الخفيف ما تترآى: البشرة من خلاله في مجلس التَّخَاطُب، والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية، وهذا ما شعر به لفظ الشافعي ﵁ وهو الذي حكاه المصنف، وقال بعض الأصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه، ورأيت الشيخ أبا محمد، والمسعودي (١) وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الأخرى (٢)، ويقولون: إنهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذي ذكروه، لأن لهيئة النبات وكيفية الشعر في السُّبُوطَةِ وَالجُعُودَةِ تأثيراً في السَتْرِ وفي وصول الماء إلى المَنْبَتِ، وقد يؤثر شعره في أحد الأمرين دون الآخر، وإذا ظهر الاختلاف ذلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول: الشارب معدود من الشعور الخفيفة، وليس كونه مانعًا من رؤية البشرة تحته بأمر نادر.
الثاني: لو كان بعضه خفيفاً وبعضه كثيفاَ ما حكمه؟ الجواب فيه وجهان:
أصحهما: أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفيراً لمقتضى كل واحد منهما عليه.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في التهذيب، وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذِّرَاعِ إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل، وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها، لأنه قال: "أما شعر الذَّقْنِ فإن كثف" إلى آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها، ويفرض ذلك على وجهين: أحدهما: أن تخف كلها ولا يخفى حكمه.
والثاني: أن يخف البعض ويكثف البعض، وهو هذه المسألة.
هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه. القسم الثاني: الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولاً وعرضاً قولان:
أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيُّ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المَسْحُ عليه، فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه.
стр. 107
وأصحهما: يجب، لأنه من الوجه بحكم التَّبَعِيَّةِ لما سبق من الخَبَرِ؛ ولأن الوجه ما تقع به المُخَاطَبَةُ والمواجهة، ولأن متدلٍّ من محل الفرض فأشبه الجِلْدَةَ المتدلية، وهذا الخلاف يجري أيضاً في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعِذَارِ والسِّبَالِ إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السِّبَالِ: أنه يجب غسله قولاً واحداً والظاهر الأول فإن قلت: قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت بالإفاضة؟ فالناقلون يقولون: تجب الإفَاضَةُ في قول ولا تجب في قول، وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل، فاعلم أن لفظ الإفاضة في اصْطِلاحِ الأئمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لإمرار الماء على الظاهر، ولفظ الغسل للإمرار على الظاهر مع الإِدْخَالِ في الباطن، ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري (١) ﵁ لما قال في هذه المسألة: يجب الغسل في قولِ، والإفاضة في قولٍ، وقالوا: الغسل غير واجب قولاً واحداً وإنما الخلاف في الإفاضة، وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللَّفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولاً واحداً كالشعور النَّابِتَةِ تحت الذَّقْنِ، لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه، والإفاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر، ثم مع هذا كله فقد حُكِيَ وَجْهٌ: إنه يجب غسل الوجه الباطن من الطَّبَقَةِ العُلْيَا من المسترسل، إذا أوجبنا غسل الوجه البَادِي منه وهو بعيد عند علماء المذهب (٢).
قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّالِثُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَينِ فَلَوْ قُطِعَ يَدُهُ مِنَ السَّاعِدِ غُسِلَ البَاقي، وَإِنْ قُطِعَ مِنَ العَضُدِ اسْتُحِبَّ غَسْلُ البَاقي لِتَطْوِيلِ الغُرَّةِ، وَاِنْ كَانَ مِنَ المَفْصِلِ يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ العَظْمِ البَاقِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهُ مِنَ المِرْفَقِ، وَلَوْ نَبَتَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ مِنْ سَاعِدِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الزَّائِدُ عَنِ الأَصْلِيِّ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ العَضُدِ لاَ تُغْسَلُ إلاَّ إذَا حَاذَتْ مَحَلَّ الفَرْضِ فَيُغْسَلُ القَدْرُ المحَاذِي هَذَا نَصُّهُ.
стр. 108
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكَمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١) وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢)، وقوله عز اسمه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣)، وهو المراد هاهنا، لما روى "أَنَّهُ ﷺ : كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ" (٤). وروى: "أنَّهُ أمرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ثمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلاَّ بِهِ". ثم اليد إن كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب، وكانت كاملة فذاك، وإن قطع بعضها فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون القطع مما تحت المِرْفَقِ كَالكُوع وَالذِّرَاع فغسل الباقي واجب فالمَيسُور لا يسقط بالمَعسُور.
والثانية: لا يكون مما فوق المِرْفق، فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العَضُدِ يستحب غسله لتطويل الغِرَّةِ؛ كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعنى. فإن قيل: غسل ذلك الموضع مستحب تبعاً، فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجُنُونِ لما سقط قضاء الأصل سقط قضاء الرَّوَاتِبِ التي هي اتباع. قلنا: سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة، وإلا فهو ممكن والتبع أَولى بالمسامحة، وسقوط الأصل هاهنا ليس على سبيل الترخُّص؛ بل هو متعذر في نفسه فحسن الإتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له إمرار المُوسى على الرأس وقت الحَلْقِ.
فإن قيل: تطويل الغُرَّةِ إنما يفرض في الوجه، والذي في اليد تطويل التَّحْجِيلِ فكيف قال: يغسل الباقي لتطويل الغُرَّةِ، قلنا: تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن، فيجوز أن يكون قوله: "التطويل الغرة" إشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق بينهما، ويطلق تطويل الغرة في اليد، ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله ﷺ : "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (٥) قال: وإنما يمكن الإطَالَةُ في اليد, لأن استيعاب الوجه بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشيء, لأن لِلْمُعْتَرِض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى الليث وَصَفْحة العُنُق، وهو مستحب نص عليه الأئمة.
والثالثة: أن يكون القطع من مِفْصَل المرفق، فهل يجب غسل رأس العظم الباقي؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالوجوب؛ لأنه من محل الرفض وقد بقي فأشبه الساعد إذا كان القطع من الكُوعِ.
стр. 109
والثاني: وهو الذي ذكره في الكتاب فيه قولان: القديم: ومنقول المزني أنه لا يجب، والأصح: وهو منقول الربيع. أنه يجب، واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليَدِ السَّلِيمَةِ يغسل تبعاً أم مقصوداً. فمن قائل تبعاً وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شيء من الرأس تبعاً، وضرورة لاستيعاب الوجه بالغسل. ومن قائل يغسل مقصوداً كسائر أجزاء محل الفرض وكأطراف الوجه، بالإضافة إلى وسط ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق.
فمن قائل المرفق عبارة عن: طرف عظم السَّاعِدِ ولم يَبْقَ، ومن قائل المرفق: مجموع العظمين وقد بقي أحدهما فيغسل، وهذا ما أشار إليه بقوله لأنه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة. أما إذا خلقت لشخصٍ واحدٍ من جانب واحد يَدَانِ، فلا يَخْلُو إما أن تتميز الزائدة منهما عن الأصلية أو تشتبه (١) الحال، فإن تميزت الزائدة عن الأصلية نظر إن خرجت الزائدة [من محل الفرض كالسَّاعِدِ والمرفق، وجب غسلها، مع الأصلية كالأُصْبُعِ الزائدة] (٢)، والسَّلعة النابتة، ولا فرق بين أن يجاوز طولها الأصلية أو لا يجاوز، وإن خرجت مما فوق محل الفرض فإن لم تبلغ إلى مُحَاذَاةِ محل الفرض لم يجب غسل شيء منها، وإن بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في "الأم": أنه يجب غسل القدر المُحَاذِي دون ما فوقه، لوقوع اسم اليد عليها، وحصول ذلك القدر في محل الفرض، بخلاف الجِلْدَة المنكشطة من العَضُدِ لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه: إنه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره؛ لأن هذه الزائدة ليست على محل الفرض، فتجعل تبعاً ولا هي أصلية حتى تكون مقصودة بالخطاب، وحملوا نصه في الأم على ما إذا التصق شيء منها بمحل الفرض، أما إذا لم تتميز الزائدة عن الأصلية، وجب غسلهما جميعاً سواء خرجتا من المنكب، أو من المِرْفق، أو الكُوع، لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرروة أداء الواجب منهما، وإذا خرجتا من المرفق والكوع غسلتا حتماً، ومن الأمَارَاتِ المميزة للزائدة عن الأصلية أن تكون إحداها قصيرة فاحشة القصر، والأخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة، ومنها: نقصان الأصابع.
ومنها: فقد البطَشْ وضعفه (٣).
стр. 110
قال الغزالي: الفَرْضُ الرَّابعُ: مَسْحُ الرَّأَسِ وَأَقَلُّهُ مَا يُسَمَّى (ح) مَسْحاً (م ز) وَلَوْ عَلَى شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ (و) بِشَرْطِ أَنْ لا يَخْرُجَ مَحَلُّ المَسْحِ عَنْ حَدِّ الرأس، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الغَسْلُ، وَلاَ يُكرَهُ عَلَى الأَظْهَرِ وَفِي الإِبْلاَلِ دُونَ المُدِّ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم﴾ (١)، وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح، بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم، لأن من أمرَّ يده على هَامَةِ اليتيم صَحَّ أن يقال: مسح رأسه، ولأن النبي ﷺ "مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" (٢)، ولم يستوعب. وقال مالك: يجب الاستيعاب، وهو اختيار المُزَنِيُّ وإحدى الروايتين عن أحمد والثانية: إنه يجب مسح أكثر الرأس.
وقال أبو حنيفة: يتقدر بالربع، ثم إن كان يمسح على بَشْرَةِ الرأس فذاك، ولا يضر كونها تحت الشعر.
وقال الروياني: في التجربة لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعر، وإن كان يمسح على الشَّعْرِ، فكذلك يجوز، وإن اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها، ولا تقدير.
وعن ابن القاص: إنه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر إزالتها في التحلُّلِ عن النسك، وفي إيجاب الدَّم على المحرِم، وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة؟ ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات، في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعاً، والأول أظهر، ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حَدِّ الرأس، فلو كان مسترسلاً خارجاً عن حده وكان جعداً كائناً في حَدِّ الرأس لكنه بحيث لو مدّ لخرج عن حده لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس، واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجاً عن حد الرأس، وإن كان في غاية القِصَرِ، وكان المراد المد في جهة الرقبة والمَنْكِبَيْنِ وهي جهة النزول، ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المَسْحُ على ما جاور منبته وإن كان في حَدِّ الرأس فإنه كالغِطَاءِ لما تحته كالعِمَامة.
стр. 111
وأصحهما: أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه. ولو غسل الرأس بدلاً عن المسح، ففي إجزائه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه مأمور بالمسح، والغسل ليس بمسح.
وأصحهما: أنه يجزئه؛ لأن الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح؛ فكان مجزئاً بطريق الأولى، وهذا قضية ما ذكره في الكتاب، لأنه نفى الاستحباب والكراهية عنه، وهو مشعر بالإجزاء، وهل يكره الغسل بدلاً عن المسح وإن أجزأ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سرف كغسل الخف بدلاً عن مسحه، وكالغسلة الرابعة.
وأظهرهما: لا يكره؛ لأن الأصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص، فإذا عدل إلى الأصل لم يكن مكروهاً؛ لكن لا يستحب ذلك لما أشار إليه النبي ﷺ في باب الرخص بقوله: "إن اللهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ" (١).
وقوله: "لا يستحب الغسل ولا يكره على الأظهر" ربما أوهم عَوْد الخلاف إليهما، وليس كذلك وإنما الخلاف في الكراهية وحدها، ولو بل رأسه ولم يعد اليد أو غيرها ما يمسح به على الموضع، فهل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأن المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الإيصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجري الماء على الأَعْضَاءِ أو يخوض ببدنه في الماء.
والثاني: وهو اختيار القَفَّال: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى مسحاً، وهو مأمور بالمسح، ولو قطر على رأسه قطرة ولم تَجْرِ هي على الموضع، فعلى الخلاف فإن جرت كفى، وهذا يدل على أنَّ المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا إن سلم أن الإمساس والوضع ليس بمسح (٢).
قال الغزالي: الفَرْضُ الخَامِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣)، وحكم الرجل على
стр. 112
انقسامها إلى الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكَعْبَانِ: هما العَظْمَانِ النَّاتَئَانِ من الجانبين عند مفصل الساق والقدم، وروى القاضي ابن كج وغيره عن بعض الأصحاب: أن الكعب هو الذي فوق مُشْطِ القدم (١).
وجه الأول: ما روى النُّعْمَان بْنُ بشير ﵁ قال: "أَمَرنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَلْزُقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ أَخِيهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ" (٢).
والذي يتصور فيه التزاق القائمين في الصفِّ ما ذكرنا دون ظهر القدم، وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته: ما إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث والأصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حق الحدث أكبر والأصغر، هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكفيه؛ لأن الطَّهَارَتَينِ عبادتان مختلفتان، فلا تتداخلان كالصَّلاتين، ولأنهما مختلفتا السبب والأثر والفعل، وهذه الاختلافات تمنع التداخل.
وأصحهما: أنه يكفيه الغَسْل لظاهر الأخبار، نحو ما روى أنه ﷺ قال: "أَمَّا أَنَا فَأَحْثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ" (٣).
ولم يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد، فعلى الأول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما، وعلى الثاني وهو الأصح: هل من شرط الغسل ليكفي مراعاة الترتيب في أعضاء الوضوء، فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء، والتداخل إنما يجري فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال دون خواصهما، فعلى هذا يكفي غسل البدن مرة واحدة، ولكن يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب، وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطاً آخر: وهو أن يمسح الرأس؛ لأنه من خاصية الوضوء أيضاً بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح.
والثاني: وهو الأصح، لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر، ولا
стр. 113
يبعد أن يدخل الأصغر في أكبر فلا تبقى خاصيته، ألا ترى أن العُمْرَةَ تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بِالقرَانِ ولو انفردت لا تفوت.
فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الأكبر، فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعاً بغسله أم يكفيه نية الأكبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج إلى الجمع، كالحج والعمرة يتداخلان في الأفعال دون النِيَّة.
وأصحهما: لا حاجة إليه؛ لأن الطهارات موضوعة على التداخل فعلاً ونية، ألا ترى أنه إذا اجتمعت الأحداث كفى فعل واحد ونية واحدة، هذا كله إذا اتفق وقوع الأكبر والأصغر معاً، أو سبق الأصغر أكبر. أما إذا سبق الاكبر الأصغر فطريقان:
أطهرهما: طرد الخلاف.
والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف؛ لأن الأكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن، فلا يؤثر فيه الأصغر بعد ذلك، والأصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الأكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره. إذا عرفت هذا الأصل فنعود إلى الصورة المذكورة، ونقول: إن قلنا: يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين، وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء، وتكون الرجل مغسولة مرتين، وإن قلنا: يكفي الغسل، ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء، وجب غسل الرجلين مؤخراً عن سائر أعضاء الوضوء، ويكون غسلهما واقعاً عن الجهتين: الجنابة والحدث جميعاً.
وإن قلنا: يكفي الغسل من غير اشتراط الترتيب، فعلية غسل الرِّجْلَيْنِ عن جهة الجَنَابة، إما قبل سائر أعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها، ويغسل سائر الأعضاء عن الحَدَثِ على الترتيب، وهذا هو الأصح واختيار ابن سريج وابن الحدَّاد (١)، وعلى هذا الوجه يكون المَأتِيُّ به وضوءاً خالياً عن غسل الرجلين؛ لأن الرجلين قد اجتمع فيهما الحَدَثَانِ ونحن على هذا الوجه نحكم باضْمِحلاَلِ الأصغر في جنب الأكبر،
стр. 114
فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء، فهذه هي صورة الامتحان، وَيَنْبَغِي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين، ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرّجلين على ما ذكرنا في الرجلين، ولزم أن نقول على الوجه الصحيح هذا وضوء خالٍ عن مسح الرأس والرجلين، وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين (١) فلهذا لا نتيح المحصل بأمثال هذه الامتحانات.
فائدة: عدوا غسل الرجلين أحد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه، بل الذي يلزمه أحد أمرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه، فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيباً، والمراد عند الإطلاق ما إذا كان لا يمسح أو أن الأصل الغسل والمسح بدل.
قال الغزالي: الفَرْضُ السَّادِسُ: التَّرتِيبُ (ح م ز) إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَ سَقَطَ التَّرتِيبُ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ فَإنَّه يُكْفِي لِلجَنَابَةِ فَلِلأَصْغْرِ أَوْلَى، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ بَلَلٌ وَاحْتَمَلَ الجَنَابَةَ وَالحَدَثَ فإن شَاءَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَغْسِلِ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ وَضُوءاً مُرَتَّباً وَغَسَلَ الثَّوْبَ.
قال الرافعي: روى أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ" (٢)، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب، وخلاف أبي حنيفة، ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور:
أحدها: لو اغتسل المحدث بدلاً عن الوضوء هل يجزئه ذلك: نظر إن أتى بالغسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زماناً، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه, لأن الترتيب من واجبات الوضوء، والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب، وأصحهما: يجزئه لمعنيين:
стр. 115
أحدهما: أن الغسل أكمل من الوضوء، فإنه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللأصغر أولى، كيف والأصل هو الغسل وإنما حط تخفيفاً.
والثاني: أن الترتيب حاصل في الحالة المفروضة، فإنه إذا لاقى الماء وجهه, وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء، فعلى المعنى الأول وهو الذي ذكره في الكتاب إِيْثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب.
وعلى الثاني: الترتيب حاصل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل، كما لو اغتسل مراعياً للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف، وإن يتأت فيه تقدير الترتيب بإن انغمس وخرج على الفور أو غسل الأسافل قبل الأعالي ففيه وجهان مبنيان على الوجهين في الحالة الأولى: إن قلنا: لا يجزئ ثَمَّ فهنا أولى، وإن قلنا: يجزئ فيبنى على المعنيين إن قلنا: الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه هاهنا أيضاً، وإن قلنا: بالمعنى الثاني فلا والمعنى الثاني أصح، فلا جرم الأصح في هذه الحالة أنه لا يجزئه، ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعاً إذا قارنته النية، والكلام فيما عداه، ومنهم من قال: في الحالة الأولى يجزئه ما أتى به بلا خلاف، والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى رفع الجَنَابَة إن قلنا: لا يجزئه إذا نوى رفع الحدث فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجزئه فوجهان هاهنا:
أحدهما: لا يجزئه لأنه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهارة غير مرتبة.
وأصحهما: الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفياً وإثباتاً، وهذا كله في المحدث المَحْضِ يغتسل. إما إذا أجنب وأحدث فالظاهر أنه يكفيه الغسل كما تقدم، والأصغر يتلاشى في جنب الأكبر وإذا عرفت ما ذكرناه، ونظرت في لفظ الكتاب، وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يَتَأَتَّى فيه تقدير الترتيب، وما إذا اغتسل بِحَيْثُ لا يتأتى فيه ذلك، فإن أرادهما جميعاً فالخلاف شامل، لكن الأظهر عند الجمهور أنه لا يجزئه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره. وإن أراد الحالة الأولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره.
الثاني: لو ترك الترتيب عامداً لم يَجْزِهِ وضوءه لكن يعتدُّ بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يَجْزِهِ الوضوء، كما لو نكس لأن المَعِيَّةَ تنافي الترتيب أيضاً، وفيه وجه: أن الشرط عدم التَّنْكيس، ويجزئه الوضوء هاهنا، وان ترك الترتيب ناسياً فقولان:
الجديد: أنه كما لو ترك عامداً كما لو ترك سائر الأركان ناسياً، وفي القديم قول: أنه يعذر بالنسيان، وذكر الأئمة أنه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسياً، ووجه
стр. 116
الشبه أن قراءة الفاتحة وإن كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالرُّكُوعِ والقيام ونحوهما وإنما هي زينة وتتمة للقيام. كذلك الترتيب زينة وهيئة في سائر الأركان.
الثالث: الوضوء نوعان:
أحدهما: وضوء من يتقن أن حدثه الأصغر، فيعتبر فيه الترتيب.
والثاني: وضوء من يجوز أن يكون حدثه الأكبر، ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون مَنِيّاً، واحتمل أن يكون مَذْياً ففيما يلزمه وجوه:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء؛ لأن غسل ما زاد على الأعضاء الأربعة مشكوك فيه، والمستيقن هذا القدر؛ وعلى هذا الوجه لو عدل إلى الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلاً عن الوضوء.
والثاني: يجب عليه الوضوء وغسل سائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل؛ لأن شغل ذمته بإحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الإتيان بهما ليخرج عن العهدة بيقين.
والثالث: وهو الأصح أنه يتخير بين أن يغتسل أخذاً بأنه مني، أو يتوضأ أخذاً بأنه مَذيٌ, لأن كل واحد منهما محتمل، فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته؛ لأن لزوم الآخر مشكوك فيه، والأصل العدم، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب.
وليكن قوله: "فإن شاء" "وإن شاء" مُعْلَمَيْنِ بالواو؛ إشارة إلى ما روينا من الوجهين، ثم على الوجه الأظهر لو توضأ وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البَلَل من ثوب وغيره؛ لأنه على التقدير الذي يجب الوضوء، يكون ذلك الخارج نجساً، وفيه وجه: أنه لا يجب غسل الثوب، وهو ضعيف، ولا بد أن يكون الوضوء المَأْتِيُّ به مرتباً.
وفيه وجه: أنه لا يجب الترتيب؛ لأنه إذا شك في كونه منياً، أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى، والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى، فلا يجب بالشك؛ كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى، وإنما يجب المشترك بينهما، ويقال: كان القفال يقول بهذا الوجه، ثم رجع إلى الأول، وهو المذهب؛ لأنه إما مَنِي، فموجبه الغسل، أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه، فإذا لم يرتب الوضوء، ولا اغتسل، فقد صلى مع أحد المحدثين يقيناً. ويجري هذا الخلاف فيما إذا أوْلَج خُنْثَى مشكل في دبر رجل، فهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان، وإلا فمحدثان، فالجَنَابَةُ محتملة غير مُسْتَيقَنةٍ، فإذا توضأ وجب عليهما المحافظة على الترتيب في ظاهر المذهب.
وفي وجه: لا يجب؛ لأن لزوم الترتيب مشكوك فيه، وهذا الوجه هو الذي دعا إلى إيراد مسألة البلل هاهنا وإن لم يذكره في لفظ الكتاب، والله أعلم.
стр. 117
الْقَوْلُ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
قال الغزالي: أَنْ يَسْتَاكَ بِقُضْبَانِ الأَشْجَارِ عَرَضاً، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَة وَعِنْدَ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ إلا بَعْدَ الزَّوَالِ (ح م) لِلصَّائِمِ.
قال الرافعي: عن رسول الله ﷺ أنه قال: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةً لِلرَّبِ" (١) إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقاً ولا يكره إلاَّ بعد الزوال للصَّائم خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ وسنذكر تفصيل مذاهبهم في الصوم إن شاء الله تعالى. لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خُلُوفُ الفَم، وأنه مشهود له بِالطِّيبِ قال ﷺ : "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ" (٢). وإذا كان كذلك فيكره إزالته كَدَمِ الشَّهداءِ وَإنما خص بما بعد الزوال؛ لأنه تغير الفم بسبب الصوم، وحينئذ يطهر، وفي غير هذه الحالة يطرد الاستحباب، لكنه آكَدُ في مواضع:
منها: عند الصلاة، وإن كان على الطهارة، سواء كان متغير الفم، أو لم يكن لقوله ﷺ : "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (٣). ومنها: عند تغيير النَّكْهَة، وذلك قد يكون للنوم، فيستحب عند الاستيقاظ الاستياك، كان النبي ﷺ : "إِذَا اسْتَيْقَظَ اسْتَّاكَ" (٤) وروى "أَنَّهُ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ" (٥) وقد يكون لطول السكوت، وقد يكون لترك الأكل، وقد يكون لأكل ماله رائحة كريهة، فَيُسْتَحَبَّ الاستياك عندها جميعاً؛ لأنها أسباب تغير الفم، فتشبه النوم. ومنها: اصْفِرَارُ الأسنان، وقد يفرض ذلك من غير تغير النَّكْهَة. ومنها: قراءة القرآن، تعظيماً, وتطهيراً له.
ومنها: عند الوضوء، وإن لم يصلّ في الحال: روي في بعض الروايات أنه ﷺ "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ" (٦).
стр. 118
وقد حَكَيْنَا فيما تقدم عن بعض الأصحاب: أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله: "إن يستاك" بالواو، وإشارة إلى ذلك الوجه.
وقوله: "بقضبان الأشجار" ليس على سبيل الاشتراط، لكنها أولى من غيرها، والأولى منها الآراك، والأحب أن يكون يابساً، لين بالماء دون ما لم يلين، فإنه يقرح اللَّثَةَ، ودون الرطب فإنه لا ينقى اللُّزُوجة، وأصل السنة تَتَأَدَّى بكل خشن، يصلح لإزالة القِلْحِ، كالخِرْقَةِ الخشنة ونحوها، نعم لو كان جزءاً منه كَأُصبُعِهِ الخشنة، ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى استياكاً.
والثاني: يجزئ لحصول مقصود الاستياك به.
والثالث: إن قدر على العود ونحوه فلا يجزئ، وإلا فيجزئ, لمكان العُذْرِ.
وأما قوله: "عرضاً" فقد ذكر إمام الحرمين: أنه يمد السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجِهَتَيْنِ، فالعرض أولى؛ لما روى أنه ﷺ قال: "اسْتَاكُوا عَرْضاً" (١) وهكذا أورده المصنف في الوسيط، وذكر آخرون منهم صاحب "التتمة": أن يستاك في عرض الأسنان لا في طولها. ورووا في الخبر: "أَنَّه قَالَ: "اسْتَاكوا عَرْضاً لاَ طُولاً" فعلى الأول قوله: "عرضاً" ليس لأنه متعين في إقامة هذه السنة، بل خصه بالذكر لأنه أولى، وعلى الثاني هو تعيين (٢).
قال الغزالي: وَأَنْ يَقُولَ: بِسْم اللهِ فِي الابْتِدَاءِ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلاَثاً قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ.
قال الرافعي: ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه: بسم الله على سبيل التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّن، وذهب أحمد إلى أن التسمية واجبة؛ لقوله ﷺ : "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ عَلَيْهِ" (٣).
стр. 119
قلنا: المعنى لا وضوء كاملاً، كذلك روى في بعض الروايات، ويدل عليه قوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَر اسْمَ اللهِ كَانَ طَهُوراً لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، كَانَ طَهُوراً لأَعْضَاءِ وَضُوئِهِ" (١).
ولو كانت التسمية واجبة لما طَهُرَ شيء، ثم لو نسي التسمية في الابتداء، وتذكرها في أثناء الوضوء أتى بها, كما لو نسي التسمية في ابتداء الأكل يأتي بها إذا تذكر في الأثناء، ولو تركها في الابتداء عمداً، فهل يشرع له التدارك في الأثناء؟ هذا محتمل (٢).
ولك أن تعلم قوله: "وأن يقول بسم الله" بالألف، والواو، "فالألف", لأن أحمد عَدَّها من الواجبات. "والواو"؛ لأن بعض الأصحاب لم يعدها من سنن الوضوء، وقال: هي محبوبة في كل أمر ذي بال، فلا اختصاص لها بالوضوء.
ومن سننه غسل اليدين إلى الكُوعَينِ قبل غسل الوجه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ" (٣) ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم، وغيره، ولا بين أن يتردَّد في طهارة يديه، أو يتيقنها، ولا بين من يدخل يديه في الإناء من توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضي إلا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الإناء ثم مَنْ يدخل يديه في الإناء، ولم يتيقن طهارة يديه بأن قام من النوم، واحتمل تنجس يديه في طوافهما، وهو نائم يختص بشيء، وهو أنه يكره له ذلك قبل الغسل، قال رسول الله ﷺ : "إذَا اسْتَيقَظَ أحَدكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يِغْسِلَهَا ثَلاثاً، فَإِنَّهُ لاَ يَدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (٤) وكذلك لو كان مستيقظاً ولم يستيقن طهارة اليدين، وإن تيقن طهارة يديه، فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان:
أظهرها: لا، بل بتخير بين تقديم الغمس وتأخيره؛ لأن سبب المنع ثم الاحتياط للماء؛ لاحتمال نجاسة اليد. وهذا مفقود هاهنا.
стр. 120
والثاني: يكره، لأن المتيقن والمتردِّد يستويان في أصل استحباب الغسل، فكذلك في استحباب تقديم الغسل على الغَمْس (١). وليكن قوله: "وأن يغسل يديه" مُعْلماً بالألف والواو أيضاً، أما "الألف" فلأن عند أحمد إن قام من نَوْمِ الليل يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإن قام من نوم النهار لا يجب. وأما "الواو" فلأن بعضهم لا يعده من سنن الوضوء على ما سبق. وأما قوله: "ثلاثاً"، فليس ذلك من خاصية هذه السنة، بل التَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ في جميع أفعال الوضوء، كما سيأتي.
قال الغزالي: وَأَنْ يَتَمَضْمَضَ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ فَيَأخُذَ غرْفَةً لِفيهِ وَغرْفَةً لأَنْفِهِ عَلى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفي الثَّانِى يَأَخُذُ غرْفَةَ لَهِمَا ثُمَّ يَخْلِطُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ إِذَا كَانَتِ الغرْفَةَ وَاحِدَةً وَيُقَدِّمِ المَضْمَضَةَ فِي الوَجْهِ الثَّاني وَأَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِماً فَيَرْفُقُ.
قال الرافعي: "كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فِي وُضُوئِهِ" (٢) فهما مستحبان فيه، خلافاً لأحمد حيث قال بوجوبهما. لنا: ما روى أن رسول الله ﷺ قال: "عَشْرٌ مِنَ السُّنَّةِ" (٣). وَعَدَّ مِنْهَا المَضْمَضَةَ، وَالاسْتِنْشَاقَ ثم أصل الاستحباب يتأدَّى بإيصال الماء إلى الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة، أو أكثر، لكن اختلفوا في الكيفية التي هي أفضل على طريقين:
أصحهما: أن فيه قولين.
أصحهما: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ" (٤). ويقال: إن عثمان وعلياً ﵄ كذلك روياه (٥)؛ ولأنه أقرب إلى النظافة.
والثاني: أن الجمع بينهما أفضل؛ لما روى عن علي ﵁ في وصف
стр. 121
وضوء رسول الله ﷺ : "أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ" (١)، ونقل مثله عن وصَفِ عبد الله بن زيد (٢)، والرواية عنه وعن عثمان وعلي ﵃ في الباب مختلفة.
والطريق الثاني: أن الفصل أفضل بلا خلاف، وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجَوَازِ. فإن قلنا: بالفصل ففي كيفيته وجهان:
أصحهما: "أَنَّهُ يَأخُذُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلاَثًا وَغَرْفَةً أُخْرَى يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلاَثاً, لأَن عَلِيّاً- ﵁ كَذَلِكَ رَواهُ" (٣).
والثاني: أنه يأخذ ثلاث غَرَفَاتِ لِلْمَضْمَضَةِ، وثلاثاً للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا التقديم مستحق على أظهر الوجهين؛ لأنهما عضوان فَيَتَعَيَّنُ الترتيب بينهما، كما في سائر الأعضاء.
والثاني: أنه مُسْتَحَبٌّ؛ لأنهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار.
وإن قلنا: بالجمع، ففي كيفيته وجهان أيضاً:
أظهرهما: أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ ثالثة؛ فيفعل بها مثل ذلك، كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد (٤).
والثاني: أنه يأخذ غَرْفَةً واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، روى ذلك في بعض الروايات أيضاً.
ثم على هذا الوجه، وهو اتِّحْادُ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق؟ أم يقدم المضمضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخلط، فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه، ثم يفعل ذلك ثانية، وثالثة، لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما في حكم عضو واحد.
والثاني: يقدم المضمضة على الاستنشاق، فإن ذلك أقرب إلى النَّظَافَة (٥). ولنبين
стр. 122
ما يشتمل عليه الكتاب من هذه الاختلافات. أما قوله: "فيأخذ غَرْفَة لفيه، وغرفة لأنفه على أحد القولين"، فهو قول الفصل بالكَيْفِيّة المذكورة في الوجه الأول من الوجهين المذكورين على هذا القول. وأما قوله: "وفي الثاني يأخذ غَرْفَة لهما" فهو قول الجمع بالكَيْفِيَّة المذكورة في الوجه الثاني على هذا القول. وقوله: "ثم يخلط على أحد الوجهين" إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيراً. ومن سنن الوضوء: المبالغة في المَضْمَضَة والاستنشاق، ففي المضمضة يبلغ الماء أقصى الحَنَكِ، وَوَجْهَي الأسنان واللَّثَات مع إمرار الإصبع عليها، وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخَيْشُوم مع إدخال الإصبع، وازالة ما فيه من الأَذَى، لكن لو كان صائماً لا يبالغ فيهما، كيلا يصل الماء إلى الدماغ، أو البطن، وقد روى "عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبَرَةَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ ﷺ : "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالَغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِماً (١) " (٢).
قال الغزالي: وَأَن يُكَرِّرَ الغَسْلَ وَالمَسْحَ (ح م و) فِي الجَمِيع وَإِن شَكَّ أَخَذَ بِالأَقَلِّ.
قال الرافعي: "توَضَّأَ رَسُول اللهِ ﷺ ثَلاَثاً ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" (٣). وروى: "أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلاَثاً ثَلاَثاً، وَقَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَد أَسَاءَ وَظَلَم" (٤). ولا فرق بين المَغْسُولِ من الأعضاء والممسوح المفروض منهما، وغير المفروض؛ لأن لفظ الخبر مطلق يتناول المغسول والممسوح.
стр. 123
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏: لا يستحب التَّكْرار في مَسْحِ الرأس وحكاه أبو عيسى التِّرْمذي في جامعة عن الشافعي ﵁ ونقله أبو عبد الله الحناطي وجهاً للأصحاب فيه، وفي مسح الأذنين.
واحتجوا عليه بما روى: "أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً" (١) وعن علي وعثمان ﵄ أنهما في وَصْفِ وضوء رسول الله ﷺ "مَسَحَا رُؤُوسَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
قلنا: ورد في رواية الرُّبَيِّع بنت معوذ: "أَنَّهُ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّتَيْنِ (٢) "، وعن عثمان "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأسَهُ ثَلاَثاً" (٣)، على أن ما رويتموه يَجْوزُ أن يكون فعله في بعض الأحوال؛ لبيان الجواز. وهذا لبيان الفضيلة، فلو شك في أنه غسل، أو مسح مرة، أو مرتين، أو شك في أنه فعل ذلك مرتين، أو ثلاثاً؛ فوجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يأخذ بالأقل؛ كما لو شك في عدد رَكَعَاتِ الصلاة.
والثاني: ذكره الشيخ أبو محمد: أنه يأخذ بالأكثر؛ حذراً من أن يزيد غسلة رابعة، فإنها بِدْعَةٌ وترك السنة أهون من اقتحام البدعة، لكن من قال بالأول لا يسلم أن الرابعة بدعة على الإطلاق؛ بل البدعة: إتيانه بالرَّابِعَة عن علم منه بحقيقة الحال (٤).
قال الغزالي: وأنْ يُخَلِّلَ اللَّحْيَةَ إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً. قال الرافعي: ما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شَعرِ الوجه، يستحب تَخْلِيلُه بالأصابع، روى عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ كان يخلِّلُ لِحْيَتَه (٥) وروى: أنه كان يُخَلل لحيته، وَيدْلُكُ
стр. 124
عَارِضَيْهِ بعض الدلك. وعن المزني: أن التَّخلِيلَ واجب (١) ورواه القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب، فإن أراد المزني فتفرداته لا تعد من المذهب إذا لم يخرجها على أصل الشافعي ﵁ وإن أراد غيره حصل وجه موافق لما ذهب إليه المزني.
قال الغزالي: وأنْ يُقَدِّمَ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى.
قال الرافعي: كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء، حتى في وضوئه وانتعاله (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأتم فَأْبْدَؤُا بِمَيَامِنُكِم" (٣) وزعم المرتضى (٤) من الشيعة أن الشافعي ﵁ في القديم كان يوجب تقديم اليمنى على اليسرى، وليس لهذا ذكر في كتب أصحابنا، ولا اعتماد عليه، ويدل على نفي الوجوب ما روى عن علي ﵁ أنه قال: ما أبالي بيميني بدأت، أو بشمالي إذا أكملت الوضوء (٥).
ثم استحباب تقديم اليمنى على اليسرى في كل عضوين يعتبر إيراد الماء عليهما دفعة واحدة، كاليدين والرجلين، أما الأذنان فلا يستحب البداية باليمنى منهما؛ لأن مسحهما معاً أهون، وكذلك الخدان يغسلان معاً: نعم الأقطع يعجز عن غسل الخدين، ومسح الأذنين دفعة واحدة فيراعى التَّيَامُنُ، هكذا ذكر القاضي أبو المحاسن (٦) وليكن قوله: "وأن يقدم اليمنى" مرقوماً بالألف؛ لأن أحمد صار إلى وجوبه.
قال الغزالي: وأنْ يطَوِّلَ الغُرَّةَ.
قال الرافعي: وروى أنه ﷺ قال: "أُمَّتِي يَومَ الْقِيَامَةِ غُرٌّ مُحَجُّلُونَ مِنْ آَثَارِ الوُضُوءِ" (٧). قال أبو هريرة: "فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَغْسِلُ أَيْدِيَنَا إِلَى الأبَاطِ" (٨).
стр. 125
واختلف الأصحاب في التفسير، ففرق بعضهم بين تطويل الغُرَّة وتطويل التَّحْجِيل فقالوا: تطويل الغرة غَسْلُ مُقَدَّمات الرأس مع الوجه، وكذلك غسل صَفْحَةِ العُنُقِ، والتحجيل غسل بعض العَضُد عند غسل اليد وغسل بعض الساق عند غسل الرجل، وغاية ذلك استيعاب العضد، والساق وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالى الوجه، والأول أولى وأوفق لظاهر الخبر.
قال الغزالي: وَأَنْ يَسْتَوْعِبَ الرَّأْسَ بِالمَسْحِ فَإِنْ عَسُرَ تَنْحِيَةُ العِمَامَةِ كَمَّلَ بِالمَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ.
قال الرافعي: من سنن الوضوء اسْتِيعَابُ الرأس بالمسح، والأحبُّ في كيفيته أن يضع يده على مقدم رأسه، وكل واحدة من سَبَّابَتَيْهِ مُلْصَقَة بالأخرى، وإبهاماه على صُدْغَيه ثم يذهب بهما إلى قَفَاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، روى عن عبد الله ابن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ "ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، أَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمَقْدِمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ" (١).
وهل الذِّهَاب باليد والرد مَسحَةٌ واحدة؟ أم الذهاب وحده مسحة؟ إن لم يكن على رأسه شعر، أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليد؟ وردها لكونه ضَفِيرَةً معقودة، أو لطوله فإمرار اليد من المقدم إلى المؤخر مَسْحَة واحدة.
قال في التهذيب: ولا يحسب الرد، والحالة هذه مسحة أخرى؛ لِصَيْرُورَةِ البَلَلِ مستعملاً بحصول مسح جميع الرأس، وإن كان على رأسه شعر ينقلب بالذهاب باليد، وردها فهما جميعاً مسحة واحدة؛ ليستوعب البلل جميع الرأس، فإن مَنَابِتَ الشعور مختلفة، منها ما يكون وجهه إلى مقدم الرأس، ومنها ما يكون وجهه إلى مؤخره، فبالذهاب يبتلُّ بواطن القسم الأول، وظواهر الثاني وبالرد يبتل ظواهر الأول، وبواطن الثاني، والأول أن يمسح من الرأس النَّاصية، "مَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" (٢) ولا يجوز الاقتصار على مسح العِمَامَةِ؛ لأن المأمور به مسح الرأس، والماسح على العمامة ليس بماسح على الرأس، ولو عسر عليه تنحية ما على رأسه من عمامة، وغيرها ومسح من الرأس قدر ما يجب كمل بالمسح على العمامة، بدلاً من الاستيعاب وتشبها به.
قال الغزالي: وَأَنْ يَمْسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا.
стр. 126
قال الرافعي: يستحب مَسْحُ الأُذُنَيْن؛ لما روى: "أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذَنَيهِ، ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ" (١).
وينبغي أن يمسحهما بماء جديد؛ لما روى عن عبد الله بن زيد، في صفة وضوء رسول الله ﷺ "أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ أُذُنَيهِ بِمَاء غَيْرِ المَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ" (٢).
وليس من الشرط أن يأخذ ماءً جديداً حينئذ؛ بل لو أمسك بعض أصابعه من البلل المأخوذ لمسح الرأس، ومسح به الأذنين تأَدَّت هذه السنة؛ روى "أَنَّهُ ﷺ "أَمْسَكَ بسَبَّابَتَيْهِ، وإبْهَامَيْهِ عَنِ الرَّأْسِ؛ لِمَسْحِ الأُذُنيْنِ، فَمَسَحَ بِسَبَّابَتَيْهِ بِاطِنَهُمَا، وَبِإِبْهَامَيْهِ ظًاهِرَهُمَا" (٣)، ويمسح الصِّمَاخَيْنِ بماء جديد أيضاً نص عليه؛ لأنه من الأذن، كالفم والأنف من الوجه، وحكى قول آخر: أنه يكفي مَسْحُه ببقية بلل الأذن؛ لأن الصِّمَاخَ من الأذن، والأحبُّ في إقامة هذه السنة أن يدخل مسبحتيه في صِمَاخَيْه، ويديرهما على المَعَاطف، ويمر إبهاميِه على ظهورهما، ثم يلصق كفيه، وهما مبلولتان بالأذنين استظهاراً. ولك أن تعلم قوله: "وأن يمسح أذنيه" بالألف؛ لأن أحمد قال بوجوبه، وبالميم؛ لأن مالكاً قال في رواية: هما من الوجه يُغْسَلاَن معه، ولا يُمْسَحان.
وقوله: "بماء جديد" بالحاء لأن أبا حنيفة يقول: هما من الرأس يمسحان بالبلل المأخوذ للرأس (٤)، وبالميم، لأن مالكاً: يقول في رواية هما من الوجه يمسحان بالبَلَلِ الباقي عن غسل الوجه (٥) وبالألف، لأن أحمد مع قوله "بالوجوب" يجوزه بالمأخوذ لمسح الرأس، وعن مالك روايتان، أخريان أحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى مثل مذهب أبي حنيفة.
قال الغزالي: وأنْ يَمْسَحَ الرَّقَبَةَ.
стр. 127
قال الرافعي: روى أن النبي ﷺ قال: "مَسْحُ الرَّقَبَةِ أَمَانٌ مِنَ الْغُلِّ" (١) وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ وُقِيَ الْغُلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) "] (٣).
وهل يمسح بماء جديد، أم بما يبقى من بلل مسح الرأس، أو الأذن؟ بناه بعضهم على وجهين في أن مسح العنق سنة أم أدب، إن قلنا: سنة مسح بماء جديد وإن نقلنا: أدب مسح بالبلل الباقي. واعلم أن السُّنة والأدب يشتركان في أصل الندبية، والاستحباب، لكن السنة ما يتأكد شأنها، والأدب دون ذلك، ثم اختيار القاضي الروياني: أنه ينبغي أن يمسحه بماء جديد، وميل الأكثرين إلى أنه يكفي مسحه بالبلل الباقي، وهو قضية كلام المسعودي، وصاحب "التهذيب"؛ لأن المسعودي قال: إنه غير مقصود في نفسه، بل هو تابعٌ للقَفَا في المسح والقفا تابع للرأس؛ لتطويل الغُرَّة. وقال صاحب "التهذيب": يستحب مسحه؛ تبعاً للرأس، أو الأذن إطالةً للغرة، وإذا كان استحبابه لتطويل الغرة، كفى فيه البلل الباقي (٤) -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأنْ يُخَلَّلَ أَصَابعَ الرِّجْلَينِ بِخنْصِرِ اليَدِ اليُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ أَصَابعِ الرِّجْلِ اليُمْنَى وَيَبتَدِئُ بِخِنْصِر اليُمْنَى وَيَخْتُمِ بِخِنْصِرَ اليُسْرَى.
قال الرافعي: من سنن الوضوء: تخليلُ أصابع الرجلين في غسلهما؛ لما روى أنه ﷺ قال للقيط بن صبرة: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلِ الْأَصَابع".
وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تَخْلِيلٍ، فلو كانتِ الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل، فحينئذ يجب التخليل، لا لِذَاتِهِ، لكن الأداء فرض الغسل، وإن كانت ملتحمة لم يجب الفَتْقُ، ولا يستحب أيضاً، والأحب في كيفية التخليل: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسفل الأصابع، مبتدئًا بخِنْصَرِ الرِّجْل اليمنى، ومختتماً بخِنْصَر اليسرى، وَرَدَ الخبر (٥) بذلك عن رسول الله ﷺ كذلك ذكره الأئمة، وعن أبي طاهر
стр. 128
الزيادي (١)؛ أنه يخللُ ما بين كل إصْبُعَيْن من أصابع رجله بإصبع من أصابع يده؛ ليكون بماء جديد، ويفصل الإبهامان، فلا يخلل بهما؛ لما فيه من العسر، وهل التخليل من خاصية أصابع الرجلين؟ أم هو مستحب في أصابع اليدين أيضاً؟ معظم أئمة المذهب ذكروه في أصابع الرجلين، وَسَكتُوا عنه في اليدين، لكن القاضي أبا القاسم بن كج قال: إنه مستحب فيهما، واستدل بخبر لقيط بن صبرة، فإن لفظ الأصابع ينتظمها، وفي جامع أبي عيسى الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أَصَابعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ" (٢).
وعلى هذا فالذي يقرب من الفهم هاهنا أن يشبك بين الأصابع، ولا تعود فيه الكيفية المذكورة في الرجلين، ولك أن تعلم قوله: "بخنصر اليد اليسرى" بالواو، إشارة إلى ما حكينا عن الأستاذ أبي طاهر.
قال الغزالي: وأنْ يُوَالِيَ بَيْنَ الأَفْعَالِ فَهِيَ سُنَّةٌ عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: اختلف قول الشافعي ﵁ في الموالاة. فقال في القديم: هي واجبة، وبه قال مالك، وأحمد في رواية؛ لأن النبي ﷺ تَوَضَّأَ على سبيل الموالاة، وقال: "هذَا وُضُوء لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بهِ" (٣)؛ ولأنها عبادة ينقضهما الحدث، فيعتبر فيها الموالاة، كالصلاة، وقال في الجَديد: هي سنة؛ لما روى "أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ وَتَرَكَ لُمعَةً فِي عَقِبِهِ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ النَّبِي ﷺ بِغَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالاِستِئنَافِ (٤) " ولم يبحث عن قَدْرِ المدة الفاصلة، وعن ابن عمر -رضي الله
стр. 129
عنهما-: أنه كان يتوضأ في سوق المدينة، فدُعِيَ إلى جنازة، وقد بَقِيَ من وضوئه فرض الرجلين، فذهب معها إلى المُصَلَّى، ثم مسح خفيه وكان لابساً ولأن أفعال الوضوء يجوز أن يتخلَّلها الزمان اليسير، فكذلك الزمان الكثير بخلاف الصلاة. ثم لجريان القولين شرطان، وإن أطلق في الكتاب.
أحدهما: أن يهمل الموالاة بتفريق كثير، أما التفريق اليسير فلا يقدح بلا خلاف، سواء كان بعذر، أو بغير عذر، والتفريق الكثير أن يمضي من الزمان ما يَجِفّ فيه المَغْسُولُ مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص، ولا عبرة بحال المَحْمُومِ، ولا بتباطُؤ الجفاف؛ بسبب بُرُودَةِ الهواء، ولا بتَسَارُعِهِ بسبب الحرارة.
وقيل: يؤخذ الكثير والقليل من العادة.
وقيل: إذا مضى قدر ما يمكن فيه إتمام الطهارة فقد كثر التفريق، واعتبار مدة التفريق من آخر الفعل المأتي من أفعال الوضوء، حتى لو غسل وجهه ويديه، ووقع فصل، ثم مسح رأسه، قبل جفاف ماء اليدين لم يضر، وإن جف الماء على وجهه.
وإذا غسل ثَلاثاً، فالاعتبار من الغسلة الأخيرة.
الشَّرْط الثاني: أن يكون التفريق الكثيرة بغير عذر، أما إذا كان بعذر فلا يضر، ولا يعود فيه القول القديم.
قال المسعودي: لأن الشافعي ﵁ جوز في القديم تفريق الصلاة بالعُذْرِ، فإنه إذا سبقه الحدث يتطهر، ويبني، ففي الطهارة أولى، والعذر كما إذا نفد ماؤه، فذهب لطلبه، أو خاف من شيء فهرب، وهل النسيان من الأعذار؟ فيه وجهان، للشيخ أبي محمد:
والأظهر: أنه من الأعذار، ومنهم من طرد القولين في التفريق بالعُذْر أيضاً، والأكثرون على الأول، وَحُكِيَ عن نص الشافعي ﵁ ما يدل عليه وإذا عرفت موضع القولين، فنقول: إذا فرعنا على القديم وفرق وجب عليه الاستئناف.
وإن فرعنا على الجديد، فله البناء، ثم إن كان مستديماً للنية فذاك، وإن لم يكن فهل يحتاج إلى تجديد النية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن استيفاء النية حكماً خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه عند تواصل الأفعال.
وأظهرهما: لا؛ لأن التفريق إذا كان جائزاً كانت النية الأولى كافية، ألا ترى أن الحج إذا جاز فيه التفريق كَفَتِ النية الأولى فيه.
قال الغزالي: وَأَنْ لاَ يَسْتَعِينَ فِي الوُضُوءِ بِغَيْرِهِ، وَأَنْ لاَ يُنَشِّفَ الأَعْضَاءَ فَهِيَ سُنَّةٌ
стр. 130
عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَأَنْ لاَ يَنْفُضَ يَدَيْهِ لِلنَّهْي عَنْهُ، وَأَنْ يَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ المَأْثُورَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ غَسْلِ الأَعْضَاءِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على أربع سنن:
إحداهما: أن لا يستعين في وضوئه بغيره.
روى: أنه ﷺ قال: "أَنَا لاَ أَسْتَعِينُ عَلَى وُضُوئِي بأَحَدٍ" (١) قاله لعمر ﵁ وقد بادر لِيَصُبَّ الماء على يديه؛ ولأنه نوع من التنعيم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبِّد، والأجر على قدر النصب. وهل تكره الاستعانة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما ذكرناه.
وأظهرهما: لاَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ اسْتَعَانَ أَحْيَانًا (٢) مِنها: ما رُوِيَ "أَنَّ أُسامة (٣) وَالربيع بِنْتَ مُعَوِّذِ صَبَّا الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ" (٤).
ومنها ما روى "أنَّهُ اسْتَعَانَ بالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةُ لِمَكَانِ جُبَّةٍ ضَيِّقَةِ الْكُمَّيْنِ كَانَ قَدْ لَبِسَهَا فَعَسَرَ عَلَيْهِ الإِسْبَاغُ مُنْفرَداً" (٥) ولا يستبعدن الخلاف في أن الاستعانة هل تكره؟ مع الجزم بأن تركها محبوب فإن الشيء قد يكون أولى، ولا يوصف ضده بالكراهية كأستغراق الأوقات بالعبادة وتركه.
الثانية: هل يستحب ترك تنشيف الأعضاء فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لما روى عن أنس "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يُنَشِّفُ أَعْضَاءَهُ" (٦).
стр. 131
وعن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا، فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ، وَرَأسُهُ يَقْطُرُ مَاء" (١).
والثاني: لا يستحب ذلك. وعلى هذا اختلفوا. منهم من قال: لا يستحب التَّنْشِيف أيضاً، وقد روي من فعل رسول الله ﷺ التنشيف، وتركه، وكل حسن، ولا ترجيح، ومنهم من قال: يستحب التنشيف؛ لما فيه من الاحتراز عن التصاق الغبار، وإذا فرعنا على الأظهر، وهو استحباب الترك، فهل نقول التَّنْشِيفُ مَكْرُوهٌ؛ أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: لا؛ "لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، فَأَتَى بِمَلحَفَةٍ وَرَسِيَّةٍ، فَالْتَحَفَ بِهَا حَتَّى رُؤي أَثَرُ الوَرَسِ فِي عُكَتِهِ" (٢). ولو كان مكروهًا لما فعل.
والثاني: نعم؛ لأنه إزالة لأثر العبادة، فأشبه إزالة خُلُوف فَمِ الصائم.
والثالث: حُكِيَ عن القاضي الحسين: أنه إن كان في الصيف كره، وإن كان في الشتاء لم يكره؛ لعذر البرد.
الثالثة: أن لا ينفض يديه، فهو مكروه (٣) لما روى: أنه ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأتُم فَلاَ تَنْفضُوا أَيْدِيَكُم، فَإِنَّهَا مَرَاوح الشَّيْطَانِ" (٤).
الرابعة: أن يحافظ على الدعوات (٥) الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: "اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً"، وعند غسل اليسرى: "اللهم لا تعطني
стр. 132
كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري"، وعند مسح الرأس: "اللهم حَرِّمْ شعري وبشري على النار" وروى: "اللهم احْفَظْ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى"، وعند مسح الأذنين: "اللَّهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، وعند غسل الرجلين: "اللَّهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"، ورد بها الأثر عن السلف الصالحين (١) خاتمتان:
إحداهما: السنن التي أوردها، يعود يصفها في الغسل، التسمية، وغسل اليدين، والمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والتكرار، والمُوَالاة، وترك الاستعانة، والتنشيف، والنفض. وفي التسمية وجه: أنها لا تستحب في الغسل، وفي الموالاة طريق: أنها لا تجب في الغسل بلا خلاف.
الثانية: ظاهر لفظ الكتاب حصر السنن في العدد المذكور، لكن للوضوء مَنْدُوبَات أخر. منها: أن يقول بعد التسمية: الحَمْدُ لله الذي جعل الماء طهوراً. وأنَّ يستصحب النية في جميع الأفعال. وأن يجمع في النية بين اللِّسان القلب. وأن يتعهد الماقين (٢) بالسبابتين، وما تحت الخَاتِمَ بتحريك الخاتم، وكذلك المواضع التي يحتاج فيها إلى الاحتياط. وأن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه، وفي مسح الرأس بمقدمه وفي اليد والرجل بأطراف الأصابع، ويختم بالمرافق، والكعب إن كان يصب الماء عليهما بنفسه، وإن صبه عليه غيره بدأ بالمِرْفَقِ، والكَعْبِ. وأن لا ينقص الماء المتوضأ به عن مدٍ. وأن لا يسرف في صب الماء. وأن لا يزيد على ثلاث مرات. وأن لا يتكلم في أثنائه. ولا يَلْطُم الوجه بالماء. وأن يتوضأ في مكان لا يرجع رشاش الماء إليه. وأن يُمِرَّ اليدَ على الأعضاء المغسولة. وأن يقول بعد الوضوء مستقبلاً للقبلة: أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهمَّ اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وليس لك أن تقول: هذا من الأذكار والأدعية، وقد أشار إليها في الكتاب، فلا يكون وراء ما ذكره؛ لأن الأدعية التي أشار إليها في الكتاب، هي المأثورة عند غسل الأعضاء، وهذا متأخر عن غَسْلِهَا.
стр. 133
الْبَابُ الثَّانِي فِي الاسْتِنْجَاءِ
وَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةُ
قال الغزالي: الأوَّلُ فِي آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ: وَهِيَ أَنْ يَستُرَ عَوْرَتَهُ ولا يُحَاذِيَ بِهَا الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالقِبْلَةَ واستدْبَاراً وَاسْتِدْبَاراً إِلاَّ إِذَا كلانَ فِي بِنَاءٍ، وَأَنْ لاَ يَجْلِسَ في مُتَحَدَّثِ النَّاسِ وَلاَ عَلَى الشَّوَارعِ.
قال الرافعي: الاسْتِنْجَاء واجب عندنا، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ظاهر قوله ﵊: "وَلْيَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ" (١) ونحوه، ثم المحوج إلى الاستنجاء إنما هو قضاء الحاجة؛ فلذلك قدم فصلاً أولاً في آدابه، وذكر منها أموراً:
أحدها: أن يستر عورته عن العيون بشجرة، أو بقية جدار، ونحوهما؛ لما روى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ كَثِيباً مِنْ رَملٍ فَلْيَفْعَلْ" (٢)، وهذا إذا لم يكن في بِنَاءِ ساتر، وهو أن يكون مسقفاً، أو مَحُوطاً يمكن تَسْقِيفُه، فلو كان في بُسْتَان مَحُوطٍ، وجلس بعيداً عن الجدار أو جلس في عَرْصَةِ دار فَيْحَاء، فهو كما لو جلس في الصحراء، فينبغي أن يستتر بشيء، ثم ليكن الساتر قريباً من مؤخرة الرجل، وليكن بينه وبين الساتر قدر ثلاثة أذرع، فما دونها، ولو أناخ راحلته وتستر بها، أو جلس في وَهْدَةٍ، أو نهر، أو أرخى ذَيْلَهُ حصل الغرض.
الثاني: أَنْ لاَ يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِفَرْجِهِ، فَقَد وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ (٣)، ويشترك فيه الصحراء، والبنيان، كذلك ذكره المحاملي.
الثالث: إذا كان في بناء، أو بين يديه ساتِرُ، فالأدب أن لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، وإذا كان في الصحراء، ولم يستتر بشيء، حرم عليه استقبال القبلة. واستدبارها؛ لما روى: أنه ﷺ قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدَكُمُ الْغَائِطَ، فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائطٍ وَلاَ بَوْلٍ" (٤) وروى: أنه ﵊ قال: "لاَ تَسْتَقْبِلُوا
стр. 134
الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ، وَلاَ بَولٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا" (١). ولا يحرم ذلك في البناء، وإن كان الخبر مطلقاً، خلافاً لأبي حنيفة؛ وذلك لما روى عن ابن عمر ﵄ قال: "رَقَيْتُ السَّطْحَ مَرَّةً فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ جَالِسًا عَلَى لَبَنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ" (٢) ومن استقبل بيت المقدس بالمدينة، فقد استدبر الكعبة (٣) وعن جابر قال: "نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقِبْلَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِنَا"، ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة" (٤).
وسبب المنع في الصحراء، فيما ذكر الأصحاب أن الصحراء لا تخلو عن مُصَلٍّ من ملك، أو جني، أو إنسي، فربما وقع بصره على عورته، فأما في الأبنية، فالحشُوشُ لا يحضرها إلا الشياطين، ومن يصلي يكون خارجاً عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلى، وليس السبب مُجَرَّدَ احترام الكعبة، وقد نقل ما ذكروه عن ابن عمر، وعن الشعبي ﵄.
الرابع: أن لا يجلس في متحدث الناس؛ كيلا يفسد عليهم مجلسهم، فيلعنوه، وقد قال ﷺ : "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ" (٥). ثم في لفظ الكتاب في الأدب الثاني، والثالث كلامان:
стр. 135
أحدهما: قوله: "ولا يُحَاذِي بها الشمس، والقمر، والقبلة، استقبالاً، واستدباراً، يقتضي المنع من استقبال الشمس والقمر، واستدبارهما جميعاً، كالقبلة سواء رجع قوله "استقبالاً واستدباراً" إلى الشمس والقمر، والقبلة، أو إلى القبلة وحدها، أما على التقدير الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن لفظة المحاذاة، وهي تشمل الاستقبال والاستدبار. وأكثر الكتب ساكتة عن استدبارهما، وإن كان المنع عن استقبالهما مشهوراً، لكنه صحيح حكاه في البيان عن الضيمري ورأيته في الشافي، لأبي العباس الجرجاني، وفي الخبر ما يدل عليه.
الثاني: ظاهر كلامه يقتضي عَوْدَ الاستثناء في قوله: "إلا إذا كان في بناء" إلى الشمس، والقمر، والقبلة جميعاً؛ ولا شك أنه ليس كذلك؛ بل هو مخصوص بِالقِبْلَةِ، ثم الاحتراز عن استقبال النَّيرينِ واستدبارها ليس بواجب بحال، وإنما هو أَدَبٌ، والاحتراز عن استقبال الكعبة واستَدبارهما أدب في حال، وواجب في حال، كما سبق بيانه. وإذاعرفت ذلك فيتوجه للناظر أن يقول: إن أراد الإمام بالمنع حالة التحريم لم يحسن درجة في جملة الآداب، ولا الجمع بين القبلة والشمس والقمر في جملة واحدة، وإن أراد حالة الكراهة، فلم استثنى ما إذا كان في بناء، والأدب الاحتراز في البناء أيضاً؟
قال الغزالي: وَلاَ يَبُولَ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ وَلاَ فِي الجِحَرَةِ وَلاَ تَحْتَ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ وَلاَ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ اسْتِنزَاهاً مِنَ البَوْلِ.
قال الرافعي: ومن الآداب: أن لا يبول في الماء الرَّاكِدِ؛ لما روى: أنه ﷺ قال: "لاَ يَبولُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ" (١) ويروى: "فِي الرَّاكِدِ". وهذا المَنْعُ يَشْمَلُ القليل والكثير؛ لما فيه من إلاسْتِقْذَارِ، ثم إن كان قليلاً ففيه شيء آخر، وهو أنه تنجيس للماء، وتعطيل لفوائده فإن كان بالليل زاد شيء آخر، وهو ما قيل: أن الماء بالليل للجِنِّ، فلا يبغي أن يبال فيه، ولا يغتسل؛ خوفًا من آفة تصيب من جهتهم.
ومنها: أن لا يبول في الحُجْرَةِ؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قِيلَ لِقَتَادَةَ: مَا بَالُ الجُحْرَةِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الجِنِّ" (٢).
стр. 136
ومنها: أن لا يجلس تحت الأشجار المثمرة؛ صيانة لها عن التَّلْويثِ والتَّنْجِيس، وهذا في البول والغائط جميعاً، وإن كان نظم الكتاب يخص البول.
ومنها: أن لا يبول في مَهَابِّ الرياح؛ استنزاهًا من البول، وحذاراً من رَشَاشِهِ، قال ﷺ : "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَاب الْقَبْرِ مِنْهُ" (١) وروى "أَنَّه ﷺ كَانَ يَتَمَخَّرُ الرِّيحَ" (٢)، أي: ينظر أي مجراها، فلا يستقبلها؛ لئلا يُرَدُّ عليه البول، لكن يَسْتَدْبِرُهَا.
قال الغزالي: وَيَعْتَمِدَ فِي الجُلُوس عَلَى الرِّجْلِ اليُسْرَى، وَيَعُدَّ النَّبْلَ وَلاَ يَسْتَنْجِيَ بِالمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَلاَ يَسْتَصْحِبَ شَيئًا عَلَيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، ويُقَدِّمَ الرِّجْلَ اليُسْرَى في دُخُولِهِ الخَلاَءَ واليُمْنَى فِي الخُرُوج، وأنْ يَسْتَبْرئَ مِنَ البَوْلِ بِالتَّنَحْنُحِ وَالنَّتْرِ.
قال الرافعي: ومنها: أن يعتمد إذا جَلَسَ على الرجل اليسرى؛ لما روى عن سُرَاقَةَ بن مالك، قال: "عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَتَيْنَا الخَلاَءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى" (٣).
ومنها: أن يعد النَّبَل إن كان يستنجي بالأحجار، ثم يشتغل بعد ذلك بقضاء الحاجة؛ لما روى: أنه ﷺ قال: "اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ، وَأَعِدُّوا النَّبلَ" (٤).
والمعنى: فيه خوف الانتشار لو طالبها بعد قضاء الحاجة، والنَّبَلُ: أحجار الاستنجاء، جمع نَبَلَةٍ، وأصلها الحَصَاةُ الصغيرة.
ومنها: أن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة؛ بل ينتقل عنه، ثم يستنجي تحرُّزاً من عَودِ الرَّشَاشِ إليه (٥) إذا أصاب الماء النجاسة، وأما إذا كان يستنجي بالحجر، فلا يقوم عن الموضع؛ كيلا تنتشر النَّجَاسة.
стр. 137
ومنها: أن لا يستصحب شيئاً عليه اسم الله تعالى، كالخاتم والدراهم التي عليها اسم الله تعالى، "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ" (١)؛ لأنَّه كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُولُ الله (٢)، وألحق باسم الله تعالى اسم رسوله ﷺ ، تعظيماً؛ وتوقيراً له كذلك يحترز عن اسْتِصْحَاب ما عليه شَيْءٌ من القرآن، وهل يختص هذا [الأدب] (٣) بالبنيان، أم يعم البُنْيَان وَالصَّحَارِي؟ فيه اختلاف للأصحاب، والأظهر التعميم. ورأيت للصيمري: أنه إذا كان على فص الخاتم ذكر الله تعالى، خلعه قبل دخول الخلاء، أو ضم كفه عليه فخير بينهما، وكلام غيره يشعر بأنه لا بد من النَّزْع، نعم قيل: إنه لو غفل عن النزع حتى اشتغل بفضاء الحاجة، ضم كفه عليه حتى لا يظهر.
ومنها: أن يُقَدِّمَ رجله اليُسْرَى في دخول الخَلاَءِ، واليمنى في الخروج على العكس من دخول المسجد، والخروج منه؛ لأن اليسار للأذى، واليمنى لغيره، وهل يختص ذلك بالبنيان، أم لا؟ اختلف فيه كلام الأصحاب، والذي ذكره في "الوسيط" يقتضي الاختصاص، لكن الأكثرين على أنه لا يختص، حتى يقدم رجله اليسرى إذا بلغ مَوْضِعَ جلوسه في الصَّحَرَاء، أيضاً، وإذا فرغ قدم اليمنى.
ومنها: أن يستبرئ من البول بالتَّنَحْنُحِ عند انقطاعه، وبالنَّتْرِ ثلاثاً بأن يمر بعض أصابعه على أسفل الذَّكَرِ ويدلكه لإخراج ما هنالك من البقايا؛ وهذا للاسْتِنْزَاه من البول أيضاً، ويروى: أَنَّه ﷺ قَالَ: "فَلْيَتنُزْ ذَكَرَهُ" (٤) ولو استبرأ بالمشي عُقَيْبَ البول فلا بأس، وأكثره فيما قيل: سبعون خطوة، ويكره حشو الإِحْلِيلِ بالقُطْنَةِ ونحوها.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَنْجَى عَنْهُ: وَهَي كُلُّ نَجَاسَةٍ ملَوثَةٍ خَارِجَةٍ عَن المَخْرَجِ المُعْتَادِ نَادِرةً كَانَتْ أَوْ مُعْتَادَة جَازَ الاقتِصَارُ فِيهَا عَلَى الحَجَرِ مَا لَمْ تَنْتَشَرْ إِلاَّ مَا يَنْتَشِرُ مِنَ العَامَّةِ وَلاَ يُقْتَصَرُ عَلَى الحَجَرِ فِي دَمِ الحَيْضِ، وَفِي النَّجَاسَاتِ النَّادِرَةِ قَولٌ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ المَاءُ وَقِيلَ: المَذْيُ نَادِرٌ، وَاِذَا خَرَجَتْ دُودَةٌ لَمْ ثلوِّثْ فَفِي وُجُوبِ الاسْتِنْجَاءِ وَجْهَانِ.
стр. 138
قال الرافعي: الخارج من البدن إما ريحٌ فلا اسْتنْجَاءَ منها، أو عين، فإن وجبت بخروجها الطهارة الكبرى كالمَنِيِّ والحَيْضِ، فيجب الغَسْلُ، ولا يمكن الاقتصار على الحِجَارَة (١) وإن لم تجب به الطهارة الكبرى نظر، إن لم تجب به الصغرى فإن كان طاهراً فذاك، وإن كان نجساً كدم الفَصْدِ والحِجَامة فيزال، كما تزال سائر النجاسات، ولا مدخل للجحر فيه، وإن وجبت به الطهارة الصغرى، فإن خرج من الثقبة التي تنفتح، ويحكم بانتفاض الطهارة بالخارج منها على ما سيأتي، فتزال كسائر النجاسات، أم للحجارة فيه مدخل. فهي وجوه ثلاثة قد ذكرها في الكتاب في باب الأحداث، ونذكرها في موضعها إن شاء الله -تعالى- وإن خرج من السَّبَيْلَيْنِ نظر، إن لم يكن مُلَوَّثًا كالدُّودَة والحَصَاة التي لا رطوبة معها، ففي وجوب الاستنجاء منه قولان:
أصحها: لا يجب. لا بالماء، ولا بالحجر؛ لأن المقصود من الاستنجاء إزالة النجاسة، أو تخفيفها عن المحل، فإذا لم يتلوث المحل، ولم يتنجس فلا معنى للإزالة، ولا للتخفيف.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يخلو عن رطوبة (٢) وإن قلت: وخفيت، وإن كان ملوثاً فينظر إن كان نادراً كالدم والقَيْحِ، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يتعين إزالته بالماء، رواه الربيع حيث حُكِيَ عن نصه: أنه إن كان في جوف مَقعَدَتِه بَوَاسير يخرج منها الدَّمَ والقَيْحُ يجب غسله بالماء، ووجهه أن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس، ورد فيما يعم به البلوى، فلا يلحق به غيره.
والثاني: رواه المزني، وحرملة، وهو الأصح: أنه يجوز فيه الاقتصار على الحجر، نظراً إلى المخرج المعتاد، فإن خروج النجاسات منه على الانقسام إلى الغالبة والنادرة مما يتكرر ويعسر البحث عنها، والوقوف على كيفياتها، فيناط الحكم بِالمَخْرَج، ومنهم من قطع بهذا، وحمل ما رواه الربيع على ما إذا كان بين الإِلْيَتَيْنِ لا في الداخل.
ومن جملة النجاسات النادرة المذي، فيجيء فيه هذا الاختلاف، وحكى عن القَفَّال تفصيل في النجاسات النادرة، وهو: أن ما يخرج منها مَشُوباً بالمعتاد كفى الحجر
стр. 139
فيه، وإن تمحض النادر فلا بد من الماء، هذا في الخارج النادر: أما المعتاد فإن لم يعد المخرج فعليه أحد الأمرين، إما إزالته بالماء كسائر النجاسات، وإما التخفيف بجامد على الشرط المذكور في الفصل الثالث، وذلك أن الأصل في النجاسات الإزالة بالماء بحيث لا يبقى عَيْنٌ ولا أَثَرٌ، فإن جرى على الأصل فذاك، وإلا أجزأه الاقتصار على الأحجار؛ تخفيفاً. روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيُذْهِبْ مَعَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِبُّ بِهَا، فَإِنَّهَا تُجزِئُ (١) عَنْهُ".
وإن عدا المخرج نظر، إن لم ينتشر أكثر من القدر المعتاد، فكذلك يتخير بين الأمرين، وذلك القدر من الانتشار يتعذر، أو يتعسر الاحتراز عنه، ونقل المزنى ﵀ أنه إذا عدا المخرج لا يجزي فيه إلا الماء، فمنهم من أثبته قولاً آخر، وزعم أن الضرورة تختص بالمحرج، فلا تسامح فيما عداه بالاقتصار على الأحجار، والأكثرون امتنعوا من إثباته قولاً، وانقسموا إلى مغلط ومؤول، وإن انتشر أكثر من القدر المعتاد، وهو أن يعدو المخرج وما حواليه، فينظر، إن لم يجاوز الغائط الألْيَتَينِ ففي جواز الاقتصار فيه على الأحجار قولان:
أظهرهما: الجواز رواه الربيع، واحتج الشافعي ﵁ لهذا القول بأن قال: "لم يزل في زمان رسول الله ﷺ وإلى اليوم رقَّة البطون". وكان أكثر أقواتهم التمر، وهو مما يرقق البطن، ومن رق بطنه انتشر خلاؤه عن الموضع، وما حَوَالَيْهِ، ومع ذلك أمروا بالاسْتِجْمَار.
والثاني: ذكره في القديم: أنه لا يجوز؛ لأنه انتشار لا يعم ولا يغلب، فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات، وفيه طريقتان أخريان:
إحداهما: القطع بالقول الأول، رواها الشيخ أبو محمد، والمسعودي.
والثانية: القطع بالقول الثاني، حكاها كثيرون من الأئمة. وأما البول فالحَشَفَةُ فيه بمثابة الإِلْيَتَيْنِ في الغائط، والأمر فيه على هذا الاختلاف، وعن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا جاوز البول الثُقْب لم يَجُزْ فيه الحجر قولاً واحداً، والخلاف والتفصيل في الغائط. والفرق أن البول ينفصل على سبيل التزريق، فيبعد فيه الانْتِشَارُ، وإن جاوز الغائط الإليتين، والبول الحَشَفَة، تعيَّنت الإزالة بالماء كسائر النجاسات؛ لأنه نادر نحوه؛ ولا فَرْقَ بين القَدْرِ المجاوز وغيره، ومنهم من جعل ما لم يجاوز على الخلاف، ثم حيث يجوز الاقتصار على الحجر فذاك، بشرط أن لا تنتقل النجاسة عن الموضع
стр. 140
الذي أصابته عند الخروج، فلو قام وانضمت إليتاه عند الخطو، وانتقلت النجاسة تعين الماء، ويشترط أن لا يصيب موضع النَّجْو نجاسة من خارج حتى لو عاد إليه رَشَاش، ما أْصاب الأرض تعين الماء، ويشترط في النادر أن لا يَجِفَّ الخارج على الموضع، فإن جف تَعَيَّن الماء، وحكى القاضي الروياني: أنه إن كان يُقْلِعُهُ الحجر يجزي فيه الحجر، وإلا فلا، وأختار هذا الوجه -والله أعلم-. هذا فقه مَسَائِل [الفصل.
وألفاظ الكتاب في بعض المواضع من الفصل تفتقر إلى مزيد بيان، فنقول: أما قوله] (١): الفصل الثاني فيما يستنجى عنه، فلفظ الاستنجاء يشمل الإزالة بالماء، والتَّخْفِيف بالأحجار؛ لأنه مشتق من النَّجْو وهو القَلْع، إلا أن المراد هاهنا إنما هو الاستنجاء بالحجر لا مطلق الاستنجاء، وإلا فلا يشترط في مطلق الاستنجاء كونه خارجاً من المَخْرَج المعتاد، ولا كونه غير مُنْتَشِرٍ، لكن قوله: في آخر الفصل: فإذا خرجت دُودَةٌ لم تلوَث ففي وجوب الاستنجاء وجهان، ليس المراد منه الاسْتِنْجَاء بالحجر؛ بل مطلق الاستنجاء على ما بينا المسألة من قبل، وقد عبر عن الخلاف في المسألة بالوجهين، وكذلك نقل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، والإمام، والأكثرون نقلوا قولين، ومنهم من حكاهما عن الجامع الكبير، والله أعلم. وأما قوله: كل نجاسة، يخرج عنه الأشياء الطاهرة، وقوله: مُلَّوَثَةٌ، يخرج عنه ما لا يلوث، واشتراط هذا القيد على الخلاف المذكور. وقوله: خارجة عن المخرج عن دَم الفَصْدِ والحِجَامَةِ، وكذا الخارج عن الثقبة المنفتحة، وإن حكمنا بانتفاض الطهر بالخارج منها، وفيه الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، لكن الأظهر أنه لا يقتصر فيه على الحجر، فلا بأس بخروجه عن الضابط. وقوله: نادرة كانت أو معتادة، جرى على أصح القولين في النَّجَاسَاتِ النَّادرة، وهو: أنه يقتصر فيها على الحجر، وقد ذكر القول الثاني بعد ذلك.
وقوله: ما لم ينتشر إلا ما ينتشر من العامَّة، يَنْبَغِي أن تكون كلمة الاستثناء منه مرقوم بالواو؛ إشارة إلى مَذْهَب من جعل منقول المزني قولاً، فإن عدم الانتشار شرط عنده من غير استثناء، وكذلكَ قوله: ما ينتشر من العامة؛ إشارة إلى القول الذي رواه الربيع: أنه وإن زاد على ذلك جاز الاقْتِصَار فيه على الحَجَرِ ما لم يجاوز الإلْيَتَيْنِ، والذي ذكره جواب على القول المنسوب إلى القديم، واختيار له، وقد رجّحَه إمامُ الحرمين وكثيرون، لكن منقول الربيع أظهر كما سبق، وكذلك ذكره المسعودي، والقاضي الرُّوياني وآخرون، وبه أجاب المحاملي في المقنع.
وأما قوله: المَذْيُ نادر فيقتضي إثبات خلاف في أنه هل يعد من النجاسات
стр. 141
النادرة؟ ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضاً، لكن الذي يشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عده من النجاسات النادرة من غير التعرض لخلاف فيه، وطرح بعضهم لهذا السبب لفظة قيل: من الكتاب، وقد أحسن، ولك أن تستدرك فنقول ما ذكره في الضَّابط لا يحوي جملة الشرائط المعتبرة في جواز الاقْتِصَار على الحجر؛ لأن منها أن لا تَجِفَّ النجاسة على الموضع ولا تنتقل عنه، ولا تصيبه نجاسة أخرى كما سبق، وقد سكت عنها.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يُسْتَنْجى بِهِ: وَهُو كُلُّ عَيْنِ طَاهِرَةٍ مُنَشِّفَةٍ غَيْرِ مُحْتَرَمةٍ فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّوْثِ وَالزُّجَاج الأَمْلَسِ وَالمَطْعُومِ وَفِي سُقُوطِ الفَرْضِ بِالمَطْعُومِ وَجْهَانِ، وَالعَظْمُ مَطْعُومٌ، وَالجِلْدُ الطَّاهِرُ يَجُوزُ الاسْتِنْجَاءُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: قوله: فيما يستنجى به أي: من الجَامِدَات، وله شروط:
أحدها: أن يكون طاهراً خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روى: أنه ﷺ "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالرَّوَثِ (١)، وَالرِّمَّةِ، ولأن النجاسة لا تزال بالنَّجس، كما لا تزال بالماء النجس، ولا فرق بين نجس العَيْنِ كالرَّوَثِ، وما تنجس بِعَارِض، ألا ترى أن الشافعي ﵁ قال: ولا يستنجى بحجر قد مسح به مَرَّة إلا أن يكون قد طهر بالماء، فلو استنجى بنجس هل يتعين استعمال الماء بعد ذلك؟ أم له الاقتصار على الحجر؟ كما قبل استعماله؟ فيه وجهان:
أحدهما: له الاقتصار على الحجر؛ لأن النجس لا يتأثر بالنجاسة، فيبقى حكمه كما كان، وأظهرهما أنه يتعيَّن الماء؛ لأن المحل قد أصابته نجاسة أجنبية باستعماله فيه، والاقتصار على الحجر تخفيف فيما تَعُمُّ به البَلْوَى، فلا يلحق به.
والثاني: أن يكون منشفاً قالعًا للنجاسة، فما لا يقلع لملاسته كالزَّجَاج الأملس وَالقَصَبِ، والحديد المملس لا يجوز الاسْتِنْجَاء به؛ لأنه لا يزيل النجاسة، وينقلها عن موضعها، وكذلك ما لا يقلع لِلُزوجَتِهِ، أو لِتَنَاثُرِ أجزائه كالحمَمة الرَّخوة، والتراب لا يجوز الاستنجاء به، وقد نقل عن الشافعي ﵁ جواز الاستنجاء بالمقابس، ونقل أنه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين، والأصح: تنزيلهما على حالين إن بقيت فيه صلابة، إما لضعف تأثير النار فيه، أو لقوة في جوهره كالغَضَا، فيجوز الاسْتِنْجَاء به، وهو المراد بالمَقَابسِ، وإن كان يَتَنَاثَرُ عند الاعتماد فلا يجوز، وهو المراد بالحممة، وكذلك نقل اختلاف النص في التراب، وأثبت بعضهم فيه قولين، وإن
стр. 142
كان يتناثر، والأصح أنه حيث جوز أراد المَدَرَ المتماسك، وحيث منع أراد المتناثر؛ لأنه يلتصق بالنجاسة، ولا يتأتى التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها، وانتشرت، ثم لو استنجى بما لا يقلع لم يسقط الفرض به، وإن انقى، ويتعين بعده الإزالة بالماء إن نقل النجاسة من موضع إلى موضع، وإن لم ينقل جاز الاقتصار على الحَجَرِ، وخرجوا على الشرط الأول.
والثاني: امتناع الاستنجاء بالحجر الرَّطْبِ، ونحوه؛ لأن البَلَلَ الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، ويعود شيء منه إلى مَحِلِّ النَّجْو، فيحصل عليه نجاسة أجنبية، ويكون كاستعمال الحجر النجس؛ ولأن الشيء الرطب لا يزيل النجاسة، بل يزيد التلوث والانتشار. وحكى القاضي ابن كج وغيره وجهاً آخر، أنه يجوز الاستنجاء بالشيء الرطب، ولمن نصره أن يقول لا نسلم أن البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، وإنما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسات، وأما قوله: إنه لا يزيل النجاسة ممنوع، نعم لو كان عليه شيء محسوس من الماء فربما كان كذلك، أما مجرد البلل فلا.
والثالث: أن لا يكون محترماً فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها، والعَظْمُ معدود من المَطْعُومَاتِ، لأن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالْعَظْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ زاد إخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ" (١). وليس له حكم طعامنا في تحريم الربا، فيه وغيره، وعند مالك لَا منع من الاسْتِنْجَاء بالعَظْمِ الطاهر، والخبر حُجَّةٌ عليه، ومن الأشياء المحترمة ما كتب عليه شيء من العلم، كالحديث والفقه، وفي جزء الحيوان المتصل به كَاليَدِ وَالعَقِب من المستنجى وغيره كَذَنَبِ الحمار وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز الاستنجاء به؛ لحرمته، ومنهم من فرق بين أن يستنجى بيد نفسه [أو يد غيره، فقال: لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه] (٢) ويجوز أن يستنجى بيد غيره، كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه، وعكس إمام الحرمين ذلك، فقال: له أن يستنجى بيد نفسه دون يد غيره، لأنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسات، ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان، ففي جملة الحيوان أولى، وصورته: أن يستنجى بعصفورة حية، وما في معناها، ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم للذهب، والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخَشِنَةِ من الذهب، والجواهر النفيسة، كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الدِّيْبَاج، ثم إذا استنجى
стр. 143
بشيء محترم من مَطْعُومٍ وغيره عصى، وهل يجزئه ذلك عن الفرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المقصود، قلع النجاسة، وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين.
وأظهرهما: أنه لا يجزئه، لأن الاقتصار على الأحجار [من قبيل الرُّخَصِ، والرخص لا تُنَاط بالمعاصي؛ وعلى هذا فله أن يقتصر على الأحجار] (١)، كما لو لم يستعمل شيئاً إلا إذا نقل النجاسة عن موضعها، كما في الأَمْلَسِ، ويلتحق بهذا الشرط القول في الجِلْدِ، والطاهر منه ضَرْبانِ غير المدبوغ، وهو جلد المَأْكُول المُذكَّى، والمدبوغ من المأكول وغيره، أما غير المدبوغ ففي جواز الاستنجاء به قولان:
أحدهما: الجواز كالثياب وسائر الأعيان، وإن كان فيه حرمة فليست هي، بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة.
وأصحهما: المنع لأمرين:
أحدهما: أن فيه دُسُومَةً تمنع التَّنْشِيفِ.
والثاني: أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل على الرؤوس والأَكَارعِ، فصار كسائر المَطْعُومَاتِ، ومنهم من قال: لا يجوز بلا خلاف، وإليه مال الشَيخ أبو حامد، وكثيرون، وحملوا ما نقل من تَجْوِيزِ الاستنجاء على ما بعد الدِّبَاغِ.
وأما الضرب الثاني: وهو المدبوغ، ففيه قولان أيضاً:
أصحهما: الجواز؛ لأن الدِّباغ يزيل ما فيه من الدُّسُومة، وبقلبه عن طَبْعِ اللحوم إلى طبع الثياب والثاني لا يجوز؛ لأنه من جنس ما يؤكل، ويجوز أكله إذا دبغ، وإن كان جلد ميته على اختلاف فيه قد قدمناه، ومنهم من قال: يجوز هاهنا بلا خلاف، وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدّباغ، وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة، وهي إجراء القولين في الصورتين، واعتبرنا مُطْلَق الجلد انتظم ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب المنع مطلقاً، والتجويز مطلقاً؛ والفرق بين المدبوغ وغيره، وهو الأصح في المذهب، وإن جعل صاحب الكتاب الثاني أصح، وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة أخرى، بل إن تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وَجَفَّ، وإن لم ينجس كالحجر الثاني.
والثالث: إذا لم يبق على الموضع شَيْءٌ جاز استعماله في الحال، وفيه وجه: أنه لا يجوز كالتراب المستعمل، ولو كان كذلك لما جاز أيضاً بعد غسله، ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل.
стр. 144
قال الغزالي: الفَصْلُ الرَّابعُ، فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاءِ: فَيَسْتَنْجِي بِثَلاَثةِ أَحْجَار وَالعَدَدُ وَاجِبٌ (ح م ز). فَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الإِنْقَاءُ اسْتَعمَلَ رَابِعاً حَصَلَ أَوْتَرَ بِخَامِسَةٍ، وَيَمُرُّ كُلَّ حَجَرٍ عَلَى جَمِيعِ المَوضِعِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَاحِدَةٌ لِلصَّفْحَةِ اليُمْنَى وَوَاحِدَةً لِلصَّفْحَةِ اليُسْرَى وَوَاحِدَةً لِلوَسَطِ، وَينْبَغِي أَنْ يَضَعَ الحَجَرَ عَلَى مَوْضِع طَاهِرِ حَتَّى لاَ يَلْقَى جُزْءاً مِنَ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يُدِير لِيخَتَطِفَ النَّجَاسَةَ وَلاَ يُمِرَّ فَيَنْقُلُهَا، فَإنْ أمَرَّ وَلَمْ يَنْقُلْ كَفَى عَلَى أَصَحَّ الوَجْهيْنِ وَيَسْتَنْجِي بِيَدِهِ اليُسْرَى، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المَاءِ والحَجَرِ.
قال الرافعي: وفي الفصل مسائل:
إحداها: إذا كان يستنجي بالجامد وجب أن يستوفي ثلاث مَسَحَات، إما بأحرف حجر واحد وما في معناه، أو بأحجار؛ لما روى أنه ﷺ قال: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَليَمْسَح ثَلاَثَ مَسَحَاتٍ" (١). وعن سلمان ﵁ قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَنْ لاَ نَجْتَزِئَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ". وظاهر الأمر للوجوب (٢) فيجب رعاية العدد.
وعند أبي حنيفة الاستنجاء مستحب من أصله، والعدد فيه غير مُسْتَحَبٍّ، وإنما الاعتبار للإنْقَاءِ. وقال مالك: إذا حصل الإنقاء بما دون الثَّلاَثِ كفى، ولأصحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد الله الحناطي وغيره، ويحتج له بما روى: أنه ﷺ قال: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ [مَنْ فَعَلَ فَقدْ أَحْسَنَ] وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ" (٣). ومن أوجب العدد حمله على ما بعد الثلاث؟ جمعاً بين الأخبار، وحينئذ لا حرج في ترك الإِيتَارِ، ثم قوله: وَلْيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار ليس لتخصيص الحكم بها؛ لأن غير الحجر بالشرائط المذكورة مشارك للحجر في تحصيل مقصود والاستنجاء، وقد روى أَنَّه ﷺ قَالَ: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَار، لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ" (٤).
стр. 145
هذا يشعر بأن الحكم غير مخصوص بالحجر، وإلا فلا فرق بين الرَّجِيعِ والعَظْمِ وسائر ما ليس بحجر، ولعل ذكر الأحجار جرى لغلبتها والقدرة عليها في عامة الأماكن، ثم إذا استنجى بثلاثة أحجار ونحوها واستوفى العدد، لكنه لم ينق وجب عليه أن يزيد، حتى ينقى. فإنه المقصود الأصلي من شرع الاسْتِنْجَاء، فلو حصل الإنقاء بالرابعة استحب أن يِوتِرَ بخامسة؛ لما روى أنه ﷺ قال: "إِذَا اسْتَجمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسْتَجْمرْ وِتْراً (١) ". وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: فيستنجى بثلاثة أحجار مسوق على موافقة الخبر، وإلا فالحكم غير مخصوص بالأحجار، وقوله: استعمل رابعة. أي: وجوباً وقوله: أوتر بخامسة، أي: استحباباً.
المسألة الثانية: في كيفية الاستنجاء، وجهان:
أظهرهما: وبه قال ابن أبي هريرة وأبو زيد المروزي: أنه يمسح بكل حجر جميع المَحِلِّ، بأن يضع واحداً على مقدم الصفحة اليمنى فيمسحها [به إلى مؤخرها، ويديرها إلى الصفحة اليسرى فيمسحها] (٢) به من مؤخرها إلى مَقْدِمِهَا، فيرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى، ويفعل به مثل ذلك، ويمسح بالثالث الصفحتين والمسربة. وتوجيهه ما روى: أنه ﷺ قال: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يُقْبِلُ بِوَاحِدَةٌ وَيُدْبِرُ بِأُخْرَى، وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ (٣).
وَالثَّانِي": قاله أبو إسحاق، إنَّ حجراً للصفحة اليمنى، وحجراً لليسرى، وحجراً للوسط؛ لما روى: أنه ﷺ قال: "حَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُمْنَى، وَحَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُسْرَى، وَحَجَرٌ لِلْوَسَطِ (٤) " وحكى في "التهذيب" وجهاً ثالثًا، وهو أنه يأخذ واحداً؛ فيضعه على مقدم المسرَبة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث، كأن المراد بالمسربة جميع الموضع، وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الأول، والثاني جميع الموضع، كأنه صَفْحَةٌ واحدة، ويدير الحجر الثالث على المنفد، بهذا يفارق هذا الوجه الأول، فإنه على ذلك الوجه يُطِيفُ الحجرين الأولين، ويمسح بالثالث جميع الموضع، وهذا الخلاف في الاستحقاق، أم في الأولوية، والاستحباب فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد: أن الوجهين موضوعان على التنافي، فصاحب الوجه