Полный текст (86 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مَنْهَج الأشاعرة فِي العقيدة
تعقيب على مقالات الصَّابُونِي
للشَّيْخ سفر بن عبد الرَّحْمَن الْوَالِي
محَاضِر بكلية الدعْوَة وأصول الدّين
стр. 2
تعقيب على مقالات عَليّ الصَّابُونِي
الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من لَا نَبِي بعده. وَبعد:
فقد اطَّلَعت على مَا نشرته مجلة (الْمُجْتَمع) فِي الْأَعْدَاد من رقم ٦٢٧ - ٦٣٢، والمقابلة السَّابِقَة لَهَا وَكَذَلِكَ المقالتان المتضادتان فِي الْعدَد ٦٤٦ مِمَّا كتبه الشَّيْخَانِ الفوزان والصابوني عَن مَذْهَب الأشاعرة.
وَإِذا كَانَ من حق أَي قَارِئ مُسلم أَن يهتم بالموضوع وَأَن يُدْلِي بِرَأْيهِ إِن كَانَ لَدَيْهِ جَدِيد، فَكيف بِمن هُوَ متخصص فِي هَذَا الْمَوْضُوع مثلي؟.
فالأشاعرة جُزْء من مَوْضُوع رسالتي للدكتوراه "ظَاهِرَة الإرجاء فِي الْفِكر الإسلامي" إِذْ هِيَ أكبر فرق المرجئة الغلاة. وَلنْ أستعجل نتائج بحثي وَلَكِن حسبي أَن أدّعي
стр. 3
دَعْوَى وأطرحها للمناقشة وَأَقْبل بِكُل سرُور من يُدْلِي بوجهة نظره فِيهَا.
فَمن وَاقع إسلامي وتخصصي رَأَيْت أَن أَقُول كلمة عَسى الله أَن ينفع بهَا، - وَيعلم الله أنني لَو لم أشعر أَن قَوْلهَا وَاجِب ضَرُورِيّ لما سطرتها - وَلَكِن الْمَوْضُوع أكبر من أَن يسكت عَلَيْهِ أَو يجامل فِيهِ.
ولي على كلا الشَّيْخَيْنِ ملاحظات:
(١) أما الصَّابُونِي فَلَا يؤسفني أَن أَقُول: إِن مَا كتبه عَن عقيدة السّلف والأشاعرة يفْتَقر إِلَى أساسيات بدائية لكل باحث فِي العقيدة, كَمَا أَن أسلوبه بعيد كثيرا عَن الْمنْهَج العلمي الموثق, وَعَن الأسلوب المتعقل الرصين.
وَقد استبشرت بِالْبَيَانِ الْأَخير خيرا وحسبته بَيَان رُجُوع وَبَرَاءَة فَإِذا هُوَ بَيَان إِصْرَار وتوكيد.
ونظراً لكَونه لَيْسَ إِلَّا جُزْءا من تيار بدعيٍّ يُرَاد لَهُ اكتساح الْأمة. ونظراً لتعرضه لقضايا بَالِغَة الخطورة تحْتَاج إِلَى بحث مستفيض لَا تسعه المقالات الصحفية فَسَوف
стр. 4
أرجئ الْكَلَام عَنهُ إِلَى حِين يَتَيَسَّر لي بِإِذن الله إِخْرَاج الرَّد فِي الصُّورَة الَّتِي أَرَاهَا.
وَليكن مَعْلُوما أَن هَذَا الرَّد الْمَوْعُود لَيْسَ مَقْصُودا بِهِ الصَّابُونِي وَلَا غَيره من الْأَشْخَاص, فَالْمَسْأَلَة أكبر من ذَلِك وأخطر، إِنَّهَا مَسْأَلَة مَذْهَب بدعي لَهُ وجوده الواقعي الضخم فِي الْفِكر الإسلامي حَيْثُ تمتلئ بِهِ كثير من كتب التَّفْسِير وشروح الحَدِيث وَكتب اللُّغَة والبلاغة وَالْأُصُول فضلا عَن كتب العقائد والفكر، كَمَا أَن لَهُ جامعاته الْكُبْرَى ومعاهده المنتشرة فِي أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام من الفلبين إِلَى السنغال.
وَقد ظَهرت فِي الآونة الْأَخِيرَة محاولات ضخمة متواصلة لترميمه وتحديثه تشرف عَلَيْهَا هيئات رسمية كبرى ويغذوها المستشرقون بِمَا ينبشونه من تراثه وَيخرجُونَ من مخطوطاته.
وَلِهَذَا وَجب على كل قَادر أَن يبين لأمته الْحق وَينْصَح لَهَا مهما لَقِي, فإنّ مِمَّا كَانَ يُبَايع عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ أَصْحَابه النصح لكل مُسلم وَأَن يَقُولُوا الْحق لَا تأخذهم فِيهِ لومة لائم.
стр. 5
أما فَضِيلَة الشَّيْخ الفوزان فقد أحسن إِلَى (الْمُجْتَمع) وقرَّائها بِتِلْكَ الْمقَالة الْقيمَة، فقد عرض فِيهَا - على قصرهَا - حقائق أصولية مركزة فِي أسلوب علمي رصين.
وَله الْعذر كل الْعذر؛ إِذا لم يسْتَوْف الرَّد على الصَّابُونِي وَبَيَان التناقضات الَّتِي هِيَ سمة من سمات الْمنْهَج الْأَشْعَرِيّ نَفسه؛ لِأَن الْمَوْضُوع أكبر من أَن تحيط بِهِ مقَالَة صحفية.
وَلِهَذَا رَأَيْت من واجبي أَن أضيف إِلَى مَا كتبه فضيلته مستدركاً مَا لا يجوز تَأْجِيله إِلَى ظُهُور الرَّد المتكامل:-
أَولا: فَاتَ فضيلته أَن يرد على الصَّابُونِي فِيمَا عزاهُ إِلَى شيخ الْإِسْلَام - مكرراً إِيَّاه - من قَوْله: "الأشعرية أنصار أصُول الدّين, وَالْعُلَمَاء أنصار فروع الدّين ".
وَلَعَلَّ الشَّيْخ وثق فِي نقل الصَّابُونِي, مَعَ أَن الصَّابُونِي - على مَا أرجح - أول من يعلم بطلَان نِسْبَة هَذَا الْكَلَام لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، ولغة الْعبارَة نَفسهَا لَيست من أسلوب شيخ الْإِسْلَام، والغريب حَقًا أَنه أعَاد هَذَا الْعزو فِي بَيَانه الْأَخير بِالْعدَدِ ٦٤٦ مؤكداً إصراره على التمويه والتدليس.
стр. 6
وَأَنا أطلب من كل قَارِئ أَن يُرَاجع النَّص فِي ج٤ ص ١٦ من مَجْمُوع الْفَتَاوَى ليجد بِنَفسِهِ قبل تِلْكَ الْعبارَة نَفسهَا كلمة (قَالَ) فَالْكَلَام محكي مَنْقُول وقائله هُوَ الْمَذْكُور فِي أول الْكَلَام - آخر سطر من ص ١٥ - حَيْثُ يَقُول شيخ الْإِسْلَام:
"وَكَذَلِكَ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْفَقِيه أبي مُحَمَّد فَتْوَى طَوِيلَة ... قَالَ فِيهَا: " إِلَى أَن يَقُول:
"قَالَ: وَأما لعن الْعلمَاء الْأَئِمَّة الأشعرية فَمن لعنهم عزّر وعادت اللَّعْنَة عَلَيْهِ ... وَالْعُلَمَاء أنصار فروع الدّين والأشعرية أنصار أصُول الدّين.
"قَالَ: وَأما دُخُولهمْ النَّار ... " الخ
وفى آخر هَذِه الْفَتْوَى نَفسهَا يَقُول شيخ الْإِسْلَام (ص ١٥٨ - (١٥٩) ، وَانْظُر أَيْضا ١٥٦). "وَأَيْضًا فَيُقَال هَؤُلَاءِ الْجَهْمِية الكلامية كصاحب هَذَا الْكَلَام أبي مُحَمَّد وَأَمْثَاله كَيفَ تدعون طَريقَة السّلف وَغَايَة مَا عِنْد السّلف أَن يَكُونُوا متابعين لرَسُول الله ﷺ ؟).
стр. 7
إِلَى أَن يَقُول "وَأَبُو مُحَمَّد وَأَمْثَاله قد سلكوا مَسْلَك الْمَلَاحِدَة الَّذين يَقُولُونَ إِن الرَّسُول لم يبيّن الْحق فِي بَاب التَّوْحِيد" (١) . الخ.
وَبِهَذَا يَتَّضِح قطعا:
أ- أَن الْعبارَة الْمَذْكُورَة لَيست من قَول شيخ الْإِسْلَام بل قَائِلهَا أشعري يمدح مذْهبه (٢) .
ب- أَن شيخ الْإِسْلَام نسب هَذَا الْقَائِل ومذهبه إِلَى الْجَهْمِية الْكلابِيَّة وَاتِّبَاع طَريقَة الْمَلَاحِدَة وَأنكر عَلَيْهِم ادِّعَاء طَريقَة السّلف وَهَذَا ينفى مَا حاول الصَّابُونِي تدليسه فِي مقالاته السِّت تَمامًا.
وبالمناسبة أذكر بعض مَا يحضرني من الْكتب الَّتِي ألفها شيخ الْإِسْلَام فِي الرَّد على الأشاعرة نصا غير الَّتِي رد الحواشي
(١) وَانْظُر أَيْضا ص ١٥٦من الْجُزْء نَفسه. وَهَذَا الْكَلَام الْمَنْقُول من ص ١٥٨ لابد أَن الصَّابُونِي قَرَأَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتشْهد بِكَلَام بعده فِي ص ١٦٧ من الْفَتْوَى.(٢) قَائِلهَا هُوَ أَبُو مُحَمَّد الجوينى وَالِد أَبُو الْمَعَالِي (توفى٤٤٠) وَقد رَجَعَ فِي آخر عمره إِلَى عقيدة السّلف وَشهد لَهُ بذلك شيخ الْإِسْلَام فِي مَوَاضِع، وَكتب فِي تَوْبَته "النَّصِيحَة" المطبوعة مَعَ الْمَجْمُوعَة المنيرية وطبعها الْمكتب الإسلامي معزوة إِلَى ابْن شيخ الحزاميين وَهُوَ خطأ. ومناسبة فتواه هَذِه هِيَ صُدُور مراسيم سلطانية بلعن أَصْحَاب الْبدع - وَمِنْهُم االأشاعرة - على المنابر، انْظُر المنتظم لِابْنِ الْجَوْزِيّ حوادث سنة ٤٣٣ وَمَا بعْدهَا.стр. 8
عَلَيْهِم فِيهَا مَعَ غَيرهم:-
١ - دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل وَهُوَ كُله رد عَلَيْهِم بِالْأَصَالَةِ كَمَا نَص فِي مقدمته, حَيْثُ استفتحه بِذكر قانونهم الْكُلِّي الْآتِي فِي ص (١٢) .
٢ - بَيَان تلبيس الْجَهْمِية الْمُسَمّى نقض التأسيس، رد فِيهِ على إمَامهمْ الثَّانِي "الْفَخر الرَّازِيّ", صَاحب تأسيس التَّقْدِيس أَو أساس التَّقْدِيس.
٣ - التسعينية وَهِي الَّتِي كتبهَا فِي الْأَشْهر الْأَخِيرَة من حَيَاته ﵀ جَوَابا عَن محاكمة الأشاعرة لَهُ (١) .
٤ - شرح العقيدة الأصفهانية وهى شرح لعقيدة الشَّمْس الْأَصْفَهَانِي الَّتِي جرى فِيهَا على أصُول الأشاعرة.
٥ - الْفَتْوَى الحموية: مَعْرُوفَة.
٦ - الرسَالَة المدنية: وهى فِي الْجُزْء (٦) من مَجْمُوع الْفَتَاوَى.
٧ - النبوات: وَهُوَ نقض لكَلَام الباقلاني خَاصَّة والأشاعرة عَامَّة فِي النبوات. الحواشي
(١) وَهِي أول رِسَالَة فِي المجلد الْخَامِس من الفتاوي الْكُبْرَى (الطبعة الطَّوِيلَة) وَهِي تَشْمَل الْجُزْء الْخَامِس كُله من الطبعة الَّتِي قدم لَهَا مخلوف، وَسمعت أَنَّهَا تحقق بجامعة الإِمَام عَام وهى جديرة بالعناية.стр. 9
٨ - الْإِيمَان: وَهُوَ نقد للأشاعرة فِي الْإِيمَان وَذكر بَقِيَّة المرجئة تبعا.
٩ - الْقَاعِدَة المراكشية: وهى كالبيان لمَذْهَب الإِمَام مَالك وأئمة الْمَالِكِيَّة فِي العقيدة ضد الْمُتَأَخِّرين من مالكية المغاربة المائلين إِلَى مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ، وهى فِي الْجُزْء الْخَامِس من مَجْمُوع الْفَتَاوَى وطبعت مُحَققَة.
١٥ - المناظرة فِي العقيدة الواسطية: ألفها فِي محاكمة الأشاعرة لَهُ بِسَبَب الواسطية وَهِي فِي الْجُزْء الثَّالِث من مَجْمُوع الْفَتَاوَى.
١١ - الاسْتقَامَة: كتبه نقضا لكتاب الْقشيرِي الصُّوفِي الْأَشْعَرِيّ وَبَين فِيهِ أَن عقيدة أَئِمَّة السلوك المعتبرين هِيَ مَذْهَب السّلف وَأَن بداية الانحراف فِي العقيدة عِنْد المنتسبين للتصوف فِي الْجُمْلَة إِنَّمَا جَاءَت مُتَأَخِّرَة فِي أَوَائِل الْقرن الْخَامِس حِين انْتَشَر مَذْهَب الأشعرى.
ولتلميذه ابْن الْقيم- ﵀ فِي الرَّد على الأشاعرة كتب مِنْهَا:-
١_ مُخْتَصر الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة ناقش فِيهِ أصولهم وَمِنْهَا موقفهم من النُّصُوص.
٢_ شِفَاء العليل: معظمه عَنْهُم.
٣_ العقيدة النونية: معظمها عَنْهُم.
стр. 10
٤ - إجتماع الجيوش الإِسلامية: كُله رد على مَذْهَبهم خُصُوصا فِي نفي الْعُلُوّ.
هَذَا
وَلم يصدر من شيخ الْإِسْلَام مدح مُطلق للأشاعرة أبدا وَإِنَّمَا غَايَة مدحه لَهُم (كَمَا فِي ج (١٢) من الْفَتَاوَى) أَن يصفهم بِأَنَّهُم أقرب من غَيرهم وَأَن مَذْهَبهم مركب من الْوَحْي والفلسفة, أَو يمدح المشتغلين مِنْهُم بِالْحَدِيثِ لَا لكَوْنهم أشاعرة وَلَكِن لاشتغالهم بِالسنةِ مَعَ سُؤال الْمَغْفِرَة لَهُم فِيمَا وافقوا فِيهِ متكلمي مَذْهَبهم. لَكِن هَذَا أقل بِكَثِير من الْمَوَاضِع الَّتِي صرح فِيهَا بتبديعهم وتضليلبهم، وَفَسَاد منهجهم فَهِيَ أَكثر من أَن تحصر. كَمَا أَنه حدد- ﵀ مَتى يعد المنتسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ من أهل السّنة فَقَالَ:
"أما من قَالَ مِنْهُم بِكِتَاب الْإِبَانَة الَّذِي صنفه الْأَشْعَرِيّ فِي آخر عمره وَلم يظْهر مقَالَة تنَاقض ذَلِك فَهَذَا يعد من أهل السنَة، لَكِن مُجَرّد الانتساب إِلَى الْأَشْعَرِيّ بِدعَة لاسيما لِأَنَّهُ بذلك يُوهم حسنا لكل من انتسب هَذِه النِّسْبَة وينفتح بذلك أَبْوَاب شَرّ" (١) ... أَي أَن من كَانَ على عقيدة السّلف مِنْهُم لَا يَنْبَغِي لَهُ الانتساب للأشعري لِأَنَّهُ بِدعَة ومذمة. الحواشي
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَى: ٦/ ٣٥٩.стр. 11
ثَانِيًا: أحسن الشَّيْخ فِي مُطَالبَة الصَّابُونِي بِأَيّ دَلِيل صَحِيح على مَسْأَلَة تَكْفِير الأشاعرة، ويضاف إِلَى كَلَام فضيلته:
إِن الْحَاصِل فعلا هُوَ الْعَكْس فالأشاعرة هم الَّذين كفّروا وَلَا يزالون يكفّرون أَتبَاع السّلف بل كفّروا كل من قَالَ: "إِن الله تَعَالَى مَوْصُوف بالعلو"- كَمَا سَيَأْتِي هُنَا - وحسبك تكفيرهم واضطهادهم لشيخ الْإِسْلَام وَهُوَ مَا لم يَفْعَله أهل السّنة بعالم أشعري قطّ. وَقد سطر- ﵀ بعض جَوْرهمْ عَلَيْهِ فِي أول التسعينية وَصرح بِهِ كل من كتب عَن سيرته. وَلَوْلَا الإطالة لأوردت بعض مَا تصرح بِهِ كتب عقيدتهم من اتهامه بالزندقة وَالْكفْر والضلال. وَمن الْأَمْثِلَة المعاصرة كتب الكوثري ومقالاته وَكتاب "بَرَاءَة الْأَشْعَرِيين" وَكتاب "ابْن تَيْمِية لَيْسَ سلفياً" وَبَعض مَا فِي كتاب "أَرْكَان الْإِيمَان" (١) الحواشي
(١) وَانْظُر عَن القدامى: الرَّد الوافر على من زعم أَن ابْن تَيْمِية شيح الْإِسْلَام كَافِر، وَكتاب الحصني: دفع شُبْهَة من شبّه وتمرّد. وللعلم فبعض هَذِه الْكتب المعاصرة باسم مستعار، وَمِمَّنْ اعْترف بموقفهم من شيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ مُحَمَّد أَبُو زهرَة فِي كِتَابه ابْن تَيْمِية (ص ٥٦) , وَمن ذَلِك قَول صَاحب حَوَاشِي على شرح الْكُبْرَى للسنوسي قَوْله:" ابْن تَيْمِية ... أَي الْحَنْبَلِيّ الْمَشْهُور زنديق وبغضه للدّين وَأَهله لَا يخفى" (ص ٦٢) وَانْظُر فِي كتاب وهبى غاوجبى أَرْكَان الْإِيمَان (ص ٢٩٧ ـ ٢٩٩).стр. 12
فيا عجبا لهَؤُلَاء الْقَوْم يكفّرونه ثمَّ يدّعون أَنهم وإياه على مَذْهَب وَاحِد ويشملهم جَمِيعًا اسْم "السّنة وَالْجَمَاعَة"!! , وَإِذا كَانَت كتب الأشاعرة تتبرأ من "الحشوية والمجسمة والنابتة" وَغير ذَلِك مِمَّا يلقبون بِهِ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَكيف يكونُونَ وهم سَوَاء!!.
ثَالِثا: كَانَ بودي أَن يفصّل الشَّيْخ معنى مصطلح أهل السّنة وَدخُول الأشاعرة فِيهِ أَو عَدمه, وَهِي الَّتِي يدندن حولهَا الصَّابُونِي، وَأَنا أوجزه جدا فَأَقُول:
إِن مصطلح أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَعْنيانِ:
أ_ الْمَعْنى الْأَعَمّ: وَهُوَ مَا يُقَابل الشِّيعَة فَيُقَال: "المنتسبون لِلْإِسْلَامِ قِسْمَانِ: أهل السّنة والشيعة"، مِثْلَمَا عنون شيخ الْإِسْلَام كِتَابه فِي الرَّد على الرافضي "منهاج السّنة", وَفِيه بيّن هذَيْن الْمَعْنيين (١) وَصرح أَن مَا ذهبت إِلَيْهِ الطوائف المبتدعة من أهل السّنة بِالْمَعْنَى الْأَخَص. الحواشي
(١) ج ٢ ص ١٦٣ تَحْقِيق مُحَمَّد رشاد سَالم.стр. 13
وَهَذَا الْمَعْنى يدْخل فِيهِ كل من سوى الشِّيعَة كالأشاعرة, لاسيما والأشاعرة فِيمَا يتَعَلَّق بموضوع الصَّحَابَة وَالْخُلَفَاء متفقون مَعَ أهل السّنة وهى نقطة الِاتِّفَاق المنهجية الوحيدة كَمَا سَيَأْتِي.
ب_ الْمَعْنى الْأَخَص: وَهُوَ مَا يُقَابل المبتدعة وَأهل الْأَهْوَاء وَهُوَ الْأَكْثَر اسْتِعْمَالا وَعَلِيهِ كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِذا قَالُوا عَن الرجل أَنه صَاحب سنة أَو كَانَ سنياً أومن أهل السّنة وَنَحْوهَا فَالْمُرَاد أَنه لَيْسَ من إِحْدَى الطوائف البدعية كالخوارج والمعتزلة والشيعة وَلَيْسَ صَاحب كَلَام وَهوى.
وَهَذَا الْمَعْنى لَا يدْخل فِيهِ الأشاعرة أبدا بل هم خارجون عَنهُ, وَقد نَص الإِمَام أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ على أَن من خَاضَ فِي شَيْء من علم الْكَلَام لَا يعْتَبر من أهل السّنة وَإِن أصَاب بِكَلَامِهِ السّنة حَتَّى يدع الجدلي وَيسلم للنصوص، فَلم يشترطوا مُوَافقَة السّنة فَحسب بل التلقي والاستمداد مِنْهَا (١) فَمن تلقى من السّنة فَهُوَ من أَهلهَا وَإِن أَخطَأ, وَمن تلقى من غَيرهَا فقد أَخطَأ وَإِن وافقها فِي النتيجة. الحواشي
(١) انْظُر شرح أصُول اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، اللالكائي، تَحْقِيق الْأَخ أَحْمد بن سعد بن حمدَان ١/ ١٥٧ - ١٦٥.стр. 14
والأشاعرة- كَمَا سترى - تلقوا وَاسْتَمَدُّوا من غير السّنة وَلم يوافقوها فِي النتائج فَكيف يكون من أَهلهَا.
وسنأتي بحكمهم عِنْد أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من الْفُقَهَاء فَمَا بالك بأئمة الْجرْح وَالتَّعْدِيل من أَصْحَاب الحَدِيث:-
ا- عِنْد الْمَالِكِيَّة:
روى حَافظ الْمغرب وَعلمهَا الْفَذ ابْن عبد الْبر بِسَنَدِهِ عَن فَقِيه الْمَالِكِيَّة بالمشرق ابْن
خويز منداذ أَنه قَالَ فِي كتاب الشَّهَادَات شرحاً لقَوْل مَالك: "لَا تجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء"، وَقَالَ:
"أهل الْأَهْوَاء عِنْد مَالك وَسَائِر أَصْحَابنَا هم أهل الْكَلَام, فَكل مُتَكَلم فَهُوَ من أهل الْأَهْوَاء والبدع أشعرياً كَانَ أَو غير أشعري, وَلَا تقبل لَهُ شَهَادَة فِي الْإِسْلَام أبدا ويهجر ويؤدب على بدعته فَإِن تَمَادى عَلَيْهَا استتيب مِنْهَا" (١) .
وروى ابْن عبد الْبر نَفسه فِي "الانتقاء" عَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة "مَالك وأبى حنيفَة وَالشَّافِعِيّ" نهيهم عَن الْكَلَام وزجر الحواشي
(١) جَامع بَيَان الْعلم وفضله ١٧/ ١٢ تَحْقِيق عُثْمَان مُحَمَّد عُثْمَان، وَهُوَ فِي ٢/ ٩٦ سنّ الطبعة المنيرية.стр. 15
أَصْحَابه وتبديعهم وتعزيرهم, وَمثله ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية فَمَاذَا يكون الأشاعرة إِن لم يَكُونُوا أَصْحَاب كَلَام؟.
٢ - عِنْد الشَّافِعِيَّة:
قَالَ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج الملقب بالشافعي الثَّانِي وَقد كَانَ معاصرا للأشعري: "لَا نقُول بِتَأْوِيل الْمُعْتَزلَة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة بل نقبلها بِلَا تَأْوِيل, ونؤمن بهَا بِلَا تَمْثِيل" (١) .
قَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الكرجى من عُلَمَاء الْقرن الْخَامِس الشَّافِعِيَّة مَا نَصه: "لم يزل الْأَئِمَّة الشَّافِعِيَّة يأنفون ويستنكفون أَن ينسبوا إِلَى الْأَشْعَرِيّ ويتبرَّءون مِمَّا بنى الْأَشْعَرِيّ مذْهبه عَلَيْهِ وَينْهَوْنَ أَصْحَابهم وأحبابهم عَن الحوم حواليه على مَا سَمِعت من عدَّة من الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة، وَضرب مِثَالا بشيخ الشَّافِعِيَّة فِي عصره الإِمَام أَبُو حَامِد الاسفرائيني الملقب "الشَّافِعِي الثَّالِث" قَائِلا: الحواشي
(١) توفّي ابْن سُرَيج سنة ٣٠٦, انْظُر تَارِيخ بَغْدَاد ٤/ ٢٩٠, وسير أَعْلَام النبلاء١٤/ ٢٠١, وَالظَّاهِر أَنه توفّي قبل رُجُوع الْأَشْعَرِيّ لمَذْهَب السّلف، والأشعري توفّي ٣٢٤ أَو ٣٣٠ على قَوْلَيْنِ. وَانْظُر عقيدة ابْن سُرَيج فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية ٦٢.стр. 16
"وَمَعْلُوم شدَّة الشَّيْخ على أَصْحَاب الْكَلَام حَتَّى ميز أصُول فقه الشَّافِعِي من أُصُوله الْأَشْعَرِيّ، وعلق عَنهُ أَبُو بكر الراذقاني وَهُوَ عِنْدِي، وَبِه اقْتدى الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي كِتَابيه اللمع والتبصرة حَتَّى لَو وَافق قَول الْأَشْعَرِيّ وَجها لِأَصْحَابِنَا ميزّه وَقَالَ: "هُوَ قَول بعض أَصْحَابنَا وَبِه قَالَت الأشعرية وَلم يعدهم من أَصْحَاب الشَّافِعِي، استنكفوا مِنْهُم وَمن مَذْهَبهم فِي أصُول الْفِقْه فضلا عَن أصُول الدّين" (١) اهـ.
وَبِنَحْوِ قَوْله بل أَشد مِنْهُ قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْهَرَوِيّ الْأنْصَارِيّ (٢) .
٣ - الْحَنَفِيَّة: مَعْلُوم أَن وَاضع الطحاوية وشارحها كِلَاهُمَا حنفيان، وَكَانَ الإِمَام الطَّحَاوِيّ معاصراً للأشعري الحواشي
(١) التسعينية: ٢٣٨ - ٢٣٩ وَانْظُر شرح الأصفهانية: ٣١ من ج ٥ من الْفَتَاوَى الْكُبْرَى نَفسهَا, وَانْظُر عَن الكرجي وعقيدته: إجتماع الجيوش الإسلامية ومختصر الْعُلُوّ, وَله تَرْجَمَة فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة لِابْنِ السُّبْكِيّ وطبقات الشَّافِعِيَّة لِابْنِ كثير.(٢) يُلَاحظ أَن كلا من الشَّافِعِيَّة والحنابلة يدّعى الْهَرَوِيّ لمذهبهم, ورجّح شيخ الْإِسْلَام أَنه يَأْخُذ من كليهمَا وَيتبع الْأَثر. انْظُر (شيخ الْإِسْلَام عبد الله الْهَرَوِيّ ص٩٦) , وَقَوله فيهم نَقله فِي التسعينية: ٢٧٧ عَن كتاب ذمّ الْكَلَام وَهُوَ يُحَقّق بجامعة الإِمَام كَمَا قَرَأت. وَانْظُر أَيْضا عَن موقف الشَّافِعِيَّة دَرْء التَّعَارُض ٢/ ١٠٦.стр. 17
وَكتب هَذِه العقيدة لبَيَان مُعْتَقد الإِمَام أبي حنيفَة وَأَصْحَابه, وَهِي مشابهة لما فِي الْفِقْه الْأَكْبَر عَنهُ, وَقد نقلوا عَن الإِمَام أَنه صرح بِكفْر من قَالَ: "إِن الله لَيْسَ على الْعَرْش" أَو توقف فِيهِ، وتلميذه أَبُو يُوسُف كفّر بِشراً المرِيسي، وَمَعْلُوم أَن الأشاعرة ينفون الْعُلُوّ وَيُنْكِرُونَ كَونه تَعَالَى على الْعَرْش, وَمَعْلُوم أَيْضا أَن أصولهم مستمدة من بشر المريسي!! (١) .
٤ - الْحَنَابِلَة: موقف الْحَنَابِلَة من الأشاعرة أشهر من أَن يذكر فمنذ بدّع الإِمَام أَحْمد (ابْن كلاب) وَأمر بهجره - وَهُوَ المؤسس الْحَقِيقِيّ للْمَذْهَب الْأَشْعَرِيّ- لم يزل الحناَبلة مَعَهم فِي معركة طَوِيلَة، وَحَتَّى فِي أَيَّام دولة نظام الْملك- الَّتِي استطالوا فِيهَا - وَبعدهَا كَانَ الْحَنَابِلَة يخرجُون من بَغْدَاد كل واعظ يخلِّط قصصه بِشَيْء من مَذْهَب الأشاعرة، وَلم يكن ابْن الْقشيرِي إِلَّا وَاحِدًا مِمَّن تعرض لذَلِك، وبسبب انتشار مَذْهَبهم وَإِجْمَاع عُلَمَاء الدولة سِيمَا الْحَنَابِلَة على محاربته أصدر الْخَلِيفَة الْقَادِر منشور (الِاعْتِقَاد القادري) أوضح فِيهِ العقيدة الْوَاجِب على الْأمة اعتقادها الحواشي
(١) انْظُر غير مَا ذكر سير أَعْلَام النبلاء تَرْجَمَة بشر ١٠/ ٢٠٠ - ٢٠١، والحموية: ١٤ - ١٥ طبعة قصى الْخَطِيب.стр. 18
سنة ٤٣٣ هـ (١)
وكذلك يفعل أتباعهم في عصرنا هذا بمليء خطبهم الحماسية أو مواعظهم وقصصهم وما يسمونه
بالكتب الفكرية لثقة قرائهم- من الشباب المتحمس-العمياء بهم ولجهل أكثر هؤلاء الشباب بعقيدتهم الصحيحة التي كان عليها سلفهم الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
هَذَا وَلَيْسَ ذمّ الأشاعرة وتبديعهم خَاص بأئمة الْمذَاهب المعتبرين بل هُوَ مَنْقُول أَيْضا عَن أَئِمَّة السلوك الَّذين كَانُوا أقرب إِلَى السّنة وَاتِّبَاع السّلف، فقد نقل شيخ الْإِسْلَام فِي الاسْتقَامَة كثيرا من أَقْوَالهم فِي ذَلِك وَأَنَّهُمْ يعتبرون مُوَافقَة عقيدة الأشعرية منافيا لسلوك طَرِيق الْولَايَة والاستقامة حَتَّى أَن عبد الْقَادِر الجيلاني، لما سُئِلَ "هَل كَانَ لله ولي على غير اعْتِقَاد أَحْمد بن حَنْبَل؟. قَالَ: مَا كَانَ وَلَا يكون" (٢) .
فَهَذَا موجز مُخْتَصر جدا لحكم الأشاعرة فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة, فَمَا ظَنك بِحكم رجال الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِمَّن يعلم أَن الحواشي
(١) انْظُر المنتظم لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَحْدَاث سنة: ٤٣٣، ٤٦٩، ٤٧٥، وَغَيرهَا ج٨ وَج٩.(٢) ص٨١ - ٨٩ و١٠٥ ـ ١٠٩.стр. 19
مَذْهَب الأشاعرة هُوَ رد خبر الْآحَاد جملَة وأنّ فِي الصَّحِيحَيْنِ
أَحَادِيث مَوْضُوعَة أدخلها الزَّنَادِقَة ... وَغَيرهَا من الْعَوام, وَانْظُر إِن شِئْت تَرْجَمَة إمَامهمْ الْمُتَأَخر الْفَخر الرَّازِيّ فِي الْمِيزَان ولسان الْمِيزَان.
فَالْحكم الصَّحِيح فِي الأشاعرة أَنهم من أهل الْقبْلَة لاشك فِي ذَلِك, أما أَنهم من أهل السّنة فَلَا, وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِك فِي الموضوعات التالية:
وَهَاهُنَا حَقِيقَة كبرى أثبتها عُلَمَاء الأشعرية الْكِبَار بِأَنْفسِهِم -كالجويني وَابْنه أبي الْمَعَالِي والرازي وَالْغَزالِيّ وَغَيرهم- وَهِي حَقِيقَة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إِلَى مَذْهَب السّلف، وَكتب الأشعرية المتعصبة مثل طَبَقَات الشَّافِعِيَّة أوردت ذَلِك فِي تراجمهم أَو بعضه فِي دلَالَة ذَلِك؟.
إِذا كَانُوا من أصلهم على عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَعَن أَي شئ رجعُوا؟ ولماذا رجعُوا؟ وَإِلَى أيّ عقيدة رجعُوا؟.
رَابِعا: دَعْوَى الأشاعرة أَن أَكثر أَئِمَّة الْمُسلمين على مَذْهَبهم دَعْوَى عَارِية عَن الدَّلِيل يكذبها الْوَاقِع التاريخي، وَكتب الأشاعرة نَفسهَا عِنْد تَعْرِيف مذهبي السّلف وَالْخلف
стр. 20
تَقول: "إِن مَذْهَب السّلف هُوَ مَذْهَب الْقُرُون الثَّلَاثَة", وَبَعضهَا يَقُول: "إِنَّه مَذْهَب الْقُرُون الْخَمْسَة" (١) , فَمَاذَا بَقِي بعد هَذِه الْقُرُون؟
وَصَدقُوا فالثابت تاريخيا أَن مَذْهَب الأشاعرة لم ينتشر إِلَّا فِي الْقرن الْخَامِس إِثْر انتشار كتب الباقلاني (٢) .
وَلَوْلَا ضيق المجال لسردت قَائِمَة متوازنة أذكر فِيهَا كبار الأشاعرة وَمن عاصرهم من كبار أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذين يفوقون أُولَئِكَ عددا وعلماً وفضلاً، وحسبك مَا جمعه ابْن الْقيم فِي اجْتِمَاع الجيوش الإسلامية, والذهبي فِي الْعُلُوّ, وقبلهما اللالكائي.
أما عوام الْمُسلمين فَالْأَصْل فيهم أَنهم على عقيدة السّلف؛ لِأَنَّهَا الْفطْرَة الَّتِي يُولد عَلَيْهَا الْإِنْسَان وينشأ عَلَيْهَا الْمُسلم بِلَا تلقين وَلَا تَعْلِيم (من حَيْثُ الأَصْل) , فَكل من لم يلقِّنْهُ المبتدعة بدعتَهم ويدرِّسوه كتبهمْ فَلَيْسَ من حق أيّ فرقة أَن تدَّعيه إِلَّا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. الحواشي
(١) وَمِنْهَا شرح الباجوري - أَو البيجوري - على الْجَوْهَرَة ١/ ٨٢، طبعة مُحَمَّد عَليّ صبيح.(٢) انْظُر الاسْتقَامَة:١٠٥ وَتبين كذب المفتري ابْن عَسَاكِر٤١٠ بتحقيق الكوثري.стр. 21
وَمن الْأَدِلَّة على ذَلِك: الْإِنْسَان الَّذِي يدْخل فِي الْإِسْلَام حَدِيثا، فَهَل تَسْتَطِيع أيّ فرقة أَن تَقول إِنَّه معتزلي أَو أشعري؟ أمّا نَحن فبمجرَّد إِسْلَامه يصبح وَاحِدًا منا.
وَإِن شِئْت الْمِثَال على عقيدة الْعَوام فاسأل الملايين من الْمُسلمين شرقا وغربا هَل فيهم من يعْتَقد أَن الله لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ كَمَا تَقول الأشاعرة.
أم أَنهم كلهم مفطورون على أَنه تَعَالَى فَوق الْمَخْلُوقَات، وَهَذِه الْفطْرَة تظل ثَابِتَة فِي قُلُوبهم حَتَّى وان وجدوا من يُلقِّنهم فِي أذهانهم تِلْكَ المقولة الموروثة عَن فلاسفة اليونان (١) .
وَقس على هَذَا نظرية الْكسْب وَالْكَلَام النَّفْسِيّ وَنفي التَّأْثِير وأشباهها مِمَّا سترى فِي عقائد الأشاعرة على أَن الْمَوْضُوع الحواشي
(١) بل إِن متكلِّمي الأشاعرة الَّذين ينفون الْعُلُوّ بِكُل جرْأَة ويستندون إِلَى شُبُهَات كَثِيرَة، تَجِد فِي خبايا كَلَامهم إِقْرَارا بِهِ دون أَن يشعروا؛ لِأَن مغالبة الْفطْرَة من أصعب الْأُمُور, فالرازي مثلا - مَعَ إِنْكَاره الشَّديد للعلو فِي (التأسيس وَالتَّفْسِير) قَالَ فِي التَّفْسِير: "إنّ الله خسف بقارون فَجعل الأَرْض فَوْقه وَرفع مُحَمَّدًا ﷺ فَجعله قاب قوسين تَحْتَهُ". ١/ ٢٤٨. ط: بيروت.стр. 22
الَّذِي يجب التَّنْبِيه إِلَيْهِ هُوَ التَّفْرِيق بَين متكلمي الأشاعرة كالرازى والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي وَنَحْوهم, وَبَين من تأثر بمذهبهم عَن حسن نِيَّة واجتهاد أَو مُتَابعَة خاطئة أَو جهل بِعلم الْكَلَام أَو لاعْتِقَاده أَنه لَا تعَارض بَين مَا أَخذ مِنْهُم وَبَين النُّصُوص, وَمن هَذَا الْقسم أَكثر الأفاضل الَّذين يحْتَج بذكرهم الصَّابُونِي وَغَيره وعَلى رَأْسهمْ الْحَافِظ ابْن حجر- ﵀.
وَلست أَشك أَن الْمَوْضُوع يحْتَاج لبسط وإيضاح وَمَعَ هَذَا فإنني أقدِّم للقراء لمحة موجزة عَن موقف ابْن حجر من الأشاعرة:
ومن المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقئَد أصوله هو الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) ثم خلفه الأمدي (٦٣١ هـ) والآرموي (٦٨٢ هـ) فننثرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب (وفكر هؤلاء الثلاثة هو الذي كان الموضوع الرئيسي في كتاب درء التعارضِ) وأعقبهم الأيجي صاحب المواقف (الذي كان معاصرا لشيخ الإسلام ابن تيمية) فألف
"المواقف" الذي هو تقنين وتنظيم لفكر الرازي ومدرسته، وهذا الكتاب هو عمدة المذهب قديما، وحديثا.
стр. 23
وَقد ترْجم الْحَافِظ الذَّهَبِيّ- ﵀ فِي الْمِيزَان وَغَيره للرازي والآمدي بِمَا هم أَهله، ثمَّ جَاءَ ابْن السُّبْكِيّ- ذَلِك الْأَشْعَرِيّ المتعصب - فتعقّبه وعنّف عَلَيْهِ ظلما. ثمَّ جَاءَ ابْن حجر- ﵀ فألف لِسَان الْمِيزَان فترجم لَهما بطبيعة الْحَال- نَاقِلا كَلَام ابْن السُّبْكِيّ ونقده للذهبي (١) - وَلم يكن يخفى عَلَيْهِ مكانتهما وإمامتهما فِي الْمَذْهَب كَمَا ذكر طرفا من شنائع الأرموي ضمن تَرْجَمَة الرَّازِيّ.
فَإِذا كَانَ موقف ابْن حجر لِأَن موقفه هُوَ الَّذِي يحدد انتماءه لفكر هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَو عَدمه؟ إِن الَّذِي يقْرَأ ترجمتيهما فِي اللِّسَان لَا يُمكن أَن يَقُول إِن ابْن حجر على مذهبهِما أبدا, كَيفَ وَقد أورد نقولاً كَثِيرَة موثقة عَن ضلالهما وشنائعهما الَّتِي لَا يقرها أيّ مُسلم فضلا عمّن هُوَ فِي علم الْحَافِظ وفضله؟.
على أَنه قَالَ فِي آخر تَرْجَمَة الرَّازِيّ "أوصى بِوَصِيَّة تدل على أَنه حسّن اعْتِقَاده".
وَهَذِه الْعبارَة الَّتِي قد يفهم مِنْهَا أَنَّهَا متعاطفة مَعَ الرَّازِيّ ضد مهاجميه هِيَ شَاهد لما نقُول نَحن هُنَا, فَإِن وَصِيَّة الحواشي
(١) تَرْجَمَة الرَّازِيّ: ٤/ ٤٢٦, والآمدي: ٦/ ١٣٤.стр. 24
الرَّازِيّ الَّتِي نقلهَا ابْن السُّبْكِيّ نَفسه صَرِيحَة فِي رُجُوعه إِلَى مَذْهَب السّلف.
فَبعد هَذَا نسْأَل:
أَكَانَ ابْن حجر يعْتَقد أَو يُؤَيّد عقيدة الرَّازِيّ الَّتِي فِي كتبه أم عقيدته الَّتِي فِي وَصيته؟ الْإِجَابَة وَاضِحَة من عِبَارَته نَفسهَا.
هَذِه وَاحِدَة.
وَالْأُخْرَى: أَن الْحَافِظ فِي الْفَتْح قد نقد الأشاعرة باسمهم الصَّرِيح وَخَالفهُم فِيمَا هُوَ من خَصَائِص مَذْهَبهم فمثلاً خالفهم فِي الْإِيمَان، وَإِن كَانَ تَقْرِيره لمَذْهَب السّلف فِيهِ يحْتَاج لتحرير. ونقدهم فِي مَسْأَلَة الْمعرفَة وَأول واجَب على الْمُكَلف فِي أول كِتَابه وَآخره (١) .
كَمَا أَنه نقد شيخهم فِي التَّأْوِيل (ابْن فورك) فِي تأويلاته الَّتِي نقلهَا عَنهُ فِي شرح كتاب التَّوْحِيد من الْفَتْح, وذم التَّأْوِيل والمنطق مرجحا مَنْهَج الثَّلَاثَة الْقُرُون الأولى, كَمَا أَنه يخالفهم فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث الْآحَاد فِي العقيدة (٢) , الحواشي
(١) انْظُر فتح الْبَارِي: ١/ ٤٦، ٣/ ٣٥٧ - ٣٦١, ١٣/ ٣٤٧ - ٣٥٠.(٢) انْظُر فتح الْبَارِي ١/ ٤٦، ٣/ ٣٥٧ - ٣٦١، ١٣/ ٣٤٧ - ٣٥٠стр. 25
وَغَيرهَا من الْأُمُور الَّتِي لَا مجَال لتفصيلها هُنَا.
وَالَّذِي أرَاهُ أَن الْحَافِظ ﵀ أقرب شَيْء إِلَى عقيدة مفوِّضة الْحَنَابِلَة كَأبي يعلى وَنَحْوه مِمَّن ذكرهم شيخ الْإِسْلَام فِي دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل (١) ووصفهم بمحبة الْآثَار والتمسك بهَا لكِنهمْ وافقوا بَعض أصُول الْمُتَكَلِّمين وتابعوهم ظانِّين صِحَّتهَا عَن حسن نِيَّة.
وَقد كَانَ من الْحَنَابِلَة من ذهب إِلَى أبعد من هَذَا كَابْن الْجَوْزِيّ وَابْن عقيل وَابْن الزَّاغُونِيّ. وَمَعَ ذَلِك فَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَعدَاء ألدَّاء للأشاعرة، وَلَا يجوز بِحَال أَن يعتبروا أشاعرة فَمَا بالك بأولئك.
وَالظَّاهِر أَن سَبَب هَذَا الِاشْتِبَاه فِي نِسْبَة بعض الْعلمَاء للأشاعرة أَو أهل السّنة وَالْجَمَاعَة هُوَ أَن الأشاعرة فرقة كلامية انشقت عَن أَصْلهَا (الْمُعْتَزلَة) ووافقت السّلف فِي بعض القضايا وتأثرت بمنهج الْوَحْي، فِي حِين أَن بعض من الحواشي
(١) الْمصدر السَّابِق: ١٣/ ٢٥٣، ٢٥٩، ٤٠٧, وَغَيرهَا كثير.стр. 26
هم على مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الأَصْل تأثروا بِسَبَب من الْأَسْبَاب بِأَهْل الْكَلَام فِي بعض القضايا وخالفوا فِيهَا مَذْهَب السّلف.
فَإِذا نظر النَّاظر إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يتَّفق فِيهَا هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ظن أَن الطائفين على مَذْهَب وَاحِد. فَهَذَا التَّدَاخُل بَينهمَا هُوَ مصدر اللّبْس.
وَكَثِيرًا مَا تَجِد فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل- وَمِنْهَا لِسَان الْمِيزَان لِلْحَافِظِ ابْن حجر- قَوْلهم عَن الرجل أَنه وَافق الْمُعْتَزلَة فِي أَشْيَاء من مصنفاته أَو وَافق الْخَوَارِج فِي بعض أَقْوَالهم وَهَكَذَا وَمَعَ هَذَا لَا يعتبرونه معتزليا أَو خارجيا، وَهَذَا الْمنْهَج إِذا طبقناه على الْحَافِظ وعَلى النَّوَوِيّ وأمثالهما لم يَصح اعتبارهم أشاعرة وَإِنَّمَا يُقَال: "وافقوا الأشاعرة فِي أَشْيَاء"، مَعَ ضَرُورَة بَيَان هَذِه الْأَشْيَاء واستدراكاتها عَلَيْهِم حَتَّى يُمكن الاستفادة من كتبهمْ بِلَا توجس نما مَوْضُوعَات العقيدة (١) . الحواشي
(١) وَقد رَأينَا فِي واقعنا المعاصر عُلَمَاء فضلاء وافقوا الاشتراكيين أَو الديمقراطيين أَو القوميين فِي أَشْيَاء للأسباب نَفسهَا. وَلم يعدهم أحد اشتراكيين أَو قوميين.стр. 27
خَامِسًا: قَالَ فَضِيلَة الشَّيْخ الفوزان عَن الأشاعرة: "نعم هم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي بَقِيَّة أَبْوَاب الْإِيمَان والعقيدة وَلَيْسوا مِنْهُم فِي بَاب الصِّفَات".
وَهَذَا سبق قلم من فضيلته وَمثل هَذِه الدَّعْوَى هِيَ الَّتِي يهش لَهَا الأشاعرة المعاصرون ويروِّجونها؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْفَارِق هُوَ الصِّفَات فَقَط قَالُوا: إِن الْخلاف فِيهَا أَصله الِاجْتِهَاد وَالْكل يتفقون على التَّنْزِيه فَكَأَنَّهُ لَا خلاف إِذن ... وَرُبمَا قَالُوا: نَحن مستعدون أَن نثبت لله يدا وعيناً وَسَائِر الصِّفَات فِي سَبِيل تَوْحِيد الصَّفّ ووحدة الْكَلِمَة!!!
وَليكن مَعْلُوما أَن ابْتِدَاء أَمر الأشاعرة أَنهم توسلوا إِلَى أهل السّنة أَن يكفوا عَن هجرهم وتبديعهم وتضليلهم وَقَالُوا: "نَحن مَعكُمْ ندافع عَن الدّين وننازل الْمُلْحِدِينَ" (١) ، فاغتر بِهَذَا بعض عُلَمَاء أهل السّنة وسكتوا عَنْهُم فتمكّن الأشاعرة فِي الْأمة ثمَّ فِي النِّهَايَة استطالوا على أُولَئِكَ واستأثروا بِهَذَا الِاسْم دون أَهله، وَأَصْبحُوا هم يضللون أهل السّنة ويضطهدونهم ويلقبونهم بأشنع الألقاب. فحتى لَا الحواشي
(١) انْظُر سير أَعْلَام النبلاء: ١٥/ ٩٠، مُقَابلَة الْأَشْعَرِيّ لإِمَام السّنة فِي عصره "البربهارى" انْظُر تَرْجَمته فِي طَبَقَات الْحَنَابِلَة ورسالته الْقيمَة فِي السّنة الَّتِي سَاقهَا صَاحب الطَّبَقَات.стр. 28
تَتَكَرَّر هَذِه المشكلة وإحقاقا للحق رَأَيْت
الْأُصُول المنهجية فِي مَذْهَب الأشاعرة
من واجبي أَن أسْهم بتفصيل مَذْهَب الأشاعرة فِي كل أَبْوَاب العقيدة ليتضح أَنهم على مَنْهَج فكري مُسْتَقل فِي كل الْأَبْوَاب وَالْأُصُول، ويختلفون مَعَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من أول مصدر التلقِّي حَتَّى آخر السمعيات ماعدا قَضِيَّة وَاحِدَة فَقَط.
وَإِلَيْك هَذِه الْأُصُول المنهجية فِي مَذْهَبهم موجزة ومُيَسَّرة مَا أمكن- عدا أَقْوَالهم فِي الصِّفَات وَعدا الفرعيات الَّتِي لَا تدخل تَحت حصر- مَعَ التَّنْبِيه, ومقدما إِلَى مَا بَينهَا من تنَاقض لَا يخفى على الْقَارئ الفطن:
الأول: مصدر التلقِّي:
أ _ مصدر التلقي عِنْد الأشاعرة هُوَ الْعقل وَقد صرح الْجُوَيْنِيّ والرازي والبغدادي وَالْغَزالِيّ والآمدي والإيجي وَابْن فورك والسنوسي وشُرَّاح الْجَوْهَرَة وَسَائِر أئمتهم بِتَقْدِيم الْعقل على النَّقْل عِنْد التَّعَارُض، وعَلى هَذَا يرى المعاصرون مِنْهُم، وَمن هَؤُلَاءِ السَّابِقين من صرح بِأَن الْأَخْذ بظواهر الْكتاب وَالسّنة أصل من أصُول الْكفْر, وَبَعْضهمْ خفّفها فَقَالَ: هُوَ أصل الضَّلَالَة!!.
стр. 29
ولضرورة الِاخْتِصَار أكتفي بمثالين مَعَ الإحالة إِلَى مَا فِي الْحَاشِيَة لمن أَرَادَ الْمَزِيد:
الأول: وضع الرَّازِيّ فِي أساس التَّقْدِيس القانوني الْكُلِّي للْمَذْهَب فِي ذَلِك فَقَالَ: "الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي أنّ الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة إِذا صَارَت مُعَارضَة بالظواهر النقلية فَكيف يكون الْحَال فِيهَا؟
اعْلَم أَن الدَّلَائِل القطعية الْعَقْلِيَّة إِذا قَامَت على ثُبُوت شَيْء ثمَّ وجدنَا أَدِلَّة نقلية يشْعر ظَاهرهَا بِخِلَاف ذَلِك فهناك لَا يَخْلُو الْحَال من أحد أُمُور أَرْبَعَة:
١ - إِمَّا أَن يصدق مُقْتَضى الْعقل وَالنَّقْل فَيلْزم تَصْدِيق النقيضين وَهُوَ محَال.
٢ - وَإِمَّا أَن يبطلا فَيلْزم تَكْذِيب النقيضين وَهُوَ محَال.
٣ - وَإِمَّا أَن يصدق الظَّوَاهِر النقلية ويكذب الظَّوَاهِر الْعَقْلِيَّة وَذَلِكَ بَاطِل.
لِأَنَّهُ لَا يمكننا أَن نَعْرِف صِحَة الظَّوَاهِر النقلية إِلَّا إِذا عرفنَا بالدلائل الْعَقْلِيَّة إِثْبَات الصَّانِع وَصِفَاته وَكَيْفِيَّة دلَالَة المعجزة على صدق الرَّسُول ﷺ وَظُهُور المعجزات على - مُحَمَّد ﷺ .
стр. 30
وَلَو جوّزنا الْقدح فِي الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة القطعية صَار الْعقل مُتَّهمًا غير مَقْبُول القَوْل, وَلَو كَانَ كَذَلِك لخرج أَن يكون مَقْبُول القَوْل فِي هَذِه الْأُصُول, وَإِذا لم تثبت هَذِه الْأُصُول خرجت الدَّلَائِل النقلية عَن كَونهَا مفيدة.
فَثَبت أَن الْقدح فِي الْعقل لتصحيح النَّقْل يُفْضِي إِلَى الْقدح فِي الْعقل وَالنَّقْل مَعًا, وَأَنه بَاطِل.
وَلما بطلت الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة لم يبْق إِلَّا أَن يقطع بِمُقْتَضى الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة القاطعة بِأَن هَذِه الدَّلَائِل النقلية إِمَّا أَن يُقَال: إِنَّهَا غير صَحِيحَة (١) , أَو يُقَال: إِنَّهَا صَحِيحَة إِلَّا أَن المُرَاد مِنْهَا غير ظواهرها.
ثمَّ إِن جوّزنا التَّأْوِيل اشتغلنا على سَبِيل التَّبَرُّع (٢) بِذكر تِلْكَ التأويلات على التَّفْصِيل. وَإِن لم يجز التَّأْوِيل فوّضنا الْعلم بهَا إِلَى الله تَعَالَى. فَهَذَا هُوَ القانون الْكُلِّي المرجوع إِلَيْهِ فِي جَمِيع المتشابهات وبالله التَّوْفِيق". اهـ. الحواشي
(١) يُلَاحظ أَن الدَّلَائِل النقلية تَشْمَل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة مَعًا فَكيف يُقَال إِنَّهَا غير صَحِيحَة دون تَفْرِيق بَينهمَا، مَعَ أَن مُجَرّد إِطْلَاقهَا على السّنة وَحدهَا فِي غَايَة الخطورة.(٢) هَل وصلت قيمَة نُصُوص الْوَحْي إِلَى حد أَن الِاشْتِغَال بتأويلها - الَّذِي هُوَ تَحْرِيف لَهَا - يعْتَبر تَبَرعا وإحسانا؟!стр. 31
الثَّانِي: يَقُول السنوسي (ت ٨٨٥) فِي شرح الْكُبْرَى:
"وَأما من زعم أَن الطَّرِيق بَدَأَ إِلَى معرفَة الْحق الْكتاب وَالسّنة وَيحرم مَا سواهُمَا فالرد عَلَيْهِ أَن حجتيهما لَا تعرف إِلَّا بِالنّظرِ الْعقلِيّ، وَأَيْضًا فقد وَقعت فيهمَا ظواهر من اعتقدها على ظَاهرهَا كفر عِنْد جمَاعَة وابتدع".
وَيَقُول: "أصُول الْكفْر سِتَّة. . . " ذكر خَمْسَة ثمَّ قَالَ:
"سادسا: التَّمَسُّك فِي أصُول العقائد بِمُجَرَّد ظواهر الْكتاب وَالسّنة من غير عرضهَا على الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة والقواطع الشَّرْعِيَّة".
ب _ صرح متكلّموهم- وَمِنْهُم من سبق فِي فقرة (أ) أَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة ظنية الدّلَالَة وَلَا تفِيد الْيَقِين إِلَّا إِذا سلمت من عشر عوارض مِنْهَا: الْإِضْمَار والتخصيص وَالنَّقْل والاشتراك وَالْمجَاز ... الخ. وسلمت بعد هَذَا من الْمعَارض الْعقلِيّ بل قَالُوا: من احْتِمَال الْمعَارض الْعقلِيّ!!
ج _ موقفهم من السّنة خَاصَّة أَنه لَا يثبت بهَا عقيدة, بل الْمُتَوَاتر مِنْهَا يجب تَأْوِيله, وآحادها لَا يجب الِاشْتِغَال بهَا حَتَّى على سَبِيل التَّأْوِيل، حَتَّى إِن إمَامهمْ الرَّازِيّ قطع
стр. 32
بِأَن رِوَايَة الصَّحَابَة كلهم مظنونة بِالنِّسْبَةِ لعدالتهم وحفظهم سَوَاء، وَأَنه فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث وَضعهَا الزَّنَادِقَة... إِلَى آخر مَا لَا أستجيز نَقله لغير المختصين، وَهُوَ فِي كِتَابه أساس التَّقْدِيس وَالْأَرْبَعِينَ.
د _ تقْرَأ فِي كتب عقيدتهم قديمها وحديثها الْمِائَة صفحة أَو أَكثر فَلَا تَجِد فِيهَا أَيَّة وَلَا حَدِيثا لكنك قد تَجِد فِي كل فقرة "قَالَ الْحُكَمَاء" أَو"قَالَ المعلّم الأول" أَو "قَالَت الفلاسفة" وَنَحْوهَا ...
هـ _ مَذْهَب طَائِفَة مِنْهُم وهم صوفيتهم- كالغزالي والحامي- فِي مصدر التلقي هُوَ تَقْدِيم الْكَشْف والذوق على النَّص وَتَأْويل النَّص ليوافقه وَقد يصححون بعض الْأَحَادِيث ويضعفونها حسب هَذَا الذَّوْق كَحَدِيث إِسْلَام أَبَوي النَّبِي ﷺ ودخولهما الْجنَّة بزعمهم. ويسمون هَذَا "الْعلم اللّدنّي جَريا على قَاعِدَة الصُّوفِيَّة "حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي" (١) . الحواشي
(١) انْظُر عَن مصدر التلقي عِنْدهم: دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل فَهُوَ كُله رد عَلَيْهِم, وَقد استفتحه بِذكر قانونهم الْكُلِّي فِي التَّعَارُض، أساس التَّقْدِيس للرازي: ١٦٨_ ١٧٣، الشَّامِل للجويني: ٥٦١، الْإِرْشَاد لَهُ: ٣٥٩ _٣٦٠، شرح الْكُبْرَى للسنوسي: ٥٠٢, المواقف للإيجي: ٣٩_٤٠، مُخْتَصر الصَّوَاعِق ٣٣_ ٢٥٨, مُشكل الحَدِيث لِابْنِ فورك: مقدمته وخاتمته, أصُول الدّين للبغدادي: ١٢، كبرى اليقينيان: مُحَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي الإهداء ٣٢ _٣٣، الرسَالَة اللدنية للغزالي: ١/ ١١٤_ ١١٨ من مَجْمُوعَة الفصور العوالي.стр. 33
الثَّانِي: إِثْبَات وجود الله:
مَعْلُوم أنّ مَذْهَب السّلف هُوَ أَن وجوده تَعَالَى أَمر فطري مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ, والأدلة عَلَيْهِ فِي الْكَوْن وَالنَّفس والْآثَار والآفاق وَالْوَحي أجلّ من الْحصْر، فَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة وَعَلِيهِ دَلِيل.
أما الأشاعرة فعندهم دَلِيل يَتِيم هُوَ دَلِيل "الْحُدُوث والقدم" وَهُوَ الِاسْتِدْلَال على وجود الله بِأَن الْكَوْن حَادث وكل حَادث فلابد من مُحدث قديم، وأخص صِفَات هَذَا الْقَدِيم مُخَالفَته للحوادث وَعدم حلولها فِيهِ, وَمن مُخَالفَته للحوادث إِثْبَات أَنه لَيْسَ جوهرا وَلَا عرضا وَلَا جسما وَلَا فِي جِهَة وَلَا مَكَان... الخ. ثمَّ أطالوا جدا فِي تَقْرِير هَذِه القضايا هَذَا وَقد رتبوا عَلَيْهِ من الْأُصُول الْفَاسِدَة مَالا يدْخل تَحت الْعد مثل إنكارهم لكثير من الصِّفَات كالرضا وَالْغَضَب والاستواء بِشُبْهَة نفي حُلُول الْحَوَادِث فِي الْقَدِيم
стр. 34
وَنفي الجوهرية والعرضية والجهة والجسمية ... إِلَى آخر المصطلحات البدعية الَّتِي جعلُوا نَفيهَا أصولاً وأنفقوا الْأَعْمَار والمداد فِي شرحها ونفيها. وَلَو أَنهم قَالُوا: الْكَوْن مَخْلُوق وكل مَخْلُوق لابد لَهُ من خَالق لَكَانَ أيسر وأخص, مَعَ أَنه لَيْسَ الدَّلِيل الوحيد, وَلَكنهُمْ تعمّدوا مُوَافقَة الفلاسفة حَتَّى فِي ألفاظهم (١) .
الثَّالِث: التَّوْحِيد:
التَّوْحِيد عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مَعْرُوف بأقسامه الثَّلَاثَة, وَهُوَ عِنْدهم أول وَاجِب على الْمُكَلف، أما الأشاعرة قدماؤهم ومعاصروهم, فالتوحيد عِنْدهم هُوَ نفي التَّثْنِيَة أَو التَّعَدُّد وَنفي التَّبْعِيض والتركيب والتجزئة أَي حسب تعبيرهم "نفي الكمية الْمُتَّصِلَة والكمية الْمُنْفَصِلَة", وَمن هَذَا الْمَعْنى فسروا الْإِلَه بِأَنَّهُ: الْخَالِق أَو الْقَادِر على الاختراع, الحواشي
(١) انْظُر الْأَبْوَاب الأولى من أَي كتاب فِي عقيدتهم, ومجموع الْفَتَاوَى:٢/ ٧_٢٣ وَأول شرح الاصبهانية. ويلاحظ أَن تعمدهم اسْتِخْدَام كلمة (حَادث) سَببه أَنهم لَو قَالُوا: "مَخْلُوق" لألزمهم الفلاسفة بِأَن هَذَا هُوَ مَوضِع النزاع وَلَا يسْتَدلّ بِالدَّعْوَى على نَفسهَا فِي نظرهم، مَعَ هَذَا فالفلاسفة يَقُولُونَ: الْكَوْن قديم وَلَا نسلم أَنه حَادث، فالأشاعرة كَمَا قَالَ شيخ الْإِسْلَام: "لَا لِلْإِسْلَامِ نصروا وَلَا للفلاسفة كسروا".стр. 35
وأنكروا بعض الصِّفَات كالوجه وَالْيَد وَالْعين؛ لِأَنَّهَا تدل على التَّرْكِيب والأجزاء عِنْدهم.
أما التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ وَلَا يُقَابله من الشّرك ومعرفته والتحذير مِنْهُ فَلَا ذكر لَهَا فِي كتب عقيدتهم إطلاقا وَلَا أَدْرِي أَيْن يضعونه أَفِي كتب الْفُرُوع؟ فَلَيْسَ فِيهَا, أم يتركونه بالمرة؟ فَهَذَا الَّذِي أَجْزم بِهِ.
أما أول وَاجِب عِنْد الأشاعرة فَهُوَ النّظر أَو الْقَصْد إِلَى النّظر أَو أول جُزْء من النّظر أَو ... إِلَى آخر فلسفتهم الْمُخْتَلف فِيهَا وَعِنْدهم أَن الْإِنْسَان إِذا بلغ سنّ التَّكْلِيف وَجب عَلَيْهِ النّظر ثمَّ الْإِيمَان, وَاخْتلفُوا فِيمَن مَاتَ قبل النّظر أَو فِي أَثْنَائِهِ, أيحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ أم بالْكفْر؟!
وينكر الأشاعرة الْمعرفَة الفطرية وَيَقُولُونَ: إِن من آمن بِاللَّه بِغَيْر طَرِيق النّظر فَإِنَّمَا هُوَ مقلد, وَرجح بَعضهم كفره, وَاكْتفى بَعضهم بتعصيته، وَهَذَا مَا خالفهم فِيهِ الْحَافِظ ابْن حجر- ﵀ وَنقل أقوالا كَثِيرَة فِي الرَّد عَلَيْهِم, وإنّ لَازم قَوْلهم تَكْفِير الْعَوام بل تَكْفِير الصَّدْر الأول (١) . الحواشي
(١) عَن هَذِه الْفَقْرَة انْظُر: نِهَايَة الْإِقْدَام للشهرستاني: ٩٠، شرح الْكُبْرَى: ٣٠٤، غَايَة المرام للآمدي: ١٤٩، كبرى اليقينيات: ٩٢_٩٣، الله ﷻ : سعيد حوى: ١٣١, أَرْكَان الْإِيمَان لوهبي غاوجي: ٣٠. وبخصوص أول وَاجِب والمعرفة الفطرية انْظُر: دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل ج ٧، ٨, ٩ كلهَا, الْإِنْصَاف للباقلايى: ٢٢، الْإِرْشَاد: ٣, المواقف: ٣٢ - ٣٣, الشَّامِل: ١٢٠، أصُول الدّين للبغدادي: ٢٥٤_٢٥٥، فتح الْبَارِي ٣/ ٣٥٧_٣٦١, ١٣/ ٣٤٧ ـ ٣٥٨.стр. 36
الرَّابِع: الْإِيمَان:
الأشاعرة فِي الْإِيمَان مرجئة جهمية أَجمعت كتبهمْ قاطبة على أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي، وَاخْتلفُوا فِي النَطق بِالشَّهَادَتَيْنِ أيكفي عَنهُ تَصْدِيق الْقلب أم لابد مِنْهُ، قَالَ صَاحب الْجَوْهَرَة:
وَفسّر الْإِيمَان بالتصديق ... والنطق فِيهِ الْخلف بالتحقيق
وَقد رجح الشَّيْخ حسن أَيُّوب من المعاصرين أَن المصدّق بِقَلْبِه نَاجٍ عِنْد الله وَإِن لم ينْطق بهما وَمَال إِلَيْهِ البوطي. فعلى كَلَامهم لَا دَاعِي لحرص النَّبِي ﷺ أَن يَقُول عَمه أَبُو طَالب: "لَا إِلَه إِلَّا الله"؛ لِأَنَّهُ لاشك فِي تَصْدِيقه لَهُ بِقَلْبِه، وَهُوَ وَمن شابهه على مَذْهَبهم من أهل الْجنَّة!!
هَذَا وَقد أوّلوا كل آيَة أَو حَدِيث ورد فِي زِيَادَة الْإِيمَان
стр. 37
ونقصانه أَو وصف بعض شعبه بِأَنَّهَا إِيمَان أَو من الْإِيمَان (١) .
وَلِهَذَا أَطَالَ شيخ الْإِسْلَام ﵀ الرَّد عَلَيْهِم بِأَسْمَائِهِمْ كالأشعري والباقلاني والجويني وشراح كتبهمْ وَقرر أَنهم على مَذْهَب جهم بِعَيْنِه. وفى رسالتي فصل طَوِيل عَن هَذِه الْقَضِيَّة فَلَا أطيل بِهِ هُنَا.
الْخَامِس: القرآن:
وَقد أفردت مَوْضُوعه لأهميته القصوى، وَهُوَ نموذج بارز للمنهج الْأَشْعَرِيّ الْقَائِم على التلفيق الَّذِي يُسَمِّيه الأشاعرة المعاصرون "التوفيقية" حَيْثُ انتهج التَّوَسُّط بَين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَين الْمُعْتَزلَة فِي كثير من الْأُصُول فتناقض واضطرب.
فمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق, وَأَنه تَعَالَى يتَكَلَّم بِكَلَام مسموع تسمعه الْمَلَائِكَة وسَمعه جِبْرِيل وسَمعه مُوسَى- ﵇ ويسمعه الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة. الحواشي
(١) انْظُر الْإِنْصَاف: ٥٥، الْإِرْشَاد: ٣٩٧، غَايَة المرام: ٣١١، المواقف: ٣٨٤, الْإِيمَان لشيخ الْإِسْلَام: أَكْثَره رد عَلَيْهِم فَلَا حَاجَة لتحديد الصفحات، تبسيط العقائد الإسلامية لحسن أَيُّوب: ٢٩_٣٣, كبرى اليقينيات: ١٩٦.стр. 38
وَمذهب الْمُعْتَزلَة أَنه مَخْلُوق.
أما مَذْهَب الأشاعرة فَمن منطلق التوفيقية - الَّتِي لم يحالفها التَّوْفِيق - فرّقوا بَين الْمَعْنى وَاللَّفْظ. فَالْكَلَام الَّذِي يثبتونه لله تَعَالَى هُوَ معنى أزلي أبدى قَائِم بِالنَّفسِ لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَلَا يُوصف بالْخبر وَلَا الْإِنْشَاء.
وَاسْتَدَلُّوا بِالْبَيْتِ الْمَنْسُوب للأخطل النَّصْرَانِي:
إنّ الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا
أما الْكتب الْمنزلَة ذَات التَّرْتِيب وَالنّظم والحروف - وَمِنْهَا الْقُرْآن - فَلَيْسَتْ هِيَ كَلَامه تَعَالَى على الْحَقِيقَة بل هِيَ "عبارَة" عَن كَلَام الله النَّفْسِيّ. وَالْكَلَام النَّفْسِيّ شَيْء وَاحِد فِي
ذَاته لَكِن إِذا جَاءَ التَّعْبِير عَنهُ بالعبرانية فَهُوَ توراة, وَإِن جَاءَ بالسُّرْيَانيَّة فَهُوَ إنجيل, وَإِن جَاءَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآن، فَهَذِهِ الْكتب كلهَا مخلوقة ووصفها بِأَنَّهَا كَلَام الله مجَاز لِأَنَّهَا تَعْبِير عَنهُ.
وَاخْتلفُوا فِي الْقُرْآن خَاصَّة فَقَالَ بَعضهم: "إنّ الله خلقه أَولا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ أنزلهُ فِي صَحَائِف إِلَى سَمَاء
стр. 39
الدُّنْيَا " فَكَانَ جِبْرِيل يقْرَأ هَذَا الْكَلَام الْمَخْلُوق ويبلغه لمُحَمد ﷺ , وَقَالَ آخَرُونَ: "إِن الله أفهم جِبْرِيل كَلَامه النَّفْسِيّ وأفهمه جِبْرِيل لمُحَمد- ﷺ , فالنزول نزُول إِعْلَام وإفهام لَا نزُول حَرَكَة وانتقال " (لأَنهم يُنكرُونَ علو الله) ثمَّ اخْتلفُوا فِي الَّذِي عبر عَن الْكَلَام النَّفْسِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَالنّظم الْعَرَبِيّ من هُوَ؟ فَقَالَ بَعضهم: "هُوَ جِبْرِيل"، وَقَالَ بَعضهم: "بل هُوَ مُحَمَّد ﷺ "!!.
وَاسْتَدَلُّوا بِمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فِي سورتي الحاقة والانشقاق حَيْثُ أَضَافَهُ فِي الأولى إِلَى مُحَمَّد ﷺ , وَفِي الْأُخْرَى إِلَى جِبْرِيل بِأَن اللَّفْظ لأحد الرسولين "جِبْرِيل أَو مُحَمَّد" وَقد صرح الباقلاني بِالْأولِ وَتَابعه الْجُوَيْنِيّ.
قَالَ شيخ الْإِسْلَام: "وَفِي إِضَافَته تَعَالَى إِلَى هَذَا الرَّسُول تَارَة وَإِلَى هَذَا تَارَة دَلِيل على أَنه إِضَافَة بَلَاغ وَأَدَاء لَا إِضَافَة إِحْدَاث لشَيْء مِنْهُ وإنشاء كَمَا يَقُول بعض المبتدعة الأشعرية من أَن حُرُوفه ابْتِدَاء جِبْرِيل أَو مُحَمَّد مضاهاة مِنْهُم فِي نصف قَوْلهم لمن قَالَ انه قَول الْبشر من مُشْركي الْعَرَب" (١) . الحواشي
(١) مَجْمُوع الْفَتَاوَىстр. 40
وعَلى القَوْل أَن الْقُرْآن الَّذِي نقرؤه فِي الْمَصَاحِف مَخْلُوق سَار الأشاعرة المعاصرون وصرحوا، فكشفوا بذلك مَا أَرَادَ شَارِح الْجَوْهَرَة أَن يستره حِين قَالَ: "يمْتَنع أَن يُقَال إِن الْقُرْآن مَخْلُوق إِلَّا فِي مقَام التَّعْلِيم" (١) .
السَّادِس: الْقدر:
أَرَادَ الأشاعرة هُنَا أَن يوفقوا بَين الجبرية والقدرية فَجَاءُوا بنظرية الْكسْب وَهِي فِي مآلها جبرية خَالِصَة؛ لِأَنَّهَا تَنْفِي أَي قدرَة للْعَبد أَو تَأْثِير, أما حَقِيقَتهَا النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عَن فهمهما فضلا عَن إفهامها لغَيرهم وَلِهَذَا قيل:
مِمَّا يُقَال وَلَا حَقِيقَة تَحْتَهُ ... معقولة تدنوا إِلَى الأفهام
الْكسْب عِنْد الْأَشْعَرِيّ وَالْحَال ... عِنْد البهشمى وطفرة النظام الحواشي
(١) عَن الْقُرْآن عِنْدهم انْظُر: الْإِنْصَاف: ٩٦_٩٧ وَمَا بعْدهَا، الْإِرْشَاد: ١٢٨_١٣٧، أصُول الدّين: ١٠٧، الموافف: ٢٩٣، شرح الباجوري على الْجَوْهَرَة ٦٤_٦٦_٨٤, متن الدردير ٢٥ من مَجْمُوع مهمات الْمُتُون، التسعينية وَقد استغرق مَوْضُوع الرَّد عَلَيْهِم فِي الْقُرْآن أَكثر مباحثها وَمن أعظمها وأنفسها مَا ذكره فِي الْوَجْه السَّابِع وَالسبْعين فَليُرَاجع.следующие страницы →