← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ابن هبيرة لكتابه "الإفصاح" بسم الله الرحمن الرحيم (صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه): الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد الطاهرين؛ ورضي الله عنه الصحابة والتابعين. أما بعد: فإني كنت شديد العزم إلى رواية كتاب يشتمل على أحاديث رسول الله ﷺ المشهود لها بالصحة من علماء الأحاديث، وأن نذكر فقه الحديث أيضا في ذلك الكتاب ولاسيما [ما عدا] ما قد فرغ العلماء منه: كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والبيوع، والرهن، والإجازة؛ وغير ذلك من أبواب الفقه التي يشير الناس إليها، مما استقرت فيه المذاهب، وانتهت إليه الأمور؛ بل فيما عدا ذلك؛ لأنه قد تشتمل الأحاديث على الأمور المهمة والشؤون اللازمة في الدين، وفيما يرجع إلى العبادات والإخلاص فيها والآداب لها، وغير ذلك من أعمال الآخرة وتزكية النفوس؛ فجعلت أتتبع الكتاب المسطورة في هذا، وأرى كلا من العلماء قد أتى بغرض قصده وأوفض إليه، إلا أنه لم أجد في ذلك كتابا حاويا لما كانت تتطلع إليه نفسي حتى أتيت بكتاب

стр. 2

(التمهيد) لابن عبد البر الأندلسي ﵀؛ فرأيت كتابا نفيسا، إلا أنه اقتصر فيه على الأحاديث المروية في الموطأ عن مالك ﵁، على أنه في بعض الأماكن لم يستقص كل ما في نفسي، وفي بعض الأماكن أفرط شيئا وأكثر على شرح خلاف الفقهاء المفروغ منه. ثم إني رأيت إجماع المسلمين على الكتابين الصحيحين اللذين انتدب لتخريجهما الإمامان الكبيران: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، وأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، وأنه لا كتاب في الحديث على الإطلاق يفضل عليهما، فرأيت أن أجعلهما مستندا لما أقصده مما ذكرته. وكان قد انتدب (٢/ ب) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر

стр. 3

الحميدي ﵀، للجمع بين هذين الكتابين في كتاب سماه (الجمع بين الصحيحين) أحسن في تألفه، وربته على أسماء الرجال. وكنت قد سمعته على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الهروي في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بالدور عن الحميدي المصنف ﵀، سماعا له منه في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وقد ذكر الحميدي إسناده في هذين الصحيحين في آخر الكتاب، فقال: (فأما إسنادنا في هذين الكتابين، فقد روينا كتاب الإمام أبي عبد الله البخاري بالمغرب عن غير واحد من شيوخنا بأسانيد مختلفة تتصل بأبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، ثم قرأته بمكة- أعزها الله تعالى- على المرأة الصالحة كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزي غير

стр. 4

مرة لعلو إسنادها فيه؛ كما قرأناه على أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن أبي الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن زراع الكشميهني عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري عن البخاري رحمة الله عليه. وأما كتاب مسلم فسمعناه بالفسطاط قراءة على الشيخ الصالح أبي عبد الله بن الفرج بن عبد الولي الأنصاري، وهو روايته عن أبي العباس أحمد بن الحسن الحافظ الرازي، سمعه منه بمكة سنة ست وأربعمائة، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي، قال: حدثنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، قال:

стр. 5

سمعته من الإمام مسلم بن الحجاج. على أننا لم نغفل النظر في كتاب كريمة لروايتنا ذلك عنها، ولا في كتاب أبي ذر الهروي لسماعنا ذلك عنه من أبي مروان عبد الملك بن سليمان الخولاني، وأبي الفتح أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي عنه، وفيما أخبرونا به عن البرقاني، وفي (٣/ أ) نسخة مسلم المقروءة على شيخنا أبي عبد الله بن الفرج الأنصاري، وأمعنا النظر في ذلك في كل نسخة وجدناها من النسخ في ذلك كله، وأثبتنا منها ما رأينا أنه ينتفع الناظر فيه، ولا توفيق إلا بالله !! هذا آخر ما ذكره الحميدي من الإسناد. قال يحيى بن محمد: وقد حدثنا الصالح أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الهروي ﵀ بجميع كتاب الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري ﵁ من أوله إلى خاتمته؛ قراءة عليه. ونحن نسمع ببغداد في مجالس آخرها يوم السبت التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.

стр. 6

قيل له: أخبركم الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهيل بن الحكم الداودي قراءة عليه، وأنت تسمع في شوال وذي القعدة من سنة خمس وستين وأربعمائة؟ فأقر به. وقال: نعم، مرارا. قال حدثنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه بن أحمد بن يوسف بن أعين السرخسي قراءة عليه، وأنا أسمع في صفر، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري قراءة عليه وأنا أسمع بفربر سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري ﵁، فذكر الكتاب. وسماع الفربري لهذا الكتاب من البخاري مرتين: مرة بفربر في سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخاري في سنة اثنتين وخمسين ومائتين. وهذا الكتاب رزقناه بحمد الله سبحانه من هذا الطريق عاليا، وهو من أحسن الطرق مع علوه؛ فإن الحميدي قد قرأه على كريمة مغتنما لعلوها فيه، وكأننا سمعنا من الحميدي وممن قبله من الأشياخ: كأبي بكر الخطيب،

стр. 7

والشريف أبي الحسين (٣/ ب) بن المهتدي وتشافهنا به، وقد توفيا، أعني الخطيب وابن المهتدي، بعد الستين والأربعمائة جميعا، الخطيب سنة ثلاث وستين، وابن المهتدي سنة خمس وستين، إذ شيخنا مساوٍ لهما في الرواية. وأما كتاب مسلم فأنبأ الشريف الزاهد: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي المكي قراءة عليه، ونحن نسمع في مجالس آخرها في شعبان من سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة من أوله إلى أثناء كتاب الصلاة إلى الحديث الذي هو عن سهل بن سعد الساعدي أنه كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة: إلى هنا انتهى السماع منه. وأخبرنا بباقي الكتاب إجازة، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري قراءة عليه، وأنا أسمع بمكة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة قال حدثنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي قراءة عليه وأنا أسمع قال حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي قراءة عليه وأنا أسمع قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان قال: سمعت مسلم بن الحجاج أبا الحسين الإمام، فذكر الكتاب.

стр. 8

وأخبرنا بكتاب مسلم الصحيح أيضا، الشيخ الفقيه أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري ﵀ مناولة لي من يده إلى يدي سنة خمس وعشرين وخمسمائة مجيزا لي بإسناده، قال:؛ حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد صباغ الأصبهاني ثم النيسابوري بقراءاتي عليه بأصبهان في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وأربعمائة من أول الكتاب إلى آخر الجزء الخامس والعشرين من أجزاء الأصل إلى حديث النبي ﷺ أنه كان يقول: (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) آخر باب ما كان النبي ﷺ يقول يوم أحد: (كذا في الأصل يوم أحد). قال شيخنا سعد الخير الأنصاري ومن هنا إلى آخر الكتاب حدثنا به (٤/ أ) أبو الحسن المذكورة إجازة، قال: حدثنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي بقراءة حسين بن أحمد السمرقندي في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. قال: حدثنا أبو أحمد الجلودي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: سمعت الإمام أبا الحسين مسلم بن الحجاج يقول، فذكر الكتاب. وقد أخبرتنا الشيخة فاطمة أم الخير بنت علي بن الحسين العجلانية في كتابها من نيسابور قالت: إن أبا الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر

стр. 9

الفارسي أخبرها قراءة عليه وهي تسمع في سنة كذا فرأيت أن استقرئ الأحاديث من كتاب الحميدي إذ أراحني ﵀ بتعبه وفرغني بدأبه، وبالله التوفيق.

стр. 10

صفحة فارغة

стр. 11

١ مسند أبي بكر الصديق ﵁ واسمه عبد الله بن عثمان. أخرج له في الصحيحين ثمانية عشر حديثا. المتفق عليه منها ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بواحد. - ١ - الحديث الأول: (مما اتفق البخاري ومسلم عليه): [عن عبد الله بن عمر بن العاص أن أبا بكر قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)].

стр. 12

في هذا الحديث من الفقه: * أن الدعاء في الصلاة جائز؛ لقول أبي بكر ﵁: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؛ ولم ينكر عليه. * وفيه أيضا أنه لا يدعى في الصلاة إلا بما ورد في الأخبار، لأن أبا بكر ﵁ لم يستجز أن يدعو في الصلاة إلا بما يتلقنه من رسول الله ﷺ ، فأما غير الصلاة فيدعو فيها بما يشاء. * وفيه من الفقه أيضا أن الدعاء على الإطلاق ينبغي أن (٤/ ب) يتوخى به النطق المأثور عن رسول الله ﷺ ، وأن لا تواجه عظمة الرب سبحانه إلا بالآداب النبوية المؤيدة بالعصمة. * وفيه أيضا من الفقه أنه قال: (قل اللهم) وهذا الاسم، هو الاسم الأعظم من حيث إنه الأشهر والأظهر، ولذلك يقال: السواد الأعظم، أي الأشهر والأظهر، ولهذا الاسم خصائص منها لحوق هذه الميم في النداء به، وليس في الأسماء كلها ما تلحقه هذه الميم في النداء غيره. * وفي العربية أنه عوض من حرف النداء، إلا أنه قد جاء في الشعر الجمع بينها وبين حرف النداء للضرورة. ومن خصائصه أيضا لحوق ياء القسم به، وأنه المراد بقوله ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أي هذا الاسم هو قولنا (الله نور السموات والأرض)، فله يتراحم المتراحمون، وبخوفه يكف الظالمون، ويهدد المسرفون، ويأمل الخلف المتصدقون. وقوله: (إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) فيه من الفقه: * أن رسول الله ﷺ أصل له هذا الحديث تأصيلا عاما شاملا لكل دعاء، وبيان

стр. 13

ذلك أن الطلب من الله يناسبه ويلائمة الافتقار إليه، والحاجة والمسكنة، كما يباينه وينافيه الإدلال والتغاني في الركون إلى نوع عبادة أو طاعة؛ فإذا اعترف الطالب لله بأنه قد أتى ما مقتضاه الفقر والحاجة إلى فضله وعفوه، استهدف لعطائه ونزول شابيب رحمته. وقال له: قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم). يعني ﷺ : أنك إذا تطهرت من ظلم نفسك، وغفر لك ورحمك، كانت هذه مقدمات بين يدي طلبك، فحسن حينئذ منك الطلب، ولم يصادف العطاء حاجزا من ظلم يمنع نيل العهد الذي ذكره سبحانه في قوله (٥/ أ): ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ ولا ذنب لم يمح بعد فيكون الاشتغال بمحوه عند المؤمن أهم من الطلب لغيره، فكأنه ﷺ يقول له: فإذا دعوت بهذا الدعاء انتحت الحواجز بينك وبين العطاء، فاطلب حينئذ ما شئت، وادع بما أردت. * ثم فيه أيضا أنه قال: (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) فجاء بذكر الظلم على نطق النكرة، ولم يعرفه بالألف واللام، فكان ينصرف إلى الظلم الذي هو الشرك، فلما أسند المغفرة إلى الله قال: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فجمعها بالألف واللام فقال: (الذنوب) والمراد بها الذنوب المعروفة المشهورة. ثم قوله: (فاغفر لي مغفرة من عندك) المعنى أنها لا تكون بسبب من عندي فتفنى وتنقضي؛ لأنه كل ما يكون مطلعه من فان فإنه يفنى ويضمحل، إنما المراد أن تكون المغفرة من الله الباقي فتبقى. ثم قال بعد ذلك (وارحمني) إذ الغفر في وضع اللغة: الستر والتغطية، فقد يغطى الشيء ولا تعقبه الرحمة، وقد يستر الأمر ولا يمحوه الصفح. فلما قال: فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، كان طلبا لمحو السيئة وتطييب أثرها.

стр. 14

* ثم قال: (إنك أنت الغفور الرحيم) فقوله (إنك) الكاف في خطاب الله تعالى والتاء أيضا في أماكن إسناد النعم إليه: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، فلما جاء إلى ذكر الغضب قال: (غير المغضوب عليهم) وإلى الضلالة قال: (ولا الضالين). وقال: (إنك) بالكاف ثم ألحقها بقوله: (أنت)، وهو عماد عند الكوفيين. * وفيه فائدة فوق قولنا: (إنك أنت الغفور الرحيم) لأن المعنى بقوله: إنك أنت الغفور الرحيم، أنه تعيين لهذا المعنى، أنه ليس لغيرك، فكأنه قال: لا غفور ولا رحيم على الحقيقة غيرك. - ٢ - الحديث الثاني: من المتفق على إخراجه: [رواه أنس بن مالك، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: (٥/ ب- الصحيفة اليسرى من المخطوطة) نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟]. في هذا الحديث من الفقه: * إثبات الصحبة لأبي بكر ﵁ في حال شهد رسول الله ﷺ بأنه ليس لهما ثالث إلا الله. * وفيه أيضا أن أبا بكر ﵁ لما أقلقه الحذر على رسول الله ﷺ قال: (لو

стр. 15

أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا) فلم يكن جواب النبي ﷺ راجعا إلى الاعتضاد بمخلوق ولا الاستغناء ببشر؛ ولكن قال له: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فرده من التعلق بالأسباب المخلوقة إلى خالق الأسباب.# * وفي هذا الحديث من الفقه أيضا ما يدل على فضيلة أبي بكر ﵁، فإنه لم يقل له إن الله تعالى ثالثنا في هذه الحالة خاصة ولا في الغار خاصة؛ ولكن قال له: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) أبدا. * وفيه أيضا أن الهرب من المخوف مشروع، ولا يكون ذلك نقصا في إيمان المؤمن، وعلى هذا يحمل هرب موسى ﵇ من العصا حين انقلبت حية، وتوليه منها هاربا، وليس كما يقول بعض الناس إن ذلك من البشرية، ولكن موسى ﵇ لم ير أن يترك الشرع في ذلك المقام بين يدي الله فهرب من المخوف شرعا. والدليل على ذلك أنه لما قال له سبحانه: ﴿خذها ولا تخف﴾ انقلب الشرع في حقه حينئذ إلى أن لا تخاف منها. ولذلك جاء في الحديث أنه أدخل يده في فيها، فتواري رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ في الغار دليل على أن الهرب من المخوف مشروع، وأن فعله ﷺ سنة وشريعة. * وفيه أيضا (٦/ أ) تذكير بنعمة الله لأنه بقي بما يشاء إذ جعل في ذلك الوقت السد بين نبيه ﷺ وصاحبه نعال المشركين بتشبيث أقدامهم فقال له: (لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا) فجعل السد الحائل منع أحدهم أن ينظر إلى قدمه. وذكر ابن جرير في هذا الحديث أن قوله: (لوأن أحدهم نظر إلى قدميه

стр. 16

أبصرنا) قال: فيه إباحة قول الرجل: (لو كان كذا لكن كذا) إن لم يرد به أن يكون قطعا شاء الله ذلك أو لم يشأ. كقولهم: لو أمطرت السماء لأعشبت الأرض. ويؤكد قول ابن جرير: قوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾، وقوله: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾. - ٣ - الحديث الثالث: (حديث الرحل): (عن البراء بن عازب قال: جاء أبو بكر ﵁ إلى أبي في منزلة فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي، فقال أبي: احمله، فحملته. وخرج أبي معه ينتقد ثمنه فقال له أبي: يا أبا بكر! كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم؛ أسرينا ليلتنا كلها، حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق

стр. 17

فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا، ينام فيه رسول الله ﷺ في ظلها. ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله! وأنا أنفضلك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيته، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من أهل المدينة. فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم، فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى. قال: (فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض)، فحلب لي في فعب معه (٦/ ب) كثبة من لبن. قال: ومعي إداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ليشرب منها ويتوضأ. قال: فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه من نومه؛ فوقفت حتى استيقظ. (وفي رواية: فوافقته حين استيقظ). فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله. فقلت: يا رسول الله: اشرب اللبن. فشرب حتى رضيت. ثم قال لي: (ألم يأن للرحيل؟). قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض. فقلت: يا رسول الله، أتينا .. فقال ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فارتطمت فرسه إلى بطنها- أرى-.

стр. 18

فقال: إني علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أراد عنكما الطلب. فدعا رسول الله ﷺ الله فنجا. فرجع لا يلقى أحدا إلا أن يقول: قد كفيتم ما ههنا .. ولا يلقى أحدا إلى رده، ووفى لنا. وفي رواية: أن سراقة قال: وهذه كنانتي، فخذ سهما منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك. فقال: (لا حاجة لي في إبلك). فقدمنا المدينة ليلا، فتنازعوا؛ أيهم ينزل عليه؟! فقال: (أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب؛ أكرمهم بذلك). فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق. ينادون: يا محمد، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله. وفي رواية: جاء محمد، جاء رسول الله. وفي رواية قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها يقبل خدها .. وقال: كيف أنت يا بنية؟ وفي رواية البراء: قال أبو بكر لما خرج مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة: (مررنا براع، وقد عطش رسول الله ﷺ (٧/ ب)، قال أبو بكر الصديق: فأخذت قدحا فحلبت فيه لرسول الله ﷺ كثبة من لبن فأتيته بها فشرب حتى رضيت]. رواية البراء بن عازب- والبراء: آخر ليلة في الشهر، ويسمى البراء من ذلك، وعازب: هو المسافر عن وطنه، وأكثر ما يستعمل في الدعاء.

стр. 19

وقوله: (ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي) فيه من الفقه: * أنه قد يكلف الإنسان صديقه وصاحبه أن يحمل رحله ومتاعه. * وفيه جواز استخدام الأطفال. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تبعث إلى المكاتب، فتؤتى منها بالصبيان فترسلهم في حوائجها. وقوله: (وخرج أبي معه ينتقد ثمنه) فيه من الفقه: * أن المؤمن يحمله إيمانه أن لا يأخذ في ثمن مبيع إلا ما يعرفه ويتحققه من النقود، لأنه لو أخذ في النقد ما لا يعرفه أو يتسامح هو بأخذه لكان بالضرورة يحتاج إلى أن يصرفه على مسلم آخر، وإذا لم يأخذ إلا الطيب لم يكن مضطرا أن يصرف على مسلم إلا الطيب. ويجوز أن يكون معنى ينتقده يتعجله. وأيضا فقد يخلط الرديء من المال في ماله فربما قال له الشيطان: (إن ذلك من مال أبي بكر فانتقده) ليزيل مثل هذا الشك. وقوله: (فقال: كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، أسرينا ليلتنا). * ففي هذا الكلام من الفائدة: أن سريت وأسريت لغتان، فلما نطق عازب بإحداهما أجابه أبو بكر ﵁ باللغة الأخرى ليكون هذا الحديث مفيدا لتعليم هاتين اللغتين ما بلغ. وفي هذا من التنبيه للعالم من كل نوع من العلم إذا عرض له مثله أن يتوخى ما توخى أبو بكر الصديق ﵁. * والسرى: هو السير ليلا. وقول الله : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ مع أن (٧/ ب) السرى لا يكون إلا بالليل؛ فيه تنبيه على أنه

стр. 20

أسري به في بعض ليلة، لأنه لو قال: أسرى بعبده، ولم يقل ليلا، انصرف إلى الليل كله ويوضح هذا قوله: أسرينا ليلتنا يعني كلها. ثم قال: (حتى إذا قام قائم الظهيرة)؛ وقائم الظهيرة: شدة الحر- (وخلا الطريق)؛ والطريق يذكر ويؤنث- ومثلها السبيل. وقوله: (رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد): * فقوله: رفعت لنا، أي نظرناها من بعيد، وكذا كل سائر في الأرض يرفع له الأشخاص كلما دنا منها. وقوله: لم تأت عليه الشمس بعد، فهذا احتراز في النطق؛ لأنه صديق فلا يقول إلا ما يخرج عن الاحتمال، إذ لو قال لم تأت عليه الشمس وأمسك، لكان يفترض أن تقول: قد أتت الشمس أمس. وفي هذا من الفقه: * أن الجلوس في الظل خير من الجلوس في الشمس إلا لمن يريد الدفء فيكون ذلك كقوله: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾؛ وذلك أن الظل يستدعي الراحة والنوم، والنوم قد يكون في وقت عبادة لله إذا أراد به العبد أن ترد قواه التي يعبد بها ربه ، وليتعرض للرؤيا الصالحة التي هي بشرى من الله تعالى في النوم، ولقاء إخوانه المؤمنين. وقوله: (فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا)، فيه من الفقه: * أن المؤمن قد يسوي تحته ليعدل ما يماس جلده؛ لئلا يزعجه الحصى ويمنعه من النوم. * وقوله (ثم بسطت عليه فروة)، وهذا يدل على أن تليين المضجع وتوثيره غير

стр. 21

مكروه ولا قادح في فضيلة الراقد عليه. وقوله: (نم يا رسول الله، وأنا أنفض ما حولك) يريد بقوله أنفض: أتطلع وأفتش؛ ونفض الأرض: أن تنظر هل فيها ما يخاف؟ يقال: نفضت ثوبي، وأراد (٨/ أ) مطمئنا متودعا في نومه غير منزعج لما حوله. وقوله: (فقام رسول الله ﷺ ) هذا يدل على ثقته بأبي بكر الصديق ﵁، وأنه آمنه على نفسه لكونه نام ﷺ وهو ناطوره وطليته. وقوله: (فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة)، وهذا يدل على فقه أبي بكر ﵁ وتحرجه، وأنه إنما سأل تحرجا من أن يكون لأحد من أهل المدينة؛ لكونهم قد فشا فيهم الإسلام فلا يجوز التعرض له إلى بإذن كما فعل، فحينئذ قال له: أفي غنمك لبن؟ وهذا من حسن الأدب أن تكون المسألة درجات، إذ لو قال له: ما في غنمي لبن لأمسك، ولم يقل له: أفتحلب لي؟ ولو قال له: أفتحلب لي؟ - قبل سؤاله أفي غنمك لبن؟ - لم يأمن أن يقول: ما في غنمي لبن، وهذا الكلام فيه إشارة إلى أنه استعمله حاله، وهل هو مأذون له في الحلب، لأن قوله: (أفتحلب لي؟) يفهم منه: أفلك أن تحلب لي؟ وقوله: (فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب) فيه من الفقه: * أن النظافة- ولاسيما لضيف الإنسان وأخيه وصاحبه المؤمن- عبادة لله ، ولذلك قال: (انفض الضرع من الشعر والقذى). قال: (فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى) يصف النفض، وليس لجاهل أن يقول هذا نبي وصديق فماذا يضرهما أن لو وقع في الإناء تراب أو قذى؟

стр. 22

فإن إخراج مثل ذلك تنعم في الدنيا وترف، وليس كما زعم. وقوله: (فحلب لي كثبة من لبن) - والكثبة: القليل من اللبن وغيره، يعني مقدارا يسيرا. ومعي (إداوة أرتوي فيها للنبي ﷺ ) - (٨/ ب) الإداوة: كالدلوة، ويرتوي فيها، أي يحمل الماء ليشرب منها ويتوضأ. وفي هذا من الفقه: * أنه ليس لأحد أن يسافر بغير إداوة يشرب منها ويتوضأ. ولا يقل: أنا أمضي على ما يدعيه التوكل، فلا أحتاج إلى إداوة؛ إذ لو كان ذلك مما يجوز لكان رسول الله ﷺ ، والصديق ﵁، قد سبقا إليه الخلق؛ ولكن الذي فعلاه هو الحق. وحكى عن بعض الناس أنه قال: إذا رأيت المسافر يسافر بلا إداوة فاعلم أنه عزم على ترك الصلاة. وقوله: (فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه فوقفت حتى استيقظ) وفي لفظ (فوافيته حين استيقظ) ففي هذا الحديث من الفقه: * أن أبا بكر تأدب مع النبي ﷺ فلم يهجم على إيقاظه من نومه ولكنه وفق حتى استيقظ، أو وافاه حين استيقاظه، لأنه ربما يكون رسول الله ﷺ في الوحي؛ لأن النبي ﷺ يوحى إليه في المنام. وقوله: (فصبت على اللبن من الماء حتى برد أسفله) وكان معه الماء منذ حلب الراعي اللبن؛ ولكنه لفطنته وتأنيه لم يصب عليه الماء حينئذ، فكان إلى أن يأتي رسول الله ﷺ يحمي في الزمان الذي ذكره إذ قال: حتى قام قائم الظهيرة، ولكنه ترك الماء بحالة في الإداوة حتى أتى رسول الله ﷺ صبه على اللبن حينئذ ليبقى برده عليه.

стр. 23

* وفيه أيضا ما يدل على التداوي من العطش في شدة الحر باللبن المشوب بالماء البارد يكون .... * وفيه أيضا من فطنة أبي بكر الصديق ﵁ أنه لم يضع يده في ليعرف برده، ولا شرب منه قبل رسول الله ﷺ بل تركه بحاله فلم يعرف ذلك إلا ببرد أسفله. * (٩/ أ) وفيه أيضا أنه وضعه على راحته ولم يمسكه بشفته لأن جوانبه كلها معرضة لأن يشرب رسول الله ﷺ منها فترك لك احتراما لما يمس شفته ﷺ . وقوله: (فشرب حتى رضيت) ولم يقل حتى شبع، ولا حتى امتلأ، ولكنه أشار إلى أنه بلغ الحد الذي أرضى المشفق عليه الذي صحبه في سراه وسيره، وعلم من ذلك ما لقيه. وهذا مما يدل على أن أبا بكر الصديق إنما برد اللبن بالماء ليلتذ رسول الله ﷺ ببرده، ولم يكن كما يقول الجهال نوع ترف؛ ولكن عبادة. وقوله: (ثم قلت: اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت) فيه من الفقه: * أنا أبا بكر ﵁ كان واثقا بوثوق رسول الله ﷺ به، فإنه قد تحقق منه تحققه لأمانته ﵁، فلم يبادر بأن يشرب هو منه كما يفعل الأعجام مع ملوكها، خوفا من أن يكونوا جعلوا لهم في الطعام ما يسوء. وفيه أيضا ما يعلم كل ضيف حسن الأدب، بأن لا يقول لصاحب الطعام لا آكل حتى تأكل أنت منه، فإن رسول الله ﷺ في هذا المقام كان كالضيف لأبي بكر؛ لأن أبا بكر قال للراعي: (أفتحلب لي؟). وقوله: (أفتحلب لي؟) ولم يقل: (أفتحلب لرسول الله ﷺ ؟)، ولا: (أفتحلب لنا؟)؛ من أجل أن رسول الله ﷺ لا يأكل صدقة، وهذا مما حصل بلسان طلب فهو يشبه الصدقة

стр. 24

فكان على معنى الهدية من أبي بكر ﵁ للنبي ﷺ مثل اللحم الذي تصدق به على بريرة. وقوله: (فاتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض). يعنى بالجلد: الأرض الصلبة الغليظة غير متهيلة ولا متخسفة. (٩/ ب). وقوله: (في جلد من الأرض) فإن ارتطام فرس سراقة في جلد من الأرض آية من آيات الله على نبوة محمد ﷺ . وقوله: (ألم يأن للرحيل؟) يعني الوقت للرحيل، وهذا مما يدل على أن رسول الله ﷺ كان في تلك الحال على ما مضى فيه من تشريع الهرب من المخوف، ثابت الجنان قوي القلب بربه ، فلم يهب من النوم هبوب المنزعج ولا الخائف ولذلك قال: (ألم يأن للرحيل؟)، قال: (بلى). وقوله: (فقلت يا رسول الله: أتينا، فقال: لا تحزن إن الله معنا). * وهذا مما يدلك على أن أول سابق سبق إلى قلب رسول الله ﷺ عند شدة الصدمة والفزع إلى الله سبحانه لا إلى مخلوق، فلم يقل: سنتوارى في هذا الشجر، ولا: سنرقى هذا الجبل، ولكنه قال: (لا تحزن إن الله معنا) وهاهنا يتبين الإيمان لا بالنوم في الشمس ولا بشرب اللبن الذي فيه القذى التراب. وقوله: (فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه): * ارتطمت الفرس إلى تشبثت ولم تكد تتخلص. وقوله: (إلى بطنها). أرى هذا يدل على أن الصديق كان شديد التحرج في نطقه لأنه قال: (أرى) أي أحسب.

стр. 25

* وفيه ما يدل على أن الصادق يخبر على غلبة ظنه وما يراه. وقوله: (فالله لكما أن أراد عنكما الطلب، فدعا له رسول الله ﷺ فنجا). * وهذا يدل على شدة جنان رسول الله ﷺ في تلك الحالة لأنه دعا له ولم يشترط عليه ويقل: لا أدعو لك حتى ترد عنا الطلب. وقوله: (هذه كنانتي فخذ سهما منها فإنك ستمر بإبلي) فلم ير رسول الله ﷺ الاحتفال به (١٠/ ب)، ولا طلب دوام المودة معه، بل قال (لا حاجة لي في إبلك) وقوله: (لا حاجة لي في إبلك، ولم يقل: (في غلمانك)؛ مع أنه عرضها جميعا عليه، إذ له حاجة في غلمانه أن يهديهم الله للإسلام. وقوله: (أيهم ينزل عليه) فيه حسن أدب الصديق، حيث لم يقل: ننزل لأن من كان صحبة النبي ﷺ لا يذكر نفسه بحرف يقتضي المشاركة، إذ هو تبع. * وفيه أيضا ما يدل على أن الرجل قد يكرم الرجل بنزوله عليه فيكون الفضل له في إكرامه من ينزل عليه بنفسه لأنه يسوق إليه ثوابه وحسن الذكر فيه، ويدخل بذلك تحت أوق منته ولذلك قال ﷺ (أكرمهم بذلك). * وفيه أيضا ما يدل على أن الفرح والسرور في الحق إذا بلغ من المسلم فقال الكلمة الدالة على سروره والمشعرة بفرحه من غير أن يخرج به قوله إلى ما لا يصلح فإن ذلك يكون من خير ما يستحب، لا مما يكره؛ لقوله: (فتفرق الغلمان في الطرق، وصعد النساء والرجال فوق البيوت ينادون: يا محمد يا رسول الله، جاء محمد، جاء رسول الله)؛ وإنما كان قولهم قد أخرجوه مخرجا يغيطون به الكفار، إذا بلغهم من أجل سلامة رسول الله ﷺ من المشركين، ووصلوه إلى مقصده آمنا سالما ﷺ . وقوله: (فتفرق الغلمان والخدم في الطريق .. يا محمد، يا رسول الله!). معناه يا قوم جاء محمد، وكذلك قوله جاء رسول الله، فمعناه جاء محمد يا قوم،

стр. 26

فالمحذوف من الكلام (قوم) مرة من أوله، ومرة (يا قوم) من آخره. ومنه قول الناس: (يا قاتل الله الكافر)، معناه: (يا قوم قاتل الله الكافر). وقوله: (فرأيت أبا بكر يقبل خد عائشة) فيه: جواز تقبيل الرجل خد ابنته. وقوله: (كيف أنت يا بنية؟): فيه استحباب سؤال المريض عن حاله، وهذا خلاف عادة الجبارين (١٠/ ب) فإنهم لا يرون السؤال عن مريضهم ولا الرحمة بضعيفهم، ولا أن يقبل الرجل ابنه ولا ابنته ولا يدينه. - ٤ - الحديث الرابع: [عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁، بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع، في رهط يؤذن في الناس يوم النحر، أن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يؤذن بـ (براءة). قال أبو هريرة: فأذن معنا في أهل منى بـ (براءة)، أن: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر: الحج. وقيل له: الحج الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر.

стр. 27

قال فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج من العام القابل الذي حج فيه النبي ﷺ حجة الوداع مشرك. وأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عليه فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ الآية. وكان المشركون يوافون بالتجارة، فينتفع بها المسلمون، فلما حرم الله تعالى على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام، وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها، فقال الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ثم أحل في الآية التي تتبعها الجزية، ولم تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم، فقال : ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ الآية. فلما أحل الله ذلك للمسلمين: عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا ووجدوا عليه، مما كان المشركون به يوافون به من التجارة]. هذا الحديث هو من كلام أبي هريرة على ما اشتمل (١١/ أ) من حكاية الحال بمجموع ما اشتملت عليه الروايات عنه، إلا أنه يشير من الفقه المستند إلى رسول الله ﷺ : * أن العهود لا يباح نقضها إلا بعد نبذها والإعلان بالخروج منها؛ فإن رسول الله ﷺ لما كان بينه وبين المشركين عهد، أعلن نبذ عهدهم إليهم في موسم يجمع

стр. 28

الناس، وتنتشر أخباره، ومن مدة يبلغون فيها إلى مأمنهم، مشعرا ﷺ بذلك أن الغيلة والفتك بمن له عهد لا يجوز في المشركين، فكيف بالمسلمين؟! ثم إردافه بعلي ﵇ أبا بكر رضي الله يدل على شدة احتفال رسول الله ﷺ لهذا الأمر بحسب عظم الرسول في نفسه، أعني عليا إلى أبي بكر، فإنه قد دل في هذا الحديث أن عليا كرم الله وجهه كان رسولا إلى أبي بكر بقوله فبعث عليا فأمره، يعني فأمر أبا بكر على لسان علي ولو كان المأمور (عليا) لكان قال (وأمره) بالواو. وقول أبي هريرة: (فأذن معنا ببراءة) يدل على ذلك، ويدل عليه أيضا قوله فأردف بعلي أبا بكر، وهذا اللفظ يشعر بتقرير؛ لأن لفظ الرديف يؤذن تقرير المردف وتثبيته، ويدل أيضا عليه قول أبي هريرة: (فنبذ أبو بكر إليهم عهدهم). * وفي هذا الحديث أيضا التنبيه على عظم شأن هذا النبذ بإيفاد أبي بكر فيه، وإرداف علي رسولا إليه لأجله، وإنه لكذلك من حيث إن هذا النبذ هو الفارق بين الحق والباطل، ومن أول مقامات الإعلان وإظهار الإسلام والثقة بوعد الله في استمرار ذلك من غير تلوم ولا تردد. * وفي هذا الحديث أيضا من الفقه تقديم رسول الله ﷺ هذا النبذ بين يدي حجته (حجة الوداع)، ليكون أهل وصاياه في الحج والناقلون عنه العدول من المسلمين مع تطهير تلك الأرض من أنجاس المشركين. * وفيه أيضا من الفقه أن يوم النحر يسمى (١١/ ب) يوم الحج الأكبر. * وفيه من الفقه أيضا أن المؤمن قد يعتريه الهم في انقطاع ما يكون له من مادة معيشة أو كسب لقول أبي هريرة: (وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة). * وفيه أيضا من الفقه جواز مبايعة المسلم للمشرك. * وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن إذا فرح بما يبيحه الله له ويعوضه به من رزق في

стр. 29

هذه الدنيا أنه غير ضار له في دينه ولا قادح في إيمانه، لقول أبي هريرة: (فعاضهم أفضل مما خافوا). * وفيه أيضا من الفقه في قول الله : ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ولم يقل فسوف يخلف الله عليكم، وكان يقف الخلف على قدر المخلف فقط، وذكر الغنى عام وشامل، والعيلة الفقر. * وفي الحديث أيضا من حسن التنبيه أنهم لما احتسبوا بما انقطع عنهم من ربح تجار المشركين، عاضهم الله بما يأخذونه من أموالهم بعينها من الجزية، قهرا جهرا بغير عوض ولا ثمن، حلالا طيبا. * وفي هذا من الفقه رفع ما كان في الجاهلية من طواف الرجل والمرأة حول البيت عراة، وكان ذلك سيرة لهم؛ فأزاله الله بالإسلام مع ما أزال الله سبحانه من مقابح الجاهلية. * وقد يجوز أن يكون في هذا الحديث من نص رسول الله ﷺ الخفي إلى خلافة أبي بكر بعده حتى أمره على الحاج قبل حجة الوداع فارقا بين الحق والباطل. - ٥ - الحديث الخامس: [عن أبي هريرة أيضا قال: لما توفي النبي ﷺ ، واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر- بعده- من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)؟؛ فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة

стр. 30

والزكاة، فإن الزكاة حق المال (١٢/ أ)، والله! لو منعوني عناقا- وفي رواية: عقالا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله! ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق). * وفي هذا الحديث من الفقه أن الإمام إذا أدى اجتهاده عن نص من كتاب أو سنة مما يخفى على غيره من أماثل مأموميه، فإن الواجب هو متابعة الإمام على ما يريه الله إياه، فإن عمر ﵁ ذهب اجتهاده إلى أن لا يقاتل من منع الزكاة وظن أن قول: لا إله إلا الله مع منع الزكاة يعتصم الدم حتى اشتد أبو بكر ﵁ وأبان له بزيادة فقهه في قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) لأنه قاس الأصل المختلف فيه على أصل مجمع عليه، لأنه لم يكن في الصحابة من ينازع في أنه لو أن طائفة من الناس قالوا: (لا إله إلا الله) ثم لم يصلوا، أنهم يقاتلون. * وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن المؤمن قد يستدل بانشراح صدر المؤمن للقتال على ما لا يستدل به عند انشراحه للسلم لقوله: (فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) لأن في القتال من المؤن والأخطار ما ليس في السلم، ولا يحتملها العاقل المؤمن مثل أبي بكر إلا على يقين من أمره. * وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الحق قد يخفى على الجماعة الكثيرة ويظهر الله عليه الواحد إذا كان في موضع ذلك من المقام في الإسلام.

стр. 31

* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الإفصاح عن المعنى قد يكون أحيانا بالغضب في الأمر كما جرى لأبي بكر في ذلك. * وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن الغضب قد يكون في بعض المواطن عبادة لله ولاسيما إذا كان مشعرا بشدة احتفال الغاضب بالأمر كهذا المقام الذي قام فيه أبو بكر ﵁، وعلى هذا يرجع هذا إلى قوله (١٢/ ب) سبحانه: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾ وقوله : ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾، ﴿قال ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾. * وفيه من الفقه أيضا أنه يجوز مراجعة الإمام في بعض الأحداث المجتهد فيها بتذكيره أحاديث رسول الله ﷺ والسنة وما عساه أن يكون قد شده عنه كمراجعة عمر لأبي بكر ولم ينكر عليه. * وفيه أيضا من الفقه أن أبا هريرة سمى منع الزكاة كفرا لاستحلالهم ذلك، فقد انتشر في الإسلام تسميتهم بأهل الردة. - ٦ - الحديث السادس: (قوله ﷺ : لا نورث، ما تركناه: صدقة). [هذا الحديث ذكره الحميدي عن عائشة وذكر فيه: أن فاطمة سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ قال: (لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال). وإني، والله، لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته، إني أخشى إن تركت

стр. 32

شيئا من أمره أن أزيغ. قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ ، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك اليوم. وفي رواية: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر. قالت: وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، ومكثت فاطمة بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر ثم توفيت. فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ .. فقال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. وفي حديث عروة: فلما رأى علي انصراف (١٣/ أ) وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر ائتنا، ولا تأتنا معك بأحد، (وكره أن يأتيه عمر، لما علم من شدة عمر) فقال عمر: لا تأتيهم وحدك. فقال أبو بكر: والله، لآتينهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي، فانطلق أبو بكر فدخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتهم علينا، ثم ذكر قرابتهم من رسول الله ﷺ وحقهم، فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر ﵁، وصمت علي، فتشهد أبو بكر، وحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال) وإني، والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله ﷺ إلا صنعته إن شاء الله، فقال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما

стр. 33

صلى أبو بكر الظهر، أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قال علي، فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضله وسابقته ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي قريبا، حين راجع الأمر المعروف]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث) ولهذا الحديث عمل أبو بكر؛ وأما عثمان فروى ابن جرير عنه أنه كان يرى أن مال رسول الله ﷺ بعده للقيم (١٣/ ب) بأمر المسلمين، وأما دفعه فقد دفعه عمر إلى علي والعباس ﵄ ولاية، ومن هنا يتأول ما في هذا الحديث من قوله: (فغلبه علي عليها) أي على الولاية. وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داود﴾ أي ورث العلم والحكمة. وقال ابن جرير: في هذا الحديث ما يدل على جواز اقتناء الأموال الفاضلة عن الكفاية، وليس الفقر أفضل من الغنى بدليل هذا الحديث لأنه روي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة).

стр. 34

وقال: إن حديث ابن مسعود (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)، يريد أن ذلك فيمن يخاف على نفسه من الرغبة في الدنيا بذلك. قال الوزير ﵀: والذي أراه في ذلك أن في هذا إباحة ذلك، إلا أنه لا يكون مانعا من رجحان الفقر في الفضيلة أحيانا من حيث إن الفقر سبب قوي في رضا الخلق عن ربهم، والغنى سبب قوي في تسخط الناس على ربهم لأن الناس إذا رأوا الغني تسخطوا وإذا رأوا الفقير رضوا عن الله في أحوالهم، وقد قال تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾، فقدمهم بذلك ثم عقبهم بذكر الأنصار فقال: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾، إلا أن الصحيح أن الفقر والغنى حالان يشرف الآدمي في أحدهما بقدر عمله إذا عمل به فيه، فكل منهما طريق واضحة إلى معاملة الله . وذكر ابن جرير أن في هذا الحديث حجة على وجوب قبول خبر الواحد العدل؛ لأن فاطمة والعباس لم يسأل أحدا بعد إخبار أبي بكر ﵁ لهما، من قوله عن النبي ﷺ : (لا نورث). قال الوزير- تغمده الله برحمته (١٤/ أ) -: وقوله ﷺ في هذا الحديث: (لا نورث) هذه نون الجمع، لأنه أراد بذلك نفسه وجميع الأنبياء؛ ولا يجوز أن تكون نون جمع لأهله، لأن أهله قد ورثوا. * وفي هذا الحديث حجة على جواز إحباس العقار الموقوف، وأن تكون غلته جارية

стр. 35

في الصدقات أبدا، لأنهم لم يقسموا الأرض على الفقراء وإنما قسموا غلتها. * وفي هذا الحديث من الفقه أن من شرف الأنبياء أن لا يورثوا مالا، فإن تركهم المال مع كونهم بعثوا داعين إلى الزهد في المال لا يليق بشرف منازلهم، ولهذا قال ﷺ في حديث أبي هريرة: (لا يقتسم ورثتي دينارا) وقول عائشة: (جاءت فاطمة والعباس يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ )، وقول أبي بكر لهما: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة) فإني استدللت بهذا من فعل أبي بكر ﵁ على متانة دينه وشدة ورعه، وأنه لو كان مسامحا أحدا من خلق الله في حق من حقوق الله لكان قد سامح فاطمة ابنة رسول الله ﷺ والعباس عم رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال في آخر الحديث: (والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) لكنه خاف من الله أن يراه أو يراه العباس وفاطمة بعين من سامحهما في ذات الله . * وفي هذا الحديث أيضا من الفقه أن الإنسان إذا كان عنده قول حق أو تحمل شهادة في موطن يشبه التهمة فإنه يصدع بالحق فيه، ولا يلتفت إلى ما يظن الجاهلون به، وأن أبا بكر ﵁، هو راوي هذا الحديث، وهو الخصم في الأمر من حيث إن الولاية له، وهو مع ذلك كله صدع بالأمر (١٤/ ب) وشهد بالحق، فلا جرم أنهما ﵄ صدقا خبره، وقبلا قوله. * وقوله: (إني أخاف إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) فيه أنه لا ينبغي للعالم، ولا لذي الخطر الكبير أن يتجاوز عن شيء في معصية الله في أمر زهيد ولا شيء يسير؛ فإن أبا بكر ﵁ على ارتفاع مقامه وعلو شأنه يقول: (إني أخاف إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ) أي أميل. * وأما قول عائشة ﵂: (هجرته فاطمة ﵂ فلم تكلمه حتى

стр. 36

ماتت) قال الوزير- ﵀: (الذي روي أن أبا بكر ﵁ دخل على فاطمة بإذن علي ﵇ فقال لها: والله لئن تفتقر بناتي أحب إلي من أن تفتقري، لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، فقالت له: أنت وما سمعت). ولشأن فاطمة ﵂ من الزهد في الدنيا فوق أن يظن بها إلا ما يناسب ذلك. ولهذا المعنى قال في الحديث الذي نحن في تفسيره: (فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك) أي لم تكلمه في الميراث؛ لأنها هجرته فلم تكلمه في غير ذلك. * وأما ما ذكرته عائشة من أن عليا دفن فاطمة ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى عليها، وإن كان دفنها ليلا فلعله بوصية منها إيثارا للخفر. * وأما قول عائشة: فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فإن ذلك قد يجوز أن يكون لاستناد علي إلى رأي فاطمة في حياتها؛ لأنها بضعة من رسول الله ﷺ ، وقد طال مرضها، وقد كان يرجى برؤها لتشاور وتصلح، فلما ماتت استوحش (١٥/ أ) من انفراده، فمال إلى صلح أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر (أن تأتينا)، ولا يبعد من علي ﵁ أنه أراد أن يجعل لأبي بكر ﵁ فضيلة القصد إليه لأنه الراعي للكل، والراعي يتبع الشاذة. وقوله: (ولا تأتينا معك بأحد) فإن الذي يظن به أن يأتي معه بعمر، وفي عمر شدة؛ فإذا سمع بعض ما يجري من العتاب لم يؤمن أن يغلظ في الجواب، وكانت إرادة علي من حضور أبي بكر الإصلاح فخاف علي من شدة عمر وغيرته على الحق. فقال له عمر: (لا تأتهم وحدك) فقال: (والله لآتينهم وما عسى أن يصنعوا بي؟) وهذا يدلك على ما ذكرنا. * وقول علي ﵁: (ما منعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك) اعتراف بفضيلته التي تناسب هذا المقام- مقام مثوبة وعبادة

стр. 37

لله- وليس كما هو يظنه الجهال أنه مراد للرفعة في الدنيا من غير إرادة للآخرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان لم يسمه علي ﵁ خيرا. وقوله: (ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا)، يجوز أن يكون هذا الحق أرادبه الشورى منه، فلما عقدت البيعة لأبي بكر من غير مشاورة لعلي أثر ذلك عنده، وقوله: (فاستبددتم علينا) فإن حال أبي بكر ﵁ مشهورة بحيث تجيب عن هذا؛ وإنما كانت بيعته في حال سرعة وانتهاز فرصة، ومقام إطفاء فتنة وخوف فرقة؛ فلذلك لم يكن في الحال من الطمأنينة ما يشاور فيها غير من حضرها، وكانت منهم كفاية وغنية. وقول علي: (موعدك للبيعة العشية) ولم يبايعه وهو عنده، وهذا حسن أدب من علي ﵁ لأنه أراد أن يقصده في مجلسه ثم يبايعه ولتكون بيعة رغبة، ولذلك تابعه بنو هاشم، ولم يكن امتناع بني هاشم من ذلك إلا على علم منهم أن امتناعهم لا يؤثر خللا في بيعة أبي بكر فإن الإمام إذا (١٥/ ب) بايعه الواحد أو الاثنان من أهل الحل والعقد ثبتت له البيعة، ووجبت له الطاعة ولذلك استجاز من بني هاشم التخلف عن أبي بكر ﵁، لعلمهم أن تخلفهم ليس بقادح في بيعته ولا مؤثر في إقامته لأن المسلمين كلهم كالجسد الواحد فكانت لهم أسوة باقي الناس من أهل المشارق والمغارب. وقوله: (وموعدك للبيعة العشية) يريد به توكيد عقد وإعطاء يد. وقول المسلمين في آخر الحديث: (أصبت وأحسنت بذلك) على ما ذكرناه. وكذلك قول عائشة: (حين راجع الأمر المعروف) يعني منه ﵁ ومن شيمه.

стр. 38

من أفراد البخاري - ٧ - الحديث الأول: [من رواية عبد الله بن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ قد شهد بدرا، توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا؛ فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلتها]. هذا الحديث هو عن عمر ﵁ (١٦/ أ)، وإنما ذكره الحميدي في مسند أبي بكر ﵁ لقول أبي بكر: علمت أن النبي ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ .

стр. 39

* وفيه من الفقه أن الرجل يستحب له إذا تأيمت وليته أن يسعى لها في النكاح ولا يهملها. * وفيه أيضا أنه يستحب له أن يختار لها الأكفأ ممن لا يعرفها إذا نكحها. * وفيه أيضا من الفقه أنه لا بأس بأن يخطب الرجل الرجل لابنته، ولا يقف حتى يبدأه الرجل بالخطبة كما فعل شعيب النبي ﵇ إذ قال لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾. * وفيه أن عثمان لما قال: (قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا) علمنا أنه احترز لكلامه وتحرى الصدق فيقوله: (يومي هذا)، ولو لم يقله كان امتناعا من التزويج على الإطلاق. وقوله: (فعرضتها على أبي بكر، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان)، وهذا لأن عثمان أفصح له فأراحه، وأبو بكر لما لم يرد عليه شيئا تركه على الانتظار والترقب لما يكون منه، ولذلك بادر ﵁ إلى الاعتذار إليه عن هذا الإمساك؛ لأن رد جواب كل سائل عن قوله متعين، وإنما أمسك أبو بكر لمكان سر رسول الله ﷺ ، ويدل هذا على أنه إذا روعي المهم من الأمر كحفظ سر رسول الله ﷺ اغتفر له الشيء اليسير من بعض الأمر كالتعرض لموجدة عمر، وكان ذلك سهلا فيما بين الإخوان مع رجاء الإنابة في مستقبل الحال. * وفي هذا الحديث ما يدل أيضا على أن على الصاحب أن يكتم من سر صاحبه ما لم يستكتمه إياه، فإن أبا بكر ﵁ قال: (علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها) ولم يقل أسر إلي ولا استكتمني. * وفيه أيضا أن أمر النكاح يستعان على نجحه بالكتمان. وقد ذكر الحميدي أن هذا (١٦/ ب) الحديث يذكر في مسند عمر لقوله فيه ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه.

стр. 40

الحديث الثاني: [من رواية عمر عن أبي بكر موقوفا أنه قال: ارقبوا محمد ﷺ في أهل بيته]. المعنى: احفظوه. * وفيه من الفقه أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد حب أهل بيت النبي ﷺ وولاءهم فرضا واجبا، وهم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وكان أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ حين مات- العباس لأنه عم، والعم يحجب ابن العم، فلذلك رد الله الخلافة إلى ذريته إلى يوم القيامة إلى شاء الله تعالى. * وهذا الحديث يدل على حفظ رسول الله ﷺ في أهل بيته، ومن حفظه فيهم أن لا يرى أحد من أهل بيته- ومعاذ الله- على بعض ما يخالف فيه أمر محمد ﷺ إلا بعين حفظ رسول الله ﷺ في نهي ذلك الرجل الذي هو من أهل بيته لقوله (ارقبوا محمد في أهل بيته) أي احفظوا شريعة محمد ﷺ ولا ترقبوا إلا محمدًا ﷺ ، وليس هذا مما يدل على أن يتسامح لأحد من أهل بيته في ترك شيء من شريعته ﷺ لأنه لو أراد مراعاتهم دون مراعاة شرعه لقال: ارقبوا أهل بيت محمد ﷺ . من ذلك قول الشاعر: مودتي لك تأبى أن تسامحني .... بأن أراك على شيء من الزلل
следующие страницы →