← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13572

الإفصاح عن معاني الصحاح

ابن هبيرة

Полный текст (2 650 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المؤمنين -يعني عثمان- أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري: أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى جمرة العقبة)]. * في هذا الحديث من الفقه أن هاتين الصلاتين متخصصتان من الوقت الذي له أول وآخر، والإنسان مخير في أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، أي وقت شاء من ذلك سوى هاتين الصلاتين، وأنهما يتخصصان من الوقت بالوقت الذي عينه النبي ﷺ لا يتزحزحان عن ذلك. فأما جمع هاتين الصلاتين فإنه زيادة رفق بالمصلين في ذلك الوضع؛ فإن الجمع مع القصر رفق فوق رفق. -٢٤٠ - الحديث السادس عشر: [عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: (رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة). وفي رواية: (فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، قال: فقيل له: إن أناسًا يرمونها من فوقها. فقال: هذا - والذي لا إله غيره، مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة]

стр. 352

* فيه من الفقه أن رمي جمرة العقبة يكون من بطن الوادي. * وفيه، (١٢٤/ ب) أن الإنسان إذا أراد أن يثبت قوله حلف على ذلك وإنما ذكر سورة البقرة لأن معظم المناسك فيها. -٢٤١ - الحديث السابع عشر: [عن مسروق، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًّا عند أبواب كندة يقص ويزعم، أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار. ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس! اتقوا الله تعالى. من علم منكم شيئًا، فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارًا عنه قال: (اللهم سبع كسبع يوسف). وفي رواية: أن رسول الله ﷺ لما دعا قريشًا كذبوا واستعصوا عليه، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف .. فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم،

стр. 353

وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله ﴿إنكم عائدون﴾ قال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون] والبطشة يوم بدر. وفي رواية عند البرقاني: فسوف يكون لزامًا يوم بدر. وفي الكتابين عن مسروق عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر) * قد تقدم في حديث عمر نهيه من قال في شيء سأله عنه: الله أعلم. وقال: (من علم شيئًا فليقل) وذلك هو القول المحرر. * وقول ابن مسعود (فليقل: الله أعلم) له وجه فإن من لا يعلم إذا رد العلم إلى الله فقد أحال على مليء.

стр. 354

* والصحيح في آية الدخان (١٢٥/ أ) أنها تقدمت كما قال ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان، واللزام، والروم، والبطشة وهو يوم بدر، وانشقاق القمر .. * وفي الحديث دليل على جواز أن يستصلح الناس بالشدة فإن الله يقول: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾ فإذا أفسدتهم العافية فإن البلاء يصلحهم. * وفي الحديث جواز إجابة السائل وإن كان مشركًا إذا طلب ما في إجابته إليه دليل على وحدانية الله ، كما طلب أبو سفيان من قبل إسلامه من رسول الله ﷺ أن يدعو الله لقومه، ولعل ذلك كان من أسباب إسلامه. * وقوله: (حصت) أي أذهبت النبات فانكشفت الأرض، وأصله الظهور والتبين. -٢٤٢ - الحديث الثامن عشر: [عن عبد الله أن رسول الله ? قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية). وفي رواية: (أو، أو)]

стр. 355

* في هذا الحديث صريح النهي عن أن يبلغ الحزن إلى ضرب الخدود وشق الجيوب، أو أن ينتهي إلى دعوى الجاهلية من كونهم كانوا يذكرون الكلام الباطل الذي نسخه الإسلام، وليس في هذا ما يمنع البكاء وظهور الرقة على الإنسان عند فقد حبيبه أو أخيه المسلم. -٢٤٣ - الحديث التاسع عشر: [عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي صلي الله ﷺ بالجن ليلة اسمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنت بهم شجرة)]. * في هذا الحديث دلالة على نبوته ﷺ وأن الشجرة أعلمته باستماع الجن لقراءته، فهي في ذلك بعض أعوانه ﷺ . * وفيه أيضًا دليل على أن من اطلع سر مسترق لسمع من محق أنه يتعين عليه أن يطلعه على ذلك تأسيًا بهذه الشجرة المباركة. -٢٤٤ - الحديث العشرون: [عن (١٢٥/ ب) عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: (ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه سن القتل أولًا).

стр. 356

وفي رواية: (لأنه كان أول من قتل)]. * في هذا الحديث من الفقه شدة التحذير من سن السنن السيئات، وأنها لا تزال تتجدد على الذي سنها أولًا بأذى كلما تجدد من تلك السنة السيئة فعل يشابه فعل الفاعل الأول، فليكن الإنسان شديد الحذر من المعاصي على الإطلاق. وليكن أشد حذرًا من كل شيء يستمر ويبقى ويكون عرضة لأن يعمل به غيره. والكفل: النصيب والحظ. -٢٤٥ - الحديث الحادي والعشرون: [عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون) وفي رواية لمسلم: (إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا، المصورون). وعند البرقاني في رواية: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو مصور يصور هذه التماثيل]

стр. 357

* وإنما اشتد عذاب المصورين لأنهم يعملون أصنامًا وإن لم تكن تعبد في وقتنا هذا عبادة ظاهرة، فإن الأنس والميل إليها درجة يخاف منها الإفضاء إلى عبادتها. * وأما زيادة البرقاني: (أشد الناس عذابًا رجل قتله نبي)، فإنه لما قتله في سبيل الله أكرم وقته على ربه بعد إظهار الدليل، فالنبي خصمه في الحالتين، فلما أهانه الله بيد أكرم أهل الوقت عليه اشتد عذابه، لأن النبي رحمة، فإذا جعله الله لواحد منهم نقمة كان ذلك الشخص أشد الناس عذابًا إذ أتاه الله بالبلاء من حيث ترجى الرحمة. -٢٤٦ - الحديث الثاني والعشرون: [عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] * فيه دليل على إطلاق العصمة لكل من (١٢٦/ أ) شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأما الاستثناء بعد هذا الإطلاق لمن ذكر: بأن يزني الإنسان بعد إحصانه ويقتل نفسًا معصومة فيهتك عصمة الله، فأبيح منه ما كان معصومًا، والتارك دينه هو المفارق للإسلام، وهذه واسعة يدخل فيها كل من أدى به قول أو اعتقاد أو فعل إلى مفارقة الدين.

стр. 358

-٢٤٧ - الحديث الثالث والعشرون: [عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة نحوًا من أربعين فقال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)، قلنا: نعم، قال: (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟) قلنا: نعم. قال والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة. وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر] * في هذا الحديث أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الأنبياء كلهم مسلمون ومن تبعهم، وأن اليهودية والنصرانية بدعتان. * وفيه أيضًا أن أمة محمد ﷺ يكونون نصف أهل الجنة وذلك لأن أمة محمد ﷺ عقبت الأمم فورثت ما كانت عليه الأمم بأسرها ثم لا يعقبهم غيرهم، وإذا نزل المسيح بن مريم كان على ملتهم فمن حيث العدد والكثرة فإنهم فيما يوضحه التأمل لا يرد الجمع من أهل الجنة من يكون أكثر عددًا منهم. فأما من أهلكه الله تعالى من الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح وعاد وثمود فإن أولئك ليسوا من أهل الجنة. * ويكون قوله: أنتم في أهل الشرك كالشعرة البيضاء، إشارة إلى جميع الخلق، وذلك أن الخلق خرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، كما قال

стр. 359

الله : ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾. فلم يفق من سكرة ذلك إلا من وفقه الله للعلم واتباع المرسلين. -٢٤٨ - الحديث الرابع (١٢٦/ ب) والعشرون: [عن ابن مسعود قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه. فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه ﷺ فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر. فلو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ ساجدًا ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، قال: (اللهم عليك بقريش)، ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط) وذكر السابع ولم أحفظه].

стр. 360

قال: فوالذي بعث محمدًا بالحق! لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر. وفي رواية: (فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى، قد غيرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا). وفي رواية البرقاني: (ذكر السابع، وهو عمارة بن الوليد، قال بعض الرواة: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث]. * في هذا الحديث ما يدل على شدة صبر رسول الله ﷺ على أذى المشركين. * وفيه أيضًا ما يدل على أن المؤمن إذا أوذي في الله مع قدرته، وتعرض الضعفاء للبغي والعدوان مع شدة قوته -يتعجب في ذلك الوقت من حلم الله تعالى حيث يؤتى إلى نبيه ﷺ وهو ساجد له سبحانه فيستهزأ منه ويوضع سلا الجزور (١٢٧/ أ) على كتفيه -وهو وعاء الولد- فلو كان قد أطبق السماء على الأرض في ذلك الوقت أو دك كذلك جبال الأرض كلها لكان ذلك بعض جزاء المشركين، ولكنه سبحانه حلم ثم انتقم انتقامًا أهلك فيه أعداءه على كفرهم ليستديم لهم العذاب السرمد أبدًا.

стр. 361

* وفي هذا الحديث دليل على ما خص الله تعالى به فاطمة البتول من رفع ذلك عن أبيها ﷺ ، ولعل رسول الله ﷺ مكث ساجدًا لا يلقي ذلك عن ظهره انتظارًا لما يفعل الله في إكرام من يريد أن يكرمه بأن يجعله هو الملقي لذلك عن ظهره فكانت فاطمة، ويجوز أن يكون ﷺ لما رأى أن ذلك قد ألقي على ظهره في سبيل الله تعالى استطاب دوامه ليراه الله راضيًا بما أوذي به في سبيله. * وفيه أيضًا دليل على أن رسول الله ﷺ دعا عليهم دعاء ظاهرًا أسمعهم إياه حتى إذا أهلكهم الله عرف كل من كان قد سمع ذلك في جواب دعائه. ولا يقول قائل إن هذا جرى اتفاقًا. * وفيه أيضًا ما يدل على أنه يستحب للداعي أن يكرر دعاءه ثلاث مرات فإن في ذلك تثبيتًا لما يطلبه لنفسه من ربه. * وفيه دلالة على تصديق الله ورسوله ﷺ من إهلاكهم في يوم بدر في القليب الذي ذكره. * وفيه دليل على أن المؤمن إذا لم تعجل له إجابته فلا ييأس ولا يظن أن الله لم يجبه؛ بل إنه يجيبه في الوقت الذي يستصلحه لذلك. * وفيه أيضًا أن الضحك من الكافر بالمؤمن باب من الأبواب التي يزيد بها بعدًا عن الله ، فإن السخرية الاستهزاء من الحق يذهب كثير من الناس به إلى الكفر والبدعة، وصاحب ذلك يظن أن قوله مقصور على السخرية والاستهزاء فليحذر ذلك المؤمن. * وفيه أن المجرم إذا استشعر العذاب وخاف العقوبة فلم يبلغ به إلى (١٢٧/ ب) الإقلاع والانتهاء عما كان عليه بالتوبة النصوح فإن ذلك لا ينفع. * وفيه جواز السب للمشركين لأن فاطمة سبتهم.

стр. 362

الحديث الخامس والعشرون: [عن ابن مسعود قال: (دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا، فجعل يطعنها بعود كان في يده، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا) (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد]. * في هذا الحديث دلالة على صدق الله ورسوله من وعده على أن رسول الله ﷺ وثق باستمرار ما فتح الله به عليه من ذلك طعنه الأصنام. * وقوله (جاء الحق وزهق الباطل) قول واثق بدوام ذلك موقن باستمراره. -٢٥٠ - الحديث السادس والعشرون: [عن ابن مسعود: قوله ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.

стр. 363

قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الآخرون بعبادتهم. فنزلت: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾] * في هذا الحديث من التنبيه على أن التابع في الكفر قد اشتد غلظ جرمه إلى أن لا يزيله عن كفره استقامة متبوعه الذي كان يتبعه، فإن الجن الذين كان هؤلاء يعبدونهم لما أسلموا وابتغوا إلى ربهم الوسيلة لم يرجع الكافرون عن عبادتهم لهم. -٢٥١ - الحديث السابع والعشرون: [عن عبد الله، قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد - كفي بين كفيه- كما يعلمني السورة من القرآن: * التحيات لله، والصلوات، والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله (وبركاته). السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله). * وفي رواية (إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله)، ذكره وزاد عند

стр. 364

ذكر عباد الله (الصالحين) - فإنكم إذا فعلتم ذلك سلمتم على كل عبد الله صالح في السماء والأرض. وفي آخره: ثم يتخير من المسألة ما شاء] * (١٢٨/ أ) في هذا الحديث أن التشهد ما ذكره. * وفيه أيضًا أن العالم إذا أراد من المتعلم زيادة حفظ لشيء يلقنه إياه من الأمور المهمة أن يزيده من عاداته معه شيئًا يعرف به مكان نفاسة ذلك العلم الملقى إليه، إما بأخذ يده كما ذكر ابن مسعود أو بتقديم القول له من زيادة الإيقاظ والإنباه أو غير ذلك. * وفيه أيضًا: أن هذا التشهد لا يسوغ أن يزيد فيه الإنسان ولا ينقص منه ولا يغير نطقه؛ لقوله: كما يعلمني السورة من القرآن، يعني أنه حفظني نطق ذلك، ولذلك قال: (فإذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض) فليس له أن يغير هذا النطق إلى غيره ولا أن يرويه بالمعنى. * وفيه أيضًا جواز أن يدعو الإنسان في صلاته بما شاء، وقد ذهب إلى الاحتجاج بهذا جماعة منهم الشافعي ﵁، إلا أن الذي ذكرناه في مسند أبي بكر الصديق ﵁ من أنه أشار ألى أن لا يدعو ألا بما جاءت به الأخبار، فإنه يتناول هذا النطق لأنه قال: ثم يتخير من المسألة، والأخبار قد جاءت بأدعية كثيرة، ولم يل الدعاء إلا مما لا مصلحة فيه، فليختر من ذلك المنقول.

стр. 365

-٢٥٢ - الحديث الثامن والعشرون: [عن أبن مسعود، قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ لشقين، فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا). وفي رواية: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمعنى، إذا انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : (اشهدوا، اشهدوا] * وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن انشقاق القمر كان وسبق، وأنه انشق في عهد رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ قال (اشهدوا .. اشهدوا) مكررًا الإشهاد. * ويصدق هذا الحديث الآية قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ وقوله (انشق)، لفظ ماض وقد أتبعه سبحانه بقوله: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ ولو لم يكن ذلك مما لم يمكن المشركين أن يدافعوه وينكروه لكانوا يتخذونه حجة (١٢٨/ ب) على رسول الله ﷺ ويقولون: فمتى انشق القمر؟ ولما لم يمكنهم ذلك دل على صدق ما أنزل الله سبحانه. * وفي هذا من الآيات الفاصلة لرسول الله ﷺ المقدمة له على سائر الأنبياء أن موسى شق الله له البحر، وهو آية عظيمة إلا أن البحر قد تشقه السفن والمراكب

стр. 366

والحواجز فإن لم يكن لكله كان لبعضه. وأما القمر فهو في كبد السماء مرتفع عن نيل أهل الدنيا فكان انشقاقه لرسول الله ﷺ من الآيات التي تدل على شرفه وكرمه على الله تعالى، كما أن انفجار الماء من بين أصابعه أفضل من انفجار الماء من الحجر لموسى ﵇؛ لأن الحجارة قد تنفجر منها الأنهار ولم تجر العادة أن ماء ينفجر من بين أصابع بشر إلا رسول الله ﷺ . * وفيه أيضًا أنه انشق انشقاقًا ظاهرًا حتى حال الجبل بين فلقيه حتى لا يمكن أحدًا أن يجحد ذلك ولا يناكر فيه. * وقد روى هذا الحديث من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك فانضموا إلى ابن مسعود؛ فصاروا أربعة فبلغوا الغاية في البينات، وهذه بينات عند المتأخرين وإلا فالحاضرون كلهم شهدوا ذلك. -٢٥٣ - الحديث التاسع والعشرون: [عن عبد الله، قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول، فقال الآخر: يسمع، إن جهرنا، ولا يسمع، إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله : ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم﴾]

стр. 367

* في هذا الحديث دليل على أن كثرة شحم البطن مظنة قلة الفهم، ومن قلة فهم هؤلاء أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه من أنه يسمع جهر الأصوات دون سرها؛ ولذلك قال قائلهم: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، ثم لجهله أيضًا علقه بأن الشرطية وموضع الاحتجاج عليهم من آية هو قوله (١٢٩/ أ) سبحانه: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾ فأخبرهم بأنه يعلم، والعلم محيط بما يسمع وما لا يسمع، فكان قوله سبحانه (يعلم) ها هنا، أبلغ من السمع، (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم)، أي أهلككم جهلكم بالله سبحانه في تشبيهكم إياه بخلقه، وإنما أتوا من قبل التشبيه؛ لأنهم قاسوا سمع الله سبحانه على سمع الآدمي الذي يسمع الجهر دون السر. -٢٥٤ - الحديث الثلاثون: [عن عبد الله قال: أتيت على النبي ﷺ وهو يوعك، فمستنه بيدي، فقلت: إنك لمتوعك وعكًا شديدًا، قال أجل، أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: بذلك إن لك أجرين. قال: (أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها]. * في هذا الحديث جواز أن يخبر الرجل بشدة ألمه لقوله: (أوعك كما يوعك رجلان).

стр. 368

* وفيه من السنة أن العائد يمس المريض ليتعرف بذلك حاله فيخبره بما يجد منه. فلقد يحس الرجل من لمس صاحبه مالا يحس به الملموس من نفسه. * وفيه أيضًا دليل أن الرجل إذا عاد مريضًا عزيزًا عليه صدقه فيما يراه منه لقول ابن مسعود (إنك لمتوعك). * وفيه أن يستحب للعائد أن يبشر المريض بثوابه ويذكره بأجر صبره على ألمه؛ لقول ابن مسعود: (إن لك أجرين) وقول رسول الله ﷺ : (أجل)، فصدقه في ذلك، ولم ينكره عليه لأنها بشرى لسائر الأمة في المرض. * وفيه أيضًا بشرى لكل مؤمن لقوله ﷺ : (ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواء إلا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) وذلك أن السيئات من ثمرات الأبدان والنفوس، فلما أصاب الأبدان التي أثمرت السوء من الألم ما شاركته فيه نفوسها عم أجزاءها، فكان كالعقوبة لمثمر السوء، فصار على نحو الشجرة التي إذا قلت المادة منها لما كانت تمده من الورق انتثر، فلما قلت مادة السيئات بما أصاب البدن (١٢٩/ ب) من الألم انتثرت من الخطايا بلطف من الله سبحانه، وهذا مما ينبغي للعبد أن يتضاعف شكره لله تعالى عليه، لأنه يحط عنه خطاياه بغير عزم من المخطئ تطهيرًا منه لعباده. -٢٥٥ - الحديث الحادي والثلاثون: [عن الحارث بن سويد، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن رسول الله ﷺ ، والآخر: عن نفسه. قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا -أي بيده- فذبه عنه، ثم قال، سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 369

يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش -أو ما شاء الله- قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)]. * أما الحديث الموقوف: فإن المؤمن ينظر إلى عظمة الله جلاله وعز سلطانه وغناه عن خلفه وفقر خلقه إليه، وأن يسير المعصية له ﷻ ليس بيسير عند المؤمن؛ فلذلك يرى كأنه قاعد تحت جبل من خوف ما أتى. وأما الفاجر فلا يرى من ذلك ما يراه المؤمن فلذلك يستخف الأمر في المعصية لله

стр. 370

عز وجل حتى يرى كأن ذنوبه ذباب أطاره بيده عنه لا لخفة ذنوبه، ولكن لخفة إيمانه في نفسه. * فأما الحديث المرفوع: فإنه من أعظم ما حض وحث وبعث الآبقين على حسن العود وتلاقي الفارط، والفزع إلى التوبة، فإن الذي ذكره رسول الله ﷺ من موقع التوبة عنده دليل كرمه، وآية (١٣٠/ أ) جوده، وأنه يسره أوبة عبده حتى يبلغ ذلك السرور مقدارًا لا يمكن أن تنتهي المعرفة إليه إلا بأن لا يزال العبد تائبًا إلى الله تعالى راجعًا إليه مقلعًا عن كل ما لا يصلح في معاملته إلى ما يصلح من مقتضى أمره وكريم وصاياه، فإنه تتوالى عنده المسار بالعبادات، وتتتابع إليه الأفراح بالطاعات؛ كما يسر ربه سبحانه بتتابع توباته وموالاة إنابته. * وهذا في حق من يتوب مقبلًا بعد إعراض فكيف إذًا من يتوالى إقباله ويتتابع إحسانه. * الدوية منسوبة إلى الدو، وهي المفازة والقفر التي تخاف فيها الهلاك. -٢٥٦ - الحديث الثاني والثلاثون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه

стр. 371

الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"]. * في هذا الحديث من الفقه أنه من شرف هاتين الخلتين أتيح فيهما ما هو محظور في غيرهما، وذلك أن من آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق فقد أهلك المهلك للناس، ومن أوتي حكمة فقضى بها وعلمها فإنه قد رزق من التوفيق أن لا يشح بما آتاه من فضله. * ومعنى"يقضي بها" أي أموره وأمور غيره، ثم إنه يعلمها الناس ليبقى له بعده فيدر عليه ثوابها إلى يوم القيامة، فلا لوم على من حسده لأنه لما أهلك هذا الشخص الشيء المهلك للناس وهو المال، وجاء بالشيء المنجي للعموم من الهلكة وهو الحكمة، كان نطق الحسد المذموم منقلبًا في حق ذلك الحاسد مباحًا، لأن الحاسد إنما يذم على كونه كان يحسد على ما يهلكه. فإذا حسد على ما يهلك المهلك وينجي الهلكى زال المعنى الذي وضع نطق الحسد له فلم يلم. * وقد قيل: إن ذكر الحسد ها هنا يجوز على ما يظنه الناس حسدًا فهو كقوله تعالى: ﴿حجتهم داحضة عند ربهم﴾ وقوله (١٣٠/ ب): ﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ فتجوز بذكر الحسد والمراد الغبطة. * والفرق بين الحسد والغبطة. أن الحسد تمني زوال النعمة عن المحسود والغبطة تمني مثلها مع بقائها على صاحبها.

стр. 372

* وقال الخطابي: (المراد بالحسد في هذا الحديث شدة الحرص والرغبة فكنى بالحسد عنهما لأنهما سبب الحسد والداعي إليه). - ٢٥٧ - الحديث الثالث والثلاثون: [عن عبد الله قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) الآية]. * هذا الحديث منسوخ بالحديث الآخر في أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وقد سبق ذكر هذا، وقراءة عبد الله لهذه الآية ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ محمول منه على أنه لم يتعد النهي عن المتعة. * وفي الحديث النهي عن الاستخصاء.

стр. 373

- ٢٥٨ - الحديث الرابع والثلاثون: [عن زر بن حبيش في قوله : ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ وفي قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ وفي قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال فيها كلها: قال إن ابن مسعود قال: رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح، زاد في قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ رأى جبريل في صورته. كذا عند مسلم]. وعند البخاري في قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أن ابن مسعود قال: "رأى جبريل له ستمائة جناح، ولم يذكر في سائر الآيات هذه ولا ذكر فيها غير ما أوردنا. قال ابن مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد: ولقد رآه نزلة أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت جبريل في صورته له ستمائة جناح). وليس ذلك فيما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما أخرجه على الكتابين. * مجموع هذا الحديث أنه حكاية عما كان يراه عبد الله بن مسعود في هذه الآيات وإلا ففي أحاديث أخر أن محمدًا ﷺ رأى ربه ، ونص القرآن يدل على (١٣١/ أ) ذلك.

стр. 374

- ٢٥٩ - الحديث الخامس والثلاثون: [عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم] * (الأثرة) هي الاستئثار. (والأمور التي ينكرونها) المراد بها الأمراء. * وفي هذا الحديث دليل على أن الأمير إذا أتى ما ينكر لم يمنع ذلك الحق الذي له بل يعطاه، وأن يسأل الحق الذي عليه من الله ولا ينازع ولا يقاتل. - ٢٦٠ - الحديث السادس والثلاثون: [عن عبد الله قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل

стр. 375

أهل النار. فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها] * قوله: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا) دليل على أن الطبيعة لا تفعل ذلك لأنه لو كانت الطبيعة من شأنها أن تولد النطفة كيف كانت تستحيل بنفسها فتصير علقة، وإن كانت الطبيعة هي التي من شأنها أن تجعلها علقة فكيف تصير مضغة في مقر واحد، وهكذا حتى تصير عظامًا وهكذا إلى حين تمامها. * ثم هذا الحديث يدل على وجوب الإيمان أن كل نسمة توجد إلى يوم القيامة قد سبق في علم الله ما يكون من رزقها وأجلها وسعادتها وشقائها. وهذا علم ينفرد الله به، فله الأمر من قبل ومن بعد. * قال أحمد بن حنبل ﵀ لما سمع هذا الحديث قال: هذا الحديث ينبغي أن يكون أشد شيء في الحث (١٣١/ ب) على زيادة العمل. ووفق ذلك فإنه حيث كان الأمر قد فرغ منه فإنه لا يعمل إلا من قد سبق له التوفيق فهو يعان عليه ويساعد فيه، وهو الأمارة على أن الكتاب الذي سبق كان مقتضيًا ذلك، إلا أنه مع ذلك فإنه لا ينبغي أن يركن الإنسان إلى عمل ولا يعول على عبادة، فإن الله إذا اطردت الأسباب خرقها في نوادر، ليتبين بذلك أنه لا تجوز عبادة الأسباب ولكن يعبد الله المسبب؛ فلهذا قال: (فيبقى بينه وبين الجنة أو بين النار مقدار ذراع) فهذا ينبغي أن يتداوى به في نفي العجب عن العاملين لا ترك العمل الصالح، وفي الحذر من القنوط من رحمة الله تعالى لا في الزيادة من الذنوب إزماعًا على الهلكة.

стр. 376

- ٢٦١ - الحديث السابع والثلاثون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)] * في هذا الحديث دليل على أن خير الناس الذين صحبوا رسول الله ﷺ ورأوه ثم التابعون لهم بإحسان كما قال : ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾. *وقوله: ﴿ثم الذين يلونهم﴾ تنبيه على من يأتي إلى يوم القيامة، فإن كل متقدم خير ممن يليه. ثم حذر من قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته؛ لأن الشاهد إن كان لا غرض له فيما عليه أن يحلف -قبلت شهادته أم ردت- فهو يدل يمينه على شهادته أنه متهم أو خائف أن يتهم فيكمل شهادته بيمين. -٢٦٢ - الحديث الثامن والثلاثون: [عن عبد الله، قال: قال لي رسول الله ﷺ (اقرأ علي القرآن) فقلت يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل. قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال:

стр. 377

فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك (٧٣٢/ أ) على هؤلاء شهيدًا قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان]. وفي رواية لمسلم قال: قال النبي ﷺ : (شهيدًا ما دمت فيهم -أو ما كنت فيهم). * في هذا الحديث أن القرآن في سماعه ثواب كما في تلاوته. * وفيه أيضًا أن رسول الله ﷺ لما أتى إلى هذه الآية التي فيها ذكره وأنه لا بد أن يأتي شاهدًا على أمته، وإنما يحبس الحاكم ويطلق بشهادة الشهود، فإذا كان شهيدًا على أمته وهو شفيعهم وبه يتوسلون فكيف تكون أحوالهم، فلذلك ذرفت عيناه فيما أرى ﷺ . *وفيه من الفقه أنه يجوز لمن يقرأ عنده القرآن أن يقول للقارئ (حسبك). - ٢٦٣ - الحديث التاسع والثلاثون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا

стр. 378

منها، وآخر أهل الجنة دخولًا في الجنة، رجل يخرج من النار حبوًا فيقول له الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، قال فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، ويرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول له الله : اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول: أتسخر بي (أو أتضحك بي) وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة]. * في هذا الحديث من الفقه أن أدنى أهل الجنة منزلة من يجتمع له مثل ملك ملوك الدنيا في شرقها وغربها وجبالها وأوديتها وأنهارها وأشجارها ويضاعف ذلك عشرة أضعاف وهذا آخر من يخرج من النار، فلا يبقى بعده إلا من يخلد (١٣٢/ ب). *وقوله: (فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى) يدل على أنه كان من أهل تخيلات السوء ولم يكن من أولي الألباب؛ لأنه بعد أن خرج من النار وقد مكث فيها مدة طويلة أمره الله أن يمضي فيدخل الجنة فعرض له تخيل سوء بأن الجنة ملأى بمن فيها فلا يكون معه من الإيمان والمعرفة بالله سبحانه أن يعلم أنه يأمره بدخولها إلا وهو سبحانه عالم أن له مكانًا فيها؛ فيرجع بتخيله فيأمره الله سبحانه ثانيًا فيعرض له تخيله السيء فيرجع عنها ثم

стр. 379

تأتيه حتى إذا قال الله : ﴿لك مثل الدنيا وعشرة أضعافها﴾، يستكثر هذا في كرم الله لأنه لم يعرف الله ، ولا قدره حق قدره، فذكر رسول الله ﷺ ذلك ليتبين به أهل النار مثل هذا الشخص كما قال : ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾. * فأما ضحك رسول الله ﷺ فإنه فيما أرى؛ أنه لما رأى عطاء الله لهذا الرجل على أحواله هذه، وأنه أعطى مثل الدنيا عشرة أضعاف، استبدل به على جزالة ما يعطي الله المؤمنين وسعته وطيبه فضحك سرورًا بذلك إن شاء الله تعالى. - ٢٦٤ - الحديث الأربعون: (عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)، قال: قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قلت: ثم أي؟ قال: (وأن تزاني حليلة جارك)

стр. 380

* هذه الذنوب المذكورة في الحديث دركات في مقام السوء، فلذلك عظم الجواب على مقاديرها فقوله: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك). فإن المشرك يعلم قطعًا أنه لم يخلقه الذي يشركه مع الله ، ولا في خلقه شركة فيكذب في جعله ندًا لله كذبًا يعلمه هو فلا يكفيه أن يجحد أن الله خلقه حتى يجعل له مثلًا. وكذلك الذي يقتل (١٣٣/ أ) ولده مخافة أن يطعم معه، وهو في نفسه يطلب من الله طعمته، فماذا عليه من غيره حتى يقتله؟ وكذلك الزاني فإنه يأتي بفاحشة، إلا أنه إذا أتاها مع حليلة جاره وهو عنده كالمؤتمن والأحسن منه إن كان يحمي حريم جاره ويحرس ذماره -فكيف يكون هو الذي يأتي بالفاحشة إليه؟! - ٢٦٥ - الحديث الحادي والأربعون: [عن عبد الله ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: (الصلاة على وقتها) قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)، قال: حدثني من لو استزدته لزادني].

стр. 381

* في هذا الحديث دليل صريح على أن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، وذلك لأنها هي التي يفرق بها بين المؤمن والكافر، ثم أتبعها ببر الوالدين وهو مما يدل على كرم طبع البار؛ فإنه إذا ذكر حال ضعفه وعجزه وكونه كان طفلًا لا يقدر على دفع أذى عن نفسه، ولا جلب منفعة إليها فسخر الله له الوالدين فأحسنا إليه إحسانًا استمر به حتى أنهما بعرضة أن يرثهما فيخرجان من الدنيا له، فقد أحسنا في حال ضعفه، وأحسنا في حال قوته، فمتى برهما دل ذلك على أنه من ذوي الألباب، الذين يسعون في فكاك ذممهم من ديون الإحسان ولا سيما بأول المحسين وهما الأبوان اللذان سبق إحسانهما إليه، وسلف برهما به، وتبع ذلك إنهما يخرجان من الدنيا ويتركان ما في أيديهما له، فلذلك صار هذا البر على أثر إقامة الصلاة في الفضيلة، ثم ذكر الجهاد بعد هذا، وذلك أنه يدل على مبدأ الإنسان في حفظه وهو النفس، فإن الإنسان لا يجود بها إلا موقنًا أن وراءه مقرًّا خيرًا من هذا المقر، وإن القائلين بما لا يليق بجلال الله يستدعي من المؤمنين الغيرة وأن يبذلوا نفوسهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأن لا يذكر في الأرض إلا كلمة الإخلاص (١٣٣/ ب) وهي لا إله إلا الله، فإذا جاهد هذا المسلم أعداء الله على هذه الكلمة حتى تكون هي العليا فقتل؛ فإنه قاتل بلسان حاله لا إله إلا الله، ولسان الحال في هذا المقام أمكن من لسان المقال. -٢٦٦ - الحديث الثاني والأربعون: [عن عبد الله أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) الآية فقال: يا رسول الله، ألي هذه؟ قال: (ولمن عمل بها من أمتي)].

стр. 382

[وفي رواية لمسلم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة. وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت: فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، قال: ولم يرد النبي ﷺ شيئًا، فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلًا، فدعاه وتلا هذه الآية عليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس كافة)]. *في هذا الحديث ما يدل على شدة ورع هذا الرجل الذي اختلف في اسمه على ثلاثة أقوال: أحدها، أنه عمرو بن غزية أبو حية الأنصاري، قاله ابن عباس. والثاني: عامر بن قيس الأنصاري، قاله مقاتل. والثالث: أبو اليسر كعب بن عمرو، وذكره أبو بكر الخطيب. فلما جرى على هذا الشخص من مصيبة الله ما جرى اختار الإعلان بحاله، وآثر سؤال رسول الله ﷺ عن صورة أمره وتسليمه إليه نفسه ليقضي فيها بما شاء.

стр. 383

*وفيه أيضًا أن الذي رآه عمر من ستره لنفسه فوق ما يراه الرجل، فلو ستر على نفسه وتاب فيما بينه وبين الله كان ذلك أولى، من حيث أن ما جرى منه هو كشف عورة -فهو أنه كما ينتقم بالإظهار من نفسه بما جرأ- جرأ على المعصية من غيره من قد كان يرى عن هذا الرجل أن (١٣٤/ أ) مقامه أكبر من أن يتعرض لمثل هذه. *وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ يدل على فرق ما بين كرم الله تعالى وبين عباده، فإنه من لطفه أن الحسنات عنده يذهبن السيئات أي تمحوها وتزيلها، ومن شأن العباد أن السيئات عندهم تذهب الحسنات، فشتان ما بين حالين، ويا خسران من ترك معاملة الله تعالى إلى معاملة فلان وفلان. -٢٦٧ - الحديث الثالث والأربعون: [عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن (أو قال ينادي) بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس الفجر أن يقول: هكذا. وجمع بعض الرواة كفيه -حتى يقول: هكذا، ومد إصبعيه السبابتين]. وفي رواية جرير: وهو المعترض، وليس بالمستطيل.

стр. 384

* في هذا الحديث من الفقه: جواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول الوقت. * وفيه: أن الأذان لا يمنع من السحور. * وفيه أيضًا: أن المصلين كانوا إذا دخلوا في الصلاة انصرفوا عن الخلق وتوجهوا إلى الله . فلذلك قال: يرجع قائمكم أي إليكم فيما أرى ويوقظ النائم ليتأهب للصلاة. ويعني الراوي بمد إصبعيه أن الفجر هو المعترض لا المستطيل. - ٢٦٨ - الحديث الرابع والأربعون: [قال عبد الله: من اشترى محفلة فليرد معها صاعًا. في بعض الروايات عند البرقاني: من تمر، ولم يذكره البخاري قال: ونهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع]. * فيه من الفقه أن الإنسان إذا اشترى محفلة وهي المصراة، والمصراة التي قد جمع لبنها في ضرعها أيامًا ليغر بها مشتريها فإنه لا يمكنه أن يعتبر التصرية فيها والتحفيل إلا بأن يحلب لبنها، فإن رد ما يكون قيمة ذلك اللبن لا يعلم مقداره فيرد معه صاعًا لئلا يخسر صاحبها مقدار اللبن فيجمع ذلك عليه مع ردها (١٣٤/ ب) عليه.

стр. 385

* وأما تلقي البيوع، فالمعنى فيه أنه إذا تلقاهم ولم يخبرهم بأسعار البلد غرهم. وفي حديث آخر: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض). - ٢٦٩ - الحديث الخامس والأربعون: [عن عبد الله، قال رسول الله ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه، ولا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها)]. * إنما نهى عن تناجي اثنين دون الثالث لأن ذلك يحزن الثالث، ومن أجل أنه يعطي هذا المقصد بين المسلمين منع ذلك على الإطلاق، فإذا انفردا عن أخيهما المسلم بنجوى أحزناه، فإن صاروا أربعة جاز أن يتناجى اثنان منهم؛ لأن ذلك المعنى يزول لانفراد اثنين بنجوى فيكون لكل واحد من الممنوعين بالادخال في السر أسوة بالآخر فلا يتعين انقباض من الواحد، بل لو تناجى ثلاثة دون الرابع كان كتناجي اثنين دون الثالث في الكراهية. * وأما مباشرة المرأة المرأة؛ فإنه يدل على أنه يكره للمرأة أن تصف لزوجها امرأة أخرى والمراد بالمباشرة قيل: إنه رؤية البشرة. فلا ينبغي أن تصف ذلك لزوجها لا على وجه المدح فربما عرضه للافتتان بها، ولا على وجه الذم والوقيعة، فتمدح نفسها، فعلى كلا الحالين الوصف مكروه.

стр. 386

- ٢٧٠ - الحديث السادس والأربعون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)]. * سباب المسلم من أجل أنه مسلم فسوق، وقتال المسلم من أجل أنه مسلم كفر، وأما غير هذا الوجه فكل مقام فيه مقال. - ٢٧١ - الحديث السابع والأربعون: [عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد (١٣٥/ أ) أحب إليه المدح من الله ؛ ولذلك مدح نفسه). وزاد مسلم في رواية له: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)].

стр. 387

* في هذا الحديث تنبيه على أن لله سبحانه غيرة على عبده وأمته، وأن من أتى فاحشة مع أمة من إماء الله بغير إذن مالكها ﷻ فقد اجترأ على حمى الله سبحانه. * وقوله: (ولا أحد أحب إليه المدح من الله) لأنه سبحانه يحب الصدق، ولا يصدق المادح إلا في مدح الله ، فإن مدحه نشر الآية الحميدة، وهو يستدعي تحبيب الله تعالى إلى عباده، ويحضهم على طاعته فيستدعي حب الله تعالى لعباده، إلا أنه سبحانه لما علم عجز الخلق عن مدحه تعالى مدح نفسه سبحانه. * وقوله: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله) .. أي إقامة العذر، ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة يعد الرسل؛ ولذلك لا يدخل النار إلا من قد برد قلبه بإقامة الحجج عليه فهو كالمتشفي من نفسه لظلمها وبغيها على الله بعد أن انكشفت لها الأمور وزال عنها اللبس. - ٢٧٢ - الحديث الثامن والأربعون: [عن شقيق، قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف، ألفًا تجده أم ياء، (من ماء غير آسن). أو من ماء غير ياسن؟ فقال له عبد الله، أو كل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم

стр. 388

ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره. فقلنا له: (١٣٥/ ب) سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في ركعة، فدخل عليه فسأله ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف عبد الله آخرهن من الخواتيم (حم الدخان) و (عم يتساءلون)]. * في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان يتعين عليه أن يتقن الأصول قبل طلب الفروع، ألا ترى قول ابن مسعود: أوكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ إذ لا يعرف أحد يقرأ ياسين، ويدلك على أن ابن مسعود لم يرض فقه المسائل من أجل أنه لما سأله عن علمه في أصول القراءة لم يجبه عنه بل عدل إلى غيره، وقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، وليس هذا بجواب لابن مسعود، فإن جوابه كان أن يقول: إني عرفت ذلك كله أو لم أعرفه فعدل إلى كلام آخر فوجد ابن مسعود فيه أيضًا ما يقتضي نهيًا آخر فقال له: هذا كهذ الشعر، وهذا هو جواب هذا الكلام الأخير ثم أتبعه بقوله: (إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم) تحذيرًا له أن يكون منهم، ثم قال بعد ذلك: إذا وقع في القلب فرسخ في القلب أي ثبت فيه. * ومن دليل الخطاب في هذا الكلام أنه ينبغي أن يشتد الخوف على من يقرأ القرآن ولا يرسخ في قلبه. * وأما قوله: (إن أفضل الصلاة الركوع والسجود) فما أراه إلا أنه، إذ كرر الركوع والسجود كان بذلك مسبحًا لله ، ومعظمًا له، وكان ذلك لمن يهذ

стр. 389

القرآن أفضل. وأما من يتدبر القرآن بالتلاوة فإن طول التلاوة له أفضل، وسيأتي تفصيل هذا في الأحاديث التي يذكر فيها إن شاء الله تعالى. *وقوله: (إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن) فيه جواز أن يقرن الرجل بين سورتين في ركعة. * وفيه من الفقه أن العالم إذا سأله من لا يحسن السؤال أو من لا يراه أهلا لأن يحمل عنه (١٣٦/ أ) أن لا يضيع الزمان في حديثه. ألا ترى ابن مسعود كيف قام وترك الرجل حتى سأل الحاضرون علقمة أن يدخل إلى ابن مسعود فيسأله عن النظائر. *فأما النظائر فليس في هذا الحديث ما يدل أنها نظائر في القصص أو في عدد الآي أو الوعد أو الوعيد أو غير ذلك ومن النظائر في العدد نحو الحجرات والتغابن وكل واحدة منهما ثماني عشرة آية ونحو سورة الحديد تسع وعشرون ومثلها التكوير، ونحو المجادلة اثنتان وعشرون ومثلها البروج، ونحو الجمعة إحدى عشرة آية ومثلها المنافقون والضحى والعاديات والقارعة، والطلاق اثنتا عشرة آية ومثلها التحريم، ثم سورة الملك ثلاثون آية ومثلها الفجر، ونون خمسون آية وآيتان ومثلها الحاقة، والمزمل عشرون ومثلها البلد، والقيامة أربعون ومثلها القتال، والانفطار تسع عشرة آية ومثلها الأعلى والعلق، والانشراح ثماني آيات ومثلها التين والزلزلة والتكاثر، والقدر خمس آيات ومثلها الفيل وتبت والفلق، والعصر ثلاث آيات ومثلها الكوثر والنصر، وقريش أربع آيات ومثلها الإخلاص، والكافرون ست آيات ومثلها الناس. * وإن كان يعني النظائر في القصص وهو أن يخرج من قصة إلى نظيرها نحو قوله في آخر سورة الأحقاف: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ ثم أتبعها

стр. 390

بوصفهم فقال: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ وكذلك قوله في آخر الذاريات: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ ثم ذكر ذلك اليوم بقوله: ﴿والطور، وكتاب مسطور﴾ الآيات. إلا أنه في هذا الحديث المفصل، والمفصل قصار السور. قال ابن قتيبة (١٣٦/ ب) (سميت مفصلًا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسم الله الرحمن الرحيم). * الترقوة: العظم بين الحلق والصدر، وإنما سميت بترقوة لترقيها، والواو في ترقوة منقلبة عن ياء لأن جمعها تراقي وإنما لما انضم ما قبلها انقلبت واوًا. - ٢٧٣ - الحديث التاسع والأربعون: [عن شقيق، قال خطبنا عبد الله فقال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ . وعند مسلم: (لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه).
следующие страницы →