← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 13576

منهج الأشاعرة في العقيدة - تعقيب على مقالات الصابوني

سفر الحوالي

Полный текст (86 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرَّابِع: الْإِيمَان: الأشاعرة فِي الْإِيمَان مرجئة جهمية أَجمعت كتبهمْ قاطبة على أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق القلبي، وَاخْتلفُوا فِي النَطق بِالشَّهَادَتَيْنِ أيكفي عَنهُ تَصْدِيق الْقلب أم لابد مِنْهُ، قَالَ صَاحب الْجَوْهَرَة: وَفسّر الْإِيمَان بالتصديق ... والنطق فِيهِ الْخلف بالتحقيق وَقد رجح الشَّيْخ حسن أَيُّوب من المعاصرين أَن المصدّق بِقَلْبِه نَاجٍ عِنْد الله وَإِن لم ينْطق بهما وَمَال إِلَيْهِ البوطي. فعلى كَلَامهم لَا دَاعِي لحرص النَّبِي ﷺ أَن يَقُول عَمه أَبُو طَالب: "لَا إِلَه إِلَّا الله"؛ لِأَنَّهُ لاشك فِي تَصْدِيقه لَهُ بِقَلْبِه، وَهُوَ وَمن شابهه على مَذْهَبهم من أهل الْجنَّة!! هَذَا وَقد أوّلوا كل آيَة أَو حَدِيث ورد فِي زِيَادَة الْإِيمَان

стр. 37

ونقصانه أَو وصف بعض شعبه بِأَنَّهَا إِيمَان أَو من الْإِيمَان (١). وَلِهَذَا أَطَالَ شيخ الْإِسْلَام ﵀ الرَّد عَلَيْهِم بِأَسْمَائِهِمْ كالأشعري والباقلاني والجويني وشراح كتبهمْ وَقرر أَنهم على مَذْهَب جهم بِعَيْنِه. وفى رسالتي فصل طَوِيل عَن هَذِه الْقَضِيَّة فَلَا أطيل بِهِ هُنَا. الْخَامِس: القرآن: وَقد أفردت مَوْضُوعه لأهميته القصوى، وَهُوَ نموذج بارز للمنهج الْأَشْعَرِيّ الْقَائِم على التلفيق الَّذِي يُسَمِّيه الأشاعرة المعاصرون "التوفيقية" حَيْثُ انتهج التَّوَسُّط بَين أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَين الْمُعْتَزلَة فِي كثير من الْأُصُول فتناقض واضطرب. فمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق, وَأَنه تَعَالَى يتَكَلَّم بِكَلَام مسموع تسمعه الْمَلَائِكَة وسَمعه جِبْرِيل وسَمعه مُوسَى- ﵇ ويسمعه الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة.

стр. 38

وَمذهب الْمُعْتَزلَة أَنه مَخْلُوق. أما مَذْهَب الأشاعرة فَمن منطلق التوفيقية - الَّتِي لم يحالفها التَّوْفِيق - فرّقوا بَين الْمَعْنى وَاللَّفْظ. فَالْكَلَام الَّذِي يثبتونه لله تَعَالَى هُوَ معنى أزلي أبدى قَائِم بِالنَّفسِ لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَلَا يُوصف بالْخبر وَلَا الْإِنْشَاء. وَاسْتَدَلُّوا بِالْبَيْتِ الْمَنْسُوب للأخطل النَّصْرَانِي: إنّ الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا أما الْكتب الْمنزلَة ذَات التَّرْتِيب وَالنّظم والحروف - وَمِنْهَا الْقُرْآن - فَلَيْسَتْ هِيَ كَلَامه تَعَالَى على الْحَقِيقَة بل هِيَ "عبارَة" عَن كَلَام الله النَّفْسِيّ. وَالْكَلَام النَّفْسِيّ شَيْء وَاحِد فِي ذَاته لَكِن إِذا جَاءَ التَّعْبِير عَنهُ بالعبرانية فَهُوَ توراة, وَإِن جَاءَ بالسُّرْيَانيَّة فَهُوَ إنجيل, وَإِن جَاءَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآن، فَهَذِهِ الْكتب كلهَا مخلوقة ووصفها بِأَنَّهَا كَلَام الله مجَاز لِأَنَّهَا تَعْبِير عَنهُ. وَاخْتلفُوا فِي الْقُرْآن خَاصَّة فَقَالَ بَعضهم: "إنّ الله خلقه أَولا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ أنزلهُ فِي صَحَائِف إِلَى سَمَاء

стр. 39

الدُّنْيَا " فَكَانَ جِبْرِيل يقْرَأ هَذَا الْكَلَام الْمَخْلُوق ويبلغه لمُحَمد ﷺ , وَقَالَ آخَرُونَ: "إِن الله أفهم جِبْرِيل كَلَامه النَّفْسِيّ وأفهمه جِبْرِيل لمُحَمد- ﷺ , فالنزول نزُول إِعْلَام وإفهام لَا نزُول حَرَكَة وانتقال " (لأَنهم يُنكرُونَ علو الله) ثمَّ اخْتلفُوا فِي الَّذِي عبر عَن الْكَلَام النَّفْسِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَالنّظم الْعَرَبِيّ من هُوَ؟ فَقَالَ بَعضهم: "هُوَ جِبْرِيل"، وَقَالَ بَعضهم: "بل هُوَ مُحَمَّد ﷺ "!!. وَاسْتَدَلُّوا بِمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فِي سورتي الحاقة والانشقاق حَيْثُ أَضَافَهُ فِي الأولى إِلَى مُحَمَّد ﷺ , وَفِي الْأُخْرَى إِلَى جِبْرِيل بِأَن اللَّفْظ لأحد الرسولين "جِبْرِيل أَو مُحَمَّد" وَقد صرح الباقلاني بِالْأولِ وَتَابعه الْجُوَيْنِيّ. قَالَ شيخ الْإِسْلَام: "وَفِي إِضَافَته تَعَالَى إِلَى هَذَا الرَّسُول تَارَة وَإِلَى هَذَا تَارَة دَلِيل على أَنه إِضَافَة بَلَاغ وَأَدَاء لَا إِضَافَة إِحْدَاث لشَيْء مِنْهُ وإنشاء كَمَا يَقُول بعض المبتدعة الأشعرية من أَن حُرُوفه ابْتِدَاء جِبْرِيل أَو مُحَمَّد مضاهاة مِنْهُم فِي نصف قَوْلهم لمن قَالَ انه قَول الْبشر من مُشْركي الْعَرَب" (١).

стр. 40

وعَلى القَوْل أَن الْقُرْآن الَّذِي نقرؤه فِي الْمَصَاحِف مَخْلُوق سَار الأشاعرة المعاصرون وصرحوا، فكشفوا بذلك مَا أَرَادَ شَارِح الْجَوْهَرَة أَن يستره حِين قَالَ: "يمْتَنع أَن يُقَال إِن الْقُرْآن مَخْلُوق إِلَّا فِي مقَام التَّعْلِيم" (١). السَّادِس: الْقدر: أَرَادَ الأشاعرة هُنَا أَن يوفقوا بَين الجبرية والقدرية فَجَاءُوا بنظرية الْكسْب وَهِي فِي مآلها جبرية خَالِصَة؛ لِأَنَّهَا تَنْفِي أَي قدرَة للْعَبد أَو تَأْثِير, أما حَقِيقَتهَا النظرية الفلسفية فقد عجز الأشاعرة أنفسهم عَن فهمهما فضلا عَن إفهامها لغَيرهم وَلِهَذَا قيل: مِمَّا يُقَال وَلَا حَقِيقَة تَحْتَهُ ... معقولة تدنوا إِلَى الأفهام الْكسْب عِنْد الْأَشْعَرِيّ وَالْحَال ... عِنْد البهشمى وطفرة النظام

стр. 41

وَلِهَذَا قَالَ الرَّازِيّ الَّذِي عجز هُوَ الآخر عَن فهمها: "إِن الْإِنْسَان مجبور فِي صُورَة مُخْتَار". أما الْبَغْدَادِيّ فَأَرَادَ أَن يوضحها فَذكر مِثَالا لأحد أَصْحَابه فِي تَفْسِيرهَا شبّه فِيهِ اقتران قدرَة الله بقدرة العَبْد مَعَ نِسْبَة الْكسْب إِلَى العَبْد "بِالْحجرِ الْكَبِير قد يعجز عَن حمله رجل وَيقدر آخر على حمله مُنْفَردا بِهِ فَإِذا اجْتمعَا جَمِيعًا على حمله كَانَ حُصُول الْحمل بأقواهما، وَلَا خرج أضعفهما بذلك عَن كَونه حَامِلا"!! وعَلى مثل هَذَا الْمِثَال الْفَاسِد يعْتَمد الجبرية وَبِه يتجرأ الْقَدَرِيَّة المنكرون؛ لِأَنَّهُ لَو أَن الْأَقْوَى من الرجلَيْن عذب الضَّعِيف وعاقبه على حمل الْحجر فانه يكون ظَالِما بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء، لِأَن الضَّعِيف لَا دور لَهُ فِي الْحمل، وَهَذِه الْمُشَاركَة الصورية لَا تَجْعَلهُ مسؤولا عَن حمل الْحجر. والإرادة عِنْد الأشاعرة مَعْنَاهَا "الْمحبَّة وَالرِّضَا" وأوّلوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ بِأَنَّهُ لَا يرضاه لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ! فَبَقيَ السُّؤَال واردا عَلَيْهِم: وَهل رضيه للْكفَّار أم فَعَلُوهُ وَهُوَ لم يردهُ؟. وفعلوا بِسَائِر الْآيَات مثل ذَلِك.

стр. 42

وَمن هَذَا الْقَبِيل كَلَامهم فِي الِاسْتِطَاعَة، وَالْحَاصِل أَنهم فِي هَذَا الْبَاب خَرجُوا عَن الْمَنْقُول والمعقول وَلم يعربوا عَن مَذْهَبهم فضلا عَن البرهنة عَلَيْهِ!! (١). السَّابِع: السَّبَبِيَّة وأفعال الْمَخْلُوقَات: يُنكر الأشاعرة الرَّبْط العادي بِإِطْلَاق وَأَن يكون شَيْء يُؤثر فِي شَيْء وأنكروا كل "بَاء سَبَبِيَّة" فِي الْقُرْآن، وكفّروا وبدّعوا من خالفهم ومأخذهم فِيهَا هُوَ مأخذهم فِي الْقدر، فمثلا عِنْدهم: من قَالَ: "إِن النَّار تحرق بطبعها أوهي عِلّة الإحراق فَهُوَ كَافِر مُشْرك؛ لِأَنَّهُ لَا فَاعل عِنْدهم إِلَّا الله مُطلقًا حَتَّى أَن أحد نحاة الأندلس من دولة الْمُوَحِّدين التومرتية الأشعرية هدم "نظرية الْعَامِل" عِنْد النُّحَاة مدَّعيا أَن الْفَاعِل هُوَ الله!! قالوا: إن الأسباب علاقات لا موجبات حتى أنهم يقولون: الرجل إذا كسر الزجاجة ما انكسرت بكسره وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تحرق ما احترق

стр. 43

بسببها وانما احترق عندها لا بها فالِإنسان إذا أكل حتى شبع ما شبع بالأكل وإنما شبع عند الأكل. وَمن قَالَ عِنْدهم: إِن النَّار تحرق بِقُوَّة أودعها الله فِيهَا فَهُوَ مُبْتَدع ضال، قَالُوا: إنّ فَاعل الإحراق هُوَ الله وَلَكِن فعله يَقع مقترنا بِشَيْء ظاهري مَخْلُوق، فَلَا ارتباط عِنْدهم بَين سَبَب ومسبب أصلا, وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَة اقتران كاقتران الزميلين من الأصدقاء فِي ذهابهما وإيابهما. وَمن متونهم فِي العقيدة: وَالْفِعْل فِي التَّأْثِير لَيْسَ إِلَّا ... للْوَاحِد القهار جلّ وَعلا وَمن يقل بالطبع أَو بِالْعِلَّةِ ... فَذَاك كفر عِنْد أهل الْملَّة وَمن يقل بِالْقُوَّةِ المودعة ... فَذَاك بدعي فَلَا تلْتَفت والغريب أَن هَذَا هُوَ مَذْهَب مَا يُسمى الْمدرسَة الوضعية من المفكرين الغربيين الْمُحدثين وَمن وافقهم من ملاحدة الْعَرَب، وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن الأشاعرة والوضعيين

стр. 44

كِلَاهُمَا ناقل عَن الْفِكر الفلسفي الإغريقي (١). الثَّامِن: الْحِكْمَة الغائبة: يَنْفِي الأشاعرة قطعا أَن يكون لشَيْء من أَفعَال الله تَعَالَى عِلّة مُشْتَمِلَة على حِكْمَة تقضي إِيجَاد ذَلِك الْفِعْل أَو عَدمه، وَهَذَا نَص كَلَامهم تَقْرِيبًا، وَهُوَ رد فعل لقَوْل الْمُعْتَزلَة بِالْوُجُوب على الله حَتَّى أنكر الأشاعرة كل لَام تَعْلِيل فِي الْقُرْآن وَقَالُوا إِن كَونه يفعل شَيْئا لعِلَّة يُنَافِي كَونه مُخْتَارًا مرِيدا. وَهَذَا الأَصْل تسميه بعض كتبهمْ "نفي الْغَرَض عَن الله" ويعتبرونه من لَوَازِم التَّنْزِيه، وَجعلُوا أَفعاله تَعَالَى كلهَا رَاجِعَة إِلَى مَحْض الْمَشِيئَة وَلَا تَعْلِيق لصفة أُخْرَى- كالحكمة مثلا- بهَا، ورتبوا على هَذَا أصولا فَاسِدَة كَقَوْلِهِم بِجَوَاز أَن يخلد الله فِي النَّار أخْلص أوليائه ويخلد فِي الْجنَّة أفجر الْكفَّار، وَجَوَاز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق وَنَحْوهَا. وَسبب هَذَا التأصيل الْبَاطِل عدم فهمهم أَلا تعَارض

стр. 45

بَين الْمَشِيئَة وَالْحكمَة أَو الْمَشِيئَة وَالرَّحْمَة. وَلِهَذَا لم يثبت الأشاعرة الْحِكْمَة مَعَ الصِّفَات السَّبع واكتفوا بِإِثْبَات الْإِرَادَة مَعَ أَن الْحِكْمَة تَقْتَضِي الْإِرَادَة وَالْعلم وَزِيَادَة حَتَّى أَن من المعاصرين من أضافها مثل سعيد حوى (١). التَّاسِع: النبوات: يخْتَلف مَذْهَب الأشاعرة عَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي النبوات اخْتِلَافا بَعيدا، فهم يقرّرون أَن إرْسَال الرُّسُل رَاجع للمشيئة الْمَحْضَة - كَمَا فِي الْفَقْرَة السَّابِقَة - ثمَّ يقررون أَنه لَا دَلِيل على صدق النَّبِي ﷺ إِلَّا المعجزة، ثمَّ يقرّرون أَن أَفعَال السَّحَرَة والكُهّان من جنس المعجزة لَكِنَّهَا لَا تكون مقرونة بادعاء النُّبُوَّة والتحدي، قَالُوا: وَلَو ادّعى السَّاحر أَو الكاهن النُّبُوَّة لسلبه الله معرفَة السحر رَأْسا وإِلَّا كَانَ هَذَا إضلالا من الله وَهُوَ يمْتَنع عَلَيْهِ الإضلال ... إِلَى آخر مَا يقررونه مِمَّا يُخَالف الْمَنْقُول

стр. 46

والمعقول، ولضعف مَذْهَبهم فِي النبوات مَعَ كَونهَا من أخطر أَبْوَاب العقيدة إِذْ كل أمورها متوقفة على ثُبُوت النُّبُوَّة أغروا أَعدَاء الْإِسْلَام بالنيل مِنْهُ واستطال عَلَيْهِم الفلاسفة والملاحدة. والصوفية مِنْهُم كالغزالي يفسرون الْوَحْي تَفْسِيرا قرمطياً فَيَقُولُونَ: "هُوَ انتقاش الْعلم الفائض من الْعقل الْكُلِّي فِي الْعقل الجزئي" (١). أما فِي مَوْضُوع الْعِصْمَة فينكرون صُدُور الذَّنب عَن الْأَنْبِيَاء ويؤوِّلون الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْكَثِيرَة تَأْوِيلا متعسّفا متكلّفا كالحال فِي تأويلات الصِّفَات (٢). الْعَاشِر: التحسين والتقبيح: يُنكر الأشاعرة أَن يكون لِلْعَقْلِ والفطرة أيّ دور فِي الحكم على الْأَشْيَاء بالْحسنِ والقبح وَيَقُولُونَ: مردّ ذَلِك إِلَى الشَّرْع وَحده، وَهَذَا رد فعل مغال لقَوْل البراهمة والمعتزلة:

стр. 47

إِن الْعقل يُوجب حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح، وَهُوَ مَعَ منافاته للنصوص مُكَابَرَة للعقول، وَمِمَّا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْأُصُول الْفَاسِدَة قَوْلهم: إِن الشَّرْع قد يَأْتِي بِمَا هُوَ قَبِيح فِي الْعقل فإلغاء دور الْعقل بالمرة أسلم من نِسْبَة الْقبْح إِلَى الشَّرْع مثلا, ومثلوا لذَلِك بِذبح الْحَيَوَان فَإِنَّهُ إيلام لَهُ بِلَا ذَنْب وَهُوَ قَبِيح فِي الْعقل وَمَعَ ذَلِك أَبَاحَهُ الشَّرْع، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة هُوَ قَول البراهمة الَّذين يحرمُونَ أكل الْحَيَوَان, فَلَمَّا عجز هَؤُلَاءِ عَن رد شبهتهم ووافقوهم عَلَيْهَا أَنْكَرُوا حكم الْعقل من أَصله وتوهموا أَنهم بِهَذَا يدافعون عَن الْإِسْلَام. كَمَا أَن من أَسبَاب ذَلِك مناقضة أصل من قَالَ بِوُجُوب الثَّوَاب وَالْعِقَاب على الله بِحكم الْعقل وَمُقْتَضَاهُ (١). الْحَادِي عشر: التَّأْوِيل: وَمَعْنَاهُ المبتدع: "صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الرَّاجِح إِلَى احْتِمَال مَرْجُوح لقَرِينَة", فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى تَحْرِيف للْكَلَام عَن موَاضعه كَمَا قرَّر ذَلِك شيخ الْإِسْلَام. وَهُوَ أصل منهجي من أصُول الأشاعرة وَلَيْسَ هُوَ خَاصّا بمبحث الصِّفَات بل يَشْمَل أَكثر نُصُوص الْإِيمَان,

стр. 48

خَاصَّة مَا يتَعَلَّق بِإِثْبَات زِيَادَته ونقصانه وَتَسْمِيَة بعض شعبه إِيمَانًا وَنَحْوهَا, وَكَذَا بَعض نُصُوص الْوَعْد والوعيد, وقصص الْأَنْبِيَاء, خُصُوصا مَوْضُوع الْعِصْمَة، وَبَعض الْأَوَامِر التكليفية أَيْضا. وضرورته لمنهج عقيدتهم أَصْلهَا أَنه لما تَعَارَضَت عِنْدهم الْأُصُول الْعَقْلِيَّة الَّتِي قرروها بَعيدا عَن الشَّرْع مَعَ النُّصُوص الشَّرْعِيَّة وَقَعُوا فِي مأزق رد الْكل أَو أَخذ الْكل فوجدوا فِي التَّأْوِيل مهربا عقليا ومخرجا من التَّعَارُض الَّذِي اختلقته أوهامهم وَلِهَذَا قَالُوا إننا مضطرون للتأويل وَإِلَّا أوقعنا الْقُرْآن فِي التَّنَاقُض. وإنّ الْخلف لم يؤوِّلوا عَن هوى ومكابرة وَإِنَّمَا عَن حَاجَة واضطرار؟ فَأَي تنَاقض فِي كتاب الله يَا مُسلمُونَ نضطر مَعَه إِلَى رد بعضه أَو الِاعْتِرَاف للأعداء بتناقضه؟. وَقد اعْترف الصَّابُونِي بِأَن فِي مَذْهَب الأشاعرة "تأويلات غَرِيبَة" فَمَا المعيار الَّذِي عرف بِهِ الْغَرِيب من غير الْغَرِيب؟ وَهنا لابد من زِيَادَة التَّأْكِيد على أَن مَذْهَب السّلف لَا تَأْوِيل فِيهِ لنَصّ من النُّصُوص الشَّرْعِيَّة إطلاقا وَلَا يُوجد

стр. 49

نَص وَاحِد - لَا فِي الصِّفَات وَلَا غَيرهَا - اضْطر السّلف إِلَى تَأْوِيله وَللَّه الْحَمد، وكل الْآيَات وَالْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا الصَّابُونِي وَغَيره تحمل فِي نَفسهَا مَا يدل على الْمَعْنى الصَّحِيح الَّذِي فهمه السّلف مِنْهَا وَالَّذِي يدل على تَنْزِيه الله تَعَالَى دون أدنى حَاجَة إِلَى التَّأْوِيل. أما التَّأْوِيل فِي كَلَام السّلف فَلهُ مَعْنيانِ: ١ـ التَّفْسِير كَمَا تَجِد فِي تَفْسِير الطَّبَرِيّ وَنَحْوه "القَوْل فِي تَأْوِيل هَذِه الْآيَة" أَن تَفْسِيرهَا. ٢ـ الْحَقِيقَة الَّتِي يصير إِلَيْهَا الشَّيْء كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَي تحقيقها, وَقَوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أَي تَحْقِيقه ووقوعه. أما التأوّل فَلهُ مَفْهُوم آخر: رَاجع الْحَاشِيَة. وَإِن تعجب فاعجب لهَذِهِ اللَّفْظَة النابية الَّتِي يستعملها الأشاعرة مَعَ النُّصُوص وَهِي أَنَّهَا "توهم" التَّشْبِيه وَلِهَذَا وَجب تَأْوِيلهَا, فَهَل فِي كتاب الله إِيهَام أم أَن الْعُقُول الكاسدة تتوهم والعقيدة لَيست مجَال توهم. فالعيب لَيْسَ فِي ظواهر النُّصُوص -عياذا بِاللَّه- وَلكنه فِي الأفهام بل الأوهام السقيمة. أما دَعْوَى أَن الإِمَام

стр. 50

أَحْمد اسْتثْنى ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقَالَ لابد من تَأْوِيلهَا فَهِيَ فِرْيَة عَلَيْهِ افتراها الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء وفيصل التَّفْرِقَة) ونفاها شيخ الْإِسْلَام سندا ومتنا. وَحسب الأشاعرة فِي بَاب التَّأْوِيل مَا فتحوه على الْإِسْلَام من شرور بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُم لما أوَّلوا مَا أوّلوا تبعتهم الباطنية, واحتجت عَلَيْهِم فِي تَأْوِيل اَلحلال وَالْحرَام وَالصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج والحشر والحساب، وَمَا من حجَّة يحْتَج بهَا الأشاعرة عَلَيْهِم فِي الْأَحْكَام وَالْآخِرَة إِلَّا احتجّ الباطنية عَلَيْهِم بِمِثْلِهَا أَو أقوى مِنْهَا من وَاقع تأويلهم للصفات. وَإِلَّا فلماذا يكون تَأْوِيل الأشاعرة لعلو الله الَّذِي تقطع بِهِ الْعُقُول وَالْفطر والشرائع تَنْزِيها وتوحيدا, وَتَأْويل الباطنية للبعث والحشر كفرا وردة؟ (١).

стр. 51

أَلَيْسَ كل مِنْهُمَا ردّاً لظواهر النُّصُوص مَعَ أَن نُصُوص الْعُلُوّ أَكثر وَأشهر من نُصُوص الْحَشْر الجسماني؟. ولماذا يكفّر الأشاعرة الباطنية ثمَّ يشاركونهم فِي أصل من أعظم أصولهم؟ الثَّانِي عشر: السمعيات: يقسم الأشاعرة أصُول العقيدة بِحَسب مصدر التلقي إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام: ١ـ قسم مصدره الْعقل وَحده وَهُوَ مُعظم الْأَبْوَاب, وَمِنْه بَاب الصِّفَات, وَلِهَذَا يسمون الصِّفَات السَّبع "عقلية" وَهَذَا الْقسم هُوَ"مَا يحكم الْعقل بِوُجُوبِهِ" دون توقف على

стр. 52

الْوَحْي عِنْدهم. ٢ـ قسم مصدره الْعقل وَالنَّقْل مَعًا كالرؤية -على خلاف بَينهم فِيهَا-, وَهَذَا الْقسم هُوَ"مَا يحكم الْعقل بِجَوَازِهِ اسْتِقْلَالا أَو بمعاضدة الْوَحْي". ٣ـ قسم مصدره النَّقْل وَحده وَهُوَ السمعيات أَي المغيبات من أُمُور الْآخِرَة كعذاب الْقَبْر والصراط وَالْمِيزَان, وَهُوَ عِنْدهم: مَالا يحكم الْعقل باستحالته لَكِن لَو لم يرد بِهِ الْوَحْي لم يسْتَطع الْعقل إِدْرَاكه مُنْفَردا, ويدخلون فِيهِ التحسن والتقبيح والتحليل وَالتَّحْرِيم. وَالْحَاصِل أَنهم فِي صِفَات الله جعلُوا الْعقل حَاكما, وفى إِثْبَات الْآخِرَة جعلُوا الْعقل عاطلا, وفى الرُّؤْيَة جَعَلُوهُ مُسَاوِيا. فَهَذِهِ الْأُمُور الغيبية نتفق مَعَهم على إِثْبَاتهَا لكننا نخالفهم فِي المأخذ والمصدر، فهم يَقُولُونَ عِنْد ذكر أيّ أَمر مِنْهَا نؤمن بِهِ لِأَن الْعقل لَا يحكم باستحالته وَلِأَن الشَّرْع جَاءَ بِهِ ويكرِّرون ذَلِك دَائِما، أما فِي مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَلَا مُنَافَاة بَين الْعقل وَالنَّقْل أصلا, وَلَا تضخيم لِلْعَقْلِ فِي جَانب وإهدار فِي جَانب, وَلَيْسَ هُنَاكَ أصل من أصُول العقيدة يسْتَقلّ الْعقل بإثباته أبدا, كَمَا أَنه لَيْسَ هُنَاكَ أصل مِنْهَا لَا يَسْتَطِيع الْعقل إثْبَاته أبدا.

стр. 53

فالإيمان بِالآخِرَة وَهُوَ أصل كل السمعيات لَيْسَ هُوَ فِي مَذْهَب أمل السّنة وَالْجَمَاعَة سمعيا فَقَط بل إِن الْأَدِلَّة عَلَيْهِ من الْقُرْآن هِيَ فِي نَفسهَا عقلية كَمَا أَن الْفطر السليمة تشهد بِهِ فَهُوَ حَقِيقَة مركوزة فِي أذهان الْبشر مَا لم يحرفهم عَنْهَا حارف. لَكِن لَو أَن الْعقل حكم باستحالة شَيْء من تفصيلاته -فرضا وجدلا- فَحكمه مَرْدُود وَلَيْسَ إيمَاننَا بِهِ متوقفا على حكم الْعقل. وَغَايَة الْأَمر أَن الْعقل قد يعجز عَن تصَوره أما أَن يحكم باستحالته فَغير وَارِد وَللَّه الْحَمد (١). الثَّالِث عشر: التَّكْفِير: التَّكْفِير عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة حق لله تَعَالَى لَا يُطلق إِلَّا على من يسْتَحقّهُ شرعا وَلَا تردد فِي إِطْلَاقه على من ثَبت كفره بِشُرُوطِهِ الشَّرْعِيَّة. أما الأشاعرة فهم مضطربون اضطرابا كَبِيرا فَتَارَة يَقُولُونَ: "نَحن لَا نكفّر أحدا", وَتارَة يَقُولُونَ: "نَحن لَا نكفِّر إِلَّا من كفّرنا", وَتارَة يكفّرون بِأُمُور لَا تستوجب أَكثر من

стр. 54

التفسيق أَو التبديع, وَتارَة يكفّرون بِأُمُور لَا توجب مُجَرّد التفسيق, وَتارَة يكفّرون بِأُمُور هِيَ نَفسهَا شَرْعِيَّة وَيجب على كل مُسلم أَن يعتقدها. فَأَما قَوْلهم: "لَا نكفّر أحدا" فَبَاطِل قطعا؛ إِذْ فِي المنتسبين إِلَى الْإِسْلَام فضلا عَن غَيرهم كفّار لاشك فِي كفرهم, وَأما قَوْلهم: "لَا نكفّر إِلَّا من كفّرنا" فَبَاطِل كذلكَ؛ إِذْ لَيْسَ تَكْفِير أحد لنا بمسوِّغ أَن نكفِّره إِلَّا إِذا كَانَ يسْتَحق ذَلِك شرعا. وَأما تَكْفِير من لَا يسْتَحق سوى التبديع فَمثل تصريحهم فِي أغلب كتبهمْ بتكفير من قَالَ: "إِن الله جسم لَا كالأجسام" وَهَذَا لَيْسَ بِكَافِر بل هُوَ ضال مُبْتَدع؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظ لم يرد بِهِ الشَّرْع, والأشاعرة تسْتَعْمل مَا هُوَ مثله وَشر مِنْهُ. وَأما تَكْفِير من لَا يسْتَحق حَتَّى مُجَرّد الْفسق أَو الْمعْصِيَة فَكَمَا مرّ فِي الْفَقْرَة السَّابِعَة من تكفيرهم من قَالَ: "إِن النَّار عِلّة الإحراق وَالطَّعَام عِلّة الشِّبَع". وَأما التَّكْفِير بِمَا هُوَ حق فِي نَفسه يجب اعْتِقَاده فنحو تكفيرهم لمن يثبت علو الله وَمن لم يُؤمن بِاللَّه على طَريقَة أهل الْكَلَام, وكقولهم: "إِن الْأَخْذ بظواهر النُّصُوص من أصُول الْكفْر" كَقَوْلِهِم: "إنّ عبَادَة الْأَصْنَام فرع من مَذْهَب المشبهة" ويعنون بهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة.

стр. 55

وَمن شَوَاهِد تَكْفِير بَعضهم قَدِيما وحديثا لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم حَسبك مَا فِي كتب الكوثري وتلميذه مؤلف بَرَاءَة الْأَشْعَرِيين (١). الرَّابِع عشر: الصَّحَابَة والإمامة: من خلال استعراض لأكْثر أُمَّهَات كتب الأشاعرة وجدت أَن مَوْضُوع الصَّحَابَة هُوَ الْمَوْضُوع الوحيد الَّذِي يتفقون فِيهِ مَعَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَرِيب مِنْهُ مَوْضُوع الْإِمَامَة. وَلَا يَعْنِي هَذَا الِاتِّفَاق التَّام بل هم مخالفون فِي تفصيلات كَثِيرَة, لَكِنَّهَا لَيست دَاخِلَة فِي بحثنا هُنَا؛ لِأَن غرضنا -كَمَا فِي سَائِر الفقرات- إِنَّمَا هُوَ الْمنْهَج وَالْأُصُول. الْخَامِس عشر: الصِّفَات: والْحَدِيث عَنْهَا يطول وتناقضهم وتحكمهم فِيهَا أشهر وَأكْثر، وكل مَذْهَبهم فِي الصِّفَات مركب من بدع سَابِقَة وأضافوا إِلَيْهِ بدعا أحدثوها فَأصْبح غَايَة فِي التلفيق المتنافر. وَلنْ أتحدث عَن هَذَا الْبَاب هُنَا لأنني التزمت بِبَيَان

стр. 56

الْأُصُول الَّتِي خالفوا فِيهَا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة عدا الصِّفَات. أما مخالفتهم فِي الصِّفَات فمعروفة, وَإِن كَانَ كثير من أسس نظرياتهم فِيهَا يحْتَاج لتجلية ونسف. وَلَعَلَّ هَذَا مَا يكون فِي الرَّد المتكامل بِإِذن الله. هَل بَقِي شكّ؟ بعد هَذِه المخالفات المنهجية فِي أَبْوَاب العقيدة كلهَا, وَبعد هَذَا التميّز الفكري الْوَاضِح لمَذْهَب الأشاعرة, إِضَافَة إِلَى التميّز التاريخي هَل بقى شكّ فِي خُرُوجهمْ عَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّذِي هُوَ مَذْهَب السّلف الصَّالح؟. لَا أَظن أيّ عَارِف بالمذهبين وَلَو من خلال مَا سبق هُنَا يتَصَوَّر ذَلِك. وَمَعَ هَذَا فَسَوف أضيف فوارق منهجية أُخْرَى وضوابط فِي علم الْفرق والمقالات لَا يشك فِي صدقهَا مطَّلع بل سأكتفي بفارق وَاحِد وَضَابِط وَاحِد: فَارق منهجي نموذجي: التَّنَاقُض ومكابرة الْعقل: لَيْسَ هُنَاكَ مَذْهَب أَكثر تناقضا من مَذْهَب الأشاعرة اللَّهُمَّ إِلَّا مَذْهَب الرافضة, لَكِن الرافضة كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد: "لَيست الرافضة من الْإِسْلَام فِي شَيْء", وكما قَالَ

стр. 57

شيخ الْإِسْلَام: "إِن الرافضة قوم لَا عقل لَهُم وَلَا نقل"، أما هَؤُلَاءِ فيدّعون الْعقل ويحكَّمونه فِي النَّقْل ثمَّ يتناقضون تناقضا يبرأ مِنْهُ الْعقل, ويخلو مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من أدنى شَائِبَة مِنْهُ وَللَّه الْحَمد، وكما سيلاحظ الْقَارئ هُنَا يرجع مُعظم تناقضهم إِلَى كَونهم لم يسلّموا للوحي تَسْلِيمًا كَامِلا, ويعرفوا لِلْعَقْلِ مَنْزِلَته الْحَقِيقِيَّة وحدوده الشَّرْعِيَّة, وَلم يلتزموا بِالْعقلِ التزاما وَاضحا, ويرسموا منهجا عقليا متكاملا كالمعتزلة والفلاسفة بل خلطوا وركبوا فتناقضوا واضطربوا. وَإِلَيْك أَمْثِلَة سريعة للتناقض ومكابرة الْعقل: ١ - قَالُوا: "إِنَّه لَا يجوز أَن يرى الْأَعْمَى بالمشرق الْبقْعَة بالأندلس". ٢ - قَالُوا: "إِن الْجِهَة مستحيلة فِي حق الله" ثمَّ قَالُوا بِإِثْبَات الرُّؤْيَة, وَلِهَذَا قيل فيهم: "من أنكر الْجِهَة وَأثبت الرُّؤْيَة فقد أضْحك النَّاس على عقله". ٣ - قَالُوا: "إِن لله سبع صِفَات عقلية يسمونها (مَعَاني) هِيَ: "الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام", وَلم يكتفوا بِهَذَا التحكّم الْمَحْض، بل قَالُوا: "إِن لَهُ سبع صِفَات أُخْرَى يسمونها (معنوية) وَهِي "كَونه حَيا, وَكَونه عَالما,

стр. 58

وَكَونه قَادِرًا, وَكَونه مرِيدا, وَكَونه سميعا, وَكَونه بَصيرًا, وَكَونه متكلما" ثمَّ لم يَأْتُوا فِي التَّفْرِيق بَين الْمعَانِي والمعنوية بِمَا يستسيغه عقل, بل غَايَة مَا قَالُوا: "إِن هَذِه الْأَخِيرَة أَحْوَال فَإِذا سَأَلتهمْ مَا الحالي؟ قَالُوا: "صفة لَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة..." ٤ - قَالُوا: "إِنَّه لَا أثر لشَيْء من الْمَخْلُوقَات فِي شَيْء, وَلَا فعل مُطلقًا", ثمَّ قَالُوا: "إِن للْإنْسَان كسبا يجازى لأَجله، فَكيف يجازى على مَالا أثر لَهُ فِيهِ مُطلقًا" (رَاجع فقرتي: السَّادِس وَالسَّابِع). ٥ - قَالُوا: بِنَفْي الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل فِي أَفعاله الله مُطلقًا, ثمَّ إنّ الله يَجْعَل لكل نَبِي معْجزَة لأجل إِثْبَات صدق النَّبِي فتناقضوا بَين مَا يسمُّونه (نفي الْحِكْمَة وَالْغَرَض) وَبَين إِثْبَات الله للرسول تفريقا بَينه وَبَين المتنبئ. ٦ - قَالُوا: بِأَن أَحَادِيث الْآحَاد مهما صحَّت لَا يبْنى عَلَيْهَا عقيدة ثمَّ أسَّسوا مَذْهَبهم وَبَنوهُ فِي أخطر الْأُصُول والقضايا (الْإِيمَان، الْقُرْآن، الْعُلُوّ) على بَيْتَيْنِ غير ثابتين عَن شَاعِر نَصْرَانِيّ- الأخطل- هما: (١) إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا

стр. 59

(٢) قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق ٧ - قَالُوا: بِأَن رفع النقيضين محَال -وَهُوَ كَذَلِك- محتجين بهَا فِي مسَائِل, ثمَّ قَالُوا فِي صفة من أعظم وأبيَنِ الصِّفَات (الْعُلُوّ): "إنّ الله لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ وَلَا عَن يَمِينه وَلَا عَن شِمَاله..." وَقَالُوا عَن الْأَحْوَال: هِيَ صِفَات لَا مَعْدُومَة وَلَا مَوْجُودَة فَرفعُوا النقيضين مَعًا. ٨ - قَالُوا: "إِن الْعقل يقدَّم على النَّقْل عِنْد التَّعَارُض, بل الْعقل هُوَ الأَصْل, وَالنَّقْل إِن وَافقه قُبِل وَإِن خَالفه رد أَو أوّل"، ثمَّ قَالُوا: "إِن الْعقل لَا يحسّن شَيْئا وَلَا يقبحه "، فَجعلُوا -مثلا- نُصُوص علو الله مُعَارضَة للقواطع الْعَقْلِيَّة فِي حِين جعلُوا قبح الزِّنَا وَالْكذب مَسْأَلَة سمعيه ... ٩ - قَالُوا: "إنّ تَأْوِيل آيَات الصِّفَات وَاجِب يَقْتَضِيهِ التَّنْزِيه وَتَأْويل آيَات الْحَشْر وَالْأَحْكَام كفر يخرج من الْملَّة" ... أما من دَعَا غير الله أَو ذبح لَهُ واستغاث بِهِ أَو تحاكم إِلَى الطاغوت فَلم يتَعَرَّضُوا لذكره أصلا. ١٠ - قَالُوا: "إِن من قَالَ: إِن النَّار تحرق بطبعها كَافِر

стр. 60

مُشْرك, وَمن أنكر علو الله على خلقه موّحد منزّه". ١١ - جزموا بِأَن من لم يبلغهُ الشَّرْع غير مؤاخذ بِإِطْلَاق, وردّوا أَو أوّلوا النُّصُوص فِي ذَلِك. ثمَّ قَالُوا: "إِن على كل مُكَلّف -وان كَانَ مولودا من أبوين مُسلمين فِي ديار الْإِسْلَام وَهُوَ يظْهر الْإِسْلَام- عَلَيْهِ إِذا بلغ سنّ التَّكْلِيف أَن ينظر فِي حُدُوث الْعَالم وَوُجُود الله", فَإِن مَاتَ قبل النّظر أَو فِي أَثْنَائِهِ اخْتلفُوا فِي الحكم بِإِسْلَامِهِ, وَجزم بَعضهم بِكُفْرِهِ (١). هَذَا غيض من فيض من تناقضهم مَعَ أصولهم ومكابرتهم لِلْعَقْلِ السَّلِيم, وَمن أَرَادَ الاستزادة وَالتَّفْصِيل فَليُرَاجع التسعينية لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية. وَهُنَاكَ قَضِيَّة بَالِغَة الخطورة لاسيما فِي هَذَا الْعَصْر وهى الأخطاء العلمية عَن الْكَوْن الَّتِي تمتلئ بهَا كتب الأشاعرة وَالَّتِي يتخذها الْمَلَاحِدَة، وَسِيلَة لِلطَّعْنِ فِي الْإِسْلَام وتشكيك الْمُسلمين فِي دينهم. من ذَلِك مَا حشده صَاحب المواقف فِي أول كِتَابه من فُصُول طَوِيلَة عَن الْفلك والحرارة والضوء والمعادن

стр. 61

وَغَيرهَا مِمَّا قد يكون ذَا شَأْن فِي عصره لكنه الْيَوْم أشبه بأساطير اليونان أَو خرافات الْعَجَائِز. وَمن ذَلِك قَول الْبَغْدَادِيّ: "إِن أهل السّنة (١) أَجمعُوا على وقُوف الأَرْض وسكونها" (٢). وَاسْتدلَّ على ذَلِك فِي كِتَابه أصُول الدّين "بِمَعْنى اسْم الله الباسط" قَالَ: "لِأَنَّهُ بسط الأَرْض وسماها بساطا خلاف زعم الفلاسفة والمنجمين أَنَّهَا كروية" (٣) , وَمثله صَاحب المواقف الَّذِي أكد أَنَّهَا مبسوطة وَأَن القَوْل بِأَنَّهَا كرة من زعم الفلاسفة (٤). ورحم الله شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مَا كَانَ أعظمه حِين قَالَ: "وَالْخَطَأ فِيمَا تَقوله المتفلسفة فِي الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ الْمُتَكَلِّمين. وَأما فِيمَا يَقُولُونَهُ فِي الْعُلُوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صَوَاب المتفلسفة أَكثر من صَوَاب من رد عَلَيْهِم من

стр. 62

أهل الْكَلَام، فَإِن أَكثر أهل الْكَلَام فِي هَذِه الْأُمُور بِلَا علم وَلَا عقل وَلَا شرع" (١). ضَابِط من ضوابط معرفَة الْفرق واختلافها: من الْمَعْلُوم لَدَى الباحثين فِي الْفرق واختلافها أَن لكل فرقة أساسا منهجيا تتفق عَلَيْهِ طوائفها وَترجع إِلَيْهِ أُصُولهَا وقواعدها, وَمن خَالف فِيهِ خرج عَن انتسابه لَهَا, وَمن لم ينطبق عَلَيْهِ لم يدْخل فِيهَا. فمثلا كل من قَالَ بالأصول الْخَمْسَة فَهُوَ معتزلي, وكل من قَالَ: "إِن الْإِنْسَان مجبور على أَفعاله فَهُوَ جبري", وكل من قَالَ: "إِن الْإِيمَان هُوَ الْمعرفَة أَو التَّصْدِيق فَهُوَ مرجئ", وكل من قَالَ بالْكلَام النَّفْسِيّ وَالْكَسْب فَهُوَ أشعري ... إِلَى آخر مَا هُوَ مَعْرُوف. وَهَذَا ضَابِط منهجي يحدّد بِهِ الباحث الْفرْقَة والانتماء إِلَيْهَا. وبتطبيق هَذَا الضَّابِط الَّذِي لَا خلاف فِي تحديده يتَبَيَّن قطعا أَن المرجئة والقدرية والمعتزلة لَيْسُوا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَهَذَا مَا تَقوله الأشاعرة وَلَا تخَالف فِيهِ.

стр. 63

وَمن الثَّابِت عَن كثير من السّلف وَعَلِيهِ جرى المصنفون فِي الْفرق والمقالات من أهل السّنة والأشاعرة أَن أصُول الْفرق الثِّنْتَيْنِ وَسبعين الْخَارِجَة عَن أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَربع "الْقَدَرِيَّة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة". فَنَقُول بعد ذَلِك: إِذا كَانَ المرجئ والقدري ليسَا من أهل السّنة فَمَا حكم من جمع بَين الإرجاء وَالْقدر أَو الإرجاء والجبر أَو جمع بَين أصُول الْمُعْتَزلَة وَقَول الرافضة؟. أَيكُون هَذَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة؟ أم أَكثر بعدا عَنْهُم؟. وَالْجَوَاب الطبيعي مَعْرُوف. وَعَلِيهِ نقُول: ١ـ إِذا كَانَت المرجئة الْخَالِصَة (أَي الَّتِي لم تخلط بالإرجاء شَيْئا من الْبدع فِي الصِّفَات أَو غَيرهَا) لَيست هِيَ أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَلَا مِنْهُم، فَكيف يكون حَال الأشاعرة الَّذين جَاءُوا بالإرجاء كَامِلا، وَزَادُوا عَلَيْهِ بدعاً أُخْرَى فِي أَبْوَاب العقيدة الْأُخْرَى كَمَا مر سَابِقًا. ٢ - إِذا كَانَت الجبرية الْخَالِصَة لَيست هِيَ أهل السّنة

стр. 64

وَالْجَمَاعَة وَلَا مِنْهُم فَكيف يكون حَال الأشاعرة الَّذين جَاءُوا بِالْكَسْبِ (الَّذِي اعْترف كثير مِنْهُم بِأَنَّهُ جبر وَإِن لم يكن جبرا فَهُوَ بِدعَة على أَي حَال) وَزَادُوا عَلَيْهِ كَمَا سبق. أضف إِلَى هَذَا أَن كل ذمّ للصوفية فللأشاعرة مِنْهُ نصيب لِأَن أَكثر أَئِمَّة الصُّوفِيَّة المنحرفين كالغزالي وَابْن الْقشيرِي كَانُوا أشاعرة ... ٣ - هَل يرضى الأشاعرة أَن يُقَال عَنْهُم معتزلة فَإِن قَالُوا: لَا وَهُوَ المتوقع قُلْنَا: وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة لَا يرضون أَن يُقَال عَنْهُم أشاعرة أبدا، فَإِن خالفونا قُلْنَا: تَعَالَوْا لنقيس نَحن وَأَنْتُم الْمسَافَة بَيْنكُم وبيننا, وَبَيْنكُم وَبَين الْمُعْتَزلَة, وَعِنْدهَا ترَوْنَ أَنكُمْ أقرب إِلَيْهِم مِنْكُم إِلَيْنَا وَإِن كُنْتُم أقرب إِلَيْنَا مِنْهُم. ٤ - لَو أَن أيّ باحث فِي الْفرق يعرف أُصُولهَا وضوابط تحديدها اطلع على كتب فرقة من الْفرق أَو علم من الْأَعْلَام فَوَجَدَهَا مَمْلُوءَة شتما وتضليلا وتبديعا وتكفيراً لفرقة مُعينَة فَهَل يجوز لَهُ أَن يكْتب فِي بَحثه أَن هَذِه الْفرْقَة وَتلك سَوَاء أَو أَن هَذِه جُزْء من هَذِه, وَهل يقبل هَذَا مِنْهُ أَي أستاذ للْفرق والمذاهب؟.

стр. 65

بل لَو سَمِعت أحدا من الْعَامَّة يشْتم طَائِفَة من النَّاس فَقلت لَهُ: أَنْت مِنْهُم، أفيرضى بِهَذَا أم يعتبره شتما لَهُ؟. فَمَا القَوْل إِذن فِي الأشاعرة الَّذين تمتلئ كتبهمْ بشتم وتضليل وتبديع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة, وَأَحْيَانا بتكفيرهم أيصح بعد هَذَا أَن نقُول إِنَّهُم مِنْهُم؟. وَإِن أردْت التأكد فاسأل أَي أشعري مَا المُرَاد بقول الرَّازِيّ أَو الْجُوَيْنِيّ أَو الإيجي... الخ. (الحشوية، المجسمة، النابتة، مثبتو الْجِهَة، الْقَائِلُونَ بِأَن الْحَوَادِث تحل فِي الله ... الخ) (١). إِن الْأَجْوِبَة كلهَا بديهية وَلَكِن مَاذَا نصْنَع وَقد ابتلينا بِمن يُنكر البديهيات.

стр. 66

أَيهمَا الْفرْقَة النَّاجِية؟ قد أوضحنا فِيمَا سبق أَن أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والأشاعرة فرقتان مُخْتَلِفَتَانِ، وَهَذَا يسْتَلْزم تَحْدِيد أَيهمَا الْفرْقَة النَّاجِية؟. وَمَا أوضح هَذَا التَّحْدِيد وأسهله، لَكِن مُكَابَرَة بعض الأشاعرة بادّعاء أَن الأشاعرة وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة كِلَاهُمَا نَاجٍ يجعلنا نبدأ بإلقاء سُؤال عَن الْفرْقَة النَّاجِية: أَهِي فرقة وَاحِدَة أم فرقتان؟ وَالْجَوَاب:-مَعَ بداهته لكل ذِي عقل- مفروغ مِنْهُ نصا، فقد أخبر النَّبِي ﷺ فِي رِوَايَات كَثِيرَة لحَدِيث افْتِرَاق هَذِه الْأمة على ثَلَاث وسبعن فرقة: أَنَّهَا كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة. وَمَا قَالَ ﷺ وَلَا أحد من أَصْحَابه وَلَا تابعيهم أَنَّهَا اثْنَتَانِ. وَعَلِيهِ جَاءَ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم: هُوَ السّنة, والسبل: هِيَ الْأَهْوَاء, وَمَا هُوَ إِلَّا طَرِيق وَاحِد كَمَا خطّ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ.

стр. 67

وعَلى هَذَا سَارَتْ كتب الْفرق- السّني مِنْهَا والبدعي- فَهِيَ تقرران الْفرْقَة النَّاجِية وَاحِدَة ثمَّ تدّعي كل فرقة أَنَّهَا هِيَ هَذِه الْوَاحِدَة. بقى إِذن أَن يُقَال: مَا هِيَ صفة هَذِه الْفرْقَة وعلامتها؟ وَالْجَوَاب أَنه جَاءَ فِي بعض رِوَايَات الحَدِيث نَفسه - من طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا- أَنَّهَا "مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي" وَمَعْنَاهَا قطعا صَحِيح، وَلَا تخَالف فِيهِ الأشاعرة بل فِي الْجَوْهَرَة: وكل الْخَيْر اتِّبَاع من سلف ... وكل شَرّ فِي ابتداع من خلف فَنَقُول لَهُم إِذن: أَكَانَ مِمَّا عَلَيْهِ النَّبِي- ﷺ وَأَصْحَابه وَسلف الْأمة: تَقْدِيم الْعقل على النَّقْل أَو نفى الصِّفَات مَا عدا المعنوية والمعاني، أَو الِاسْتِدْلَال بِدَلِيل الْحُدُوث والقدم، أَو الْكَلَام عَن الْجَوْهَر وَالْعرض والجسم وَالْحَال ... أَو نظرية الْكسْب، أَو أَن الْإِيمَان هُوَ مُجَرّد التَّصْدِيق القلبي، أَو القَوْل بِأَن الله لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا فَوْقه وَلَا تَحْتَهُ، أَو

стр. 68

الْكَلَام النَّفْسِيّ الَّذِي لَا صِيغَة لَهُ، أَو نفي قدرَة العَبْد وتأثير الْمَخْلُوقَات، أَو إِنْكَار الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل ... إِلَى آخر مَا فِي عقيدتكم؟ إننا نربأ بِكُل مُسلم أَن يظنّ ذَلِك أَو يَقُوله. بل نَحن نَزِيدكُمْ إيضاحا فَنَقُول: إِن هَذِه العقائد الَّتِي أدخلتموها فِي الْإِسْلَام وجعلتموها عقيدة الْفرْقَة النَّاجِية بزعمكم, هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فلاسفة اليونان ومشركو الصابئة وزنادقة أهل الْكتاب. لَكِن ورثهَا عَنْهُم الجهم بن صَفْوَان وَبشر المريسي وَابْن كلاب, وَأَنْتُم ورثتموها عَن هَؤُلَاءِ، فَهِيَ من تَرِكَة الفلاسفة والابتداع وَلَيْسَت من مِيرَاث النُّبُوَّة وَالْكتاب. وَمن أوضح الْأَدِلَّة على ذَلِك أننا مَا نزال حَتَّى الْيَوْم نرد عَلَيْكُم بِمَا ألّفه أَئِمَّة السّنة الْأَولونَ من كتب فِي الردود على "الْجَهْمِية" كتبوها قبل ظُهُور مذهبكم بِزَمَان، وَمِنْهُم الإِمَام أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد والدارمي وَابْن أبي حَاتِم... فَدلَّ هَذَا على أَن سلفكم أُولَئِكَ الثَّلَاثَة وأشباههم مَعَ مَا زدتم عَلَيْهِم وركبتم من كَلَامهم من بدع جَدِيدَة.

стр. 69

على أَن المراء حول الْفرْقَة النَّاجِية لَيْسَ جَدِيدا من الأشاعرة فقد عقدوا لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية محاكمة كبرى بِسَبَب تأليفه "العقيدة الواسطية" وَكَانَ من أهم التهم الموجهة إِلَيْهِ أَنه قَالَ فِي أَولهَا: "فَهَذَا اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية ... ". إِذْ وجدوا هَذَا مُخَالفا لما تقرر لديهم من الْفرْقَة النَّاجِية هِيَ الأشاعرة والماتريدية (١) وَكَانَ من جَوَاب شيخ الْإِسْلَام لَهُم أَنه أحضر أَكثر من خمسين كتابا من كتب الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَأهل الحَدِيث والصوفية والمتكلمين كلهَا توَافق مَا فِي الواسطية وَبَعضهَا ينْقل إِجْمَاع السّلف على مَضْمُون تِلْكَ العقيدة. وتحدّاهم- ﵀ قَائِلا: "قد أمهلت كل لمن خالفني فِي شَيْء مِنْهَا ثَلَاث سِنِين فَإِن جَاءَ بِحرف وَاحِد عَن أحد من الْقُرُون الثَّلَاثَة ... يُخَالف مَا ذكرت فَأَنا أرجع عَن ذَلِك". قَالَ: "وَلم يسْتَطع المتنازعون مَعَ طول تفتيشهم كتب الْبَلَد وخزائنه أَن يخرجُوا مَا يُنَاقض ذَلِك عَن أحد من أَئِمَّة

стр. 70

الْإِسْلَام وسلفه" (١). فَهَل يُرِيد الأشاعرة المعاصرون أَن نجدِّد التحدِّي ونمدد المهلة أم يكفى أَن نقُول لَهُم ناصحين: إِنَّه لَا نجاة لفرقة وَلَا لأحد فِي الابتداع, وَإِنَّمَا النجَاة كل النجَاة فِي التَّمَسُّك والاتباع ... ترجو النجَاة وَلم تسلك مسالكها ... إِن السَّفِينَة لَا تجْرِي على اليبس من أهل الْقبْلَة لَا من أهل السّنة: تبين مِمَّا تقدم أَن الأشاعرة فرقة من الثِّنْتَيْنِ وَسبعين فرقة وَأَن حكم هَذِه الْفرق الثِّنْتَيْنِ وَسبعين هُوَ: ١ـ الضلال والبدعة. ٢ـ الْوَعيد بالنَّار وَعدم النجَاة. وَهَذَا مثار جدل كَبِير ولغط كثير مِمَّن يجهلون منصب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الْوَعْد والوعيد إِذْ مَا يكادون يسمعُونَ هَذَا حَتَّى يرفعوا عقيرتهم بأننا ندخل الأشاعرة النَّار ونحكم عَلَيْهِم بِالْخرُوجِ من الْملَّة -عياذا بِاللَّه-.

стр. 71

وَنحن نقُول إِنَّه لَا يَصح تَفْسِير أَلْفَاظ أَو إطلاقات مَذْهَب السّلف فِي الْوَعْد والوعيد إِلَّا من خلال أَقْوَالهم هم وعَلى الَّذين يجهلونه أَن يستفصلوا قبل أَن يتسرّعوا بادّعاء التَّكْفِير. وَهَذَا موجز لمَذْهَب السّلف فِي أَلْفَاظ الْوَعيد ونصوصه: ١ـ فَمن أَلْفَاظ الْوَعيد "الضلال" وَهُوَ لَيْسَ مرادفا للكفر بِإِطْلَاق إِلَّا عِنْد من يجهلون أوضح بدهيات العقيدة، فَإِذا أطلق على أحد من الْقبْلَة فَالْمُرَاد بِهِ الْمعْصِيَة فِي الاعتقادات كَمَا أَن لفظ "الْفسق" يُطلق على الْمعْصِيَة فِي الْأَعْمَال. مَعَ أَن الضلال وَالْفِسْق يطلقان على الْكفْر أَيْضا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ , وَقَوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾. لَكِن إِذا كَانَت كلمة الْكفْر نَفسهَا تطلق فِي الْأَحَادِيث وَلَا يُرَاد بهَا الْكفْر الْأَكْبَر الْمخْرج من الْملَّة كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي الصَّحِيح: "سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر"

стр. 72

فَكيف بلفظتي الْفسق والضلال اللَّتَيْنِ دون ذَلِك فِي الْوَعيد. وَالْقُرْآن- على الصَّحِيح- لم يَأْتِ فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر إِلَّا على الْكفْر الْأَكْبَر الْمخْرج من الْملَّة، أما الضلال فورد فِيهِ بِمَعْنى الانحراف عَن الْحق وَالصَّوَاب مُطلقًا غير وُرُوده بِمَعْنى الْكفْر كَمَا سبق. وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾. وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ كل عَاص كَافِرًا. وَقَوله تَعَالَى عَن أَصْحَاب الْجنَّة الْمَذْكُورين فِي سُورَة

стр. 73

الْقَلَم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ , وهم لم يشْهدُوا على أنفسهم بالْكفْر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ أَي تخطئ فتذكرها الْأُخْرَى. وَالْحَاصِل أَن قَوْلنَا إِن الأشاعرة فرقة ضَالَّة يَعْنِي أَنَّهَا منحرفة عَن طَرِيق الْحق ومنهج السّنة, وَلَا يَعْنِي مُطلقًا خُرُوجهَا عَن الْملَّة وَأهل الْقبْلَة, وَهَذَا يَتَّضِح بالفقرة التالية: ٢ـ نُصُوص الْوَعيد وَمِنْهَا قَوْله ﷺ : "كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة" لَهَا منهجها المنضبط فِي مَذْهَب السّلف عِنْد الْإِطْلَاق وَعند التَّعْيِين. فَنحْن نعلم جَمِيعًا أَن الله توعد قَاتل النَّفس الَّتِي حرم الله وَالزَّانِي وآكل مَال الْيَتِيم بالنَّار بِصَرِيح الْقُرْآن لَكِن هَل يَعْنِي هَذَا أَن كل قَاتل وزان وآكل مَال يَتِيم يدْخل النَّار قطعا, وأننا لَو رَأينَا أحدا مِنْهُم بِعَيْنِه يجوز لنا أَن نعتقد دُخُوله النَّار؟ لَيْسَ هَذَا من مَذْهَب السّلف أبدا، وَإِنَّمَا مَذْهَب السّلف أَن هَذِه النُّصُوص تبيّن وتقرّر حكم من فعل هَذِه

стр. 74

الذُّنُوب أما تحقق هَذَا الحكم فِيهِ وتطبيق الْوَعيد وتنفيذه فِيهِ فَهُوَ مُتَوَقف على شُرُوط لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها (١). فقد يقتل الرجل نفسا مُؤمنَة متأوِّلاً مُجْتَهدا -كَمَا كَانَ من اقتتال الصَّحَابَة ﵃ وَيكون هَذَا الذَّنب فِي حَقه مثل النقطة السَّوْدَاء فِي بَحر من الْحَسَنَات وأعمال التَّقْوَى. وَقد يقْتله ظَالِما معتدياً وَلَيْسَ لَهُ رصيد من الْخَيْر يكفِّر عَنهُ هَذَا الجرم. فَلَيْسَ هَذَانِ عِنْد الْحَكِيم الْخَبِير سَوَاء, وَلَيْسَ حكمهمَا فِي مَذْهَب السّلف وَاحِدًا. وَكَذَلِكَ الْفرق بَين زانٍ وزانٍ، شَارِب خمر وَآخر، وسارق وسارق، وآكل مَال يَتِيم وَمثله... وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ لعن شَارِب خمر, وَمَعَ هَذَا صَحَّ عَنهُ النَّهْي عَن لعن الصَّحَابِيّ الَّذِي شربهَا وَجلده الْحَد فلعنه بَعضهم فَنَهَاهُ وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ يحب الله وَرَسُوله.

стр. 75

فحب الله وَرَسُوله فِي هَذَا المعيَّن مَانع من تحقق الحكم الْمُطلق فِيهِ وَهُوَ الْوَعيد لشارب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهَكَذَا مُعَاملَة أهل الْقبْلَة فِي مجَال العقيدة. فَإِن أَصْحَاب المناهج وَالْفرق البدعية مِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهَا وَله مَعَ ذَلِك علم وَعبادَة وَجِهَاد وإخلاص فِي نصْرَة الدّين, وَمِنْهُم من يكون رَأْسا فِي الْبِدْعَة دَاعيا إِلَيْهَا بِقصد وَسُوء نِيَّة بل وَرُبمَا تكون هَذِه الْبِدْعَة مُجَرّد ستار لعقائد أَخبث يضمرها فِي نَفسه. فَمَعَ اشْتِرَاك هذَيْن فِي أصل الْمنْهَج وشمول الِاسْم لَهما مَعًا وَتَنَاول الْوَعيد الْمُطلق لكل مِنْهُمَا يظل الْفرق بَينهمَا حَقِيقَة قَائِمَة لاشك فِيهَا. فالمنهج لَهُ حكمه والأفراد كلٌ بِحَسب حَاله, وتقويم الفكرة فِي ذَاتهَا غير تَقْوِيم حامليها كل على حِدة. حَتَّى مَنْهَج السّلف نَفسه يتَفَاوَت أَصْحَابه فِيهِ جدا فَمنهمْ من هُوَ فِي غَايَة التَّمَسُّك بِهِ قولا وَعَملا واعتقادا ودعوة وَمِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهُ.
следующие страницы →