوء للصلاة عن حدث فريضة, وهو مشتق من الوضاءة, والمضمضة والاستنشاق فريضة في الأظهر من قوله. وقيل عنه: إنها سنة. والمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم سنة. ومسح الأذنين بماء جديد سنة. والسواك سنة, مرغب فيها في سائر أوقات الصلوات, مكروه للصائم بعد الزوال. والمسح على الخفين رخصة وتخفيف. والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة. وغسل الإسلام فريضة. وغسل الجمعة والعيدين سنة. وغسل الميت فريضة, يحمله من قام به, وكذلك حمله, والصلاة عليه, ودفنه. والصلوات الخمس في كل يوم وليلة فريضة, وتكبيرة الإحرام فريضة, لا يختلف قوله فيها, وباقي التكبير سنة في الأظهر من قوله. والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة. ولا يصح الأداء بنية القضاء, ولا القضاء بنية الأداء. ورفع اليدين في الصلاة إلى فروع الأذنين أو إلى حذو المنكبين سنة. ورفع اليدين في دعاء الاستسقاء في حالة التوجه مسنون.

стр. 520

وقراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على الإمام والمنفرد فريضة, وما زاد عليها سنة. والقراءة على المأموم غير واجبة, مستحبة له في حال الإسرار وسكتات الإمام, مأمور بالإنصات في حال الجهر. والتوجه إلى الكعبة؛ والقيام في الصلاة, والركوع والرفع منه, والسجود, والجلسة بين السجدتين فريضة. والجلسة الأولى, والتشهد الأول مسنون. وقيل عنه: إن ذلك فريضة. والجلسة الثانية فريضة قولا واحدا, والتشهد الثاني فريضة, والصلاة على النبي ﷺ فيه فريضة في إحدى الروايتين. والسلام فريضة. وترك الكلام في الصلاة فريضة. والقنوت في صلاة الصبح بغير سبب محدث. وصلاة الجمعة, والسعي إليها فريضة. والوتر سنة مؤكدة. وصلاة العيدين من فروض الكفايات. وقيل عنه: إنها وصلاة الخسوف والاستسقاء من السنن المؤكدات. وصلاة الخوف واجبة أمر الله تعالى بها, وهو مما يستدركون به فضل الجماعة. والجمع بين الصلاتين ليلة المطر تخفيف قد فعله الخلفاء. والجمع بعرفة ومزدلفة سنة مؤكدة, وجمع المسافر إذا جد به السير رخصة, وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف. وجمع المستحاضة إذا اختارت الجمع بالغسل يجوز. وقصر الصلاة في السفر, والفطر فيه رخصة مستحبة عنده, وهي أفضل من الإتمام والصوم. والأمران جائزان. وركعتا الفجر من السنن المؤكدات. وكذلك الركعتان بعد الظهر وبعد

стр. 521

المغرب. وكذلك الركعتان بعد العشاء قبل الوتر. وركعة الوتر مفصولة مما قبلها. والقنوت فيها بعد الركوع. وصلاة التطوع بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس, وبعد صلاة العصر قبل غروب الشمس منهي عنها, وسواء أكان لها سبب أو لا سبب لها. وقيام شهر رمضان سنة حسنة, فيها فضل كبير. ومن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن أوتر في قيام رمضان مع إمامه كتب له قيام ليلة. وقيام الليل من النوافل المرغب فيها. وأفضل الليل آخره. و "من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". وفي قيام أول ليلة من رجب, وليلة النصف من شعبان, وليلة عاشوراء فضل عظيم. ومن صلى بعد صلاة المغرب ست ركعات حاز فضلا كبيرا. والصلاة على موتى المسلمين من فروض الكفايات. وطلب العلم فريضة يحملها من قام بها. وعلم أصول التوحيد فريضة على الأعيان, والأخذ فيه بما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ , وما ثبت من قبول أئمة السلف ﵈, وترك القول بما أحدثه المحدثون. والجهاد فريضة يحملها من قام بها, إلا أن يغشى العدو محلة قوم, فيجب على جماعتهم قتاله فرضا. والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به. وصوم شهر رمضان فريضة على الأعيان. والاعتكاف سنة, والتنفل بالصوم مرغب فيه, وهو جنة. وروي: "إن للجنة بابا يقال له: الريان, لا يدخل منه إلا

стр. 522

الصائمون". وفي صوم رجب وشعبان فضل كبير. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "في الجنة نهر يقال له: رجب, من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر". والاختيار عن أحمد ابن حنبل ﵁: أن يصوم بعضه ويفطر بعضه؛ لكيلا يشبَّه بالفرض. وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة, وصوم يوم عرفة كفارة سنتين ماضية ومستقبلة, وصوم عرفة والتروية لغير الحاج أحسن منه للحاج. وزكاة العين والورق والحرث والماشية والثمار فريضة, وزكاة العروض المبتغى بها التجارة فريضة. وزكاة الفطر فريضة. والحج والعمرة فريضة مرة واحدة في العمر كله. والنية بالحج فريضة, والتلبية سنة, وطواف الإفاضة فريضة, والسعي بين الصفا والمروة فريضة, وقيل عنه: إنه سنة, والإهلال بالحج فريضة. وقيل عنه: سنة. وطواف الورود سنة, وكذلك طواف الوداع, والمبيت ليلة عرفة بمنى سنة, والجمع بعرفة واجب, وقيل: سنة مؤكدة, والوقوف بعرفة فريضة في يوم عرفة, أو ليلة مزدلفة إلى قبل طلوع الفجر الثاني, وبه إدراك الحج. ومن لم يدرك الوقوف بها أحد هذين الزمانين ولو أقل القليل وهو يعقلها, فقد فاته الحج. ومبيت مزدلفة سنة, ووقوف المشعر سنة, ورمي الجمار سنة. والحلاق سنة. وتقبيل الركن سنة, والغسل للإحرام سنة, والركوع عند الإحرام مستحب,

стр. 523

والغسل لدخول مكة مستحب, والطيب قبل الإحرام, وعند الإحلال مستحب. والصلاة في الجماعة واجبة على القادر على إتيانها, وهي تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة, وروي: بخمس وعشرين, والصلاة في المسجد الحرام بمكة بمئة ألف صلاة, والصلاة في مسجد النبي ﷺ بخمسين ألف صلاة, والصلاة في بيت المقدس بخمس وعشرين ألف صلاة. وصلاة النوافل في البيوت أفضل منها في غيرها, لقوله ﷺ : "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم, ولا تتخذوها قبورا". وفضل الصلاة النافلة بمكة والمدينة وبيت المقدس على غيرها من المواضع كفضل صلاة الفرض فيها على غيرها, إن شاء الله. والصلاة في المقبرة, والمنحرة, والحمام, وأعطان الإبل والحُشِّ, وظهر الكعبة, وقوارع الطرق منهي عنها. والطواف بالبيت صلاة لا يجوز على غير وضوء.

стр. 524

ومن الفرائض: غض البصر عن المحارم, وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج, ولا في النظر إلى العجوز البرزة الهمة, ولا في النظر إلى الشابة لعذر عند الشهادة عليها للشيوخ المأمومين, وقد أرخص في ذلك للخاطب. ومن الفرائض: صون اللسان عن الكذب, والزور, والفحشاء, والغيبة, والنميمة, والباطل كله. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". وقال رسول الله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها. ولا يحل دم المسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه, أو يزني بعد إحصانه, أو يقتل نفسا بغير نفس أو يمرق من الدين. وواجب على كل أحد كف يده عما لا يحل له من مال, أو جسد, أو دم, ولا يسعى بقدمه فيما لا يحل له, قال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾. [المؤمنون: ١ - ٧]. وحرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن, وأن تقرب النساء في دم حيضهن, أو دم نفاسهن, وأباح الاستمتاع في تلك الحال بهن فيما دون فروجهن, فيما فوق الإزار وتحته. ونهى رسول الله ﷺ عن

стр. 525

إتيانهن في أعجازهن. وأباح إتيانهن في حال الطهر في فروجهن من بين أيديهن ومن خلفهن. وحرم ﷺ متعة النساء. وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا له بما يغني عن إعادته. وأمر الله تعالى بأكل الطيب, وهو الحلال, فلا يحل لأحد أن يأكل إلا طيبا, ولا يشرب إلا طيبا, ولا يركب إلا طيبا, ولا يستعمل سائر ما ينتفع به إلا طيبا. ومن وراء ذلك أمور متشابهات من تركها سلم, ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحرم الله تعالى أكل المال بالباطل, ومن الباطل الغصب, والتعدي, والخيانة, والربا, والسحت, والقمار, والغرر, والغش, والخديعة والخلابة, وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير, وما أهل لغير الله به, وما ذبح على النصب, وما أعان على موته ترد من جبل, أو وقذة ببندقة, أو عصا أو حجر, وما في معنى ذلك. والمنخنقة بحبل أو غيره, إلا أن يضطر إلى ذلك, كالميتة. وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حيلة بعده, فلا ذكاة فيها. ولا بأس للمضطر في السفر أن يأكل من الميتة بقدر ما يزيل الاضطرار ويأمن معه الموت. وقيل: بل له أن يأكل منها حتى يشبع. والأول عنه أظهر وأصح. والخنزير نجس العين حيا وميتا, وشعره وكل شيء منه حرام ونجس. وكذلك الكلب حرام نجس العين. والخمرة حرام نجسة العين, وحرم الله سبحانه شرب قليلها وكثيرها, وكان شرابهم يوم حرمت الفضيخ: التمر والبسر. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 526

أن ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام. وكا ما خامر العقل فأسكر من كل شراب فهو خمر. وقال رسول الله ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". ونهى عن الخليطين من الأشربة. وذلك أن يخلط عند الانتباذ وعند الشرب. وقال أحمد ابن حنبل ﵁: من شرب خليطين فكأنه أكل لحم خنزير ميت؛ لأن المسكر حرام. ونهى ﷺ عن الانتباذ في الدباء والحنتم, والنقير والمزفت, وأرخص في الانتباذ في الأسقية غير المسكر. ثم روي عنه ﵇ أنه أرخص في الانتباذ في سائر الأوعية, وقال: "ألا إن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه فانتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر". ونهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع, ومخلب من الطير, وعن أكل لحوم الحمر الأهلية. والبغال في معناها محرمة أيضا. ولا ذكاة في شيء منها. وكل ما لا تعمل الذكاة في إباحة لحمه لا تعمل في طهارة جلده. وتصح الذكاة في الحمر الوحشية وأكلها حلال. ومن الواجب بر الوالدين وإن كانا فاسقين. وطاعتهما في غير معصية الله . فإن كانا كافرين فليصاحبهما في الدنيا معروفا, ولا يطعهما في كفر, ولا في

стр. 527

معصية الله , فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. وعلى الوالد أن يعلم ولده الكتاب, وما يقيم به دينه من فرائضه وسننه, والسباحة, والرمي, وأن يورثه طيبا. وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين, وأن يصل رحمه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من أحب أن ينسأ في أثره, أو يزاد في رزقه, فليصل رحمه". وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم. وفرض عليه النصيحة لإمامه, وطاعته في غير معصية الله , والذود عنه, والجهاد بين يديه إذا كان فيه فضل لذلك, واعتقاد إمامته, فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. وإن بات ليلة لا يعتقد فيها إمامته, فمات على ذلك, كانت ميتته ميتة جاهلية. ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه. كذا روي عن النبي ﷺ . ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه, ويعوده إذا مرض, ويشمته إذا عطس فحمد الله, ويشهد جنازته إذا مات, ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية. ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. والسلام عليه يخرجه من الهجرة. ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام عليه. والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو مجاهر بالكبائر, ولا يصل إلى عقوبته, ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها. ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما, ولا فيما يشاور فيه من النكاح, أو مخالطته. ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك, وتعطي من حرمك, وتصل من قطعك.

стр. 528

وأفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح. يريد -والله أعلم- المعادي المباغض. وحسن الجوار مأمور به مرغب فيه. فإن للجار حقا وحرمة. وليس حسن الجوار كف الأذى عن الجار, ولكن تحمل الأذى من الجار ما لم يعص الله . ولا يحل لأحد أن يتعمد سماع الباطل كله, ولا أن يتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل له, ولا يسمع شيئا من الملاهي والغناء, ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة, كترجيع الغناء, وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار, وترتيل, وحضور الهمة, وما يوقن أن الله سبحانه يرضى به, ويقرب منه, مع إحضار الفهم لذلك, وقراءة الإدارة, وتقطيع حروف القرآن مكروه عنده. ومن الفرائض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, على كل من بسطت يده في الأرض, وعلى كل من تصل يده إلى ذلك, فمن عجز عن ذلك بيده فبقلبه, ولسانه, فإن لم يقدر, فبقلبه. وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمر وجه الله الكريم. ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله. والرياء: الشرك الأصغر. والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار. والإصرار: المقام على الذنب, واعتقاد العود إليه أو إلى مثله. ولا صغيرة مع إصرار, ولا كبيرة مع استغفار. وقد روي: "هلك المصرون قدما قدما إلى النار".

стр. 529

ومن التوبة: رد المظالم, واجتناب المحارم, والنية ألا يعود, ويستغفر ربه, ويرجو رحمته, ويخاف عذابه, ويتذكر نعمته, ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه, وترك ما يكره فعله, ويتقرب إليه بما يسره له من نوافل الخير. وكلما ضيع من فرائضه فليتب إلى الله من ذلك, وليفعله الآن, ويرغب إلى الله في تقبله, ويتوب إليه من تضييعه, وليلجأ إليه جل اسمه فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره, موقنا أنه المالك لصلاح شأنه, وتوفيقه وتسديده, لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح. ولا ييأس من رحمة الله والفكر في أن الله تعالى مفتاح العبادة, ويعلم أنه لا يقدر على شيء إلا ما قدره الله عليه ويسره له. واستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده, وفي نعمة الله عليك, وإمهاله لك, وأخذه لغيرك بذنبه, وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك والمبادرة بالتوبة فعسى أن يكون قد قرب أجلك.

стр. 530

باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك ومن الفطرة عشر, خمس منها في الرأس, وخمس في الجسد. فأما التي في الرأس: فالمضمضة, والاستنشاق, والسواك, وقص الشارب, وهو طرف الشعر المستدير على الشفة. وإحفاؤه أحب إلينا؛ لقول النبي ﷺ : "أحفوا الشوارب", وفرق الرأس. وأما التي في الجسد: فقص الأظافر, وحلق العانة, ونتف الجناحين, والاستنجاء, والختان, وهو سنة للرجال, والخفاض, وهو مكرمة للمرأة. وأمر بإعفاء اللحى, فالأفضل أن توفر ولا تنقص إلا ما زاد منها على القبضة, فلا بأس بأخذ الزيادة لمن أحب ذلك. ويكره صباغ الشعر بالسواد, ولا بأس به بالحناء والكتم. ونهى رسول الله ﷺ الرجال عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد. ولا بأس بالفضة في حلية خاتم الرجل,
следующие страницы →