← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يكون الغالب عليه الشعر. قال يحيى بن محمد- قدس الله روحه- وهذا القول لا بأس به، ألا أن الذي أراه أنه تحذير من الشعر الذي كانت الجاهلية تضمنه ما تتخذه شريعة لأنفسها، يفتون بها ويردون إليها، كقول الشاعر: وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إنسان وقال الآخر: قتلت عمي فقتلت عمكا .. وكقول أخر ومن لم يظلم يظلم وقول قائلهم: (كيف ندى من لا أكل، ولا شرب ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟ ..)، فقال النبي ﷺ : (أسجع كسجع الأعراب؟) أي: أتبطل حدا من حدود الله لأجل قوافيك؟! وقوله: (وري جوفه)، ويرى من الوري، وهو داء في الجوف، ووراه ذلك الداء إذا أصابه. - ٢١٣ - الحديث الحادي عشر: [عن سعد قال: ضرب رسول الله ﷺ بيده على الأخرى ثم قال:

стр. 317

(الشهر هكذا وهكذا) ثم نقص في الثالثة إصبعا)]. * فيه من الفقه حسن التعلم، فإن حال هذا التعليم في العدد يفهمه كل سامع له حتى الأطفال. -٢١٤ - الحديث الثاني عشر: [عن سعد قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، علمني كلامًا أقوله. قال: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم) قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: (قل، اللهم أغفر لي وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني)؛ شك الراوي في: عافني]. * بدأ ﷺ بكلمة الإخلاص التي هي أصل الأصول، فكل فرع يبتنى عليها، وأتبعها بقوله: (الله أكبر كبيرًا) والذي ذكر سيبويه أن أكبر بمعنى كبير لأن أكبر من باب أفعل، وليس لله مثل، ولا أراه في هذا، إلا أنه تأكيد لمعنى إعراب هذه الكلمة، فالمعنى الله أكبر، أعني كبيرًا، فجاء هذا كالتفسير لقول الله أكبر، وقوله: (الحمد لله كثيرًا) (١١٥/ أ)، كثيرًا ها هنا صفة مصدر محذوف بتقدير فعل يأتي المصدر مؤكدًا له، والنكرة في هذا المقام أعم من المعرفة؛ وقوله: (سبحان الله)؛ التسبيح: التبرئة. فأما العالمون: فجمع عالم، وهذه الكلمة إذا نظر إلى وضع اشتقاقها وأنها من عين ولام وميم، فإنها تكون مشيرة إلى معنى الدليل، فإن العلم:

стр. 318

الجبل، وسمي علمًا لأنه يستدل به على الطريق والبلاد والنواحي، والعلم الذي يكون على رأس الأمير دليل أيضًا على المكان الذي فيه الأمير، والعلم في الطريق: يدل على أن الطريق عنده، ومعالم الدار تدل عليها، ومن ذلك المعلم. والأعلم: المشقوق الشفة العليا وذلك يدل على باطن ما في فمه. والعلام: نبت أحمر، ينبت أول الربيع، يستدل به على زمان نبات الربيع، فصار مجموع هذا يدل على أن الكلمة تعر ب على أنها للدلالة، فالعالمون الدالون على الله ، فلذلك أفتتح الكتاب بقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ وهذا من عجيب الفصاحة. * وقوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) في هذا نفي قوة القائل وقدرته إلا بالله، فقد تبرأ قائلها من العجب بعمله. وفيها معنى آخر: لا حول لأحد يقصد الأذى، ولا قوة إلا بالله، فيوجب هذا الاعتقاد خروج خوف الخلق من المقر بذلك. وفي (العزيز) وجهان: أحدهما، الممتنع، والثاني: أنه الكريم، فإنه سبحانه، أعز الأشياء عند عبده المؤمن. وفي (الحكيم) قولان: أحدهما، المحكم. والثاني: الحاكم؛ فمن قال المحكم فإن فعيلا بمعنى مفعل كبير؛ نقول: أليم، بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع. قال الشاعر: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع

стр. 319

ومن قال: الحاكم، فإن فعيلا بمعنى فاعل كبير، نقول قدير بمعنى قادر. * وقوله: (هؤلاء لربي) يعني أنهن للثناء على الله ، وذكر صفاته؛ (فما لي؟) فأراد أن يعلمه كيف يسأل ربه (١١٥/ ب) ، فجمع له ﷺ خير الدنيا والآخرة في قوله: (اللهم، أغفر لي) فقدم له الاستغفار؛ ليطهر المحل من دنس يمنع نزول الفضل؛ وعقبة بالرحمة، لأن الغفر أصله الستر، وقد يستر من لا يرحم، فأراد الرحمة بعد المغفرة ليتكامل التطهير؛ ثم علمه طلب الهداية، وهي شاملة لأمور كثيرة منها: حسن الطلب من الله . ثم قوله: (وارزقني)؛ ومن مليح القول: أنه لم يقل له وارزقني كذا؛ فكان يكون الطلب مقصورًا على فن، فلما أطلق انصرف إلى كل مطلوب يرزق مثله، ولا ينصرف إلى ألم ولا إلى عذاب، لأن ذلك لا يسمى رزقًا. وقوله: (عافني)؛ المعنى: إنك إذا أنعمت على بهذه النعم، فعافني في ذلك من البلاء على كثرة صنوفه، فأطلق المعافاة ليتناول كل ما يطلب العافية منه من كل أذى في الدنيا والآخرة. -٢١٥ - الحديث الثالث عشر: عن سعد قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟) فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: (يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة). هكذا هو في كتاب مسلم في جميع الروايات عن موسى: (أو يحط).

стр. 320

قال البرقاني: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى بن سعيد عن موسى فقالوا: ويحط بغير ألف]. * في هذا الحديث الترغيب في التسبيح، وحصره بعدد لا أراه إلا لأن المؤمن إذا كان منور القلب لم ير مربيًا إلا كان ذلك من الأسباب التي تقتضي عنده تسبيح الله تعالى، فهو على المعنى إذا سبح الله في كل يوم مائة مرة كان قد شهد لله بالتسبيح في مائة طريق. وقوله: (أو يحط عنه ألف خطيئة)؛ من رواه بالألف، فإن (أو) قد تأتي بمعنى الواو، وإنما جاء الحديث (١١٦/ أ) في ذكر التسبيح مائة مرة على الإطلاق ليكون هذا النطق متناولا من يقول (سبحان الله) مائة مرة، على معنى أن أصل ذلك هو عن الموجب الذي قدم ذكره، فيحسبه الله تعالى لقائله من حيث أن ذلك مطلعه، وإليه مرجعه. -٢١٦ - الحديث الرابع عشر: [عن سعد قال: أنزلت في أربع آيات من القرآن. قال: حلفت أم سعد ألا تكلمه حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشر ب؛ قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك، فأنا أمك، وأنا أمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله تعالى في القرآن هذه الآية: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما- وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾. وقال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة

стр. 321

عظيمة، فإذا فيها سيف فأخذته، فأتيت به رسول الله ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف يا رسول الله، فأنا من قد علمت حاله، فقال: (رده (من) حيث أخذته)؛ فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه فقلت: أعطينه، قال: فشد لي صوته: (رده من حيث أخذته)؛ قال فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال ...﴾. ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت، قال: فأبى، قال: قلت: النصف. قال: فأبى، قلت: الثلث فسكت، فكان بعد الثلث جائزًا. قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرًا، وذلك قبل أتحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش- والحش: البستان-، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزق من خمر فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت المهاجرون والأنصار عندهم، فقلت: المهاجرون خير (١٦/ ب) من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به، فجرح أنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فأنزل الله سبحانه في- يعني نفسه- شأن الخمر: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾. وفي حديث شبعة في قصة أم سعد قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أو جروها، وفي أخره: فضرب أنف سعد ففزره، وكان أنف سعد مفزورًا].

стр. 322

* هذا الحديث يدل على شرف سعد وعلو منزلته، لأن الله تعالى أنزل هذه الآيات في شأنه، فاستمرت أحكامها باقية إلى يوم القيامة تعود عليه بركتها، ويناله من خيرها، فمن بركة هذه القصة أن الله تعالى أفتى فيها حيث كانت الوصاة قد تقدمت منه سبحانه ببر الوالدين وتتابعت، وكان حق الله أولى في عبادته، فلما اعترض هذا الحق المؤكد ما هو أوكد منه لم يكن له فضل إلا ما أنزل الله لأنه شرح الحال قال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ فأخبر سبحانه أن وصاته سبقت. وقوله: ﴿وإن جاهداك﴾ المعنى وقلنا له: وإن جاهداك، والخطاب بقوله ﴿وإن جاهداك﴾ تأكيد لأجل المخاطبة، والمعنى وإن ألزماك أن تشرك بي ما ليس لك به علم، أي ما ليس عليه علم؛ لأنه لا دليل على الشرك. وقوله: ﴿فلا تطعها﴾ دليل على قرنه برهما؛ لأنه لم يقصد: فأعصهما، ولا فأهنهما، وإنما إذا اأمتنع المرفق بهما فلا تطعهما، ثم عاد فأوصى بها فقال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾ وذلك لأن صحبتهما بالمعروف تخرج أن يكون هجرانك لهما عن شيء راجع إليك، ولا من أجل أنهما كانا قد حرماك ما لهما أو قد منعاك رفقهما أو غير ذلك، وإنما يكون إعراضك عنهما لأجل الله بالحد الذي حده من أنك لا تطيعهما في الشرك. وأما القصة الثانية فإن فيها من الفقه أن رسول الله ﷺ (١٧/ أ) أدبه في المرة الأولى، وأنه لم يكن لسعد أن يأخذ على يده من المغنم شيئًا ثم يقول: (نفلني هذا) لأنه يكون هو الذي نفل نفسه، ولو رخص لسعد ذلك لكان يكون داعيًا إلى تفريق الأنفال قبل القسمة، فلما عاوده في المرة الثانية بعد ذلك الثانية بعد ذلك شد عليه صوته؛ لأنه كان في المرة الأولى معذورًا من حيث ظن جواز ذلك، فلما عاد بعد النهي أوجب ذلك أن شد عليه صوته بالإنكار، ولما علم الله أن الحاسم

стр. 323

لأطماع الكل في مثل ذلك ما ينزله من كلامه المجيد؛ أنزل قوله: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ فصار لا نفل إلا إلى الأمير، ينقل من يرى، وليس لأحد أن يأخذ شيئًا على يده، ولا يجوز النفل من مال قد عمه الاشتراك إلا لمصلحة عائدة على الكل، وإنما جعل للأمير ليتفقد ذلك فإذا رأى في المسلم داعيًا، أو شاهد فيهم ذا حاجة أو ما تكود فيه المصلحة عائدة على الكل، كان ذلك جائزًا، وأما ما يفعله غير الأمير فإنما هو لنفسه وحده. وأما القصة الثالثة في الخمر فإنها تدل على أن الله شرف أمة محمد ﷺ وأكرمها بأن حرم عليها الخمر، لما في الخمر من جماع الإثم، وإنها داعية إلى سفك دماء وانتهاك أعراض، وضياع أموال، وتغير عقول وغير ذلك، كلما جرى لسعد في فزر أنفه. وأما ما يرجع إلى معنى الوصية بالثلث فقد تقدم ذكره فيما مضى، (ص٣٢٦). والجهد: مفتوح الجيم هو المشقة، ومضمومها: الطاقة. والقبض: محركًا اسم ما يقبض ويجمع من الغنائم. وشجروا فاها: فتحوه. والوجور: ما أدخل في الفم من دواء أو غذاء تستدرك به القوة. والفرز: الشق. والميسر: الجزور الذي يتقامرون عليه، سمي ميسرًا لأنه يجزا أجزاء فكأنه وضع موضع التجربة، وكل شيء جربته فقد يسرته، والياسر الجازر، لأنه يجزي لحم الجزور. والأنصاب: الحجارة أو الأصنام الذي كانت الجاهلية تنصبها (١١٧/ ب)، وتعبدها؛ واحدها نصب.

стр. 324

والأزلام: القداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم. -٢١٧ - الحديث الخامس عشر: [عن سعد عن النبي ﷺ نحو حديث أسامة بن زيد في الطاعون- أنه ﷺ قال: (إن هذا الوجع رجز وعذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم إنه بأرض فلا تدخلوها)]. * وقد سبق تفسير هذا الحديث في مسند عبد الرحمن بن عوف ﵁، في الحديث رقم (١٦٠) الصفحة (٢٩٠) وما بعدها. * وقوله: (إن رجز أو بقية عذاب)، والرجز: العذاب المقلقل. وكذلك هو، إلا أنه قد روي في حديث سيأتي: الطاعون شهادة، وإنما كان شهادة لمن مات به من حيث عن من ثبت قلبه فيه مع مشاهدة كثرة الموتى، وتخييل الشيطان أن هذا من فساد الهواء والماء وغير ذلك من الأسباب التي ينسى فيها المسبب، فإذا هذا من فساد الهواء والماء وغير ذلك من الأسباب التي ينسى فيها المسبب، فإذا ثبت قلب المؤمن حتى أماط عن قلبه هذه التخيلات، وأعتقد أنه لا يموت أحد إلا بأجله، فإن الشهادة جاءته من قبل هذا الإيمان. * قوله: (عذب به أناس ممن كان قبلكم)؛ المعنى أنه لما قربت آجالهم اختلت عقائدهم فجمع لهم بين الموت بالطاعون، وخروجهم من الدنيا كفارًا.

стр. 325

-٢١٨ - الحديث السادس عشر: [عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)] * في معنى هذا الحديث ثلاثة أوجه كلها تدل على صدق نبينا ﷺ وصحة نبوته: أحدها؛ أنه أشار بذلك إلى ما قد شوهد من ائتلاف الكلمة بالغرب واستعمالهم مذهب مالك بن أنس ﵁، وأنهم متمسكون بالحديث غير مازجين لمذهبه بشيء من الكلام، وليس في الغرب مذهبان فيجري فيهما خلاف، ولا ينسب إلى هذا المذهب شيء من البدع فيما علمت. الثاني؛ أنه أراد بذكر الغرب أنه ثغر يتاخم المشركين مثل قسطنطينة وغيرها، والجهاد فيه لا (١١٨/ ب) يزال متصلا، فأخبر ﷺ أن كلمة الإسلام لا تزال في ذلك الثغر ظاهرة إلى أن يأتي أمر الله ، وإذا كانت الكلمة في الثغر في ذلك الثغر ظاهرة إلى أن يأتي أمر الله ، وإذا كانت الكلمة في الثغر ظاهرة فهي فيما وراءه الثغر إلى ناحية بلاد الإسلام أظهر وأظهر. والثالث؛ أن ما تسير الشمس فيه من وقت طلوعها إلى حين زوالها لا يمتنع أن يسمى مشرقًا، كما أن ما تنحدر فيه من وقت زوالها إلى أن تغرب لا يمتنع أن يسمى مغربًا، وصارت الأرض كلها بهذه القسمة مشرقًا ومغربًا. فإذا نظرنا إلى الأرض على هذه القسمة من حيث الأقاليم فإن ما يرجع إلى المشرق كلهم لسانهم أعجمي، وما يرجع إلى المغرب كلهم لسانهم عربي، فتكون الإشارة بذكر المغرب إلى أن العرب ينصرون فوعد بظهورهم بالحجة

стр. 326

والغلبة؛ لأنهم يعرفون القرآن بجبلتهم، وأولئك- أعني الأعاجم- لا يعرفونه إلا بواسطة تعبر لهم عنه. -٢١٩ - الحديث السابع عشر: [عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج؟ فقال: فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعرش، يعني بيوت مكة. وفي رواية يحيى بن سعيد: يعني معاوية]. * في هذا الحديث من الفقه ذكر تقدم إسلام سعد على إسلام معاوية؛ ولا خلاف في أنه أفضل منه لأنه قطع له بالجنة ﵄. * وقوله: (وهذا كافر بالعرش)، أي كان حينئذ كافر ًا، وأراد: إني أقدم وأعرف بما كان. والعرش: بيوت مكة. -٢٢٠ - [عن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : أطرد هؤلاء لا يجتروون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله :

стр. 327

﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾] * فيه من الفقه النهي عن طرد كل طالب للعلم (١١٨/ ب) ولا يسوغ طردهم. * وفيه أيضًا ما يدل على كرامة هؤلاء النفر الستة، ومن لم يذكر اسم في هذا الحديث فقد ذكر في حديث آخر وهم: سعد، وابن مسعود، وبلال، وصهيب، وعمار، والمقداد، فإن الآية الكريمة قد شهدت لهم: ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾، وفي هذا دليل على أنهم كانوا من أهل محبة الله لقصدهم وجهه سبحانه، وذلك أن أطيب الزمان وألذه هو الغدوات والعشيات فإذا طاب لهم زمانهم تمنوا أن يقطعوه بذكر ربهم سبحانه، وقد قالت الشعراء في هذا المعنى الأقوال التي يذكر بعضها ليستدل به على المقصود. كقول بعضهم: أحبك أطراف النهار بشاشة .. وقول الآخر: أجد لنا طيب المكان وحسنة ... مني .. فتمنينا .. فكنت الأمانيا وقوله تعالى: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾، فإن معناه غامض شريف، وذلك أنه قال: (ما عليك من حسابهم﴾، فجعل الحساب لهم لا عليهم، وقال: ﴿وما من حسابك عليهم من شيء﴾ وكفى بهذا شرفًا لمن يتدبره.

стр. 328

٩ مسند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ أخرج له في الصحيحين ثلاثة أحاديث المتفق عليه منها حديثان، والثالث للبخاري -٢٢١ - الحديث الأول: (من المتفق عليهما) [عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)].

стр. 329

* قد ذكر المفسرون في قوله .. (الكمأة من المن)، أنها مما من الله به على عباده من غير تعب منهم، ولا وضع بذر، ولا غرس. وذكروا في قوله: (ماؤها شفاء للعين)؛ أي ماؤها الذي تبنت عليه، وقيل إن المراد بمائها أنها تشق وتوضع على النار؛ فيقطر منها ما يصلح للعين. وذكروا في قوله: (ماؤها شفاء للعين)؛ أي ماؤها الذي تبنت عليه، وقيل إن المراد بمائها أنها تشق وتوضع على النار؛ فيقطر منها ما يصلح للعين. -٢٢٢ - الحديث الثاني: [عن عروة أن سعيد بن زيد خاصمته أروى بنت أويس (وقيل أويس)، إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت أخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول (١١٩/ أ) الله ﷺ ؟ قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين)، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. وفي رواية البخاري: (من ظلم من الأرض شبرًا طوقه من سبع أرضين). وفي أفراد مسلم: أن رسول الله ﷺ قال: (من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين). وفي رواية لمسلم: أن الخصومة كانت في دار، وأن عروة رآها عمياء تلتمس الجدر، وتقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار،

стр. 330

فوقعت فيها، فكانت قبرها]. * فيه من الفقه أن الأرضين سبع، وذكر النقاش في تفسيره أنه لم يأت في القرآن ذكر عدد الأرضين إلا في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾؛ وباقي القرآن تعدد السموات وذكر الأرض مفردة، وهذا من حيث التأويل غير ممتنع الوجه إلا أن المعول في ذلك على ما يصح عن رسول الله ﷺ موضحًا مبينًا. * وفيه إجابة دعوة سعيد، وما ظهر من كرامته بإجابة دعوته وإظهار آية الله تعالى في الكاذبة عليه. * وفيه أنه قد يبتلى الرجل الصالح بالفاسق، يدعي عليه أنه ظلمه وغصبه ويكون مبطلا في ذلك؛ فأحسن ما قوبل ذلك بالدعاء عليه. - ٢٢٣ - من أفراد البخاري: [عن سعيد بن زيد قال: لقد رأيتني، موثقي عمر على الإسلام، أنا وأخته، وما أسلم، ولو أن أحدًا انقض- وقيل: أرفض- للذي صنعتم بعثمان، لكان محقوقًا أن ينقض].

стр. 331

* في هذا الحديث ما يدل على إسلام سعيد قبل إسلام عمر، وأنه أوثقه عمر ليرده عن الإسلام فما فعل. * وقوله: (لو أن أحدًا أنقض) في ذكره لهذا الكلام مع الكلام (١١٩/ ب) الأول إشارة لطيفة، وهو أن الأحوال قد تفضي بالناس إلى أن يكونوا على ضلالة، وهم يحسبون أنهم مهتدون، كما أن عمر ﵁ كان قبل الإسلام رأى من الصواب عنده أن أوثق سعيدًا وأخته إلى أن يردهما إلى الكفر عن الإسلام، فالمعنى أن هذا الذي فعلتم بعثمان يا من رآه صوابًا عنده هو من ذلك الجنس وذلك الحيز، وأنه عند من يؤمن بالله لو قد أرفض له أو انقض له أحد كان محقوقًا. وقوله: (ارفض)؛ بأي تفرق، و (انقض)؛ أي هوى وسقط.

стр. 332

١٠ مسند أبي عبيدة بن الجراح ﵁ واسمه: عامر بن عبد الله له في الصحيحين حديث واد أنفرد بإخراجه مسلم من أفراد مسلم: - ٢٢٤ - [عن أبي الزبير عن جابر، قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح، نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟

стр. 333

قال: نمصها كما يمص الصبي. ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله؛ قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: فقال أبو عبيدة: ميتة؛ ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله ﷺ (وفي سبيل الله) وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاثمائة حتى سمنا. قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور (أو كفدر الثور) فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له. فقال: (هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟) (١٢٠/ أ) قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله]. * قوله: (نحن رسل رسول الله ﷺ )؛ هو من مسند أبي عبيدة من هذا الحديث، وإلا فهو من مسند جابر. ويقال: أنفرد بهذه الزيادة من قول أبي عبيدة أبو الزبير، وسائر الرواة عن جابر لا يذكرونها، وليس لأبي عبيدة في الصحيحين غير هذا الفصل من هذا الحديث. * في هذا الحديث من الفقه جواز أكل ما يقذفه البحر من السمك الطافي. * وفيه أيضًا أن الحال إذا اشتدت على المضيق المسافر وكان عنده من الزاد الشيء

стр. 334

اليسير فإنه لا يأكله في دفعة ويرتقب غيره، بل يوزعه على الأيام، ولا يكون ذلك قادحًا في توكله بل منسوبًا إلى حسن تدبيره؛ إلا أنه يراعي في ذلك قدر ما يمسك الرمق. * وفيه أيضًا أن الماء يغذو، وأن أولى ما استكثر به من الماء استعمال التمر وشبهه من الحلوى. وقد روي في حديث أبي ذر أنه بقي شهرًا ليس له طعام إلا ماء زمزم قال: (فتكسرت عكن بطني). * وفيه أيضًا أنه لما قذف الله تعالى لهم بهذه الطعمة أقاموا عليها شهرًا بحسب ما احتاجوا إليه. * وفيه أيضًا أن الرجل إذا رأى شيئًا عجبًا وأراد أن يخبر عنه قدر ذلك المقدار لما يخبر به؛ ألا تراه كيف أقعد ثلاثة عشر رجلا في حجاج عينه؟! وكيف اعترف من وقب عينه بالقلال؟ وكيف أقام ضلعًا من أضلاعه ثم رحل أعظم بعير فجاز تحتها؟ وهذا يدل على أن المستحب للراوي إذا أراد أن يروي حديثًا يطرف به، أن يعتبر المحكي عنه بمعيار، ويستند حديثه إليه. وقوله: (ثم تزودنا من لحمه وشائق)؛ والوشائق: ما قطع من اللحم ليقدد) الواحدة: وشيقة. والعير: الإبل التي تحمل الميرة. والخيط: ورق الشجر. ووقب العين: ما نقر منها؛ والوقب: كالنقرة في الشيء أو الحفرة. والفدرة: القطعة من اللحم، وجمعها (١٢٠/ ب) فدر. * وفيه أيضًا أن استباحة المفتي ومشاركته من أفتاه فيما أفتاه بإباحته يزيده طيبًا، فإن رسول الله ﷺ لما قال لهم: (هو رزق أخرجه الله لكم)، ثم قال: (هل معكم من لحمه شيء)؟ فعرفهم حله للمضطر وغير المضطر.

стр. 335

أخر ما في الصحيحين عن العشرة رضي الله عنهم

стр. 336

مسند عبد الله بن مسعود ﵁ أخرج له في الصحيحين مائة وعشرون حديثًا، المتفق عليه منها أربعة وستون، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. -٢٢٥ - الحديث الأول من المتفق عليه: [عن ابن مسعود قال: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : (ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم). وفي رواية: ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه)]. ?

стр. 337

وفي رواية: ألم تسمعوا قول العبد الصالح. * في هذا الحديث تصريح بانصراف الظلم المذكور في الآية إلى الشرك، وذلك مغن عن الشرح. فأما كون الشرك ظلمًا، فإنه من حيث أن الله سبحانه هو المنعم؛ فإذا أشرك عبده معه غيره فقد جاء بظلم عظيم. والظلم: فعل ما ليس لفاعله فعله. -٢٢٦ - الحديث الثاني: [عن ابن مسعود، قال: بينما أنا مع رسول الله ﷺ -وهو يتوكأ على عسيب- مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي﴾].

стр. 338

* في هذا الحديث من الفقه أن الروح إذا سئل عنها الإنسان سؤالًا (١٢١/ أ) مطلقًا كان الجواب هذا، وهو أن يقال ﴿الروح من أمر ربي﴾ فأما إذا سئل عن روح الآدمي، فيقال: إنها جسم، وكذلك إذا قيل: (عيسى روح الله ، فيقال هذه إضافة ملك. والقرآن قد سمي روحًا بقوله: ﴿روحًا من أمرنا﴾ وسمي جبريل (روحًا) أيضًا. * وفي الحديث من الفقه أنه يستحب للإنسان أن يكون في يده ما يكف به ما عساه أن يعرض له، ويتوكأ عليه، ويتمم به كلامه، ولا يكون عطل اليدين. والعسيب من النخل: كالقضيب من سائر الأشجار. -٢٢٧ - الحديث الثالث: [عن ابن مسعود، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: (لأن في الصلاة شغلًا)].

стр. 339

* في هذا الحديث دليل على أن ابن مسعود هاجر إلى الحبشة، وقد هاجر إلى المدينة، فجمع له بين الهجرتين. * وفيه دليل على أن ما كان من إباحة الكلام في الصلاة نسخ. * وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي أن يكون مستغرقًا بشغله بالصلاة، وقد استوفينا هذا المعنى في مسند عثمان. -٢٢٨ - الحديث الرابع: [عن علقمة قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى، فلقيه عثمان، فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك جارية شابة، لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله ﷺ : (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء]. * في هذا الحديث ما يدل على أن الرجل الشيخ لا ينبغي أن يستضعف نفسه عن التزويج فإن الاختيار له في ذلك للثواب لأنهن يرجى منهن الولد. * وفيه أن عبد الله لما قال له عثمان ذلك، أجاب (٢١ ب) بجواب يصلح أن يكون عذرًا له إن هو فعل؛ وعذرًا له إن لم يفعل؛ لأنه ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) فذكر أن النبي ﷺ أمر الشباب بالتزويج ثم علله بما يشمل الشباب وغيره: من قوله (فإنه أغض

стр. 340

للبصر، وأحصن للفرج) ويصلح أن يكون عذرًا له في تركه النكاح لأنه خصه بالشباب في قوله: يا معشر الشباب. فكأنه قال: عندي دواء الترك وهو قوله ﷺ : (فليصم)، فإذا كان ذلك للشباب ففي الشيوخ أولى، فيجوز أن يكون هذا الاعتذار منه في الترك لأجل قوله (نزوجك جارية شابة) فكان هذا كالعذر عن تزويجه الشابة لكونه قد شاب لقوله: (تذكرك بعض ما مضى) ويحتمل أن يكون ذكر ابن مسعود لما ذكر موافقته لعثمان في حثه على النكاح له. * والباءة: الجماع ... * والوجاء: هو أن ترض الأنثيان. * وأحصن: أعف. -٢٢٩ - الحديث الخامس: [عن ابن مسعود، قال جاء حبر إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد إن الله يضع السماء على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع ثم يقول: أنا المليك، فضحك رسول الله ﷺ وقال: (وما قدروا الله حق قدره)]. وفي رواية: والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن، وأن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا له، ثم قرأ رسول الله ﷺ ، ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾.

стр. 341

* هذا الحديث وما يجري مجراه، مذهب أهل الحديث إمراره كما جاء، ولغة العرب معلومة فيه. * وقول رسول الله ﷺ : (وما قدروا الله حق قدره)، يعني أن عظمة الله سبحانه وجل جلاله لا تتناهى فهو أعظم من ذلك، ومهما خطر من عظمة الله في القلوب فالله أعلى وأجل، وعلى أن هذا الحديث ليس فيه من كلام رسول الله ﷺ إلا قراءته الآية (وما قدروا الله حق قدره) وأما ضحكه فمحتمل. إلا أن قولنا: نمرها كما جاءت أي نرويها كما سمعناها، ونمتنع أن (١٢٢ أ) نقول بجهلها على ظاهرها. ولا خلاف بين كل من يعتد بخلافه أن الله منزه مقدس عن كل نقص فإنه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. والنواجذ: الأنياب. -٢٣٠ - الحديث السادس: [عن علقمة، قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ فقال:

стр. 342

(أحسنت)، فبينما هو يكلمه، إذا وجد منه ريح الخمر؛ فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحد] * في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن ابن مسعود ضربه الحد بنفس وجود الريح من الخمر، وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء، وله في الحديث حجة. -٢٣١ - الحديث السابع: [عن ابن مسعود، قال ﷺ ، فزاد أو نقص -شك بعض الرواة- والصحيح أنه زاد- فلما سلم، قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: (وما ذاك؟) قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكني إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا

стр. 343

شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليبن عليه، ثم يسجد سجدتين)] وفي رواية: [صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال (وما ذاك)؟ قالوا: صليت خمسًا، فقال: (إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو]. * في هذا الحديث: إخبار منه ﷺ أنه بشر، ينسى كما ينسى البشر، وذلك من لطف الله بعباده، ليكون لهم قدوة في كل شيء حتى في ذلك. * وفيه أيضًا دليل على أن سجود السهو بعد السلام. * وفيه أيضًا دليل على أنه على من رأى شيئًا أن يذكره لقوله ﷺ : (فإذا نسيت فذكروني). * وفيه دليل على التحري في عدد الركعات. -٢٣٢ - الحديث الثامن: [عن علقمة، عن عبد الله أنه لعن الواشمات. وفي رواية أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات (١٢٢/ ب) والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فبلغ ذلك امرأة من بني

стр. 344

أسد، يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرءان، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك قلت كذا وكذا؟ وذكرته.؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ؟ وهو في كتاب الله ؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته. قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن؟. قال فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر شيئًا، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك، لم نجامعها] * وإنما منع من هذا لأنه غرور، ويؤدي إلي ضرر، فإن الواشمة تؤذي نفسها بالجراح، والمتنمصة تنتف شعرها، فلا يؤمن أذى البشرة وكذلك المتفلجات للحسن فربما حصل الأذى بالمبرد، ويجمع ذلك كله قوله (المغيرات خلق الله). * وقوله لها: (اذهبي فانظري) تنبيه على أن العالم ينبغي أن يحرس امرأته من أن

стр. 345

يرى عليها شيء لا يحسن أن يقتدى به في ذلك، إلا أنه إن كان قد بلي بامرأة تعمل بخلاف ما يقوله فلا ينبغي أن يترك هو القول للحق، وليكن ناهيًا لزوجته وغيرها. * وقول ابن مسعود: (لو كان ذلك لم نجامعها) قوة عزيمة. -٢٣٣ - الحديث التاسع: [إن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرًا فاطعم). وفي رواية لمسلم قال: (وكان يومًا يصومه رسول الله ﷺ قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه). وفي رواية أخرى له أيضًا: (دخل الأشعث على عبد الله، يوم عاشوراء فقال: أدن فكل، قال: إني صائم، قال: كنا نصومه ثم ترك] * فيه من الفقه ما يدل على أن صوم عاشوراء قد كان فرضًا ثم ترك، والأمر على ذلك.

стр. 346

-٢٣٤ - الحديث العاشر: [عن عبد الله: قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غار بمنى، إذ نزلت عليه (والمرسلات) فإنه ليتلوها -وإني لأتلقاها- من فيه (١٢٣ أ)، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ : (اقتلوها)، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا- فقال النبي ﷺ : (وقيت شركم ووقيتم شرها)]. قوله (بمنى) للبخاري دون مسلم. * في هذا الحديث من الفقه أن ابن مسعود كان أول من تلقن المرسلات من رسول الله ﷺ . والغار: النقب في الجبل. * ومعنى قوله: (وإن فاه لرطب بها) أي لم يمسك عن التلاوة لها بعد، ورطوبة الفم بها حركته للتلاوة. * وفي الحديث دليل على إباحة قتل الحيات. * وقوله: (وقيت شركم، ووقيتم شرها) فيه دليل على حسن تنبيه النبي ﷺ في ألطاف الله في جميع أقداره، وأنه لا يخلو له فعل من حكمة، وأنه قد يلطف بالشرير إمهالًا منه له، وإعذارًا فيه إلى أجل وحين، فإن هذه الحية على كونها لا منفعة منها في عاجل الحال، وقيت شر أولئك النفر الصالحين في أذاها، وقد يكون دفع الشر عنها لحمة اقتضت ذلك، وهي

стр. 347

أنها لعلها أن تكون معدة لأن تسلط على بعض أعداء الله أو غير ذلك من المنافع. -٢٣٥ - الحديث الحادي عشر: [عن عبد الله، أن النبي ﷺ قرأ (والنجم ..) فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته، بعد، قتل كافرًا] * وهذه القصة لها حديث يأتي فيما بعد بطوله، إلا أن تكبر ذلك الكافر، ورفعه الحصى إلى جبهته، لجهله وعمهه، قضى أن أذله الله في الدنيا بأن قتل كافرًا، واتصل ذلك الإذلال أبدًا في جواب تكبره على الله . -٢٣٦ - الحديث الثاني عشر: [عن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مدكر، دالًا)]

стр. 348

* أما قوله (مدكر) فإن أصله مذتكر، لأنه لم يكن بد من ذكر الذال لأنه من الذكر (١٢٣/ ب) فأدغمت التاء في الذال، وأبدلت منها الدال لمشاركتها في المخرج. -٢٣٧ - الحديث الثالث عشر: [عن عبد الله، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه إذا سلم أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره] * في هذا الحديث ما يدل على أن الشيطان يسول للآدمي أشياء في عبادته توهمه فيها زيادة التحرج فينال الشيطان بذلك لأنه إنما يقصد الشيطان بالعبد أن يزيغ عن سنن الشرع ولو شعرة، فإذا ضيق عليه وشدد احتجره، فكان من فقه عبد الله بن مسعود أن قال ذلك وشدد الوصية بنون التوكيد فقال: لا يجعلن. وهذا يقاس عليه كل ما يريده رأي الإنسان مما ليس بمشروع، أو يرى المسنون فيه واجبًا.

стр. 349

-٢٣٨ - الحديث الرابع عشر: [عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: (صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود، قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان]. * هذا الحديث قد فسره الزهري، وقال: إنما أتم عثمان لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها، على أن الحديث يدل على أنه يجوز للمسافر أن يتم. * وقوله: (فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان). في هذا دليل أن العمل القليل إذا أصيبت به السنة كان أقرب إلى القبول وما فعله أبو بكر وعمر هو الأولى، وإن كان فعل عثمان جائزًا.

стр. 350

-٢٣٩ - الحديث الخامس عشر: [عن ابن مسعود، قال: ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها) وفي أفراد البخاري: (حج عبد الله بن مسعود، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى (١٢٤/ أ) ثم أمره فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما كان حين طلع الفجر، قال: إن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان، في هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: (رأيت النبي ﷺ يفعله) وفي رواية عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (خرجت مع عبد الله ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، تعشى بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: (طلع الفجر)، وقائل يقول: (لم يطلع الفجر)، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما، في هذا المكان: المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة)، ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير

стр. 351

المؤمنين -يعني عثمان- أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري: أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى جمرة العقبة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن هاتين الصلاتين متخصصتان من الوقت الذي له أول وآخر، والإنسان مخير في أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، أي وقت شاء من ذلك سوى هاتين الصلاتين، وأنهما يتخصصان من الوقت بالوقت الذي عينه النبي ﷺ لا يتزحزحان عن ذلك. فأما جمع هاتين الصلاتين فإنه زيادة رفق بالمصلين في ذلك الوضع؛ فإن الجمع مع القصر رفق فوق رفق. -٢٤٠ - الحديث السادس عشر: [عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: (رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة). وفي رواية: (فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، قال: فقيل له: إن أناسًا يرمونها من فوقها. فقال: هذا - والذي لا إله غيره، مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة]

стр. 352

* فيه من الفقه أن رمي جمرة العقبة يكون من بطن الوادي. * وفيه، (١٢٤/ ب) أن الإنسان إذا أراد أن يثبت قوله حلف على ذلك وإنما ذكر سورة البقرة لأن معظم المناسك فيها. -٢٤١ - الحديث السابع عشر: [عن مسروق، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًّا عند أبواب كندة يقص ويزعم، أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار. ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس! اتقوا الله تعالى. من علم منكم شيئًا، فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا عنه قال: (اللهم سبع كسبع يوسف). وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما دعا قريشًا كذبوا واستعصوا عليه، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف .. فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم،

стр. 353

وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله ﴿إنكم عائدون﴾ قال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون] والبطشة يوم بدر. وفي رواية عند البرقاني: فسوف يكون لزامًا يوم بدر. وفي الكتابين عن مسروق عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر) * قد تقدم في حديث عمر نهيه من قال في شيء سأله عنه: الله أعلم. وقال: (من علم شيئًا فليقل) وذلك هو القول المحرر. * وقول ابن مسعود (فليقل: الله أعلم) له وجه فإن من لا يعلم إذا رد العلم إلى الله فقد أحال على مليء.

стр. 354

* والصحيح في آية الدخان (١٢٥/ أ) أنها تقدمت كما قال ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان، واللزام، والروم، والبطشة وهو يوم بدر، وانشقاق القمر .. * وفي الحديث دليل على جواز أن يستصلح الناس بالشدة فإن الله يقول: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾ فإذا أفسدتهم العافية فإن البلاء يصلحهم. * وفي الحديث جواز إجابة السائل وإن كان مشركًا إذا طلب ما في إجابته إليه دليل على وحدانية الله ، كما طلب أبو سفيان من قبل إسلامه من رسول الله ﷺ أن يدعو الله لقومه، ولعل ذلك كان من أسباب إسلامه. * وقوله: (حصت) أي أذهبت النبات فانكشفت الأرض، وأصله الظهور والتبين. -٢٤٢ - الحديث الثامن عشر: [عن عبد الله أن رسول الله ? قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية). وفي رواية: (أو، أو)]

стр. 355

* في هذا الحديث صريح النهي عن أن يبلغ الحزن إلى ضرب الخدود وشق الجيوب، أو أن ينتهي إلى دعوى الجاهلية من كونهم كانوا يذكرون الكلام الباطل الذي نسخه الإسلام، وليس في هذا ما يمنع البكاء وظهور الرقة على الإنسان عند فقد حبيبه أو أخيه المسلم. -٢٤٣ - الحديث التاسع عشر: [عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي صلي الله ﷺ بالجن ليلة اسمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنت بهم شجرة)]. * في هذا الحديث دلالة على نبوته ﷺ وأن الشجرة أعلمته باستماع الجن لقراءته، فهي في ذلك بعض أعوانه ﷺ . * وفيه أيضًا دليل على أن من اطلع سر مسترق لسمع من محق أنه يتعين عليه أن يطلعه على ذلك تأسيًا بهذه الشجرة المباركة. -٢٤٤ - الحديث العشرون: [عن (١٢٥/ ب) عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: (ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه سن القتل أولًا).
следующие страницы →