النادرة؟ ولكلامه في "الوسيط" إشعار به أيضاً، لكن الذي يشتمل عليه كتب الأصحاب قديمها وحديثها عده من النجاسات النادرة من غير التعرض لخلاف فيه، وطرح بعضهم لهذا السبب لفظة قيل: من الكتاب، وقد أحسن، ولك أن تستدرك فنقول ما ذكره في الضَّابط لا يحوي جملة الشرائط المعتبرة في جواز الاقْتِصَار على الحجر؛ لأن منها أن لا تَجِفَّ النجاسة على الموضع ولا تنتقل عنه، ولا تصيبه نجاسة أخرى كما سبق، وقد سكت عنها.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يُسْتَنْجى بِهِ: وَهُو كُلُّ عَيْنِ طَاهِرَةٍ مُنَشِّفَةٍ غَيْرِ مُحْتَرَمةٍ فَلاَ يَجُوزُ بِالرَّوْثِ وَالزُّجَاج الأَمْلَسِ وَالمَطْعُومِ وَفِي سُقُوطِ الفَرْضِ بِالمَطْعُومِ وَجْهَانِ، وَالعَظْمُ مَطْعُومٌ، وَالجِلْدُ الطَّاهِرُ يَجُوزُ الاسْتِنْجَاءُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ.
قال الرافعي: قوله: فيما يستنجى به أي: من الجَامِدَات، وله شروط:
أحدها: أن يكون طاهراً خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روى: أنه ﷺ "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالرَّوَثِ (١)، وَالرِّمَّةِ، ولأن النجاسة لا تزال بالنَّجس، كما لا تزال بالماء النجس، ولا فرق بين نجس العَيْنِ كالرَّوَثِ، وما تنجس بِعَارِض، ألا ترى أن الشافعي ﵁ قال: ولا يستنجى بحجر قد مسح به مَرَّة إلا أن يكون قد طهر بالماء، فلو استنجى بنجس هل يتعين استعمال الماء بعد ذلك؟ أم له الاقتصار على الحجر؟ كما قبل استعماله؟ فيه وجهان:
أحدهما: له الاقتصار على الحجر؛ لأن النجس لا يتأثر بالنجاسة، فيبقى حكمه كما كان، وأظهرهما أنه يتعيَّن الماء؛ لأن المحل قد أصابته نجاسة أجنبية باستعماله فيه، والاقتصار على الحجر تخفيف فيما تَعُمُّ به البَلْوَى، فلا يلحق به.
والثاني: أن يكون منشفاً قالعًا للنجاسة، فما لا يقلع لملاسته كالزَّجَاج الأملس وَالقَصَبِ، والحديد المملس لا يجوز الاسْتِنْجَاء به؛ لأنه لا يزيل النجاسة، وينقلها عن موضعها، وكذلك ما لا يقلع لِلُزوجَتِهِ، أو لِتَنَاثُرِ أجزائه كالحمَمة الرَّخوة، والتراب لا يجوز الاستنجاء به، وقد نقل عن الشافعي ﵁ جواز الاستنجاء بالمقابس، ونقل أنه لا يجوز بالحممة فمنهم من أثبت قولين، والأصح: تنزيلهما على حالين إن بقيت فيه صلابة، إما لضعف تأثير النار فيه، أو لقوة في جوهره كالغَضَا، فيجوز الاسْتِنْجَاء به، وهو المراد بالمَقَابسِ، وإن كان يَتَنَاثَرُ عند الاعتماد فلا يجوز، وهو المراد بالحممة، وكذلك نقل اختلاف النص في التراب، وأثبت بعضهم فيه قولين، وإن
стр. 142
كان يتناثر، والأصح أنه حيث جوز أراد المَدَرَ المتماسك، وحيث منع أراد المتناثر؛ لأنه يلتصق بالنجاسة، ولا يتأتى التحامل عليه ولو تحامل لتعدت النجاسة موضعها، وانتشرت، ثم لو استنجى بما لا يقلع لم يسقط الفرض به، وإن انقى، ويتعين بعده الإزالة بالماء إن نقل النجاسة من موضع إلى موضع، وإن لم ينقل جاز الاقتصار على الحَجَرِ، وخرجوا على الشرط الأول.
والثاني: امتناع الاستنجاء بالحجر الرَّطْبِ، ونحوه؛ لأن البَلَلَ الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، ويعود شيء منه إلى مَحِلِّ النَّجْو، فيحصل عليه نجاسة أجنبية، ويكون كاستعمال الحجر النجس؛ ولأن الشيء الرطب لا يزيل النجاسة، بل يزيد التلوث والانتشار. وحكى القاضي ابن كج وغيره وجهاً آخر، أنه يجوز الاستنجاء بالشيء الرطب، ولمن نصره أن يقول لا نسلم أن البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة إياه، وإنما ينجس عندي بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسات، وأما قوله: إنه لا يزيل النجاسة ممنوع، نعم لو كان عليه شيء محسوس من الماء فربما كان كذلك، أما مجرد البلل فلا.
والثالث: أن لا يكون محترماً فلا يجوز الاستنجاء بالمطعومات لحرمتها، والعَظْمُ معدود من المَطْعُومَاتِ، لأن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بالْعَظْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ زاد إخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ" (١). وليس له حكم طعامنا في تحريم الربا، فيه وغيره، وعند مالك لَا منع من الاسْتِنْجَاء بالعَظْمِ الطاهر، والخبر حُجَّةٌ عليه، ومن الأشياء المحترمة ما كتب عليه شيء من العلم، كالحديث والفقه، وفي جزء الحيوان المتصل به كَاليَدِ وَالعَقِب من المستنجى وغيره كَذَنَبِ الحمار وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز الاستنجاء به؛ لحرمته، ومنهم من فرق بين أن يستنجى بيد نفسه [أو يد غيره، فقال: لا يجوز أن يستنجى بيد نفسه] (٢) ويجوز أن يستنجى بيد غيره، كما يجوز أن يسجد على يد غيره دون يد نفسه، وعكس إمام الحرمين ذلك، فقال: له أن يستنجى بيد نفسه دون يد غيره، لأنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسات، ومهما جرى الخلاف في جزء الحيوان، ففي جملة الحيوان أولى، وصورته: أن يستنجى بعصفورة حية، وما في معناها، ولا يلحق بالمحترمات في هذا الحكم للذهب، والفضة في أظهر الوجهين فيجوز الاستنجاء بالقطعة الخَشِنَةِ من الذهب، والجواهر النفيسة، كما يجوز أن يستنجى بالقطعة من الدِّيْبَاج، ثم إذا استنجى
стр. 143
بشيء محترم من مَطْعُومٍ وغيره عصى، وهل يجزئه ذلك عن الفرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المقصود، قلع النجاسة، وقد حصل فصار كالاستنجاء باليمين.
وأظهرهما: أنه لا يجزئه، لأن الاقتصار على الأحجار [من قبيل الرُّخَصِ، والرخص لا تُنَاط بالمعاصي؛ وعلى هذا فله أن يقتصر على الأحجار] (١)، كما لو لم يستعمل شيئاً إلا إذا نقل النجاسة عن موضعها، كما في الأَمْلَسِ، ويلتحق بهذا الشرط القول في الجِلْدِ، والطاهر منه ضَرْبانِ غير المدبوغ، وهو جلد المَأْكُول المُذكَّى، والمدبوغ من المأكول وغيره، أما غير المدبوغ ففي جواز الاستنجاء به قولان:
أحدهما: الجواز كالثياب وسائر الأعيان، وإن كان فيه حرمة فليست هي، بحيث تمنع الاستعمال في سائر النجاسات فكذلك في هذه النجاسة.
وأصحهما: المنع لأمرين:
أحدهما: أن فيه دُسُومَةً تمنع التَّنْشِيفِ.
والثاني: أنه مأكول ألا ترى أنه يؤكل على الرؤوس والأَكَارعِ، فصار كسائر المَطْعُومَاتِ، ومنهم من قال: لا يجوز بلا خلاف، وإليه مال الشَيخ أبو حامد، وكثيرون، وحملوا ما نقل من تَجْوِيزِ الاستنجاء على ما بعد الدِّبَاغِ.
وأما الضرب الثاني: وهو المدبوغ، ففيه قولان أيضاً:
أصحهما: الجواز؛ لأن الدِّباغ يزيل ما فيه من الدُّسُومة، وبقلبه عن طَبْعِ اللحوم إلى طبع الثياب والثاني لا يجوز؛ لأنه من جنس ما يؤكل، ويجوز أكله إذا دبغ، وإن كان جلد ميته على اختلاف فيه قد قدمناه، ومنهم من قال: يجوز هاهنا بلا خلاف، وما نقل من المنع محمول على ما قبل الدّباغ، وإذا جرينا على الطريقة الظاهرة، وهي إجراء القولين في الصورتين، واعتبرنا مُطْلَق الجلد انتظم ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب المنع مطلقاً، والتجويز مطلقاً؛ والفرق بين المدبوغ وغيره، وهو الأصح في المذهب، وإن جعل صاحب الكتاب الثاني أصح، وليس من شرط المستنجى به أن لا يكون قد استنجى به مرة أخرى، بل إن تلوث وتنجس جاز استعماله مرة أخرى إذا طهر وَجَفَّ، وإن لم ينجس كالحجر الثاني.
والثالث: إذا لم يبق على الموضع شَيْءٌ جاز استعماله في الحال، وفيه وجه: أنه لا يجوز كالتراب المستعمل، ولو كان كذلك لما جاز أيضاً بعد غسله، ولم يختلفوا في جواز استعماله بعد الغسل.
стр. 144
قال الغزالي: الفَصْلُ الرَّابعُ، فِي كَيْفِيَّةِ الاسْتِنْجَاءِ: فَيَسْتَنْجِي بِثَلاَثةِ أَحْجَار وَالعَدَدُ وَاجِبٌ (ح م ز). فَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الإِنْقَاءُ اسْتَعمَلَ رَابِعاً حَصَلَ أَوْتَرَ بِخَامِسَةٍ، وَيَمُرُّ كُلَّ حَجَرٍ عَلَى جَمِيعِ المَوضِعِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَاحِدَةٌ لِلصَّفْحَةِ اليُمْنَى وَوَاحِدَةً لِلصَّفْحَةِ اليُسْرَى وَوَاحِدَةً لِلوَسَطِ، وَينْبَغِي أَنْ يَضَعَ الحَجَرَ عَلَى مَوْضِع طَاهِرِ حَتَّى لاَ يَلْقَى جُزْءاً مِنَ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يُدِير لِيخَتَطِفَ النَّجَاسَةَ وَلاَ يُمِرَّ فَيَنْقُلُهَا، فَإنْ أمَرَّ وَلَمْ يَنْقُلْ كَفَى عَلَى أَصَحَّ الوَجْهيْنِ وَيَسْتَنْجِي بِيَدِهِ اليُسْرَى، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المَاءِ والحَجَرِ.
قال الرافعي: وفي الفصل مسائل:
إحداها: إذا كان يستنجي بالجامد وجب أن يستوفي ثلاث مَسَحَات، إما بأحرف حجر واحد وما في معناه، أو بأحجار؛ لما روى أنه ﷺ قال: "إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَليَمْسَح ثَلاَثَ مَسَحَاتٍ" (١). وعن سلمان ﵁ قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَنْ لاَ نَجْتَزِئَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ". وظاهر الأمر للوجوب (٢) فيجب رعاية العدد.
وعند أبي حنيفة الاستنجاء مستحب من أصله، والعدد فيه غير مُسْتَحَبٍّ، وإنما الاعتبار للإنْقَاءِ. وقال مالك: إذا حصل الإنقاء بما دون الثَّلاَثِ كفى، ولأصحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد الله الحناطي وغيره، ويحتج له بما روى: أنه ﷺ قال: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ [مَنْ فَعَلَ فَقدْ أَحْسَنَ] وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ" (٣). ومن أوجب العدد حمله على ما بعد الثلاث؟ جمعاً بين الأخبار، وحينئذ لا حرج في ترك الإِيتَارِ، ثم قوله: وَلْيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار ليس لتخصيص الحكم بها؛ لأن غير الحجر بالشرائط المذكورة مشارك للحجر في تحصيل مقصود والاستنجاء، وقد روى أَنَّه ﷺ قَالَ: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَار، لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ" (٤).
стр. 145
هذا يشعر بأن الحكم غير مخصوص بالحجر، وإلا فلا فرق بين الرَّجِيعِ والعَظْمِ وسائر ما ليس بحجر، ولعل ذكر الأحجار جرى لغلبتها والقدرة عليها في عامة الأماكن، ثم إذا استنجى بثلاثة أحجار ونحوها واستوفى العدد، لكنه لم ينق وجب عليه أن يزيد، حتى ينقى. فإنه المقصود الأصلي من شرع الاسْتِنْجَاء، فلو حصل الإنقاء بالرابعة استحب أن يِوتِرَ بخامسة؛ لما روى أنه ﷺ قال: "إِذَا اسْتَجمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسْتَجْمرْ وِتْراً (١) ". وإذا عرفت ذلك لم يخف عليك أن قوله: فيستنجى بثلاثة أحجار مسوق على موافقة الخبر، وإلا فالحكم غير مخصوص بالأحجار، وقوله: استعمل رابعة. أي: وجوباً وقوله: أوتر بخامسة، أي: استحباباً.
المسألة الثانية: في كيفية الاستنجاء، وجهان:
أظهرهما: وبه قال ابن أبي هريرة وأبو زيد المروزي: أنه يمسح بكل حجر جميع المَحِلِّ، بأن يضع واحداً على مقدم الصفحة اليمنى فيمسحها [به إلى مؤخرها، ويديرها إلى الصفحة اليسرى فيمسحها] (٢) به من مؤخرها إلى مَقْدِمِهَا، فيرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ويضع الثاني على مقدم الصفحة اليسرى، ويفعل به مثل ذلك، ويمسح بالثالث الصفحتين والمسربة. وتوجيهه ما روى: أنه ﷺ قال: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، يُقْبِلُ بِوَاحِدَةٌ وَيُدْبِرُ بِأُخْرَى، وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ (٣).
وَالثَّانِي": قاله أبو إسحاق، إنَّ حجراً للصفحة اليمنى، وحجراً لليسرى، وحجراً للوسط؛ لما روى: أنه ﷺ قال: "حَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُمْنَى، وَحَجَرٌ لِلصَّفْحَةِ الْيُسْرَى، وَحَجَرٌ لِلْوَسَطِ (٤) " وحكى في "التهذيب" وجهاً ثالثًا، وهو أنه يأخذ واحداً؛ فيضعه على مقدم المسرَبة، ويديره إلى مؤخرها، ويضع الثاني على مؤخرها، ويديره إلى مقدمها، ويحلق بالثالث، كأن المراد بالمسربة جميع الموضع، وعلى هذا الوجه يمسح بالحجر الأول، والثاني جميع الموضع، كأنه صَفْحَةٌ واحدة، ويدير الحجر الثالث على المنفد، بهذا يفارق هذا الوجه الأول، فإنه على ذلك الوجه يُطِيفُ الحجرين الأولين، ويمسح بالثالث جميع الموضع، وهذا الخلاف في الاستحقاق، أم في الأولوية، والاستحباب فيه وجهان عن الشيخ أبي محمد: أن الوجهين موضوعان على التنافي، فصاحب الوجه
стр. 146
الأول لا يجيز الثاني، لأن تخصيص [كل حجر بموضع مما يمنع رعاية العدد الواجب، ولا يحصل في كل موضع إلا مَسْحَةٌ واحدة، وصاحب الوجه الثاني لا يجيز الأول؛ للخبر المصرح بالتخصيص] (١) ويقول العدد معتبر بالإضافة إلى جملة الموضع، دون كل جزء منه، وقال المعظم: الخلاف في الأولوية، والاستحباب لثبوت الروايتين جميعاً، وكل منهما جائز.
وقوله في هذه المسألة: ويمر كل حجر على جميع الموضع -يعني- به المسح المشترك بين الإِمْرَارِ، والإِدْارَةِ، دون خصوص الإمرار، ألا تراه يقول بعد ذلك: يدير الحجر ولا يمره.
المسألة الثالثة: ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النَّجَاسة؛ لأنه لو وضع على النجاسة لبقي شيء منها، ونشرها، وحينئذٍ يتعين الغسل بالماء، ثم إذا انتهى إلى النجاسة أدار الحجر قليلاً قليلاً حتى يرفع كل جزء منه جزءاً من النجاسة، ولو أمره من غير إدارة لنقل النجاسة من الموضع إلى الموضع وتعين الماء، ولو أمر ولم ينقل هل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الجزء الثاني من المحل فيلقى ما تنجس من الحجر، والاستنجاء بالنجس لا يجوز.
وأظهرهما: أنه يجزئه؛ لأن الاقتصار على الحجر رخصة، وتكليف الإدارة يضيق باب الرخصة، وقد يعبر عن هذا الخلاف بأن الإِدَارَةَ هل تجب أم لا؟
المسألة الرابعة: الأدب للاستنجاء باليسار دون اليمين؛ لما روى عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ اليُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ اليُسْرَى لِخَلاَئِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى" (٢)، فإن كان يستنجي بالماء صَبَّه بيمينه ومسح بيساره، وإن كان يستنجي بالجامد ففي الغَائِطِ يأخذ الحجر بِيَسَارِهِ ويمسح به الموضع، ولا يستعين باليمنى، بخلاف ما في الماء، وكذلك تفعل المرأة في الاستنجاء من البول، وأما الرجل إذا كان يستنجي من البول فينظر إن استنجى بما لا يحتاج إلى ضبطه كالصخرة العظيمة والجدار أخذ ذكره باليسار ومسحه عليه ثلاثاً في مواضع (٣)، وإن كان
стр. 147
يحتاج إلى ضبطه كالحجر الصغير فيمسكه بين إِبْهَامَي الرجلين، أو بين العَقِبَيْنِ، ويأخذ ذَكَرَهُ بيساره، ويمسحه عليه فإن احتاج إلى الاستعانة باليمين أخذ الحجر باليمين والذكر باليسار ويحرك اليسار دون اليمين فلو حركها جميعاً أو خص اليمين بالحركة كان مستنجياً باليمين، ومنهم من قال: الأولى أن يأخذ الحجر بيساره والذكر بيمينه، ويمر الحجر على الذكر، لأن الاستنجاء يقع بالحجر فإمساكه باليسار أولى، والأول أظهر وأشهر؛ لأن مس الذكر باليمين مكروه، روى أبو قتادة أنه ﷺ قال: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَمَسُّ ذَكَرَهُ بيَمِينِهِ" (١). وذكر بعضهم أنه لا طريق للاحتراز عن هذه الكراهية إلا الإمساك بين العَقبين، أو الإبهامين أما إذا استعمل اليمين فيه كان مرتكباً للنهي كيف فعل.
الخامسة: الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، أو ما في معناه "قَدْ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ، بِذَلِكَ، وَأُنْزِلَ فِيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٢) " الآية. وفيه من طريق المعنى أن العَيُنَ تزول بالحجر والأثر بالماء، فلا يحتاج إلى مُخَامَرَةِ عَيْنِ النجاسة، وهي محبوبة، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أولى؛ لأنه يزيل العين والأثر، والحجر لا يزيل إلا العين، والله أعلم.
ونختم الباب بمسألة في حال المستنجين باعتبار الذُّكُورة والأنوثة.
فنقول: لا فرق بين الخنثى المشكل وبين واضح الحال في الاستنجاء، من الغائط وأما في البول فليس للمشكل أن يقتصر على الحجر إذا بال من مَسْلَكَيْهِ أو أحدهما؛ لأن كل واحد منهما إذا أفرد بالنظر احتمل أن يكون زائداً، فسبيل النجاسة الخارجة منه سبيل دم الفَصْدِ وَالحِجَامَةِ، نعم يجيء في مسلكيه الخلاف الذي نذكره في جواز الاقتصار على الحجر في الثقبة المنفتحة مع انفتاح المسلك المعتاد، إذا قلنا: تنتقض الطهارة بالخارج منها، وأما واضح الحال فالرجل مُخَيَّرٌ، إن شاء اقتصر على الماء، وإن شاء استعمل الأحجار، أو ما في معناها، وكذلك البِكْرُ؛ لأن البكارة تمنع من نزول البول في الفرج، وأما الثيب فالغالب أنها إذا بالت تَعَدَّى البول إلى فَرْجِهَا الذي هو مَدْخَلُ الذكر، ومخرج الولد؛ لأن ثقبة البول فوقه، فيسيل إليه، فإن تحققت أن الأمر كذلك لم يجزئها إلا الماء، وإن لم تتحقق جاز لها الاقتصار على الحجر؛ لأن موضع خروج البول لا يختلف بالثيابة والبكارة، وانتشار البول إلى غيره، غير معلوم، وحكى وجه: أنه لا يجوز لها الاقتصار على الحَجَرِ بحال، ثُمَّ القدر المَغسُول من الرجل ظاهر، وهو من المرأة ما يظهر إذا
стр. 148
جلست على القدمين، وفي وجه: تغسل الثيب باطن فروجها، كما تخلل أصابع رجليها؛ لأنه صار ظاهراً بالثَّيَابَةِ (١).
стр. 149
قال الغزالي:
الْبَابُ الثَّالِثُ
فِي الْأحدَاثِ، وَفِيهِ فَصْلاَنِ
الْفَصْلُ الأوَّلُ، فِي أَسْبَابِهَا وَلاَ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِالْفَصْدِ (١) (ح) وَالحِجَامَةِ (٢) (ح) وَالقَهْقَهَة (ح) فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا وَأكْلِ مَا مَسَّتهُ النَّارُ (و).
قال الرافعي: الحدث: يقع على الحالة الموجبة للوضوء، والحالة الموجبة للغُسْلِ، ألا ترى أنه يُقَالُ: هذا حدث أصغر، وذا حدث أكبر، لكن إذا أْطلق مجرداً عن الوصف بالصِّغَرِ والكِبَرِ كان المراد منه الأصغر غالباً، وهو الذي أراده في هذا الموضع، ثم له سبب وأثر، فجعل كلام الباب في فصلين:
أحدهما: في الأسباب.
والثاني: في الآثار، وتكلم أولاً فيما ليس من أسباب الحدث عندنا، واشتهر خلاف العلماء أيانا فيه، فمن ذلك الفَصْدُ والحِجَامَةُ، وكل خارج من غير السَّبيلين، لا ينقض الطَّهَارة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: كل نجاسة خارجة من البدن تنقض الوضوء، كالدم إذا سال، والقيء إذا ملأ الفم، وبه قال أحمد، إلاَّ أنه لا يقول بالانتقاض إذا كان الدم قطرة أو قطرتين. لنا ما روى أنس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ (٣) ".
стр. 150
وروى مثل مذهبنا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃.
ومنها: القَهْقَهَةُ، فلا تنقض الوضوء، سواء وجدت في الصلاة أو في غيرها.
وعند أبي حنيفة القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، إلا في صلاة الجَنَازَةِ، لنا ما روي عن جابر ﵁ أنه ﷺ قال: "الضَّحِكُ يَنْقُضُ الصَّلاةَ وَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ" (١). ومنها أكل ما مَسَّتْهُ النار، فلا يؤثر في انتقاض الطهارة.
وقال أحمد: تَنْتَقِضُ الطهارة بأكل لحم الجَزُورِ، وحكى ابن القاص عن القديم قولاً مثله (٢) لما روى أنه ﷺ قال: "تَوَضَئوا مِنْ لَحُومِ الْإِبِلِ وَلاَ تَتَوَضَئوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَم" (٣)، لنا ما روي عن جابر قال: "كانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ" (٤).
стр. 151
قال الغزالي: وَإِنَّمَا تَنْتَقِضُ بأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ (الْأَوَّلُ) خُرُوجُ الْخَارجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ رِيحًا كَانَ أَوْ عَينًا نَادِراً كَانَ أَوْ مُعتَادًا طَاهِرًا أَوْ نَجِساً.
قال الرافعي: نواقض الوضوء عندنا أربعة:
أحدها: خروج الخارج من أحد السَّبِيلَيْنِ، يدل عليه الإجماع والنصوص، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) وقوله ﷺ في المَذْي: "يَنْضَحُ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ ويتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ" (٢). ولا فرق بين العين والريح قال ﷺ : "لاَ وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ صَوْتٍ (٣) أَوْ رِيحٍ" وقد يفرض خروج الريح من القُبُلِ في النساء، ومن الإحليل أيضاً؛ لأدرة وغيرها فينقض الطهارة أيضاً خلافاً لأبي حنيفة، لنا القياس على الدُّبُرِ، ولك أن تعلم قوله: (ريحاً) بالحاء إشارة إلى هذا الخلاف، وإذا كان الخارج عيناً فلا فرق بين أن يكون معتاداً أو نادراً كالذود والحصا خلافاً لمالك في النادر إلا في دم الاسْتِحَاضة.
لنا القياس على المعتاد بعلَّة أنه خارج من السبيلين، وظاهر ما روى أنه ﷺ قال: "الوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ" (٤). ونحو ذلك.
وأما قوله طاهراً أو نجساً فقد يتوهم أن المراد من الطاهر المَنِيُّ، وليس كذلك، بل المراد منه الدود والحصا وسائر ما هو طاهر العين.
وأما المني فلا يوجب خروجه الحدث وإنما يوجب الجَنَابة، ولا يُغْتَرُّ بتعميم الأئمة القول في أن الخارج من السبيلين ناقض للطهارة، فإن هذا ظاهر يعارضه نصهم في تصوير الجنابة المجردة عن الحَدَثِ، على أن من أنزل بمجرد النظر أو بالاحتلام
стр. 152
قاعداً فهو جنب غير محدث، وَحُكِيَ في "البيان" عن القاضي أبى الطيب (١) أن خروج المني يوجب الحدثين جميعاً، الأصغر، لأنه خارج من أحد، السبيلين، والأكبر؛ لأنه مني، والمذهب المشهور هو الأول، فالشيء مهما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه لا يوجب أهونها بعمومه، كزنى المُحْصَن، لما أوجب أعظم الحَدَّين؛ لأنه زنى المحصن، لا يوجب أدناهما لأنه زنى، ولا يخفى أن المراد من قوله: "خروج الخارج من السبيلين"، هو الخروج من أيهما كان، ولا يشترط في الانتقاض الخروج من كليهما، وكل ما ذكرناه فيمن هو واضح الحال في أمر الذُّكورة والأنوثة، أما المشكل (٢) فإن خرج (٣) الخارج من فرجيه جميعاً فهو حدث؛ لأن أحدهما أصلي، وإن خرج من أحدهما، فالحكم كما لو خرج من واضح الحال خارج من ثقبة انفتحت تحت المعدة مع انفتاح السبيل المعتاد، وسيأتي حكمه.
قال الغزالي: وَفِي مَعْنَاهُ ثُقْبَةٌ انْفَتَحَتْ تَحْتَ المَعِدَةَ مَعَ انْسِدَادِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ المَعِدَةِ أَوْ تَحْتَهَا وَلَكِنْ مَعَ انْفِتَاحِ المَسْلَكِ المُعْتَادِ فَقَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَقِضُ فَلَوْ كَانَ الْخَارجُ نَادِراً فَقَوْلاَنِ، وَفِي جَوَازِ الإِقْتِصَارِ فِيهِ عَلَى الْحَجَرِ ثَلاثَةُ أوْجُهِ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثَ بَيْنَ المُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا فِي انْتِقَاضِ الطُّهْرِ بِمَسِّهِ وَوُجُوبِ الغُسْل بِالإِيلاجِ فِيهِ وَحِلِّ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لو انسد السبيل المعتاد وانفتحت ثقبة تحت المعدة، نُظِر إن خرج منها النجاسة المعتادة وهي البول والعُذْرَة (٤) انتقض الطهر؛ لأن الإنسان لا بد له في مُطَّرد العادة من مَنْفَذٍ يخرج منه الفضلات التي تدفعها الطبيعة، فإذا انسد ذلك قام ما
стр. 153
انفتح مقامه، وإن خرج غيرها كالدُّود والحَصَا والدم والريح، ففيه قولان:
أحدهما: لا ينتقض به الوضوء؛ لأن غير الفَرْج إنما يقام مقامه لضرورة أن الإنسان لا بد له من منفذ تنفصل فيه الفضلات المعتادة الَتي تخرج لا محالة ولا ضرورة في خروج غير المعتاد.
وأظهرهما: أنه ينتقض؛ لأنه منفذ تنتقض الطهارة بالمعتاد إذا خرج منه، فكذلك بغيره كالفرج الأصلي. ولو انفتحت الثقبة فوق المعدة، وقد إنسد السبيل المعتاد، أو تحت المعدة والمعتاد منفتح، فهل تنتقض الطهارة بالخارج المعتاد منها في الصورتين؟ فيه قولان: أصحهما: لا. أما في الصورة الأولى فلأن ما يخرج من فوق المعدة، أو من حيث يُحَاذيها لا يكون مما أحالته الطبيعة، لأن ما تحيله تلقيه إلى الأسفل، فهو إذًا بالقَيْءِ أشبه، وما في الثانية فلأن غير الفرج إنما يعطي حكمة، لضرورة أن الإنسان لا بد له من مسلك، فيقام المنفتح عند انسداد المعتاد مقامه، ولا انسداد. والثاني: ينتقض؛ لأن الخارج النجاسة المعتادة، ولا يضر في أن تتحول الثقبة التي تنفصل فيها الفضلات إلى مكان أعلى أو أسفل.
وهاتان الصورتان هما المجموعتان في قوله: "فإن كان فوق المعدة أو تحتها ولكن مع انفتاح المَسْلِك المعتاد" المعنى: فإن كان فوق المعدة (١) مع الانسداد أو تحتها ولكن مع الانفتاح، فإن قلنا: لا تنتقض الطهارة بخروج المعتاد في الصورتين فلا كلام، وإن قلنا: تنتقض، فهل تنتقض بخروج النادر، فيه القولان المذكوران في خروج النادر من ثقبة تحت المعدة مع انسداد السبيل المعتاد، وإن انتفى المعنيان، فلم يكن المعتاد منسدًّا، ولا المنفتح تحت المعدة، فلا انتقاض (٢) كالقيء والرعاف ونحوهما، ومتى حكمنا بالانتقاض فيتفرع عليه فروع: أحدها: هل يجوز الاقتصار في الخارج منه على الأحجار وما في معناها أم تتعين الإزالة بالماء؟ حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يتعين الماء؛ لأنه نادر والاقتصار على الحَجَرِ خارج عن القياس، فلا يكون في معنى السبيلين.
وثانيها: يجوز الاقتصار عليه؛ لأنه منفذ ألحق بالسبيلين في كون الخارج منه ناقضاً للطهارة، فكذلك في جواز الاقتصار على الحجر.
стр. 154
وثالثها: يفرق بين أن يكون الخارج النجاسة المعتادة فيجوز، وبين أن تكون غيرها فلا، لانضمام ندرة الخارج إلى ندرة المَخْرَج، وحكى إمام الحرمين بدل الوجوه أقوالاً، وهو والإمام الغزالي -قدَّس الله روحيهما- مسبوقان بهذا الاختلاف، لأن القاضي أبا القاسم ابن كج (١) حكى في المسألة قولين وهما: الأول والثاني وحكاهما أبو علي صاحب الإفصاح (٢): وجهين، وكذلك روى الصيدلاني (٣).
الثاني: هل تنتقض الطهارة بمسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه التحق بالفرج في انْتِقَاضِ الطهارة بالخارج منه فكذلك في حكم الانتقاض بمسه وأصحهما لا؛ لأنه لا يقع مسه في مَظَنَّةِ الشَّهوة؛ ولأنه ليس بفرج حقيقة، فلا يتناوله النصوص [الواردة في مس الفرج، وحينئذ وجب أن يحكم ببقاء الطهارة.
الثالث: إذا أوْلَجَ فيه هل يجب الغُسْل؟ فيه وجهان] (٤) لا يخفى توجيههما مما ذكرنا.
стр. 155
الرابع: هل يَحِلُّ النظر إليه؟ فيه هذان الوجهان، وموضع الوجهين ما إذا كان فوق السرة، أما إذا كان تحتها فلا يحل النظر إليه لا مَحَالة، ولو كان بحيث يُحَاذي السُّرَةَ جرى الوجهان، كما لو كان فوقها؛ لأن الصحيح أن السُّرَةَ لَيْسَتْ من العَوْرَةِ والظاهر أنه لا يثبت شيء من الأحكام.
قال إمام الحرمين: والتردُّد في هذه الأحكام على بعده لا يتعدى أحكام الأحداث، فلا يثبت في الإيْلاَجِ فيه شيء من أحكام الوَطْءِ سوى ما ذكرناه في وجوب الغُسْلِ، نعم كان شيخي يتردد في حل النظر وهو قريب هذا كلامه. ورأيت لأبي عبد الله الحناطي (١) طرد التردد في إيجاب المَهْرِ وسائر أحكام الوطء والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّانِي) زَوَالُ الْعَقْلِ بِإغْمَاء أَوْ جُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ نَوْمٍ، كُلُّ ذلِكَ يَنْقُضُ الطُّهْرَ إِلاَّ النَّوْمَ قَاعِدًا (م وز) مُمْكِّناً مَقْعَدَهُ مِنَ الْأَرْضِ.
قال الرافعي: زوال العقل يفرض بطرقين:
أحدهما: غير النوم كالجنون والإغماء والسكر، فينتقض الوضوء بكل حال، لأن النوم ناقض على ما سيأتي، وإنما كان كذلك، لأنه قد يخرج منه الخارج من غير شعوره به، ومعلوم أن الذُّهُولَ عند هذه الأسباب أبلغ، والسُّكْرُ الذي ينقض الوضوء هو الذي لا يبقى معه الشعور دون أوائل النَّشْوَةِ، وحكى في "التَّتمة" وجهاً ضعيفاً: أن السكر لا ينقض الوضوء أصلاً.
والثاني: النوم وإنما تحصل حقيقته إذا استرخى البَدَنُ، وزال الاسْتِشْعَار، وخفى عليه كلام من يتكلم عنده، وليس في معناه النّعاس، وحديث النفس، وهو من نواقض الوضوء في الجُمَلة لما روي أنه ﷺ قال: "الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ (٢)، فَإذَا نَامَ الْعَيْنَانُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ".
стр. 156
وروى أنه ﷺ قال: "مَنِ اسْتَجْمَعَ نَوْماً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ" (١).
وتفصيله بأن يقال: النوم إما أن يكون في غير الصلاة أو في الصلاة، إن كان في غير الصلاة نظر إن نام قاعداً ممكناً مقعده من مَقَرِّه فلا ينتقض وضوءه، لأنه يأمن استطلاق الوِكَاء إذا نام على هذه الحالة، وقد روي أن أصحاب رسول الله ﷺ : "كانوا يَنْتَظِرُونَ العِشَاء، فَينَامُونَ قُعُودًا، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلاَ يَتَوَضَّئُونَ" (٢). وروي أنه ﷺ قال: "لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِداً، إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً، فَإِنَّ مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً] اسْتَرخَتْ مَفَاصِلُهُ" (٣) ولا فرق بين أن يكون مستنداً أو غير مستند، بعد أن يكون المَقْعَدُ متمكناً من الأرض، ولا بين أن يكون السِّنَاد بحيث لو سل لسقط، وبين أن لا يكون كذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه إن كان بحيث لو سل لسقط بطل الوضوء، وإن نام على غير هيئة القعود بالصفة المذكورة بطل الوضوء، سواء كان مضطجعاً أو مُسْتَلْقياً أو قائماً أو على هيئة الساجدين أو الراكعين، (وفي قول لا ينتقض الوضوء بالنوم قائماً مستوياً) (٤)، وفي قول: لا ينتقض الوضوء بالنوم على أي هَيْئة كانت من هيئات المُصَّلين عند الاختيار، وإن لم يكن في الصلاة وبه قال أبو حنيفة لما روي أنه ﷺ قال:
стр. 157
"لاَ وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا" (١) لكن أئمة الحديث ضعفوه، فعلى هذين القولين لا يَنْحَصِرُ الاستثناء في حالة القعود، على خلاف ما ذكره صاحب الكتاب، وعن الشافعي ﵁ قول آخر أن تلك الحالة أيضاً لا تستثنى بل النوم في عينه حدث، لإطلاق ما سبق من الأخبار، وكما في سائر الأحداث لا فرق فيها بين حالتي القعود وغيرها، وإلى هذا القول صار المزني.
وعن مالك أنه إن نام جالساً قليلاً لم ينتقض [وضوءه وإن نام كثيراً انتقض] (٢) هذا كله إذا كان في غير الصلاة، [أما إذا كان في الصلاة] (٣) فقولان:
القديم: أنه لا ينتقض وضوءه، لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي صَلاَتِهِ بَاهَى اللهُ بِهِ مَلاَئِكَتَهُ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَجَسَدُهُ سَاجِدٌ بَيْنَ يَدَيَّ" (٤).
والجديد: أن حكمه كما لو كان خارج الصلاة، لما سبق من الأخبار وللقياس على سائر الأحداث، ولأن النوم إنما أثر؛ لأنه قد يخرج منه الشيء من غير شعوره به، وهذا المعنى لا يختلف بين أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة (٥).
وإذا عرفت ما ذكرنا عرفت أن قوله: "أو سكر" ينبغي أن يكون مُعلمًا بالواو، وكلمة الاستنثاء من قوله: "إلا النوم قاعداً" بالقاف والزاي إشارة إلى القول الذي حكينا أن عين النوم حَدَثٌ، وإليه ذهب المزني (٦) فإنه لا استثناء على ذلك القول وقوله:
стр. 158
"وكذا النوم قاعداً" بالميم لما ذكرنا من مَذْهَبِ مالك، وكذلك ينبغي أن يكون قوله: "كل ذلك ينقض الطهر" مُعْلماً بالقاف إشارَةً إلى القول المنقول في النوم قائماً أنه لا ينقض، وفي النوم على هيئات المصلِّين، وكذلك في النوم في الصلاة، فإنها مُسْتثناة أيضاً على هذه الأقوال.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) لَمْسُ بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ (م ح) فَإِنْ كَانَتْ مَحْرَماً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَيِّتَةَ أَوْ مَسَّ شَعْرَهَا أَوْ ظُفُرَهَا أَوْ عُضْوًا مُبَاناً مِنْهَا فَفِي الكُلِّ خِلاَفٌ، وَفِي المَلْمُوسِ قَوْلاَنِ، وَاللَّمْسُ سَهْوًا أَوْ عَمدًا سَوَاءٌ (وم).
قال الرافعي: اللَّمْسُ من نواقض الوضوء خلافاً لأبي حنيفة، إلا في المُبَاشَرَةِ الفاحشة، وهي أن يضع الفَرْجَ على الفَرجِ مع الانْتِشَار، ولمالك وأحمد فإنهما اعتبرا الشهوة في كونه ناقضاً، هذه رواية عن أحمد وعنه روايتان أخريان:
إحداهما: مثل مذهبنا، والأخرى: مثل مذهب أبي حنيفة. لنا قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) عطف اللَّمْسَ على المجيء من الغائط، ورتب عليهما الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، فدل على كونه حدثاً كالمجيء من الغائط، والمراد من اللمس الجَسُّ باليد، كذلك روي عن ابن عمر ﵄ وغيره ثم ينظر إن وجد اللمس من الرجل بالصفات المذكورة في الكتاب، وهي أن يلمس بشرة المرأة الكبيرة الأجنبية فَتَنْتَقِضُ طَهَارته.
فإن قيل: الشرط في الانتقاض أن لا يكون بينهما حائل ولم يتعرض له.
قلنا: في قوله "لمس بشرة المرأة" ما يفيد ذلك؛ لأنه إذا كان بينهما حائل فلا يقال: لمس ولا مس، ولهذا لو حلف أن لا يَمْسُّ امرأة فمسها من وراء حَائلٍ، قال الأصحاب: لا يَحْنَثٌ، وإن فقد شيء من الصفات التي ذكرها نظر إن لمس غير البشرة، كالشعر والظفر والسن ففيه وجهان:
أحدهما: ينتقض وضوءه كسائر أجزاء البدن، ولهذا يسوى بين الكل في الحِلِّ والحرمة وإضافة الطلاق، وأصحهما: لا ينتقض، لأن الالْتِذَاذ بهذه الأشياء إنما يكون بالنظر دون اللمس، أو معظم الالْتِذَاذ فيها بالنظر.
وإن كان الملموس عضواً مباناً منها ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالمتصل ألا ترى أن مس الذكر المقطوع كمس الذكر المتصل على الصحيح.
стр. 159
وأصحهما: أنه لا ينتقض، لأن المس حدث لظاهر الآية، وفهم من جهة المعنى اعتبار الوقوع في مَظَنَّةِ الشهوة (١) ولمس المُبَانِ ليس في مظنة الشهوة، ولا يقال لمن لمسه: لمس امرأة، بخلاف من مس الذكر المبان فإنه قد مس الذكر.
وإن لمس صغيرة، والمراد التي لم تبلغ حَدَّ الشهوة، ففيه وجهان:
أحدهما: نعم، لظاهر الآية، وأصحهما: لا، لأنه ليس في مظنَّة الشهوة، فصار كلمس الرجلِ الرجلَ.
ومنهم من يقول في المسألة قولان كما في المحرم، وإن لمس محرماً فقولان:
أحدهما: أن حكمها حكم الأجنبيات في اللمس لعموم الآية، وأصحهما: لا، لأنها ليست في مظنَّة الشهوة بالإضافة إليه، ولا فرق بين محرَمِيَّة النَّسب والرِّضَاع والمُصَاهرة في اطِّراد القولين وإن لمس ميتة ففيه وجهان أيضاً، ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ وفي الثاني إلى أن لمسها ليس في مظنة الشهوة، والظاهر الأول، كما يجب الغُسْلُ بالإيلاجَ فيها، ولم يذكر مسألة الميتة في "الوسيط"، وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن الخَلاف الذي أبهمه في قوله: "ففي الكل خلاف"، قولان في مسألة المحرم، ووجهان في سائر المسائل، وهذا مما ينبغي أن يعتني به محصل هذا الكتاب، فإنه كثيراً ما يرسل ذكر الخلاف والتردد في مسائل يعطف بعضها على بعض، وهو قول في بعضها ووجه في البعض، فينبغي أن يُضْبَطَ.
ثم كما ينتقض وضوء الرجل إذا لمس بهذه الشرائط، ينتقض وضوء المرأة إذا لَمَسَتْ بهذه الشَّرائط، وفي الملموس قولان:
أصحهما: أنه ينتقض وضوءه أيضاً لاستوائهما في اللَّذة، كما أن الفاعل والمفعول يستويان في حكم الجماع.
والثاني: لا ينتقض، لما روى عن عائشة ﵂ قالت: أصابت يدي أخْمُصَ قدم رسول الله ﷺ في الصلاة، فلما فرغ من صلاته قال: "أَتَاكِ شَيْطَانُكِ" (٢) ولو انتقض طهر الملموس لما أتم الصلاة، ثم حكى قولان في أن الملموس من هو:
أحدهما: أن الملموسة هي المرأة، وإن وجد فعل اللمس منها، والرجل لامس.
والثاني: وهو الأَصَحُّ المشهور، أن الَّلامس من وجد منه فعل اللمس رجلاً كان أو امرأة، والملموس الآخر، ويخرج مما ذكرناه قول أن المرأة لا ينتقض وضوءها وإن
стр. 160
لمست وإن نفى المُصَنِّف في "الوسيط" أن يكون في الانتقاض خلاف، ثم لا فرق بين أن يتفق اللمس عمداً أو سهواً كسائر الأحداث، ولا بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة.
وحكي وجه أن اللمس إنما ينقض الوضوء إذا وقع قصداً (١)، وكان تَخْصِيصُ اللمس بالذَّكَرِ في الكتاب إنما كان لمكان هذا الوجه، وإلا فسائر الأحداث أيضاً عمدها وسهوها سواء، لكن أبا عبد الله الحناطي روى في مس الذكر ناسياً وجهين أيضاً، وحكى في اللَّمس أن ابن سريج ذهب إلى اعتبار الشهوة، كما صار إليه مالك قال: وحكى ذلك عن الشافعي ﵁ أيضاً ولمس العجوز كغيرها، ولمس العضو الأشَلِّ والزائد كلمس الصحيح والأصلي، وفي الصور الثلاث وجه آخر.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) مَسُّ الذّكَرِ بِبَطْنِ الكَفِّ نَاقِضٌ (ح ز) لِلْؤضُوءِ وَكَذَا مَسُّ فَرْجِ المَرْأَةِ وَكَذَا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ (م) عَلَى الجَدِيدِ وَكَذَا فَرْجُ البَهِيمَةِ عَلَى القَدِيمِ وَكَذَا فَرْجُ المَيِّتِ (و) وَالصَّغِيرِ (م) وَكَذَا مَحَلُّ الجَبِّ (و)، وَفِي الذَّكَرِ المُبَانِ وَجْهَانِ، وَفِي المَسِّ بِرَأْسِ الأَصَابع وَجْهَانِ، وَبِمَا بَيْنَ الأَصَابع لا يَنْتَقِضُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: مَسُّ الذكر ناقض للوضوء خلافاً لأبي حنيفة ومالك، فإن حكم المس عندهما على ما ذكرنا في اللمس: لنا حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأْ" (٢) وإنما ينتقض الوضوء إذا مس بالكَفِّ، والمراد بالكف الرَّاحَة وبطون الأصابع، وقال أحمد: تنتقض الطهارة سواء مس بظهر الكف أو بِبَطْنها:
لنا أن الأخبار الواردة في الباب جرى في بعضها لفظ اللمس، وفي بعضها لفظ الإفضاء، ومعلوم أن المراد منهما واحد، والإفضاء في اللغة: اللمس ببطن الكف (٣).
стр. 161
ولو مس بِبَطْنِ أصبع زائدة نظر إن كانت على استواء الأصابع فهي كالأصلية على أصح الوجهين، وإن لم تكن على اسْتِوَاء الأصابع فلا في أصح الوجهين، ولو كانت له كَفَّان فإن كانتا عاملتين فبأيتهما مسَّ انتقض الوضوء، وإن كانت إحداهما عاملة دون الأخرى انتقض بالمس بالعاملة دون الأخرى، ذكره القاضي الروياني (١) وصاحب "التهذيب"، وحكى بعضهم خلافاً في اليد الزائدة مطلقاً، واليد الشلاَّء كالصحيحة في أصح الوجهين، وكذا الذكر الأشل كالصحيح.
وحكم فرج المرأة في المس حكم الذكر، لما روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يصَلَّونُ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" قالت عائشة: بأبي وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء، قال: "إذَا مَسَّتْ إِحْدَاكُنَّ فرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ" (٢).
وفي حلقة الدُّبُرِ وهي ملتقى المنفذ قولان:
في القديم: لا ينتقض الوضوء بمسه، وبه قال مالك؛ لأن الأخبار وردت في القُبُلِ وهو الذي يفضي بمسه إذا كان على سبيل الشهوة إلى خروج المذي وغيره، فأقيم مسَّه مقام خروج الخارج، بخلاف الدبر.
وقال في الجديد: ينتقض؛ لأنه فرج فينتقض الوضوء بمسّه؛ لقوله ﷺ : "وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ وَلاَ يَتَوَضَئُونَ" (٣) وبالقياس على القُبُلِ، ومن الأصحاب من جزم بما قاله في الجديد، ونفى الخلاف فيه، وعن أحمد روايتان كالقولين، وفي فَرْج البَهِيمَة قولان حكى عن القديم أن مسه كمس فرج الآدمي؛ لظاهر قوله: "مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ الْوُضُوء" (٤)؛ ولأن فرج البهيمة كفرج الآدمي في الإيْلاَجِ، فكذلك في حكم المس وهذا القول في القبل دون الدبر، فإن دبر الآدمي لا يلحق على القديم بالقبل، فمن غيره
стр. 162
أولى (١). وقال في الجديد: لا أثر لمسه كما لا يجب ستره، ولا يحرم النظر إليه، ولا يتعلق به خِتَانٌ ولا اسْتِنْجَاء، ولأن لمس إناث البهائم ليس بحدث، فكذلك مس فروجها، وقطع بعضهم بما قاله في الجديد. وفي مَسِّ فرج الميت ذكراً كان أو أنثى وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه كفرج الحَيِّ لشمول الاسم وبقاء الحُرْمَة.
والثاني: لا أثر لمسه لزوال الحياة وخروج لمسه عن مظنَّة الشهوة.
وفي فرج الصغيرة وجهان:
أصحهما: أنه كفرج الكبير لما ذكرنا.
والثاني: لا، لما روي: "أَنَّهُ ﷺ مَسَّ رَبِيبَةَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ" (٢): ومس محل الجَبِّ من المَجْبُوب هل يؤثر فيه، وجهان:
أصحهما: نعم، لأن مسّه مظنة خروج الخارج منه فأشبه الشاخص.
والثاني: لا؛ لأنه مس محل الذكر دون الذكر وقد حكى عن القفال أن الموجهين مركبان على أحد أصلين: إما مس حلقة الدبر. فإن قلنا: إنه لا يؤثر فهذا أولى.
وإن قلنا: يؤثر فهاهنا وجهان؛ لأن الحلقة طاهرة بأصل الخلقة، وهذا قد طهر بعارض، وأما مس الثقبة المنفتحة مع انْسِدَاد المَسْلَكِ المعتاد فيه وجهان سبق ذكرهما، وعلى هذا فالانتقاض هاهنا أولى؛ لأنه أصلي، والوجهان في المسألة فيما إذا لم يبق شيء شاخص أصلاً، فإن بقي شيء فلا خلاف في أن مسه ناقض، وفي الذكر المبان وجهان:
أصحهما: أنه كالمتصل بشمول الاسم له.
والثاني: لا؛ لخروج لمسه عن مظنة الشهوة ولعلك تقول: رجح الأئمة من
стр. 163
الخلاف في مسائل اللمس الوجه الناظر إلى وقوعه في محل الشَّهوة ومظنتها، حتى قالوا لا تنقض الطهارة بلمس المحرم والصغيرة على الأصح وهاهنا عكسوا ذلك فقالوا: الأصع الانتقاض بمس فرج الميت والصغير، ولم يعتبروا الشهوة فما الفرق. فالجواب: أن اللَّمْسَ والمَسَّ متقاربان في أمر الشهوة، وحصول الخلاف إذا وقعا في غير مظنة الشهوة، إلا أن الشافعي ﵁ نظر في اللمس إلى شيء آخر، إذا كان الممسوس فَرْج الغير، وهو أنه بالمس هاتك حرمة الممسوس فرجه، فحكم بانتقاض وضوئه، منعاً له عن ذلك، ولهذا لم يحكم بانتقاض طَهَارة المَمْسُوس فرجه؛ لأنه لا هتك منه، بخلاف الملموس حيث انتقض طهره على أظهر القولين، لشمول معنى الشهوة، وكان الهتك أرجح المعنيين عند الشافعي ﵁ والنظر إليه أولى، ألا تراه علل في مس فرج البهيمة لا يوجب حدثاً، فقال: لأنه لا حرمة لها، ولا تعُبّد عليها -والله أعلم-.
وهذه المسائل كلها في المس ببطن الكف، أما لو مس برءوس الأصابع، ففيه وجهان:
أحدهما: أن المَسَّ بها كالمس بالراحة؛ لأنها من جنس بشرة الكف، ويُعْتَاد المس بها بالشهوة وغيرها وأظهرهما: أنه لا يؤثر المس بها؛ لأنها خارجة عن سمت الكف، ولا يعتمد على المس بها وحدها من أراد معرفة ما يعرف باللمس من اللين والخُشُونة وغيرهما، وفيما بين الأصابع أيضاً وجهان، وعدم الانتقاض فيه أظهر، وقد نقلوه عن نص الشافعي ﵁ وأطبقوا على ترجيحه، وأما في رءوس الأصابع، فمنهم من رجح القول بالانْتِقَاض، وكأنه لهذا التفاوت صرح بأن الصحيح عدم الانتقاض في المسألة الثانية، وسكت عن الترجيح والتصحيح في الأولى، والمعنى برأس الإصبع موضع الاستواء بعد المنحرف الذي يلي الكف، فإنه من الكف بلا خلاف، ثم من يقول: بأن المس برأس الإصبع ناقض يقول: باطن الكف ما بين الأظفار، والزّند (١)، أي: في الطول، ومن يقول: إنه غير ناقض يقول: باطن الكف هو القدر المنطبق إذا وضعت إحدى اليدين على الأخرى، مع تَحَامُل يسير والتقييد بقولنا: مع تحامل يسير، ليدخل فيه المنحرف الذي ذكرناه، وطرف الكَفِّ وهو حرف اليد على الوجهين في رءوس الأصابع.
قال الغزالي: وَإِذَا مَسَّ الخُنْثَى مِنْ نَفْسِهِ أحَد فَرْجَيْهِ لَم يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالَ أنَّهُ زَائِدٌ،
стр. 164
وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ ذَكرَهُ أَوِ امْرَأَةٌ فَرْجَهُ انْتَقَضَ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ مَسِّ وَلَمْسٍ، وَإِنْ مَسَّ رَجُلٌ فَرجَهُ أَوِ امْرَأَة ذَكَره لَمْ يَنْتَقِضْ لاحْتِمَالِ أَنَّ المَلْمُوسَ زَائِدٌ، وَلَوْ أَنَّ خُنْثَيَيْنِ مَسَّ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الفَرْجَ وَمَسَّ الآخَرُ الذَّكَرَ، فَقَدِ انْتَقَضَ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَلكِنْ يَصِحُّ صَلاَةُ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، لأَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ مُمْكِنٌ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل فيما إذا اتفق المس، ولم يكن في الماسِّ ولا في الممسوس إشكال في حكم الذُّكورة والأنوثة، فإن كان ففيه مسائل:
إحداها: إن مسّ الخُنْثَى المشكل فرجاً واضحاً فالحكم على ما سبق، وإن مس فرج نفسه نُظِر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض وضوءه، لأنه إن كان رجلاً فقد مس ذكره، وإن كانت امرأة فقد مست فرجها، وإن مس أحدهما لم ينتقض وضوءه، لأنه إن مس الذكر فيجوز أن يكون أنثى، وهو سلعة زائدة، وإن مس الآخر فيجوز أن يكون رجلاً وهو ثقبة زائدة، وإن مس أحدهما وصلَّى الصبح مثلاً ثم توضأ، ومس الآخر وصلى الظهر ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنه يقضيهما جميعاً؛ لأن إحدى صلاتيه وَاقِعَةٌ مع الحدث.
وأظهرهما: أنه لا يقضي واحدة منهما؛ لأن كل صلاة مُفَرَدٌ بحكمها، وقد بني كل واحدة على ظن صحيح فصار كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين، وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم مس الآخر وصلى الظهر من غير وضوء بينهما أعاد الظُّهر؛ لأنه محدث عندها، ومضت الصبح على الصحة.
الثانية: لو مس الواضح فرج مشكل نُظِر، إن مس رجل ذكره انتقض وضوءه؛ لأنه إن كان رجلاً فقد مس الذكر، وإن كانت امرأة فقد لمس امرأة، وإن مست امرأة فرجه انتقض وضوءها أيضاً لمثل هذا المعنى، وهذا إذا لم يكن بين الخُنْثَى والماس محرمية وغيرها، مما يمنع لمسه على أنه ينتقض به الوضوء، فإن كان فلا انتقاض، وإن مس الرجل فرجه لم ينتقض وضوءه؛ لاحتمال أن يكون رجلاً، والممسوس ثقبة زائدة، وإن مسّت المرأة ذكره فكذلك لا ينتقض وضوءها؛ لاحتمال أن يكون الخُنْثَى امرأة، والممسوس سلعة زائدة.
والضابط أن الواضح إذا مس منه ما له انتقض وضوءه، فإن مس ما ليس له فلا. ثم إذا حكمنا بانْتِقَاض طهارة الواضح فلا نقول: الخنثى ملموس حتى يعود في انتقاض طهارته القولان، بل هو مَمْسُوس حتى لا تنتقض طهارته؛ طرحًا للشك؛ واستصحاباً للطهارة.
والثالثة: لو مس مشكل فرج مشكل آخر نظر، إن مس فرجيه جميعاً انتقض
стр. 165
وضوؤه كما لو مسهما من نفسه، وكذلك لو مس ذكر مُشْكل وفرج مشكل آخر ينتقض وضوؤه أيضاً، لكن هاهنا ينتقض لعلة المس، أو اللمس، وإن مس أحد فرجيه لا غير لم ينتقض وضوؤه؛ لاحتمال كونه عضواً زائداً، ولو مس أحد المشكلين فرج الآخر، ومس الآخر ذكر الأول انتقض طهارة أحدهما، لا بعينه؛ لأنهما إن كانا رجلين فقد أحدث ماس الذكر، وإن كانتا امرأتين فقد أحدثت ماسة الفرج، وإن كان أحدهما رجل والآخر امرأة فقد أحدثا جميعاً بسبب اللمس، فإذاً طهارة أحدهما باطلة لا محالة، لكنه غير متعين، وما من واحد منهما أفردناه بالنَّظر، إلا والحدث في حقه مشكوك فيه، فنستصحب يقين الطهارة، ولا نمنع واحداً منهما عن الصلاة، ونظائر ذلك لا تخفى.
وأما قوله في الكتاب في هذه المسألة: "ولكن تصح صلاة كل واحد منهما وحده" ففي كلمة "وحده" إشكال؛ لأن المفهوم منه أن لكل واحد منهما أن يصلى منفرداً، ويمتنع أن يقتدى بالآخر، كما نقول: إذا اختلف اجتهاد اثنين في إنَائَيْنِ مشتبهين، صلَّى كل واحد منهما وحده، يريد به ما ذكرنا، لكن اقتداء الخُنْثَى بالخنثى ممتنع على الإطلاق، فإن معنى التقييد في هذه المسألة: أن كلمة وَحْدَهُ يشبه أن يكون من سَبْقِ القلم، لا عن قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ؛ لأنه في "الوسيط" لم يتعرض لذلك، وإنما قال: "لكن تصح صلاتهما، ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصّحة"، وإن أتى بها عن قصد، فقد ذكر بعضهم أن فائدة التقييد أنه لا تجزئ صلاة واحد منهما خلف الآخر قطعاً، وإن بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، بخلاف ما إذا اقتدى الخُنْثَى بالخنثى في غير هذه الصورة، ثم بان بعد الفراغ كون الإمام رجلاً، فإن في وجوب القضاء قولين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالْيَقِينُ لاَ يُرفَعُ بِالشَّكِّ (م) لاَ فِي الطَّهَارَةِ وَلاَ فِي الْحَدَثِ، وَلَو تَيَقَّنَ أنَّهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تَوَضَّأَ وَأَحْدَثَ وَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا سَبَقَ أَسْنَدَ الوَهْمَ إِلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِنْ انْتَهَى إِلَى الْحَدَثِ فَهُوَ الآنَ مُتَطَهِّرٌ لأَنَّهُ تَيَقَّنَ طُهْرًا بَعْدَهُ وَشَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإنِ انْتَهَى إِلَى الطُّهْرِ فَهُوَ الانَ مُحْدِثٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ مَا قَبْلَ الْحَالَتَيْنِ وَيَتَعَارَضُ الظَّنَّانِ.
قال الرافعي: من القواعد التي يَنْبَنِي عليها كثير من الأحكام الشرعية استصحاب اليقين، والإعراض عن الشَّكِّ، والأصل فيما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمسَجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" (١). وروي أنه ﷺ قال: "إِنَّ
стр. 166
الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيْهِ، وَيقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثتَ، فَلاَ يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً" (١) ولا فرق عندنا بين أن يَتَيقَّنَ الطهارة، ويشك في الحَدَثِ بعده، أَوْ يتيقَّن الحدث ويشك في الطهارة بعده، بل يستصحب اليقين في الحالتين، خلافاً لمالك حيث قال: إذا استيقن الطهارة، وشك في الحدث، أخذ بالحدث احتياطاً، وتوضأ إذا كان خارج الصلاة وإن كان في الصلاة فله أن يمضي في صلاته، وما رويناه من الخبر حجة عليه، لأنه مطلق، وحَكَى في "التتمة" وجهاً عن بعض الأصحاب يوافق مذهب مالك. ومن نظائر الشك في عروض الحدث ما إذا نام قاعداً، ثم تمايل وانتبه، ولم يدر أيهما سبق، فلا ينتقض وضوءه، بخلاف ما إذا عرض الانتباه وكان بعد التَّمَايُلِ يلزمه الوضوء. ومنها ما إذا شك في أنه لمس الشعر، أو البشرة إذا قلنا: إنه لا أثر للمس الشعر. ومنها ما إذا مس الخنثى فرجه مرتين، وشك في أن الممسوس ثانياً هو الممسوس أولاً، أو الفرج الآخر. ومنها ما لو شك في أن ما عرض له رؤيا، أو حديث نفس فلا يلزمه الوضوء في شيء منها، وكذلك القول في الشك في الحدث الأكبر، وهذا كله إذا عرف سبق الطهارة، أما إذا لم يعرف ذلك بأن تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث، ولم يَدْرِ أيهما سبق، أنه الآن على ماذا؟ ففي المسألة وجهان:
أصحهما: قال صاحب التلخيص: والأكثرون يؤمر بإسناد الوَهْمِ إلى ما قبل طلوع الشمس وتَذَكَّر ما كان عليه من الطهارة والحدث، فإن تذكر أنه كانَ محدثاً فهو الآن على الطهارة؛ لأنه تيقن الطهارة بعد ذلك الحدث، وشك في تَأَخُّرِ الحدث المعلوم بعد الطلوع عن تلك الطهارة، وإن تذكر أنه كان متطهراً فهو الآن محدث؛ لأنه تيقن حدثاً بعد تلك الطهارة، وشك في تأخر الطهارة عن ذلك الحدث، ومن الجائز سبقها على الحدث، وتوالي الطهارتين، وهذا إذا كان الشخص ممن يعتاد تجديد الطهارة، فإن لم يكن التجديد من عادته فالظاهر أن طهارته بعد الحدث، فيكون الآن متطهراً، وإن لم يتذكر ما قبلها فلا بد من الوُضُوء؟ لتعارض الاحتمالين من غير تَرْجِيح، ولا سبيل إلى الصلاة مع التردد المَحْضِ في الطهارة؛ ومنهم من قال: يؤمر بالتذكُّر، لكنه إن تذكر الحدث قبل الطلوع فهو الآن محدث أيضاً، وإن تذكر الطهارة فهو الآن متطهر، لأن ما يذكره من قبل معلوم، فيستصحب ويتعارض الظنان الطارئان بعده، لتقابل الاحتمالين، والوجه الثاني، أنه لا نظر إلى ما قبل الطلوع، ويؤمر بالوضوء بكل حال؛ أخْذاً بالاحْتِيَاطِ. ثم نتكلم في قوله: "واليقين لا يرفع بالشك" في ابتداء هذا الفصل، من ثلاثة أوجه:
стр. 167
أحدها: قد يتوهم أن هذا الكلام متصل بآخر مسألة الخنثيين، وهو قوله: "لأن بقاء طهارته ممكن"، ولا شك أنه صالح لذلك، لكنه لم يقصد تذنيب المسألة به، وإنما أراد افتتاح قاعدة مقصودة في نفسها، وإيراده في "الوسيط" يوضح ذلك، ثم لا يخفى تخريج مسألة الخنثيين على هذه القاعدة.
الثاني: لا نعني بقولنا: اليقين لا يرفع ولا يترك بالشك يقيناً حاضراً، فإن الطهارة والحدث نقيضان، ومهما شككنا في أحد النقيضين فمحال أن نَتَيَقَّنَ الآخر، ولكن المراد أن اليقين الذي كان لا يترك حكمه بالشك، بل يستصحب؛ لأن الأصل في الشيء الدَّوام والاستمرار، فهو في الحقيقة عمل بالظن وطرح للشك.
الثالث: المشهور من معنى الشك التردد في طرفي وجود الشيء وعدمه بصفة التساوي، فإذا حدث له هذا التردُّد في الحدث بعد تيقن الطهارة، أو في الطهارة بعد تيقن الحدث لم يلتفت إليه واستصحب ما كان، وهذا الحكم لا يختص بالشك في طرف الحدث، بل لو كان الحادث ظن الحدث بعد تيقُّن الطهارة فهو كالشك في أنه يجوز له الصلاة؛ استصحاباً ليقين الطهارة، لكن لو ظَنَّ الطهارة بعد الحدث لم يستصحب حكم الحدث [بل له أن يصلي بالظن، فإذاً حكم الشك واحد في الطرفين، وحكم الظن في الحدث] (١) خلاف حكمه في الطهارة.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ تَنْكَشِفُ حَالُ الخُنْثَى بِثَلاَثِ طُرُقٍ: (الأوُلَى): خُرُوجُ خَارج مِنَ الفَرْجَينِ فَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ أَوْ أَمْنَى فَرَجُلٌ وَإِنْ بَالَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ أَوْ حَاضَ فَامْرَأَةً فَإنْ بَالَ بِفَرْجِ الرِّجَالِ وَحَاضَ بِفَرْجِ النِّسَاءِ قِيلَ: التَّعْوِيلُ عَلَى المَبَالِ؛ لأَنَّهُ أَدْوَمُ وَقِيلَ: مُشْكِلٌ (الثَّانِيَةُ): نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِهِمَا كمَا لاَ عِبْرَةَ بِتَأخُّرِ النَّبَاتِ وَالنُّهُودِ عَنْ أَوَانِهِمَا (الثَّالِثَةُ): أَنْ يُرَاجَعَ الشَّخْصُ لِيُحْكَمَ بِمَيْلِهِ فَإِذَا أَخْبَرَ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعه إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا رَجُلٌ ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا.
قال الرافعي: لما تكلم في صور مَسِّ الخنثى أراد أن يبين ما ينكشف به حال الخُنْثَى، فذكر له طرقًا.
منها: خروج الخارج من أحد الفَرْجَيْنِ، وذلك على قسمين:
أحدهما: خارج لا يوجب الغُسْل، وهو البول، فإذا بال بفرج الرجال فَرَجُلٌ، وإن بَالَ بفرج النساء فامرأة، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال:
стр. 168
في الذي له ما للرجال وما للنساء: "يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ" (١). وهذا بشرط أن يكون له ما يشبه آلَةَ الرجال، وما يشبه آلة النساء، ويكون بوله من أحدهما.
فأما إذا لم يكونا له، وهو يبول من ثقبة، أو كان له، لكنه لا يبول بهما، فلا دلالة في بوله. ولو بال بهما جميعاً، ففيه وجهان:
أحدهما: أن دلالة البول قد سقطت.
وأصحهما: أن ما يختص بسبق الخروج، أو تأخر الانقطاع، فالحكم له، فإن وجد أحد المعنيين في أحدهما، والآخر في الثاني، فالأخذ بسبق الخروج أولى، وإن فقد المعينان فيهما سقطت دلالة البول، ولا حكم للكثرة، ولا للتَّزْرِيقِ والتَّرْشِيش في أصح الوجهين. والثاني بأن الحكم للأكثر، وأنه إن زرق بهما فرجل، وإن رشش فامرأة، وإن زرق بهذا ورشش بذلك فحينئذ تسقط دلالة البول.
والقسم الثاني: خارج موجب للغسل، كالحَيْضِ، والمَنِيِّ، فإذا أمنى بفرج الرجال فرجل، وإن أمنى بفرج النساء، أو حاض فامرأة، وذلك بشرطين:
أحدهما: أن ينفصل في وقت إمكان خروج المني والحيض.
والثاني: أن يتكرر خروجه، ليتأكد الظن. ولا يتوهم كونه اتفاقياً، ولو أمنى من الفرجين جميعاً فوجهان:
أحدهما: أنه تسقط هذه الدلالة، ويستمر الإشكال.
وأصحهما: أنه لو أمنى منهما على صفة مني الرجال يكون رجلاً، ولو أمنى منهما على صفة مني النساء يكون امرأة؛ لأن الظاهر أن المني الموصوف بصفة مني الرجال ينفصل من الرجال، وكذلك ما هو بصفة مني النساء ينفصل من النساء، نعم لو أمنى من فرج الرجال على صفة مني النساء، أو من فَرْجِ النساء على صفة مني الرجال، أو أمنى من فرج الرجال على صفة منيهم، ومن فرج النساء على صِفَةِ منيهن يستمر الإشكال.
ومن هذا القسم خروج الولد، فيفيد القطع بالأُنوثَةِ حتى يترجح على ما يعارضه من الأمَارَاتِ، أما لو تعارض البول مع الحَيْضِ، أو مع المني، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بمقتضى البول؛ لأنه دائم متكرر، فيكون أقوى دلالة، وأصحهما: أنه يستمر الإشكال ويتساقطان.
ومنها نبات اللِّحية ونُهُود الثدي، وفيهما وجهان:
стр. 169
أحدهما: أن نَبَاتَ اللحية يدل على الذُّكورة، ونهود الثدي على الأنوثة؛ لأن اللِّحىَ إنما تكون للرجال غالباً، وتدلي الثديين للنساء غالباً؛ فيستدل بهما على الذكورة، والأنوثة، وأظهرهما أنه لا عبرة بهما؛ لأنه لا خلاف أن عدم نَبَات اللحية في وقته لا يقتضي الأنوثة، وعدم تدلي الثديين في وقته لا يقتضي الذكورة، ولو جاز الاستدلال بنبات اللحية على الذكورة لجاز الاستدلال بعدمه على الأنوثة؛ لأن الغالب من حال من لا يلتحى في وقته الأنوثة، كما أنِ الغالب من حال من يَلْتَحِي الذكورة.
وأجرى بعضهم الوجهين في نزول اللبن، أيضاً، وذهب بعض الأصحاب إلى أنه تعد أضلاع الخنثى من جانبيه، فإن نقص عددها من الجانب الأيسر فهو دليل الذكورة، وإن تساوى عددها من الجانبين فهو دليل الأنوثة، وظاهر المذهب أنه لا عبرة بذلك، والتفاوت بين الرجل والمرأة في عدد الأضلاع غير مَعْلُومٍ، ولا مُسَلَّم.
ومنها: أن يراجع الخنثى، فإن قال أميل إلى الرجال استدللنا عى الأنوثة، وإن قال أميل إلى النساء استدللنا به على الذكورة؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال بالطبع، وهذا إذا عجزنا عن الأمَارَاتِ السابقة، وإلا فالحكم لها؛ لأنها محسوسة معلومة الوجود، وقيام الميل غير معلوم، فإنه ربما يكذب في إخباره، ومن شرط الاعتماد على إخباره وقوعه بعد العَقْلِ والبلوغ، كسائر الروايات والأخبار، ومن الأصحاب من قال: يكفي وقوعه في سِنِّ التمييز، كالحَضَانة يخيَّر فيها الصبي بين الأبوين في سن التَّمْييز، والمذهب الأول، لأن اختيار الخنثى لازم، فلا حكم له قبل البلوغ، كالمولود إذا تداعاه اثنان لا يصح انْتِسَابُهُ قبل البلوغ، والاختيار في الحَضَانَةِ ليس بلازم، ثم يتعلق بفصل الاختيار فروع:
أحدها: إذا بلغ وهو يجد من نفسه أحد الميلين يجب عليه أن يخبر عنه، فإن أخر عصى.
الثاني: لا يخبر بالتَّشهِّي فإنه غير مخير، ولكن يخبر عما يجده من ميله الجِبلِّي.
الثالث: لو زعم أنه لا يميل إلى الرجال ولا إلى النساء، أو أنه يميل إليهما جميعاً استمر الإشكال.
الرابع: إذا أخبر عن أحد الميلين لزمه، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك؛ لاعترافه بموجبه، نعم لو وجدت الدلالة القاطعة بعد إخباره عن الذكورة، وهي الولادة غيَّرْنَا الحكم؛ لأنا تيقنا خلاف ما ظنناه، وكذا لو ظهر حمل بعده تبين بطلان إخباره، كما لو حكمنا بشيء من الدلائل الظاهرة، ثم ظهر به حمل بطل ذلك، وقد ذكر هذا الفرع في
стр. 170
الكتاب، لكن للمتأمل وقفة عند قوله: "فإذا أخبر لا يقبل رجوعه إلا إذا كذبه الحِسِّ" لأن ظاهر الاسْتِثْنَاء يقتضي قبول الرجوع عند الوِلاَدة، وإذا ولدت فلا عبرة بالرُّجُوع، ولا معنى له، بل يبطل الحكم السابق سواء، وجد الرجوع أم لا، وكأنه أراد أن لا يقبل رجوعه، ويجري عليه حكم قوله الأول، إلا أن يكذبه الحس بالولادة، فالاستثناء يرجع إلى إجزاء حكم القول الأول عليه، لا إلى عدم قبول الرجوع، وكذلك أورد إمام الحرمين ﵀ هذه اللفظة.
الخامس: ذكرنا أن الاختيار إنما يرجع إليه عند فقد الأمارات الظاهرة، فلو رجعنا إليه لفقدها، ثم وجد بعض تلك الأمَارَات يجوز أن يقال: لا نُبَالِي به ونستصحب الحكم الأول، إلا أن توجد دَلاَلَةٌ قاطعة (١) وهذا قضية قوله: (إلا أن يكذبه الحس) إذا قدرنا عَوْدَ الاستثناء إلى ما بيَّناه، ويجوز أن يقال: يعدل إلى الأمارة الظاهرة، ويحكم بها كما إذا تداعى اثْنَانِ مَوْلُودًا، ولم يكن قائفًا (٢) فانتسب بعد البلوغ، واختار ثم وجدنا القائف تقدم القِيَافَةِ على اختياره -والله أعلم-.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الحَدَثِ وَهُوَ المَنْعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَيَسْتَوِي (ح) فِي المَسِّ الجَلْدُ وَالحَوَاشِي وَمَحِلّ الكِتَابَةِ، وَفِي مَسِّ الخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ (ح) وَالعِلاقةِ وَتَقْلِيب الأَوْرَاقِ بقَضِيب وَحَمْلِ صُنْدُوقٍ فِيهِ أَمْتِعَةٌ سِوَى المُصْحَفِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَحْرُمُ مَسُّ كِتَاب الفِقْهِ وَالتَّفْسِير وَالدَّرَاهِمِ المَنْقُوشَةِ، إلاَّ مَا كُتِبَ لِلدرَاسَةِ كَلَوْحِ الصِّبيَانِ (و) وَالأصَحُّ أنَّهُ لاَ يَجِبُ علَى المُعَلِّمِ تكْلِيفُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ الطَّهَارَةَ لِمَسِّ اللَّوْحِ وَالمُصْحَفِ.
قال الرافعي: المحدث ممنوع من الصلاة، قال ﷺ : "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" (٣) وكذلك من الطَّوَافِ، قال ﷺ : "الطَوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَبَاحِ فيه الْكَلاَمَ" (٤). وَسَجْدَةُ الشكر والتلاوة كالصلاة في أن المحدث ممنوع منهما، ويحرم عليه
стр. 171
أيضاً مس المصحف، وحمله، قال الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) وروي أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: "لاَ تَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلاَّ طَاهِراً" (٢) وروي أنه قال: "لاَ تَحْمِلِ المُصْحَفَ، وَلاَ تَمَسَّهُ إِلاَّ طَاهِراً" (٣) ثم فيه مسائل:
إحداها: إذا كان المصحف مجلداً، فهل يحرم مس الجِلْدِ؟ كمس الموضع المكتوب؟ فيه وجهان:
أصحهما (٤): [وهو الذي ذكره في الكتاب] (٥) نعم؛ لأنه كالجزء من المصحف، ألا ترى أنه لو باعه دخل الجلد فيه.
والثاني: لا؛ لأنه ظرف ووعاء لما كتب عليه القرآن، فصار كالكِيْسَ والجراب الذي فيه المصحف.
الثانية: لا فرق في حكم المس بين موضع الكتابة وبين الحَوَاشِي، والبياض في خلال السطور، لأن اسم المصحف يقع على جميع ذلك وقوعاً واحداً.
الثالثة: في مس الخريطة والصُّنْدُوق والعِلاَقة (٦) وجهان إذا كان المصحف فيها:
أظهرهما: أنه يحرم؛ لأنها متخذة للقرآن منسوبة إليه، فإذا اشتملت على القرآن اقتضى التعظيم أن لا يمس إلا على الطهارة.
والثاني: لا، لأن الظواهر واردة في المصحف وهذه الأشياء غير المصحف، وهذا الخلاف قريب من الخلاف من الجِلْدِ، ولذلك جمع بعض الأصحاب بينهما جميعاً، وحكى فيهما الوجهين، ومنهم من جزم بالجواز في غير الجِلْدِ وخصص الخلاف بالجلد، ومنهم من جزم بالمَنْعِ في الجلد، وخصص الخلاف بما سواه، وكلامه في الكتاب أوفق لهذه الطريقة، أو هو هي، وفي كتب أصحابنا عن أبي حنيفة:
стр. 172
أنه يجوز للمحدث مس غير المكتوب من الحَوَاشِي، وظهر المصحف، وغيرهما: نعم لا يجوز ذلك للجنب والحائض. وعنه أيضاً: أنه يجوز للمُحْدِث الحمل، والمس مطلقاً، ولا يجوز للجنب والحائض. وعنه أيضاً: أنه يجوز له حمل المصحف بعِلاقته، وبه قال أحمد، وحكَى بعضهم عن مالك أنه يجوز له حمل المصحف ومسه من غير طهارة، والمشهور أن هذا قول داود، ولا يخفى موضع العلاقة من هذه الاختلافات.
الرابعة: لو وضع المصحف بين يديه وهو يقلب أوراقه بقضيب وغيره، ويقرأ منه، هل يجوز فيه؟ وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لم يحمل المصحف ولا مسه، فقد حافظ على شرط التعظيم.
وأصحهما: أنه لا يجوز، لأنه حمل بعض المصحف مقصوداً، فإن الورقة بحمله تنتقل من جانب إلى جانب (١).
الخامسة: المَنْعُ من الحَمْلِ حيث كان المصحف هو المقصود بالحمل، فأما إذا حمل صندوقاً فيه ثياب وأمتعة سواه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز؛ لأنه حامل للمصحف. وحكم الحمل لا يختلف بين أن يكون هو المحمول، أو يكون محمولاً مع غيره، ألا ترى أنه لو حمل نجاسة في صلاته لم تصح صلاته، سواء حملها وحدها، أو مع غيرها.
وأصحهما: الجواز؛ لأن المنع من الحمل المُخِلِّ بالتعظيم والإجلال، ويفارق حمل الصندوق والخريطة، فإن ذلك تبع للمصحف، وهنا بخلافه:
السادسة: المصحف مكتوب لدراسة القرآن منه، فحكمه في المس والحمل ما ذكرنا. وفي لوح الصبيان وجهان:
أصحهما: هو الذي ذكره في الكتاب أنه في معنى المصحف؛ لأنه أثبت فيه القرآن للتعلم منه ولدراسته.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقصد لإثباته الدوام، بل هو كالمِسْوَدَّة التي تتخذ وسيلة، ولا يُعْتَنَى بها، وأما ما أثبت فيه شيئاً من القرآن لا للدراسة، كالدراهم الأحديةِ والعِمَامَةِ المُطَرَّزَةِ بآيات القرآن، والحيطان المَنْقُوشَةِ به وكتب الفقه والأصول والتفسير ففيه وجهان:
стр. 173
أحدهما: أنها كالمصحف في حرمة المس والحمل؛ تعظيماً للقرآن.
وأصحهما: أنه لا مانع، لما روي: "أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ كِتَاباً إِلَى هِرَقْلَ وَكَانَ فِيهِ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (١) ولم يأمر الحامل بالمحافظة على الطهارة، ولأن هذه الأشياء لا يقصد بإثبات القرآن فيها قراءته، فلا تجري عليها أحكام القرآن، ولهذا يجوز هَدْمُ الجِدَارِ المنقوش عليه، وأكل الطعام، وهذا الوجه هو المذكور في الكتاب (٢) وذهب بعض الأصحاب إلى تفصيل في الكتب.
فقال: إن كان القرآن أكثر حرم المس والحمل، وإلا فوجهان ذكروا ذلك في كتاب التفسير، ولا شك في أن غيره في معناه، ومنهم من قال: إن كتب القرآن بخط غليظ والتفسير بخط دقيق وميّز بينهما حَرُمَ الحمل، وإن كان الكل بخط واحد فوجهان:
السابعة: كل ما ذكرناه في العاقل البالغ، أما الصبي المميز هل يجب على الولي والمعلم منعه من مس المصحف وحمله إذا كان محدثاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن البالغ إنما يمنع منه تعظيماً للقرآن، والصبي أنقص حالاً منه، فأولى أن يمنع، وأصحهما لا، لأن تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم فيه المشقة، والوجهان جاريان في اللوح أيضاً وفيه تكلم في الكتاب، وهو بناء على أن اللوح حكمه حكم المصحف كما تقدم هذه مسائل الكتاب ونختمها بفروع:
الأول: كتابة القرآن على الشيء الموضوع بين يديه من غير مس ولا حمل جائز للمحدث في أصح الوجهين.
الثاني: لا يحرم مس التوراة والإنجيل وحملهما في أصبح الوجهين، وكذا حكم ما نسخ قراءته من القرآن.
الثالث: حديث رسول الله ﷺ ، لا يلحق بالقرآن فيما نحن فيه، لكن الأولى أن يكون على الوضوء إذا مسّه.
قال الغزالي:
стр. 174
الْبَابُ الرَّابعُ فِي الغُسْل
وَمُوجِبُهُ الحَيْضُ وَالنَّفَاس وَالمَوْتُ وَالوِلاَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ جَفَافٍ عَلَى الأَظْهرَ.
قال الرافعي: عندنا موجبات الغسل أربعة: يشتمل هذا الفصل على ثلاثة منها:
أحدها: الحيض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) ثم وجوبه بخروج الدم، أو بانقطاعه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بخروجه كما يجب الوضوء بخروج البول، والغسل بخروج المني.
وثانيها: بالانقطاع لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي" (٢) علق الاغتسال بإدبار الدم:
وثالثها: وهو الأظهر أن الخروج يوجب الغسل عند الانقطاع (٣) كما يقال: الوطء يوجب العدة عند الطلاق، والنكاح: يوجب الإرث عند الموت، وكذلك نقول في البول والمني خروجهما يوجب الغسل والوضوء عند الانقطاع، بل عند القيام إلى الصلاة، والنفاس كالحيض في الغسل، ومعظم الأحكام.
الثاني: الموت يوجب غسل التي على ما سيأتي في الجنائز، ولك أن تقول: إن الغسل إما أن يكون مفسراً بما سوى النية، وهو غسل الأعضاء، أو يكون مفسراً به مع النية، والأول ضعيف، فإن النية عندنا من جملة الغسل، ولولا ذلك لعد نجاسة جميع
стр. 175
البدن، ونجاسة موضع منه أشبه بالباقي من موجبات الغسل، وقد امتنع صاحب الكتاب، ومعظم الأئمة منه، فتعين الثاني، وحينئذ، إما أن يكون المعتبر مطلق النية، أو النية من صاحب الأعضاء المغسولة، فإن كان الثاني لم ينتظم عد الموت من موجبات الغسل، وكان إطلاق الغسل في الميت بمعنى آخر، وإن كان الأول فغسل الميت إنما يكون من هذه الجملة، إذا كانت النية معتبرة فيه من جهة الغاسل، ولنا في ذلك وجهان. سيأتي ذكرهما في باب الجنائز:
الثالث: الولادة فلو ولدت ولداً ولم تر بللاً ولا دماً، ففي وجوب الغسل عليها وجهان:
أحدهما: لا يجب لظاهر قوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (١) فإنه ينفي وجوب الغسل بغير الإنزال خالفنا في الأسباب المتفق عليها، فيتمسك به فيما عداها، وأظهرهما: الوجوب لأنه لا يخلو عن بلل وإن قل غالباً، فيقام الولد مقامه كالنوم يقام مقام الخروج لمقارنته إياه غالباً، ولأنه يجب الغسل بخروج الماء الذي يُخْلَقُ الولد منه، فبخروج الولد أولى ويجري الوجهان في إلقاء العلقة والمضغة.
قال الغزالي: وَالجَنَابَةُ، وَحُصُولُهَا بِالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ أَوْ بِإيلاجَ قَدْرِ الحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِ الحَشَفَةِ فِي أَيِّ فَرْج كانَ مِنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ أَوْ مَيِّتٍ (ح) أَوْ بَهِيمَةٍ (ح)، وَبِخُرُوجِ المَنِيِّ، وَخَوَاصُّ صِفَاتِهِ ثَلاَثَةٌ: رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَالتَّدَفَّق بِدَفَعَاتٍ، وَالتَّلَذُّذُ بِخُرُوجِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ لاسْتِكْثَارِ الوِقَاعِ وَجَبَ الغُسْلُ لِبَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ (ح م) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ خَرَجَ بَقِيَّتُهُ بَعْدَ الغُسْلِ حَصَلَتْ (م) الجَنَابَةُ إذَا بَقِيَتْ رَائِحَةُ الطَّلْعِ، وَلَوِ انْتَبَهَ وَلَمْ يَرَ إلاَّ الثَّخَانَةَ وَالبَيَاضَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَدْيًا فَلاَ يَلزَمُهُ الغُسْلُ، وَالمَرْأَةُ إذَا تَلَذَّذَتْ بِخُرُوجِ مَاء مِنْهَا لَزِمَهَا الغُسْلُ، وَكَذَا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ بَعْدَهُ فَإنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ مَائِهَا.
قال الرافعي: السبب الرابع: الجنابة ولها طريقان: إحدهما إلتقاء الختانين: قالت عائشة ﵂: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَد وَجَبَ الْغُسْلُ (٢) فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا"، وفسر الشافعي ﵁ التقاء الختانين فقال: المراد منه
стр. 176
تحاذيهما لا انضمامهما فإن التضام غير ممكن لأن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وهو مخرج الولد، والحيض، وموضع الختان في أعلاه وبينهما ثقبة البول، وشفرا المرأة يحيطان بها جميعاً، وإذا كان كذلك كان التضام متعذراً لما بينهما من الفاصل.
وهاهنا شبهة وهي أن يقال إن كان موضع ختان المرأة في حيز الداخل بحيث لا يصل إليه شيء من الحشفة فالقول بتعذر التضام واضح، لكن لو كان بحيث إذا أحاط الشفران بأول الحشفة لاقى (١) شيء من الحشفة ذلك الموضع كان التضام ممكناً، فلعل المراد من الخبر ذلك، والله أعلم.
ثم موضع الختان غير معتبر بعينه لا في الذكر ولا في المحل، أما في الذكر فمقطوع الحشفة إذا غيَّب مقدار الحشفة لزمه الغسل، فإنه في معنى (٢) الحشفة ومعلوم أن ما أسفل الحشفة ليس موضع ختان، ولكن تغييب قدر الحشفة معتبر فلو غيب البعض لم يجب الغسل، لأن التحاذي لا يحصل به غالباً، وحكى القاضي ابن كج أن تغييب بعض الحشفة كتغييب الكل، وروى وجه أن تغييب قدر الحشفة من (٣) مقطوع الحشفة لا يوجب الغسل (٤) وإنما الموجب تغييب جميع الباقي إذا كان مثل الحشفة، أو أكثر وأما في المحل فلأن المحل الذي هو موضع الختان قبل المرأة، كما يجب الغسل بالإيلاج فيه يجب الغسل بالإيلاج في غيره كالإتيان في غير المأتى، وهو الدبر (٥) يجب الغسل به على الفاعل، والمفعول، وكذا فرج البهيمة خلافاً لأبي حنيفة لنا أنه جماع في الفرج، فأشبه فرج الأدمي بل إيجاب الغسل هاهنا أولى لأنه أحق بالتغليظ، ولا فرق بين الإيلاج في فرج الميت، والإيلاج في فرج الحي، وخالف أبو حنيفة في فرج الميت وكذا قال: في الصغيرة التي لا تشتهي.
لنا أنه قد التقى الختانان فيجب الغسل، ثم كما يجب الغسل بالايلإج في فرج الميت، والبهيمة يجب على من غاب في فرجه فرجها ولا يجب إعادة غسل الميت بسبب الإيلاج فيه على أظهر القولين (٦) وإذا عرفت ما ذكرناه فانظر في لفظ الكتاب (٧)
واعلم أنه إنما عقب قوله: (بالتقاء الختانين) بقوله أو (إيلاج قدر الحشفة) في أي فرج
стр. 177
كان لما بينا أن إلتقاء الختانين غير معتبر (١) بعينه، والإيلاج في كل فرج في معناه، ولو اقتصر على قوله: "والجنابة وحصولها بإيلاج قدر الحشفة" في أي فرج كان حصل الغرض، ودخل فيه التقاء الختانين إلا أن التقاء الختانين هو الأصل الذي ورد فيه الخبر، فقدمه ثم بين أن كل جماع في معناه وفي قوله: "قدر الحشفة" إشارة إلى ما سبق أن المرعي مقدار الحشفة لا عينها: وليكن معلماً بالواو للخلاف الذي حكيناه، ثم قوله: "أو إيلاج قدر الحشفة" يتناول ظاهره ما إذا لف خرقة على ذكره وأولج، وكذلك التقاء الختانين، لأن المراد منه التحاذي، فهل هو كذلك أم لا تحصل الجنابة حينئذ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه تحصل الجنابة لما سبق من حديث عائشة ﵂، وروى أنها قالت قال: رسول الله ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (٢) والالتقاء ينتظم بهذه الصورة، ولا يخلو عن قضاء شهوة أيضاً.
والثاني: لا يحصل، لأن اللذة إنما تكمل عند ارتفاع الحجاب.
والثالث: أنه إن كانت الخرقة لينة حصلت الجنابة، وإلا فلا لأن اللينة لا تمنع [من] (٣) حصول اللذة بخلاف الخشنة، والخشنة هي التي تمنع وصول بلل الفرج للذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الآخر، واللينة ما لا تمنع (٤) وكل هذا فيما إذا جرى الإيلاج، وهما واضحا الحال أما إذا كان مشكلين وأولج (٥) أحدهما في فرج الآخر فلا جنابة، ولا حدث لجواز كونهما امرأتين أو رجلين وكذا لو أولج كل واحد منهما في فرج الآخر، وإن أولج كل واحد منهما في دبر الآخر، فلا جنابة أيضاً لجواز كونهما امرأتين، ولكن بالنزع يحدثان لأن خروج الخارج من السبيلين ينقض الوضوء (٦) وإن أولج أحدهما في دبر الآخر انتقض وضوء المولج في دبره لهذا المعنى، وإن أولج أحدهما في فرج الآخر وأولج الآخر في دبر الأول فلا جنابة أيضاً لاحتمال كونهما امرأتين، لكنهما على هذا التقدير يحدثان بالنزع لخروج الخارج من قبل أحدهما ودبر الثاني، وعلى غير هذا التقدير هما جنبان، فيحكم بثبوت أدنى المحدثين، ولو كان
стр. 178
الإشكال في الفاعل وحده، فلا جنابة أيضاً سواء أولج في فرج بهيمة أو امرأة لجواز كونه امرأة، وينتقض وضوء المرأة بالنزع، وإن أولج في دبر رجل فلا جنابة أيضاً لكن يحدثان، لأن بتقدير الذكورة هما جنبان، وبتقدير الأنوثة قد لمس الخنثى وخرج من دبر الرجل شيء وهما من نواقض الوضوء، فيثبت أدنى الحدثين، ولو كان الإشكال في المفعول وحده فالإيلاج في دبره كهو في دبر غيره، والإيلاج في فرجه لا يوجب جنابة ولا حدثاً لجواز كونه رجلاً، ولو أولج رجل في فرج مشكل، والمشكل في فرج امرأة، فالمشكل جنب، لأنه جامع أو جومع، والرجل والمرأة لا يجنبان لكن ينتقض وضوء المرأة بالنزع.
الطريق الثاني للجنابة خروج المني فهو موجب للغسل للإجماع ولقوله ﷺ : "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (١) ولا فرق بين أن يخرج [منيه] (٢) من الطريق المعتاد، أو من غيره مثل أن يخرج من ثقبة في الصلب، أو في الخصية كذلك ذكره صاحب التهذيب وغيره، وهو ظاهر ما ذكره في الكتاب، وقال في التتمة حكمه في الجنابة حكم النجاسة المعتادة، إذا خرجت من منفذ غير السبيلين فيعود فيه التفصيل، والخلاف المذكور، ويجوز أن يكون الصلب هاهنا بمثابة المعدة، ثم [قال] (٣) يخرج المني من الصلب ثم للمني خواص ثلاث:
أحداها: الرائحة الشبيهة برائحة العجين، والطلع ما دام رطباً فإذا جفت اشتبهت رائحته برائحة بياض البيض.
والثانية: التدفق بدفعات قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٤).
والثالثة: التلذذ بخروجه، واستعقابه فتور الذكر، وانكسار الشهوة، وله صفات أخر نحو الثخانة والبياض في مني الرجل، والرقة، والاصفرار في مني المرأة في حال اعتدال الطبع، لكن هذه الصفات ليست من خواصه بل الودي أيضاً أبيض ثخين كمني الرجل، والمذي رقيق كمني المرأة، لماذا عرفت هذا فنقول: ما ليس من خواصه لا ينفي عدمه كونه منياً ولا يقتضي وجوده كونه منياً ويوضح الطرقين بالمثال.
أما الأول: فلو زالت الثخانة والبياض لمرض وجب الغسل عند وجود شيء من خواصه، ولو خرج على لون الدم لاستكثار الوقاع وجب الغسل أيضاً اعتماداً على الصفات الخاصة به، وحكى وجه أنه لا يجب الغسل هاهنا لأن المني دم في الأصل فإذا خرج على لون الدم لم يقتض غسلاً كسائر الدماء.
وأما الثاني: فلو تنبه ولم ير إلا الثخانة، والبياض فلا غسل عليه، لأن الودي
стр. 179
يشارك المني في هاتين الصفتين فيحتمل أن يكون الخارج (ودياً)، فلا يجب الغسل بالشك بل يتخير بين أن يتوضأ ويغسل المحل الذي أصابه ذلك الخارج، وبين أن يغتسل، ولا يغسله على ما ذكرناه في فصل الترتيب هذا ظاهر المذهب، وقد حكينا وجهاً أنه يلزمه الغسل فلذلك أعلم. قوله: في الكتاب "فلا يلزمه الغسل" بالواو.
فإن قلنا بظاهر المذهب، وغلب على الظن أنه مني لأن الودي لا يليق بصاحب (١) الواقعة، أو لتذكر وقاع [قبله] (٢) تخيله: قال إمام الحرمين يجوز أن يقال: يستصحب يقين الطهارة، ويجوز أن يحمل الأمر على غالب الظن تخريجاً على غلبة الظن في النجاسة، والاحتمال الأول أوفق لكلام المعظم هذا حكم غير الخواص.
فأما خواص المني فلا يشترط اجتماعها بل الخاصة الواحدة كافية في معرفة أن الخارج مني، فلو خرج بغير دفق وشهوة لمرض أو لحمل شيء ثقيل وجب الغسل خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك لمالك وأحمد -رحمهما الله- فيما حكاه أصحابنا.
لنا أن الخارج مني لوجود خاصية الرائحة فيه فيوجب الغسل لقوله ﷺ : "إنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" (٣). [ولو اغتسل عن الإنزال ثم خرجت منه بقية وجب الغسل لوجود الرائحة] سواء خرجت بعد ما بال، أو قبله خلافاً لمالك حيث قال: في إحدى الروايتين لا غسل عليه في الحالتين وفي رواية أنه خرج قبل البول فهو من بقية المني الأول، فلا يجب الغسل ثانياً وإن خرج بعده فهو مني جديد فيلزمه الغسل، وخلافاً لأحمد حيث قال: إن خرج قبل البول وجب الغسل ثانياً، وإن خرج بعده فلا.
وحكى عن أبي حنيفة مثله وجعل ذلك بناء على المسألة الأولى وهي اعتبار التدفق والشهوة، لأن ما خرج قبل البول بقية ما خرج لشهوة، وما خرج بعد البول خرج بغير شهوة لنا ما سبق وقياس إحدى الحالتين على الأخرى، وقول من قال الخارج بعد البول (٤) مني جديد ممنوع بل هو بقية الأول بكل حال -والله أعلم-.
ولا فرق في خروج المني بين الرجال وبين النساء في حكم الغسل: روي أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ : "فقالت: إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" (٥).
وقوله في الأصل: "والمرأة إذا تلذذت بخروج ماء منها لزمها الغسل" يشعر بأن طريقة معرفة المني في حقها الشهوة والتلذذ لا غير.
стр. 180
وقد صرح به في الوسيط فقال: ولا يعرف في حقها إلا من الشهوة وكذلك ذكره إمام الحرمين لكن ما ذكره الأكثرون تصريحاً وتعريضاً التسوية بين مني الرجل والمرأة في طرد الخواص الثلاث.
وقد قال في التهذيب: أن مني المرأة إذا خرج بشهوة أو بغير شهوة وجب الغسل كمني الرجل، فإذا وجب الغسل مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على سائر الخواص ولو اغتسلت المرأة من الجماع، ثم خرج منها المني لزمها الغسل بشرطين:
أحدهما: أن تكون ذات شهوة دون الصغيرة التي لا شهوة لها.
والثاني: أن تقضي شهوتها بذلك الجماع لا كالنائمة والمكرهة.
وإنما وجب الغسل عند اجتماع هذين الشرطين، لأنه حينئذ يغلب على الظن اختلاط منيها بمنيه، وإذا خرج منها ذلك المختلط فقد خرج منها منيها.
أما في الصغيرة والمكرهة والنائمة إذا خرج المني بعد الغسل لم يلزم إعادة الغسل لأن الخارج مني الرجل، وخروج مني الغير من الإنسان لا يقتضي جنابته.
وصورة المسألة في الكتاب، وإن كانت مطلقة لكن في قوله: "فإنه لا ينفك عن مائها" ما يبين اشتراط ما ذكرنا: وحكى وجه آخر أنه لا يشترط إعادة الغسل بحال لأنه لا يتيقن خروج منيها، نعم الاحتياط الإعادة هذا تمام الكلام في طريقي الجنابة ولفظ الكتاب ظاهر في الحصر فيهما، وهو الصحيح وزاد بعض الأصحاب طريقاً آخر للجنابة، وهو استدخال المني قالوا: إذا استدخلت المرأة منيّاً لزمها الغسل كما يجب به العدة إذا كان الماء محترماً: وينسب هذا إلى أبي زيد المروزي وعلى هذا لا يفترق الحال بين القبل والدبر، والمذهب الأول لأن الاستدخال غير متناول بالنصوص الواردة في الباب، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
خاتمة قوله في أول الباب "وموجبه الحيض والنفاس" إلى آخره يقتضي حصر موجبات الغسل في الأربعة الذكورة لكن إلقاء المضغة، والعلقة موجب على الصحيح كما سبق، وهو لا يدخل في لفظ الولادة، فيكون خارجاً عما ذكره واختلفوا في شيئين آخرين:
أحدهما: غسل الميت [فإن منهم] من قال: في القديم يجب به الغسل على الغاسل وإليه ذهب أحمد لما روي: أنه ﷺ قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأُ" (١)، والجديد أنه ليس من موجبات الغسل، والحديث إن ثبت محمول على الاستحباب.