← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

- ٨٩ - الحديث الحادي عشر: [عن جابر أن عمر قال في الضب: إن رسول الله ﷺ لم يحرمه، وإن عمر قال: إن الله ينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته. وفي رواية أبي سعيد الخدري: أن عمر قال: إنما عافه رسول الله ﷺ ]. * فيه من الفقه أن أكل الضب ليس بحرام. * وفيه أن النفوس الشريفة قد تعاف بعض ما يتناوله غيرها، وأن ذلك لا ينسب إلى ترف ولا إلى كبر. * وفيه أيضًا من الفقه أن الرجل إذا عافت نفسه شيئًا استحب له أن لا يأكله، لقوله ﵇ في حديث آخر: (أجدني (٦٩/ أ) أعافه) فجعل علة الامتناع أنه يعافه.

стр. 177

- ٩٠ - الحديث الثاني عشر: [قال أبو نضرة: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة. وفي رواية: أن عمر قال فيه: فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم]. * في هذا الحديث دليل على تحريم المتعة، وأن ما رخص رسول الله ﷺ فيه منها منسوخ بنهي النبي ﷺ ، وعلى هذا وقع الإجماع إلا من الشيعة؛ ولا أرى الاعتداد بخلافهم. - ٩١ - الحديث الثالث عشر: [عن أنس قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر، فرأيته، وليس أحد يزعم أنه يراه غيري، فجلت أقول

стр. 178

لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر قال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس؛ يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله؛ قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها رسول الله ﷺ . قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا)، فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا)]. * فيه من الفقه أن الهلال إذا رآه واحد (٦٩/ ب) كفى في أول الشهر إذا كان عدلا؛ ألا ترى إلى عمر ﵁ لما كرر له القول أن انظر قال: إني سأراه وأنا مستلق على فراشي. * وفيه أيضًا جواز اتخاذ الفراش. * وفيه دليل على نبوة محمد ﷺ لإخباره بمصارع المشركين الذين قتلوا في يوم بدر من قبل ذلك، وعلمه بمصر كل واحد وبقعته من الأرض. وهذا مما يدل أيضًا على ما ذهبت إليه في تأويل قوله ﷺ : (أنجز لي ما وعدتني). وقوله: (إن تهلك هذه العصابة .. لا تعبد في الأرض؟!). * وفيه من الفقه أن الموتى يسمعون كلام الأحياء؛ ولكن لا يقدرون على الإجابة.

стр. 179

- ٩٢ - الحديث الرابع عشر: [عن النعمان بن بشير قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه]. * فيه من الفقه ما يستدل به على شدة عيش رسول الله ﷺ . * وفيه أيضًا جواز ملء البطن من الطعام. * وفيه أيضًا ما يدل على أن رسول الله ﷺ لم يمتنع من ذلك إلا إعوازًا ولم يكن يقصد التجوع. - ٩٣ - الحديث الخامس عشر: [عن أبي الطفيل أن نافع بن الحرث لقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا، فقال: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين].

стр. 180

* فيه من الفقه جواز أن يولى المولى على الأحرار إذا كان ممن قرأ القرآن وعرف الفرائض. * وفيه من الفقه أن القرآن كما يرفع الله بحفظه والعمل به أقوامًا فكذلك يخفض به آخرين أضاعوه ولم يعملوا به بما أمروا به فيه. - ٩٤ - الحديث السادس عشر: [عن عقبة بن عامر الجهني قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي أرعاها، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله (٧٠/ أ) ﷺ قائما يحدث الناس، وأدركت من قوله: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)؛ فقلت: ما أجود هذا؟ فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: إني رأيتك فجئت آنفًا؛ قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء (أو فيسبغ الوضوء) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيهما شاء)]. * في هذا الحديث من الفقه: إسباغ الوضوء، والكمال فيه ثلاث مرار في كل عضو ما عدا الرأس فإن فيه الخلاف. والإسباغ في اللغة: أن يشتمل العضو الغسل ويستوعبه، والثوب السابغ: الفاضل عن مقدار طول صاحبه. وقوله: ﴿وأسبغ عليكم نعمه﴾ أي عمكم بها.

стр. 181

* وفيه أيضًا من الفقه أن الصلاة التي يقبل عليها العبد بوجهه وقلبه إذا صح له منها ركعتان فصاعدًا وجبت له الجنة، وإنما يوفق لذلك من لا يؤدي شيئًا من أركان الصلاة إلا وهو مفكر فيما يقوله منه، إذ ليس جزء من أجزاء الصلاة إلا وقد عين له ذكر من الأذكار بحسبه؛ حتى إنه إذا خر ساجدًا فيستحب له أن يمد الألف من اسم الله، ليكون بمقدار زمن هويه حتى يكون عند الأرض فيقول: (أكبر)، فيأخذ في التسبيح؛ لئلا يخلو جزء من أجزائه صلاته من ذكر يشغله به. وينبغي للمسلم أن يكرر اعتماد هذا على نفسه، وإن غفل في بعض صلاته عاد إلى التفهم بقي، فإنه إذا فكر في نفسه ومثل روحه كأنه يشاهد صورة قلبه وهو بين يدي الله ، وهو يرى صورة قلبه يلتفت يمينًا وشمالا بين يدي الله استحيى وخجل من ذلك؛ لاسيما وقلبه إلى أشياء غير لازمة ولا مهمة، وقد يكون منها أشياء يقبح أن تخطر بقلب المؤمن في (٧٠/ ب) ذلك المقام، وعلى هذا فإن رحمة الله سبحانه اتسعت في الاحتساب لعبده بالصلاة التي هي صورة الصلاة. وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فمن وفقه الله للطبقة العليا دائمًا فناهيك به، وإلا فليجتهد في أن تخلص له الفرائض على ذلك الوجه، فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن لا ينزل عن مقدار الركعتين اللتين قدرهما رسول الله ﷺ وأوجب عليهما الجنة، ومع ذلك فالفقهاء مجمعون على أن من خطر في قلبه وهو يصلي في فرض أو نفل خاطر من أمور الدنيا: المعاش أو غيره؛ فإن صلاته مجزئة عنه. * وفيه من الفقه: أن الاستحباب للعبد أنه كلما جدد وضوءًا لصلاته فكذلك يجدد الشهادتين لله بأنه: لا إله إلا هو؛ ولرسوله لصدقه في رسالته؛ احترازًا من غفلة قد كانت طرقت عليه أمرًا، أو شكًا أو ريبة أو غير ذلك مما يبطل

стр. 182

الصلاة. فإذا جدد الشهادة كان مجددًا لإسلامه قبل دخوله في الصلاة، فتصح صلاته ظاهرًا وباطنًا بيقين. * وفيه من الفقه أن أبواب الجنة ثمانية يدخل من أيها شاء؛ أي أن كل باب منها له أهل، فإن باب الصدقة يدخل منه المتصدقون، وباب الجهاد يدخل منه المجاهدون، والريان يدخل من الصائمون؛ فبين رسول الله ﷺ أن تلك الأعمال فرو على هذا الأصل من إقامة الشهادتين؛ فإذا أتى بهما كان مخيرًا في الفروع من أي أبواب الجنة شاء أن يدخل؛ من باب الصدقة أو من باب الجهاد أو غير ذلك. - ٥٩ - الحديث السابع عشر: [عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ (٧١/ أ) عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)]. * في هذا الحديث من الفقه أن القصر في الصلاة في السفر عزيمة وليس برخصة؛ لأنه قال: (صدقة تصدق الله بها) فلا ينبغي أن ترد صدقة الله عليه، وللفقهاء في ذلك خلاف. - ٩٦ - الحديث الثامن عشر: [عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل إلى قرية، على رأس

стр. 183

سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر بن الخطاب يصل بذي الحليفة ركعتين، فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل]. * في هذا الحديث من الفقه ما يؤكد ما مضى من قصر الصلاة في السفر، وأنه الثابت من فعل رسول الله ﷺ هو وأصحابه- ﵃ بعده. - ٩٧ - الحديث التاسع عشر: [عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قال المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر). فقال أحدكم: (الله أكبر، الله أكبر)؛ قم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله)، فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ ثم قال: (أشهد أن محمدًا رسول الله)، قال: (أشهد أن محمدًا رسول الله)؛ ثم قال: (حي على الصلاة)، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ ثم قال: (حي على الفلاح)، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ ثم قال: (الله أكبر الله أكبر)، قال: (الله أكبر الله أكبر)؛ ثم قال: (لا إله إلا الله)، قال: (لا إله إلا الله) من قبله، دخل الجنة)]. * في هذا الحديث من الفقه: الحض على تكرار لفظ الشهادة والتهليل؛ فإن المؤذن إذا قل معلنًا به فإن من مقاصده فيه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة

стр. 184

وليتأهبوا لها. * وفيه أيضا تذكيرهم بما عساهم أن يكونوا غفلوا عنه من الشهادتين. * وفيه أيضًا الإشعار بأن أمر الله تعالى قد أمكن إعلامه وإظهاره من غير خوف ولا مبالاة بأحمد بحمد الله ومنه، فإذا قال من يسمع المؤذن مثل ما يقول فقد شاركه في الثواب بحسب قصده، فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح لم يحسن من غير (٧١/ ب) المؤذن أن يرفع صوته كما يعمل المؤذن؛ لأنه هو المدعو، فإذا قال مثل قوله فمن يدعو؟ لأن المراد أن يجيب الداعي فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: إني مجيب لهذا الدعاء الكريم والنداء الشريف إلى عبادة ربي، ولا حول لي في ذلك ولا قوة إلا بتوفيق ربي ؛ احترازًا من نوابض العجب وخطرات الجهل، وأن يكون في ذلك كله يفهم قلبه ما ينطق به لسانه فيدخل الجنة كما قال رسول الله ﷺ ، ويكفي منها أن لا يكون قلبه مخالفًا للسانه أو غافلًا عما ينطق به، فلله الحمد على ما أنعم به على عباده المسلمين. - ٩٨ - الحديث العشرون: [عن عمر قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله، والله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل)]. * في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ وقى عرضه بعطائه خوفًا من أن يكذب عليه؛ لأنه قال: (أو يبخلوني، ولست بباخل).

стр. 185

* وفي هذا الحديث إباحة أن يقي الرجل عرضه ممن يستجيز أن يكذب عليه بماله، فإن الله تعالى يكتبه له صدقة، لقوله ﷺ : (ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة). وقوله: (خيروني بين أن يسألوني بالفحش- يعني الفحش من القول- أو يبخلوني)، ورسول الله ﷺ ليس ببخيل. - ٩٩ - الحديث الحادي والعشرون: [عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم؛ قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم؛ قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ فقال: نعم؛ قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس (٧٢/ أ) بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فاستغفر لي، فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟ قال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) فأتى أويسًا فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي؛ قال: أتيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له، ففطن الناس له، فانطلق على وجهه؛ قال أسير: وكسوته بردة.

стр. 186

فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لك هذه البردة؟]. * في هذا الحديث دليل على بركة الصالحين، وأن العبد المؤمن قد يبلغ إلى أن يتبرك به عمر، ويسأله الاستغفار، فيكون من فقه هذا أن يتبع الأخيار وإن كانوا في الأطمار الرثة، وأن يتطلبوا وإن كانوا لا ذكر لهم في المحافل رجاء بركتهم. * وفيه أيضًا أن أويسًا على كرم حاله أصابه البرص، وأن ذلك مما أصابه الله به ووفقه أن يسأل الله تعالى إبراءه منه، وأنه أبرأه منه إلا موضع درهم منه، يذكر به نعمته عليه، إذ من عادة الآدمي نسيان النعم إلا من وفقه الله. * وفيه أيضًا ما يدل على أن من جملة وسائل أويس بره بوالدته، وأنها كانت من (٧٢/ ب) العلامات التي عرفه بها عمر. * وفيه أيضًا أن أويسًا لما استغفر لعمر خلى سبيله وتركه وشأنه، ولعله قد آنس منه علمًا يكفيه في معاملته ربه. * وفيه أيضًا من الفقه أنه كان يسأل عنه بعد ذلك من يأتي من العراق تعرفًا لخبره، وتعهدًا لأحواله لأنه كان صديقًا له في الله ؛ إذ مرادهما واحد ومطلوبهما سواء. * وفيه أيضًا من الفقه جواز حب الخمول لمن يصلح في ذلك لأنه لما انتشر خبره بالكوفة خرج عنها إلى حيث لا يعرف. * وفيه أيضًا أنه بلغ به الزهد إلى الحال التي استنكر عليه فيها وجود بردة لبسها؛ ومع ذلك كله فلا خلاف أن عمر أفضل منه ومن أمثاله، ولكن هذه الطريقة من

стр. 187

المرابطة على عبادة الله باب من أبواب العبادات، وقد كان أويس ﵀ أصلا فيها، فكم ممن اقتدى به في زمانه وبعد موته ﵀، ورضي عنه، وهذا إنما يباح لمن عرف من العلم قدر ما فرض الله سبحانه عليه.

стр. 188

٣ مسند عثمان بن عفان ﵁ المخرج له في الصحيحين: ستة عشر حديثًا. المتفق عليه منها: ثلاثة. انفراد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. - ١٠٠ - الحديث الأول: (من المتفق عليه) [عن زيد بن خالد الجهني: أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ .

стр. 189

زاد في رواية البخاري قال: فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك]. * هذا الحديث منسوخ بالحديث الآخر عن عائشة: إذا التقى الختانان وجب الغسل، وتقول عائشة فعلته أنا ورسول الله ﷺ واغتسلنا، والإجماع منعقد على أن هذا الحديث منسوخ بذلك. - ١٠١ - الحديث الثاني: عن (٧٤/ أ) عطاء: أن عثمان دعاء بإناء، فأخرج على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه). وفي رواية عروة: (أن عثمان قال لما توضأ: والله لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يتوضأ رجل

стр. 190

فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها). وفي رواية معاذ بن عبد الرحمن: أن عثمان توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ نحو هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه). وعند مسلم في هذه الرواية: أن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه). وفي رواية ابن المنكدر: أن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره). وفي رواية زيد بن أسلم: أن عثمان توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صالته ومشيته إلى المسجد نافلة). (٧٤/ ب) وفي رواية بكير: أن عثمان توضأ يومًا وضوءًا حسنًا ثم

стр. 191

قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة إلا غفر له ما كان من ذنبه). وفي رواية جامع بن شداد عن حمران؛ قال: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه فيه نطفة- يعني ماء- قال: وقال عثمان: حدثنا رسول الله ﷺ عند انصرافنا من صلاتنا- أراه قال: العصر- فقال: (ما أدري، أحدثكم أو أسكت؟ قال: فقلنا يا رسول الله، إن كان خيرًا فحدثناه، وإن كان غير لك فالله ورسوله أعلم، قال: ما من مسلم يتطهر فيتم الطهارة التي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارات لما بينها). وفي أفراد مسلم عن مالك بن أبي عامر الأصبحي عن عثمان أنه قال: (ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا). زاد البرقاني في روايته عن عثمان قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقالوا: نعم. وفي أفراد مسلم عن عمرو بن سعيد بن العاص: أن عثمان دعا بطهور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)].

стр. 192

* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان أول ما يبدأ به من أفعال صلاته (الوضوء) فإذا حسنه وأسبغه وجوده كان كمن أحكم أساس عمله. * وفيه من الفقه ترتيب الوضوء. * وفيه دليل على أن ذلك الوضوء الذي يحسنه ويسبغه إذا أتبعه صلاة مقدارها ركعتان؛ أقل ما يكون من الصلاة، فحسنها (٧٤/ أ) وأخلص فيها، ولم يحدث فيها نفسه؛ فإنه يغفر له ما تقدم له من ذنبه، وذلك أنه يكون قد أحسن العمل أصلًا وفرعًا، وهذا معنى حديث عمر. وما أخبر في ذلك الحديث من فكر المصلي في الأذكار التي ينطق بها، ما بين تكبير لله سبحانه، وحمد وثناء وإفراد بعبادة، واستعانة وسؤال هداية لصراط مستقيم مع استاذة من حالة غضب وضلال؛ وتدبر تلاوة مرتلة يسمعها نفسه، وركوع وسجود، وقيام وقعود، وحفظ لأطرافه عن العبث وعقله عن الطموح، ولأعضائه عن الاضطراب وجملته عن الالتفات ولقلبه عن الوسوسة، فإذا تمت له هذه الصلاة في مدة ساعة هدم الله بها الذنوب المتقدمة في عمره ما كان، وذلك لأن هذه الصلاة خلصت فثقلت في الموازين ومحت كل ذنب بإزائها في كفة ميزان لأنها اشتملت على إنابة وفيئة وأوبة وإخلاص في إيمان، وانقطاع عن الخلق واستعانة بالخالق مع امتثال أمره على سنة رسول الله ﷺ ، وتلاوة كلامه وتوجيه الوجه إليه والتذلل له، ووضع أشرف ما في الإنسان على الأرض بين يدي ربه. * وفيه من الفقه أيضًا أن الإنسان إذا علم علمًا لم يحل له أن يكتمه. * وفيه أيضًا أن الأحاديث المتعلقة بالرجاء فإنه ينبغي أن تذكر على وجهها، ولا يبخل العبد على عباد الله بما جاد به ربهم.

стр. 193

* وفيه أيضًا من التذلل أن المصلي إذا صلى الصلاة فإن ما بين الصلاة إلى الصلاة الأخرى في حماية ما قد سبق له من الصلاة المتقدمة فكأنما صلاة تسلمه (٧٤/ ب) إلى صلاة، وتتناوله صلاة من صلاة، وكأنما يكون دهره بأسره قد حفظ إذا حفظ الصلوات الخمس. * وفيه أيضًا أن من توضأ فجاء إلى المسجد فصادف وقتًا لا يمكنه الصلاة فيه- كما بعد العصر أو وقت طلوع الشمس- فجلس في المسجد على ذلك الوضوء أنه يلحقه الله تعالى بدرجة من صلى. * وفيه أيضًا ما يدل على فضل الجماعة. * وفيه أيضًا أن الوضوء يرفع الحدث عن الجسم ويرفع الوزر عن العبد، وأن الخطايا تخرج من الجسد حتى من تحت الأظفار، والذي أراه في ذلك أن تحت الأظفار قل ما يباشر به عمل، وإنما نصال الأجسام الظفر؛ فذكر ذلك للمبالغة في خروج الإثم من جسم لم يعمل به خطيئة. * وفيه أيضًا من الفقه أن الله تعالى يغفر بالوضوء خاصة ما تقدم من الذنوب كلها حتى يعود العبد مطلق الحال لا يكون ما يعمله من العبادات مقابلًا لشيء من الخطايا بل يكون ما يصليه نافلة؛ على معنى أنه يكون فاضلًا له؛ وليس يريد بالنافلة (التي هي) غير الفرض. * وفيه استحباب الاغتسال لقوله: (ما أتى على عثمان يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة). * وفيه من الفقه أنه قال: (ما أدري أحدثكم أو أسكت؟)، والمعنى: لا أدري أبلغتم إلى مقام لا يفسدكم فيه قوة الرجاء أم لا؟ * وفي الحديث تنبيه على تجديد الوضوء لأنه قال: (يتوضأ ثم يصلي).

стр. 194

- ١٠٢ - الحديث الثالث: [عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجدًا- قال الراوي: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله- بنى الله له مثله في الجنة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الباني للمسجد قد أثر أثرًا يعبد لله فيه؛ فكأنه قد شهد بفعله ذلك لربه أنه لا إله إلا هو قائمًا بالقسط، وبأنه مستحق للعبادة، فلذلك بنى الله له بيتًا في الجنة. من أفراد البخاري - ١٠٣ - الحديث الأول: (٧٥/ أ) [عن أبي الزبير قال: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ إلى قوله: ﴿غير إخراج﴾ قد نسختها الأخرى؛ فلم تكتبها؟ فقال: تدعها يا بن أخي، لا تغير شيئًا منه من مكانه]. * في هذا الحديث من الفقه معرفة أن ما في المصاحف من القرآن هو على ما انتهى

стр. 195

إلينا لم يجر في شيء منه تبديل ولا تغيير؛ لأن الله تولى حفظه كما وعد سبحانه. * وفيه أيضًا أن السنة في كتابته وقراءته على ما انتهى إلينا من ترتيبه. - ١٠٤ - الحديث الثاني: [عن أنس بن مالك في جمع القرآن: أن حذيفة قدم على عثمان. وقد تقدم في مسند أبي بكر متصلًا لحديث زيد بن ثابت]. * وقد سبق تفسيره. - ١٠٥ - الحديث الثالث: [عن السائب بن يزيد: (أنه سمع عثمان بن عفان على منبر النبي ﷺ ؛ لم يزد]. * يدل على أن اتخاذ المنبر سنة؛ لأن النبي ﷺ صنعه ورقى عليه، ولا يتعدى في معناه الكراسي التي يجلس عليها من يذكر الناس ليمتد صوته ويبلغ كلامه، وكذلك المحدث إذا عظمت حلقته وخاف أن لا يصل صوته.

стр. 196

- ١٠٦ - الحديث الرابع: [عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود قالا له: (ما يمنعك أن تكلم أمير المؤمنين عثمان في شأن أخيه الوليد بن عقبة؟ فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، فقلت: إن لي حاجة إليك، وهي نصيحة، فقال: يأيها المرء، أعوذ بالله منك، فانصرفت، إذ جاء رسول عثمان فأتيته (٧٥/ ب) فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ، ورأيت هدية، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله ﷺ ؟ قال: فقلت: لا، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: فقال: أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ ، فكنت ممن استجاب لله ورسوله، وآمنت بما بعث به، ثم هاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله ﷺ . وفي رواية: ونلت صهر رسول الله ﷺ ، وبايعته، فوالله، ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي بلغتني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد، فسآخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا عليًا، فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين. وفي أفراد مسلم في مسند علي: أن الوليد لما جلد أربعين. قال علي:

стр. 197

أمسك، جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي)]. * في هذا الحديث من الفقه استحباب التأدب في نصح الإمام. * وفيه أيضًا من الفقه أن شارب الخمر إذا أعلن بذلك وثبت عليه تعين استيفاء الحد منه. * وفيه أيضًا جواز الأربعين في الحد والثمانين، وأن كل ذلك سنة. * وفيه ما يدل على تقوى عثمان؛ إذ جلد ابن عمه الوليد، واستوفى حد الله منه. - ١٠٧ - الحديث الخامس: [عن عبد الله بن عدي أنه دخل على عثمان بن عفان وهو محصور فقال له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، ويصلي (٧٦/ أ) لنا إمام فتنة، وأنا أتحرج من الصلاة معه، فقال له عثمان: (إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أسأوا فاجتنب إساءتهم)]. * في هذا الحديث من الفقه جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، إذا كانت صلاة جمعة أو عيد أو نحو ذلك. * وفيه أنه لا نبغي أن ينهى أحد عن الصلاة.

стр. 198

- ١٠٨ - الحديث السادس: [عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان أن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)]. * في هذا الحديث من الفقه بيان شرف القرآن وفضل تعلمه وتعليمه، لأن الإنسان ينال بتلقنه درجة المتعلمين وبتلقينه درجة العالمين؛ إلا أني أرى أن الأولى للفطن اليقظ أنه لو تعلم منه آية واحدة علمها في وقته، ولا يصبر حتى إذا تعلم القرآن كله علم حينئذ، بل ليتلقن ما استطاع حفظه ثم ليلقنه لغيره إن قدر من يومه فيكون انتشار ذلك عنه- ما بلغ- نورًا يسعى بين يديه، وليكون إلى أن يختم الكتاب العزيز قد ختم غيره. - ١٠٩ - الحديث السابع: [عن عثمان حين حوصر، أشرف عليهم، فقال: أنشدكم بالله،- ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزتهم؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة؛ فحفرتها؟ قال: فصدقوه بما قال].

стр. 199

* في هذا الحديث ما يدل على فضل عثمان ﵁ بتجهيز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، وتصديق المسلمين له على ذلك وعلى ما وعده رسول الله ﷺ في ثواب فعله ذلك. * وفيه أيضًا جواز أن يستدفع الرجل شر الجاهلين عنه بذكر أعماله التي يوضح بها (٧٦/ ب) مقامه من الدين إذا كان يدفع به الأذى عنه. - ١١٠ - الحديث الثامن: [عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف يا أمير المؤمنين. قال: أو قالوه؟ قال: نعم. قال: ومن؟ فسكت، قال: ثم دخل عليه رجل آخر، فقال: استخلف يا أمير المؤمنين. فقال عثمان: أوقالوه؟ قال: نعم. قال: ومن هو؟ قال: فسكت. قال: فلعلهم قالوا الزبير؛ قال: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده، إنه لخيرهم ما علمت، وإن لأحبهم إلى رسول الله ﷺ ]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الرعاف إذا اشتد من الأشياء الخطرة التي يستحب معها الوصية، وهذا ينبني عليه من الفقه أن لا تنفذ الوصية فيما عدا الثلث إذا مات من ذلك المرض. * وفيه أيضًا من الفقه أن الزبير ﵁ كان من الشرف والمقام في الإسلام بحيث تسبق الظنون إلى أنه هو المستخلف بعد عثمان.

стр. 200

* وفيه أيضًا تحرز عثمان في قوله: ما علمت؛ أي الذي بلغه علمي. * وفيه أيضًا أن أصحاب رسول الله ﷺ كالنجوم فكلهم يهتدى به. من أفراد مسلم - ١١١ - الحديث الأول: [عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب]. * في هذا الحديث من الفقه تحريم النكاح على المحرم، والإنكاح، وأن يكون خاطبًا للنكاح، وسر ذلك أن المحرم قد تلبس بعبادة تستغرق وقته فلا يشتغل بعبادة أخرى تنافي حالة تلك العبادة، كما أنه لو دخل في الصلاة لم يجز له أن يلابس الصدقة بنفسه، ولو دخل في صيام الفرض أو النذر لم يجز له أن يؤاكل الضيف لأنها ليست من جنس العبادة التي شرع فيها بخلاف ما لو كانت العبادة (٧٧/ أ) ن جنس عبادته كذكر الله، وقراءة القرآن فإنه لا يكون ممنوعًا من ذلك وإلا فالنكاح عبادة، والخطبة له عبادة، لكن لكل عبادة موطن، ولكل مقام حال. - ١١٢ - الحديث الثاني: [أن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينه وهو محرم، فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدهما بالصبر، وحدثه عن عثمان عن النبي ﷺ : أنه كان يفعله].

стр. 201

* في هذا الحديث دليل على كراهية الكحل للمحرم. * وفيه دليل على أن الصبر يقوم في ذلك مقام الكحل، وذلك أن الصبر فيه من القبض والجلاء- على تنافيهما- ما يزعم الأطباء أنه من الأشياء المنفردة بذلك، وهو موصوف في الأكحال، واكتحلت به أنا مرارًا فيما أظن. * وفي الحديث ما يدل على إباحة التداوي، وأن التضميد في موضعه باب من أبواب التداوي. - ١١٣ - الحديث الثالث: [عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين)]. * فيه من الفقه تحريم الربا، والفقهاء يرون في هذه المسألة أن الربا حقيقة في وضع اللغة أنه الفضل، ولا أراه كذلك من كل وجه، وإن كان الربا في الصورة كما ذكروا إلا أن نطق القرآن ورد بذكر الربا، ولم يرد بذكر تحريم الفضل، وإنما ينصرف منطق الربا إلى كل شيء يربو، وإن لم يترك عليه غيره؛ كالطعام إذا ربا فإنه يزيد في العين من حيث انتفاخه. وقد قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ ولم يزد فيها شيء من الخارج، وإنما كان فيها الربا من نفسها، وكذلك إذا أكل الطعام ربا فإنه لا يزيد فيه شيء من غيره، فصار المعنى أن الربا وإن رأيتموه في صورة التزايد فهو من حيث الإيمان (٧٧/ ب) محق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يمحق الله الربا﴾ فأما الصدقات فإنها من حيث مشاهدة

стр. 202

الآدميين لها أنها تنقص، وهي من حيث الإيمان تربو، لقوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ وقد تقدم من بيان السر في تحريم الربا في أول هذا الباب ما يكفي إن شاء الله تعالى. - ١١٤ - الحديث الرابع: [عن سعيد بن العاص، أن عثمان وعائشة ﵄ حدثاه: (أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال: ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، قال: فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. قال: فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر، كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته)]. * فيه من الفقه جواز الاضطجاع على الفراش ولبس مرط المرأة من غير تنزه عنه. * وفيه أيضًا من دلائل الزهد أنه لم يكن لرسول الله ﷺ مرط إلا مرط عائشة. * وهو يدل على فضيلة أبي بكر وعمر وشدة أنسه ﷺ بهما.

стр. 203

* وهو يدل على فضيلة عثمان من حيث احتفاله به، وتعليله ذلك بأنه إنما جلس لئلا يراه على حالة انبساط فيستحيي أن يذكر حاجته؛ من حيث إن المنبسط في أهله وبيته ليس متهيئًا لذكر الحوائج، فإذا ذكر له إنسان حاجته في تلك الحال فقد كدر عليه انبساطه، فأراد ﷺ أن يتأهب (٧٨/ أ) للجلوس له لئلا يظن به أنه قد كدر وقته بحضوره، ولا ينطلق في ذكر حاجته. - ١١٥ - الحديث الخامس: [عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)]. * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على فضل الجماعة. * فأما تفاوت ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر فإن صلاة العشاء يدركها النوم، وصلاة الفجر تدرك النوم، فالاستعداد لها بالهبوب من النوم أشق لأن الله : ﴿إن ناشئة الليل هي أشد طئًا وأقوم قيلا﴾.

стр. 204

٤ مسند علي ﵁ المخرج له في الصحيحين: أربعة وأربعون حديثًا المتفق عليه منها: عشرون حديثًا وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر - ١١٦ - الحديث الأول: (مما اتفق عليه) [عن الحسين بن علي ﵉ أن عليًا أخبره أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة ليلًا فقال: ألا تصليان؟ قال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا؛ فانصرف رسول الله ﷺ -

стр. 205

حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه ويقول: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾]. * في هذا الحديث من الفقه جواز طروق البنت مع جواز أن يكون زوجها ضجيعها ولاسيما إذا كان الزوج في حكم الولد كعلي عن النبي ﷺ . * وفيه دليل على أن رسول الله ﷺ كان دخوله إليهما في وقت صلاة الفجر، وإنما أحب لهما إدراك الفضيلة في أول الوقت ولذلك قال: (ألا تصليان؟) على معنى العرض؛ إذ لو تضايق الوقت لما قال هكذا، وإنما كان يقول: (قوما إلى الصلاة). * وفيه من الفقه أيضًا أن المتعلم لا ينبغي أن يجادل العالم إذا حضه على الأفضل والأرفع بالحجاج الذي يطول البسط بشرحه؛ فإنه لما قال له: (إنما أنفسنا بيد الله؛ إذا (٧٨/ ب) شاء أن يبعثنا بعثنا) لم يتسع الوقت أن يقول له ما يحل هذا الإشكال من قلبه كما ينبغي، ولكن اكتفى بقوله : ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا﴾، أي هذا الذي ذكره هو من باب الجدل وإن كان حقًا، ولكنه لا يستعمل مثله جوابًا عن قوله: (ألا تصليان؟) لأنه لو استعمل هذا الجواب في ذلك لأدى إلى إبطال الصلاة وتضييع أوقاتها. * وفي الحديث دليل على جواز ضرب الرجل فخذه للأمر الذي يشير إليه من إيقاظ فهم السامع.

стр. 206

- ١١٧ - الحديث الثاني: [عن الحسين بن علي أن عليًا ﵁ قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ : أعطاني شارفصا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله ﷺ وعدت رجلا صواغًا من بني قينقعا يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين، فأستعين به في وليمة عرسي، فبينما أنا أجمع لشارفي متاعًا من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنته قينة وأصحابه؛ فقالت في غنائها: (ألا يا حمز للشرف النواء ..)، فوثب حمزة إلى السيف، فاجتنب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله ﷺ في وجهي الذي لقيت، فقال: (٧٩/ أ) (مالك)؟ فقتل: يا رسول الله ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو في بيت معه شرب، فدعا رسول الله ﷺ بردائه، فارتداه ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذن له، فإذا هم شرب، فطفق رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله ﷺ فصعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل، فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه

стр. 207

القهقري، وخرج وخرجنا معه. وفي رواية: وذلك قبل تحريم الخمر]. * في هذا الحديث من الفقه أن عليًا ﵇ كان ساعيًًا لدخوله بأهله، مما يجمع من الإذخر يبيعه من الصواغين. * وفيه أن الأسف والأسى على المصيبة في المال قد يبلغ من الرجل الصالح إلى أن يبكي؛ لقول علي ﵁: (فلم أملك عيني). * وقد نسخ الله ما ورد في هذا الحديث من شرب الخمر بتحريمها. * وفيه أيضًا جواز نزع الرداء للقاعد في البيت؛ ألا تراه يقول: (فدعا رسول الله ﷺ بردائه)؟ * وفيه أن لا يخرج الإنسان إلى الناس على حالته في بذلته في بيته حتى يأخذ رداءه ويتأهب للخروج. * وفيه أن العاقل الصاحي لا يتعرض لخطاب السكران والثمل. * وفيه أن الذاهب بين يدي السكران والثمل ينبغي أن لا يوليه ظهره لأنه لا يأمن منه (٧٩/ ب) أدى، ألا ترى إلى قوله: فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقري).

стр. 208

- ١١٨ - الحديث الثالث: [عن ابن عباس قال: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي ألقى الله بمثل عمله منك، ويم الله! إن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)، فإن كنت لأرجو- أو لأظن- أن يجعلك الله معهما]. * فيه من الفقه جواز الميت على سريره، وأن يدخل عليه الناس؛ فإن في ذلك نوع من استدعاء رحمة له من كل قلب قد يكون قاسيًا عليه، فربما جعله في حل مما بينه وبينه؛ وليتعظ الأحياء به. * وفي هذا الحديث دليل على أن عليًا لم يرض ولم يتمن أن يكون له مثل عمل أحد بعد عمر. * وفيه من الفقه شهادة علي له ولأبي بكر معًا بصحبة رسول الله ﷺ لقوله: (مع صاحبيك) وهذا أمر قد كان من علي ﵁ على سبيل النطق بالمعروف المعهود بين الصحابة من أن أبا بكر وعمر صاحبا رسول الله ﷺ ، فكذلك قوله: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر).

стр. 209

- ١١٩ - الحديث الرابع: [عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت عليًا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)]. * في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (خير نسائها) أي من يماثلها أو يقاربها في شرفها، كما يقال للمرأة التي يعين لها الصداق: (يرجع فيه إلى مهور نسائها)، (٨٠/ أ)، أي أقاربها ومن يماثلها. - ١٢٠ - الحديث الخامس: [عن محمد بن علي (بن الحنفية) أن عليًا قال لابن عباس: (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية)]. * فيه من الفقه تحريم المتعة التي تخالف فيها الشيعة، وهذا الحديث المتفق عليه عن علي يرد قولهم، ويدل على تحريم الحمر الأهلية.

стр. 210

- ١٢١ - الحديث السادس: [عن علي قال: كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: (يغسل ذكره، ويتوضأ). وهو في أفراد مسلم عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال: أرسلنا المقداد إلى رسول الله ﷺ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : (توضأ وانضح فرجك)]. * فيه من الفقه أن على الذي يلقى منه غسل الفرج، وما روي عن أحمد: أنه يغسل الأنثيين جيدًا حسنًا. وقوله: (انضح فرجك)، هو الحديث الأول لكنه قدم وأخر، وعبر عن الغسل بالنضح. - ١٢٢ - الحديث السابع: [عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان يعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله النبي ﷺ ، تنهى

стр. 211

الناس عنه؟ فقال له عثمان: دعنا عنك، قال إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعًا. وهذا بمعناه في أفراد البخاري عن مروان بن الحكم: أنه شهد عثمان وعليًا بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة. فقال عثمان: تراني أنهى الناس، وأنت تفعله؟ فقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد. وهذا المعنى في أفراد مسلم: أن عليًا كان يأمر بالمتعة، وعثمان ينهى عنها، فقال عثمان كلمة (٨٠/ ب) فقال علي: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله ﷺ فقال عثمان: أجل، ولكنا كنا خائفين]. * في هذا الحديث جواز الإهلال بالعمرة والحج، وما ذهب إليه عثمان ﵁ فقد ذكر الاحتجاج له بأن ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك كان لأجل الخوف، وما فعله علي محتجًا بظاهر فعله رسول الله ﷺ ، فكان كل منهما مأجورًا، إلا أن مثل ذلك لو اتفق في زماننا هذا كان المتعين متابعة الإمام فيما يفعله. - ١٢٣ - الحديث الثامن: حديث حاطب بن أبي بلتعة، وقد تقدم الكلام عليه، إلا أن في هذا قول رسول الله ﷺ : (قد صدقكم)].

стр. 212

يدل على أنه لما سئل موطن الخطر صدق، فلا جرم نجاه الله تعالى بسابق عمل صالح. -١٢٤ - الحديث التاسع: [عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب وفي رواية: يوم الخندق- (ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس). وفي رواية عن عون عن النبي ﷺ : شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ثم صلاها بين المغرب والعشاء] * في هذا الحديث من الفقه استحباب الدعاء على الكفار، على خلاف ما كانت تراه الجاهلية، فإنهم لا يرون الدعاء على العدو، ويعدونه ذلا. * وفيه أيضًا الاشتغال بالعدو حتى غربت الشمس، وهذا قد يكون عن اشتداد القتال، ويكون عن نسيان، وشدة جلبة القتال. * وفيه أيضًا دليل على أن الصلاة الوسطى التي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها هي صلاة العصر، وذلك ظاهر فيها لأن بين يديها صىلاتين من النار، وورائها صلاتين من الليل، وهي الصلاة الوسطي.

стр. 213

-١٢٥ - الحديث العاشر: [عن علي قال: (كساني النبي صلى الله عليه حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب (٨١/ أ) في وجهه، فشققتها بين نسائي). وفي أفراد مسلم عن علي ﵇: أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه عليًا، وقال: (شققهخمرًا بين الفواطم). وفي رواية عن علي قال: (أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء، فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: إن لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين السناء)] * في هذا الحديث من الفقه جواز إعطاء الإمام الثوب الحرير من غير اشتراط عليه أن لا يلبسه، فإن هو لبسه أنكره عليه، وقد مضي شرح ذلك فيما تقدم. * وفيه أيضًا جواز تشقيق الثوب للخمر ونحوه، وليس هذا مما يعتمده الجهال من تشقيق الثياب حتى تعود عصائب لا تفيد طائلا، ألا تراه يقول: (شققه خمرًا بين الفواطم)؟ فلا ينبغي أن يتجاوز تشقيق الثياب حد الخمار أو ما ينتفع في الغالب.

стр. 214

* وفيه أيضًا إباحة لبس الحرير للنساء. والحلة السيراء: ذات الخطط. - ١٢٦ - الحديث الحادي عشر: [عن علي قال: ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لعسد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: (يا سعد، أرم، فداك أبي وأمي)]. * فيه من الفقه استحباب الرمي وكونه فاضلا في السلاح. * وفيه جواز أن يدعو الرجل للرجل في مواطن الحرب إذا كان في ثغر من ثغور القتال بدعاء معناه السلامة والبقاء لأجل مقامه في ثغرة صف المسلمين، ألا ترى رسول الله ﷺ دعا له بأن يفدي حتى ذكر أبويه؟ * وفيه أيضًا أنه على عظم تشريفه إياه له بهذا المنطق أنه لمي جعل فداه مسلمًا ولا حيًا. -١٢٧ - الحديث الثاني عشر: [عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تكذبوا علي،

стр. 215

فإنه من يكذب (٨١/ ب) على يلج النار]. * في هذا الحديث من الفقه أن من أعظم الكذب إثما الكذب على رسول الله ﷺ ؛ لأن الكذب عليه يشتمل على تبديل الشرع وتقلب الأحكام، فقد جاء في الحديث: (تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وإذا حدثتم عني فلا تكذبوا علي فليس كذبًا على ككذب على غيري) يعني ﷺ أن الحكاية عن بني إسرائيل لا تتخذ شرعًا، وأن القول عنه ﷺ يتخذ شرعًا. وفيه أيضًا أنه قال: (من يكذب على يلج النار)، بالشرط وجوابه هكذا مطلقًا من غير تقييد بخلاف الحديث الآخر الذي قيده بأن قال: (من كذب علي متعمدًا) وهذا المطلق ينصرف إلى التعمد وغيره هو أصعب وأشد. -١٢٨ - الحديث الثالث عشر: عن علي قال: [نهي رسول الله ﷺ أن ينتبذ في الدباء والمزفت]. *فيه من الفقه أن لا ينتبذ في الدباء وهو القرع، والمزفت وهو المطلي بالزفت، وذلك أن النقيع في الأسقية لا يسرع إليه الاشتداد والصيرورة إلى الإسكار كما يسرع إلى النقيع في الدباء والمزفت؛ فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك لئلا يتعدى
следующие страницы →