Полный текст (2 650 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قربة إلى الله ، وإنما المكروه التكلف والتتبع لما لا فائدة ولا نفع فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾.
- ٦٢ -
الحديث الثامن عشر:
[عن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ]؟
* فيه من الفقه أن الغريب الذي لا يعرف مقدار شرف المسجد معذور حتى يعرف.
* وفيه أيضًا من الفقه أن رفع الصوت في المسجد في غير ذكر الله هو الذي نهى عه عمر؛ لأن المساجد إنما بنيت ليذكر فيها اسم الله ، ولأن أحد ملوك الدنيا إذا رفع الصوت في داره بغير حمده والثناء عليه عد ذلك من سوء الأدب.
* وفيه أيضًا من الفقه أن أرسل إليهما ولم يذهب بنفسه، وفي ذلك دليل على جواز الاستنابة في إنكار المنكر.
* وفيه أيضًا أن عمر أحس بأنهما غريبان فأراد أن (٥٦/ أ) يستدعيا إليه، فيعلما أنه سيد وآمر فيصيرا إلى قوله.
- ٦٣ -
الحديث التاسع عشر:
[عن حفصة وعن أسلم مولى عمر قالا: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة
стр. 142
في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.
وفي رواية عن حفصة فقلت: أنى يكون هذا؟ فقال: يأتيني به الله إذا شاء].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد إذا دعا الله بالشيء الممتنع على غير الله فإنه مستحب وأولى من الدعاء الشيء المعهود المألوف، وأجدر بالإجابة من غيره إذا دعا به الداعي وهو موقن بالإجابة، ألا ترى أن حفصة لما قالت له: أني يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء!؟ فلا جرم أجابه الله إلى ما سأل وبلغه ما طلب؛ وإنما أحب عمر ﵁ فيما أرى- فضيلة الشهادة وشرف الدفن عند رسول الله ﷺ ليكون ضجيع رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁.
- ٦٤ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين، وكان شهد بدرًا مع النبي ﷺ ، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي ﷺ .
لم يزد، وهو طرف من حديث طويل في قصة لقدامة بن مظعون اقتصر البخاري على هذا القدر منه لحاجته إليه في من شهد بدرًا.
стр. 143
قال الحميدي: وقد وقع لنا بتهامه بهذا الإسناد متصلا بقوله: وكان خال ابن عمر وحفصة، قال: وقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدًا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة؛ فقال عمر: ما تشهد يا أبا هريرة؟ قال: لم أره حين شرب وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطعت يا أبا هريرة في الشهادة، ثم كتب إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم (٥٦/ ب) عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصيم؟ فقال الجارود: أنا شهيد. فقال: قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله. فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوأنك. فقال الجارود. أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوأني، فأوعده عمر، فقال أبو هريرة- وهو جالس-: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند زوجة قدامة ينشدها بالله فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة. فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر! قال: ولم يا قدامة؟ قال إن الله قال: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على القوم، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن يجلد ما دام وجعا، فسكت عمر عن جلده أيامًا ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن يجلد ما دام وجعًا؟
стр. 144
فقال عمر: إنه والله لئن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي، إي والله لأجلدنه، ائتوني بسوط. فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه، فمسحه بيده ثم قال لأسلم: قد أخذتك دقرارة أهلك! ائتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط، فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا، وقدامة مهاجر لعمر حتى قفولا من حجهم، ونزل عمر بالسقيا، ونام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله إني (٥٧/ أ) لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال لي: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاؤوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًا حتى كلمه عمر واستغفر له فكان أول صلحهما].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد المؤمن قد يقارف المعصية، فإن قدامة بن مظعون مع كونه قد شهد بدرًا قارف ما أوجب حدًا.
* وفيه من الفقه أن الإنسان إذا رأى ما يوجب حدًا قد أظهره فاعله، وجب عليه رفعه إلى الإمام لقول الجارود: (إذا رأيت حدًا من حدود الله وجب علي أن أرفعه إليك)، فلم ينكره عمر.
* وفيه أنه لم يقبل في البينة على شرب الخمر شهادة واحدة حتى استشهد أبا هريرة.
* وفيه أيضًا أنه لما لم يشهد أبو هريرة بأنه رآه قد شرب الخمر، أخر العمل بالشهادة، لأن الشهادة بالسكر والقيء لا توجب الحد.
* ثم قوله: (لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة)، أي قد تعمقت في ذلك توصلا إلى أن يشهد عليه، ويدل على أنه إذا كان لم يعاين الشرب كان من شأنه أن لا يشهد.
* وفي هذا الحديث كراهية الحرص على إقامة الشهادة في الحدود لأن رسول الله ﷺ -
стр. 145
قال: (ادرأوا الحدود بالشبهات) لأنه عورة للمسلم، ولا يحسن بأخيه المسلم أن يكون حريصًا على هتك عورة أخيه؛ ولهذا قال عمر للجارود: (أشهيد أنت أم خصيم؟) لما قال (أقم على هذا كتاب الله) ثم لما قال: (أنا شهيد)، قال: (فقد كنت أديت شهادتك).
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه يكره معاودة الإمام في الحرص على إقامة الحد، ألا ترى أن عمر قال للجارود لما عاوده: (لتملكن لسانك أو لأسوءنك)؟
* وفيه أيضًا ما يدل على حلم عمر حيث قال له الجارود: (أيشرب ابن عمك الحمر وتسوءني؟)، لأنه اقتصر على الإيعاد.
* وفيه أيضًا من الدليل على أنه لما كانت شهادة أبي هريرة فيها بعض الإعواز، استفاد عمر بقول المرأة غلبة الظن على صدق ما أخبر به لأنها زوجته.
* وفيه أيضًا أنه ليس لكل (٥٧/ ب) أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه؛ ألا ترى أن عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لما احتج عليه بقول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ (فقال): (لو اتقيت لاجتنبت ما حرم الله عليك)؟
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا شرب الخمر فشهد عليه بذلك شاهدان، ورفعا ذلك إلى الإمام أو نائبه الحاكم، فإن الجلد يجب عليه وإن تاب، ألا ترى أن عمر جلد قدامة بعد المدة الطويلة، بل لو تاب فيما بينه وبين الله من قبل أن تقوم البينة لم يكن عليه حدً إلا أن يقر؟
* وفيه من الفقه أن المسلم إذا وجب عليه حد وكان مريضًا أنه لا يؤخذ منه الحد
стр. 146
حتى يبرأ من مرضه.
* وفيه أيضًا أن استيفاء الحد يكون بسوط بين سوطين.
* وفيه أن الإمام والحاكم يتعين عليه أن يشاور أهل مجلسه من أهل العلم في الحوادث التي تحدث له.
* وفيه من الفقه أن الحد إذا وجب لم يجز للإمام أن يعفو عنه؛ ألا ترى إلى قول عمر: (والله لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقى الله وهو في عنقي)؟
- والدقرارة في لغة العرب على نحو الشيمة أو السخيمة في المخالفة، فكان عمر ﵁ قال له لما جاءه بسوط ناقص: (أخذتك دقرارة أهلك)؛ يريد به ذلك.
* وفيه أيضًا أن عمر حين استوفى من قدامة رفق به وصبر على هجره، وأعين قدامة من قبل الله رفقًا من الله بقدامة أيضًا لما رآه عمر في منامه وقيل له: (سالم قدامة؛ فإنه أخوك)؛ ومعنى قوله: (أخوك) أي هو مؤمن، فإن الله تعالى يقول: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ولذلك جره عمر إلى صلحه جرًا. وهذا قد كان مما جره حرص الجارود فإن رسول الله ﷺ يقول: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم).
стр. 147
- ٦٥ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر قسم مروطًا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها (٥٨/ أ) مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي. فقال: أم سليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ ، كانت تزفر لنا القرب يوم أحد].
* فيه من الفقه أن عمر قسم ما يصلح للنساء في النساء.
* وفيه أن عمر آثر أم سليط على أم كلثوم، وما ذاك لأجل نسب أم سليط ولكن لأنها بايعت رسول الله ﷺ ، وكانت تزفر القرب يوم أحد؛ وتزفر أي تحمل.
- ٦٦ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أسلم قال: قال عمر: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أرك آخر الناس بيانًا ليس لهم من شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها].
* فيه من الفقه أن عمر أدى اجتهاده إلى حبس أرض العراق لأجل أواخر الناس من المسلمين، وأن لا يكونوا بيانًا أي مستوين في الغنى والفقر. وهذا يدل على
стр. 148
أن اجتهاد الإمام إذا أدى إلى صورة تخالف ظاهر فعل رسول الله ﷺ مما لم ينص رسول الله على المنع منه، فإن ذلك جائز مع كونه اجتهادًا فيما يسوغ، وذلك فيه جائز؛ ألا تسمعه يقول: (لما تركت شبرًا إلا قسمته بين الغانمين؛ كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر)؟
- ٦٧ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أسلم: أن عمر كان يسير مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ليلا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرار، كل ذلك لا يجيب. قال عمر: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت (٥٨/ أ) عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾].
* في هذا الحديث من الفقه جواز مراجعة رسول الله ﷺ مرارا ثلاثًا إذا لم يجب.
* وقوله: (نزرت رسول الله ﷺ )؛ أي أكثرت عليه في السؤال وألححت فأضجرته.
стр. 149
* وفيه أيضًا شدة سرور رسول الله ﷺ بسورة الفتح؛ وإنما سر رسول الله ﷺ ظهور الحق وعلو الإسلام وكون الفتح، فإن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن الله ينصره نصرًا عزيزًا، وليس هذا النصر مقصورا على زمانه وحده بل هو إلى يوم القيامة، كلما نصر الله الحق الذي جاء به كان ذلك نصرا له.
* وقوله (عزيزًا) أي ينصرك في كل مأزق، فمن النصر العزيز ما من الله به يوم القادسية واليروموك، والمشاهد التي شهدها المسلمون، فلم يكن فيها انتصار من وراء جدرا ولا اعتضاد بجيش ملك من الملوك ولا غير ذلك، بل كان نصرًا عزيزًا من عند الله .
- ٦٨ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أسلم قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضبع، وأنا ابنة خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﷺ ، فوقف معها عمر ولم يمض، وقال: مرحبا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وجعل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه فقال: اقتاديه، فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها؟ فقال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه (٥٩/ أ) وأخاها، قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، وأصبحنا نستفيء سهمانهما فيه].
стр. 150
* فيه من الفقه جواز أن تكلم المرأة الشابة الإمام في حاجتها؛ إلا أني أستحب أن يكون ذلك في السوق ونحوه لا في خلوة.
* وفيه أيضًا أني يفصح السائل عن حاله ونسبه؛ كما سألت هذه المرأة، وأخبرت أن أباها خفاف بن إيماء الغفاري.
* وفيه أيضًا جواز أن يذكر السائل حاله على سبيل التقرير لا على سبيل الشكوى، إذ لم ينكر عليها؛ إذ لو كان ذلك شكوى لأنكره.
* وفيه أيضًا استحباب لقاء السائل بانطلاق وانشراح لقول عمر: (مرحبا بنسب قريب).
* وفيه أيضًا استحباب إغناء السائل في دفعة واحدة.
* وفيه أيضًا اعتراف عمر بما كان لأبيها وأخيها من غنائهما في محاصرة الحصن حتى قال: (فأصبحنا نستفيء سهمانهما)، أي نتخذها فيئًا.
- ٦٩ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أسلم: أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هينًا على الحمى، فقال: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين؟
أفتاركه أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، ويم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية،
стр. 151
وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب إيصاء الإمام عامله إذا أرسله على الصدقات وإيساع حواشي الوصية.
* وفيه أيضًا التخويف من دعوة المظلوم، ومعنى المظلوم في (٥٩/ ب) الصدقة أن يخاف من الاستيفاء منه.
* وفيه من الفقه أن لا يتخصص بالكلأ والمرعى الغني دون الفقير لقوله: (أدخل رب الصريمة والغنمية، وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف) يعني لا تجعلهما في ذلك سواء.
* وفيه أيضًا أن الإمام ينظر الأصلح والأوفر فيتوخاه، ألا تراه يقول: (فالماء والذهب أيسر من الذهب والفضة).
* وفيه أيضًا دليل على جواز أن يحمي الإمام حمى للدواب التي يحمل عليها في سبيل الله لقول عمر: (لولا الدواب التي أحمل عليها في سبيل الله ما حميت شبرًا).
- ٧٠ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن عمر: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله، يلقب حمارًا، وكان يضحك على رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشرب، فأتى به يومًا، فأمر به فجلد، فقال
стр. 152
رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله].
* في هذا الحديث من الفقه أنه قد يلقب الإنسان بلقب فيغلب عليه فيصير علمًا له، فإذا ذكر باسمه لم يعرف حتى يؤتى باللقب؛ إلا أنه يكره.
* وفيه أيضًا دليل على جواز استجلاب الضحك؛ إذ لو كان ذلك حرامًا لنهاه رسول الله ﷺ عنه، ويقوي هذا الحديث الذي تقدم تفسيره في اعتزال النبي ﷺ نساءه، فإن عمر استجلب ضحك رسول الله ﷺ بما حدثه به.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن الإنسان بمقارفة الذنب لا يخرج من الإيمان، لقول النبي ﷺ ناهيًا اللاعن من أجل كثرة ما أتى حمار في شرب الخمر: (فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله). (وما) هاهنا بمعنى (الذي).
- ٧١ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن عمر قال: (قام رسول (٦٠/ أ) الله ﷺ فينا مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ بلغ وأدى ما أرسل به، وأوضح للناس الأمور، منذ بدأ الخلق إلى قيام الساعة ووصول الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، وإنما دخل ذلك من قبل الحفظ والنسيان.
стр. 153
- ٧٢ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن عمر قال: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، فخالفهم النبي ﷺ ، فأفاض قبل طلوع الشمس)].
* فيه من الفقه أن رسول الله ﷺ لما رأى الجاهلية على مسيرتهم التي كانت يجعلون فيها إشراق ثبير هو المستدعي للإفاضة، وأن ذلك تعلق منهم بمخلوق يؤدي إلى شرك، وقد كان من سجود الكفار للشمس ما كان، أفاض كما أمره الله تعالى بالإفاضة قبل طلوع الشمس في وقت يخلص فيه العمل لله من شبهة وقت يكون لعباد الشمس فيه إقبال على الشمس؛ فتمحض العمل لله .
- ٧٣ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أبي الأسود قال: (أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، والناس يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر، فمروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال عمر: وجبت، قال: ومروا بأخرى فأثنوا عليها، فقال: وجبت، ثم مروا بثالثة فأثنى على صاحبها شر، فقال: وجبت.
قال أبو الأسود: فقلت يا أمير المؤمنين، ما وجبت؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : (أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله
стр. 154
الله الجنة، قال: فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان)، قال: ثم لم نسأله عن الواحد].
* في هذا الحديث من الفقه أن المسلمين إذا شهدوا بالخير، فقد بدأوا في إثبات الحق لأن المسلمين حينئذ في زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا يستجيزون الثناء إلا على (٦٠/ ب) أهل ذلك، كما لم يكونوا يستجيزون الطعن إلا على أهل ذلك.
* والأربعة من الشهود هم الغاية في البينات ثم قوله: (واثنان) هي الطبعة الدنيا في البينة.
- ٧٤ -
الحديث الثلاثون:
[عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين: (خمسة آلاف، خمسة آلاف)، وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم)].
* في هذا الحديث من الفقه تفضيل أهل بدر على غيرهم. وفي تفضيلهم في العطاء مع كونهم أهل زهد في الدنيا وتفان عن الأموال معنيان:
أحدهما، أنهم أهل أمن على ما يكون في أيديهم فلا يستجف لهم حصاة ولا يدخرون من فوق كفاف.
والثاني، أنهم بعرضة أن يخرجوه صدقة وفي سبيل البر عن كثب فيصير بإخراجهم له فيما يخرجونه فيه مضاعفًا إن شاء الله تعالى.
стр. 155
- ٧٥ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن عمر: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة].
* في هذا الحديث من الفقه أن العمل على الظواهر، والله تعالى يتولى السرائر، فمن أظهر خيرًا فأمنه المسلم فلا جناح على الآمن، كما أن من أظهر شرًا فحذره المسلم فلا جناح على الحاذر. وكذلك يكون الآمن لو أظهر كل منهما ضد ذلك، فكانت الحال محمولة على ما أظهر دون ما أسر.
- ٧٦ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن نافع أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر: ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين الأولين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أوباه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه].
* في هذا الحديث ما يدل على ورع عمر ﵁ (٦١/ أ) وشدة محاسبته
стр. 156
لنفسه في أمر الله ، فإنه نظر في ذلك إلى من هاجر بنفسه فإن له فضلا على من هاجر مع أبيه من حيث إنه قد كانت لهجرة أبيه مماسة أو حصة في هجرته فقد قدرها بسهم من ثمانية، فإن كان المفروض من عين فأراه أنه لما رأى إعوازه في تمام الهجرة لشيء من حاله في تقدمه قاسه بما لو أعوزه شيء من جوارحه كيد، أو رجل، أو عين فإن قيمة ذلك خمسمائة.
- ٧٧ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، يعني: من الحج، وبعث معهن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان)].
* في هذا الحديث من الفقه إذن عمر لأزواج النبي ﷺ في الحج، وإنقاذه في صحبتهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وهما الصالحان الكريمان، وإن كان أزواج النبي ﷺ أمهات للمؤمنين كلهم.
- ٧٨ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن صفية بنت أبي عبيد أن عبدًا من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس، فاستكرهها حتى افتضها، فجلده عمر الحد ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها].
* فيه من الفقه سقوط الحد عن المستكرهة ووجوبه على المكره.
стр. 157
من أفراد مسلم
- ٧٩ -
الحديث الأول:
[عن عمر أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، قال: فقلت: يا رسول الله لو اشتريتها ليوم الجمعة والوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة) قال: فأتى رسول الله ﷺ بعدها حلل، فكساني حلة؛ فقلت يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتكسوها (للنساء) أو لتبيعها)].
* في هذا الحديث نم الفقه جواز أن يعطي الإمام الثوب الحرير للرجل لا على أن يلبسه ولكن على أن ينتفع بثمنه.
والسيراء: جنس من الحرير.
- ٨٠ -
الحديث الثاني:
[(٦١/ ب) عن عمر أنه سأل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: (نعم، إذا توضأ)].
стр. 158
* في هذا الحديث من الفقه أن وضوء الجنب تخفيف من حدثه، وإذا نام وقد أماط عنه الأذى كان آمنًا في تقلبه أن ينال بيده شيئًا من الأذى، ويكون في منامه متعرضًا للرؤيا في خفة الحدث.
* وليكون أيضًا إن كان ممن له زوجتان فأراد أن يطأ زوجته الأخرى كان فرجه طاهرًا، فلا يلقي في فرج المرأة بنجاسة؛ إلا أن الغسل أولى، ولو اقتصر على غسل فرجه من غير وضوء جاز، ولو رقد من غير أن يمس ماء كان ذلك مباحًا
стр. 159
إلا أنه يفوته الأفضل والأحوط على مقتضى ما تقدم ذكرنا له من الدرجات في الغسل والوضوء.
- ٨١ -
الحديث الثالث:
[عن عمر أنه قال: (أصبت أرضًا؛ لم أصب مالا أحب إلي ولا أنفس عندي منها، فقال ﷺ : (إن شئت (حبست أصلها) وتصدقت بها)، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب؛ في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على وليها أن يأكل بالمعروف، غير متمول مالا، ويطعم].
* فيه من الفقه جواز إحباس الأرض، وإدرار التصدق لغلتها.
* وفيه أيضًا ما يدل على فقه عمر ورغبته في إصابة رضى الله ؛ أنه لما أصاب مالا لم يصب مالا أحب إليه منه بادر إلى إخراجه في سبيل الله لينال البر الذي شرطه الله في الإنفاق مما يحب العبد، فقال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾.
* وفيه أيضًا جواز أن يأكل والي الوقف منه إذا شرط ذلك واقفه؛ كما شرط عمر؛ ما لم يتمول، وكان أكله بالمعروف.
- ٨٢ -
الحديث الرابع: (حديث الإيمان)
[قال يحيى بن يعمر: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني،
стр. 160
فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه (٦٢/ أ) عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوافق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكرت من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ (ذات يوم) إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى أتى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام! قال رسول الله ﷺ : (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: صدقت.
قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، قال: فأخبرني عن الساعة! قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
قال: فأخبرني عن أمارتها! قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
стр. 161
قال: ثم انطلق، فلبثت مليًا، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
زاد البرقاني: (٦٢/ ب) فيه عن عمر عن النبي ﷺ قال: التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. قال: فوجدته قدره لي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى].
* في هذا الحديث من الفقه أن من الناس من يقرأ القرآن ويتقفر العلم إلا أنه إذا كان ذا خلل في عقيدته أو ذاهبًا في بدعة في الدين فإنه لا يصعد له عمل، وإن نفقتهم غير مقبولة، والذي منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم سواء عقائدهم؛ لأن العقائد هي الأس، ولا يرفع بناء ليس أسه على تقوى من الله ورضوان.
وفي قوله: (تقوى من الله ورضوان)، دليل على أن التقوى رهن على أن تقبل فيضم إليها الرضوان.
* وفيه أيضًا من الفقه أن كل قائل (إن الأمر أنف وأن لا قدر)، أي لم يسبق قدر الله وعلمه؛ فإنه ضال.
* وفيه أيضًا أنه ينبغي للعالم أن يبسط السائل ويدينه ليتمكن من السؤال غير هائب ولا متقبض؛ ألا تراه يقول: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه).
* وفيه أيضًا أن من توفيق السائل إذا سأل في ملأ أن يسأل عن مسألة تعمه وتعم الحاضرين، كما سأل جبريل فقال: ما الإسلام؟ فلما أخبره بأركانه قال:
стр. 162
صدقت، وقد كان ذلك من الله في تثبيت قلوب المسلمين حتى استنفذ المسائل وإلا فتصديقه لرسول الله ﷺ بعد سؤاله إياه دليل واضح في أنه لم يسأله عن جهل وإنما سأله ليعلم.
* وفي هذا أيضًا من الفقه أن من طرق التعليم أن يسأل العالم من مسألة وهو يعرفها ليجاب عنها بمشهد غيره فيتعلم تلك المسألة من لم يعلمها.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الإيمان درجة ومقام في الإسلام، وأنه لا يوصف بالألف واللام اللتين للتعريف إلا أن يكون إيمانًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (٦٣/ أ) والقدر كله خيره وشره.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الإسلام والإيمان إذا حصل لعبد اقتضيا درجة الإحسان، وهو استشعار قرب الله تعالى من عبده وأن يعبده كأنه يراه، وإن لم يقو على تلك الرتبة فليعبده، معتقدًا أن الله تعالى يراه.
* وفيه أيضًا جواز أن يسأل الإنسان العالم عما يعلم أنه لا يعلمه ليرد عليه جوابًا يسكت الناس عن التعرض للسؤال عن ذلك، لقوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
* وفيه أيضًا أن أشراط الساعة إذا علمها الإنسان كانت مما يزيد حذره.
والذي أراه في حكمة الله في إخفاء علم الساعة أنها مقام إنصاف لكل مظلوم، وارتجاع لكل مغصوب، وإيتاء كل ذي فضل فضله، وإيصال كل ذي حق حقه، ولقاء كل مشوق لمن يشتاقه، فهي من حيث اقتضاء وعد الله وعدله كالمخوف هجومها صباح مساء من حيث حكمة الله في خلقه، وإنها هي الواحدة القاضية ليس بعدها غيرها، وإن الخلائق محبوس أولهم ليلحق آخرهم، وإن
стр. 163
عظمة الله ، وما أوسع في خلقه علمها لابد أن تكون وتوجد، فإنه لابد من كون ذلك ووجوده؛ ليتكامل الخلائق، ليجتمع الآخرون بالأولين، ويشمل الحشر من عدد الخلائق لما لا يتعرض فكر مخلوق للطمع في حصره إظهارًا لملك الله وقوة سلطانه بحيث إن حال يوم القيامة في العظمة يكون كل لحظة منه مضاهية كل عظمة كانت في الدنيا، ويثبت من عظمة الرب في قلوب خلقه إذا شاهدوا يوم القيامة، ورأوا إحياء الموتى والتقاء الأولين والآخرين، وأحيي كل عظم رفات، وكل دابة، وكل ذي جناح، وأخبر الله كل واحد من خلقه بكل حركة تحركها وسكنة سكنها (٦٣/ ب) في مدة حياته، وأنه لم يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولا عن قدرته صغيرة ولا كبيرة، وقامت سوق الحق وجيء بالنبيين والشهداء وأشرقت الأرض بنور ربها، ورأى المؤمنون انتصار حزب الحق يومئذ، وبان صدق ما آمنوا به في دنياهم وخسر هنالك الكافرون، وخزي المبطلون، وفاز المتقون فذلك يقتضي زيادة التوقع. وأمة محمد ﷺ قد انتهى إليهم الأمر واستتب الشرع ولم يبق إلا العمل به، ولقد كان من أحسن ما حافظت به القلوب على عبادة الله تعالى، وأن لا يطول عليها الانتظار إخفاء وقت علم الساعة، فكل وقت لا يؤمن أن تقوم فيه الساعة، وكل زمان بين يديها فقد أعطيناه للعمل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾، وأي يوم يوم القيامة؟
* وقوله: (أن تلد الأمة ربتها) يعني بها أن يكثر في الملوك التسري لكثرة الفتوح.
* وقوله: (أن ترى الحفاة العراة يتطاولون في البنيان) فالمعنى أن الدنيا تفتح عليهم، وهذا من أمارات نبوة محمد ﷺ حيث أخبر بفتح الدنيا على أمته؛
стр. 164
وصدق ﷺ فيما أخبرنا به من ظهور العرب وملكهم.
* وأما حديث موسى وآدم فله موضع سيأتي إن شاء الله تعالى.
[أي في الأجزاء القادمة من كتاب (الإفصاح)].
- ٨٣ -
الحديث الخامس:
[عن عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال النبي ﷺ : (كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءه)، ثم قال رسول الله ﷺ : (يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون). قال: فخرجت (٦٤/ أ) فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون].
* في هذا الحديث من الفقه أن الغلول يجانب الإيمان، ويكذب دعوى من يدعي أن الإيمان يكون مع الغلول لأن الغال يكون خائنًا خيانة لم يجاهر فيها سوى الله ، فلو كان مؤمنًا به لم يكن ليخفي من الناس ما يجاهر الله به، فاستدل رسول الله ﷺ أن من يخرج إلى الجهاد في سبيل الله مخاطر بنفسه معرضًا لها للشهادة ثم يغل شمله أو غير شملة فإن غلوله ذلك مكذب لما ادعاه من إيمانه؛ ولذلك قال: (إني رأيته في النار في بردة غلها)، ولذلك أمر عمر فنادى: (إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون).
- ٨٤ -
الحديث السادس:
[عن سماك عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان
стр. 165
يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض؟! فما زال يهتف بربه مادًا يديه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه فأخذ من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾، فأمده الله بالملائكة.
قال سماك: فحدثني ابن عباس فقال: (بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق (٦٤/ ب) وجهه؛ كضربة السوط، فاخضر ذلك اجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين).
قال ابن عباس: (فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما تريان في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
فقال: رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، وتمكني من فلان- نسيبًا
стр. 166
لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها؛ فهي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت، فإذا برسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله، أخبرني: من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبائكما، فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة من نبي الله ﷺ وأنزل الله سبحانه: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ .. إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا﴾، فأحل الله الغنيمة لهم].
* في هذا الحديث من الفقه أن آداب الدعاء استقبال القبلة ورفع اليدين في الدعاء.
* فأما قول رسول الله ﷺ (اللهم أنجز لي ما وعدتني) قال ابن جرير الطبري، معناه أنه وعده بوعد غير محين في وقت معلوم، فطلب من الله تعالى أن ينجز له الوعد في هذا المقام (٦٥/ أ).
قال ابن هبيرة الوزير: ولا أرى الجواب ما ذكره؛ لأن رسول الله ﷺ سبق الوحي إليه بأنه المنصور في غزوة بدر بقوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾. (وإذ) هي اسم معلق بالماضي من الزمان؛ وقول الله
стр. 167
تعالى لرسوله: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله﴾، وهذا كله بصريح نطقه يدل على أنه كان نزوله قبل وقعة بدر، فكيف يظن برسول الله ﷺ أنه يرتاب أو يشك فيما وعده الله به من النصر يوم بدر بعد نزول هذه الآية، وقد بعث معه نجدة هي خمسة آلاف ملك، وواحد منهم بأمر الله يكفي جيوش الأرض كلها، فلم يدع رسول الله ﷺ بما دعا إلا وهو على يقين من أنه هو المنصور في ذلك اليوم؛ وإنما كان دعاؤه ﵊ لفائدة سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. [أي فيما يلي أدناه بهذه الصفحة].
وأما حكمة الله في عدد الملائكة؛ مع كونه سبحانه قد كان قادرًا على أن يهزم المشركين بكلمته التامة، وهي قوله: (كن)، لكن في ذلك من الحكمة إشهاد رسول الله ﷺ على نفسه، وتوكيده الحجة على قوله إن معه خمسة آلاف ملك حتى رهن في النفوس وأثبت في القلوب كلها أنه إن غلب- ومعاذ الله- في هذه المرة فليس بنبي ولا يكون له بعد ذلك كلمة أبدًا، وذلك كله من قبل الوقعة.
* وفيه منه على الملائكة بتشريفهم بالجهاد يوم بدر.
* وأما ما دعا به رسول الله ﷺ من قوله: (أنجز لي ما وعدتني) ففي الحديث أنه كان يهتف (٦٥/ ب) بربه، ومعنى يهتف: يدعو دعاء رافعًا به صوته؛ وذلك أنه ﷺ أراد أن يجدد ذكر أن وعده الله بحيث يسمع المسلمين فيكونون شهودًا له؛ بأنه قال لله : (أنجز لي ما وعدتني)؛ فيكون تصديقًا لما أخبرهم به من وعد الله بالنصر، حتى إذا نصره الله ثبت عنده الكل أنه هو الذي وعده أولا، وهو الذي أنجز له الموعد الأول ثانيًا، فيكون على شبيه
стр. 168
الكتاب إذا ثبت من ديوان الحكم ثم سجل به.
* فأما قول رسول الله ﷺ : (إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد في الأرض؟!)، فإنه بلغني عن علي بن عقيل كلام خفت عليه منه، وخفت من الله أن لا أبين فساد قوله فيه، وهو أنه قال كلامًا انتهى فيه إلى أن قال: (هذه زلة من عالم)، فنظرت فإذا علي بن عقيل المسكين هو العالم الزال، قد زل لكونه لم يفهم المقصود وكان كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا .... وآفته: من الفهم السقيم
وإنما أتي من كونه لم ير رسول الله ﷺ من غزارة العلم ومعرفته باللسان العربي بحيث كان، فإن رسول الله ﷺ قال: (أنا أفصح العرب)، وذلك أن (إن الخفيفة) تأتي في كلام العرب بمعنى (ما) النافية، كقوله : ﴿إن يريدون إلا فرارا﴾ ومعناه: ما يريدون. وقوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ أي ما من أمة إلا خلا فيها نذير، واستعمال (إن) بمعنى (ما) في كلام العرب لا يحصى كثرته إلا الله تعالى.
ومعناه عندي- والله أعلم- أن قوله (إن تهلك هذه العصابة) معناه: ما تهلك هذه العصابة؛ لأنه قد علم بوعود الله تعالى أن النصر له، وأنهم هم الغالبون، وأن إحدى الطائفتين لهم، ولم يبق في قلب رسول الله ﷺ شك أنه هو الغالب في ذلك اليوم، فكيف يقول: (إن تهلك هذه العصابة)، ويعني في هذا اليوم؟ وإنما معناه: ما تهلك هذه العصابة (٦٦/ أ) في هذا اليوم، وإنما استعمل في هذا
стр. 169
الموضع (إن) مكان (ما) لئلا يصرح بذكر (ما) فيسمعها المسلمون كلهم فيعرفون في ذلك اليوم أن النصر لهم؛ فلا يبقى في قلب أحد منهم خوف للموت فينقص من أجورهم، ولا تكون شهادته كاملة لو استشهد، فاستعمل (إن) في مكان (ما) ليعرفها أولو الألباب منهم.
* وقوله: (لا تعبد في الأرض؟!) على معنى الاستفهام الواقع في باب التعجب، ولا تكون الدال ساكنة، ونبين هذا بضر مثال، وهو أن نرى ما لا يعرف وأحق الناس به جالس فنقول: لا نعطي هذا المستحق من هذا شيئًا، وهذا لأن الكفر كان قد شمل الأرض ولم يكن فيها من يعبد الله غير تلك العصابة، فمعنى قوله: (إن تهلك هذه العصابة): أي ما تهلك هذه العصابة؛ ألا تعبد في أرضك؟! وقد قال ابن جرير في هذا: إن معناه أن هلاك تلك العصابة بطؤ للدين لأنه أعلم أن هلاكهم بطؤ له.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الصاحب إذا رأى مصحوبه مشغولا بالدعاء، وقد سقط رداؤه أن يرد رداءه عليه، وعلى أن الرداء من شيمة العرب لبسه، وهو ثوب مطروح فوق المقيص غير متصل بالثياب، ولا أرى العرب اتخذته إلا عدة لإجابة منادي الجود عند مشاهدة البائس والفقير بسرعة، فقد كان رسول الله ﷺ ألقى رداءه على كعب بن زهير، وأرسل إزاره إلى ابنته فقال (لنسوة): (أشعرنها إياه)، وألقى رداءه لجرير بن عبد الله ليجلس عليه؛ ومن عادة
стр. 170
العرب إلقاء الرداء بسرعة، كما قال الشاعر:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه .... سوى أنه قد نيل عن ماجد محض
وهذا لأن جزيرة العرب تعز فيها الكسوة فيقع ذلك في وقته موقعًا يعرف به الجود.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن أبا بكر ﵁ فهم ما ناشد به رسول الله ﷺ ربه بقوله: (يا نبي الله (٦٦/ ب) كفاك مناشدتك ربك) مشيرًا إلى سر رسول الله ﷺ في إبداله (إن) مكان (ما) في قوله: (إن تهلك هذه العصابة)، وإشارته إلى قوله: (لا تعبد في الأرض؟!)، معناه الأنفة ممن لا يريد أن يعبد الله في الأرض من المشركين.
وقوله (كذاك): (ذاك) لا يستعمل إلا للغائب غيبة يسيرة؛ لأن الحاضر يقال له: (ذا)، والبعيد أو الغائب أو من تقدم ذكره يقال له (ذلك) باللام، والغائب غيبة يسيرة يقال له (ذاك)، فقوله: (كفاك مناشدتك ربك)، ثم قال له: (فإنه سينجز لك ما وعدك)، وربما ظن من لا علم له بلسان العرب أن هذا القول من أبي بكر كالإنكار لقول رسول الله ﷺ ؛ وليس كذلك، وإنما معناه ما تقدم من الإشارة إلى سر رسول الله ﷺ .
* وفي هذا الحديث نزول الملائكة، وأنهم قاتلوا مع المسلمين، وأن ضربة أحدهم أثرت في وجه المضروب حتى اخضر، وإنما أراد الله سبحانه ببقاء أثر ضربة هذا الملك أن يعلم أن الباقين وإن لم تكن قد ظهرت آثار ضرباتهم، فإنهم ضربوا فوق الأعناق، وضربوا كل بنان.
стр. 171
* وقوله: (إنه من مدد السماء الثالثة)، إنما كان ذلك لأن القوم أمدوا بالملائكة من جميع السموات، وكأن الملائكة تشاحوا في النصرة لهم، فأنزل الله من كل سماء ملائكة، فكان ذلك الملك من السماء الثالثة.
* وفيه من الفقه شدة عمر في ذات الله تعالى، وأنه كان رأى أن قتل أئمة الكفر وصناديدهم في أول الأمر أحزم، وبقوة الإيمان أعلن، فإن وضع السيف ورفع الصوت من القليل في الجم الكثير مشعر أن القليل واثق وغير جانح إلى السلم، ولا مبال بما يكون من قتله الأعداء. وما رآه أبو بكر ﵁ من الفداء فهو الذي أدى إليه حينئذ احتقاده لا رفقًا بالكفار ولا إشفاقًا عليهم وإنما رأى أن قوة (٦٧/ أ) الإسلام بأخذ ما يؤخذ من أموالهم، وأنه لا يفوت قتل من لا يؤمن منهم بعد أخذ ماله، فكان كل من القولين خارجًا مخرجه، فنزل القرآن بالإشارة في إهلاك المشركين مع إمضاء ما جرى ليعمل بالقولين في إمضاء رأي أبي بكر وتصويب رأي عمر.
* وفيه أيضًا أن المنعم عليه إذا سر فاعترض له في وقت مسرته بعض ما ينافي السرور لم يملك عينه، فإن أرب رسول الله ﷺ وأبي بكر كان متابعة لإصابة رضى الله في كل ذلك، فلما كان من الأمر في قبول الفداء ما كان، ثم إن الله أمضاه فلم يكن الرجوع عنه إلى القتل، فكان البكاء كيف لم يسبق القتل.
* وفيه أيضًا أن البكاء قد يهيج البكاء، وأن التباكي جائز أيضًا من مثل عمر وكل مخلص، فإنه إنما يبكي بالإخلاص لله وإن تباكى، فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما أشاء أن أبكي إلا بكيت).
* وفي الحديث ذكر الهوى، والهوى إذا ذكر مطلقا من غير تقييد كره ذكره، وأما إذا قيد؛ كقوله في هذا الحديث: (فهوي رسول الله ﷺ ما قال)؛ جاز، لأنه لو قال: (فهوي رسول الله ﷺ ) ولم يقل ما قال كان مكروهًا، لن ابن عباس لما قال له رجل: (الحمد لله أن وافق هوانا هواكم)، قال ابن عباس: (هذه
стр. 172
الأهواء لا تأتي بشيء من الخير).
* وقول رسول الله ﷺ : (عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) يعني قرب، فلولا أن اله تعالى أمضى ما رأوه من أخذ الفداء لوقع العذاب بهم لكنه لم يصبهم لإمضاء الله تعالى ما رأوه.
* وقوله : ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا﴾ (وذكل) صير المتناول من الفداء طيبًا.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن الرحمة للمخلوق من المخلوق في وقت اقتضاء الجرم (٦٧/ ب) الغلظة في الله مخاطرة مع الله سبحانه، وإن كانت الرحمة مندوبًا إليها إلا في ذلك المقام؛ كما قال رسول الله ﷺ في المتبخترين بين الصفين: (إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع).
- ٨٥ -
الحديث السابع:
[عن عمر قال: كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبعث عليًا والزبير في أثر الكتاب فأدركا المرأة على بعير، فاستخرجاه من قرونها، فأتيا به رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى حاطب، فقال: يا حاطب، أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: فما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله، أما والله إني لناصح لله ولرسوله، ولكني كنت غريبا في أهل مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم، وخشيت عليهم، فكتب كتابا لا يضر الله ورسوله شيئًا، وعسى أن يكون منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطت سيفي ثم قلت يا رسول الله، أمكني من حاطب- فإنه قد كفر- فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : يا بن الخطاب،
стр. 173
ما يدريك؟ لعل الله قد اطلع على هذه العصابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد الصالح الولي لله المشهود له بالجنة قد يقارف الذنب ولا يخرجه ذلك من إيمانه، وأن المستحب أن يرفق به ليفيء إلى الحق، وأن عمر لما اخترط سيفه لقتل حاطب قال له رسول الله ﷺ : (يا بن الخطاب، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر ....)؛ وماذا كان يكون بين أهل بدر وغيرهم لو أنهم كانوا إذا قارفوا ذنبًا لم يغفر لهم عنه، وإنما شرفهم تبين في ذلك؟
* وفيه أن المؤمن يستحب له إذا أخطأ واستبان له الخطأ، أن لا يتبع خطأه بأن يجحده ويناكر عليه بل يعترف بذلك، ولا يجمع بين معصيتين: في الخطأ (٦٨/ أ) والجحد، كما أن يتعين على كل مخطئ إذا تيقن خطأه في شيء أن يقلع عنه حالة تيقنه ذلك، فإن الله يغفر له خطأه إذا رجع إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
* وفيه من الفقه جواز التشدد في استخراج الحق؛ فإن عليا والزبير قالا لها: (لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب)، ولعمر الله ما كانت تجرد إلا وتبدو عورتها، إلا أنه لما كان المهم من أمر رسول الله ﷺ لا يتوصل إلى المأمور به إلا بكشف عورتها قالا ذلك؛ فلما رأت هي الجد منها أخرجت الكتاب من عقاصها.
стр. 174
- ٨٦ -
الحديث الثامن:
[عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل)].
* في هذا الحديث من الفقه أن ما بين الفجر والظهر يعطى حكم الليل، من أجل أن العرب تقول من بعد الصبح إلى الظهر: أين كنت ... الليلة؟ ويقولون: فعلنا الليلة، فإذا زالت الشمس قالوا: أين كنت البارحة؟
وقد بنى على هذا أبو حنيفة فقال: إذا نوى صوم الفرض قبل الزواج صح صومه، كأنه نوى في آخر الليل.
وقوله: (من نام عن حزبه من الليل)، من لطف الله بعبده أنه إذا استمر في الأمور في الغالب فبدر منه ما يخالف تلك الحال الغالبة عليه سومح؛ فإن الله تعالى قد فسح لهذا النائم في الاستدراك ولم ينقصه من ميزان أجر ذلك الوقت الشريف شيئًا.
* وفيه من الفقه الحض على قضاء الفوائت من النوافل على سبيل التدارك؛ لئلا يعتاد إسقاط النوافل عند فواتها؛ فإن استدامة العمل عمل فوق العمل.
- ٨٧ -
الحديث التاسع:
[عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (لأخرجن اليهود والنصارى من
стр. 175
جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما)].
* في هذا الحديث من الفقه أن إجلاء اليهود ما قد تقدم ذكره، إلا أنه الحجة لما فعله عمر من إجلائهم في الحديث المتقدم الذي فيه فدع يد عبد الله بن عمر.
وإنما خص جزيرة العرب دون ما في الأرض؛ لأن بيت الله يقصد من سائر الأرض فيها، وفيها المسجدان: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، وفيها قبره ﷺ وفيها الحجاج والمعتمرون، وقد لا يؤمن على فرطهم وشذاذهم قلة أمانة أهل الكتاب، وعلى هذا وضع الغيار؛ لئلا يغتر المسلم بواحد منهم فيظنه مسلمًا فيصحب اثنين منهم في طريق فلا يأمن أن يحدث به حدث سوء.
- ٨٨ -
الحديث العاشر:
[عن عمر: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: (ارجع فأحسن وضوءك)، قال: فرجع فتوضأ ثم صلى].
* في هذا الحديث من الفقه الحث على إسباغ الضوء، ويحتج به في وجوب الموالاة في الوضوء، وأن لا يفرق فيه بين عضو وعضو حتى يجف الأول، لأنه قد قال: (فرجع فتوضأ)، وإن كان النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الوضوء ولكنه أمره بإحسانه إلا أنه فهم من النبي ﷺ الإعادة.
стр. 176
- ٨٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن جابر أن عمر قال في الضب: إن رسول الله ﷺ لم يحرمه، وإن عمر قال: إن الله ينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته.
وفي رواية أبي سعيد الخدري: أن عمر قال: إنما عافه رسول الله ﷺ ].
* فيه من الفقه أن أكل الضب ليس بحرام.
* وفيه أن النفوس الشريفة قد تعاف بعض ما يتناوله غيرها، وأن ذلك لا ينسب إلى ترف ولا إلى كبر.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الرجل إذا عافت نفسه شيئًا استحب له أن لا يأكله، لقوله ﵇ في حديث آخر: (أجدني (٦٩/ أ) أعافه) فجعل علة الامتناع أنه يعافه.
стр. 177
- ٩٠ -
الحديث الثاني عشر:
[قال أبو نضرة: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: إن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة.
وفي رواية: أن عمر قال فيه: فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم].
* في هذا الحديث دليل على تحريم المتعة، وأن ما رخص رسول الله ﷺ فيه منها منسوخ بنهي النبي ﷺ ، وعلى هذا وقع الإجماع إلا من الشيعة؛ ولا أرى الاعتداد بخلافهم.
- ٩١ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر، فرأيته، وليس أحد يزعم أنه يراه غيري، فجلت أقول
стр. 178
لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر قال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس؛ يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله؛ قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها رسول الله ﷺ . قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا)، فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا)].
* فيه من الفقه أن الهلال إذا رآه واحد (٦٩/ ب) كفى في أول الشهر إذا كان عدلا؛ ألا ترى إلى عمر ﵁ لما كرر له القول أن انظر قال: إني سأراه وأنا مستلق على فراشي.
* وفيه أيضًا جواز اتخاذ الفراش.
* وفيه دليل على نبوة محمد ﷺ لإخباره بمصارع المشركين الذين قتلوا في يوم بدر من قبل ذلك، وعلمه بمصر كل واحد وبقعته من الأرض. وهذا مما يدل أيضًا على ما ذهبت إليه في تأويل قوله ﷺ : (أنجز لي ما وعدتني). وقوله: (إن تهلك هذه العصابة .. لا تعبد في الأرض؟!).
* وفيه من الفقه أن الموتى يسمعون كلام الأحياء؛ ولكن لا يقدرون على الإجابة.
стр. 179
- ٩٢ -
الحديث الرابع عشر:
[عن النعمان بن بشير قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه].
* فيه من الفقه ما يستدل به على شدة عيش رسول الله ﷺ .
* وفيه أيضًا جواز ملء البطن من الطعام.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن رسول الله ﷺ لم يمتنع من ذلك إلا إعوازًا ولم يكن يقصد التجوع.
- ٩٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي الطفيل أن نافع بن الحرث لقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا، فقال: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين].
стр. 180
* فيه من الفقه جواز أن يولى المولى على الأحرار إذا كان ممن قرأ القرآن وعرف الفرائض.
* وفيه من الفقه أن القرآن كما يرفع الله بحفظه والعمل به أقوامًا فكذلك يخفض به آخرين أضاعوه ولم يعملوا به بما أمروا به فيه.
- ٩٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن عقبة بن عامر الجهني قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي أرعاها، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله (٧٠/ أ) ﷺ قائما يحدث الناس، وأدركت من قوله: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)؛ فقلت: ما أجود هذا؟ فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: إني رأيتك فجئت آنفًا؛ قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء (أو فيسبغ الوضوء) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيهما شاء)].
* في هذا الحديث من الفقه: إسباغ الوضوء، والكمال فيه ثلاث مرار في كل عضو ما عدا الرأس فإن فيه الخلاف.
والإسباغ في اللغة: أن يشتمل العضو الغسل ويستوعبه، والثوب السابغ: الفاضل عن مقدار طول صاحبه. وقوله: ﴿وأسبغ عليكم نعمه﴾ أي عمكم بها.
следующие страницы →