Полный текст (2 650 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ماتت) قال الوزير- ﵀: (الذي روي أن أبا بكر ﵁ دخل على فاطمة بإذن علي ﵇ فقال لها: والله لئن تفتقر بناتي أحب إلي من أن تفتقري، لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة، فقالت له: أنت وما سمعت). ولشأن فاطمة ﵂ من الزهد في الدنيا فوق أن يظن بها إلا ما يناسب ذلك. ولهذا المعنى قال في الحديث الذي نحن في تفسيره: (فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك) أي لم تكلمه في الميراث؛ لأنها هجرته فلم تكلمه في غير ذلك.
* وأما ما ذكرته عائشة من أن عليا دفن فاطمة ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر فقد روي أن أبا بكر هو الذي صلى عليها، وإن كان دفنها ليلا فلعله بوصية منها إيثارا للخفر.
* وأما قول عائشة: فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، فإن ذلك قد يجوز أن يكون لاستناد علي إلى رأي فاطمة في حياتها؛ لأنها بضعة من رسول الله ﷺ ، وقد طال مرضها، وقد كان يرجى برؤها لتشاور وتصلح، فلما ماتت استوحش (١٥/ أ) من انفراده، فمال إلى صلح أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر (أن تأتينا)، ولا يبعد من علي ﵁ أنه أراد أن يجعل لأبي بكر ﵁ فضيلة القصد إليه لأنه الراعي للكل، والراعي يتبع الشاذة. وقوله: (ولا تأتينا معك بأحد) فإن الذي يظن به أن يأتي معه بعمر، وفي عمر شدة؛ فإذا سمع بعض ما يجري من العتاب لم يؤمن أن يغلظ في الجواب، وكانت إرادة علي من حضور أبي بكر الإصلاح فخاف علي من شدة عمر وغيرته على الحق. فقال له عمر: (لا تأتهم وحدك) فقال: (والله لآتينهم وما عسى أن يصنعوا بي؟) وهذا يدلك على ما ذكرنا.
* وقول علي ﵁: (ما منعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك) اعتراف بفضيلته التي تناسب هذا المقام- مقام مثوبة وعبادة
стр. 37
لله- وليس كما هو يظنه الجهال أنه مراد للرفعة في الدنيا من غير إرادة للآخرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان لم يسمه علي ﵁ خيرا. وقوله: (ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا)، يجوز أن يكون هذا الحق أرادبه الشورى منه، فلما عقدت البيعة لأبي بكر من غير مشاورة لعلي أثر ذلك عنده، وقوله: (فاستبددتم علينا) فإن حال أبي بكر ﵁ مشهورة بحيث تجيب عن هذا؛ وإنما كانت بيعته في حال سرعة وانتهاز فرصة، ومقام إطفاء فتنة وخوف فرقة؛ فلذلك لم يكن في الحال من الطمأنينة ما يشاور فيها غير من حضرها، وكانت منهم كفاية وغنية. وقول علي: (موعدك للبيعة العشية) ولم يبايعه وهو عنده، وهذا حسن أدب من علي ﵁ لأنه أراد أن يقصده في مجلسه ثم يبايعه ولتكون بيعة رغبة، ولذلك تابعه بنو هاشم، ولم يكن امتناع بني هاشم من ذلك إلا على علم منهم أن امتناعهم لا يؤثر خللا في بيعة أبي بكر فإن الإمام إذا (١٥/ ب) بايعه الواحد أو الاثنان من أهل الحل والعقد ثبتت له البيعة، ووجبت له الطاعة ولذلك استجاز من بني هاشم التخلف عن أبي بكر ﵁، لعلمهم أن تخلفهم ليس بقادح في بيعته ولا مؤثر في إقامته لأن المسلمين كلهم كالجسد الواحد فكانت لهم أسوة باقي الناس من أهل المشارق والمغارب. وقوله: (وموعدك للبيعة العشية) يريد به توكيد عقد وإعطاء يد. وقول المسلمين في آخر الحديث: (أصبت وأحسنت بذلك) على ما ذكرناه. وكذلك قول عائشة: (حين راجع الأمر المعروف) يعني منه ﵁ ومن شيمه.
стр. 38
من أفراد البخاري
- ٧ -
الحديث الأول:
[من رواية عبد الله بن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ قد شهد بدرا، توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا؛ فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ لقبلتها].
هذا الحديث هو عن عمر ﵁ (١٦/ أ)، وإنما ذكره الحميدي في مسند أبي بكر ﵁ لقول أبي بكر: علمت أن النبي ﷺ ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ .
стр. 39
* وفيه من الفقه أن الرجل يستحب له إذا تأيمت وليته أن يسعى لها في النكاح ولا يهملها.
* وفيه أيضا أنه يستحب له أن يختار لها الأكفأ ممن لا يعرفها إذا نكحها.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لا بأس بأن يخطب الرجل الرجل لابنته، ولا يقف حتى يبدأه الرجل بالخطبة كما فعل شعيب النبي ﵇ إذ قال لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾.
* وفيه أن عثمان لما قال: (قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا) علمنا أنه احترز لكلامه وتحرى الصدق فيقوله: (يومي هذا)، ولو لم يقله كان امتناعا من التزويج على الإطلاق.
وقوله: (فعرضتها على أبي بكر، فلم يرجع إلي شيئا فكنت عليه أوجد مني على عثمان)، وهذا لأن عثمان أفصح له فأراحه، وأبو بكر لما لم يرد عليه شيئا تركه على الانتظار والترقب لما يكون منه، ولذلك بادر ﵁ إلى الاعتذار إليه عن هذا الإمساك؛ لأن رد جواب كل سائل عن قوله متعين، وإنما أمسك أبو بكر لمكان سر رسول الله ﷺ ، ويدل هذا على أنه إذا روعي المهم من الأمر كحفظ سر رسول الله ﷺ اغتفر له الشيء اليسير من بعض الأمر كالتعرض لموجدة عمر، وكان ذلك سهلا فيما بين الإخوان مع رجاء الإنابة في مستقبل الحال.
* وفي هذا الحديث ما يدل أيضا على أن على الصاحب أن يكتم من سر صاحبه ما لم يستكتمه إياه، فإن أبا بكر ﵁ قال: (علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها) ولم يقل أسر إلي ولا استكتمني.
* وفيه أيضا أن أمر النكاح يستعان على نجحه بالكتمان.
وقد ذكر الحميدي أن هذا (١٦/ ب) الحديث يذكر في مسند عمر لقوله فيه ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه.
стр. 40
الحديث الثاني:
[من رواية عمر عن أبي بكر موقوفا أنه قال: ارقبوا محمد ﷺ في أهل بيته].
المعنى: احفظوه.
* وفيه من الفقه أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد حب أهل بيت النبي ﷺ وولاءهم فرضا واجبا، وهم: آل العباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وكان أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ حين مات- العباس لأنه عم، والعم يحجب ابن العم، فلذلك رد الله الخلافة إلى ذريته إلى يوم القيامة إلى شاء الله تعالى.
* وهذا الحديث يدل على حفظ رسول الله ﷺ في أهل بيته، ومن حفظه فيهم أن لا يرى أحد من أهل بيته- ومعاذ الله- على بعض ما يخالف فيه أمر محمد ﷺ إلا بعين حفظ رسول الله ﷺ في نهي ذلك الرجل الذي هو من أهل بيته لقوله (ارقبوا محمد في أهل بيته) أي احفظوا شريعة محمد ﷺ ولا ترقبوا إلا محمدًا ﷺ ، وليس هذا مما يدل على أن يتسامح لأحد من أهل بيته في ترك شيء من شريعته ﷺ لأنه لو أراد مراعاتهم دون مراعاة شرعه لقال: ارقبوا أهل بيت محمد ﷺ .
من ذلك قول الشاعر:
مودتي لك تأبى أن تسامحني .... بأن أراك على شيء من الزلل
стр. 41
- ٩ -
الحديث الثالث: (في جمع القرآن)
[عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن؛ فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تجمع القرآن، قال: قلت لعمر: وكيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله (١٧/ أ) ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
وفي رواية: فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا تتهمك؛ قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله، لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قال: قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، قال: فلم يزل أبو بكر يراجعني، وفي رواية: فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة- أو إلى خزيمة- الأنصاري أجدها مع أحد غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ خاتمة براءة، قال: فكانت الصحف عند أبي بكر، حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حتى توفاه الله تعالى، ثم عند حفصة بنت عمر. قال بعض الرواة:
стр. 42
اللخاف، حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة.
زاد ابن شهاب عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان- وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه (١٧/ ب) بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا؛ حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت يقول: فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدنها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾، فألحقناها في سورتها في المصحف.
وفي رواية: مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين.
стр. 43
وفي رواية: قال ابن شهاب: اختلفوا يومئذ في (التابوت) فقال زيد: (التابوه). وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص: (التابوت) فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه (التابوت) فإنه بلسان قريش].
* في هذا الحديث من الفقه اعتماد المصلحة، وأن لا يجبن المؤمن عنها؛ وإن لم يكن ورد فيها نص، فإن رأي أبي بكر ﵁ سبق الخلق إلى كتابة القرآن، ثم تبعه في ذلك عمر، ثم ثلثهما زيد؛ ثم لا نعلم أن أحدا من المسلمين عرف ذلك إلا واستصوبه إلى يوم القيامة. وهذا يدل على أن القرآن قد كان محفوظا في قلوب الرجال، وإنما كان ما رآه أبو بكر ﵁ من نسخه في الصحف زيادة حفظ له، ليؤمن عليه من نسيان شيء أو تغيير حرف أو غير ذلك، وإلا فإن رسول الله ﷺ لم يخرج من الدنيا إلا وقد أدى كتاب الله ، وحفظه عنه العدد الكثير حفظا متفرقا، فأما حفظه كله فقد روي أنه حفظه كله قبل موت النبي ﷺ أربعة وهم: (أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد بن ثابت،
стр. 44
وأبو زيد الأنصاري). وأقام عثمان بن عفان ﵁ لنساخته أربعة: (١٨/ أ) (عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الحارث بن هشام؛ وزيد بن ثابت). والأربعة هم الغاية في الشهادة في الشريعة، فاختار واحدا من الأنصار- وهو زيد- وجعل ثلاثة من المهاجرين.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن عثمان ﵁ لما بعث إلى الأمصار ما بعث ثم
стр. 45
أحرق الباقي فإنه لم يرد بذلك إلا الإشعار بشدة عزمه فيه وصلابته في العمل بمقتضاه لئلا يجري بين الأمة اختلاف في شيء منه.
* وقوله: (مع خزيمة الأنصاري قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها)، وهذا يدل على أنه أضاف قول خزيمة إلى علمه بذلك.
* وفيه من الفقه أنهم- ﵃ لم يكونوا مهملين لشيء من القرآن، حتى إنهم اختلفوا في (التابوت- والتابوه) حتى أثبتوه (التابوت)، بلسان قريش.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا ما قد يدل على شرف قريش، وأنهم أفصح العرب، لقول عثمان ﵁: (فإن القرآن نزل بلغة قريش) وقد صدقه في ذلك القرآن بقوله : ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن قد يتخوف من الإقدام على الأمر إلى أن يتيقن جوازه، ألا ترى قول زيد بن ثابت: (فلو كلفاني نقل جبل ... إلى آخر حديثه)، إلا أن هذا قد يعرض للإنسان فيما الصواب ضده، فينبغي للإنسان أن لا يقف مع خواطره.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن المؤمن قد يستدل بانشراح صدره في الأمر على كونه رضا لله إذا كان قد عرف منه وعرف من نفسه معاصاة الهوى، وإباء الميل إلى الدنيا.
- ١٠ -
الحديث الرابع: (في ذكر الصدقات)
[من حديث أنس: أن أبا بكر الصديق لما استخلف، كتب له حين وجهه إلى البحرين، هذا الكتاب؛ وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر،
стр. 46
و (رسول) سطر، و (الله) سطر:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ﷺ ، فمن سئلها (١٨/ ب) من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط:
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستة ففيها حقة طروقة الجمل؛ فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة.
وصدقة الغنم: في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة؛ فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة؛ وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة،
стр. 47
ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.
وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق (١٩/ أ) عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنة لبون فإنها تقبل منه ابنة لبون، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فمن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء).
قال البخاري: وزادنا أحمد- يعني ابن حنبل- عن الأنصاري، وذكر
стр. 48
الإسناد عن أنس، قال: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر. قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، وأخرج الخاتم، فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده].
* في هذا الحديث من الفقه قوله: (هذه فريضة الصدقة) ومعنى الفرض هاهنا بيان التقدير كقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ أي تقدروا مبلغ كميتها.
وأما بنت مخاض: فهي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية وحملت أمها فصارت من المخاض، وهي الحوامل.
وأما بنت اللبون: فهي التي أتى عليها حولان ودخلت في الثالث فصارت أمها لبونا بوضع الحمل.
والحقة: هي التي أتى عليها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، فاستحق عليها الحمل والضراب.
وقوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين طروقة الجمل) أي قد طرقها الفحل.
والجذعة: هي التي لها أربع سنين ودخلت في الخامس.
وقوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين ابنة لبون)
стр. 49
(١٩/ ب) فيه دليل على أن الفريضة لا تستأنف بعد العشرين ومائة، وهو قول الشافعي وأحمد ﵄، خلافا لأبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة واستؤنفت الفريضة، ففي خمس شاة وفي عشر شاتان.
وقوله: (في صدقة الغنم في سائمتها)، قد دل التقييد بالسوم على أنه لا تجب الزكاة في العوامل والمعلوفة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد خلافا لمالك.
وقوله: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة). قال الشافعي ﵁: الخشية خشيتان، خشية الساعي أن يقبل الصدقة، وخشية رب المال أن يكثر الصدقة، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئا من الجمع والتفريق؛ وشرح هذا: أن يكون لرجلين ثمانون شاة لكل واحد أربعون فيجمعا بينهما عند مجيء الساعي ليأخذ شاة، أو يكون لرجل واحد أربعون فيفرقها في موضعين لتسقط الصدقة.
وقوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان)، وهذا إذا أخذ المصدق من نصيب أحدهما شاة، فإنه يرجع بقيمة نصفها على خليطه، وهذا صريح في صحة الخلطة وتأثيرها خلافا لأبي حنيفة في قوله: (لا تأثير للخلطة).
وقوله: (لا يؤخذ في الصدقة هرمة) وهي الكبيرة، (ولا ذات عوار) وهي المعيبة، (ولا تيس) وهو فحل الغنم؛ وإنما لا يؤخذ لنقصه أو لرداءة لحمه.
وقوله: (إلا أن يشاء المصدق) يعني الساعي لأنه له ولاية النظر، ويده كيد الفقراء؛ إذ هو وكيلهم؛ ولهذا يأخذ أجرته من مالهم.
والرقة: الفضة دراهم كانت أو غيرها.
وقوله: (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة؛ وليست عنده؛ وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما)؛ فيه من الفقه:
стр. 50
أن كل (٢٠/ أ) واحدٍ من الشاتين أو الدراهم أصل في نفسه، وليس ببدل لأنه خير بينهما بحرف (أو)، وقد لا يتساوى ذلك في كل الأمكنة، ولا في جميع الأزمنة، فدل على أنه تقويم شرعي، والسر فيه أن الصدقة قد تؤخذ على المياه، وفي البرية حيث لا يوجد سوق ولا مقوم، فحسن من الشرع أن يقدر شيئا يقطع التشاجر، إلا أن من سر هذا الحديث فيما أعلمه مما يستدل به على ترتيب أمور الشرع على الأصول المحفوظة والأسباب الصادقة أن النصاب لما كان في أول الإبل خمسا، وكان الواجب فيها شاة من غير جنسها وعلى ذلك إلى أن انتهت إلى خمس وعشرين.
فالذي أرى- والله تعالى الموفق- أن الخمسة ثمن العدد عند الحساب تسمى شيئا فإذا ضربت في نفسها كان المرتفع من ذلك خمسة وعشرين فيسمونه حينئذ مالا، وهو غاية ما يرتفع من ضرب الشيء في نفسه، فلما انتقل النصاب من الشيء إلى المال، انتقلت بإزائه الفريضة من الشاء إلى الإبل، ولما كان النصاب الأول خمسا من الإبل، والواجب الشاة فعندئذ كان انتقال الفريضة إلى الإبل؛ انتقلت الدرجة من الخمس إلى العشر فصارت من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين، ثم جاءت هكذا مرتين فلما زادت الإبل زيد عليها خمس فصارت كلما زادت عشرا فرض فيها، فلما زادت بعد المرتين سهل على أرباب الأموال بأن رخص لهم في خمس أخر، وتوالت هكذا إلى تسعين، ثم حينئذ سهل عليهم بأن جعلت الدرجة في ذلك ثلاثين من الإبل ثم لما زادت فوق ذلك جعل في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة رعاية لقلوب أرباب الأموال، ويعلم الله بشح عبده. وما ذكر من الواحدة (٢٠/ ب) الزائدة فالمراد بها أن يخلص النصاب لرب المال، وتكون هذه الواحدة كالشيء الفاضل.
* وفيه أن ضياع الخاتم من يد عثمان ﵁ كان عقيب العبث به، وهذا يدل على التحذير من العبث في جميع الأشياء.
стр. 51
من أفراد البخاري
- ١١ -
الحديث الخامس:
[عن عقبة بن الحارث بن عامر قال: صلى أبو بكر العصر، ثم خرج يمشي، يعني ومعه علي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه، وقال:
بأبي، شبيه بالنبي .... ليس شبيه بعلي
وعلي يضحك].
* في هذا الحديث من الفقه: استحباب التصابي للصبي ومسرة قلبي أبيه فيه.
* وفيه أيضا من الفقه أنه إذا نزع الولد بالشبه إلى قبل أمه وجده من أمه، فإن ذلك لا يقدح في صليبة انتسابه إلى أبيه، وعن النبي ﷺ في هذا حديث معروف في الشبيه سيذكر في موضعه.
* وفيه أيضا أن ما كانت العرب ترقص به أولادها من الشعر والرجز جائز، وهو أدعى إلى فطنة الصبي ومداراته.
فأما ضحك علي ﵁ له فلا أراه إلا سرورا بذلك، وكذلك أرى حمل أبي بكر ﵁ له فإنه أراد إصابة السنة بذلك في حمل الولد، فإن رسول الله ﷺ قد كان يحمل الحسن والحسين، كذلك حمل أمامة بنت ابنته
стр. 52
زينب في الصلاة، وهذه حالة يأباها الجبارون، ويأنف منها المتكبرون؛ لا يحملون أولادهم ولا يعطفون على صغارهم.
- ١٢ -
الحديث السادس:
[عن عائشة قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه].
* (٢١/ أ) في هذا الحديث من الفقه أن أبا بكر ﵁ أراد إعلام الناس بأنه إنما يأكل من مال المسلمين ما يأكل عوضا عن حرفته التي كانت- كما قال- لا تعجز عن مؤنة أهله، وأنه جعل حرفته النظر في أمور المسلمين.
* وفيه أيضا من الفقه أنه لم يؤجر نفسه بأجرة معلومة؛ ولذلك قال: (سيأكل آل أبي بكر من هذا المال) أي بقدر كفاية ما يحتاجون إليه. وقوله: (ويحترف للمسلمين فيه) أي بتثميره وجلبه من وجوهه.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن تكون له الحرفة ليمون بها أهله، وأنها لا تنافي التوكل على الله بل تلائمه.
* وفيه أيضا من الفقه جواز الأكل من بيت المال على ما كان فيه من جزية أهل
стр. 53
الكتاب الذين يستحلون بيع الخمور والخنازير وما فيه من غنائم المشركين، وأنه لا يسوغ لأحد أن يتورع فيقول لا آكل من بيت مال المسلمين، فإن ذلك بدعة، اللهم إلا أن يبلى بزمان لا يوجد فيه حقوق بيت المال بموجب الشرع فحينئذ لا ألومه.
- ١٣ -
الحديث السابع:
[عن عائشة موقوفا قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على ورع أبي بكر ﵁ ولا سيما في هذه الصورة، فإن أخذ الأجر على الكهانة محرم، ثم الخديعة في ذلك محرمة، فتغلظ الأمر بأنه خدع في الحرام، فبادر أبو بكر ﵁ إلى بذل جهده من (٢١/ ب) كونه أخرج ما حصل في بطنه من ذلك، على أنه لم يمكنه من أن يستوعب كل ما كان في بطنه فقد جاء في الحديث عنه أنه قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما خالط العروق والمعاء) إلا أن هذا الحديث إن بلي بمثله مؤمن على مثل صورته، فخاف- إن هو جاء على نفسه- التلف، فلا يتعرض للقيء بل يستغفر الله تعالى إذ لا يجوز له التعرض لإتلاف نفسه.
* وفي هذا الحديث جواز أكل السيد من غلة المملوك وخراجه، وعلى أن أبا بكر ﵁ لم يسأل عبده هذا الوجه الذي جاء به حتى ابتدأ العبد فذكر ذلك،
стр. 54
فيدل على جواز أكل الرجل من غلة عبده من غير أن يسأله، وعلى ذلك فإن العبد إذا ذكر لسيده الوجه الذي جاءه بذلك منه في المقام المشتبه عليه كهذه الحالة كان العبد بذلك مثابا عند الله .
- ١٤ -
الحديث الثامن: (في ذكر وفاة النبي ﷺ )
[عن عائشة وعن ابن عباس من رواية أبي سلمة عنهما قالت عائشة في حديثها: (أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة، فبصر برسول الله ﷺ ، وهو مسجى ببرده، فكشف عن وجهه فقبله، ثم بكى، وقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها.
قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فمال الناس إليه، وتركوا عمر، فقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله : ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ إلى ﴿الشاكرين﴾، قال: والله (٢٢/ أ) لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشرًا إلا يتولها)].
стр. 55
* في هذا الحديث من الفقه جواز تقبيل الميت، وظاهر الحال أن أبا بكر إنما فعل ذلك لما رأى رسول الله ﷺ يفعله، وهو لما قبل عثمان بن مظعون فإنه قبله وهو ميت بعد كشف الثوب عنه.
* وفيه أيضا ما يدل على فضيلة أبي بكر أنه لم يستكن للمصيبة على عظمها، بل أحسن التسلية بقوله: (ما كان الله ليذيقك موتتين) وبخروجه إلى الناس.
* وفيه أيضا من الفقه أن الرجل إذا كان في أمر مهم وأراد الإفصاح به، فتكلم إنسان بحضرته، فسكته فلم يسكت، أنه لا يشغل الوقت بالاشتغال بمجادلته وتسكينه بل يعدل هو إلى ذكر ما يعلمه كما فعل أبو بكر.
* وفيه من التنبيه على فضيلة أبي بكر بما قاله في البديهة وما استشهد به من كتاب الله تعالى، وهذه الآية الكريمة منذ نزلت أشارت بالإشارة اللطيفة إلى أن رسول الله ﷺ يموت موتا ولا يقتل قتلا لقوله : ﴿أفإن مات أو قتل﴾ فبدأ بذكر الموت ثم عقبه بعد القتل بذكر (أو) التي تقع أحيانا للشك، وإنما ذكر سبحانه القتل في هذه الآية لتجويز القتل على الأنبياء، وإن كان قد ذهب قوم إلى أنه لم يقتل نبي قط في معركة، وهو قول له وجه من حيث إن قتل النبي في المعركة حيث يشتد الوهن بمصابة يوهم أنه ضعيف يخالفه كتاب الله في أماكن منها الآية التي تلي هذه الآية، وهي قوله: ﴿وكأين من نبي قتل، معه ربيون كثير﴾ في قراءة من قرأ
стр. 56
بالوقف على قتل، وهو (٢٢/ ب) الأقيس في ذلك لأجل ضمير الجمع في (وهنوا) أي الربيون.
* وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ لأنه لما ذكر انقلاب من ينقلب على عقبيه ثم عقبه بذكر من ثبت بعد موت النبي ﷺ على دينه، فإنها نعمة تامة تستوجب الشكر عليها فقال : ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾.
- ١٥ -
الحديث التاسع:
[أورده أبو بكر البرقاني ههنا، وأخرجه غيره في مسند عائشة من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن أبا بكر لم يكن يحنث قط في يمين، حتى أنزل الله تعالى كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني].
* في هذا الحديث من الفقه ذكر شدة عزيمة أبي بكر والثبات على يمينه إذا حلف.
* وفيه أيضا دليل على أن اشتداده كان لله لا لنفسه ولا من طبعه، فلما أنزل الله كفارة اليمين، ترك ما كان عليه من العزم، وعدل إلى ذلك، وإنما سر بما أنزل الله من الكفارة لأن اليمين ربما كانت تصده عن أفضل، وترده عن أجود، وتمنعه عن خير، فلذلك قال: (ولا أحلف على يمين وأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني)، وعلى هذا فلا أرى أن يحنث الإنسان في يمينه للعدول إلى ما ليس بخير.
стр. 57
- ١٦ -
الحديث العاشر:
[عن قيس بن أبي حازم قال: (دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أحمس، يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل؛ هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على (٢٣/ أ) هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال فهم أولئك على الناس)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا رأى المؤمن أحدا على بدعة- وهو يظن أنه على سنة- فإنه ينكر عليه، وإن كان ما يأتي به يخرج في شبه العبادة، فإن أبا بكر لما رآها لا تتكلم، وقالوا: (إنها حجت مصمتة) فقال: (تكلمي فإن ذلك من عمل الجاهلية) وإنما قالت من أنت؟ لتستدل على مقامه في العلم، وتنظر هل هو ممن يرجع إلى قوله، فلما قال لها رجل من قريش، امرؤ من المهاجرين، اتصف لها بصفة جميلة كافية، وقدم في الإسلام، فلما استزادت هي وقالت: (من المهاجرين؟) فقال لها: (من قريش) فاتصف بصفة أخرى خصته بالقرب إلى النبي ﷺ فقالت: (من أي قريش)؟ فقال لها: (إنك لسؤول) أي لكثيرة السؤال كما يقال في صفة الرجال: شكور، وذكور، وعجول لزيادة
стр. 58
معنى. ثم إن أبا بكر لما عرف ما تريد من سؤالها قال: (أنا أبو بكر)، فلما عرفها نفسه اقتنعت بفتياه الأولى، وعملت بها ثم بادرت إلى انتهاز الفرصة في حضوره فسألته مسألة أخرى، قالت: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به؟)، وإنما سألت سؤال مسرورة بالإسلام وأجابها أبو بكر جوابا فيه الحصة الأولى والسهم الأعلى، فقال: (ما استقامت بكم أئمتكم) وإنما قال ذلك ﵁ من عظم فقهه، وكرم فهمه، وأنه نظر إلى أن استقامته في زمانه هي التي يترتب عليها استقامة الناس كلهم .. وفي هذا الكلام إشارة إلى أنه لو قد فسد أحد من الناس كانت الملامة حقيقة من حيث (٢٣/ ب) التعلق بالقدوة.
وقولها: (ما الأئمة؟) فأحسن لها الجواب والتلطف إلى إفهامها بقوله: (ألم يكن لقومك أشراف ورؤوس يأمرونهم فيطيعونهم؟) فقالت: (بلى) فقال: (هم أولئك).
- ١٧ -
الحديث الحادي عشر:
[عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر ﵁، يسألونه الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية، وبين السلم المخزية فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها، فما المخزية؟ قال: تنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقواما يبتغون أذناب الإبل، حتى يرى الله خليفة رسوله ﷺ والمهاجرين أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية، والسلم المخزية، فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت من: أن نغنم ما أصبنا منك وتردون علينا ما أصبتم
стр. 59
منا: فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت: تدون قتلانا، ويكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قاتلت فقلت على أمر الله، أجورها على الله، ليست لها ديات، فتتابع القوم على ما قال عمر) - اختصره البخاري].
* في هذا الحديث من الفقه صلابة أبي بكر في دينه، وشدة وثوقة بظهور أمر الله، كما وعد بتخييره إياهم بين الحرب المجلية وبين السلم المخزية وهذا يدل على تأنيث السلم.
* وفيه أيضا أنه يستحب للإنسان أن يعرض ما وقع له على ذوي الفطنة لقوله: (فعرض أبو بكر ما قال على القوم) فإن من الرأي استشارة ذوي الرأي.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمنين لهم أن يشيروا على الإمام في بعض الأمر، وإن خالف شيئا من قوله، ولكن (٢٤/ أ) بحسن أدب. كما قال عمر: (رأيت رأيا وسنشير عليك)، وإنما قال ذلك أي إنما قلت هذا عن رأي رأيته فأشرنا، ولو أنه عن نص وسنة لم يجز أن يشير أحد عليك بخلافه.
* وفيه أيضا من الفقه أن من يذكر للإمام ما عنده من الرأي فإنه يذكره على سبيل المشورة لا على سبيل الحتم والقطع؛ فإن عمر قال: وسنشير عليك.
* وفيه أيضا من الفقه أن الإمام إذا كان قد رأى رأيا ونطق به، ثم إن بعض
стр. 60
أصحابه رأى ما يخالف ذلك، ترك ما كان قد رآه، ورجع إلى قول صاحبه سيما إذا كان الصاحب مثل عمر.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن عمر آنف للشهداء من أن يأخذ ورثتهم عوض نفوسهم الكريمة عرضا من الدنيا بعد مماتهم، كما أنفوا هم من ذلك في حال حياتهم، ومن أجل أن المبايعة سبقت وأخذوا العوض من الله بقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ فقد سبق بيعهم وقد اشترى الله منهم، فكيف كان يجوز أخذ العوض من شيء أخذ ثمنه من قبل، فرضي الله عن عمر وعن أبي بكر.
آخر أفراد البخاري من مسند أبي بكر ﵁
من أفراد مسلم
وانفرد مسلم بحديث:
[عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر ﵄، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، انطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ قالت: إني لا أبكي، إن لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ولكن
стр. 61
أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها].
* في هذا الحديث من الفقه أنه يستحب للمؤمن أن لا يغفل (٢٤/ ب) عن حسن العهد، ولا يلهو عن ذكر الصحبة فإنهما كانا يزوران أم أيمن مع رسول الله ﷺ .
* وفيه من الفقه أيضا أن بكاء أم أيمن كان لانقطاع الوحي النازل من السماء، وهذا مهم يشملها ويشمل سائر الناس، ولذلك أثار بكاء أبي بكر وعمر.
* وفيه أيضا أن الإنسان قد يهيج له البكاء ببكاء أخيه، ولا يكون ذلك ناقصا من إخلاصه.
آخر مسند أبي بكر ﵁.
стр. 62
٢
مسند عمر بن الخطاب ﵁
أخرج له في الصحيحين أحذ وثمانون حديثًا. المتفق عليه منها ستة وعشرون حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثًا، وانفرد مسلم بأحد وعشرين حديثًا.
- ١٩ -
الحديث الأول: (مما اتفقا عليه)
[أن عمر بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين الأولين:
وفي رواية: إذ دخل عثمان بن عفان، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟! قال: إني شغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل!
стр. 63
وفي رواية أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟]
* في هذا الحديث من الفقه جواز الكلام للإمام وهو يخطب.
* وفيه من الفقه جواز التأنيب للرجل الرفيع القدر، عند إخلاله بفعل الأفضل وتأخره عن الأولى، فإن عمر ﵁ لم يقل لغير عثمان أية ساعة هذه؟ يعني أنه ليس مقامك في الإسلام ومنزلتك من الإيمان بحيث يسبقك الكل إلى الفضيلة في التبكير إلى الجمعة حتى يفوتك البدنة والبقرة والشاة والدجاجة (٢٥/ أ) والبيضة، وينال ذلك غيرك ممن هو دونك، ولاسيما وأنت مقتدى بك، ومشار إلى علمك، فلم يكن يرى عمر إلا تقديم هذا التأنيب على فوت الفضيلة لمثل عثمان ﵁، وإن كان لا خلاف بين المسلمين في أن إتيان عثمان في ذلك الوقت مجز عنه.
ولما قال له معتذرا: (إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت) فقال عمر: (والوضوء أيضا) وهذا من عمر معناه: وإفراد التوضؤ أيضا أو الاقتصار على الوضوء؟ وكيف أخللت بالاغتسال وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟ وفي حديث أبي هريرة: ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)؟ وإنما قال عمر ما قاله في معنى الاغتسال لما ذكر عثمان ما استدل به أنه لم يغتسل للجمعة، ولو كان عثمان سكت ولم يذكر ذلك لم يقل عمر شيئا لأنه كان يحمل أمره على الأجمل ويظن به الأحسن.
* وفي هذا الحديث من الفقه تأكيد الغسل في يوم الجمعة، وذلك لأنه مجتمع
стр. 64
الناس، وإذا اغتسل الإنسان أطاب ريح نفسه، فلم يشم أخوه المسلم منه ما يكرهه، ثم يوطئ شعر الثائر، ويشمل الغسل جميع البدن والمغابن.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن غسل الجمعة على كونه سنة مؤكدة، فإنه ليس بواجب، ولا تأثير له في بطلان الجمعة، ألا ترى أن عثمان حين اقتصر على الواجب أجزأه؟
- ٢ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر لمسلم: (أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العطاء.
وعن ابن عبد الله السعدي لهما أن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه (٢٥/ ب) من هو أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : (خذه، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك).
وفي رواية: (خذه فتموله وتصدق به. وفي لفظ: أو تصدق به.
وفي رواية: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه.
وفي حديث يسر بن سعد: أن ابن السعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ : فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى
стр. 65
الله عليه وسلم: (إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل، وتصدق)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ متهافتين على الدنيا، ولا كانوا يريدون بأعمالهم فيها إلا وجه الله ألا ترى إلى عمر ﵁ قال لرسول الله ﷺ : ادفعه إلى من هو أفقر مني؟
وأفقر في لغة العرب من باب أفعل، يعني أنه فقير؛ ولكن تقديم من هو أشد فقرا مني في ذلك علي أولى، وذلك يدل على أنه إنما رد عمر مع كونه فقيرا لا غنيا طلبا للإيثار بذلك لمن هو أشد منه حاجة.
* وفيه أيضا من الفقه قول النبي ﷺ : (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) أي متطلع، (ولا سائل) أي طالب (فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) يعني ﷺ ما لا يكون بهذه الصفة وهو أن يأتي عن إشراف نفس منك فلا تتبعه نفسك.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن ذلك من طريق الأفضل والأشرف لأنه لم يقل له: (وما لا فلا تأخذه) (٢٦/ أ)، وإنما قال: (فلا تتبعه نفسك) أي لا تجعل نفسك تتحسر على فوته، وعلى أنه ليس في هذا النطق ما يدل على تحريمه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أنه قال له: (فتموله وتصدق به)، ولم يقل فتصدق به من غير ذكر تقديم قوله: (فتموله)، لأنه إذا تموله وصار له مالا وملكا دخل حينئذ في جملة من قال الله فيهم: ﴿ينفقون أموالهم﴾ على ما يملكونه من حلالهم الطيب، إذ لو أنفق الإنسان من شيء في يده على سبيل الغصب لم يكن منفقا لماله بل منفقا مال غيره، ولو تصدق به من قبل أن يتموله
стр. 66
كان فيه كالوكيل لرسول الله ﷺ فكان لا يخطئ هو بكمال ثوابه، وينقص رسول الله ﷺ من عشرة أضعاف إلى ضعف واحد، وذلك أن المتصدق الأول يكتب له الدرهم بعشرة، فإذا تصدق الثاني انتقلت رتبة العشرة إلى الثاني، وانتقلت العشرة مضروبة في نفسها فصارت للمتصدق الأول، لأن الأصل منه وفرع العشرة انتقل إلى غيره، ولو تصدق بها الذي تصدق عليه عمر لكان لذلك الإنسان العشرة ولعمر مائة، ولرسول الله ﷺ ألف، وعلى ذلك ما زاد، وهذا من قوله : ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، وكثيرة ههنا نكرة، والنكرة في هذا الموضع أعم من المعرفة.
* وفي هذا الحديث من الفقه قوله في الرواية الأخرى: (فتموله وتصدق به) وذلك دليل على أنه لم يعزم عليه في الصدقة به؛ لأنه ربما يكون في نفسه محتاجا إليه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن العبد المؤمن كما ينبغي أن لا يكون مشرفا، ولا متطلعا إلى شيء من الدنيا، كذلك ينبغي أن لا يكون مزاحما لله تعالى في تدبيره، ولا رادا على (٢٦/ ب) الله شيئا من عطائه، ولا مظهرا للتغاني عن الله بمال ولا بحال، كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يسأل أحدا شيئا، وإذا أعطي شيئا أخذه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن ابن السعدي لما استعمله عمر وأعطاه العمالة، فرد ذلك فأخبره عمر أنه رد كما رد، فقال له رسول الله ﷺ ما قال له؛ أن ذلك في العمالة على الصدقة؛ فيه زيادة توكيد لتبعد عنه التهمة، وليكون مستعينا به على نفسه كي لا يضجر في وقت ما إذا استمر لها العمل بغير أجرة، لأنه قد لا يستمر الصفاء للإنسان في الأحوال كلها، فالحازم يتخذ في أوقات الصفا عدة لمرافعة الكدر، ثم قول رسول الله ﷺ : (فكل وتصدق) دليل على إباحة
стр. 67
أن يأكل العامل من أجرة ما يعمل عليه في الصدقات، وأن يتصدق بعد ذلك إن فضل عنده لأنه قدم الأكل على الصدقة، فيكون إذا أكل أكل طيبا، وإذا تصدق تصدق طيبا من العفو أي الفضل.
- ٢١ -
الحديث الثالث:
[عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم).
وفي رواية: قال عمر: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها ذاكرا ولا آثرا)].
* فيه من الفقه كراهية الحلف بغير الله، وقول عمر ﵁: (ما حلفت بها ذاكرا) أي للنهي (ولا آثرا) أي ولا راويا ذلك عن أحد، وهو من قول الله : ﴿أو أثارة من علم﴾ أي رواية، ومآثر العرب أي مناقبها المأثورة عنها. والسر في ذلك أن الحالف إنما يحلف لغيره على قول يقوله له ليصدقه، أو ليعزم هو على نفسه باليمين ليثبت عليها، وذلك إنما يتم له المقصود فيه إذا حلف بأعز الأشياء عنده، فإذا حلف بغير الله فقد قال بلسان حاله: إن هذا الذي حلفت به أعز عندي من ربي ، والمؤمن (٢٧/ أ) أعز الأشياء في قلبه ربه ، فكيف يحلف بغيره لمن يريد أن يصدقه في يمينه؟!.
стр. 68
- ٢٢ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر، قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك. فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا. حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره. قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك؛ زعموا: أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها؛ لرأيت أنه قد ضيع؛ فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله تعالى يحفظ دينه، وإن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله! ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا، وأنه غير مستخلف.
وفي رواية: أنه لما طعن عمر قيل له: لو استخلفت؟ قال: أتحمل أمركم حيا وميتا؟ إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني؛ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ ؛ وددت أن حظي منها الكفاف؛ لا علي ولا لي. قال عبد الله: فعلمت أنه غير مستخلف، فقالوا: جزاك الله خيرا، فقال: راغب وراهب].
стр. 69
* فيه من الفقه أن عمر ﵁ رأي أن الخليفة بعده إذا كان باستخلاف منه، أنه يكون عليه إصره، وذلك إنما يكون إذا علم منه ما يكره، فاستخلفه على علم منه لذلك.
* وفيه أيضا أنهم لما أثنوا عليه بالخير أشار لهم أنه لا اعتبار بما يثنون به؛ فإنهم ما بين راغب وراهب؛ راغب يرغب فيما عندي، وراهب (٢٧/ ب) يرهب من سطوتي، وهذا إنما يقوله ﵁ على سبيل الاستقصاء في المناقشة، وإلا فإنه كان أهلا للثناء عليه، وكان الصحابة ﵃ أشرف مقاما من أن يثنوا على أحد رغبة أو رهبة؛ إنما هو ﵁ قال ذلك ليصدم به نفسه عن أن يركن إلى ما زكوها به، وهو كلام له مخرج حق من حيث إنه لم يكن يخلو واحد منهم من أن يرغب إليه أو يرهب منه؛ لكن لم تكن رغبتهم ولا رهبتم تمنعهم عن الحق.
* وفيه من الفقه أيضا أنه لما تصورت الصورة وقد كان فعل منها رسول الله ﷺ فعلا، وفعل منها أبو بكر ﵁ فعلا لم ير الأولى إلا ما فعل رسول الله ﷺ المؤيد بالعصمة، مع كونه أجاز الفعل الآخر.
* وفيه من الفقه أنه قد صرح عمر بأن أبا بكر ﵁ خير منه لقوله: (وإن أستخلف فقد استخلف من خير مني؛ أبو بكر ﵁.
- ٢٣ -
الحديث الخامس:
[عن عمر قال: قلت يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة.
стр. 70
وفي رواية: يوما في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك].
* ذكر ابن جرير في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل أن يفي في الإسلام بما كان نذر في الجاهلية.
قال الوزير يحيى بن محمد عفا الله عنه: والذي أراه أن النذر بالإسلام يتأكد؛ لأنه نذر لله في الجاهلية وهو لا يعرفه؛ فلأن يفي له إذا عرفه وأمر به، أولى وآكد.
- ٢٤ -
الحديث السادس:
[عن عمر قال: قال النبي ﷺ : (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه). وفي رواية (ما نيح عليه). وفي رواية: أن عائشة قالت: (لا والله ما قال رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا، وإن الله لهو أضحك وأبكى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لكن السمع يخطئ).
وفي رواية: أن حفصة بكت على عمر. وفي رواية: أن (٢٨/ أ) عمر قال نحو ذلك لما عولت حفصة وصهيب عليه.
وفي رواية: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه].
стр. 71
* هذا الحديث قد رواه الثقات، وهو صريح في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه، وقد عمل به عمر ﵁، ونهى حفصة عن البكاء لمقتضاه. وقد ذكرت عائشة فيما رواه ابن عباس من القول ما لا يدفع، إلا أن الجمع بين الحالين والتأليف بين الأمرين عندي- والله أعلم- أن عذاب الميت ببكاء الحي عليه إنما يكون فيما قد كان الميت أوصى به، وخرج فيه على ما كانت عادة العرب من أن يوصوا به، ويؤكدوا القول على مخلفيهم فيه كما قال طرفة:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كآمرئ ليس همه .... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
وكما قال صخر:
والله لا أمنحها شرارها .... ولو هلكت مزقت خمارها
وهي حصان قد كفتني عارها .... واتخذت من شعرها صدارها
والعرب: قد تسمي النوح بكاء، ولفظ الحديث (بما نيح عليه)، فالنياحة من عمل الجاهلية، وقد يخاف على المسلم إذا أخل بالوصية لأهله أن يتجنبوا النياحة عليه- إن كان لا يركن من أهله ونسائه إلى متانة دين، وأهمل الوصية حتى
стр. 72
نيح عليه يخاف عليه- أن يلحقه من ذلك أذى من العذاب من حيث إهمال الوصية بالواجب، ولا أرى عمر ذكر هذا الحديث لابنته حفصة قبل موته إلا مخرجا له إخراج تأديب وتعليم.
فأما من وصي أهله بأن لا يتجاوزوا في أمره بعد موته ما شرع الله قبلوا ذلك أم لم يقبلوا- فإنه لا حرج عليه بعد ذلك، وعلى أن البكاء على الميت من غير نوح، ولا خمش حد، ولا تخريق ثوب مباح، وقد بكى رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم (٢٨/ ب) وقال: هذه رحمة، وقد بكى الصحابة على رسول الله ﷺ .
وحديث عائشة في أن الكافر يعذب ببكاء أهله، فإنها صادقة، وكذلك لو لم يبك أهله عليه لعذب أيضا.
وقولها: (إن السمع يخطئ)، فقد يخطئ السمع كما قالت. إلا أن الذي أراه في ذلك أن يجمع بين الحديثين ما ذكرته.
- ٢٥ -
الحديث السابع:
[أن عمر ﵁ قال على منبر النبي ﷺ : (أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل). ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ينتهي إليه: الجد؛ والكلالة؛ وأبواب من أبواب الربا].
стр. 73
* هذا الحديث صريح في تحريم النبيذ المتخذ من التمر وسائر الأجناس التي عددها، ثم قوله ﵁: (والخمر ما خامر العقل) تعليق للحكم بالعلة، وينبغي أن يكون كل شيء فيه معنى الخمر من مخامرة العقل أن يسمى خمرا.
* ثم قوله على أثر هذا: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه ثم ذكر الجد والكلالة وأبوابا من الربا، ويعني أن هذه الأبواب لما لم يعهد إلينا فيها عهدًا تجاذبتها المسائل، وجرى فيها الخلاف، أما الخمر فإنها مما عهد رسول الله ﷺ فيه، وإنما من الأجناس التي عددها؛ فلا يقع فيها خلاف ولا يسوغ فيها تنازع، وهذا من مفهوم الخطاب الواضح؛ أي: إني وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا في واحدة من هذه المسائل كما عهد إلينا في الخمر من هذا القول الصريح فلم يبق في شيء منهن خلاف.
- ٢٦ -
الحديث الثامن: (حديث السقيفة)
[عن ابن عباس من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين؛ منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزلة (٢٩/ أ) بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم؛ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العيشة في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس
стр. 74
وغوغاءهم، فإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله- إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت بالرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المبنر، فجلست حذوه، تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي؛ وقال، ما عسى أن يقول ما لم يقله قبل؛ فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام: فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قدر أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (٢٩/ ب) تعالى عليه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال
стр. 75
والنساء؛ إذا قامت البينة؛ أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : (أن لا ترغبوا عن آبائكم. فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)، ألا وإن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرى عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)، ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغتر امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت؛ ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفي نبي الله ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار؛ فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم، لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعدة بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم،
следующие страницы →