Полный текст (2 650 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
* هذا الحديث قد رواه الثقات، وهو صريح في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه، وقد عمل به عمر ﵁، ونهى حفصة عن البكاء لمقتضاه. وقد ذكرت عائشة فيما رواه ابن عباس من القول ما لا يدفع، إلا أن الجمع بين الحالين والتأليف بين الأمرين عندي- والله أعلم- أن عذاب الميت ببكاء الحي عليه إنما يكون فيما قد كان الميت أوصى به، وخرج فيه على ما كانت عادة العرب من أن يوصوا به، ويؤكدوا القول على مخلفيهم فيه كما قال طرفة:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كآمرئ ليس همه .... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
وكما قال صخر:
والله لا أمنحها شرارها .... ولو هلكت مزقت خمارها
وهي حصان قد كفتني عارها .... واتخذت من شعرها صدارها
والعرب: قد تسمي النوح بكاء، ولفظ الحديث (بما نيح عليه)، فالنياحة من عمل الجاهلية، وقد يخاف على المسلم إذا أخل بالوصية لأهله أن يتجنبوا النياحة عليه- إن كان لا يركن من أهله ونسائه إلى متانة دين، وأهمل الوصية حتى
стр. 72
نيح عليه يخاف عليه- أن يلحقه من ذلك أذى من العذاب من حيث إهمال الوصية بالواجب، ولا أرى عمر ذكر هذا الحديث لابنته حفصة قبل موته إلا مخرجا له إخراج تأديب وتعليم.
فأما من وصي أهله بأن لا يتجاوزوا في أمره بعد موته ما شرع الله قبلوا ذلك أم لم يقبلوا- فإنه لا حرج عليه بعد ذلك، وعلى أن البكاء على الميت من غير نوح، ولا خمش حد، ولا تخريق ثوب مباح، وقد بكى رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم (٢٨/ ب) وقال: هذه رحمة، وقد بكى الصحابة على رسول الله ﷺ .
وحديث عائشة في أن الكافر يعذب ببكاء أهله، فإنها صادقة، وكذلك لو لم يبك أهله عليه لعذب أيضا.
وقولها: (إن السمع يخطئ)، فقد يخطئ السمع كما قالت. إلا أن الذي أراه في ذلك أن يجمع بين الحديثين ما ذكرته.
- ٢٥ -
الحديث السابع:
[أن عمر ﵁ قال على منبر النبي ﷺ : (أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل). ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ينتهي إليه: الجد؛ والكلالة؛ وأبواب من أبواب الربا].
стр. 73
* هذا الحديث صريح في تحريم النبيذ المتخذ من التمر وسائر الأجناس التي عددها، ثم قوله ﵁: (والخمر ما خامر العقل) تعليق للحكم بالعلة، وينبغي أن يكون كل شيء فيه معنى الخمر من مخامرة العقل أن يسمى خمرا.
* ثم قوله على أثر هذا: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه ثم ذكر الجد والكلالة وأبوابا من الربا، ويعني أن هذه الأبواب لما لم يعهد إلينا فيها عهدًا تجاذبتها المسائل، وجرى فيها الخلاف، أما الخمر فإنها مما عهد رسول الله ﷺ فيه، وإنما من الأجناس التي عددها؛ فلا يقع فيها خلاف ولا يسوغ فيها تنازع، وهذا من مفهوم الخطاب الواضح؛ أي: إني وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا في واحدة من هذه المسائل كما عهد إلينا في الخمر من هذا القول الصريح فلم يبق في شيء منهن خلاف.
- ٢٦ -
الحديث الثامن: (حديث السقيفة)
[عن ابن عباس من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين؛ منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزلة (٢٩/ أ) بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم؛ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العيشة في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس
стр. 74
وغوغاءهم، فإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله- إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت بالرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المبنر، فجلست حذوه، تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي؛ وقال، ما عسى أن يقول ما لم يقله قبل؛ فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام: فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قدر أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (٢٩/ ب) تعالى عليه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال
стр. 75
والنساء؛ إذا قامت البينة؛ أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : (أن لا ترغبوا عن آبائكم. فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)، ألا وإن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرى عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)، ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغتر امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت؛ ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفي نبي الله ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار؛ فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم، لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعدة بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم،
стр. 76
فإذا هم (٣٠/ أ) أن يختزلونا من أصلنا وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان أحلم مني وأوقر، ووالله ما ترك من كلمة أجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرت فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي- لا يقربني ذلك من إثم- أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر؛ اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقتل: ابسط يدك يا أبا بكر فبايعته، وباعيه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزولنا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما تابعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا.
стр. 77
زاد في رواية البرقاني بالإسناد الذي أخرجه البخاري، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة (٣٠/ ب): أن الرجلين اللذين لقوهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله ﷺ : من الذين قال الله لهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾؟ فقال النبي ﷺ : (نعم المرء منهم عويم بن ساعدة). ولم يبلغنا أنه ذكر منهم غير عويم بن ساعدة، وأما معن بن عدي فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله ﷺ حين توفاه الله تعالى، وقالوا: لوددنا أنا متنا قبله، نخشى أن نفتن بعده، فقال معن: لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا، كما صدقته حيا، فقتل باليمامة يوم مسيلمة الكذاب].
стр. 78
* في هذا الحديث من الفقه إقراء الحدث للشيوخ؛ لقول ابن عباس: (كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف).
* وفيه دخول الرجل إلى دار صديقه؛ فإنه قال: فبينا أنا في منزلة، ولم يذكر فيه الإذن ولا ما يدل على الإذن، وقد قال : ﴿أو صديقكم﴾.
* وفيه أن عبد الرحمن لما عاد من عند عمر، وقد ظهر على سر من سره له تعلق بالعلم العام أظهر عليه عبد الله عباس لأنه كان من أهله.
* وفيه أن العلم يصان عن غير أهله، ولا يحدث منه الناس إلا بما يرجى ضبطهم له، ألا تراه قال له: (إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم)، فوافق عمر عبد الرحمن في صونه نشر العلم عن غير أهله.
* وفيه جواز أن يرد على الإمام بعض أصحابه إذا لاح الأصوب والأولى.
* وفيه جواز رجوع الإمام إلى الصواب وترك ما كان من قوله هو لقول الناصح من مأموميه.
* وفيه أيضا أن علم الفقه والدقيق من الأحكام ينبغي أن يتوخى بنشره خواص الناس ووجوههم وأشرافهم، ممن تقدمت منه الدرجة، فيضع كل شيء منه على موضعه.
* وفيه أيضا من حرص ابن عباس ﵁ على طلب العلم وتحصيله (٣١/ أ) ما كان نصب عينه منذ كان بمكة إلى أن عاد إلى المدينة في قوله: (إنني رحت عند الزوال) ما يدل على أن ما بعد الزوال يسمى رواحا.
* وفيه أنه ينبغي للداخل إلى الجامع أولا أن يجلس في الصف الأول الأقرب إلى
стр. 79
المنبر، وإن كان قد اعتاد الجلوس في موضع غيره، ألا تراه حيث قال: (حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المبنر)؟
* وفيه أيضا أن الجلوس في المسجد إنما يكون على هيئة الصفوف، ألا تراه قال: (فجلست حذوه)؟
* وفيه أيضا أن الجالس في المسجد لا ينبغي له أن يتباعد عن أخيه المسلم، فيأخذ من عرصة الجامع أكثر من حقه، ألا تراه قال: (تمس ركبتي ركبته)؟؛ وذلك لأن الجامع مشترك بين المسلمين؛ فإذا أخذ الإنسان منه أكثر مما يكفيه فقد أضر بالمصلين، وعلى هذا فإني لا أرى للمصلي أن يبسط تحته الغطاء الواسع، الذي يفضل عما يحتاج إليه، فإنه إن منع الناس من أن يبسطوا عليه أو بسطه هو على أوطئه الناس لم يكن له ذلك، بل ليكن وطاؤه بحسب ما يكفيه.
* وفيه أيضا جواز التهيئة في الأسماع لقبول القول المهم؛ لأن ابن عباس ﵁ لم يقل لسعيد: (ليقولن اليوم أمير المؤمنين مقالة لم يقلها) إلا إيثارا منه لأن يوقظ قلبه لأن فيه معنى زيادة الإيقاظ لقلبه.
* وفيه أيضا جواز إنكار المستغرب من القول تنزيها للصادق عن الغرائب والنوادر التي لا يقوم عليها شاهد كما قال: (فأنكر علي سعيد وقال: ماذا عساه أن يقول ما لم يقله)؟، وقوله: (فلم أنشب أن طلع عمر فرقي المنبر فسلم على الناس ثم جلس فأخذ المؤذنون في الأذان، فلما سكتوا، قام فأثنى على الله تعالى بما هو أهله)، يدل على أن كل كلام لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر، وهو في الخطبة لازم وفي غيرها معتبر.
* وفيه أنه قال: (إني قائل مقالة قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي) يريد بهذا أنه (٣١/ ب) عند قرب الأجل يزداد الخوف من كل أحد؛ فيكون التحري للصدق من كل قائل، ألا ترى إلى أبي بكر الصديق رضي الله
стр. 80
عنه حين يقول عند وفاته: (في حالة يؤمن فيها الكافر ويعترف فيها الفاجر).
* وقوله: (إن الله بعث محمدا ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل الله تعالى عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده)، وما ذكرنا في آية الرجم فإنه أشعرهم بذلك وبما ذكره بعده من التخويف من أن يدعي الرجل إلى غير أبيه. ومن وصية رسول الله ﷺ بأن لا يطرى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإن هذا كله من المهمات التي خاف على الناس أن يستهينوا بشيء منها، وكل منها باب من الأبواب الكبيرة الشأن، ثم أتبعها ما يرجع إلى الخلافة، ومن فقهه وتأنيه لم يفرد ذكر الخلافة فكان ربما لا يرى أنه من الفرضية والوجوب بمقام هذه المسائل، بل جعلهم وإياه في أسلوب واحد وحيز مفرد، وكل منهم واجب فرض يخاف من تجاوزه عذاب النار، من ترك الرجم، وأن يدعي الإنسان إلى غير أبيه فتسقط بذلك وشائج الإنسان فيخرج من قوم ويدخل في آخرين، فيضع المواريث على خلاف ما وضعها الله تعالى، وكذلك ما خوف منه من إطراء رسول الله ﷺ كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنهم ادعوا على عيسى بن مريم أنه ولد الله، وأرادوا بجهلهم التقرب إلى عيسى، فكفروا، ثم أتبع هذا بما يرجع إلى الخلافة بما ذكره دالا بذلك على أنها من هذا الخير، ومن جملة هذا الأسلوب.
وقوله: (إن فلانا قال: لو قد مات عمر، بايعت فلانا، وإن بيعة أبي بكر كانت فلتة)، إنما خاف عمر من أن يغتر بعض الناس بما جرى في نوبة أبي بكر الصديق من البيعة له في عجلة على غير طمأنينة ثم استتب الأمر بعد ذلك، فيظن الظان أن كل بيعة تجري كذلك تكون مثل بيعة أبي بكر ولذلك (٣٢/ أ) قال: (وتمت) ثم عاد فقال: (ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، أي أن أبا بكر من شرف المنزلة والعلو ما تنقطع الأعناق في الامتداد إليه أو تقطع إليه أعناق الإبل بالسير إليه في القصد نحوه؛ فإنه كان فيه من
стр. 81
الأهلية لذلك ما لم يشنه من إيقاع البيعة له على سبيل الفلتة، ثم ذكر ما جرى له يوم السقيفة.
قوله: (اعتزلنا الزبير وعلي في آخرين، وخرجت أنا وأبو بكر ومن معنا من المهاجرين نريد الأنصار). ولعمر الله إنهما لم يخرجا ليعقدا البيعة؛ وإنما خرجا لقصد الإصلاح وتسكين النفرة، وقمع طلائع الفتنة، فلما تجوذبت الأحاديث وخيف من فتنة، اقتضى الصواب حينئذ عقد البيعة من غير مهلة.
وقوله: (فلقينا رجلان صالحان)، ثم ذكر أنهما قالا: (لا عليكم أن تقضوا أمرا دون الأنصار)، يدل على أنه لو كان المهاجرون قد أجمعوا وبايعوا أبا بكر صحت البيعة؛ ولكن أراد الله أن يجمع على ذلك المسلمون كافة من المهاجرين والأنصار.
وقوله: (كنت زورت في نفسي كلاما)، يعني زينته وهيأته.
وقوله: (كنت أداري من أبي بكر بعض الحد)، مع قوله: (وكان أحكم مني عقلا وأوقر)؛ إنما خاف في ذلك المقام أن يعرض لأبي بكر في شيء من حدة فربما يشوشه عن قصده الذي شرع فيه.
وقوله: (أحكم مني) قول صدق فيه؛ وذلك أنه قال للأنصار قولا أثنى عليهم فيه، وأبقى مودتهم مع تسكينهم على خروج الأمر عنهم وهو قوله: (إن العرب لم تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) يعني أن نبوة محمد ﷺ خصصت الشرف لقومه فمن بعدهم.
وقول أبي بكر: (أي هذين الرجلين شئتم فبايعوا)، يعني عمر وأبا عبيدة.
وقوله: (إن كل واحد منهما كان لذلك أهلا) يعني مع نزول أبي بكر
стр. 82
عنه. الا تسمع إلى قول عمر: (وكنت أن اقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن (٣٢/ ب) أتقدم على أبي بكر)، يعني أن الفاضل لا ينبغي أن يتقدم عليه، فإن الله تعالى أشار بحال الفاضل إلى أنه الأولى بالتقديم.
وفي هذا المعنى يقول أبو الطيب:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا .... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه .... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
* وفيه أيضا أن الإنسان إذا قال القول على ما يجده من عزمه ويذوقه من نفسه؛ وأنه لو عرض له عند الموت عارض نقضه فيه، لم يكن ذلك دالا على أن وقت قوله له في حال العافية لم يكن صادقا في عزمه عليه.
وقول من قال من الأنصار: (أن جذيلها المحك) يعني به أنا الذي يستشفى برأيي، وهو مأخوذ من الجذل الذي ينصب فتحكك بالدواب ذرات الأدواء.
وقوله: (وعذيقها المرجب)؛ لعذيق الكباسة يعني أن هذا العذق في نفسه كان أكبر الأعذاق فلم يحمله عرجونه حتى رجب ودعم، فهو أفضل الأعذاق، وأراد: إني في قومي عزيز عليهم.
стр. 83
وقوله: (قتلتم سعدا. فقلت: قتل الله سعدًا) ليس هو كما يقع للناس أنه دعاء على سعد، وإنما هو على سبيل الإخبار؛ لأنهم أرادوا: قتلتم سعدًا بالوطء والدوس. فقال عمر: (قتل الله سعدًا) أي: إن كان قد قتل فالله قد قتله، أي فلو مات كان دمه هدرًا في مصلحة المسلمين.
وقوله: (فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا). المعنى لا ترون تغريره بنفسه واحتقاره أن يقتل أن حمله على ذلك حق.
وقول ابن شهاب: (إن عويم بن ساعدة من الرجال الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين﴾ فإنما أخبر أنهم أحبوا ما أحب الله منهم.
* وفيه أيضا: أنهم أحبوا أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين أي الكاملي الطهارة.
* وقول معن بن عدي: (لكني والله أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا) فإن هذا من متانة فقهه (٣٣/ أ)، وإن موت الرسول ﷺ زلزلة قوية لإيمان الخلق، وما أحسه معن أن يكتب له ثبات وسلامة من هذه الزلزلة مقصودة حسن وغرض صالح، ﵃ أجمعين.
- ٢٧ -
الحديث التاسع: (في اعتزال النبي ﷺ نساءه).
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 84
وسلم اللتين قال الله تعالى فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرز، ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾؟
فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس! (قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه).
قال: هما عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث قال:
(كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء؛ فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فتغضبت يوما على امرأتي، فإذ هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله ﷺ ، فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ ، ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك؛ ولا يغرنك أن كانت (٣٣/ ب) جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك- يريد عائشة-.
وكان لي جار من الأنصار، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله
стр. 85
عليه وسلم، فينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، وكنا نحدث: أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل يومًا صحابي ثم أتاني عشاء، فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه. فقال: حدث أمر عظيم!. فقلت: ماذا؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن ذلك يوشك أن يكون، حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي. فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري، هو هذا معتزل في المشربة، فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي، قال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت، استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج. فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرا؛ فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ ، فإذا هو متكئ على رمال حصير، فقد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي فقال: لا، فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يومًا، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن (٣٤/ أ) اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله ﷺ ، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله صلى الله
стр. 86
عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله فدخلت على حفصة، فقتل: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم، فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمتك؛ فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا، ثم قال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) فقلت: استغفر لي، يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة- من شدة موجدته عليهن- حتى عاتبه الله تعالى.
قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل علي رسول الله ﷺ ؛ بدأ بي، فقلت: يا رسول الله: إنك أقسمت أنك لا تدخل علينا شهرًا، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون.
زاد في رواية: وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة، ثم قال: يا عائشة، إن ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾، حتى بلغ إلى قوله: ﴿أجرا عظيمًا﴾.
قالت عائشة: قد علم- والله- أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي؟، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
وفيه عن معمر أن أيوب قال: إن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أنني
стр. 87
اخترتك (٣٤/ ب)، فقال لها النبي ﷺ : (إن الله أرسلني مبلغًا ولم يرسلني متعنتا).
قال قتادة: صغت قلوبكما: مالت.
وفي رواية سماك: وذلك قبل أن يؤمروا بالحجاب، وفيه: دخول عمر على عائشة وحفصة ولومه لهما، وقوله لحفصة: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك.
وفيه: قول عمر عند الاستئذان في إحدى المرات: يا رباح استأذن لي، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها، قال ورفعت صوتي، وأنه أذن له عند ذلك، وأنه استأذن رسول الله ﷺ في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، فأذن له، وأنه قام على باب المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه؛ وأنه قال له- وهو يرى الغضب في وجهه- يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟! فإن طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال: وقلما تكلمت- وأحمد الله- بكلام إلا رجوت أن يكون الله تعالى يصدق قولي الذي قلت، ورأيت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا ...﴾ ... الآية.
وفيه أنه قال: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك- وكان من أحسن الناس ثغرًا-.
стр. 88
وفيه: أنه قال: ونزلت أتشبث بالجذع، وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين.
قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير.
وفي رواية: أن عمر دخل على أم سلمة لقرابته منها فكلمها، وأنها قالت له: عجبًا لك يابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه! وأن ذلك كسره عن بعض ما كان يجد، وأنه لما قص على رسول الله ﷺ حديث أم سلمة تبسم].
* في هذا الحديث من الفقه أدب المتعلم مع من يأخذ العلم عنه، وأن لا يتهجم عليه بالسؤال، فقد يكون من العلم ما يقتضي البسط، ولا يحتمل مثله أن يسأل عنه في الأوقات الضيقة، ولا في وقت ازدحام السائلين؛ لأن عبد الله بن عباس يقول: ما زلت حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ.
* وفيه من الفقه أن المتعلم إذا أراد أن يسأل العالم عن ما للمسؤول فيه مماسة أو حصة لسبب له، أن لا يهجم عليه بالسؤال عنها في مشهد من الناس، وكذلك
стр. 89
إذا كانت من المسائل الراجعة إلى أهل رسول الله ﷺ ونسائه في مثل هذه؛ ألا ترى إلى ابن عباس توخى أن يسأل عمر في خلوة؟! فصبر عليه الزمان الطويل، وسافر معه حتى ناب مناب الأتباع في حمل الإداوة وصب الماء (٣٥/ ب) على يدي عمر في طلب العلم، فلما سأله في موضع السؤال أجابه من غير تراخ.
* وفيه من الفقه أن ابن عباس سأل عمر بالطيب من النطق الذي ورد في حق المرأتين، وهو الذي ذكر فيه صغوهما للتوبة، ولم يذكر النطق الأول في قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ ولا قوله: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ ولا غير ذلك، ومع ذلك فقد أشار الزهري عند قول عمر: (واعجبًا لك يا ابن العباس؛ فقال: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه)، وهذه السورة الكريمة قد نزل فيها من التهديد والوعيد، وذكر امرأة نوح وضربها مثلا للذين كفروا، وذكر امرأة فرعون وضربها مثلا للذين آمنوا، فإنه كله مما يدل على شرف منزلة المرأتين، لأنه كله تهديد دال على الإرادة لئلا يكون أبدًا ما عابتهما إلا في مقام استزادة لرسول الله ﷺ ، فما نزل في هذه السورة عاد حاجزًا بينهما وبين المكروه أبدًا، ألا ترى أنه لما قال : ﴿يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ وفي قوله سبحانه: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ دليل على أنه قد أمن أزواج رسول الله ﷺ من سخطه ومن ناره، وأن الواحد منا لو قضي عليه أن يستباح حريمه أو يفضح أهله لكان ذلك خزيًا له، وحاشا لرسول الله ﷺ من ذلك، فقوله: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ يدل على أنه لا يسوؤه في أحد من أزواجه خاصة أبدًا، وكيف لا وعائشة وحفصة من أفضل نساء العالمين؟
стр. 90
* وفيه من الفقه أن المؤمن قد يداري زوجته ويصبر على أذاها؛ لقولها: (إن إحدانا كانت تهجر رسول الله ﷺ إلى الليل).
* وفي هذا الحديث دليل على أن المؤمن يستعين بأخيه المؤمن في التعلم والمعاش؛ ألا (٣٦/ أ) تراه يقول: وكان لي جار من الأنصار، وكنت أنا وهو نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك؟ وإنما فعل ذلك لأنهما كانا يقضيان من الكسب فرضا واجبًا، ويتعلمان من العلم فروضًا لازمة، ففعلًا بحسن تدبيرهما أن يقضي هذا وقتًا في كسبه، ويخلفه هذا في تعلم العلم والإتيان بخبر الوحي، ويفعل الآخر مثل فعل صاحبه، فيقضيان الفرضين ويدركان الأمرين.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الحق قد ينال منه ثم تكون العاقبة لأهله، ألا تسمع إلى قول عمر: (كنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا)، ثم إن الله سبحانه أظهر بعد ذلك حقه وأعلى أمر نبيه.
* وفيه أن عمر ﵁ لما قال له الأنصاري: طلق رسول الله ﷺ نساءه؛ بدأ بأن قال: (خابت حفصة وخسرت)؛ ابتدأ بالأهم عنده.
* وفيه ما يدل على أن المؤمن إذا حزبه أمر فلا ينبغي أن يستخفه حتى يزور في غير وقت الزيادة، ألا تراه يقول: (جاءني عشاء، حتى إذا كان الصبح وشددت علي ثيابي فدخلت على حفصة وهي تبكي)؟
* وفي هذا من الفقه: أن العاقل لا يهجم على السؤال عن أمر حتى يفهمه؛ ألا ترى عمر ﵁ بدأ بالدخول على حفصة، وسألها عن الأمر، فقال لها: (أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في المشربة).
* وفي هذا جواز اتخاذ المشربة وهي الغرفة، وأن الغرفة، وأن يكون للإنسان في منزله موضع يعتزل فيه، فلا يدخل عليه في إلا بإذنه.
стр. 91
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا استأذن فلم يؤذن له فعليه أن يرجع.
* وفيه من الفقه أنه إذا لم يؤذن له فانصرف فأقام هنيهة أن يعاود الاستئذان؛ فربما يكون الامتناع الأول لعارض عرض.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ كان (٣٦/ ب) تحته رمال حصير، والرمال: ما نسج من حصير وغيره، وهذا يدل على أن الجلوس على الحصير أفضل من الجلوس على الأرض، لأن الجلوس على الأرض يوسخ الثوب ويبليه.
* وفيه أيضًا دليل على أن رسول الله ﷺ لم يكن متنعمًا ولا مترفًا حتى أثر في جنبه الحصير.
* وفي هذا من الفقه أن عمر ﵁ ذكر صورة حاله مع امرأته على نوع انبساط وطيب كلام ممزوج بيسير من المزح في حق نفسه مستجلبًا بذلك تبسم رسول الله ﷺ ، فلا جرم أنه أصاب مقصده وتبسم رسول الله ﷺ ؛ وكذلك عن حديثه عن حفصة حتى تبسم رسول الله ﷺ ثانية.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه ليس التوسع من الدنيا دليلا على رضا الله إلا في المؤمنين خاصة، لقول عمر ﵁: (يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يوسع على أمتك؛ فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله).
* وفي هذا الحديث أنه إذا خطر على قلب المؤمن أن ما في يد مثل كسرى وفارس والروم من الدنيا دليل خير لهم أن ينكر عليه ذلك، ألا ترى أن رسول الله ﷺ استوى جالسًا وقال: (أفي شك أنت ياابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا)؟! حتى فزع عمر على الاستغفار بقوله: (يا رسول الله استغفر لي).
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز أن يهجر الرجل امرأته وأهله أكثر من ثلاث
стр. 92
تأديبا؛ فإنه قال: (كان أقسم أن لا يدخل علهين شهرًا من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة من شدة موجدته عليهن).
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يستتب للرجل المريد للآخرة استدامة صحة امرأة لا تريد الآخرة، ألا ترى كيف تلا رسول الله ﷺ على عائشة الآية في التخيير حتى أقررن كلهن أنهن لا يردن الحياة الديا (٣٧/ أ) وزينتها، بل يردن الله ورسوله والدار الآخرة حتى أقرن على صحبته؟
* وفيه أيضًا ما يدل على فضيلة عائشة ببدايته بها وقوله لها لما خيرها: (لا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك) لأنها حدثة، وربما يكون بلغ منها الغيظ إلى أن تقول كلمة تندم عليها فردها إلى مراجعة أبويها، إلا أنها وفقت بقولها: (أفي هذا أشاور أبوي؟ بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة).
* وفي هذا من الفقه جواز تسمية العبد رباحًا ونجاحًا وفلاحًا وغير ذلك.
* وفيه أيضًا استحباب أن لا يتشبث النازل في درجة أو جذع إذا أمكنه ذلك لأنه لا يأمن أن تقع يده على ذنيب أو غيره مما يؤذي.
* وفيه أيضًا من فضيلة عمر أنه لما قال له: (ما يشق عليك من شأن النساء إن كنت طلقتهن فإن الله وملائكته معك، وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر وعمر والمؤمنون)، فنزلت الآية إلى قوله: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾.
* وفي هذا من فضيلة عمر قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ولقوله: (وكنت أنا الذي استنبطت هذا الأمر).
стр. 93
الحديث العاشر:
[عن ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون؛ وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب].
* في هذا الحديث من الفقه أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها لئلا تشتبه بصلاة الذين كانوا يعبدون الشمس، فلما كانت الصلاة قبل طلوعها وبعد غروبها تميزت الحال في ذلك، وكانت الصلاة لخالق الشمس.
- ٢٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ابن عباس: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، فباعوها)؟].
* في (٣٧/ ب) هذا الحديث من الفقه أن ثمن الحرام حرام، وأنه لا يسوغ التأويل فيه توصلًا إلى الانتفاع بما حرم الله تعالى منه، فإن اليهود لما رأوا أن الشحوم إذا جملوها- وهو إذابتها- ثم باعوها، وأكلوا ثمنها، أن هذا انتقل عن حالة إلى حالة أخرى وخرج عن تسمية الشحم، فرخصوا متأولين في ذلك؛ فلعنهم رسول الله ﷺ .
стр. 94
- ٣٠ -
[عن ابن الزبير خطب فقال: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة).
وفي رواية ابن عمر عن عمر مسندًا: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة)].
* وهذا الحديث أراه مفسرًا بالحديث الآخر الذي تلقته الأمة بالقبول في تحريم الحرير على الرجال دون النساء، فيكون ذلك الحديث مفسرًا لهذا الإجمال، وما قاله ابن الزبير في أول الحديث فإنه مدرج من كلام ابن الزبير نفسه على ظن منه أن كلام رسول الله ﷺ يتناول الرجال والنساء، والحديث الآخر الذي فسر هذا الإجمال قد أزال اللبس في ذلك وهو قوله ﷺ : (هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).
стр. 95
- ٣١ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، (٣٨/ أ) فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : (أرسله؛ اقرأ يا هشام) فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : (هكذا أنزلت) ثم قال النبي ﷺ : (اقرأ يا عمر) فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : (هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على شرف القرآن وكثرة وجوهه، وأنه ليس ككلام الآدميين الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؛ فإن اختلاف القراءة دليل دال على كثرة معاني القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ وفي القراءة الأخرى: (اعلم) (بفتح اللام وتسكين الميم)، وفي القراءة الثالثة: (أعلم) (بكسر اللام).
стр. 96
* وقوله: إن القرآن نزل على سبعة أحرف على اختلاف الناس في ذلك، لا أرى تأويله إلا ما انتهت إليه القراءات السبع في سائر الأمصار. فأما الحديث الذي روي في تفسير الأحرف السبعة من أنها حلال وحرام، ومتشابه وقصص وأمثال (.. الخ)، فإنما ذكر في هذا تفسير جملة القرآن التي اجتمعت عليها القراءات السبع.
- ٢٣ -
الحديث الرابع عشر:
[عن عمر ﵁ أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مثلى﴾.
وقلت: يا رسول الله: يدخل على نسائك البر والفاجر؛ فلو أمرتهن يحتجبن! فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن. فنزلت كذلك.
وفي رواية: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر].
* في هذا الحديث من الفقه أن عمر ﵁ كان جدًا كله (٣٨/ ب) ليس بذي هزل؛ فلذلك أجرى الله على لسانه من الحق الذي لا ينزل القرآن إلا به، وكل ذلك ليس له في شيء منه هوى بل توخى الأصوب فالأصوب، والأحوط
стр. 97
فالأحوط والأحسن فالأحسن كقوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقوله: (إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن)، وقوله في الغيرة على أزواج رسول الله ﷺ ونصحه له: (عسى ربه إن طلقكن)، وهذه المعاني إنما ذكرها عمر عن نفسه قاصدًا بذلك- والعلم عند الله- لمعنيين: أحدهما، ليحسن ظن السامعين به لقوله: (فلا ينازعوه في حق يقوله)؛ والآخرة أن يقتدي به المؤمنون لإيثاره الحق وقوله الصواب، فإن الله تعالى يقضي بالحق ويقوله، فمن أراد أن يوافق ربه دائمًا فليكن قوله الحق وعمله الحق فإن الله سبحانه ويقول الحق، ومن ذلك قوله تعالى عن الملائكة: ﴿ماذا قال ربكم، قالو: الحق﴾، وكذلك في إشارته إلى ما أشار إليه في أسارى بدر؛ فإن الوقت كان وقت إثخان وشدة وقوة عزم في ذات الله فلذلك قال رسول الله ﷺ : (لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب).
- ٣٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الصوم هو حكم مؤقت بأول وآخر، فإذا انتهى إلى وقته زال حكمه، فإن أخر أحد إفطاره فقد أعلمه هذا الحديث أن الله غير معتد له بصيام بعد غروب الشمس؛ لأن وقت حكم الصيام قد زال، وهذا مما يكون داعيًا إلى تعجيل الفطر.
стр. 98
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا دليل على أن الليل والنهار ليسا عن الشمس وطلوعها وغروبها بل هي على النهار دليل؛ كما قال : ﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا﴾ ألا ترى إلى قوله (٣٩/ أ) ﵇: (إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس)؟
- ٣٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الأعمال بالنية- وفي رواية: بالنيات- وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)].
* الفقه في هذا الحديث كثير، وقد روي عن الشافعي أنه قال: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه.
والذي أراه: أنه يدخل في كل الفقه؛ إذ لا يقبل الله عملًا إلا بنية، حتى إن المسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه وقيامه وقعوده ونومه ويقظته على حسب نيته في ذلك، وربما يجمع الشيء الواحد عدة وجوه من العبادات بالنية كما قال موسى ﵇: ﴿هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآب أخرى﴾. وعلى هذا تبتنى أبواب العبادات والمباحات، وتعلم العلم وتعليمه، ومصاحبة الخلق وهجرانهم، وغير ذلك؛ إلا أن المسلم ينبغي
стр. 99
أن يصفي موارد نيته؛ بأن يبني أمره على أسس محرزة ناظرًا إلى قلبه بعينه؛ فإنه سريع التقلب، وإنه غير مستغن عن تكرير الحق عليه، وتأنيه به، واعتبار إيمانه، وأن ينوي في كل حركة وسكون إرادة وجه الله ، وأن ينوي حياته لله ومماته لله، كما قال سبحانه: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمي﴾ فالأمر ظاهر، وأما المحيا والممات فإني أضرب فيهما مثلًا جرى لي في مرضة كنت مرضتها، فنمت، فدفعت إلى أرض ذات ظل ممدود وما يشبه دجلة إلا أنه لا جرف له، ونسيم ذي روح، والوقت على نحو بوح ما قبل طلوع الشمس (٣٩/ ب) في الضياء، فخوطبت وأنا لا أدري من يخاطبني بما معناه: إنك مع الحق- أو نحو هذا- فباكرت على ذلك، وأعدم الخلق؛ فما رأيت أحدًا بحيث لم يبق في ظني إلا أن ليس في الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها سواي؛ لا آدمي يقبل ولا دابة ولا طائر يطير ولا غير ذلك، فبرمت حينئذ من الحياة، وجعلت أتمنى الموت حتى كنت أقول في المنام: لو كان الشرع يجيز أن يقتل الإنسان نفسه لكنت أجد ذلك الآن غنيمة، وعرضت علي الأعمال فكانت تخف حتى عرض علي مختصر كنت قد صنعته في النحو، وقد كررت نساخته بخطي مرارا كثيرة، فلم أبش به، فحينئذ فهمت المعنى؛ أي قد ثبت عندك أنك كنت تريد حياتك لأجل الخلق، وأنك تريد الآن الموت استيحاشًا لهم، وكأني فهمت ذلك معنى قوله: ﴿محياي ومماتي لله رب العالمين﴾.
- ٣٥ -
الحديث السابع عشر:
[عن عمر عن النبي ﷺ قال: الذهب بالورق ربًا، إلا
стр. 100
هاء وهاء، والبر بالبر ربًا؛ إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا، إلا هاء وهاء).
وفي لفظ: (الورق بالورق ربًا، إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء)].
* في هذا الحديث من الفقه تحريم النساء فيما يجري فيه الربا، وذلك محرم في فتوى الفقه؛ إلا أن من سر تحريم الربا في أصله أنه ليس في القروض؛ إذ المؤمن عند حجة أخيه كان يتوقع منه بمقتضى أخوته في الدين، وكرمه في الإسلام، ووعد الله سبحانه له بالخلف أنه كان يرفد أخاه بالقدر الذي أعوزه واحتاج إليه هبة ونحلة من غير أخذ عوض، وناظرًا أن ذلك من القرض الذي ينتهز والخيرات التي تغتنم، وأن يحمد الله تعالى كيف لم يكن هو السائل، وأن يشكره كيف لم يجعله هو المحتاج، فإذا لم تسم همته إلى هذا المقام؛ وهو إرفاد أخيه المسلم بما قد أعوزه ببعض ما قد أفضله (٤٠/ أ) الله في يده هو فجعله فاضلا عن حاجته، ورضي الله بأن يقرضه ذلك قرضًا يستعيد عوضه، ويسترد بدله في وقت يسار أخيه فلم يقف على هذا حتى تاجر أخاه الضعيف الفقير، وأراد أن يربح عليه ربحًا مكشوفًا ظاهرًا لا يخفى، ولا يخرجه على سبيل مبايعة في شيء كان؛ فأخذ ذلك الربح فيه سرًا، ولا يجاهر بهذا اللؤم، ولا يعلن بهذا البخل، فلذلك اشتد غضب الله فيه، ونهى عن الربا وحرم فعله على الأخذ والمعطي، وكأن لسان الحال يقول لهذا الآخذ: لا تقرب هذا اللئيم ولا تتعرض للإقراض من هذا البخيل، فإن خالفت فحالك في السوء مثل حاله، وهلا انتهزت أنت الفرصة التي فاتت، وقبلت الغنيمة التي أخطأته بأن تتوكل أنت على الله سبحانه
стр. 101
وتعالى، وتثق بما في يده سبحانه، وتعرض عن هذا اللئيم وعما تأخذه منه فإن أبيت فأنت شريكه في اللعنة؛ فهذا الأصل عندي- والله أعلم- فيما يرجع إلى الربا، وأنه إنما حرم لأنه لؤم محض وبخل صرف؛ إذ المبايعات في السلم وغيره- وإن كانت في المنافع تجري بفائدة- إنما جازت لأنها ليست هكذا مكشوفة؛ مثل أن تأخذ الدينار بدينار وقيراط، فإن الإنسان قد يبتاع الكر بدينار ونصف، وقد يجوز أن يباع الكر في وقت آخر بدينار بخلاف أخذ دينار بدينار وقيراط، فإنه لا يجوز أن يساوي الدينار دينارًا وقيراطًا من جنسه في وقت قط، وأما هذه الأجناس وهي قوله: الذهب بالورق، فإنما حرم النساء فيها لأنه كان يتوصل به إلى الربا.
وصورته: أنه لو اشترى رجل من رجل عشرين درهمًا فضة بدينار إلى شهر لكان يرى أنه قد أخذ الدينار منه بعشرين درهمًا، فحسبت الزيادة عليه لأجل تعجيله هو الانتفاع (٤٠/ ب) بالدينار، فحرم الشرع ذلك، ولم يجز فيه النساء ليكون قاطعًا للربا؛ فأما الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر نسيئة فلأن هذه الأشياء تختلف، فإذا اختلفت ولم يشاهد كل واحد منهما متاع صاحبه وقت البيع كانت معرضة لتنشأ الخصومات فيها.
- ٣٦ -
الحديث الثامن عشر:
[عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إلي عمر، فجئته حين تعالى النهار، فوجدته في بيته جالسًا على سرير، مفضيًا إلى رماله، متكئًا على وسادة من أدم، قال لي: يا مالك، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد
стр. 102
أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟
قال: خذه يا مالك. قال: فجاء يرفأ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما.
فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم.
قال مالك بين أوس: فخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك، فقال عمر: اتئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: (لا تورث، ما تركنا صدقة)؟ قالا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم الساء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة)؟. قالا: نعم. قال عمر: إن الله كان خص رسوله ﷺ بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره، فقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾.
وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فماء أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. قال: فقسم رسول الله (٤١/ أ) ﷺ أموال بني النضير، فوالله ما استأثرها عليكم، ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقته سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال- وفي رواية: ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله- ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم نشد عباسًا وعليا بمثل ما نشد به القوم؛ أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله
стр. 103
صلى الله عليه سلم قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ .
وفي رواية: فجئتما؛ تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها؟ فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ : (لا نورث، ما تركناه صدقة)، ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله ﷺ ، وولي أبو بكر، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها إلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكم، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ ، فأخذتماها بذلك. أكذلك؟ قالا: نعم، قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما! ولا والله، لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها علي.
زاد البرقاني في رواية من طريق معمر: فغلب علي عليها، فكانت بيد علي، ثم بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم وليها بنو العباس.
وفي رواية عن عمر قال: كانت أموال بني النضر مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله
стр. 104
عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة؛ وفي رواية: ويحبس لأهله قوت سنتهم (٤١/ ب)، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله ].
* في هذا الحديث من الفقه أن ما ترك رسول الله ﷺ ووصل إلى يد العباس وعلي ﵄ كان على سبيل الولاية، وليس على سبيل الوراثة، ولذلك قال عمر: (لا أقضي بينكما بغير ذلك إلى يوم القيامة).
* وفي هذا الحديث أيضًا جواز الجلوس على السرير؛ لأن الجلوس على السرير لمقدم القوم أمكن من حيث إشرافه عليهم ونظرهم له، فيمكن من كل واحد منهم؛ ولأنه قد يكون في البلاد الحارة أقرب إلى الروح وأبعد من وهج الأرض وكرتها، ولأنه أيضًا قد يحترز بها من الدبيب.
* وفيه أيضًا جواز الاتكاء على الوسادة.
* وفيه أيضًا جواز أن يكون الرجل في بيته وعليه حجاب ولا يدخل عليه أحد إلا بإذن.
* وفيه جواز إعداد النفقة لسنة لأنه قال: كان رسول الله ﷺ يأخذ من نفقته سنة.
وقول الراوي- وهو مالك بن أوس- (يخيل إلي أنهم كانوا قدموهم لذلك)؛ يعني للتوجه إلى قضاء ما قصدا له.
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه لما دخل عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد فرأوا جد عمر لم يفاتحوه؛ وهكذا ينبغي لمن أراد أن يخاطب في أمر إذا رأى من مقدمات الحال ما يستدل به على أن ليس لخطابه وجه، أن يمسك.
стр. 105
- ٣٧ -
الحديث التاسع عشر:
[من رواية أبي عثمان عبد الرحمن بن مل قال: (كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁، ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة، إنه ليس من كدك، ولا كد أبيك، ولا كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه الوسطى والسبابة، وضمهما.
وفي رواية (٤٢/ أ): جاءنا كتاب عمر أن رسول الله ﷺ قال: لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة؛ إلا هكذا- قال أبو عثمان-: بإصبعيه اللتين تليان الإبهام.
وفي رواية: أن عمر خطب بالجابية، فقال: نهى نبي الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة].
* في هذا الحديث من الفقه أن يستحب للإمام أن يديم التعهد لعماله بالتخويف من التنعم واحتجان مال المسلمين، وأن يغلط لهم في القول إشعارًا لهم بأن ما في أيديهم ليس ملكًا لهم، إنما هو للمسلمين وفي أيديهم. وإن المناسبة بين ذكر الحرير وهذا الكلام أن الذين يخاف من لبسهم الحرير والأجدر والأخلق أن يكونوا الأمراء وأتباعهم.
стр. 106
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه لا يجوز أن يستعمل من الحرير إلا من أصبعين إلى أربع.
* وفيه أنه يستحب للوالي أن يترك من المباح ما لا يتركه غيره كما ذكر من التنعم فإنه في مال هو فيه أجير وأمين، فلو تنعم من ماله وتوسع من حلاله لكان بعرضة أن يسيء الظن بنفسه فيظن أنه إنما فعل ذلك من مال المسلمين.
- ٣٨ -
الحديث العشرون:
[عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله علي وسلم؛ فقال: (لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه).
وفي رواية: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه].
* في هذا الحديث من الفقه أنه ملكه الفرس بحمله إياه عليها، وإذا حمل الإنسان على فرس في سبيل الله هكذا مطلقًا، ولم يعينه لغزوة بعينها، فإنه يملكه من يحمل عليه، ولا ينبغي أن يستعمله إلا في سبيل الله.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا تصدق الإنسان بصدقة على فقير فاحتاج الفقير إلى
стр. 107
أن يبيعها (٤٢/ ب) فلا ينبغي للمتصدق أن يشتريها، والسر في ذلك أن وضع الصدقة للطهرة لقول الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي تطهير للمتصدق في المعنى كالماء المزال به النجاسة في الصورة، فإذا أعاد ما أزال به النجاسة إلى نفسه صار كما قال ﷺ : (كالكلب يعود في قيئه) لأن القيء نجس فإذا ألقى نجاسة عنه ولكن لشره الكلب يعود ويأكل فيء نفسه، فنهى رسول الله ﷺ المؤمن أن يحمله الشره إلى أن يستعيد ما قد كان طهره وأزال عنه نجاسات ذنوبه؛ أي يعود إلى التلوث به.
- ٣٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن عمر ﵁: قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله ﷺ وصف رحمة الله تعالى لعباده كما هي؛ إذ لا خلاف في أن الله أرحم بعباده من كل والدة بولدها.
* وقوله ﷺ : أترون هذه طرحة ولدها في النار؟! يعني أن من رحمة الله لعباده إرساله الرسل، وإنزاله الكتب وتخويفه عباده بما خوفهم به؛ أنه كذلك إذا طرح في النار من يستحق ذلك في سخطه فإن رحمته على ما وصف، فينبغي
стр. 108
للعبد أن لا يستعظم في كرم الله وسعة رحمته ذنب مذنب، كما ينبغي له أن لا يأمن سطوة الله عند أيسر مخالفة. ويتفسر هذا بأنه إذا ذكر لك بعض المسرفين على أنفسهم فرأيت استحقاقهم للنار، فإن خطر لك في ذلك الوقت هذا الحديث من سعة رحمة الله تعالى التي تحظر عليك أن توجب لأحد (٤٣/ أ) من المسلمين النار فذلك في موضعه، كما أنه إذا بلغك عن بعض المجتهدين شدة عبادة فرجوت له رجاء قطعت به مع كونه لا يؤمن عليه زلة قدم في بعض مقاماته من سوء أدب أو نوع إدلال أو خاطر عجب فتهدم أعماله، فعلمت حينئذ أن الرجاء والخوف لا يزايلان أحدًا على الإطلاق حتى يزايل الدنيا.
- ٤٠ -
الحديث الثاني والعشرون:
[من رواية طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: فأي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فهي، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات، في يوم الجمعة].
* في هذا الحديث من الفقه التنبيه على ما أنعم الله سبحانه في هذه الآية على أمة محمد ﷺ من قوله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾.
стр. 109
* وفيه أيضًا أن قول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ دليل على أن الدين أكمله الله في زمان محمد ﷺ ، فهو غير محتاج إلى أن يتم أو يحدث فيه شيء لم يكن، أو يذكر فيه شيء لم يعرف؛ ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهذا يستدل منه أن إتمام النعمة إنما تستتب بدخول الجنة إن شاء الله لأنه لم يقل: اليوم أنعمت عليكم، فكان يكون توقع لتمام فيما بعد؛ ولكن إنما قال: (أتممت)، فدل بهذا القول على أنه قد كانت نعمة موجودة فأتمها التمام الذي لا يحتمل أن يزاد فوقه شيء آخر، وهذا لا يتم إلا بدخول الجنة، فإنها لبشرى عظيمة، وهذا اليهود وإن كان عدوًا فلقد نبه على كنز عظيم إلا أنه من حسده عليه انتبه له (٤٣/ ب). وقوله سبحانه: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ فإن الرضا بمنزلة فوق الاختيار، وهذا موسى ﵇ يقول له الله : ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ فقال: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ وهذه الآية فسرت في أول قدم من رضى الله بما تعجل موسى لأجله. ومن شرف هذه الآية خصت بأن نزلت في يوم جمعة ونزلت بعرفات، وذلك اليوم يوم الجمعة وهو يوم عرفة.
- ٤١ -
الحديث الثالث والعشرون:
[من رواية أبي عبيد سعد بن عبيد عن عمر وعلي مسندًا، أو عن عثمان موقوفًا: (أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يأيها الناس، إن رسول الله ﷺ نهاكم عن صيام هذين العيدين.
وقال بعضهم: اليومين، الفطر والأضحى. أما أحدهما: فيوم فطركم
стр. 110
من صيامكم. وأما الآخر: فيوم تأكلون فيه من نسككم.
قال أبو عبيد: ثم شهدته مع عثمان بن عفان، فصلى قبل أن يخطب، فكان ذلك يوم جمعة، فقال لأهل العوالي: من أحب أن ينتظر الجمعة فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى أهله فقد أذنا له.
ثم شهدته مع علي: فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: إن رسول الله ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا من لحوم نسككم فوق ثلاث].
* فيه من الفقه بعد الذي انتدب لذكره الفقهاء أنه إنما لا يدخر من الأضاحي فوق ثلاث لما في ذلك من التوفير على الفقراء.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا اتفقت الجمعة في يوم عيد كان مخيرًا بين حضور الجمعة أو صلاته ظهرًا في بيته. وهذه المسألة تفرد بها أحمد بن حنبل ﵁ عملًا بهذا الحديث.
- ٤٢ -
الحديث الرابع والعشرون:
[من رواية عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك (٤٤/ أ) ماقبلتك).
وفي رواية: (رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًا)].
следующие страницы →