← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2626–2650 · переход к 2631.

стр. 2626

القوم أقرأهم)، وما فعله رسول الله ﷺ من تكفين الرجل في الثوب الواحد، يدل على جواز مثل ذلك في مثل تلك الحال من ضيق الأماكن وقلة الأكفان؛ كما كان مقتضى ذلك في تلك الحال، ويكون ما جرى من فعل رسول الله ﷺ ذلك تعويلا على قدرة الله من اتصال النعم ولقاء الحور إلى كل شخص وحده بخلاف ما تقدم من نقل جابر (١٢٩/أ) فإنه فعل ما في وسعه من نقل أبيه. * وأما قوله: (أنا شهيد) فالمعنى أنا شهيد فعيل معنى فاعل شاهد. والذي أراه أنه دل بهذا الكلام على أن الشهداء في وقته وبحضرته فوق الشهداء بعد ذلك. فقوله: (أنا شهيد على هؤلاء) أي إنهم قتلوا بين يدي في سبيل الله، في موطن أنا شاهده تكريما لهم وتفضيلا. * وأما ترك الغسل فلوجهين: أحدهما: أن الشهيد إنما استشهد في مواطن يضيف مثلها عن الغسل وشغل الأحياء بذلك عما هو أهم إليهم من ناصعة العدو. الثاني: أن كلومهم تأتي يوم القيامة على هيئتا، فإذا غسل الدم عنها، كان ذلك على نحو إزالة الحلية عن العروس. * وأما الصلاة عليهم فإن الصلاة على الميت مشروعة في الميت، والشهيد

стр. 2627

فحاله أرفع من أن يشفع فيه غيره، فهذا يخبرك أن الله رفع منزلة الشهداء أن يحضر من ليس بشهيد، فيقول: جئنا شفعاء فيه؛ فإن لسان حاله يناديه أن الواحد من قد شفع في الأمة منكم ما من ليس بشهيد. - ٢٥٢٥ - الحديث العشرون: [عن جابر، قال: (كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجداد، وكانت لجابر الأرض التي بطريق الرومة، فحبست الفحل عاما، فجاءني اليهودي عند الجداد، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فأبى، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال لأصحابه: (امشوا، نستنظر لجابر من اليهودي) فجاؤوني في (١٢٩/ب) نخلي، فجعل النبي ﷺ يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم لا أنظره، فلما رآه النبي ﷺ قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه؛ فأبى، فقمت فجئت بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي ﷺ ، فأكل، ثم قال: (أين عريشك يا جابر؟) فأخبرته، قال: (افرش لي فيه) ففرشته فدخل فيه فرقد، ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي، فأبى عليه فقام الرطاب والنخل الثانية، ثم قال: (يا جابر جد واقض) فوقف في الحداد، فجددت منها ما قضيته، وفضل لي مثله، فخرجت حتى جئت النبي ﷺ فبشرته، فقال: (أشهد أني رسول الله)].

стр. 2628

* قد سبق هذا الحديث قبل ستة أحاديث. * وقوله: (فحبست الفحل عاما واحدا) يعني النخل أي تأخرت عن قبول الآبار، ولم يؤثر فيها التأثير الكامل، فلم يستكمل حملها. * وقوله: (اين عريشك؟)، العريش: مثل الخيمة يعمل يعمل خشبا أو من قصب وحشيش ونحو ذلك يستظل به. * وقول النبي ﷺ : (أشهد أني رسول الله) يشير إلى كل مسلم أن الله تعالى إذا أوجد له نعمة أو أظهر له كرامة، فإنه ليست باتفاق ولا عن مصادفة؛ بل إن الله أظهر له ذلك ليزداد به إيمانه؛ فإن رسول الله ﷺ على كونه رسول الله ﷺ لما رأى هذه البركة قال: (أشهد أني رسول الله) فكان هذا مما بقي (١٣٠/أ) سنة إلى يوم القيامة للمسلمين؛ أنهم إذا رأوا شيئا من ذلك أيقنوا أنه من الله، يجدد إيمانهم. - ٢٥٢٦ - الحديث الحادي والعشرون: [عن جابر، قال: (كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه). وفي رواية: (كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ -

стр. 2629

إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكن). وفي رواية: (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله: ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا، قال: (إن شئت)، قال: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق). وفي رواية: (فصاحت النحلة صياح الصبي، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر)]. * قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر، وفي مسند انس، وتكلمنا عليه، وأشير إليه فأقول: إن حنين الجذع الذي سمعه أصحاب رسول الله ﷺ على كونه كان آية صادعة (١٣٠/ب) وبينة ظاهرة على نبوته ﷺ ؛ فإنه فيه تنبيه لأصحابه على زيادة حبهم له، وحنينهم لفراقه واستيحاشهم لتخلفهم

стр. 2630

ساعة واحدة عن صحبته، وما كان رسول الله ﷺ يطلب وقت التذكير عن الجذع، كان الجذع موطئا يطلب منه ويعرف به حالة التذكير، فكان ذلك الدولة للجذع، فلما رأى الجذع أن دولته قد تغيرت بانتقال رسول الله ﷺ إلى المنبر حن. - ٢٥٢٧ - الحديث الثاني والعشرون: [عن جابر، (أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم النبي ﷺ على صاحبه فرد الرجل، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة، وهو يحول في حائط له، يعني الماء، فقال النبي ﷺ : (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) فقال الرجل: يا رسول الله عندي ماء بارد، فانطلق إلى العريش، فسكب في قدح ماء، ثم حلب عليه من داجن له، ثم شرب النبي ﷺ ، ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه)]. * في هذا الحديث ما يدل على إيثار الماء البارد بقوله: (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) يعني إن لم يجد البارد شربنا من الحار، وذلك أن الماء البارد أفضل إذا وجد؛ لأنه فيه من صالح البدن أنه يجزئ منه القليل، فالشربة من الماء البارد (١٣١/أ) التي يشربها الرجلان لو قد كانت من غير الماء

стр. 2631

البارد لشربها الواحد، وأيضا فإن الماء البارد ينزل على المعدة فيجمعها فيستولي على ما فيها من الطعام فيهضمه، والماء السخن يرخي المعدة فلا تشتمل على ما فيها من الغذاء. * فأما قوله: (إن كان ماء بات في شنة) فإن تبيت الماء في الشنة مع كونه يبرد له ذلك فإنه يصفيه من ريقه. * وقوله: (فإن لم يكن عنده وإلا كرعنا) ولم يقل مصصنا؛ فإن المص يكون للماء البارد الذي كلما مصه قليلا قليلا نزل فعمل عمله؛ فأما الماء الحار فليس كذلك. - ٢٥٢٨ - الحديث الثالث والعشرون: [عن جابر، قال: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)]. * قد سبق هذا في مسند أبي هريرة، وتكلمنا عليه.

стр. 2632

- ٢٥٢٩ - الحديث الرابع والعشرون: [عن سعيد بن الحارث، أنه سأل جابرا عن الوضوء مما مست النار؟ فقال: (لا، قد كنا زمن النبي ﷺ لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا كفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ)]. * هذا الحديث عليه العمل؛ وأنه لا يتوضأ مما مست النار. * * * أفراد مسلم - ٢٥٣٠ - الحديث الأول: [عن أبي جعفر، عن جابر أنه سأله: متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟، قال: (كان يصلي، ثم نذهب (١٣١/ب) جمالنا فنزيحها حين تزول الشمس، يعني الناضح)]. * هذا الحديث يدل على التبكير لصلة الجمعة في أول وقتها.

стр. 2633

- ٢٥٣١ - الحديث الثاني: [عن جابر، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب: احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين؛ ويقرن بين إصبعيه: السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي). وفي رواية: (كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة بحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته). وفي رواية: (كان رسول الله ﷺ يخطب الناس: بحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله)]. * في هذا الحديث ما يدل على جواز تهيؤ الرجل للقول الذي يناسب فيه بين قوله وحاله، فإن رسول الله ﷺ كان إذا خطب علا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، وذلك لأن القول أصل وضعه (١٣٢/أ) إرادة إفهام السامع ما

стр. 2634

يكون في قلب الناطق، فإذا كان القول مما شأنه الجد لم يناسب ذلك أن يكون في صورته نوع إهمال ولا فتور، كما أنه إذا شرع في نطق بمقتضى التدقيق والتلطيف لم يناسب ذلك أن يكون صورته على حالة غضب ولا دفع صوت فذلك يكون في الحالين زيادة إفهام للمعنيين. * وفيه أن الواعظ والمحدث إذا أتى من صورته وحاله بما يتكلفه ليفهم السامعين؛ لم يكن ذلك رياء. * وقوله: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه) الحديث، وهذا يدل على ما ذكرنا في مسند أبي هريرة، أي إن قضاه في الفيء. * وقوله: (خير الحديث) يعني القول كتاب الله، وخير الهدي: هدي محمد، والهدي: السمت والدال، ويعني بهذا أنه من ذهب في سمته وداله ولبسته ومشيته إلى غير ما كان عليه رسول الله ﷺ ، فإن الذي كان عليه رسول الله ﷺ هو الحق. * وقوله: (وشر الأمور محدثاتها) يعني كل ما أحدث بعده في كل شيء إذا كان مخالفا لما شرعه ﷺ . وكذلك قوله: (كل بدعة ضلالة) إذا كانت مخالفة أيضا، وأصل البدعة من حيث الاشتقاق: الانفراد، فصاحبها ينفرد بها من جهة أنه ابتدأها، ومنه قوله: أبدع بي أي أفردت، فلما لم يرها المسلمون حسنة، كانت ضلالة. * وقوله: (أنا والساعة (١٣٢/ب) كهاتين) يعني ليس بيننا شيء إلى الساعة، فأما تزول وتنتهي؛ فإنه يدعو إلى محمد ﷺ .

стр. 2635

- ٢٥٣٢ - الحديث الثالث: [عن جابر، أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام؟ فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة). وفي رواية: (فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيها فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر)]. * في هذا الحديث جواز إفطار المسافر بعد أن نوى الصيام، والفطر له أفضل من الصوم؛ والصوم جائز. * وقد سبق ما يدل على ما قلنا في مسند أنس، سبق نحو حديث جابر في مسند ابن عباس. * فأما قوله: (أولئك العصاة) فلأنه إذا أمر أمرا يجب امتثاله، وتارة يأمر بمقاله، وتارة يأمر بفعاله، فلما أفطر كان أمرا بلسان الحال قاصدا بذلك الرخصة؛ ليقوى بالفطر على ما نهض له من الجهاد، فلما حمل أقواما بتطلعهم على أن يرغبوا عن فعله كانوا على غاية الغلط؛ لأنهم إن ظنوا أن

стр. 2636

صومهم أفضل من فطر رسول الله ﷺ فحسبك بهذا خطأ ونقصان فهم، وإن كانوا لم يعلموا أن فطرهم أقوى لهم على الجهاد فإنه سوء فهم أيضا (١٣٣/أ)، وكذلك كل من شرع في تعبد يخالف أمر الشرع، فلذلك سموا عصاة من حيث إن فعلهم ذلك؛ تجاوزوا فيه الشرع ولم يلينوا لقبوله. - ٢٥٣٣ - الحديث الرابع: [عن جابر، في حديث أسماء بنت عميس، حين نفست بذي الحليفة: (أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر ﵁ فأمرها أن تغتسل وتهل)]. * فيه دليل على أن الغسل يخفف من الحدث، ويناسب لبس النظيف من الثياب. - ٢٥٣٤ - الحديث الخامس: [عن محمد بن علي، قال: (دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع يده بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك، يا ابن أخ!، سل عما شئت، فسألته، وهو أعمى، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها كلما وضعها على

стр. 2637

منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب. فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فعقد بيده تسعا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، (١٣٣/ب) فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟، قال: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي). فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك). وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يزد عليهم رسول الله ﷺ شيئا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾،

стр. 2638

فجعله المقام بينه وبين البيت فكأن أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ وكان يقرأ في الركعتين ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾. ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (أبدأ بما بدأ الله به)، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت (١٢٤/أ) فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة). فقال سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: (دخلت العمرة في الحج) مرتين، (لا؛ بل لأبد الأبد). وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن النبي ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى

стр. 2639

رسول الله ﷺ محرشا على فاطمة؛ للذي صنعت، مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكر عليها، فقال: (صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟) قال: قلت: اللهم، إني أهل بما أهل به رسولك، قال: (فإن معي الهدي فلا تحل). قال: فكان جماعة الهدي الذي (١٣٤/ب) قدم به علي ﵁ من اليمن؛ والذي أتى به النبي ﷺ مائة، فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، وقال: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،

стр. 2640

ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن علكم رزقهن (١٣٥/أ) وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، قال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات). ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ ، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا، حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين،

стр. 2641

فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على (١٣٥/ب) وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، حتى الخذق رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا ﵁ فنحر ما غبر وأشركه في هديه من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: (انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) فناولوه دلوا فشرب منه. وفي رواية: (وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عري، فلما أجاز رسول الله ﷺ من المزدلفة بالمشعر الحرام، لم تشك قريش أنه سيقتصر عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز ولم يعرض له، حتى أتى عرفات فنزل). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ قال: (نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت (١٣٦/أ) ها هنا، وجمع كلها موقف). وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعا).

стр. 2642

وفي رواية: (أن رسول الله ﷺ رمل الثلاثة الأطواف من الحجر إلى الحجر الأسود). وفي رواية: (رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)]. * في هذا الحديث دليل على أنه يستحب للرجل إذا دخل عليه قوم أن يتعرفهم، فإن كان ذا بصر فيبصره، ويسأل عن من لم يعرفه ليعرف، وإن كان ضريرا يسأل عنهم؛ ليعطي كل إنسان من التفاته وقربه وحديثه ما يستحقه؛ لأن حال كل إنسان تطالبه بمبلغها من القول القرب والخطاب، ولهذا لما عرف جابر، محمد بن علي احتفل به وأكرمه. * فأما مد يده إليه وحل إزاره فذلك ليبسطه، فإن الإنسان إذا دخل بيت نفسه حل إزاره، فأراد جابر أن يعرفه أنك في مثل منزلك، وإنما وضع يده على صدره ليؤنسه ويبسطه ليسأل عما بدا له من غير احتشام؛ ولأنه أراد أن يمر يده التي جاهد بها في سبيل الله، وصافح بها رسول الله ﷺ على صدره ليكرمه بذلك. * وقوله: (فقام في نساجة) وهي ضرب من الملاحف المنسوجة، والمشجب: أعواد مركبة يوضع عليها الرحل والثياب، وهذا يدل على أنه يعد رداءه للخروج إلى الناس. * وانظر إلى توفيق الله هؤلاء الجماعة الذين حضروا عند جابر، كيف

стр. 2643

حضروا عنده (١٣٦/ب) وقت صلاة، ليكون جامعا لهم مايحدثموه وبين صلاته ليقتدوا به؛ لأنه صاحب رسول الله ﷺ . * وأما قوله: (من صغرها) فإنه يعني أنه إذا تركها على منكبه وأدارها من تحت يده لم يكن طولها بحيث يتمكن من وصولها إلى ظهره وصولا مسترسلا بمنعها من أن تعود. * وقوله: (فعقد بيده تسعا) أي مضت تسع سنين من الهجرة، وهذا لم يسله عنه السائل، ولكنه من حسن فهم المسئول؛ أنه إذا سئل عن شيء أتى به وبأطرافه التي يمكن فيها الخبر، يوسع فيها نطق القول. * وفيه دليل على جواز العقد بالأصابع في الحساب، وظاهر هذا الحديث يدل على أن الحج فرض عليه في السنة التاسعة، وأنذر الناس بالحج في السنة العاشرة، وقد يحتج بهذا من يرى وجوب الحج على التراخي وهو الأشبه. * وفيه أيضا حرص المؤمنين على الائتمام برسول الله ﷺ والتعلم منه مناسك الحج وأركانه وواجباته ومسنونناته نظرا لفعله إذ هو أثبت في القلب من حفظه عن النطق. * وفيه جواز خروج الحامل المقرب إلى الحج؛ لقوله: (فولدت أسماء محمد ابن أبي بكر). * وفيه أن النفساء إذا أرادت الإحرام اغتسلت؛ ليناسب الشطف ما يلبسه من ثياب إحرامها، وتفعل ما يفعله المحرم من التلبية واجتناب ما يجتنبه. * (١٣٧/أ) وفيه أن المرأة إذا نفست وهي محرمة، فالاحتياط لها في خيطها أشد من غير المحرمة لقوله: (استثفري بثوب)، وقوله: (فصلي في المسجد) يدل على أنه ابتدأ الصلاة قبل الإحرام.

стр. 2644

* وقوله: (أهل بالتوحيد راكبا) الظاهر أن المراد بالتوحيد توحيد الله ؛ لأنه لو أراد إفراد الحج لقال: الإفراد .. * وفيه أن التلبية إذا ذكر فيها توحيد الله نحو قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ونحو ذلك؛ فإن ذلك جائز لقوله: (وأهل الناس بهذا الذي يهلون) وقد ذكر أن رسول الله ﷺ لم يرد عليهم شيئا منه. * وقوله: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة) يعني أن أفردنا الحج. * وقوله: (استلم الركن) أي مسحه بيده. * وقوله: (فرمل ثلاثا) أي أسرع، والرمل من الشعر ما يقارن أجزاؤه. * وقوله: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يدل على أن الصلاة هناك بعد الطواف. * وفيه دليل على أنه قد قدم وأخر في قوله: فقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فإنه إنما كان يقدم ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وقرأ هاتين السورتين في الصلاة على معنى قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ فإن التبرء من الكفر على معنى التبرء من الطاغوت، وسورة الإخلاص على معنى الإيمان بالله، فأما استلامه ثانيا؛ فإن المستحب أن لا يمر بالحجر إلا ويستلمه. * فأما قوله: (أبدأ بما بدأ الله (١٣٧/ب) به) فإن الله بدأ بالصفا قبل ذكر المروة، وأرى فيه أنه إذا خرج عن مقام إبراهيم قاصدا إلى الصفا كانت الكعبة عن يمينه ولو قصد المروة أولا فجعل الكعبة عن يساره.

стр. 2645

* وقوله: (فرقى عليه حتى رأى البيت) هذا يدل على أن رؤية البيت عبادة. * فأما قوله: (لا إله إلا الله) فقد سبق تفسير الكلمات كلها. * وقوله: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة). فقد أبان بهذا أنه انكشف له في ثاني الأمر ما لم يكن ما رآه الأولى، وذكر ﷺ مشعرا بذكره للناس هذه الحال، لئلا يحجم أحد عن فعل الصواب إذا استبان له من ثاني الحال، وقد كان خفى عليه في أولها. * وقوله: (دخلت العمرة في الحج) قد سبق تفسيره في مسند ابن عباس. * وقوله: (وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ ) يعني بهديه الذي ساقه في ذلك العام. * وقوله: (وكانت فاطمة ﵍ مما حل) يعني أنها نزعت الإحرام من أجل أنها جعلته عمرة، والثياب الصبيغ: المصبوغة، وفي هذا ما يدل على فسخ الحج إلى العمرة، وإنكار علي على فاطمة ﵄ لما رآها قد فسخت الحج إلى العمرة فأنكر ذلك على مقدار ما وصل إليه. فلما قالت له: إن أبي أمرني بذلك، تعني قوله ﷺ : (من لم يكن معه هدي فليحل) يعني أنه أمر بأمر عام كنت فيمن دخل فيه، فمضى علي ﵁ محرشا عليها، والتحريش الإغراء، ولا أراه (١٣٨/أ) ذهب إلى النبي ﷺ شكا في خبرها، بل لم يرض أخذها بأمر عام للناس مع قدرتها من قرب رسول الله ﷺ على الاستثياب، وقول رسول الله ﷺ : (صدقت صدقت)

стр. 2646

أي أني أمرت بأمر دخلت فيه هي وغيرها. * وقوله: (إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ ) فيه دليل على أنه علق إحرامه على إحرام رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ أمضى له ذلك. * قوله: (أمر بقبة من شعر) فيه جواز دخول المحرم القبة، وفيه أن رسول الله ﷺ لم يعتمد ما كانت الجاهلية تعتمده من وقوفها في الحرم؛ بل خرج إلى عرفة. * وقوله: (إن دماءكم حرام) قد مضى تفسيره، وأما وضع رسول الله ﷺ دماء الجاهلية؛ لأنها دما نفوس مشركة لا دية ولا قود فوضعها رسول الله ﷺ لئلا يثير شرا بين المسملين. * وقوله: (إن أول دم أضع دم ابن ربيعة) وربيعة هو ابن عم رسول الله ﷺ ، وهو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقد شهد ربيعة مع رسول الله ﷺ فتح مكة والطائف وثبت معه يوم حنين. أما ابن ربيعة فاختلفوا في اسمه على ثلاثة أقوال: أحدها: إياس، والثاني: تمام، والثالث: آدم، وكان هذا الولد قد استرضع في هذيل، فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم، كان يحبو أمام البيوت فرضخوا رأسه (١٣٨/ب) فأهدر رسول الله ﷺ دمه، وأسقط الربا، وابتدأ بربا العباس وأراد أني إنما أبدأ باستعمال ما أمرت به في أهلي، فأضع دم ابن عمي وربا عمي. * وقوله: (بأمان الله) أي بعهده، وهذا لأن المرأة عند الرجل أمانة، فنفس

стр. 2647

تسليمها إليه نفسها مقتض أنه قد أمنها من جوره وظلمه؛ لأنها رحلت من نصارها وحماتها إلى عقوة زوجها، وتوارت عنده بالخدر أو السجوف، يفعل بها ما يشاء، ويسير بها كيف يشاء، فلذلك كانت عنده بأمان الله. * وقوله: (استحللتم فروجهن بكلمة الله) يعني بالكلمة نفس العقد الذي تنشأ من كلمتي إيجاب وقبول من الولي والزوج، فلما أوصى بهن ذكر ما عليهن فقال: (أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه) وذلك أنه لما كانت العادة في العرب أن النساء يأذن للرجال، فأراد لا يدخلوا بيوتكم من تكرهونه ولا ينصرف هذا إلى الزنا؛ فإنه لم يكن ليقنع في جوابه بضرب غير مبرح وهو وإن لم ينصرف إلى الزنا، فهو يعرف قدر عظم الزنا؛ لأنه إذا نهين عن إدخال رجل يكره دخوله؛ فما ظنك بما وراء ذلك. * وقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) على قدر الحال الذي ينفق فيها ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. * وقوله: (تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به) يدل على أن كتاب الله سبب الهدى؛ فمن تمسك به لم يضل. * (١٣٩/أ) ومن كتاب الله قوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، فالتمسك بكتاب الله يوجب التمسك بكل ما صح عن رسول الله ﷺ . * وقوله: (إنكم تسألون عني فماذا تقولون؟) ففهموا من قوله ما يريد بقوله ماذا يقولون؟ يعني أيقولون: إني بلغتكم ما أرسلت به، فأجابوه: إنا نقول: بلغت وأديت، فأشار بيده إلى السماء بذلك على أن ربهم هو الأعلى.

стр. 2648

* قوله: (وينكبها إلى الناس) أي يميلها إليهم، يشهد الله عليهم، وقد كان تيقين أن الله قد سمع وشهد، وإنما أراد أن يعلمهم أنه قد استحفظ الله سبحانه تلك الشهادة واستودعه إياها، وإنما ذكر رسول الله ﷺ هذه الوصايا في خطبته يوم العيد، مغتنما اجتماع الخلق وحضور الناس، فذكر فيها كل أمر يتعلق بعموم الناس، ليذهب به سامع إلى قومه فينشر ذلك عنه ﷺ في سائر الآفاق. * وفي الحديث أن وقت الدفع عن عرفات بعد غروب الشمس، وذلك لأنه بغروب الشمس يستكمل اليوم كله في الحج؛ فإذا دفع الناس من عرفات قبل أن يكملوا يومهم؛ كان ذلك قادحا في إيفائهم حق الوقوف فيكونون على نحو من يركع فلم يطمئن، أو يسجد فلم يطمئن، فلذلك ما كان من تمام الوقوف أن لا يدفع الحاج من عرفات إلا بعد غروب الشمس. * وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) الحبل: ما استطال من الرمل. * وقوله: (قد شنق القصواء الزمام) يقال: شنق الرجل زمام ناقته إذا ضمه إليه (١٣٩/ب) كفا لها عن الإسراع، وأراد بذلك أن يملك رأسها ليكون سيرها على السكينة عند الدفع من عرفات؛ لئلا يخرج الناس من ذلك سراعا، فيدل إسراعهم حين الخروج على نوع قلة خيرة يسرق الوقوف هنالك، فإنه الله يباهي بهم ملائكته، فإذا رأتهم الملائكة سراعا متفلتين إلى المفارقة لم يكن ذلك مما يحسن أن يؤثر عنهم. * وقوله: (ليصب مورك رحله) مورك الرجل: ما يكون بين يدي الرحل يضع الراكب رجله عليه. وإنما كان يرخي للناقة عند الحبال المتهلية؛ لأنه

стр. 2649

إعانة للناقة، وليكون سيرها في الحبل مع الإرجاء على نحو شنقها في الجلد. * وفيه أن يدفع الحاج من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس، وذلك لأنه كما يوفي الوقوف بعرفة جملة اليوم؛ فكذلك يوفي المبيت جملة الليل بمزدلفة. * وفيه دليل على أن رسول الله ﷺ أردف ابن عمه وراءه، وفيه أنه لما خاف عليه من نظره إلى الظعن لوى عنقه، فإذا كان هو ابن عم رسول الله ﷺ ولم يبلغ الحلم، فصرف رسول الله ﷺ وكهه، وفي هذا رد على من شط من الجهال إلى رؤية النسوان، ويقول للمرأة أنت أختي لا يضرني رؤيتك، ولا الخلوة بك. * فأما إسراعه في وادي محسر، فإذا أراه إلا لضيق ما بين الجبلين لئلا يحمل الناس البطء في السير على شدة الزحام. * فأما رمي الجمرات فإنه مما جعل الله آية، من جهة أن الحجاج يرمون فيه الجمار، ثم لبس (١٤٠/أ)، ثم ما يقتضي أن يكون هو المرمي فيها مع كون كل حاج لا بد أن يرمي إحدى وعشرين حصاة كل يوم، وذلك على طول السنين، فلولا أن الله يرفع منه ما يقبله لكانت كل جمرة كالجبل، فإن في أماكن يرجمها بعض الحاج لا الكل، وليست من المناسك، وقد اجتمع عليها ما قد أصارها على نحو الجبل، وهذا من آيات الله . * وقوله: (فنحر ثلاثا وستين بدنة) فقد أشار إلى سر هذا العدد سعيد بن المسيب فقال: ذلك على عدد سني عمره. فأما أمره: (من كل بدنة ببضعة أن يطبخ)، فالذي أرى فيه أنه أحب أن يتمثل قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾ فلم

стр. 2650

يترك نسيكة إلا وقد أكل منها جزءا. * قوله: (انزعوا يا بني عبد المطلب) أي استقوا من زمزم ليشر الناس، وأراد بذلك أن يكون الناس في ضيافتهم بماء زمزم، وأن يريحوا الناس من الاستقاء. * وقوله: (لولا أن يغلبكم الناس لنزعت معكم) يريد أن هذا الفعل عبادة وإنما شرب من الماء الذي استقوه ليعلم أن الشارب من ماء استقاه غيره لا ينقصه من ثواب ما لو استقاه. * وفيه دليل على أن عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وفي ذلك من الحكمة أن الله جعل للنحر مكانا غير مكان الوقوف، فإن وقوف الناس بعرفات نزه عن أن يجعل مسفكا للدماء ومجمعا للفروث؛ ولكنهم إذا انصرفوا عن الموقف إلى مكان عين للنحر نحروا به. والحمد لله حق حمده. * * *