← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 13576

منهج الأشاعرة في العقيدة - تعقيب على مقالات الصابوني

سفر الحوالي

Полный текст (86 стр.). Показаны 71–86 · переход к 76.

стр. 71

وَنحن نقُول إِنَّه لَا يَصح تَفْسِير أَلْفَاظ أَو إطلاقات مَذْهَب السّلف فِي الْوَعْد والوعيد إِلَّا من خلال أَقْوَالهم هم وعَلى الَّذين يجهلونه أَن يستفصلوا قبل أَن يتسرّعوا بادّعاء التَّكْفِير. وَهَذَا موجز لمَذْهَب السّلف فِي أَلْفَاظ الْوَعيد ونصوصه: ١ـ فَمن أَلْفَاظ الْوَعيد "الضلال" وَهُوَ لَيْسَ مرادفا للكفر بِإِطْلَاق إِلَّا عِنْد من يجهلون أوضح بدهيات العقيدة، فَإِذا أطلق على أحد من الْقبْلَة فَالْمُرَاد بِهِ الْمعْصِيَة فِي الاعتقادات كَمَا أَن لفظ "الْفسق" يُطلق على الْمعْصِيَة فِي الْأَعْمَال. مَعَ أَن الضلال وَالْفِسْق يطلقان على الْكفْر أَيْضا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ , وَقَوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ﴾. لَكِن إِذا كَانَت كلمة الْكفْر نَفسهَا تطلق فِي الْأَحَادِيث وَلَا يُرَاد بهَا الْكفْر الْأَكْبَر الْمخْرج من الْملَّة كَمَا فِي قَوْله ﷺ فِي الصَّحِيح: "سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر"

стр. 72

فَكيف بلفظتي الْفسق والضلال اللَّتَيْنِ دون ذَلِك فِي الْوَعيد. وَالْقُرْآن- على الصَّحِيح- لم يَأْتِ فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر إِلَّا على الْكفْر الْأَكْبَر الْمخْرج من الْملَّة، أما الضلال فورد فِيهِ بِمَعْنى الانحراف عَن الْحق وَالصَّوَاب مُطلقًا غير وُرُوده بِمَعْنى الْكفْر كَمَا سبق. وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾. وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ كل عَاص كَافِرًا. وَقَوله تَعَالَى عَن أَصْحَاب الْجنَّة الْمَذْكُورين فِي سُورَة

стр. 73

الْقَلَم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ , وهم لم يشْهدُوا على أنفسهم بالْكفْر. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ أَي تخطئ فتذكرها الْأُخْرَى. وَالْحَاصِل أَن قَوْلنَا إِن الأشاعرة فرقة ضَالَّة يَعْنِي أَنَّهَا منحرفة عَن طَرِيق الْحق ومنهج السّنة, وَلَا يَعْنِي مُطلقًا خُرُوجهَا عَن الْملَّة وَأهل الْقبْلَة, وَهَذَا يَتَّضِح بالفقرة التالية: ٢ـ نُصُوص الْوَعيد وَمِنْهَا قَوْله ﷺ : "كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة" لَهَا منهجها المنضبط فِي مَذْهَب السّلف عِنْد الْإِطْلَاق وَعند التَّعْيِين. فَنحْن نعلم جَمِيعًا أَن الله توعد قَاتل النَّفس الَّتِي حرم الله وَالزَّانِي وآكل مَال الْيَتِيم بالنَّار بِصَرِيح الْقُرْآن لَكِن هَل يَعْنِي هَذَا أَن كل قَاتل وزان وآكل مَال يَتِيم يدْخل النَّار قطعا, وأننا لَو رَأينَا أحدا مِنْهُم بِعَيْنِه يجوز لنا أَن نعتقد دُخُوله النَّار؟ لَيْسَ هَذَا من مَذْهَب السّلف أبدا، وَإِنَّمَا مَذْهَب السّلف أَن هَذِه النُّصُوص تبيّن وتقرّر حكم من فعل هَذِه

стр. 74

الذُّنُوب أما تحقق هَذَا الحكم فِيهِ وتطبيق الْوَعيد وتنفيذه فِيهِ فَهُوَ مُتَوَقف على شُرُوط لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها (١). فقد يقتل الرجل نفسا مُؤمنَة متأوِّلاً مُجْتَهدا -كَمَا كَانَ من اقتتال الصَّحَابَة ﵃ وَيكون هَذَا الذَّنب فِي حَقه مثل النقطة السَّوْدَاء فِي بَحر من الْحَسَنَات وأعمال التَّقْوَى. وَقد يقْتله ظَالِما معتدياً وَلَيْسَ لَهُ رصيد من الْخَيْر يكفِّر عَنهُ هَذَا الجرم. فَلَيْسَ هَذَانِ عِنْد الْحَكِيم الْخَبِير سَوَاء, وَلَيْسَ حكمهمَا فِي مَذْهَب السّلف وَاحِدًا. وَكَذَلِكَ الْفرق بَين زانٍ وزانٍ، شَارِب خمر وَآخر، وسارق وسارق، وآكل مَال يَتِيم وَمثله... وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ لعن شَارِب خمر, وَمَعَ هَذَا صَحَّ عَنهُ النَّهْي عَن لعن الصَّحَابِيّ الَّذِي شربهَا وَجلده الْحَد فلعنه بَعضهم فَنَهَاهُ وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ يحب الله وَرَسُوله.

стр. 75

فحب الله وَرَسُوله فِي هَذَا المعيَّن مَانع من تحقق الحكم الْمُطلق فِيهِ وَهُوَ الْوَعيد لشارب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهَكَذَا مُعَاملَة أهل الْقبْلَة فِي مجَال العقيدة. فَإِن أَصْحَاب المناهج وَالْفرق البدعية مِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهَا وَله مَعَ ذَلِك علم وَعبادَة وَجِهَاد وإخلاص فِي نصْرَة الدّين, وَمِنْهُم من يكون رَأْسا فِي الْبِدْعَة دَاعيا إِلَيْهَا بِقصد وَسُوء نِيَّة بل وَرُبمَا تكون هَذِه الْبِدْعَة مُجَرّد ستار لعقائد أَخبث يضمرها فِي نَفسه. فَمَعَ اشْتِرَاك هذَيْن فِي أصل الْمنْهَج وشمول الِاسْم لَهما مَعًا وَتَنَاول الْوَعيد الْمُطلق لكل مِنْهُمَا يظل الْفرق بَينهمَا حَقِيقَة قَائِمَة لاشك فِيهَا. فالمنهج لَهُ حكمه والأفراد كلٌ بِحَسب حَاله, وتقويم الفكرة فِي ذَاتهَا غير تَقْوِيم حامليها كل على حِدة. حَتَّى مَنْهَج السّلف نَفسه يتَفَاوَت أَصْحَابه فِيهِ جدا فَمنهمْ من هُوَ فِي غَايَة التَّمَسُّك بِهِ قولا وَعَملا واعتقادا ودعوة وَمِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهُ.

стр. 76

بل نَحن نقُول إِن بعض المنتسبين أَو المنسوبين إِلَى مناهج بدعية لَيْسَ مِنْهُم أصلا وَلكنه متوهم يحْسب أَنهم على الْحق وَإِن الانتساب إِلَيْهِم لَا ضير فِيهِ مَعَ أَنه لَا يوافقهم فِي مَذْهَبهم لَو عرفه حق مَعْرفَته, أَو أَنهم مخطئون فِي نسبته لمذهبهم, وَلَو فتشنا لما وجدنَا فِيهِ مِمَّا يدعونَ شَيْئا. وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْأمة- وَللَّه الْحَمد- أَكثر أهل الْجنَّة مَعَ أَن الْفرْقَة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة فَقَط، وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَن الْمَعْدُودين حَقًا من الْفرق الثِّنْتَيْنِ وَسبعين لَا يساوون بِالنِّسْبَةِ لسلف الْأمة وَخَلفهَا إِلَّا نزراً يَسِيرا, أما من اتبعهم عَن جهل أَو خطأ أَو حسن نِيَّة أَو تأثر بهم دون أَن يشْعر فَلهُ حكم آخر (١). وَالله تَعَالَى حكم قسط وَرَحمته أوسع وفضله أعظم. وَالْحَاصِل أَن أَحْكَام الْآخِرَة ومنازل النَّاس فِيهَا خاضعة لأمر أحكم الْحَاكِمين وأعدلهم، أما نَحن فِي الدُّنْيَا مأمورون أَن نحكم على كل مَنْهَج أَو فَرد بِمَا حكم الله بِهِ عَلَيْهِ من غير إفراط وَلَا تَفْرِيط ونتقيد بالضوابط الَّتِي جَاءَت فِي مَذْهَب السّلف.

стр. 77

قَالَ شيخ الْإِسْلَام- ﵀ فِي مناظرته للأشاعرة والماتريدية أثْنَاء المحاكمة الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا: "فأجبتهم عَن الأسئلة: بِأَن قولي اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية، هِيَ الْفرْقَة الَّتِي وصفهَا النَّبِي ﷺ بالنجاة حَيْثُ قَالَ: "تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي". فَهَذَا الِاعْتِقَاد (يعْنى مَا فِي الواسطية) هُوَ الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه- ﵃ وهم وَمن اتبعهم الْفرْقَة النَّاجِية؛ فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ أَنه قَالَ: "الْإِيمَان يزِيد وَينْقص"، وكل مَا ذكرته فِي ذَلِك فَإِنَّهُ مأثور عَن الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة لَفظه وَمَعْنَاهُ, وَإِذا خالفهم من بعدهمْ لم يضر فِي ذَلِك. ثمَّ قلت لَهُم: وَلَيْسَ كل من خَالف فِي شَيْء من هَذَا الِاعْتِقَاد يجب أَن يكون هَالكا. فَإِن المنازع قد يكون مُجْتَهدا مخطئا يغْفر الله خطأه, وَقد لَا يكون بلغه فِي ذَلِك من الْعلم مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة، وَقد يكون لَهُ من الْحَسَنَات مَا يمحو الله بِهِ سيئاته.

стр. 78

بل مُوجب هَذَا الْكَلَام أَن من اعْتقد ذَلِك نجا فِي هَذَا الِاعْتِقَاد، وَمن اعْتقد ضِدّه فقد يكون ناجيا، كَمَا يُقَال: "من صمت نجا"."ا. هـ (١). وَقَالَ فِي الْإِيمَان: "وَكَذَلِكَ سَائِر الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة، من كَانَ مِنْهُم منافقا فَهُوَ كَافِر فِي الْبَاطِن، وَمن لم يكن منافقا بل كَانَ مُؤمنا بِاللَّه وَرَسُوله فِي الْبَاطِن لم يكن كَافِرًا فِي الْبَاطِن وَإِن أَخطَأ فِي التَّأْوِيل كَائِنا مَا كَانَ خَطؤُهُ, وَقد يكون فِي بَعضهم شُعْبَة من شعب النِّفَاق وَلَا يكون فِيهِ النِّفَاق الَّذِي يكون صَاحبه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار. وَمن قَالَ: إِن الثِّنْتَيْنِ وَسبعين فرقة كل وَاحِد مِنْهُم يكفر كفرا ينْقل عَن الْملَّة فقد خَالف الْكتاب وَالسّنة وإِجْمَاع الصَّحَابَة -رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ- بل وَإِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَغير الْأَرْبَعَة، فَلَيْسَ فيهم من كفّر كل وَاحِد من الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة، وَإِنَّمَا يكفّر بَعضهم بَعْضًا (من تِلْكَ الْفرق) بِبَعْض المقالات، كَمَا قد بسط عَلَيْهِم فِي غير مَوضِع"ا. هـ (٢).

стр. 79

وَلِهَذَا نجد أَن من كفّر الْجَهْمِية من السّلف مثل ابْن الْمُبَارك ووكيع أخرجوهم من الثِّنْتَيْنِ وَسبعين فرقة وألحقوهم بالسبئية والغرابية وأمثالها. وَحَتَّى فِي المناهج الجامعية نجد أَن كليات أصُول الدّين مثل كليتي مَكَّة وَالْمَدينَة حاليا تفصِّل بَين الْفرق الْخَارِجَة عَن الْإِسْلَام وَبَين الْفرق الْأُخْرَى. فَالْأَمْر وَاضح لَا لبس فِيهِ إِلَّا عِنْد المعاندين أَو المعذورين من غير المتخصصين. وَكَيف يكون عِنْد الأشاعرة لبس فِي موقف أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مِنْهُم وهم يقفون نفس الْموقف من الْمُعْتَزلَة فهم يصفونها بالضلال فِي كتبهمْ وَلَا يَقُولُونَ أَن هَذَا يعْنى إخراجهم من الْملَّة, فَمن حَقنا أَن نلزمهم من وَاقع كتبهمْ. وَإِذا تقرر هَذَا تبين أَنه لَا مبرر لمطالبة الأشاعرة بإدخالهم فِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِدَعْوَى أَن هَذَا يجنّبهم تُهْمَة الْخُرُوج من أهل الْقبْلَة؛ لِأَن ذَلِك يَعْنِي هدم هَذِه الْقَاعِدَة كلهَا إِذْ لَو أدخلناهم لأدخلنا غَيرهم حَتَّى لَا يبْقى من تِلْكَ الْفرق الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة إِلَّا دخلت,

стр. 80

وَهَذَا لَيْسَ فِي أَيْدِينَا وَلَا فِي يَد بشر إِنَّمَا نَحن متبعون لَا مبتدعون. أما بَاب الدُّخُول الْحَقِيقِيّ فمفتوح على مصراعيه فَمن الَّذِي مَنعهم أَن يرجِعوا إِلَى عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ عقيدة الْقُرُون الثَّلَاثَة وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَسَائِر أَئِمَّة الْهدى فِي هَذِه الْأمة المعصومة؟ وَهَذَا خير لَهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من بقائهم على بدعتهم وتفاخرهم بِأَنَّهُم أقرب الْفرق لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة, وَقد سَمِعت هَذَا التفاخر من بَعضهم, فعجبت لمن يعرف الْحق ويفتخر بِقُرْبِهِ مِنْهُ ثمَّ لَا يكون من أَهله ودعاته. وَلَكِن لله فِي خلقه شؤون ... وأخيرا: كلمة التَّوْحِيد أساس تَوْحِيد الْكَلِمَة: ونأتي أخيرا إِلَى الشعار الَّذِي اتَّخذهُ الْقَوْم ستارا لِلطَّعْنِ فِي عقيدة السّلف سرا وجهراً حَتَّى إِذا قَامَ أحد يردّ عَنْهَا السِّهَام صاحوا فِي وَجهه: "لَا تفرّق كلمة الْمُسلمين، إنّ وحدة الْكَلِمَة أهم من هَذِه القضايا، لماذا تثير خلافات عفى عَلَيْهَا الزَّمَان واندثرت؟ لماذا الاهتمام بالقشور والشكليات؟ ".

стр. 81

وَالْحق أَنه لَو سكت كل أَعدَاء الْحق عَن محاربته -وَلنْ يسكتوا أبدا- لما جَازَ لنا أَن نسكت عَن بَيَانه للنَّاس ودعوتهم إِلَيْهِ, فَكيف يجوز أَن نسكت وَهُوَ يُحَارب وَالَّذِي يطالبنا بِالسُّكُوتِ هُوَ المحارِب المهاجم. هَذِه الْأمة الممزّقة المقطّعة الأوصال يُرَاد منا أَن نسكت عَن بَيَان طَرِيق الْخَلَاص لَهَا وندعها تتخبط فِي ظلمات الْبدع حَتَّى لَا نفرِّقها بزعمهم, وَكَأن الْقَوْم لَا يعلمُونَ مَا الَّذِي فرّقها بعد أَن كَانَت مجتمعة. إِن دَعْوَى تَقْدِيم تَوْحِيد الْكَلِمَة على كلمة التَّوْحِيد مصادمة للحق من جِهَة ولسنن الله فِي الْحَيَاة من جِهَة أُخْرَى: وأمام الْقَائِلين بهَا خياران لَا ثَالِث لَهما: ١ـ إِمَّا أَن يلتزموا تَعْمِيم هَذَا الحكم على كل من انتسب لِلْإِسْلَامِ وَعَلِيهِ فَلَا يجوز أَن نثير أَو نبحث خلافًا أَو نكتب ردا على أيّ فرقة تدّعي الْإِسْلَام كالقَاديانية والبهائية والدروز والنصيرية وَالرَّوَافِض والبهرة والصوفية الحلولية وَسَائِر الطَوائف الْكَافِرَة بل ندعوها جَمِيعًا إِلَى جمع الصَّفّ ووحدة الْكَلِمَة لمحاربة الشيوعية والصهيونية وَمَا مِنْهَا إِلَّا من هُوَ مستعد لذَلِك إِن صدقا وَإِن كذبا.

стр. 82

وَمن لَوَازِم هَذَا -على كَلَامهم- حرق أَو إخفاء كتب عقيدة الأشاعرة لِأَنَّهَا تثير الْخلاف مَعَ الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم فَهِيَ إِذن تمزّق الصَّفّ وتشتّت الْكَلِمَة بل هِيَ كَمَا يعلم الصَّابُونِي وَأَمْثَاله تَشْتُم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وهم أَكثر الْمُسلمين، وَمِمَّا يجب إعدامه أَيْضا مقالات الصَّابُونِي نَفسهَا لِأَنَّهُ كرّر فِيهَا حكمه بالتضليل للخوارج والرافضة وَهَذَا بِلَا شكّ يُغضِب الشِّيعَة والإباضية فَهُوَ-على كَلَامه- قد فرّق كلمة الْمُسلمين أيّما تَفْرِيق!! ٢ـ وَإِمَّا أَن يَقُولُوا: كلا، لَا يعم هَذَا الحكم كل المنتسبين لِلْإِسْلَامِ بل لابد من بَيَان كفر وضلال تِلْكَ الْفرق وَلَيْسَ فِي ذَلِك تَفْرِيق وَلَا تمزيق، وَإِنَّمَا نُرِيد تَوْحِيد صف أهل السّنة والأشاعرة أَو الْفرق الَّتِي لَيست ضَالَّة وَلَا منحرفة!! فَنَقُول لَهُم حِينَئِذٍ: أَولا: قد نقضتم قاعدتكم بِأَنْفُسِكُمْ فَلَا تَرفعُوا هَذَا الشعار إِلَّا مقيَّداً مَشْرُوطًا إِن كُنْتُم صَادِقين، لَكِن أخبرونا بأيِّ معيار من معايير الْعدْل تُرِيدُونَ السُّكُوت عَن إثارة الْخلاف مَعَ هَذِه وتحكمون بِعَدَمِ ضلالها, وَوُجُوب إثارته مَعَ تِلْكَ وتحكمون بِعَدَمِ ضلالهما, وَوُجُوب إثارته مَعَ تِلْكَ وتحكمون بضلالها؟! أنهاجم الإباضية ونتآخى مَعَ

стр. 83

الرافضة مثلا أم الْعَكْس؟ أَو نشنّع على الرافضة ونصمت عَن الصُّوفِيَّة؟ أم مَاذَا؟ مَا هُوَ المعيار؟ وَهل هُنَاكَ حَقًا فرق ضَالَّة فَأَخْبرُونِي مَا هُوَ الضلال إِذن؟ ... قد تَقولُونَ: "نتعاون جَمِيعًا فِيمَا اتفقنا عَلَيْهِ ويعذر بَعْضنَا بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ ". فَنَقُول: إِنَّه مَا من فرقة ظَهرت على الأَرْض تدّعي الْإِسْلَام إِلَّا وَنحن متفقون مَعهَا على أَشْيَاء ومختلفون على أَشْيَاء، حَتَّى القاديانية نتفق معَها على الْإِيمَان بِاللَّه وَصِحَّة نبوة مُحَمَّد ﷺ وَالْإِيمَان بِالآخِرَة وتعظيم الْقُرْآن، وهم يعلنون محاربة الشيوعية والصهيونية وَغير ذَلِك، فَإِذا عذر بَعْضنَا بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مثل نبوة أَحْمد القادياني وَنسخ شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ وَنَحْوهمَا، فَمَاذَا تكون النتيجة؟ وَهل ترْضونَ ذَلِك أم نعود من جَدِيد للمطالبة بالمعيار الَّذِي بِهِ نرد القاديانية ونقبل غَيرهَا مَعَ إشراك الْكل فِي أصل الضلال والانحراف. إِن سلمتم أنّ كل ضال لابد من بَيَان ضلاله وَأَن الْمُسلمين لن يجتمعوا إِلَّا على الْحق فقد بيّنا لكم- وَمَا نزال مستعدِّين لمزيد بَيَان- أَن الأشاعرة فرقة ضَالَّة عَن الْمنْهَج

стр. 84

الصَّحِيح، فهاهي ذِي إِذن الفرصة الذهبية لتوحيد الْمُسلمين، وَهِي أَن يعلن الأشاعرة فِي كل مَكَان رجوعهم إِلَى مَذْهَب السّلف ومنهج الْحق وَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق هَذَا الْحلم الرائع الْجَمِيل. فَإِن لم تَفعلُوا فاعلموا أَن غَيْركُمْ أبعد عَن الْإِجَابَة؛ لأنكم أَنْتُم أقرب الْفرق إِلَيْنَا وترفضون فَمَا بالكم بالبعيدين، فَلَا تناقضوا أَنفسكُم إِذن وترفعوا شعار الْوحدَة وَأَنْتُم أول من يعاديه ويأباه، وتعلمون منافاته لسنة الله فِي المبتدعة والزائغين الَّذين أشربوا فِي قُلُوبهم الْبِدْعَة بضلالهم. وَاعْلَمُوا أَن هَذَا الشعار إِن صلح فِي موقف سياسي أَو حركي معيَّن فَهُوَ عَن المبادئ وَالْأُصُول أبعد شَيْء. ثَانِيًا: إِن دعوتمونا إِلَى أَن نتحد نَحن وَأَنْتُم فَقَط ضد سَائِر الْفرق كالخوارج والرافضة وَغَيرهَا, وضد الشيوعية وَمن شايعها, قُلْنَا: قد سهل الْخطب إِذن، لَكِن لابد لكم من بَيَان منطلق التَّوْحِيد وموقعه وَذَلِكَ بَان تلتزموا بوضوح بِأحد قَوْلَيْنِ: ١ـ إِمَّا أَنكُمْ أَنْتُم وحدكم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَلَكِن تقبلون التوحد مَعنا تنازلا وتفضُّلا على مَا فِينَا بزعمكم من "تَشْبِيه وتجسيم وحشو وَكفر وضلال".

стр. 85

٢ـ وإِمَّا أَنكُمْ لَسْتُم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَلَكِن تُرِيدُونَ التوحد مَعَهم طَالِبين مِنْهُم التنازل والتفضّل بقبولكم على مَا فِيكُم من بِدعَة وضلالة. فَإِذا حدّدتم أحد الموقعين أمكن بعد ذَلِك عرض موضوعكم إِمَّا على أصُول العقيدة وقواعدها إِن اخترتم الأول وَإِمَّا على ضوابط الْمصلحَة وحدودها الشَّرْعِيَّة إِن أقررتم بِالْآخرِ, فأمامكم الْخِيَار وَإِنَّا لفي الِانْتِظَار. أما أَن نظلّ نَحن وَأَنْتُم مُخْتَلفين متصارعين مُنْذُ أَيَّام أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن كلاب ثمَّ أَيَّام البربهاري والأشعري ثمَّ أَيَّام الشريف أَبى جَعْفَر وَابْن الْقشيرِي ثمَّ أَيَّام عبد الْقَادِر الجيلايى وَأبي الْفتُوح الاسفرائيني ثمَّ أَيَّام شيخ الْإِسْلَام والسبكي ثمَّ أَيَّام مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب ومعاصريه مِنْكُم، ثمَّ أَيَّام المعلمي والكوثري ثمَّ أَيَّام الألباني وَأبي غُدَّة وأخيرا إِلَى الفوزان والصابوني ... وَبعد هَذَا كُله وَمَعَهُ تَقولُونَ إننا وَإِيَّاكُم فرقة وَاحِدَة ومنهج وَاحِد فَهَذَا مَالا يعقله عقل وَلَا يصدِّقه تَارِيخ. غير أننا لابد أَن نذكِّر بِحَقِيقَة كبرى هِيَ أنّ النَّبِي ﷺ قد قَالَ: "سَتَفْتَرِقُ هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة"

стр. 86

وَهَذَا الْخَبَر الصَّادِق لَا يُمكن مَعَه اخْتِصَار الْفرق إِلَى سبعين وَلَا إِلَى سبع فضلا عَن وَاحِدَة, فالخير إِذن كل الْخَيْر أَن يبْحَث الْإِنْسَان عَن الْحق ويعتقده وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَإِن خالفته الدُّنْيَا كلهَا, وَأَن يجْتَنب الضلال وَيَدْعُو إِلَى نبذه وَلَو داهنه أَصْحَابه كلهم، هَذَا هُوَ الَّذِي سَار عَلَيْهِ رسل الله, وَأمر بِهِ الله فَلَا تصادموا سنة الله وتخالفوا مَنْهَج رسله. وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ...