الذُّنُوب أما تحقق هَذَا الحكم فِيهِ وتطبيق الْوَعيد وتنفيذه فِيهِ فَهُوَ مُتَوَقف على شُرُوط لابد من تحققها وموانع لابد من انتفائها (١).
فقد يقتل الرجل نفسا مُؤمنَة متأوِّلاً مُجْتَهدا -كَمَا كَانَ من اقتتال الصَّحَابَة ﵃ وَيكون هَذَا الذَّنب فِي حَقه مثل النقطة السَّوْدَاء فِي بَحر من الْحَسَنَات وأعمال التَّقْوَى.
وَقد يقْتله ظَالِما معتدياً وَلَيْسَ لَهُ رصيد من الْخَيْر يكفِّر عَنهُ هَذَا الجرم.
فَلَيْسَ هَذَانِ عِنْد الْحَكِيم الْخَبِير سَوَاء, وَلَيْسَ حكمهمَا فِي مَذْهَب السّلف وَاحِدًا.
وَكَذَلِكَ الْفرق بَين زانٍ وزانٍ، شَارِب خمر وَآخر، وسارق وسارق، وآكل مَال يَتِيم وَمثله...
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ لعن شَارِب خمر, وَمَعَ هَذَا صَحَّ عَنهُ النَّهْي عَن لعن الصَّحَابِيّ الَّذِي شربهَا وَجلده الْحَد فلعنه بَعضهم فَنَهَاهُ وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ يحب الله وَرَسُوله.
стр. 75
فحب الله وَرَسُوله فِي هَذَا المعيَّن مَانع من تحقق الحكم الْمُطلق فِيهِ وَهُوَ الْوَعيد لشارب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَهَكَذَا مُعَاملَة أهل الْقبْلَة فِي مجَال العقيدة.
فَإِن أَصْحَاب المناهج وَالْفرق البدعية مِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهَا وَله مَعَ ذَلِك علم وَعبادَة وَجِهَاد وإخلاص فِي نصْرَة الدّين, وَمِنْهُم من يكون رَأْسا فِي الْبِدْعَة دَاعيا إِلَيْهَا بِقصد وَسُوء نِيَّة بل وَرُبمَا تكون هَذِه الْبِدْعَة مُجَرّد ستار لعقائد أَخبث يضمرها فِي نَفسه.
فَمَعَ اشْتِرَاك هذَيْن فِي أصل الْمنْهَج وشمول الِاسْم لَهما مَعًا وَتَنَاول الْوَعيد الْمُطلق لكل مِنْهُمَا يظل الْفرق بَينهمَا حَقِيقَة قَائِمَة لاشك فِيهَا.
فالمنهج لَهُ حكمه والأفراد كلٌ بِحَسب حَاله, وتقويم الفكرة فِي ذَاتهَا غير تَقْوِيم حامليها كل على حِدة.
حَتَّى مَنْهَج السّلف نَفسه يتَفَاوَت أَصْحَابه فِيهِ جدا فَمنهمْ من هُوَ فِي غَايَة التَّمَسُّك بِهِ قولا وَعَملا واعتقادا ودعوة وَمِنْهُم من هُوَ على الْحَد الْأَدْنَى مِنْهُ.
стр. 76
بل نَحن نقُول إِن بعض المنتسبين أَو المنسوبين إِلَى مناهج بدعية لَيْسَ مِنْهُم أصلا وَلكنه متوهم يحْسب أَنهم على الْحق وَإِن الانتساب إِلَيْهِم لَا ضير فِيهِ مَعَ أَنه لَا يوافقهم فِي مَذْهَبهم لَو عرفه حق مَعْرفَته, أَو أَنهم مخطئون فِي نسبته لمذهبهم, وَلَو فتشنا لما وجدنَا فِيهِ مِمَّا يدعونَ شَيْئا.
وَلِهَذَا كَانَت هَذِه الْأمة- وَللَّه الْحَمد- أَكثر أهل الْجنَّة مَعَ أَن الْفرْقَة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة فَقَط، وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَن الْمَعْدُودين حَقًا من الْفرق الثِّنْتَيْنِ وَسبعين لَا يساوون بِالنِّسْبَةِ لسلف
الْأمة وَخَلفهَا إِلَّا نزراً يَسِيرا, أما من اتبعهم عَن جهل أَو خطأ أَو حسن نِيَّة أَو تأثر بهم دون أَن يشْعر فَلهُ حكم آخر (١). وَالله تَعَالَى حكم قسط وَرَحمته أوسع وفضله أعظم.
وَالْحَاصِل أَن أَحْكَام الْآخِرَة ومنازل النَّاس فِيهَا خاضعة لأمر أحكم الْحَاكِمين وأعدلهم، أما نَحن فِي الدُّنْيَا مأمورون أَن نحكم على كل مَنْهَج أَو فَرد بِمَا حكم الله بِهِ عَلَيْهِ من غير إفراط وَلَا تَفْرِيط ونتقيد بالضوابط الَّتِي جَاءَت فِي مَذْهَب السّلف.
стр. 77
قَالَ شيخ الْإِسْلَام- ﵀ فِي مناظرته للأشاعرة والماتريدية أثْنَاء المحاكمة الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا:
"فأجبتهم عَن الأسئلة:
بِأَن قولي اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية، هِيَ الْفرْقَة الَّتِي وصفهَا النَّبِي ﷺ بالنجاة حَيْثُ قَالَ: "تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة، اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي".
فَهَذَا الِاعْتِقَاد (يعْنى مَا فِي الواسطية) هُوَ الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه- ﵃ وهم وَمن اتبعهم الْفرْقَة النَّاجِية؛ فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ أَنه قَالَ: "الْإِيمَان يزِيد وَينْقص"، وكل مَا ذكرته فِي ذَلِك فَإِنَّهُ مأثور عَن الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة لَفظه وَمَعْنَاهُ, وَإِذا خالفهم من بعدهمْ لم يضر فِي ذَلِك.
ثمَّ قلت لَهُم: وَلَيْسَ كل من خَالف فِي شَيْء من هَذَا الِاعْتِقَاد يجب أَن يكون هَالكا.
فَإِن المنازع قد يكون مُجْتَهدا مخطئا يغْفر الله خطأه, وَقد لَا يكون بلغه فِي ذَلِك من الْعلم مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة، وَقد يكون لَهُ من الْحَسَنَات مَا يمحو الله بِهِ سيئاته.
стр. 78
بل مُوجب هَذَا الْكَلَام أَن من اعْتقد ذَلِك نجا فِي هَذَا الِاعْتِقَاد، وَمن اعْتقد ضِدّه فقد يكون ناجيا، كَمَا يُقَال: "من صمت نجا"."ا. هـ (١).
وَقَالَ فِي الْإِيمَان:
"وَكَذَلِكَ سَائِر الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة، من كَانَ مِنْهُم منافقا فَهُوَ كَافِر فِي الْبَاطِن، وَمن لم يكن منافقا بل كَانَ مُؤمنا بِاللَّه وَرَسُوله فِي الْبَاطِن لم يكن كَافِرًا فِي الْبَاطِن وَإِن أَخطَأ فِي التَّأْوِيل كَائِنا مَا كَانَ خَطؤُهُ, وَقد يكون فِي بَعضهم شُعْبَة من شعب النِّفَاق وَلَا يكون فِيهِ النِّفَاق الَّذِي يكون صَاحبه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار.
وَمن قَالَ: إِن الثِّنْتَيْنِ وَسبعين فرقة كل وَاحِد مِنْهُم يكفر كفرا ينْقل عَن الْملَّة فقد خَالف الْكتاب وَالسّنة وإِجْمَاع الصَّحَابَة -رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ- بل وَإِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَغير الْأَرْبَعَة، فَلَيْسَ فيهم من كفّر كل وَاحِد من الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة، وَإِنَّمَا يكفّر بَعضهم بَعْضًا (من تِلْكَ الْفرق) بِبَعْض المقالات، كَمَا قد بسط عَلَيْهِم فِي غير مَوضِع"ا. هـ (٢).
стр. 79
وَلِهَذَا نجد أَن من كفّر الْجَهْمِية من السّلف مثل ابْن الْمُبَارك ووكيع أخرجوهم من الثِّنْتَيْنِ وَسبعين فرقة وألحقوهم بالسبئية والغرابية وأمثالها.
وَحَتَّى فِي المناهج الجامعية نجد أَن كليات أصُول الدّين مثل كليتي مَكَّة وَالْمَدينَة حاليا تفصِّل بَين الْفرق الْخَارِجَة عَن الْإِسْلَام وَبَين الْفرق الْأُخْرَى.
فَالْأَمْر وَاضح لَا لبس فِيهِ إِلَّا عِنْد المعاندين أَو المعذورين من غير المتخصصين. وَكَيف يكون عِنْد الأشاعرة لبس فِي موقف أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مِنْهُم وهم يقفون نفس الْموقف من الْمُعْتَزلَة فهم يصفونها بالضلال فِي كتبهمْ وَلَا يَقُولُونَ أَن هَذَا يعْنى إخراجهم من الْملَّة, فَمن حَقنا أَن نلزمهم من وَاقع كتبهمْ.
وَإِذا تقرر هَذَا تبين أَنه لَا مبرر لمطالبة الأشاعرة بإدخالهم فِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بِدَعْوَى أَن هَذَا يجنّبهم تُهْمَة الْخُرُوج من أهل الْقبْلَة؛ لِأَن ذَلِك يَعْنِي هدم هَذِه الْقَاعِدَة كلهَا إِذْ لَو أدخلناهم لأدخلنا غَيرهم حَتَّى لَا يبْقى من تِلْكَ الْفرق الثِّنْتَيْنِ وسبعن فرقة إِلَّا دخلت,
стр. 80
وَهَذَا لَيْسَ فِي أَيْدِينَا وَلَا فِي يَد بشر إِنَّمَا نَحن متبعون لَا مبتدعون.
أما بَاب الدُّخُول الْحَقِيقِيّ فمفتوح على مصراعيه فَمن الَّذِي مَنعهم أَن يرجِعوا إِلَى عقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الَّتِي هِيَ عقيدة الْقُرُون الثَّلَاثَة وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَسَائِر أَئِمَّة الْهدى فِي هَذِه الْأمة المعصومة؟
وَهَذَا خير لَهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من بقائهم على بدعتهم وتفاخرهم بِأَنَّهُم أقرب الْفرق لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة, وَقد سَمِعت هَذَا التفاخر من بَعضهم, فعجبت لمن يعرف الْحق ويفتخر بِقُرْبِهِ مِنْهُ ثمَّ لَا يكون من أَهله ودعاته.
وَلَكِن لله فِي خلقه شؤون ...
وأخيرا: كلمة التَّوْحِيد أساس تَوْحِيد الْكَلِمَة:
ونأتي أخيرا إِلَى الشعار الَّذِي اتَّخذهُ الْقَوْم ستارا لِلطَّعْنِ فِي عقيدة السّلف سرا وجهراً حَتَّى إِذا قَامَ أحد يردّ عَنْهَا السِّهَام صاحوا فِي وَجهه: "لَا تفرّق كلمة الْمُسلمين، إنّ وحدة الْكَلِمَة أهم من هَذِه القضايا، لماذا تثير خلافات عفى عَلَيْهَا الزَّمَان واندثرت؟ لماذا الاهتمام بالقشور والشكليات؟ ".
стр. 81
وَالْحق أَنه لَو سكت كل أَعدَاء الْحق عَن محاربته -وَلنْ يسكتوا أبدا- لما جَازَ لنا أَن نسكت عَن بَيَانه للنَّاس ودعوتهم إِلَيْهِ, فَكيف يجوز أَن نسكت وَهُوَ يُحَارب وَالَّذِي يطالبنا بِالسُّكُوتِ هُوَ المحارِب المهاجم.
هَذِه الْأمة الممزّقة المقطّعة الأوصال يُرَاد منا أَن نسكت عَن بَيَان طَرِيق الْخَلَاص لَهَا وندعها تتخبط فِي ظلمات الْبدع حَتَّى لَا نفرِّقها بزعمهم, وَكَأن الْقَوْم لَا يعلمُونَ مَا الَّذِي فرّقها بعد أَن كَانَت مجتمعة. إِن دَعْوَى تَقْدِيم تَوْحِيد الْكَلِمَة على كلمة التَّوْحِيد مصادمة للحق من جِهَة ولسنن الله فِي الْحَيَاة من جِهَة أُخْرَى:
وأمام الْقَائِلين بهَا خياران لَا ثَالِث لَهما:
١ـ إِمَّا أَن يلتزموا تَعْمِيم هَذَا الحكم على كل من انتسب لِلْإِسْلَامِ وَعَلِيهِ فَلَا يجوز أَن نثير أَو نبحث خلافًا أَو نكتب ردا على أيّ فرقة تدّعي الْإِسْلَام كالقَاديانية والبهائية والدروز والنصيرية وَالرَّوَافِض والبهرة والصوفية الحلولية وَسَائِر الطَوائف الْكَافِرَة بل ندعوها جَمِيعًا إِلَى جمع الصَّفّ ووحدة الْكَلِمَة لمحاربة الشيوعية والصهيونية وَمَا مِنْهَا إِلَّا من هُوَ مستعد لذَلِك إِن صدقا وَإِن كذبا.