← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

* قد سبق هذا الحديث في مسند سلمة بن الأكوع وتكلمنا عليه، وأشير إليه ها هنا فأقول فيه: إن من السر في تفجر الماء بين أصابعه ﷺ أن الله جعل يده المباركة مادة ريهم، وكانت يده تعطيهم ما تحوي عليه، فلما لم تكن في ذلك الوقت فيها من الأعراض ما يدفع ضرورة ذلك الوقت أجرى الله العيون منها نفسها، فلم يزل رزقهم عنها، وقد أجاد القائل في هذا حيث يقول: بنانه خلج تجري وغرته ستر .... من الله مسبول على الحرمم * وقد تقدم قولنا أن هذا أفضل مما وقع من انفجار الماء من حجر موسى على نبينا وعليه السلام، إذ الحجارة قد تتفجر منها الأنهار ويشقق منها ما يخرج الماء منه، فأما يد بشر، فإنه (١١٤/ب) لم تنفجر منه الماء إلا يد رسول الله ﷺ . * وفيه أيضا أن يده ﷺ كانت على مثل هذا تجري منها العيون من الجود في المعنى دائما، فلما كثر ذلك منها ظهر في صورتها بقدرة الله فتفجرت منها العيون والناس ينظرون. * وفيه أيضا جواز تقديم الشرب على الوضوء، العطاش، وذلك في كل مقام؛ لأن الوضوء منوب عنه التيمم، حتى إذا اشتد به العطش ومعه ما شربه وتيمم؛ لأن التيمم يقوم مقام الوضوء وشرب الماء لا يقوم مقامه شيء. * وفيه أيضا أنه لم يقل ادخرنا منه؛ ولكن دفعوا الضرورة الحاضرة من الشرب والوضوء لأن من يرى تلك الآية لا يحسن به حمل الماء. * وفيه أن جابرا لما سأله السائل عن عدتهم، فهم مقصود السائل بهذا

стр. 2592

السؤال، وأنه أراد أن ينظر هل العدة كانت تلائم ما كان مقدار في الركوة، فقال له قولا يقطع نوابض توهمه الفاسد؛ لأنه قال: (لو كنا مائة ألف لكفانا). ثم قال له: (كنا ألف وأربعمائة أو خمس عشرة مائة)، وهذا العدد فإنه يشتمل من الشرب والوضوء على ما يرجع إلى ألفي رطل على أقل الأحوال، وهذا لا يخفى على آدمي أن ركوة لا تسع وضوء ثلاثة وشربهم فلذلك قال: (لو كنا مائة ألف لكفانا) وكونه فرج ﷺ ، إنما فعله؛ ليبين كيف يخرج الماء منها لكل من ينظر إلى ذلك حتى لا يتمارى فيه اثنان. * وفيه أيضا دليل على أن كل واحد منهم كان يستكثر منه البركة (١١٥/أ) وظهور الآية فيه لقول جابر: (فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه) وعلمت أنه بركة. - ٢٥٠١ - الحديث السادس والخمسون: [عن جابر، أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم يحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)].

стр. 2593

* قد سبق بيان هذا الحديث من مسند حذيفة، وفي مسند أبي ذر، وفي مسند أبي هريرة، وأشير إليه فأقول: إنه ﷺ ذكر هذه الخمس مشعرا بها أن كلا منها لم يعطها نبي قبله، فهي زيادة له غير مما أعطيه الأنبياء قبله، بهذه الخمس يخصص بها وحده غير ما شارك الأنبياء فيه ﷺ وعليهم، وهذه الخمس فهي جامعة شاملة: * أولها: أن الله تعالى نصره ﷺ بالرعب، وهو أنه جعل جنده في قلوب أعدائه، وهو الرعب، فخذلهم وهزمهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر مسافة، لا يصلها سهم ولا ينالها رمح، ولا يدركها عدو جواد من الخيل، وهي زهاء ثلاثمائة فرسخ. وكان في قوله ﷺ مخبرا لنا بهذا الحديث أن لله جنودا منها ما يرى صورته، ومنها ما يرى أثره، ومنه الرعب الذي نصر به نبيه. فأما مسيرة شهر فالذي أراه فيه: أنه لما سخر الله الريح (١١٥/ب) لسليمان فكان غدوها شهر ورواحها شهر، أي مسيرة شهر، إلا أن الرعب الذي يكون مسيرة شهر لرسول الله ﷺ أفضل، لأن مسيرة شهر من بلده إلى وقت الرواح مسيرة شهر عند انتهاء وصولها. وذكر رسول الله ﷺ كان حين يذكره الأعداء يقع رعبه في القلوب في

стр. 2594

الحال، فحاله أتم، فقد فضلت حاله على سليمان من هذا الوجه، ومن وجه آخر، وهو أن سليمان كان يصل إلى الأعداء الذين يقاتلهم وقلوبهم لهم، ورسول الله ﷺ كان يصل إلى الأعداء وقد سبقه الرعب فصارت قلوبهم له، فهذا معنى قوله ﷺ : (لم يعطهن أحد قبلي) ثم عقب ذلك بقوله: * (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) يعني أن الله سبحانه أباحه الأرض شرقها وغربها، وأنها جعلت له مسجدا، وهذا مما يدل على كل عاقل أن الله تعالى علم كثرة أمته، وأنه لا يسعهم مسجد ولا جامع فجعل الأرض لهم كلها مسجدا، فأباح الله الصلاة في كل موضع من الأرض. ثم لما علم الله من حرص أمته على الطهور واهتمامهم بصلواتهم، أباحهم البسيطين، الثرى والماء، لطهورهم، فأوجب عليهم الطهارة بالماء إذا وجدوه، والتراب إذا عدموه، فلما نصروا بالرعب وأقاموا الفريضة ذكر إحلال الغنائم فقال: * (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي) هذا يذكره ﷺ (١١٦/أ) مبينا به فضل أمته، فإنه يعني أن إيمان أمته زاد وصدق إلى أن لا يضره تناول الغنيمة في إخلاصهم في الجهاد، فإن من كان قبلهم إنما كانت الغنائم تأكلها النار؛ من أجل إيمان من تقدم لم يكن في قوة إيمان هذه الأمة؛ إذ الغنائم لا يؤثر تناولها في إخلاصهم في جهادهم وإرادتهم به وجه مولاهم وخالقهم. وكان ذلك لنزول إيمان من تقدم عن درجة إيمان أصحاب رسول الله ﷺ كانت تأكلها احتياطا للغزاة، حينئذ جاهدوا من أجل الغنائم، من أجل الغنائم لأمة محمد يشير أن مقامهم أشرف من أن يكون جهادهم لأجل الغنائم.

стр. 2595

ثم ذكر الشفاعة وهي شفاعة في الجمع كله، أولهم الأنبياء، وهذه الشفاعة العظمى تشمل كل مرسل، ومرسل إليه، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث إلى الناس عامة، يعني ﷺ إني بعثت إلى الأسود والأحمر، والجن والإنس، مشيرا بهذا القول إلى كل من طلعت عليه الشمس في فج من فجاج الأرض إذا بلغته دعوة محمد ﷺ ولم يؤمن به فهو من أهل النار. - ٢٥٠٢ - الحديث السابع والخمسون: [عن جابر، قال: (لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصا؛ فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت إلى جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن، فذبحتها وطحنت (١١٦/ب) ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ : (يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيهلا بكم، وقال رسول الله ﷺ : (لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء). فجئت، وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس، حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت؟ فأخرجت عجيننا، فبصق فيه وبارك،

стр. 2596

ثم عمد إلى برمتنا فصق وبارك، ثم قال: (ادع لي خابزة فلتخبر معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف) فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، فإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا لتخبز كما هو). وفي رواية: (أتيت جابرا فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: (أنا نازل)، ثم قام وبطنه معصوب - ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيبا أهيل. فقلت: يا رسول الله، إئذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت النبي ﷺ شيئا، ما في (١١٧/أ) ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي، قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: (كم هو؟) فذكرت له، قال: (كثير طيب)، قال: (قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا) فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك، جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال: ادخلوا، ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، يقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل ويكسر ويغرف حتى شبعوا،

стр. 2597

وبقي منه، فقال: (كلي هذا وإهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة)]. * الخمص: الجوع، المخمصة: المجاعة. وقوله: (فانكفأت إلى امرأتي) أي رجعت، والداجن: ما يحبس في البيت من الغنم، والسويقة: الطعام. * وفي قوله: (فحي أهلا بكم) هذه كلمة تقال عند الحث على الشيء. * وقوله: (فقالت: بك وبك) كناية عن اللوم والسب. * وقوله: (بسق فيه) أي بزق، يقال بسق، وبزق، وبصق، وفي هذا دليل على إظهاره البصاق. * وقوله: (إن برمتنا لتغط) أي يغلي بما فيها، والكدية: القطعة من الأرض الغليظة الصلبة. * وقوله: (وبطنه معصوب) أي مشدود بالعصابة من الجوع. * وقوله: (فعاد كثيبا: أهيل) (١١٧/ب)، الأهيل: المنهار الذي لا يتماسك. * وقوله: (ادخلوا ولا تضاغطوا) أي لا تزاحموا.

стр. 2598

* وفيه من الفقه أن جابرا لما استكشف من حال رسول الله ﷺ مخمصة اهتم بها إلا أنه لم يبدأ بأن يذكر لرسول الله ﷺ في ذلك شيئا حتى ذهب إلى أهله وسأل عما عندهم، فلما أخبرته بطعام يكفي الواحد أو الاثنين، رأى أنه يسد به خصاصة رسول الله ﷺ ولم يكن جابر يدعو ذلك الخلق كله على طعامه ذلك، وإنما أعلم رسول الله ﷺ بما عنده وأنه كاف للرجل أو الاثنين، فاستصحب رسول الله ﷺ الناس كافة، فكانوا أضياف رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ ضيف جابر فيما بلغه وسعه، والخلق ضيف رسول الله ﷺ فيما يناله وسعه. * فأما قوله ﷺ : (كم هو؟) فإنني لا أراه إلا أن رسول الله ﷺ أراد بسؤاله عنه لجابر أن يطيبه عنده ويكثره، ولا يكون جابر على انكسار ولا خجل، إذا رأى ذلك الخلق عنده. * وفيه أن رسول الله ﷺ أمره أن لا ينزع البرمة ولا الخبز من التنور، فيجوز أن تكون البرمة على الأثافي، وفي ذلك أنه إذا لم ينزل القدر ولم يظهر الخبز من التنور نال الضيف ذلك وهم سخن، فيكون في هذا نوع (١١٨/أ) فائدة لأكله من حيث علم البدن. * وفيه أيضا أنه لفرق ما بين الاتجاد والعدم، فإن ذلك لو كان قد دفعت الحجر، وكان قد قطع عنها مادة ما ولو كان الخبز رفع من التنور، لكان قد فرغ منه، وعلم عدده، لم يقطع مادة الاتجاد، ولو اطلع على ذلك لعلم عدده، فلما كان باقيا على حاله جعل سترا بين الاتجاد والعدم، وإلا فما يخفى على الآدمي أن قدر بهيمة وصاع شعير مما يستحيل أن يأكل منه ألف.

стр. 2599

* ثم يقول ﷺ : (كلي هذا، واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ثم يكون الطعام كأنه لم يصب منه، ولأن أبقاه على ذلك الحال يجعله عند التناول على سخونته. * وفيه أن الكدية التي عرضت لرسول الله ﷺ مستصعبة حتى ضربها رسول الله ﷺ بالمعول فانهالت، لا أراه إلا أن الله أذنه بانهيال الأمر وتسهله بعد صعوبته، وأن الخندق لم يبق بعده شدة، وأن الصعوبة تسهلت. * وفيه أيضا أن المؤمن ينبغي له أن يكون متفقدا لأحواله وخطراته، وذهابه وإتيانه، وكل شخص يلقاه ويكلمه ناظرا إلى أن الله سبحانه هو محرك حركات الوجود، والعالم بخطراتهم وحركاتهم، وإن ذلك قد يكون منه ما يخاطب به العبد، ويناجي به بإشارة ورموز على وجه يكون الحاضرون حوله ما فيهم من يدري ما يجري على نحو انهيال الكدية بعد صعوبتها. فهذا من أحسن السر وأصونه، وهذا لا أراه إلا في اليسر (١١٨/ب) لأنها لو تصعبت عليه لم يستدل بذلك على صعوبة لأن ذلك يكون تشاؤما والأول تفاؤلا، فإن تم على أحد شيء من ذلك نادرا، فإن ذلك إنما فعل ليعتبر به إيمانا. - ٢٥٠٣ - الحديث الثامن والخمسون: [عن جابر بن عبد الله، قال: قال النبي ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، وجعل الناس يدخلونها

стр. 2600

ويعجبون، ويقولون: لولا موضع اللبنة). وفي رواية: (فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء)]. * هذا الحديث قد تقدم في مسند أبي هريرة وتكلمنا عليه، وأشير إليه فأقولك إنه ﷺ لما يقدمه الأنبياء والمرسلون ما يقدموا به، شبههم ﷺ ببناء دار بنيت حتى لم يبق فيها إلى موضع لبنة، حتى إن تلك اللبنة إذا وضعت لم يبق فيها محل لأن يعمل فيها شيء، فكان خبر النبي ﷺ هذا مشعرا أنه ختم الأنبياء كما ختمت تلك اللبنة ذلك البناء، فلم يبق بعده لبان عمل لأنه ﷺ تمم البناء. - ٢٥٠٤ - الحديث التاسع والخمسون: [عن ابن المنكدر، قال: (دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب، ملتحفا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يرني الجهال مثلكم، رأيت رسول الله ﷺ يصلي كذلك). (١١٩/أ) وفي رواية: (صلى بنا جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب، فقال له قائل: يصلي في إزار واحد؟ قال: إنما

стр. 2601

صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله ﷺ ؟). وفي رواية سعيد بن الحارث، قال: (سألت جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد؟)، فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، فجئت مرة لبعض أمري فوجدته يصلي، وعلى ثوب واحد، فاشتملته وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: (ما السرى يا جابر؟) فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، قال: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟) قلت: كان في ثوب واحد، قال: (فإن كان واسعا فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به). وفي رواية: (كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فانتهينا إلى مشرعة، فقال: ألا تشرع يا جابر؟، قلت: بلى، قال: فنزل رسول الله ﷺ وأشرعت، قال: ثم ذهب لحاجته ووضعت له وضوءا، قال: فجاء فتوضأ، ثم قام فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمت خلفه، فأخذ بأذني، فجعلني عن يمينه). وفي رواية: (رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحا به). وفي رواية عن أبي الزبير: (أنه رأى جابر بن عبد الله يصلي في ثوب واحد متوشحا به، وعنده ثيابه، وقال جابر: إنه رأى النبي ﷺ يصنع ذلك)].

стр. 2602

* في هذا (١١٩/ب) الحديث جواز الصلاة في ثوب واحد مع القدرة على ثوبين. والمشجب: أعواد متداخلة يجعل عليها الثياب. * وقوله: (ما السرى يا جابر؟)، السرى: سير الليل، والمعنى لأي شيء كان مسراك الليلة. * وقوله: (ما هذا الاشتمال) الاشتمال: الالتفاف بالثوب حتى يشمله فلا يخرج منه يده، فلهذا أنكره عليه. * قوله: (ألا يشرع) معناه: ألا يورد الإبل المشرعة. - ٢٥٠٥ - الحديث الستون: [عن جابر، قال: (بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة، إذ قال له رجل: أعدل، فقال: لقد شقيت إن لم أعدل). وفي رواية لمسلم: (أتى رجل بالجعرانة - منصرفة من حنين - وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبض منها ويعطي الناس، فقال: يا محمد، أعدل، فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟، لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: (معاذ الله أن يحدث أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من

стр. 2603

الرمية). وفي رواية: (أنه ﵇ كان يقسم مغنم حنين بنحوه)]. * أما هذا الرجل فيقال له ذو الخويصرة، والثاني شقيت (مفتوحة) لأن المعنى أنك إذا اتبعت من لم يعدل فقد شقيت. * (١٢٠/أ) وقوله: (يمرقون من الدين) قد سبق شرحه في مسند أبي ذر ﵁. * * * أفراد البخاري - ٢٥٠٦ - الحديث الأول: [عن جابر، قال: (قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)].

стр. 2604

* هذا الحديث يدل على وجوب الشعفة فيما لم يقسم وهو المشاع، وقد نفاها عن ما قد قسم، وعند أحمد ومالك والشافعي: أن الشفعة لا تستحق بالجوار، وقال أبو حنيفة: تستحق بالجوار. - ٢٥٠٧ - الحديث الثاني: [عن جابر، (أن إهلال رسول الله ﷺ : من ذي الحليفة، حين استوت به راحلته)]. * قد سبق هذا الحديث في مواضع. - ٢٥٠٨ - الحديث الثالث: [عن جابر، قال: (لما حضر أحد، قال: دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي

стр. 2605

أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن علي دينا فاقض، واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه). وفي رواية: (فجعلته في قبر على حده)]. * في هذا الحديث ما يدل على أن الشهداء لا سبيل للبلى عليهم، ولو كانت صورة جسم أحدهم قد يطرق عليها ما فرق أجزاءها لم يكن ذلك إلا لزيادة في كرامة (١٢٠/ب) الشهيد، فإنه يستطيب كل ما زاد ما يناله من الأذى في سبيل الله. * وفيه أنه قال: (أعز علي منك) ولم يقل أحب؛ لأنه لم يكن يظن به أنه يحب إلا الله، وكان أفاضل أصحاب رسول الله ﷺ أحب إليه، كما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: (اللهم إن عمر أحب الناس إلي)، ثم قال: اللهم أغزو، وألو، لك الوطء. * وفيه جواز أن يغزو الغازي وعليه دين فيوصي بقضائه. * وفيه جواز أن يكون للرجل البنات الشديدي الحاجة إلى بقائه؛ فيؤثر على القيام عليهن الجهاد في سبيل الله. * والرجل الذي دفن معه: عمرو بن الجموح، ولا أرى كون جابرا أراد إفراد أبيه عن عمرو بن الجموع على علو قدريهما إلا إيمان جابر ﵁ حقق

стр. 2606

عنده وجود الحور العين عند كل واحد منهما، وعرف أن اجتماعهما مع وجود زوجاتهما في قبر واحد يضر بأنسهما الكامل، فأراد أن يفرد إباه عن عمرو بن الجموح، ليكون كل منهما خاليا مع زوجاته من الحور العين، فإن رسول الله ﷺ لما دفن بعض الشهداء أعرض وقال: (رأيتهن ناديات سوقهن)، يشير إلى الحور. - ٢٥٠٩ - الحديث الرابع: [عن جابر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن من حلق قبل أن يذبح ونحوه، فقال: (لا حرج، لا حرج)]. * قد سبق هذا في مسند ابن عباس وغيره. - ٢٥١٠ - الحديث الخامس: (١٢١/أ) [عن جابر، قال: لما رجع النبي ﷺ قال لأم سنان

стр. 2607

الأنصارية: (ما منعك من الحج؟) قالت: ليس لنا إلا ناضحان، أو فلان - تعني زوجها - حج على أحدهما، والآخر: يسقي أرضا، قال: (فإن عمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي)]. * قد سبق في مسند ابن عباس. * فأما كون العمرة في رمضان تعدل حجة، فيجوز أن يكون المعتمر فيه يكون صائما، فيعبد الله من طريقين وينالهن إن شاء الله تعالى من بابين. - ٢٥١١ - الحديث السادس: [عن جابر، قال: قال النبي ﷺ : (كل معروف صدقة)]. * قد سبق الكلام عليه في مسند حذيفة، ونشير إليه فنقول: إنما أشعر ﷺ بهذا القول المتصدق أنه ليس الصدقات مقصورة على الأموال التي ربما لا يقبلها إلا غنيا؛ إن الصدقة قد تكون كلمة حكمة فيتصدق بها على الجهال، وفي هدايتك الطريق لمن لا يعرفها، وإن كان الملك فإنك متصدق عليه بالهداية

стр. 2608

وهذا هو. وإن كان في طريق السعي بالأقدام صدقة فإنه في طريق السعي إلى الحق صدقة فوق هذه الصدقة، وهكذا إذا تصدقت على رجلين متنازعين في مسألة حساب لا يعرفان كلمة للفصل بينهما؛ فأتيتهما بها، وفصلت بينهما بذكرها كنت متصدقا عليهما بقضاء يفصل بينهما، وكذلك إذا رأيت أخاك المؤمن وقد استشاط به غضبه ألهاه عن معرفة الصواب في سبيل يسلكها من القول وأشرت له إلى (١٢١/ب) الإناة، وحررت له قولا يخلصه فيه من حوادث الغضب الشديد كنت متصدقا عليه بذلك. وكونك إذا رأيت المسلم وقد ذهب به إسلامه ونهض في إسلامه إيمانه إلى أن حمل نفسه من أعباء العبادة ما لم يندبه المشرع إليه تصدقت عليه تبصرنه الحق، وأن من صدقتك عليه أمره بالرفق كنت في ذلك متصدقا، وكذلك إذا رأيت أخاك المسلم قد كشف بسوء تدبيره شيئا من أسرار حاله؛ الصالح له كتمها وسترها، فمددت دليل حلمك وعقلك على ما كشفه خرقه، فسترت ذلك منه كنت متصدقا عليه بصدقة، وعلى ذلك فكل معروف صدقة يقبلها من لا يقبل المال، ويتصرف في مواطن لا يغني كثير المال ما يغني القليل من هذه فيها.

стр. 2609

- ٢٥١٢ - الحديث السابع: [عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله رجلا سمحا، إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)]. * قد سبق في مسند أي مسعود البدري فضل التجاوز والتساهل، ووجه هذا أن المشاحة في البيع والشرى أمارة على البخل، ودليل على الشح ولا سيما مع الإخوان من المسلمين؛ الذين ينبغي إيثارهم بالشيء، وتقتضي المروءة إعطاءهم بلا ثمن، فإذا باعهم بثمن فلا أيسر من أن يقف على أنه سيكون سمحا بائعا، وسمحا مشتريا، وسمحا متقضيا، فإنه إذا استبدل السماحة العسر في كل ذلك دالا من شيمه على أنه ليس (١٢٢/أ) تناله دعوة الرسول ﷺ . - ٢٥١٣ - الحديث الثامن: [عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمد الوسيلة والفضيلة،

стр. 2610

وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)]. * النداء ها هنا: الأذان، والوسيلة: قد سبق شرحها، والمقام المحمود الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف. قال ابن مسعود: هو الشفاعة للناس يوم القيامة، وذلك أن هذه الدعوة هو سنها، وعلى لسانه ذكرت، فكل قائل يقولها فثوابها له إلى يوم القيامة، فيكون قول القائل: (اللهم آت محمدا الوسيلة) جزاء لمحمد ﷺ وحسن مكافأة. * وقوله: (آت محمدا الوسيلة) فإن الوسيلة قد روي فيها ما روي، إلا أنها في وضع اللغة: هي التي يدلي بها الطالب، فيكون سؤال الناس لرسول الله ﷺ الوسيلة سؤال لنفوسهم؛ فإن الوسيلة والمقام المحمود والدرجة الرفيعة كله ليستنزل ويسأل الصفح عنهم والعفو. * وفي هذا الحديث ما يدل على أن وقت الأذان قمن بالإجابة. - ٢٥١٤ - الحديث التاسع: [عن جابر، قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما

стр. 2611

يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا هم أحدكم (١٢٢/ب) بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسلك من فضلك العظيم، فإنه تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي أو يسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، قال: ويسمي حاجته]. * في هذا الحديث دليل على طلب الخيرة من الله قبل الشروع في الأمر، والاستخارة أن يسأل الله خير الأمرين. * ومعنى: (فاقدره لي) وقدره وقيضه، وقد علم رسول الله ﷺ المستخير أحسن لفظ ينطق به في الاستخارة. * وقوله: (أستخيرك بعلمك) فيه أن النبي ﷺ طلب الخيرة من الله، ثم علق ذلك بعلم الله، وأشار فيما أرى بهذا، إلى قوله: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو

стр. 2612

خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. فلما كانت عواقب الأمور لا يعلمها العبد، قال: (أستخيرك بعلمك) أي ما تعلم أنت أن عاقبته لي الخيرة مقدما علم الله سبحانه واختياره على حد مبلغ علم آدمي واختياره لنفسه. * وقوله: (أستقدرك بقدرتك) (١٢٣/أ) فإنه يعني أنه بعد أن سأله أن يختار له سبحانه بمقتضى علمه في عواقب الأمور، أي فقد سألتك أن تقديري على ما يقتضيه علمك في ذلك الأمر ولا تقدرني على ما ليست عاقبته جميلة، أي لا تبسط قدرتي إلا على ما هو الخيرة في علمك. ثم عقب ذلك بأن قال: (فأسألك من فضلك) أي لما عرفت أن الخيرة بعلمك والقدرة مني بقدرتك حينئذ سألتك من فضلك العظيم، ولما لم يعين عند سؤاله من الفضل جنسا من الفضل، كان هذا الفضل متناول كل جنس من الفضل، ولما كان ذلك راجعا إلى إنعام الله وصفه بأنه عظيم. ثم قال: (فإنك تقدر ولا أقدر) أي أنت تقدر، وحالي أنا إني لا أقدر، فأما تأخير ذكر العلم وتقديم ذكر القدرة على خلاف أول الكلام، ويجوز أن يكون من أجل أن آخر الكلام الثناء على الله بعلم الغيب، فختم ذلك بما يناسب العلم، ويجوز أن يكون حث بدأ بذكر العلم عند قوله: (أستخيرك بعلمك) حتى يذكر العلم أيضا؛ لأن الاستخارة تتعلق بالعلم، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ .

стр. 2613

* وأما قوله: (إن كنت تعلم أن هذا الأمر حير لي في ديني ومعاشي)، فإنه لم يذكر اسم الدنيا وإنما ذكر اسم المعاش، وذلك أن إصلاح المعاش معونة على العيشة، وعيشة العبد في الدنيا لعبادة ربه، فطلب إصلاح ما يقوم به العبادة عبادة، وكذلك عاجل أمري وآجله. * وقوله: (فاقدره لي) أي كونه ثم طلب (١٢٣/ب) التيسير والتسهيل في ذلك التكوين. * وقوله: (فاصرفه عني) يعني اصرفه عني، فلا تطرقه إلي، واصرفني عنه فلا أنظر إليه. * وقوله: (رضني به) أي إذا قدرت لي الخير، فاحمي قلبي من أن يستزيد بعد أو يرى أنك لم تختر لي الأفضل، ولم يقل صبرني عليه، ولكن قال: (رضني به) أي اجعلني من الراضين فإن مقامه فوق مقام الصبر، فينبغي له إذا صرف عنه الأمر أن لا يتأثر بالصرف، كما أنه ينبغي له إن حصل له أن يكرهه، وهذا طريق واضح على طلب الخيرة، إلا أن الذي أنزله الله تعالى في القرآن أعم وأشمل وهو قوله تعالى: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾. فإذا نهض العبد في أمر فإنه يعلم عاقبته من هاتين الاثنين؛ لأنه إن كان دينا علم أن عاقبته السلامة، وإن كان سيئة علم أن عاقبته الندامة، وهذه الأقسام تشمل جميع ما يتحرك العبد فيه. وهذا مما كان الشيخ محمد بن

стр. 2614

يحيى ﵀ يقوله. - ٢٥١٥ - الحديث العاشر: [عن جابر، قال: (اصطبح الخمر يوم أحد ناس، ثم قتلوا شهداء)]. * الاصطباح: شرب أول النهار، والخمر إنما حرمت بعد وقعة أحد. - ٢٥١٦ - الحديث الحادي عشر: (١٢٤/أ) [عن جابر، قال: (لما أنزل على رسول الله ﷺ : ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ قال: (أعوذ بوجهك)، ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال: (هاتان أهون أو: أيسر)].

стр. 2615

* قد مضى معنى (العوذ) وأنه في لغة العرب: العظم، وكأن المستعيذ بالله يتحصن من وجوه السوء، يحصن المخ في داخل العظم، فلما عظم عند رسول الله ﷺ ما نزل من هذه الآية عرف أن هذا حيث نزل به القرآن عليه لا يعيذ منه إلا أجل الأشياء وهو وجه خالقها سبحانه، فقال: (أعوذ بوجهك) فهذه أفضى غايات العوذ لكل مستعيذ. * فأما قوله: (هاتان أهون) فإنه يشعر بهذا أن هذه العوذة لا ينبغي أن تبذل في كل ما صح احتمال، ولكن إنما يستعاذ بها عند تفاقم الأمر. * وأما قوله: (من فوقكم) فيجوز أن يكون المكان ويجوز أن يكون المراد به القدرة. * وقوله: (أعوذ بوجهك) هو على معنى: بعفوك من عقوبتك، إلى أن قال: (أعوذ بك منك)، إلا أن فيه إشارة إلى أن الآفات والمخاوف وكل شيء يحذر إذا كان العائذ منه وجه الله ، تقاصرت المخوفات كلها عن أن تدنوا أو تقارب أو تكون موجودة عند جلاله وعظمته، فإذا قال المستعيذ: أعوذ بوجهك فقد استجاش بما لا تثبت له مخلوقات، فإنه سبحانه لما تجلى للجبل جعله دكا. * وفي قوله: (أو من تحت (١٢٤/ب) أرجلكم) معنيان: أحدهما: من تحت الأرض، والثاني: من التحوت أي يأتيكم العذاب

стр. 2616

ممن لا قيمة له، ويدل على هذا التأويل أنه لما قال: ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ قال: (هاتان أهون)؛ لأن المعنى إن كان عذابا كان بيد الأكفاء والأمناء. - ٢٥١٧ - الحديث الثاني عشر: [عن جابر، قال: (الذي قتل حبيبا ابو سروعة)]. * قد سبق هذا في مسند أبي هريرة ﵁. - ٢٥١٨ - الحديث الثالث عشر: [عن جابر، قال: (شهد بي خالاي العقبة، قال ابن عيينة: أحدهما البراء بن معرور، وفي رواية: أنا وأبي وخالي من أهل العقبة)]. * في هذا الحديث جواز إخبار الرجل عن مناقب أهله؛ ليكون في ذلك ذاكرا

стр. 2617

من مناقبهم ما يجعله طريقا إلى قول روايتهم فيما يرونه وحسن اتباعهم فيما يعتمدونه؛ وليكون أيضا ذاكرا ما يأمن معه المتأخرون الألباس من تشبه غيرهم فيه بهم؛ ولأن ذكر ذلك تذكير للنعم وتحدث بها، وذلك من الشكر. - ٢٥١٩ - الحديث الرابع عشر: [عن جابر: (أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع إليه، فجاءه رسول الله ﷺ ، فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخلة بالذي له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النحل، فمشى فيها، ثم قال لجابر: (جد له (١٢٥/أ) فأوف الذي له) فجده بعدما رجع رسول الله ﷺ ، فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضل له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، قال: (أخبر بذلك ابن الخطاب)، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليباركن فيها). وفي رواية عن جابر: (توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إذا جددته فوضعته في المربد آذني؛ فلما جددته فوضعته في المربد، آذنت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه ودعا بالبركة فيه، ثم قال: ادع غرماءك فأوفهم، فما تركت أحدا له دين على أبي إلا قضيته، وفضل ثلاثة عشر وسقا، سبعة عجوة، وستة لون - أو ستة عجوة

стр. 2618

وسبعة لون - فوافيت رسول الله ﷺ المغرب، وذكرت له ذلك فضحك، وقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما فقالا: قد علمنا إذ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون). وفي رواية: (توفي عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين، فاستعنت بالنبي ﷺ في غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب إليهم، فلم يفعلوا، فقال النبي ﷺ : اذهب فصنف تمرك أصنافا: العجوة على حدة، وعذق زند (١٢٥/ب) على حدة، ثم أرسل إلي، ففعلت، ثم أرسلت إليه فجلس على أعلاه، أو في وسطه، ثم قال: كل للقوم، فكلت لهم حتى أوفيتهم الذي لهم، وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء). وفي رواية: (فما زال يكيل لهم حتى أدى). وفي رواية: (أصيب عبد الله وترك عيالا ودينا، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا، فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فاستشفعت به عليهم، فأبوا، فقال: صنف تمرك، كل شيء على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك، ففعلت، ثم جاء فقعد عليه، وكال لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس، وغزوت مع النبي ﷺ على ناضح لنا، فأزحف الجمل فتخلف علي، فوكزه، ثم ذكر نحو ما تقدم من أمر الجمل، وبيعه وسؤاله عما تزوج وجوابه، وإتيانه أهله، ولوم خاله له، وفي آخره: فلما قدم النبي ﷺ غدوت إليه بالجمل، فأعطاني ثمن الجمل والجمل، وسهم مع القوم). وفي رواية عن جابر: (أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك عليه دينا، فلما حض جداد النخل أتيت، فقلت: يا رسول الله، قد علمت

стр. 2619

أن والدي استشهد يوم أحد وترك دينا كثيرا، وأحب أن يراك الغرماء، قال: (اذهب فبيدر كل تمر على ناحية) ففعلت، ثم دعوته، فلما رأوه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: (ادع أصحابك)، فما زال الكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله (١٢٦/أ) أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها، حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص منه تمرة واحدة). وفي رواية: (أن أباه توفي وعليه دين، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبي ترك عليه دينا، وليس عندي إلا ما يخرج نخله؛ ولا يبلغ ما يخرج سنتين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر، فدعا، ثم أخر، ثم جلس عليه، ثم قال: تمزعوه، فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم). وفي رواية: (أن أباه قتل يوم أحد شهيدا، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي ﷺ فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي، ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله ﷺ حائطي، ولم يكسره لهم، ولكن قال: سأغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح، وطاف في النخل، ودعا في تمرها بالبركة، فجددتها فقضيتهم حقوقهم، وبقي لنا من تمرنا بقية، ثم جئت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ لعمر وهو جالس: اسمع يا عمر، فقال عمر: ألا يكون قد علمنا انك لرسول الله، والله إنك لرسول الله)].

стр. 2620

* في هذا الحديث ما يدل على أنه قد يكون على الرجل الصالح الدين ويبقى إلى أن يموت. * وفي أيضا جواز الانتظار للغريم. * وفيه جواز التكليم لصاحب الدين في حق الغريمة. * وفيه دليل على حرمان الكافر (١٢٦/ب) البركة لسوء مخالفته رسول الله ﷺ . * وفيه أن رسول الله ﷺ لما لوم اليهودي ولم يحترم خطاب رسول الله ﷺ ، التمس رسول الله ﷺ الفضل من ربه لجابر، فوفى اليهودي وأسقط منته عن رسول الله ﷺ ولم يجعل له عنده يدا، وأفضل لجابر فضلة لم يكن يأملها، وأما فضل سبعة عشر وسقا فكان سبعة عشر تزيد على نصف الثلاثين، وثلاثة عشر ينقص عن النصف باثنين، فلما كانت الفضلة زائدة عن النصف باثنين أو ناقصة باثنين، أراد الله أن يكشف في هذا أن الزيادة كانت عن بركة أوجدها عن مشي رسول الله ﷺ في الحائط، إذ مثل هذه الزيادة التي هي النصف من

стр. 2621

الأصل زائدا وناقصا لا يخفى مثلها؛ إن لو كانت قبل ذلك فلم يكن اليهودي يمنع من أخذ ذلك بدينه، وهو ثلاثون وسقا حتى كشف الله سبحانه ذلك. * وقوله: (أعلم عمر)، وفي رواية (أئت أبا بكر وعمر) فإنه يدل على أن المؤمن وإن كان صديقا فإنه تزيده دواعي ودلائل الحق إيمانا فوق إيمانه، وخيرا على خير لقوله: (أعلم أبا بكر وعمر ﵄ ليزدادا بذلك من الإيمان وليسرهما بذلك ﷺ . * وفيه أن رسول الله ﷺ احتفل بشأن جابر حتى جاء بنفسه بيدرة. * وفيه أن رسول الله صلى الله عليه (١٢٧/أ) وسلم قال له: (صنف تمرك) أي بينه، فكأنه ﷺ أمره بالكشف ونزهه عن الغش، فلما أتى بالصدق ووفى لإيمانه، وفى الله عنه دين أبيه، وفضلت له فضلة. * وفيه أن رسول الله ﷺ لم يقل له أعلم بذلك الناس كافة؛ ولكن كانت هذه الآية مفهومة بدركها ذوو الألباب تخص بها رسول الله ﷺ خيار المؤمنين مثل أبي بكر وعمر ﵄، وهذه حالة يفهمها ذوو الألباب والأصفياء. - ٢٥٢٠ - الحديث الخامس عشر: [عن جابر، قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها)].

стр. 2622

* قد سبق في مسند أبي هريرة، ووجه الحكمة في ذلك الحذر من قطع القرابة والرحم. - ٢٥٢١ - الحديث السادس عشر: [عن جابر، قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الظروف، فقالت الأنصار: لا بد لنا منها، قال: فلا إذا)]. * قد سبق البيان بأنه إنما نهى عن الظروف لخوف الاشتداد فيها، ثم أطلق المنع لكل مشتد فلم يبق للظروف حكمه. - ٢٥٢٢ - الحديث السابع عشر: [عن جابر، قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا)]. * المراد بالصعود: العلو على المكان المرتفع، والتكبير يناسب الصعود فيكون المعنى أنه أكبر من كل عظيم، فإذا نزل سبح (١٢٧/ب) فنزه الله عن كل

стр. 2623

نقص. - ٢٥٢٣ - الحديث الثامن عشر: [عن جابر، قال: (جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مائدة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فالدار الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن عصى محمد فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس). وفي رواية: خرج علينا النبي ﷺ فقال: (إني رأيت في المنام كأن جبري عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا .... الحديث)]. * في هذا الحديث أن الراوي قد ذكر هذه الحال تارة عن النبي ﷺ ، وتارة بصيغة نطقه؛ فيعدل إلى صيغة نطق رسول الله ﷺ وهو قوله: (كأن جبريل عند رأسي) فإنه يفضي على تقديم جبريل على ميكائيل، وكذلك قدمه الله

стр. 2624

عز وجل في قوله: ﴿وجبريل وميكال﴾. وهذا الإتيان من جبريل في منام رسول الله ﷺ مع كونه كان إيتائه إياه صلى الله (١٢٨/أ) عليه وسلم دالة في اليقظة. فالذي أراه في ذلك أنه جاءه مناما هو وميكائيل بإيتائه يضرب هذا المثل؛ فإن هذا مثل متصور من اثنين ولو قد جاء يقظة لكانت الرسالة شركة بين جبريل وميكائيل، وقد كان جبريل مخصوصا بالرسالة في اليقظة، فلما كانت حاله منام نزل مع جبريل غيره. * وإنما ضرب الله هذا مثلا لأنه أراد به ذكر الآخرة، فالناس في الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا، والمراد أن هذه الدار التي بناها الله لخلقه فنصب فيها مائدة، وأن الداعي إليها رسول الله ﷺ ، إلا أنه لم يذكر في هذا الحديث أن الله خلق نارا، وجعل البذارة محذرة منها؛ لأنه قد تقدم قولنا إن النار إنما خلقت كرامة لأهل الجنة؛ لأنه لولا وجود العذاب ما حلت النعمة ولا انتصر مظلوم فاشتفى قلبه. * أما قول الملائكة: (العين نائمة، والقلب يقظان) فإنه الحق، وفيه دليل على أن غيره ﷺ ينام قلبه على إثر نوم عينه، فامتاز هو بأن قلبه لا ينام إذا نامت عيناه. وأما كونه عنى بالدار الجنة، فإن الله تعالى لما بنى الجنة على بناء لم يكن يستغرق وصفه القول أحب ﷻ أن تراها عباده، وأن يدعو إليها

стр. 2625

أولياءه، لينظروا ما أعد ﷻ فيها، فأرسل داعيا هو رسول الله ﷺ ، وأنزل على لسانه ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ (١٢٨/ب)، فمن أجاب هذا الداعي إلى تلك الدار فقد أمده الله بتوفيقه، وناهيك من دار الله بانيها، والدالي إليها محمد ﷺ . * وأما قوله: (فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله)؛ لأن محمد ﷺ ليس له إرادة غير ما كان لله، وأيضا فإن الله أمر بطاعة رسوله فمن أطاع رسول الله ﷺ أطاع الله، وكذلك من عصى رسوله فقد عصاه. * وقوله: (محمد فرق ين الناس) أي يفرق بين الكافر من المسلم والطائع من العاصي؛ فهو فرق بين الناس. - ٢٥٢٤ - الحديث التاسع عشر: [عن جابر، قال: (كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب ثم يقول: (أيهم أكثر أخذا للقرآن؟) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم)]. * أما تقديم أكثرهم قراءة؛ فلأنه جعله كالإمام للآخر، والحديث: (يؤم

стр. 2626

القوم أقرأهم)، وما فعله رسول الله ﷺ من تكفين الرجل في الثوب الواحد، يدل على جواز مثل ذلك في مثل تلك الحال من ضيق الأماكن وقلة الأكفان؛ كما كان مقتضى ذلك في تلك الحال، ويكون ما جرى من فعل رسول الله ﷺ ذلك تعويلا على قدرة الله من اتصال النعم ولقاء الحور إلى كل شخص وحده بخلاف ما تقدم من نقل جابر (١٢٩/أ) فإنه فعل ما في وسعه من نقل أبيه. * وأما قوله: (أنا شهيد) فالمعنى أنا شهيد فعيل معنى فاعل شاهد. والذي أراه أنه دل بهذا الكلام على أن الشهداء في وقته وبحضرته فوق الشهداء بعد ذلك. فقوله: (أنا شهيد على هؤلاء) أي إنهم قتلوا بين يدي في سبيل الله، في موطن أنا شاهده تكريما لهم وتفضيلا. * وأما ترك الغسل فلوجهين: أحدهما: أن الشهيد إنما استشهد في مواطن يضيف مثلها عن الغسل وشغل الأحياء بذلك عما هو أهم إليهم من ناصعة العدو. الثاني: أن كلومهم تأتي يوم القيامة على هيئتا، فإذا غسل الدم عنها، كان ذلك على نحو إزالة الحلية عن العروس. * وأما الصلاة عليهم فإن الصلاة على الميت مشروعة في الميت، والشهيد

стр. 2627

فحاله أرفع من أن يشفع فيه غيره، فهذا يخبرك أن الله رفع منزلة الشهداء أن يحضر من ليس بشهيد، فيقول: جئنا شفعاء فيه؛ فإن لسان حاله يناديه أن الواحد من قد شفع في الأمة منكم ما من ليس بشهيد. - ٢٥٢٥ - الحديث العشرون: [عن جابر، قال: (كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري إلى الجداد، وكانت لجابر الأرض التي بطريق الرومة، فحبست الفحل عاما، فجاءني اليهودي عند الجداد، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فأبى، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال لأصحابه: (امشوا، نستنظر لجابر من اليهودي) فجاؤوني في (١٢٩/ب) نخلي، فجعل النبي ﷺ يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم لا أنظره، فلما رآه النبي ﷺ قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه؛ فأبى، فقمت فجئت بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي ﷺ ، فأكل، ثم قال: (أين عريشك يا جابر؟) فأخبرته، قال: (افرش لي فيه) ففرشته فدخل فيه فرقد، ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي، فأبى عليه فقام الرطاب والنخل الثانية، ثم قال: (يا جابر جد واقض) فوقف في الحداد، فجددت منها ما قضيته، وفضل لي مثله، فخرجت حتى جئت النبي ﷺ فبشرته، فقال: (أشهد أني رسول الله)].

стр. 2628

* قد سبق هذا الحديث قبل ستة أحاديث. * وقوله: (فحبست الفحل عاما واحدا) يعني النخل أي تأخرت عن قبول الآبار، ولم يؤثر فيها التأثير الكامل، فلم يستكمل حملها. * وقوله: (اين عريشك؟)، العريش: مثل الخيمة يعمل يعمل خشبا أو من قصب وحشيش ونحو ذلك يستظل به. * وقول النبي ﷺ : (أشهد أني رسول الله) يشير إلى كل مسلم أن الله تعالى إذا أوجد له نعمة أو أظهر له كرامة، فإنه ليست باتفاق ولا عن مصادفة؛ بل إن الله أظهر له ذلك ليزداد به إيمانه؛ فإن رسول الله ﷺ على كونه رسول الله ﷺ لما رأى هذه البركة قال: (أشهد أني رسول الله) فكان هذا مما بقي (١٣٠/أ) سنة إلى يوم القيامة للمسلمين؛ أنهم إذا رأوا شيئا من ذلك أيقنوا أنه من الله، يجدد إيمانهم. - ٢٥٢٦ - الحديث الحادي والعشرون: [عن جابر، قال: (كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه). وفي رواية: (كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ -

стр. 2629

إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر، فكان عليه سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكن). وفي رواية: (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله: ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا، قال: (إن شئت)، قال: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق). وفي رواية: (فصاحت النحلة صياح الصبي، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر)]. * قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر، وفي مسند انس، وتكلمنا عليه، وأشير إليه فأقول: إن حنين الجذع الذي سمعه أصحاب رسول الله ﷺ على كونه كان آية صادعة (١٣٠/ب) وبينة ظاهرة على نبوته ﷺ ؛ فإنه فيه تنبيه لأصحابه على زيادة حبهم له، وحنينهم لفراقه واستيحاشهم لتخلفهم

стр. 2630

ساعة واحدة عن صحبته، وما كان رسول الله ﷺ يطلب وقت التذكير عن الجذع، كان الجذع موطئا يطلب منه ويعرف به حالة التذكير، فكان ذلك الدولة للجذع، فلما رأى الجذع أن دولته قد تغيرت بانتقال رسول الله ﷺ إلى المنبر حن. - ٢٥٢٧ - الحديث الثاني والعشرون: [عن جابر، (أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم النبي ﷺ على صاحبه فرد الرجل، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة، وهو يحول في حائط له، يعني الماء، فقال النبي ﷺ : (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) فقال الرجل: يا رسول الله عندي ماء بارد، فانطلق إلى العريش، فسكب في قدح ماء، ثم حلب عليه من داجن له، ثم شرب النبي ﷺ ، ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه)]. * في هذا الحديث ما يدل على إيثار الماء البارد بقوله: (إن كان عندك ماء بات في شنة، وإلا كرعنا) يعني إن لم يجد البارد شربنا من الحار، وذلك أن الماء البارد أفضل إذا وجد؛ لأنه فيه من صالح البدن أنه يجزئ منه القليل، فالشربة من الماء البارد (١٣١/أ) التي يشربها الرجلان لو قد كانت من غير الماء
следующие страницы →