← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فتستثنى عن البياعات الصريحة، ويحكي هذا الوجه عن أبي إسحاق وابْنِ أَبِي هريرة. وأصحهما: عند القاضي أبي الطَّيِّب وابن الصَّبَّاغ والأكثرين: أنها غير جائزة؛ لأنا نفرع على أن القِسْمة بيع وبيع الرطب بالرطب لا يجوز، وعلى هذا فالمفروض طريقان: أحدهما: أخذ قيمة العشر من الثَّمَار المقطوعة، وهي إنْ كَانَتْ بدلاً لكن جوز بعضهم أخذها للحاجة على ما سبق نظيره فيما إذا وجب شقص من حيوان. والثاني: أين يسلم عشرها مشاعاً إلى السَّاعي لتعيين حق المساكين فيه، وطريق تسليم المشاع تسليم الكل، فإذا جرى ذلك فللساعي أن يبيع نصيب المساكين من رَبِّ المال أو غيره أو يبيع مع رب المال الجميع ويقتسما الثّمن، ولا خلاف في أن هذا الطَّرِيق جائز وهو متعين عند من لم يجوز القِسْمة وأخذ القيمة، وخيَّر بعض الأَصْحَاب السَّاعي بين القِسْمة وأخذ القيمة، وقال: كل منهما على خلاف القاعدة الممهّدة، ولا بد من مخالفتها في أحدهما بسبب الحاجة، فيفعل ما فيه الحظ للمساكين، هذا بيان الخلاف في المسألة، وقد اختلفوا بحسبه في تفسير نصه في "المختصر"، ويؤخذ منه ثمن عشرها أو عشرها مقطوعة، فمن جَوَّز القسمة وأخذ القيمة جَمِيعاً حمل اللَّفظ على ظاهر التّخيير، وقال: أراد بالثمن القيمة ومن لم يجوزهما قال: هذا تعليق قول بناء على أن القسمة إفراز أو بيع، فإن قلنا بالأول أخذ عشرها وإن قلنا بالثَّاني بيع الكُل على ما قَدَّمنا واقتسما الثّمن أو باع نَصِيبَ المَسَاكِين من رَبِّ المَال بعد القَبْض وأخذ الثمن. وقوله في الكتاب: "أو ثمنه إذا منعناه القسمة" أي إذا جعلناها بيعاً فإنها حينئذ تمتنع في الرّطب وهو جواب على جواز أخذ القيمة، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو للوجه الذَّاهِب إلى امتناعه، وإيراد "التهذيب" يقتضي ترجيح ذلك الوجه، وكان يجوز تأويل قوله: "أو ثمنه" على تقدير البيع كما ذكروا في نَصّ الشَّافعي ﵁ إلاَّ أنه صرح بما ذكرنا في "الوسيط". واعلم: أن ما ذكرناه من الخلاف والتَّقْسيم في إخراج الواجب يجري بعينه في إخراج الواجب، وعن الرطب الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يَتَزَبَّب، وفي المسألتين مستدرك حسن لإمام الحرمين ﵀ قال: إنما يثور الإشكال على قولنا: إن المسكين شريك في النصاب بقدر الزكاة، وحينئذ ينتظم التَّخْريج على القَوْلَين في القسم، فأما إذا لم نجعله شَرِيكاً، فليس تسليم جزء إلى الساعي قسمة حتى يأتي فيه قولاً القسمة بل هو تَوْفِيَةُ حق على مستحق (١).

стр. 1192

قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ وَالنَّظَرِ فِي قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ (أَمَّا القَدَرُ) فَنِصَابُ الوَرِقِ مَائَتَا دِرْهَمٍ، وَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَفِيهِمَا رُبْعُ العُشْرِ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، وَلاَ وَقْصَ (ح) فِيهِ. قال الرافعي: الكلام في هذا النوع في القدر الواجب فيه، ثم في جنسه. أما الأول فنصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذَّهَبِ عِشْرُون ديناراً، وفيهما رُبُعُ العُشْرِ، وهو خمسة دراهم ونصف دينار، ولا شيء فيما دون ذلك. روي عن أبى سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (١). والأوقية: أربعون درهماً؛ لما روي أنه ﷺ قال: "إذَا بَلَغَ مَالُ أَحَدِكُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ مَائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ" (٢) ويجب فيما زاد على المائتين والعشرين بالحساب قَلَّ أو كثرَ، ولا وَقْصَ فِيهِ، خِلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجب فيما زاد على المائتين شيء حتى يبلغ أربعين دِرْهماً، ولا فيما زاد على عِشْرين ديناراً حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها ربع العشر، ثم كذلك في كل أربعين درهماً أربعة دنانير. لنا: ما روي عن علي -كرم الله وجهه- أن النبي ﷺ قال: "هَاتُوا رُبْعَ العُشْرِ مِنَ الْوَرَقِ، وَلاَ شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ مَائَةَ دِرْهَمٍ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ" (٣). وروي مثله في الذَّهَبِ وفي النَّقْدَيْنِ جميعاً، لا فرق بين التّمْر والمَضْرُوب، والاعتبار بالوزن اِلذي كَانَ بَمكَّة: لما روي أنه ﷺ قال: "الْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أْهْلِ الْمَدِينَةِ" (٤) وذلك ظاهر في الدَّنَانِير، وقد ذكر الشَّيْخُ أبو حامد وغيره أن المِثْقَال لم يختلف في جَاهِلِيَّةٍ ولا إسلام، وأما الدراهم فلا شك أنها كانت

стр. 1193

مختلفة الأوزان، والذي استقر الأمر عليه في الإسلام أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق، كل عشرة منها سَبْعَةَ مَثَاقِيلٍ مِنْ ذَهَبٍ، وذكروا في سبب تقديرها بهذا الوزن أموراً. أشهرها: أن غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عَصْرِ الرسول الله ﷺ والصَّدْرِ الأول بعده نوعان البغلية والطبرية. والدرهم الواحد من البَغْلِيَّة ثمانية دوانيق، ومن الطَبَرِيَّة أربعة دوانيق فأخذوا واحداً من هذه وواحداً من هذه وقسموهما نصفين، وجعلوا كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهماً، يقال: فعل ذلك في زمان بني أمية، وأجمع أهل ذلك العصر على تقدير الدراهم الإسلامية بها، ونسب أقضى القضاء المَّاوَرْدِي ذلك إلى فِعلِ عمر بن الخطاب ﵁ قال: ومتى زدت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالاً، ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهماً، وكل عَشْرَة دراهم سَبْعَةُ مَثَاقِيلٍ. وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان، وحكى المسعودي أنه إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذَّهَبِ؛ لأن الذهب أوزن من الفِضَّة، وكأنهم جربوا قدراً من القصة، ومثله من الذهب فوزنوهما، وكان وزن الذَّهَبِ زائداً على وزن الفِضَّةِ بمثل ثلاثة أسباعها. وروى الشيخ أبو محمد قريباً من هذا عن كلام القَفَّالِ ﵀. وأما المواضع المستحقة للعلامات من الفصل فقوله: "وما زاد فبحسابه". وقوله: "ولا وقص فيه" مُعَلَّمَان بالحاء؛ لما حكيناه، ويجوز أن يعلم قوله: "عشرون مثقالاً"، وقوله: "مائتا درهم" بالميم والألف لأنهما يحتملان النقصان اليسير. قال الغزالي: وَإِنْ نَقَصَ مِنَ النِّصَابِ حَبَّةٌ فَلاَ زَكاةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يَرُوجُ (ح) رَوَاجَ التَّامِّ، وَيُعْتَبَرُ (ح) النِّصَابُ فِي جَمِيعِ الحَوْلِ، وَلاَ يُكْمَلُ (ح) نِصَابُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآخَرِ وَلَكِنْ يُكَمَّلُ جَيِّدُ النَّقْرَةِ بِرَديئهَا ثُمَّ يُخْرَجُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي الدَّرَاهِمِ المَغْشُوشَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْرُ نُقْرَتِهَا نِصَاباً، وَتَصِحُّ المُعَامَلَةُ مَعَ الجَهْلِ بِقَدْرِ النُّقْرَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كالغَالِيَة وَالمَعْجُونَاتِ. قال الرافعي: في الفصل صور: إحداها: لو نقص عن النِّصَاب شيء فلا زَكَاة وإن قَلَّ كالحبة والحبتين، ولا فرق بين أن يَرُوج رَوَاجَ التَّام، أو يفضل عليه وبين ألا يكون كذلك، وفضله على التام إنما يكون لجودة النوع، ورواجه رواج التام قد يكون للجودة، وقد يكون لندارة القدر الناقص وقوعه في محل المسامحة. وعن مالك: أنه إذا كان الناقص قدر ما يسامح به فيؤخذ بالتام يجب الزكاة. ويروى عنه: أنه إذا نقص حبة أو حبات في جميع الموازين فلا زَكَاة، وإن

стр. 1194

نقص في ميزان دون ميزان وجبت. وعن أحمد: أنه لو نقص دانق أو دانقان تجب الزَّكَاة. لنا قوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (١) وسائر الأخبار. وحكى في "العدة": وجهين فيما لو نقص في بعض الموازين وتَمَّ في بَعضٍ. أصحهما: أنه لا يجب، وهذا هو الذي أورده المُحَامِلِيُّ وقطع به إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بعد ما حكى عن الصيدلاني الوجوب. الثانية: يشترط ملك النصاب بتمامه في جميع الحول خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: "يشترط في أول الحول وآخره ولا يضر نقصان في خلال الحول" وطرد ذلك في المواشي وغيرها، ولم يشترط الإبقاء شيء في النصاب. لنا (٢) الخبر المشهور: "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (٣) والحادث بعد نقصان النِّصَابِ لَمْ يَحُلْ عليه الْحَوْلُ. الثالثة: لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، لأنهما جِنْسَان مُخْتَلِفَان؛ كما لا يكمل التمر بالزَّبِيب، وقال مالك وأبو حنيفة: يكمل نصاب أَحدهما بالآخر. وبه قال أَحْمَدُ في أصَحِّ الرَوايتين، ثم عنده وعند مالك الضَّمُ بالأجزاء، فيحسب كَمَّ الذهب من نصابه، وَكَمّ الفِضَّة من نِصَابها، فإذا بَلَغَا نِصاباً وجبت الزَّكَاة. وعند أبي حنيفة: الضم بالقيمة، وبأيهما كمل النصاب وجبت الزَّكاة، وبكمل الجَيِّدُ بِالرَّدِي من الجنس الواحد كأنواع الماشية. وأما الذي يخرج قال في الكتاب: "يخرج من كل واحد بقدره" وهذا إذا لم تكثر الأنواع وهو الغالب في الذهب والفضة، فإن كثرت وشق اعتبار الكل أخرج من الوسط، ذكره صاحب "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما. وليس المراد من الجيد والرديء الخالص والمغشوش، وإنَّمَا الْكَلام في مَحْضِ النقرة، وجودته ترجع إلى النعومة والصبر على الضرب، ونحوهما، والرداءة إلى الخشونة، والتَّفَتُّتْ عند الضرب. ولو أخرج الجيد عن الرديء فهو أفضل، وإن أخرج الرديء عن الجَيِّد فالمشهور المنع، وروى الإمام عن الصيدلاني الإجزاء، وَخَطَّأه فيه، ويجوز إخراج الصَّحيح عن المكسر، ولا يجوز عكسه، بل يجمع المستحقين ويصرف إليهم الدينار الصَّحيح، أو يسلِّمه إلى واحد بإذن الباقين، هذا هو المذهب المشهور في المذهب. وحكى أبو العباس الروباني في "المسائل الجرجانيات" عن بعض الأصحاب أنه يجوز أن يصرف إلى كل واحد منهم ما يخصه مُكَسَّراً. وعن بعضهم أنه يجوز ذلك، ولكن مع التفاوت

стр. 1195

بين المكسر والصحيح. وعن بعضهم أنه إن لم يكن في المعاملة فرق بين الصحيح والمكسر جاز أداء المكسر عن الصحيح. الرابعة: إذا كانت له دراهم، أو دنانير مَغْشُوشة فلا زكاة فيهما ما لم يبلغ قدر قيمتهما نصاباً، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: "إن كان العشر أقلّ وجبت فيها الزَّكاة". لنا قوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرَقِ صَدَقَةٌ" (١). فإذا بلغت نقرتها نصاباً أخرج قدر الواجب نقرة خَالِصَة، أو أخرج من الْمَغْشُوشِ ما يعلم أنه مشتمل على قدر الواجب، ولو أخرج عن ألف درهم مغشوشة خمسة وعشرين خالصة فى تطوع بالفضل، ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة مغشوشة لم يجز، خلافاً لأبي حنيفة. لنا: القياس على ما لو أخرج مريضة عن الصِّحاح وبل أولى؛ لأن الغش ليس بورق، والمريضة إبل، وإذا لم يجزه فهل له الاسترجاع، حكوا عن ابن سريج فيما فرع على "الجامع الكبير" لمحمد فيه قولين: أحدهما: لا؛ كما لو أعتق رقبة معيبة يكون متطوعاً بها. وأصحهما: نعم؛ كما لو عَجَّل بالزكاة فتلف ماله. قال ابن الصَّباغ: وهذا إذا كان قد بين عند الدفع أنه يخرج عن هذا المال، ثم ذكر الشَّافعي ﵁ في هذا الموضع كراهة الدرهم المغشوش، فقال الأصحاب في شروحهم: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة (٢)؛ لئلا يغش بها بعض النَّاس بعضاً، ويكره للرَّعِيَّة ضَرْب الدراهم وإن كانت خالصة، فإنه من شأن الإمام، ثم الدراهم المغشوشة إن كانت مضبوطة العيار صَحَّت المعاملة (٣) بها إشارة إلى عينها الحاضرة والتزاماً لمقدارِ منها في الذِّمة، وإن كان مقدار النّقرة منها مَجْهُولاً ففي جواز المُعَامَلة بأعيانها وجهان: أصحهما الجواز: لأن المقصود رَوَاجُهَا وهي رائجة بمكان السِّكة، ولأن بيع الغالية والمعجونات جائز، وإن كانت مختلفة المقدار فكذلك هاهنا. والثاني: المنع، وبه أجاب القفال؛ لأنها مقصودة باعتبار ما فيها من النقرة وهي مجهولة القدر، والإشارة إليها لا تفيد الإحاطة بقدر النقرة فأشبه بيع تراب المعدن وتراب الصاغة، فإن قلنا بالأول فلو باع بدراهم مطلقاً ونقد البلد مغشوش صَحَّ العقد ووجب من ذلك النَّقْد، وإن قلنا: بالثاني لم يَصِحّ العقُدُ، ومواضع العلامات من الفَصْل بَيِّنَةٌ.

стр. 1196

قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ مَخْلُوطٌ بِالفَضَّةِ قَدْرُ أَحَدِهِمَا سِتِّمَائَةٍ وَقَدْرُ الآخَرِ أَرْبَعْمَائَةٍ، وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ وَعَسُرَ التَّمْييزُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ سِتَّمَائَةٍ ذَهَباً وَستِّمَائَةٍ نُقْرَةً لِيَخْرُجَ مِمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ. قال الرافعي: لو كان له ذهب مخلوط بفضَّة فإن عرف قدر كل واحد منهما أخرج زكاته، وإن لم يعرف كما لو كان وزن المجمَوع ألفاً وإحداهما ستمائة والآخر أربعمائة وأشكل عليه أن أكثر الذَّهب، أو الفِضَّة فإن أخذ الاحتياط فأخرج زكاة ستمائة من الذَّهَب وستمائة من الفضة فقد خرج عن العُهْدَة بيقين، ولا يكفيه في الاحتياط أن يقدِّر الأكثر ذهباً، فإن الذهب لا يُجْزِئ عن الفِضَّة وإن كان خيراً منها، وإن لم يطب نفساً بالاحتياط فليميز بينهما بِالنَّار (١). قال الأئمة: ويقوم مقامه الامتحان بالماء بأن يوضع قدر المخلوط من الذَّهب الخالص في ماء ويعلَّم على الموضع الذي يرتفع إليه الماء، ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة ويعلَّم على موضع الارتفاع أيضاً، وتكون هذه العلامة فوق الأولى؛ لأن أجزاء الذهب أشد اكتنازاً ثم يوضع فيه المخلوط وينظر إلى ارتفاع الماء به أهو إلى علامة الذَّهَب أقرب، أو إلى علامة الفِضّة، ولو غلب على ظَنِّه أن أكثر الذَّهب، أو الفضة فهل له العمل بمقتضاه؟ قال الشيخ أَبُو حَامِدٍ ومن تابعه: إن كان يخرج الزَّكاة بنفسه فله ذلك، وإن كان يسلم إلى الساعي لا يعمل بظنه بل يأخذ بالاحتياط أو يأمر بالتمييز. وقال الإمام: الذي قطَع به أَئمتنا أنه لا يجوز اعتماد الظَّنِّ فيه، ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من التقديرين وإخراج الواجب على ذلك التقدير؛ لأن اشتغال ذمَّتَه بغير ذلك غير معلوم. وصاحب الكتاب حكى هذا الاحتمال وجهاً في "الوسيط". إذا عرفت ذلك علمت قوله في الكتاب: " (فعليه زكاة ستمائة ذهباً وستمائة نقرة) بالواو"، لهذا الوجه، ولأن على ما ذكره العراقيون قد يجوز الأخذ بِالظَّنِّ فلا يلزم إخراج ستمائة من هذا أو ستمائة من ذلك ثم قوله: "وعسر التمييز فعليه كذا" ليس هذا

стр. 1197

على الإطلاق إذ قد يعسر التمييز ويمكن الامتحان بالماء ومعرفة المقدارين فلا يجب ستمائة من هذا وستمائة من ذاك، وعسر التمييز بأن يفقدا الآت السَّبْك، أو يحتاج فيه إلى زمان صالح، فإن الزكاة واجبة على الفور، ولا يجوز تأخيرها مع وجود المُسْتَحِقّينَ، ذكر ذلك في "النهاية"، ولا يبعد أن يجعل السبك أو ما في معناه من شروط الإمكان. قال الغزالي: وَلَوْ مَلَكَ مَائَةً نَقْداً وَمَائَةً مُؤَجَّلاً عَلَى مَلِيِّ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ زَكَاةِ المُؤَجَّلِ وَجَبَ إِخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ المَيْسُورَ لاَ يَتَأخَّرُ بِالْمَعْسُورِ. قال الرافعي: لو ملك مائة درهم نقد في يده ومائة مؤجلة على مَلِيِّء فكيف يُزَكِّي؟ يبني ذلك على أن الدِّيْن المُؤَجَّل هل تَجِب فيه الزَّكَاة أم لا؟ والصحيح الوُجُوب، وعلى هذا فهل يجب الإخراج في الحال أولاً يجب إلا بعد الاستيفاء؟ فيه وجهان والصحيح الثاني، وقد شرحنا الخلاَفين من قبل، فإن قلنا: لا زكاة في الدَّيْنِ المُؤَجَّل فَلاَ شَيْءٍ عَلَيْهِ في المَسْأَلَةِ، وإن إوجبنا إخراج زَكَاته في الحال فهو كما لو كان في يده جميع المائتين، وإن أوجبنا فيه الزّكاة ولم نوجب أخراجها في الحال وهو المراد من قوله في الكتاب: (ولم نوجب عليه تعجيل الزكاة عن المؤجل)، فهل يَلْزَمَه الإِخْرَاجُ عَمَّا في يَدِه بِالْقِسْطِ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن ما في يَدِهِ نَاقِصٌ عنْ النِّصَابِ، فإذا لم يجب إخْرَاجُ زكاة جميع النِّصَاب لا يجب إخراج شيء. وأصحهما: نعم؛ لأن الميسور لا يتأخر بالمعسور، وبنوا الوجهين على أن الإمكان شرط الوجوب أو شرط الضمان؟ إن قلنا بالأول: فلا يلزمه إخراج شيء في الحال؛ لأنه رُبَّمَا لا يصل إليه الباقي، وبهذا القول أجاب في "المختصر" في هذا الفرع، وإن قلنا بالثاني: أخرج عن الحاضر بالقسط؛ لأن هلاك الباقي لا يسقط زكاة الحاصل في يده ومتى كان في يده بعض النِّصاب، وما يتم به النصاب مغصوب أو دين على غيره، ولم نوجب فيهما الزكاة، فإنما يَبْتَدِيءُ الحَوْلَ من يوم قبض ما يتم به النِّصَاب. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي جِنْسِهِ، وَلاَ زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ نَفَائِسِ الأمْوَالِ إلاَّ فِي النَّقْدَينِ، وَهُوَ مَنُوطٌ بجَوْهَرِهِمَا عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي الثَّانِي مَنُوطٌ بِالاسْتِغْنَاءِ عَنْ الانْتِفَاعِ بِهِمَا حَتَّى لَوْ اتَّخِذَ مِنْهُ حُلِيٌّ عَلَى قَصْدِ اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَصْدِ اسْتِعمَالٍ مَحْظُورٍ كَمَا لَوْ قَصَدَ الرَّجُلُ بِالسِّوَارِ أَوِ الخُلْخَالِ أَنْ يَلْبَسَهُ أَوْ قَصَدَتِ المَرْأَةُ ذَلِكَ فِي الْمِنطَقَةِ وَالسَّيْفِ لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ، لِأَنَّ المَحْظُورَ شَرْعاً كَالمَعْدُومِ حِسًّا،

стр. 1198

بَلْ لاَ يَسْقُطُ إِذَا قَصَدَ أَنْ يَكْنِزَهُمَا حُلِيًّا لِأنَّ الاسْتِعْمَال المُحْتَاجَ إِلَيْهِ لَمْ يَقْصِدْهُ. قال الرافعي: لا زكاة فيما سوى النقدين من الجواهر النفيسة، كاللؤلؤ، والياقوت ونحوهما، ولا في المسك والعنبر، روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لاَ شَيْءَ فِي الْعَنْبَرِ" (١). وعن عائشة ﵂: أنه: "لاَ زَكَاةَ فِي اللُّؤلُؤِ" (٢). وبما تناط زكاة النقدين أتناط بجوهرهما؟ أم بالاستغناء عن الانتفاع بهما؟ فيه قولان: في قول: يناط بجوهرهما كالربا في قول بالاستغناء عن الانتفاع بهما؛ إذ لا يتعلق بذاتهما غرض، وبقاؤهما في يده يدل على أنه غَنِيّ عن التوسل بهما، ويبنى على العبارتين وجوب الزَّكَاة في الحُلِيّ (٣) المباح: فعلى الأولى تجب. وبه قال عمر وابن عباس وابن مسعود ﵃ (٤) وهو مذهب أبي حنيفة ﵀؛ لما روي: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أتَتَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَفي أيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ، قالَتَا: لاَ فَقَالَ ﷺ أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللهُ بِسِوَارَينِ مِنْ نَارٍ، قَالَتَا: لا، قال: فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ" (٥). وعلى العبارة الثانية لا تجب الزكاة فيه. وبه قال ابن عمر، وجابر وعائشة (٦) ﵃ وهو مذهب مالك وأحمد؛ لما روي: أنه ﷺ قال: "لاَ زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ" (٧)؛ ولأنه مُعَدٌّ لاستعمال مباح كالعوامل من البقر والإبل، وهذا أظهر القولين.

стр. 1199

ولك أن تعلم لما ذكرنا قوله: (منوط بجوهرهما) بالألف والميم، وقوله: (منوط بالاستغناء عن الانتفاع بهما) بالحاء، والقولان في الحلي المباح. أما المحظور فتجب فيه الزَّكاة بالإجماع، وهو على نوعين: محظور لعينه، كالأواني والقصاع، والملاعق، والمجامر الذَّهبية، والفِضِّية. ومحظور باعتبار القصد، كما لو قصد الرجل بحلى النساء الذي اتخذه أو ورثه، أو اشتراه كالسوار والخلخال أن يلبسه، أو يلبسه غلمانه، أو قصدت امرأة بِحُلِيِّ الرِّجَالِ كالسيف، والمنطقة أن تلبسه أو تلبسه جواريها، أو غيرهن من النساء (١)، وكذا لو أَعَدَّ الرجل حُلِيَّ الرِّجَالِ لِنِسَائِهِ وجَوَاريه، أو أعدَّت المرأة حلى النساء لِزَوْجهَا وِغِلْمَانِهَا، فكل ذلك مَحْظُورٌ، وعلَّلَ في الكتاب وجوب الزَّكاة في الْحُلِيّ المحظور، بأن المحظور شرعاً كالمعدوم حِسًّا، ولم يرد به إلحاق المحظور بالمعدوم على الإطلاق، لكن المراد أن الحكم المخصوص بضرب من التخفيف، وإطلاق التَّصَرُّف إذا شرطت فيه منفعة، فيشترط كونها مباحة، وإلا فهي كالمعدومة، وهذا كما أنه يشترط في البيع كَوْنُ المَبِيعِ منتفعاً به، فلو كانت فيه منفعة محظورة كما في آلات الملاهي، كان كما لو لم يكن فيه منفعة، ثم التعليل المذكور في المحظور لعينه أظهر منه في المحظور، باعتبار القصد؛ لأن الصَّنْعَةَ في المحظور لعينة لا حرمة لها إذا منعنا اتخاذه فأمَّا المحظور باعتبار القصد لتحريم فيه يرجع إلى الفعل والاستعمال لا إلى نفس الحُلِيّ، والصَّنْعَةُ محترمة غير مكسرة، وإن فسد القصد فَهَلاَّ كان ذلك بمثابة ما لو قصد بالعروض التي عنده استعمالها في وجوه محترمة لا تجب الزَّكَاةُ. قال الإمام- قدَّسَ الله رُوحَه- في دفع هذا الإشكال الزكاة: تجب في عين النقد، وعينه لا تنقلب باتخاذ الحلي منه، فلا يلتحق بالعروض إلا بقصدٍ ينضم إليه، وهذا كما أن العروض لما لم تكن مال الزكاة في أعيانها، لا تصير مال الزكاة إلا بقصد ينضم إلى الشراء وهو قصد التِّجارة، وإذا لم تسقط الزكاة بمحض الصنعة واحتيج إلى قصد

стр. 1200

الاستعمال فمتى قصد مُحَرَّماً لغى ولم يؤثر في الإسقاط وإن اتخذ حُلِيّاً، ولم يقصد به استعمالاً مباحاً ولا محذوراً ولكن قصد جعله كنْزاً فالذي ذكره في الكتاب، وأورده الجمهور: أنه لا تسقط الزكاة قولاً واحداً؛ لأنه لم يَصِرْ مُحْتَاجاً إليه، ولا استعماله، بل المكنوز مستغنى عنه، كالدراهم المضروبة، وحكى الإمام فيه خلافاً لقصد الإمساك، وإبطال هيئة الإخراج. وهل يجوز اتخاذ حُلِيّ الذَّهَب للذكور من الأطفال؟ فيه وجهان: ويجئ فيه الوجه الثَّالِثُ الذي ذكرناه في إلباسهم الحرير (١). قال الغزالي: وَلَوْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ قَصْدٌ أَصْلاً فَفِي السُّقُوطِ وَجْهَانِ: يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى حُصُول الصِّيَاغَةِ، وَفِي الثَّانِي: إلَى عَدَمِ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ قَصَدَ إجَارَتَهمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَالقَصْدُ الطَّارِئ بَعْدَ الصِّيَاغةِ فِي هَذِهِ الأُمُورِ كَالقَصْدِ المُقَارِنِ. قال الرافعي: في الفصل ثلاث صور، تتفرع على أن الزَّكَاة لا تجب في الْحُلِي: إحداهما: لو اتخذ حليّاً مباحاً في عينه ولم يقصد أن يكنزه ولا قصد به استعمالاً مباحاً، ولا محظور فهل تسقط عنه الزكاة؟ فيه وجهان: أحداهما: لا؛ لأن وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنُوطٌ باسم الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، ولا ينصرف إلا بقصد الاستعمال، ولم يوجد. والثاني: نعم؛ لأن الزَّكاة تجب في مَالٍ نَامٍ، والنقد غَيْرُ نَامٍ بنَفْسِهِ إنما يَلْتَحِقُ بالنَّامِيات؛ لكونه مُتَهَيِّئاً للإخراج، وبالصياغة بَطُلَ التَّهَيُّوء. قال: في "العدة": وهذا الثَّانِي ظاهر المذهب. وقوله في الكتاب: (ينظر في أحدهما إلى حصول الصياغة) يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا قصد أن يكنزه، وإن لم يذكره؛ لأنه جعل عِلَّة السُّقُوطِ حصولُ الصِّيَاغة وهي موجودة في تلك الصورة، ويجوز أن يكون افتراق الصورتين في الأظهر باعتبار أن نية الكنز صارفة لهيأة الصياغة عن [استعماله] (٢) ولم يوجد هاهنا نيةٌ صَارِفَةٌ، والظَّاهِرُ كَوْنُ الصِّيَاغَةِ للاسْتِعْمَال وإفْضَاؤُهَا إليه. الثانية: لو اتَّخَذَ الحُلَيَّ ليؤاجره ممن له استعماله، ففيه وجهان: أحدهما: لا تسقط عنه الزَّكاة؛ لأنه معد للنماء، فأشبه ما لو اشترى حُلِيًّا ليَتَّجِرَ فيه. وأصحهما: أنه تسقط كما لو اتخذه ليعيره، ولا اعتبار بالأجرة كأجرة العوامل من

стр. 1201

الْمَاشية. وذكر في "الشامل": أن الوجه الأول قول أحمد، والثَّاني: قول مالك. الثالثة: حكم القصد الطارئ في جميع ما ذكرنا بعد الصِّياغة حكم المقارن (١). بيانه لو اتخذه على قصد استعمال محظور، ثم غير قصده إلى مباح بَطَل الحول، فلو عَادَ إلى القصد الفاسد ابتدأ حول الزَّكاة، ولو اتخذه على قصد الاستعمال، ثم قصد أن يكنزه جرى في الحول، وعلى هذا قِسْ نظائره. قال الغزالي: وَلَوِ انْكَسَرَ الحُلِيُّ وَاحْتَاجَ إِلَى الإِصْلاَحَ لَمْ يَجْرِ فِي الْحَوْلِ لِأَنَّهُ حُلِيٌّ بَعْدُ. وَقِيلَ: يَجْرِي لِتَعَذُّرِ الاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ المَالِكِ لِلْإِصْلاحَ أَوْ عَدَمِهِ. قال الرافعي: مما يتفرع على نَفْي الزَّكَاة في الحلى القول في انكساره. وله ثلاثة أحوال: إحداهما: أن ينكسر بحيث لا يمنع الاستعمال، وهذا لا تأثير له. والثَّانِية: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، ويحوج إلى سَبْكِ وَصَوْغ جديد، فَتَجِبُ فيه الزَّكَاةُ؛ لخروجه عن صلاحية الاستعمال، ويبتدئ الحول من يوم الانكسار. والثالثة: وهي المذكورة في الكتاب: أن ينكسر بحيث يمنع الاستعمال، لكن لا يحوج إلى صَوْغ جديد، بل يقبل الإصْلاَح باللِّحَام، فإن قصد جعله تِبْراً، أو دراهم، أو قصد أن يكنزه انعقد الحول عليه من يوم الانكسار، وإن قصد إصلاحه فوجهان: أظهرهما: أنه لا زكاة وإن تمادت عليه أحوال؛ لدوام صورة الحُلِيّ وقصد الإصلاح. والثاني: يجب؛ لتعذر الاستعمال، وإن لم يقصد لا هذا ولا ذاك ففيه خلاف. منهم من يجعله وجهين ويقول بترتيبهما على الوجهين، فيما إذا قصدا الإصلاح، وهذه الصورة أولى بأن تجري في الحول، ومنهم من يجعله قولين: أحدهما: أنه تَجِبُ الزَّكَاةِ، لأنه غير مستعمل في الْحَال، ولا مُعَدٍّ له، وأظهرهما: المنع؛ لأن الظَّاهِرَ استمراره على ما سبق من قصد الاستعمال، وذكر

стр. 1202

في "البيان" أن هذا هو الجديد، والأول القديم، فإذا جمعت بيت الصورتين قلت: في المسألة ثلاثة أوجه كما ذكر في الكتاب: ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يقصد الإصلاح، وبين ألا يَقْصِد شَيْئاً. وموضع الخلاف عند الجمهور ما إذا لم يقصد جعله تِبْرا، أو دراهم، وإن كان لفظ الكتاب مطلقاً. قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: مَا الانْتِفَاع المُحَرَّم فِي عَيْنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ﴿قُلْنَا﴾: أَمَّا المُذَهَّبُ فَأصْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَعَلَى التَّحْلِيلِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَلاَ يُحِلُّهُ لِلْرِّجَالِ إِلاَّ تَمْوِيهٌ لاَ يَحْصُلُ مِنْهُ الذَّهَبُ أَوِ اتِّخَاذُ أنْفٍ لِمَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ. قال الرافعي: جرت عادة الأصحاب بالبحث عما يحل وَيحْرُم من التَحَلِّي بالتبرين؛ ليعلم موضع القطع بوجوب الزَّكَاةَ، وموضع القولين: فأما الذَّهَبَ فَأَصْلُه على التَّحرِيم فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وعلى التحليل في حق النِّساء؛ لما روى أنه ﷺ قال في الذَّهَب والحرير: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِهِمْ" (١) واستثنى في الكتاب عن التَّحرِيم نوعين: أحدهما: التَّمْوِيه الذي يحصل منه شَيْءٌ" وفي جوازه في الخاتم والسيف وغيرهما وَجْهَان سَبَقَ في "الأوَانِي" ذِكْرُهُمَا، وبالتَّحْرِيم أَجَابَ الْعِرَاقِيُّونَ هاهنا، وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: (إلا تمويه) ينبغي أن يُعَلَّمَ بالواو. والثاني: يجوز لمن جُدِعَ أَنْفُهُ اتخاذ أَنْفٍ من ذَهَبٍ وإن أمكن اتخاذه من الفضَّة؛ لأن الذَّهَب لا يَصْدَأ (٢). وقد روى أنَّ رَجُلِاً قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ، فَاتَّخَذَ أَنْفَاً مِنْ فِضَّةٍ فَأنْتِنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنْ يَتَّخِذَ أنْفاً مِنْ ذَهَبٍ" (٣) وفي معنى الأنف السِّن والأنملة، فيجوز

стр. 1203

اتخاذهما من الذَّهَبِ، وكل ما جاز من الذَّهَبِ فهو من القصة أجوز ولا يجوز لمن قطعت يده، أو أُصبعه أن يتخذهما من ذهَبٍ، أوَ فِضَّةٍ؛ لأنها لا تعمل، بخلاف الأنملة يمكن تحريكها، وهل يجوز لِلرَّجُلِ أن يَتَّخِذَ لخاتمه سِنَّا أو أسناناً من الذَّهَبِ. قال الأكثرون: لا، وهو الذي أورده في "التهذيب" ونظم الكتاب يوافقه، فإنه لم يستتن من التَّحْريم إلا التَّمْويه واتخاذ الأنف. وقال الإمام: لا يبعد تشبيه القليل منه بالضَّبَّةِ الصغيرة في الأواني، وبتطريف الثَّوب بالحرير. وللأكثرين أن يقولوا: الخاتم ألزم للشَّخْصِ من الإناء واستعماله أدوم، فجاز الفرق بين أسنانه وبين الضَّبَّة، وأما التَّطْرِيفَ بالحرير فأما الحرير أَهْوَن؛ لأن الخُيَلاَء فيه أدنى. واعلم أن كل حلي يحرم لبسه على الرجال يحرم لبسه على الخنثى؛ لجواز كونه رَجُلاً، وهَلْ عليه زَكَاتُه الأظهر: أَنَّها تجب؛ لكونه حراماً. وبه أجاب أبو العَبَّاس الرّوَيانِي في "المسائل الجرجانيات" وقيل: هو على القولين في الْحُلِي المباح، وأشار في "التتمة" إلى أن له لبس حلى الرجال والنساء جميعاً؛ لأنه كان له لبسهما في الصِّغر، فيستصحب إلى زوال الإشْكَال. قال الغزالي: وَأَمَّا الفضَّةُ فَحَلاَلٌ لِلنِّسَاءِ، وَلاَ يَحِلُّ لِلرِّجَالِ إلاَّ التَخَتُّمُ بِهِ، وَتَحْلِيَةُ آلاَتِ الحَرْبِ كَالسيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ، وَفِي السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجْهَانِ، وَيَحْرُمُ علَى المَرْأَةِ آلاتُ الحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ. قال الرافعي: يجوز للرجل التختم بالفِضَّة؛ لما روي: أنه ﷺ : "اتَّخَذَ خَاتَماً مِنْ الفِضَّةِ" (١) وهل له لبس ما سوى الخاتم من حلي القصة كالسوار والدملج والطرق؟ لفظ الكتاب يقتضي المنع حيث قال: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) وبه قال الجمهور. وقال أبو سعيد المتولي: إذا جَازَ التختم بالفِضَّة فلا فرق بين الأصابع وسائر الأعضاء كَحُلِيِّ الذَّهَب في حَقِّ النِّسَاءِ، فيجوز له لبس الدملج في العضد، والطرق، في العنق، والسّوار في اليد وغيرها، وبهذا أجاب المصنف في "الفتاوى" وقال: "لم يثبت في الفضة إلا تحريم الأواني وتحريم التَّحَلِّي على وجه، يَتَضَمَّن التشبه بالنساء"، فأعلم لهذا قوله: (ولا يحل للرجل إلا التختم به) ويجوز للرجل تحلية آلات الحرب بالفضة، كالسيف، والرمح، وأطر اف السهام، والدرع والمنطقة، والرانين، والخف وغيرها؛ لأنه

стр. 1204

يغيط الكفار، وقد ثبت: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ رسول الله ﷺ : "كَانَتْ مِنْ الْفِضَّةِ" (١). وفي تحلية السرج واللجام والثغر وَجْهان: أحدهما: وبه قال ابن سَلَمَةَ: يجوز كالسيف، والمنطقة. وأصحهما: المنع كالأاني بِخِلاَفِ آلاَتِ الْحَرْبِ الْمَلْبُوسَة، ويروى هذا عن نَصِّه في رواية البويطي، والربيع، وموسى بن أبي الجارود، وأجرى هذا الخلاف في الركاب، وفي برة الناقة من الفِضَّة. ورأيت كثيراً من الأئمة قَطَعُوا في تَصَانيفهم بتحريم القلادة للدَّابة، ولا يجوز تحلية شيء مما ذكرنا بالذَّهَبِ؛ لعموم المنع فيه. ويحرم على النِّسَاءِ تَحْلِيَةُ آلات الحرب بالذَّهَب وَالفِضَّة جميعاً؛ في استعمالِهِنَّ لها تَشَبهاً بِالرِّجَالِ، وليس لهن التَّشَبُّه بالرِّجَال، وهكَذا ذَكَرَه الجَمْهُورُ، واعترض عليه صاحب "المعتمد" بأن آلات الحرب من غير أن تكون محلاة، إما أن يجوز للنساء لبسها واستعمالها، أو لا يجوز. والثاني: باطل؛ لأن كونه من ملابس الرجال [إنما] يقتضي الكراهية [دون التحريم]. ألا ترى أنه قال في الأم: "ولا أكره للرَّجُلِ لبس اللؤلؤ إِلاَّ للأدب، وأنه من زِيِّ النِّسَاء، لا للتحريم" فلم يحرِّم زِيّ النساء على الرجال، وإنما كرهه، فكذلك حكم العكس، وقد ذكرت نحواً من هذا في "صَلاَة الْعِيد" وأيضاً فإن الحراب جائز للنِّسَاء في الجملة، وفي تجويز الحراب تجويز استعمال آلات الحرب، وإذا ثَبَت جواز استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فيجوز استعمالها وهي محلاة؛ لأن التَّحَلِّي لَهُنَّ أجوز مِنْهُ لِلرِّجَال، وهذا هو الحق -إن شاء الله تعالى (٢) -، وبتقدير ألا يجوز لَهُنَّ استعمالها وهي غير مُحَلاَّة، فلا يكون التَّحْرِيم ناشئاً من التَّحْلِيَة، فلا يحسن تعليقه بِهَا. ويجوز للنِّسَاء لبس أنواع الحُلِيّ من الذَّهَبِ، والفِضَّة، كالقُرْط، والطَّوْقِ، والخاتم، والخُلْخَال، والسّوَار، والتعاويذ، وفي اتخاذهم النِّعال من الذَّهَبِ والفضة وجهان: أحدهما -ويحكى عن الماوردي-: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الإسراف.

стр. 1205

وأصحهما -ويحكى عن القاضي حسين-: أنه يجوز كسائر الملبوسات، وأما التَّاج فقد ذكروا أنه إن جرت عادة النِّسَاء يلبسه كانَ مُبَاحاً، إلا فَهُو مما يلبسه عُظَمَاءُ الْفُرْس فَيَحْرُمُ، وكان هذا إشارة إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف النَّواحي فَحَيْثُ جرت عادة النساء بلبسه جاز لبسه، وحيث لم تَجْرِ، لا يجوز تَحَرُّزاً عن التَّشَبُّهِ بالرِّجَالِ، وفي الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل في القلادة وجهان حَكَاهما القاضي الرّوَيانِي: أظهرهما: المنع؛ لأنها لم تخرج بالصَّوْغِ عن النَّقْدِية، وفي لبس الثياب المنسوجة بالذَّهَبِ والفِضَّة وجهان: أصحهما: الجواز، وذكر ابن عَبْدَان أنه ليس لهن اتخاذ زر القميص، والجبة، والفرجية منهما، ولعَلَّ هذا جواب على الوجه الثاني. وكل حلي أبيح للنساء فذلك إذا لم يكن فيه سرف، فإن كان كخلخال وزنه مائتا [دينار] (١) ففيه وجهان: الذي ذكره معظم العراقيين المنع، وأوجبوا فيه الزكاة قولاً واحداً، وفي معناه إسراف الرجل في تَحْلِيَة آلات الحرب ولو اتخذ الرجل خواتيم كثيرة، أو المرأة خَلاَخِلَ كثيرة ليلبس الواحد منهما بعد الواحد فلا يمتنع، وليس كالواحد الثَّقِيل، وطرد ابْنُ عَبْدَان فيه الوجهين، وهذا كُلّه فيما يُتَحَلَّى بِهِ لِبْساً. قال الغزالي: فَأمَّا فِي غَيْرِ التَّحَلِّي فَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ اتِّخَاذَ الأَوَاني مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِي المُكْحُلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ، وَفِي تَحْلِيَةِ السِّكِّينِ لِلْمِهْنَةِ بِالْفِضَّةِ إِلْحَاقاً لَهَا بِآلاَتِ الحَرْبِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: استعمال أواني الذَّهَبِ والفِضَّة حرام على الرِّجَال والنِّسَاء كما بَيَّنَّا في "كتاب الطَّهَارَةِ" وفي اتخاذها خلاف، وجواب الكتاب هاهنا وفي الطهارة التحريم، ويجوز إعلام قوله: "اتخاذ الأواني" بالواو؛ للخلاف الذي شرحناه في الطهارة [ومثله] (٢) المكحلة، وقد ذكرها مَرَّة هناك، ونقل الإمام التَّردد فيها عن صاحب "التقريب"، وقيد بما إذا كانت من فِضَّة، وفيه كلام ذكرناه في شرحها ثم. الثانية: في تحلية سكاكين المهنة، وسكاكين المقلمة بالفِضَّة، وجهان: أحدهما: الجواز إلحاقاً لَهَا بآلات الحرب. وأصَحُّهُمَا: المنع؛ لأنها لاَ تُرَاد لِلْحَرْب. قال الإمام: وهذا الخلاف في استعمالها للرجال، ويثور منه اختلافٌ في حق النساء إَن ألحقناها بآلات الحرب، فليس للنِّسْوَة استعمالها، إلا ففيه احتمال.

стр. 1206

قال الغزالي: وَفِي تَحْلِيَةِ المُصْحَفِ بِالفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلْحَمْلِ عَلَى الإكْرَامِ، وَفِي تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتَحْلِيَةُ غيْرِ المُصْحَفِ مِنَ الكُتبِ لاَ يَجُوزُ أَصْلاً كَتَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ وَالسَّهْمِ وَالسَّرِيرِ وَالمَقْلَمَةِ، وَقِيلَ بِجَوَازِ تَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ بِالفِضَّةِ، وَيَلْزَمُ علَى قيَاسِهِ المَقْلَمَةُ وَالكُتُبُ، وَتَحْلِيَةُ الكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ بِالقَنَادِيلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة قِيلَ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ وَلاَ يَبْعَدُ تَجْوِيزُهُ إِكْرَاماً كَمَا فِي المُصْحَفِ. قال الرافعي: هَلْ يَجُوز تحلية المُصْحَف بالفِضَّة؟ فيه وجهان: أحدهما: كالأواني. وأظهرهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة ﵁ إكراماً لِلْمُصْحَفِ، وجعل أبو القاسم الكرخيّ هذا الخلاف قولين، وقال في "سير الوَاقدي" ما يدل على حَظْرِها، وفي القديم والجديد، وحرمله ما يدل على الجواز، وفي تحليته بالذَّهَبِ ثلاثة أوجه: أحدها -وبه أجاب الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر"-: الجواز إكراماً، وبه قال أبو حنيفة ﵀. والثاني: المنع إذ ورد في الخبر ذَمُّها. والثالث: الفرق بين أن يكون للمرأة فيجوز، وبين أن يكون للرِّجَال فلا يجوز، طَرْداً للمنع من الذَّهَبِ في حق الرِّجَال، وكلام الصَّيْدَلاَنِيِّ والأكثرين إلى هذا أَمْيَلُ. وذكر بعضهم: أنه يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافة المنفصل عنه، والأَظْهَرُ التَّسْوِية، وأما سائر الكتب فقال في الكتاب: إن تحليتها لم تجز أصلاً، وذلك لأن الأئمة لم يحكوا فيها خلافاً؛ بل قاسوا وجه المنع في المُصْحَف على سَائِرِ الكتب إشعاراً بالاتفاق فيها، وذَكَرُوا وجهين في تحلية الدواة، والمرآة، والمقلمة، والمقراض بالفِضَّة. أصَحُّهُمَا: المنع كالأواني. والثاني: الجواز كالسيف، والسكين، وبه أجاب في "مختصر المختصر"، وأراد صاحب الكتاب بقوله: (وقيل: يجوز تحلية الدواة بالدواة بالفِضَّة) حكاية وجه، وقاس عليه المقلمة وسائر الكتب، وفي تحلية الكعبة وسائر المَسَاجِد بالذَّهَبِ، والفِضَّة، وتعليق قناديلها فيها وجهان مرويان في "الحاوي" وغيره. أحدهما: الجواز تعظيماً كما في الْمُصْحَف، وكما يجوز ستر الكعبة بالدّيبَاجِ. وأظهرهما: المنع، ويحكى ذلك عن أبي إسحاق، إذ لم ينقل ذلك عن فعل السَّلَف، وحكم الزَّكَاة مبني على الوجهين: نعم، لو جعل المتخذ وقفا فلا زكاة فيه بحال. وقد تعرض في الكتاب للوجهين معاً حيث قال: (قيل: إنه ممنوع) ولا يبعد

стр. 1207

تجويزه إكراماً، لكن حَكَى المنع نقلاً، والتجويز احتمالاً لا تَأَسِيّاً بالإمام ﵀ فإنه هكذا فعل. خاتمه: إذا أوجبنا الزَّكَاةَ في الحُلِيَّ المباح، فلو اختلف وزن الحلي وقيمته كما لو كانت لها خَلاَخِل وزنها مَائَتَا دِرْهَم، وقيمتها ثلثمائة، أو فرض مثله في المناطق المحلاَّة للرِّجَال، فالاعتبار في الزَّكَاة بوزنها، أو قيمتها فيه وجهان: أحدهما -وبه قال الماوردي-: أن الاعتبار بالوزن لا بالقيمة؛ لأنها زكاة عين، فلا ينظر فيها إلى القيمة كما في المواشي، ولهذا لو كان وزن الحُلِيّ مائة درهم قيمته بسبب الصنعة مائتان، لا تجب فيها الزَّكَاة. وأصحهما: عند ابن سريج وعامة العراقيين: أنه نعتبر الصَّنْعَة؛ لأنها صِفَةٌ في العين، فيلزمه إخراج زَكَاة العَيْنِ على تلك الصِّفَة، كما يلزم إخراج المضروب عن المضروب فعلى هذا يتخير بين أن يخرج ربع عشر الحُلِيّ مُشَاعاً، ثم يبيعه السَّاعِي ويفرق الثَّمَنَ على المساكين، وبين أن يخرح خمسة دراهم مصنوعة قيمتها سَبْعَة ونصف، ولا يجوز أن يكسره ويخرج خَمْسَةً مكسورة؛ لأن فيه ضرراً عليه وعلى المساكين، ولو أخرج من الذَّهَبِ ما قيمته سبعة دراهم ونصف، فهو جائز عند ابن سريج لِلْحَاجَةِ ممتنع عند الأكثرين لإمكان تسليم رُبع العشر مُشَاعاً، وبيعه بالذهب بعد ذلك. ولو كانت له آنية وزنها مائتان، ويرغب فيها بثلاثمائة؛ فيبنى حكم زكاتها على الخلاف في جواز الاتخاذ إن جوزناه، فالحكم على ما ذكرناه في الحُلِي، وإن لم نُجَوِّزْ فلا قيمة للصَّنْعَة شَرْعاً، فله إخراج خمسة من غيره، وله كسره وإخراج خَمْسَة منه، وله إخراج أربع عشرة مشاعاً، ولا سبيل إلى إخراج الذَّهب بدلاً. وكل حلي لا يحل لأحد من النَّاسِ فحكم صنعته حكم صَنْعَة الإناء، ففي ضمانها على كَاسِرهِ وجهان. وما يحل لبعض الناس، فعلى كاسره ضمانها، وما يكره من التحلي فلا يحرم، كالضَّبَّة الصغيرة على الإناء للزينة، ألحقوه بالمحظور في وجوب الزَّكاة. وقال صاحب "التهذيب": من عند نفسه الأولى أن يكون كالمباح (١). [باب زكاة التجارة]: قال الغزالي: ﴿النَّوْعُ الرَّابعُ﴾ زَكاةُ التِّجَارَةِ، وَمَالُ التِّجَارَةِ كُلُّ مَا قُصِدَ الاتِّجَارُ فِيهِ عِنْدَ اكْتِسَابِ المِلْكِ بِالمُعَاوَضَةِ المَحْضَةِ وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ النِّيَة دُونَ الشِّرَاءِ، وَلاَ عِنْدَ الاتِّهَابِ أَوِ الرُّجُوعِ بِالعَيْبِ وَهَلْ يَكْفِي عِنْدَ الخُلْعِ وَالنِّكَاحِ؟ فِبهِ وجْهَان، وَلَوِ اشْتَرَى عَبْداً

стр. 1208

عَلَى نِيَّةِ التِّجَارَةِ بِثَوْبِ قَنِيَّةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِالعَيْبِ انْقَطَعَ حَوْلُهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ ثَوْبَ تِجَارَةٍ بِعَبْدٍ لِلْقَنْيَةِ ثُمَّ قَيْنَةٍ. قال الرافعي: زكاة التجارة واجبة عند جمهور العلماء، وفيهم الشافعي ﵁، قَطَعَ به في قَوْلِهِ في الجديد، وحكى عنه في القديم تَرْديد قول. فمنهم من قال: له في القديم قولان، ومنهم من لم يثبت خلاف الجديد شيئاً، وذَكَرَ في "النهاية" أن نفي وجوبها يُعْزَى إِلَى مَالِكٍ، ولا يكاد يثبت ذلك عنه، إنّما المشهور عنه أنها لا تجب إلا بعد النضوض حتى لو نض بعد ما اتجر سنين كثيرة لا تجب إلا زكاة سنة واحدة. والأصل في الباب: ما روي عن أبي ذر أن النبي ﷺ وقال: "فِي الْإبل صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" (١). ومعلوَمَ أَنه ليس في البر زكاة العين، فيكون الواجب زكاة التِّجَارة. وعن سمرة بن جندب قال: "كَانَ النِّبِيُّ ﷺ يَأْمُرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ" (٢) واعتمد الشافعي ﵁ فيه بما روى عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماساً قال: "مَرَرْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَلَى عُنقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا، فَقَالَ: أَلاَ تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلتُ: مَالِي غَيْرُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِي وَأُهُب فِي الْقَرَظِ، قَالَ: ذَلِكَ مَالٌ فَضَعْ. قَالَ: فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَسَبُهَا، فَوَجَدْتُ قَد وَجَبَ فِيهَا الزَّكَاة فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ" (٣). إذا تقرر ذلك، فأول ما بدا به في الكتاب بيان أن مال التِّجَارة ماذا؟ فقال: (ومال التجارة كل ما قصد الاتجار فيه عند اكتساب الملك بالمعاوضة المحضة)، وفي هذا الضباط أمور قد فصلها بصور: فمنها: أن مجرد نية التجارة لا تجعل المال مال التجارة، حتى لو كان له عَرَضٌ لِلقِنْيَةَ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ وغيره، ثم جعله للتجارة لَمْ يَصِرْ للتجارة، ولم ينعقد الحول عليه خلافاً لِلْكَرَابِيسِي من أصحابنا (٤)، حيث قال: "يصير مال تجارة بمجرد النِّية"، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين: لما روينا من خبر سمرة، وكما لو كان عنده عرض التجارة

стр. 1209

فنوى أنه للقِنْيَة يصير للقنية وينقطع حول التجارة. لنا: أن ما لا يثبت له حُكْمُ الحول بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية، كما لو نوى بالمَعْلُوفة السَّوْمَ، ويخالف عَرَضَ التجارة تصير للقنية بمجرد النية من وجهين: أحدهما: أنه ليس للاقتناء، معنى إلا الحبس والإمساك للانتفاع فإذا أمسك ونوى الاقتناء فقد قرن النية بصورة الاقتناء؛ لأنه جردها. والثاني: أن الأصل في العروض الاقتناء، والتجارة عارضة، فبمجرد النية يعود حكم الأصل، وإذا ثبت حكم الأصل فبمجرد النية يزول، وهذا كما أن المسافر يصيرُ مُقيماً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالمُقِيمُ لاَ يَصِيرُ مُسَافِراً بِمُجَرَّدِ النية. ومنها: لو اقترنت نية التجارة بالشِّراء كان الشراء مال تجارة، ودخل في الحَوْل لانضمام قَصْدِ التجارة إلى فعلها، كما لو نوى المشتري وَسَافر يصير مُسَافِراً، ولا فرق بين أن يكون الشراء بِعَرَضٍ أو نَقْدٍ، أو دَيْنٍ، ولا بين أن يكون حالاًّ، أو مُؤَجَلاًّ. وإذا ثبت حكم التجارة لا يحتاج لكل معاملة إلى نية جديدة، وفي معنى الشراء ما لو صَالَح عن دَيْنٍ لَهُ في ذِمَّة إنسان على عرض بِنِيَّةِ التِّجَارة، فيصير لِلتِّجَارَةِ، سواء كان الدَّيْنُ قَرْضاً أو ثمن مبيع، أو ضمان مُتْلَفٍ، وكذلك الاتهاب بشرط الثَّوَاب إذا نوى به التِّجَارة، وأما الْهبة المُحْضَة والاحتشاش، والاحتطاب، والاصطياد والإرث فليست مَعْدُودَة من أسباب التجارة، فلا أثر لاقتران النِّيَّةِ بها، وكذا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ والاسترداد، حتى لو باع عَرَضاً لِلْقِنْيَة بعرض للقنية، ثُمَّ وجد بما أخذه عيباً، فرده واسترد الأول على قصد التِّجَارة، أو وجد صاحبه بما أخذ عيباً فَرَدَّه وقصد المردود عليه بأخذه التجارة لم يَصِرْ مَالَ تِجَارَةِ. ولو كان عنده ثوب للقنية فاشترى به عبداً للتجارة، ثم رد عليه الثَّوب بعيْبٍ انقطع حولُ التِّجَارَةِ، ولم يكن الثَّوْبُ المردود مَالَ تِجَارة؛ لأن الثوب لم يكن عنده على حكم التجارة، حتى يقال: ينقطع البيع، ويعود إلى ما كان قبله، بخلاف ما لو كان الثَّوْبُ للتجارة، أيضاً، فإنه يبقى حكم التجارة فيه بعد حول البيع، وكذا لو تبايع التَّاجِرَان ثم تقابلا يستمر حكم التجارة في المالين، ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبدٍ للقنية، فرد عليه الثَّوب بالعيب، لم يعد على حكم التجارة؛ لأن قصد القنية قطع حول التجارة، والرد والاسترداد بعد ذلك ليسا من التِّجارة في شيء، فصار كما لو قَصَد القنية؟ بمال التِّجَارة الذي عنده ثم نوى جعله للتِّجَارة ثَانِياً لا يؤثر حتى يقرن النية بتجارة جديدة. ولو خالع الرجل امرأته وقصد التجارة في عِوَض الخُلْعِ، أو زوج السيد أمته، أو نكحت الحرة أو نويا التجارة في الصَّدَاق، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يكون مَالَ تِجَارة؛ لأن الخلع والنكاح ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة؛ ولأنه ليس المملوك بهما مملوكاً بعين مال.

стр. 1210

وأظهرهما -ولم يذكر أكثر العراقيين سواه-: أنه يكون مالَ تجارة، لأنه مال مَلَكَهُ بِمُعَاوَضَة؛ ولهذا ثبتت الشُّفعَة فيما ملك بهما، وأجرى الوجهان في المال المصالح عليه عن الدَّم، والذي أَجَّرَ بِهِ نَفْسَه، أو ماله إذا نوى بهما التجارة، وفيما إذا كان تَصَرُّفُه في المَنَافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤاجرها على قَصْدِ التِّجَارة. قال الغزالي: وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرٌ فِي أَوَّلِ الحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ الوَسَطِ عَلَى قَوْلٍ وَفي جَمِيعِ الحَوْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَفي آخِرِ الحَوْلِ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّ انْخِفَاضَ السِّعْرِ لاَ يَنْضَبِطُ، فَلَو صَارَ النُّقْصَانُ مَحْسُوساً بِالتَّنْضِيضِ فَفِي انْقِطَاعِ الحَوْلِ عَلَى هَذَا القَوْلِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: لا خلاف في اعتبار الحول في زكاة التجارة، ويدل عليه مطلق قوله ﷺ : "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُوَلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (١). والنِّصَاب معتبرٌ أيضاً لكن في وقت اعتباره ثلاثة أقوال على ما ذكر صاحب الكتاب، والإمام. أحدها: أنه يعتبر في أول الحول، وآخره، أما في الأول فليجر في الحول، وأما في الآخر فلأنه وَقْتُ الوجوب ولا يعتبر فيما بينهما لِعُسْرِ مُرَاعَاة النِّصَاب بالقيمة؛ فإن الأسعار تضطرب انخفاضاً وارتفاعاً. وثانيها: أنها تعتبر في جميع الحول، كما في المواشي، فعلى هذا لو نقصت القيمة عن النِّصَاب في لحظة، انقطع الحول، فإن كمل بعد ذلك استأنف الحول. وأصحها: أنه لا يعتبر إلاَّ في آخر الحَوْلِ، أما أنه لا يعتبر في أثنائه فلما سبق، وأما أنه لا يعتبر في أوله فكالزيادة على النِّصَاب؛ لما لم يشترط وجودها في أثناء الحول؛ لوجوب زكاتها لم يشترط وجودها في أول الحول، فعلى هذا لو اشترى عرضاً للتجارة بشيء يسير انعقد الحول عليه، ووجبت الزَّكاة فِيهِ إِذَا بلغت قيمته نِصَاباً في آخر الحول، واحتج لهذا القول بحديث حماس، فإنه لم ينظر إلى القيمة إلا في الحال، ولم يبحث عما تقدَّم، ليس هذا الاحتجاج كما ينبغي، وعبر الأكثرون عن الخلاف في المسألة بالوجوه دون الأقوال، وسبب اختلاف العبارة أنها جميعاً ليست مَنْصُوصَة، وإنما المنصوص منها الثَّالِثُ، والأَوَّلاَن خَرَّجهما شيوخ الأصحاب، هكذا حكى الشيخ أبو علي، والمذاهب المخرجة يعبر عنها بالوجوه تارة، وبالأقوال أخرى وبالقول الثاني قال ابن سُرَيْج، ونسبه ابْنُ عَبْدَان إليه الأول -والله أعلم-. ويجوز أن يعلم الأول بالميم، والألف، والثاني بالميم والحاء، والثالث بالحاء والألف؛ لأن مذهب أبي حنيفة ﵀ مثل القَوْلِ الأَوَّلِ، ومذهب أحمد مثل الثاني، ومذهب مالك مثل الثَّالِث،

стр. 1211

ثم إذا احتملنا نُقْصَان النِّصَاب في غير الآخر فذلك في حق من تَرَبَّصَ لِسلْعَته حتى تم الحول، وهي نصاب بالقيمة، فأما لو باعها بسلعة أخرى في أَثْنَاء الحَوْل فقّد حكى الإمام وجهين فيه: أحدهما: أن الحول ينقطع، ويبتدئ حَوْلَ السّلعة الأُخْرَى مِنْ يَوْمِ مَلَكَها. وأصحهما: أن الحكم كما لو تَرَبَّصَ بِسِلْعَته، ولا أثر للمبادلة في أحوال التّجارة. ولو باعها في أثناء الحول بالنقد، وهو ناقص عن النصاب، ثم أشترى به سلعة، فتم الحول وهي تبلغ نصاباً بالقيمة، ففيه وجهان لتحقق النقصان حِسًّا. قال الإمام ﵀: والخلاف في هذه الصُّورة أَمْثَلُ منه في الأَّول، ورأيت المتأخرين يَمِيلون إلى انقطاع الْحَوْل -والله أعلم-. وهذه الصورة الأخيرة هي المذكورة في الكتاب. واعرف من اللفظ شيئين: أحدهما: أن قوله: (فلو صار النقصان محسوساً بالتنضيض) ليس المراد منه مُطْلَق التنضيض؛ فإنه لو باع بالدَّراهم والحال تقتضي التَّقْوِيم بالدَّنانير على ما سيأتي فهو كبيع السِّلْعة بالسِّلْعَة. والثاني: أن قوله: (على هذا القول) يوهم تخصيص الوجهين بالقول الثالث، وهما جاريان على القول الأَوَّلِ أيضاً ولا فرق. فرع: لو تم الحول وقيمة سلعته دون النِّصَاب، فهل يبتدئ حول ثان؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: نعم، ويسقط حكم الحَوْل الأول. وقال ابن أبي هريرة: لا، بل متى بلغت القيمة نصاباً تجب الزَّكَاة، ثم يبدأ حولٌ ثَانٍ (١)، والأول أصَحَّ عند صاحب "التهذيب" وغيره. قال الغزالي: وَابْتِدَاءُ حَوْلِ التِّجَارَةِ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ بنِيَّةِ التِّجَارَةِ إنْ كَانَ المُشْتَرَي بِهِ عَرَضًا مَاشِيَة كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وإِنْ كَانَ المُشْتَرَى بِهِ نَقْداً فَمِنْ وَقْتِ النَّقْدِ نِصَابًا كَانَ أَوْ لَمْ يكُنْ إنْ قُلْنَا: إِنَّ النِّصَابَ لاَ يُعْتَبَرُ فِي ابْتِدَاء الحَوْلِ، وَبِالجُمْلَةِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَالنَّقْدَينِ يُبْتَنَي حَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَوْلِ صَاحِبِهِ لاتِّحَادِ المُتَعَلَّقِ وَمِقْدَارِ الوَاجِبِ.

стр. 1212

قال الرافعي: غرض الفصل: الكلام في بيان ابتداء الحَوْلِ. وجملته أن مال التجارة لا يخلو: إما أن يملكه بأحد النَّقْدَين، أو بغيرهما. فإن ملكه بأحد النقدين (١)، نظر أن كان نصاباً، أما لو اشترى بعشرين ديناراً، أو بمائتي درهم، فابتداء الحول من يوم ملك ذلك النَّقْد، ويبنى حول التجارة على حوله، ووجهوا ذلك بشيئين: أحدهما: أن قَدْرَ الوَاجِبِ فيهما وَاحِدٌ، وكذلك متعلقه، فإن الزكاة واجبة في عَيْنِ النَّقْد، وفي قيمة السِّلْعة، وهي من جنس النقد الذي كان رأس المال، بل هي نفس تلك الدَّرَاهم، إلا أنها صارت مُبْهَمة بعد ما كانت مُعَيَّنة، فصار كما لو ملك مائتي درهم ستة أشهر، ثم أقرضها مَلِيئًا تلزمه الزَّكَاة بعد سِتَّةِ أشْهُر من يوم القَرْض. والثاني: أن النَّقْدَ أصْلٌ، وعَرَضُ التِّجَارَةِ تَبَعٌ لَهُ، وفرع عليه، ألا ترى أن التقويم به يقع فبنى حَوْلَهُ عليه. وخرجوا على التوجهين ما إذا بَادَلَ الدَّرَاهِمَ بالدَّرَاهِم، حيث ينقطع الحَوْلُ ولا يَبْنِي، أما على الأول فلأن زكاة النَّقْدِ في الْعَيْنِ، ولكل واحد من عين الدراهم الأولى، وعين الثانية حكم نفسها، وأما على الثاني، فلأن الثانية لا تقوم بالأولى، وليست إحداهما أَصْلاً، والأخرى فَرْعاً لَهَا، وهذا فيما إذا كان الشِّرَاء بعين النِّصَاب، أما إذا اشترى بِنِصَابٍ من أحد النَّقْدَين في الذمة، وله مَائِتا دِرْهَم وعشرون ديناراً فَنَقْدُهَا في ثمنه ينقطع حول النَّقْد، ويبتدئ حول التِّجَارة من يوم الشراء، هذا لفظ صاحب "التهذيب" وعلَّلَ بأن هذه الدراهم والدنانير لم تتعين للتصرف فيه، -والله أعلم-. وإن كان النقد الذي هو رأس المال دون النِّصَاب، فليس له حول حتى يبنى عليه، فيكون ابتداء الحول من يوم مَلَكَ عَرَضَ التِّجَارة هذا إذا ملك بأحد النَّقْدَين، ولو ملك بغيرهما فله حالتان: إحداهما: أن يكون ذلك الغير مما، لا تَجِب الزَّكَاة فيه، كالثياب والعبيد، فابتداء الحول من يوم المِلْكِ، لأن ما ملكه قبله لم يكن مالَ زَكَاةِ. والثانية: أن يكون مما تَجِب فيه الزَّكَاة، كما لو ملكهِ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَة، فظاهر المَذْهَبِ أن حول السَّائِمَة ينقطع وَيبْتَدِىَء حَوْلَ التِّجَارَةَ مِنْ يَوْمِ الْمِلْكِ، ولا يبنى؛ لاختلافَ الزَّكاة قَدْراً ومتعلَّقاً. وقال الإصْطَخْري: يبنى حوله على حول السَّائِمَة، كما لو ملكه بِنِصَابِ مِنَ

стр. 1213

النَّقْدِ، واحتج بقوله في "المختصر": ولو اشترى عَرَضاً لِلتِّجَارة بدراهم، أو بدنانير، أو بشيء تجب فيه الصَّدقة من المَاشِيَة، وكان أفاد ما اشترى به ذلك العرض من يومه، لم يقوم العرض، حتى يحول الحول من يوم افاد الثمن، وحمل المُزَنِيُّ هذا النَّص على ما رآه الاصطخري، ثم اعترض عليه، وصار إلى عَدَمِ البناء. وعامة الأصْحَابِ نفوا ذهاب الشافعي ﵁ إلى البناء فتكلموا على هذا النَّصِّ من وجوه: أحدها: قال ابن سريج وأبو إسحاق وغيرهما: إن مسألة "المختصر" مفروضة فيما إذا استفاد ثمن العرض يوم الشراء، وحينَئِذٍ لا فرق بين أن يقال: يعتبر الحَوْل من يوم الشِّراء، وبين أن يقال؛ يعتبر من يوم ملك الثَّمَن. والثَّاني: أن الشَّافِعِي ﵁ جمع بين ثلاث صور: الشِّراء بالدراهم، والشِّراء بالدَّنانير، والشراء بالماشية، ثم أجاب في الصّورتين الأوليين دون الآخرة، وقد يقع مثل ذلك في كلامه، واحتجوا لهذا بأنه قال: (من يوم إفاد الثمن) ولفظ يقع على النقدين دون الماشية. واعلم أن في حقيقة الثمن خلافاً سنذكره في "كِتَاب الْبَيْعِ" -إن شاء الله تعالى- جدُّه، وهذا الوجه يتفرع على أن الثمن هو الذَّهَب وَالْفِضّة لا غير، ومن قال بالتَّأوِيلِ الأول أطلق لفظ الثمن على الماشية أيضاً. والثالث: تغليط المزني في النقل، وإلى هَذَا مال إمام الْحَرَمَيْن، ورأى التَّأْوِيلَ تَكَلُّفاً. ولنتكلم في ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة. وقوله: (من وقت الشراء بنية التجارة) ليس لتخصيص الحكم بالشراء؛ بل هو مذكورٌ تمثيلاً وسائر الاكْتِسَابات المُلْحَقَة في معناه، ويجوز إعلامه بالواو؛ لأن اللَّفْظَ مُطْلَقٌ لا يفرق بين أن يكون قيمة ما اشتراه للتِّجَارَةِ نِصَابًا، أو لا يكون، وهو مُجْرَى على إِطْلاَقه إذا فَرَّعْنا على أن النِّصَاب لا يعتبر إلا في آخر الحول، وهو الصَّحيح، فأما إذا اعتبرناه في جميع الحول، أو في طرفيه، ولم يبلغ قيمة المشترى نِصَاباً، فليس ابتداء الحول من يوم الشِّرَاء؛ بل هو وقت بلوغ قيمته نصاباً. وقوله: (ماشية كانت) معلم بالواو؛ لما حكيناه عن الإصْطَخْرِي وقوله: (وإن كان المشتري به نقداً فمن وقت النقد) أي: من وقت ملك النَّقْدِ، ثم قوله: (نصاباً كان، أو لم يكن) إن قلنا إن النصاب لا يعتبر في ابتداء الحَوْل، هو موضع نظر وتأمل؛ لأنه إما أن يريد به نِصَاباً كان المال المشترى أو لم يكن إن يريد به نصاباً كان النّقد، أو لم يكن، وهو الأسبق إلى الفهم، فإن أراد الثاني فقد صَرَّحَ باحتساب الحَوْلِ من وقت مِلْكِ النَّقْدِ مع نقصانه عن النِّصَاب، وإن أراد به الأول فقد حكم بالاحتساب من وقت ملك النقد مُطْلَقاً، وليس كذلك، بل يشترط فيه كون ذلك النقد نصاباً، نصَّ عليه الشافعي -

стр. 1214

رضي الله عنه- وَقَطَعَ به الأَصْحَاب مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أن يعتبر النِّصَاب في جميع الحول، أو لا يعتبر؛ لأن النقد النَّاقِصَ ليس مال زكاة حتى يفرض جريانه في الحول. وقوله: (زكاة التِّجَارة والنقدين يبتنى حول كل واحد منهما على صاحبه) ويبين أنه لو باع مال تجارة بنقد بنية القنية يبنى حول النقد على حول مال التِّجَارة، كما يبنى حول مَال التِّجارة على حَوْلِ النقد. وقوله: (لاتحاد المتعلق ومقدار الواجب) إشارة إلى التوجيه الأول وقد بيناه. قال الغزالي: وَكُلُّ زِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِارْتفَاعِ القِيمَةِ وَجَبَ الزَّكَاةُ فيهَا بِحَوْلِ رَأسِ المَالِ كَالنِّتَاجِ، فَإِنْ رُدَّ إلَى أَصْلِ النُّضُوضِ فَقَدْرُ الرِّبْحِ مِنَ النَّاضِّ لاَ يُضَمُّ إلَى حَوْلِ الأَصْلِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ كِيس المُشْتَرِي لاَ مِنْ عَيْنِ المَالِ. قال الرافعي: ربح مال التجارة ينقسم إلى حاصل من غير نضوض (١) المال، إلى حاصل مع نضوضه، وأما القسم الأول فهو مضموم إلى الأصل في الحَوْلِ كالنتاج؛ لأن المُحَافَظَة على حول كل زيادة مع اضطراب الأسْوَاقِ وَتَدَرُّجها انخفاضا وارتفاعاً في غاية العسر. قال في "النهاية": وقد حكى الأئمة القطع بذلك، لكن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زَكَاة الأعيان قَدْ لا يسلم وجوب الزَّكَاةِ في الربح في آخر الحول. وقضية قياسة أن نقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه، وسيأتي الخلاف فيه في القسم الثاني. قال: وهذا لا بد منه، والأئمة قد يذكرون القول الضَّعِيفَ مع الصَّحِيح، ثم إذا تَوَسَّطُوا التَّفْرِيعَ تَرَكُوا الضَّعِيفَ جَانِباً، وهذا الكلام يقتضي إعلام قوله في الكتاب: (بحول رأس المال) بالواو، فعلى المشهور الصحيح لو اشترى عَرَضاً للتجارة بمائتي دِرْهم، فَصَارت قيمُتُه فِي خلال الحَوْلِ ثلاثمائة، زكي الثلثمائة عند تمام الحول وإن كان ارتفاع القيمة قبيل الحول بلحظة، ولو ارتفعت بعد الحول فالربح مضموم إلى الأصل في الحول الثاني كما في النتاج. وأما القسم الثاني: وهو الحاصل مع النضوض، فينظر فيه إن صار نَاضاً من غير جنس رأس المال، فهو كما لو بدل عَرَضَا برَضٍ، لأن التقويم لا يقع به، وحكى الشَّيْخُ أَبُو عَلِي عن بعض الأصحاب؛ أنه على الخلاف الذي نَذْكُره فيما إِذَا صَارَ نَاضاً من جنس رأس المال، وإن صار نَاضاً من جنسه فأما أن يفرض ذلك في خلال الحول، أو بعده،

стр. 1215

وعلى التقدير الأول فإما أن يمسك النَّاض إلى أن يتم الحول، أو يشتري به سلعة. الحالة الأولى: أن يمسك النَّاض إلى تمام الحول، كما إذا اشترى عَرَضًا بمائتي دِرْهَمٍ، وباعه في خلال الحول بثلاثمائة، ويتم الحول وهو في يده، فقد قال الشَّافِعِيُّ ﵁ في "باب زكاة التجارة": إنهُ يِزَكِّي المائتين، وَيُفْرِدُ مَائَةَ الرِّبْحِ بِحَوْلٍ، وقال في "باب زكاة مال الْقَرَاضِ" إذا دفع ألف درهم إلى رَجُلِ قراضاً على النِّصْفِ فاشترى بها سلعة وحال الحول عليها وهي تساوي ألفين. ففيها قولان: أحدهما: أنه يُزَكِّي الكُلَّ. والثَّانِي: إن رَبَّ المال يُزَكِّي ألْفاً وَخُمْسائة، فأوجب زَكَاةَ جَمِيعِ الرِّبح، أو نصفه عند تَمَامِ الْحَوْلِ، ولم يفرده بحول، واختلف الأصحاب على طريقين: أظهرهما: وبه قال أبو إسحاق، والأكثرون إن الْمَسْألة على قَوْلَيْن: أحدهما -وهو اختيار المزني-: أنه يُزَكِّي الرِّبْحِ بِحَوْلِ الأَصْلِ؛ لأنه فائدته، ونماؤه، فأشبه ما إذا لم يرد إلى النضوض، ونتاج الماشية. وأصحهما: أنه يفرد الرِّبحَ بِحَوْلٍ؛ لظاهر قَوْلِهِ ﷺ : "لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (١). ويخالف ما إذا لم ينض؛ لأن الربح ثمة كامن وغير متميز عن الأصل، ومتعلق الزَّكَاة واحد، وهو القيمة، ويخالف النّتاج، فإنه متولد من أصل المال، والربح هاهنا غير متولد من غير المال، بل هو مستفاد بالتَّصَرفِ مِنْ كِيسِ المُشْتَرِي، ولهذا لو غَصَبَ مَاشِيَةً فتوالدت، وجب رد النتاج مع الأصل، ولو غصب دراهم فتصرف فيها وربح كان الربح له في أظهر القولين. والطريق الثاني: وبه قال ابن سريج: القطع بإفراد الرِّبْحِ بِحَوْلٍ، وحمل كلامه في القراض على ما إذا اشْتَرى السلعة بألف، وهي تساوي ألفين، فليس فيها زيادة بعد الشِّراءِ، فلذلك أوجب الزَّكَاة في الرِّبْحِ مَعَ الأَصْلِ. قال هؤلاء: وهكذا صَوَّرَ الْمَسْألَةَ فِي "الأم"، لكن المُزَنِيّ لم ينقلها عى وَجْهِهَا. ومنهم من قال: قَصْدُه بما ذَكَر في "مَالِ القَرَاض" بَيَان أن زكاة جميع الرّبح قبل المُقَاسَمة على رب المال أم يتقسط عليه وعلى العامل، فأما أن حول الربح هَلْ هُوَ حول الأَصْل أَمْ لاَ؟ فهذا مما لم يقع مقصداً عنه، ولا يوجه الكلام نحوه، فلا احتجاج فيه على أنه ليس في اللفظ تصوير للرد إلى النضوض، فيجوز حمله على ارتفاع القيمة من غير نضوض.

стр. 1216

وإذَا فرعنا على أن الربح يفرد بحول، فابتداؤه من يوم الظُّهُور أم من يوم نَضَّ وباع؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن سريجَ: أنه من يوم الظُّهور؛ لأن الربح لم يحصل بالبيع، وإنما حصل بارتفاع قيمة السلعة. والثاني: أنه من يوم البيع والنضوض؛ لأن الزيادة به تستقر، وقبله قد يتوهم زيادة، فيتبين خلافه لاضطراب السوق. قال القَّاضِي الرّوُيَانِي وغيره: وهذا ظاهر المذهب. الحالة الثَّانية: أَنْ يَشْتَرِي بها سِلْعَةً قبل تمام الحول فطريقان: أحدهما: القطع بأنه يزكي عن الجميع؛ لأن ما في يده في آخر الحول عرض. وأصحهما: أن الحكم كما لو أمسك النّاض إلى تمام الحول؛ لأن الربح بالنضوض بمثابة فائدة استفادها، فلا يختلف حكمها بين أن يشتري بها سلعة أو لا يشتري، وهذا كُلُّه فيما إذا باع ونض في خلال الحول، فأما إذا باع وَنَضَّ بعد تمامه، فقد قال الشيخ أبو عَلِي: ينظر إن ظهرت الزيادة قبل تمام الحول فلا خلاف في أنه يزكي الكُلّ بحول الأَصْلِ، وإن ظهرت بعد تمامه فوجهان: أحدهما: هكذا. وأظهرهما: أنه يستأنف لِلرِّبْحِ حَوْلاً، وجميع ما ذكرناه فيما إذا اشترى العَرَضَ بِنِصَابٍ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، أَو اشْتَرَاهُ بِغَيْرِهِمَا، وَهُوَ يُسَاوِي نِصَاباً. أما لو اشترى بمائة درهم مثلاً وباعه بعد سِتَّة أشهر بمائتي درهم، وبقيت عنده إلى آخر الحول من يوم الشِّراء، فإن قلنا: بظاهر المذهب، وهو أن النِّصَاب لا يشترط إلا في آخر الحول، تَفَرَّعت المسألة على قولين في أن الرِّبْحَ مِنَ النَّاض هل يضم إلى الأصل في الحول؟ إن قلنا: نعم، فعليه زَكَاة المائتين، وإن قلنا: لا، لم يُزَكِّ مائة الربح إلا بعد سِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى، وإن قلنا: إن النِّصَاب يشترط في جميع الحول أو في طرفيه، فابتداء حوله من يوم باع ونَض، فإذا تَمَّ زكى عن المائتين. واعلم أن مسألة الكتاب فيما إذا رَدَّ إلى النضوض في خلال الحول ثم اللفظ من جهة إطلاقه يشمل ما إذا أمسك النَّاض حتى تم الحول، وما إذا اشترى به سلعة أجرى، ويشمل أيضاً ما إذا كان نِصَاباً في أول الحول، أو ناقصاً عنه، وإجراؤه على إطْلاَقِهِ فيهما صَحِيح مستمر.

стр. 1217

وقوله: (لا يضم) معلم بالزَّاي لما قدمناه. وقوله على أحد القولين بالواو للطريقة القاطعة بعدم الضم. ثم نوضح الفصل بفرعين: أحدهما: من مولدات ابن الحداد، وهي ما لو ملك الرَّجُلُ عشرين ديناراً؛ فاشترى بها عرضاً للتجارة ثم باعه بعد ستة أشهر من ابتداء الحول بأربعين ديناراً، واشترى بها سلعة أخرى ثم باعها بعد تمام الحول بمائة، كيف يُزَكى؟ أما إذا قلنا: إن الرِّبْحَ من الناض لا يفرد بحول، فعليه زكاة جميع المائة. وأما إذا قلنا: يفرد؛ فعليه زكاة خَمْسين دِيناراً، لأنه اشترى السِّلْعَة الثَّانية بأربعين: عشرون منها رأس مَالِه الَّذِي مَضَى عليه ستة أشهر، وعشرون ربح استفادة يوم باع الأول واشترى الثاني، فإذا مضت ستة أشهر، فقد تَمَّ الحول على نِصْفِ السّلعة، فيزكيه بزيادته، وزيادته ثلاثون دِينَاراً؛ لأنه ربح على العشرينتين وكان ذلك كَامِناً وقت تمام الحول، ثم إذا مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُر أُخْرَى فعليه زكاة العشرين الثَّانية، فإن حولها حينئذ يتم، ولا يضم إليها ربحها؛ لأنه صار ناضاً قبل تمام حَوْلها، فإذا مَضَت سِتَّةُ أشْهُرٍ أخرى، فعليه زَكاة رِبْحِهَا وهو الثلاثون الباقية، فإن كانت الخمسون التي أخرج زكاتها في الحول الأول باقية عنده، فعليه إخراج زكاتها ثانياً مع الثلاثين، هذا جواب ابن الحداد تفريعاً على أن الربح الناض لا يفرد بحول (١). وحكى الشيخ أبو علي فيه وجهين آخرين ضعيفين: أحدهما: أنه عند البيع الثَّانِي يخرج زكاة عِشْرين، فإذا مضت ستة أشهر أخرى؛ أخرج زكاة عشرين أخرى وهي التي كانت ربحاً في الحول الأوَّلِ، فإذا مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أخرى أخرج زَكَاة السِّتين البَاقِيَة؛ لأنها إنما استقرت عند البيع الثاني، فمنه يبتدئ حولها. والثاني: أنه عند البيع الثاني يخرج زكاة عشرين، ثم إذا مَضَت ستة أشْهُرِ زكى عن الثمانين الباقية؛ لأن الستين التي هي الربح حَصَلَتْ في حول العشرين الَّتِي هِيَ الربح الأول، فَيُضَمَّ إليها في الحول. ولو كان الفرع بحاله لكنه لم يبع السلعة الثانية، فيزكى عند تمام الحول الأول خمسين، كما ذكرنا. وعند تمام الحول الثَّاني الخمسين الثانية؛ لأن الربح الآخر ما صار ناضاً. الفرع الثاني: اشترى بمائتي دِرْهَم عرضًا لِلتِّجَارة فباعه بعد سِتَّة أَشْهُرٍ بثلاثمائة واشترى بها عرضاً وباعه بعد تمام الحول بستمائة، فإن لم يفرد الرّبح بحول أخرج زكاة

стр. 1218

الستمائة، وإن أفردناه أخرج زكاة أربعمائة، فإذا مضت سِتَّة أشْهُرٍ أخرج زكى مائة، فإذا مضت ستة أشهر أخرى. أخرج زَكَاة المَائَة الباقية، هذا على جواب ابن الحداد (١). وأما على الوجهين الآخرين، فيخرج عند البيع الثاني زكاة مائتين، ثم على الوجه الأول إذا مضت سِتَّة أشْهُرَ أخرج زَكَاة مَائَة، وإذا مضت ستة أشهر أخرى أخرج زكاة ثلثمائة، وعلى الوجه الثاني إذا مضت ستة أشهر من يوم البيع الثاني أخرج زكاة الأربعمائة الباقية. ولو لم يبع العرض الثاني أخرج زكاة أربعمائة عند تمام الحول، وزكاة الباقي بعد سِتَّة أَشْهُرٍ، هذا هو الحكم، فإن أردت التوجيه فَخَرَّجْهُ عَلَى مَا سَبَقَ. قال الغزالي: فَإِنْ نَتَجَ مَالُ التِّجَارَةِ كَانَ النِّتَاجُ مَالَ تِجَارَةٍ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيُجْبَرُ بِهِ نُقْصَانُ الوِلاَدَةِ فِي نِصَابِ مَالِ التِّجَارَةِ وَجْهاً وَاحِداً، ثُمَّ حَوْلُهُ حَوْلُ الأَصْلِ عَلَى الأَصَحِّ. قال الرافعي: مال التجارة إذا كان حيواناً فلا يخلو: إما أن تجب فيه زكاة العين كنصاب السائمة من الغنم، فالكلام فيه وفي نتاجه سيأتي مِنْ بعد. أولاً تجب كالخيل، والجواري، والمَعْلُوفة من النَّعَم، فَهَلْ يكون نَتَاجها مالَ تِجَارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن النَّمَاء الذي تفيده العين لا يناسب الاستنماء بطريق التجارة، فلا يجعل مال تجارة، ويروى هنا عن ابن سُرَيْجٍ. وأصحهما: نعم؛ لأن الولد جزء من الأم، فله حكمها، وزوائد مال التِّجارة من فوائد التِّجارة عند أهلها، والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الأُمّ بالولادة، فإن نقصت كما إذا كانت قيمة الجارية ألفاً، فعادت بالولادة إلى ثمانمائة، وقيمة الولد مائتان، فيجرِ نُقْصَانُ الأُمِّ، بقيمته، وعليه زكاة الألف ولو عادت قيمتها إلى تسعمائة جبرنا نقصان المائة من الولد؛ لأن سبب النقصان انفصال الولد، وهو عتيد حاضر، فيجعل كأنه لا نقصان، كذا حكي عن ابْنِ سُرَيجٍ وغيره. وقال الإمام: وفيه احتمال ظاهر، وقضية قولنا: إنه ليس مال تجارة أن لا تجبر به نقصان الجارية كالمستفاد لسبب آخر. وقوله في الكتاب: (في نصاب مال التجارة) لفظ (النصاب) حشو في هذا الموضع. وقوله: "وجهاً واحداً" أي: من جهة النَّقْد، وما ذكره الإمام إنما أبداه على سبيل الاحتمال. وثمار أشجار التِّجارة بمثابة أولاد حيوان التِّجارة، ففي كونها مال تجارة ما ذكرنا من الوجهين، ثم إن لم نجعل الأولاد والثمار مال تِجَارة، فكيف القول في زكاتها في السَّنة الثَّانِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا؟ أنخرجها من حساب التجارة

стр. 1219

كما لو ورث عبداً أم كيف الوجه؟ قال إمام الحرمين: الظاهر أنا لا نوجب الزكاة، فإنه فيما نختاره الآن منفصلاً عن تبعية الأُمّ، وليس أصلاً في التجارة، وإن فرعنا على أنها مال تجارة وضممناها إلى الأصل ففي حولها وجهان: أحدهما: أنها على القولين في ربح الناض؛ لأنها زيادة مستقرة من مال التجارة، فعلى أحد القولين ابتداء الحول من انفصال الولد، وظهور الثمار. وأصحهما: أن حولها حول الأصل، كالزيادات المنفصلة، كالنتاج في الزكاة العينية، -والله أعلم-. قال الغزالي: (وَأَمَّا المُخْرَجُ) فَهُوَ رُبْعُ عُشْر القِيمَةِ مِنَ النَّقْدِ الذِي كَانَ رَأسُ المَالِ نِصَاباً كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ كَانَ اشْتَراهُ بِعَرَضِ قَنْيَةِ قُوِّمِ بِالنَّقْدِ الغَالِبِ، فَإنْ غَلَبَ نَقْدَانِ فَلَمْ يَبْلُغْ نِصَاباً إلاَّ بِأَحَدِهِمَا قُوِّمَ بِهِ، وَإِنْ بَلَغَ بهمَا نِصَاباً يُخَيَّرُ المَالِكُ عَلَى وَجْهٍ وَرُوعي غِبْطَةُ المَسَاكِينَ عَلَى وَجْهٍ، وَتَتَعَيَّنُ الدَّرَاهِمُ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ أَرْفَقُ، ويُعْتَبَرُ بِالنَّقْدِ الغَالِبِ فِي أقْرَبِ البِلاَدِ عَلَى وَجْهٍ. قال الرافعي: لا خلاف في أن قدر زكاة التجارة رُبْع العُشْرِ كما في النقدين ومم تخرج؟ قطع في الجديد (١): بأنها تخرج من القيمة، ولا يَجُوز أن تخرج من عَيْنِ ما في يده. وبه قال مالك، لأن مُتَعَلَّق الزَّكاة هو القِيمَة. وحكي عن القديم قولان: أحدهما: مثل هذا. والثاني: أنه يخرج رُبُعَ عُشْرِ مَا فِي يَدِهِ؛ لأنه الذي يملكه، والقيمة تقدير، واختلفوا في هذا [القول] (٢): منهم من قال إنه ترخيص وتجويز لإخراج العين باعتبار القيمة، ولو أخرج ربع عشر القيمة جَازَ. ومن قال بهذا قال في المسألة قولان: تعيين القيمة، والتخيير بين العَيْنِ وَالقِيمَة. وبه قال أبو إسحاق. ومنهم من قال: ما ذكره في القديم أراد تعيين العين للإخراج، ومن قال بهذا قال في المسألة قولان: تعيين العين وتعيين القيمة، وحكى ابْنُ عَبْدَانَ هذا عن أبي هريرة. ومن الأصحاب من استوعب، وجعل المسألة على ثلاثة أقوال: أصحهما: تعيين العين. والثاني: تعيين القيمة. والثالث: التخيير بينهما، وتحكى هذه الطريقة عن ابنِ سُرَيْجٍ، وعليها جرى

стр. 1220

صَاحِبُ "التقريب"، ثم الفتوى والتفريع على الجديد، وهو الذي ذكره في الكتاب، لكنا نورد صورة لإيضاح هذا الخلاف فنقول: إذا ملك مائة درهم، فاشترى بها مائتي قِفَيزِ (١) من الحِنْطَة، فحال الحول وهي تساوي مائتين، فتجب عليه الزكاة تفريعاً على أن النِّصَاب لا يُعْتَبِر إِلاَّ في آخر الحَوْلِ، فَعَلَى الأصَحِّ يخرج خمسة دراهم، وعلى الثاني خمسة أقفزة، وعلى الثالث: يتخير بينهما ولو أخر إخراج الزَّكاة حتى تَرَاجَعَ السُّوقُ ونَقَصت القِيمَةُ، نظر: إن كان ذلك قبل إمكان الأداء فإن قلنا: الإمكان شرط الوجوب، سقطت الزَّكَاة وإن قلنا: شرط الضَّمَان وعادت القيمة إلى مائة فَعَلَى الأَصَحُّ يخرج درهمين ونصفاً، وعلى الثاني: يخرج خمسة أَقْفِزَة، وعلى الثالث: يتخير بينهما. وإن كان بعد الإمكان، فعلى الأَصَحِّ يخرج خمسة دراهم؛ لأن النُّقْصَان من ضمانه، وعلى الثاني يخرج خمسة أقفزة، ولا يضمن نقصان القيمة مع بقاء الْعَيْنِ كالْغَاصِب، وعلى الثالث: يتخير بينهما، وإن أخر فزادت القيمة وبلغت أربعمائة، فإن كان ذلكَ قبل الإمكان وقلنا: إنه شرط الوجوب، فعلى الأصَحِّ يخرج عشرة دراهم، وعلى الثاني خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم؛ لأن هذه الزيادة في ماله ومال الْمَسَاكِين، وعن ابن أبي هريرة: أنه يكفي على هذا القول خمسة أقفزة قيمتها خمسة دراهم؛ لأن هذه الزيادة حدثت بعد وجوب الزكاة، وهي محتسبة في الحول الثاني. وعلى الثالث: يتخير بين الأمرين. ولو أتلف الحنطة بعد وُجُوبِ الزَّكَاة وقيمتها مائتا دِرْهم، ثم ارتفعت قيمتها فصارت أربعمائة فعلى الأصَحِّ يخرج خمسة دراهم، فإنها القيمة يوم الإتلاف. وعلى الثاني: يخرج خمسة أَقْفِزَة قيمتها عَشْرَة دراهم. وعلى الثالث: يتخير بينهما. إذا عرفت ذلك فالكلام بعده فيما يُقَوّم به العَرَض، ولا يخلو الحال أول ما ملك مال التجارة إما أن يملكه بالنَّقْدِ، أو بغير النقد، أو بهما. القسم الأول: أن يملكه بالنقد فإما أن يملكه بأحد النقدين، أو بهما. فإن ملكه بأحد النقدين فإما أن يكون نصاباً أو لا يكون. فإن كان نصاباً كما لو اشتراه بمائتي دِرْهَمٍ، أو عشرين ديناراً، فَيُقَوَّم في آخر الحَوْلِ بذلك النَّقْدَينِ؛ لأن الحول مبني على حوله، والزَّكاة وَاجِبَةٌ فيه فإن بلغ نصاباً بذاك النَّقْد أخرج زَكَاته، وإلا فَلاَ وإن كان الباقي غَالِبَ نَقْدِ البَلَدِ، وَلَوْ قُوِّمَ بِهِ لَبَلَغَ نِصَاباً، بل لو اشترى بمائتي درهم

стр. 1221

عَرَضاً، وباعه وبعشرين ديناراً، وقصد التجارة مستمراً فَتَمَّ الحول والدنانير في يده ولا تبلغ قيمتها مائتي درهم، فلا زكاة فيها، هذا ظاهر المذهب (١). وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أن التقويم أبداً يقع بغالب نَقْدِ البلد، ومنه يخرج الواجب، سواء كان رأس المَالِ نقداً أو غيره؛ لأنه أرفق بالمستحقين، لسهولة التعامل به وحكى الْقَاضِي الرّوَيَانِي هذا عن ابن الْحَداد. وقال أبو حنيفة (٢) وأحمد: يعتبر الأحَظُّ لِلْمَسَاكِين، فَنُقَوِّمْ بِهِ ولا عبرة بما ملك به. وإن كان دون النصاب ففيه وجهان: أحدهما -وبه قال أبو إسحاق-: أنه يقَوَّم بِغَالب نَقْدِ البلد، كما لو اشترى بِعَرَضٍ؛ لأنه لا زَكاة فيه، كما لا زكاة في العَرَض. وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن أبي هريرة-: أنَّه يُقَوَّم بذلك النَّقْد أيْضاً؛ لأنه أصْلُ مَا فِي يَدِهِ، وأقرب إليه من نقد البلد، وموضع الوجهين ما إذا لم يَمْلِكْ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ الَّذِي مَلَكَ بهِ مَا يتم به النِّصاب، فإن ملك ما يتم به النصاب كما لو اشترى بمائة درهم عرضاً لِلتِّجَارة، وهو يملك مائة أخرى فلا خلاف في أن التقويم بجنس ما ملك به؛ لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول، وابتدأ الحول من يوم ملك الدراهم (٣). وإن ملك بالنقدين جميعاً فله ثلاثة أحوال؛ لأنه إما أن يكون كل واحد منهما نصاباً، أو لا يكون واحد منهما نصاباً أو يكون أحدهما نصاباً دون الآخر. وأما في الحالة الأولى فيقوَّم بِهِمَا على نسبة التَّقْسيط يَوْم الملك، وطريقه: تقوم أحد النقدين بالآخر يومئذ؛ بأنه اشترى بمائتي درهم وعشرين ديناراً عُرُوضاً لِلتِّجَارَةِ، فينظر إن كانت قيمة المائتين درهم عشرين ديناراً فقد علمنا أن نِصْف العُرُوضِ مشترى بالدراهم، ونصفها بالدنانير، وإن كانت قيمتها عشرة دنانير فثلثها مشترى بالدراهم، وثلثاها بالدنانير، فهكذا تقوّم في آخر الحول، ولا يضم أحدهما إلى الآخر حتى لا تجب الزَّكاة، إذا لم يبلغ واحدٌ مِنْهُمَا نِصَاباً، وإن كان بحيث لو قُوِّم الجميع بأحد النَّقْدَيْنِ؛ لبلغ نِصَاباً، وحول كل واحد من المبلغين من يوم ملك ذلك النقد. وأما في الحالة الثانية: فإن قلنا: ما دون النِّصاب كالعروض قوم الجميع بنقد

стр. 1222

البلد. وإن قلنا: إنه كالنصاب (١) قوم ما ملكه بالدَّرَاهِم بالدراهم، وما ملكه بالدنانير بالدنانير (٢). وأما في الحالة الثَّالِثَة: فيقوَّم ما ملكه بالنَّقدِ الذي هو نصاب بذلك النقد، وَمَا ملكه بالنَّقْدِ الثَّانِي، فعلى الوجهين (٣) وكل واحد من المبلغين يُقَوَّم به في آخر حوله، وحول المملوك بِقَدْرِ النِّصَاب مِنْ يَوْمِ مَلَكَ ذَلِك النَّقْد، وَحَوْل المملوك بالآخر من يوم العرض، وإذا اختلف جنس القوم به فلا ضَمَّ كما سبق. القسم الثاني: أن يملكه بغير النَّقْد كما لو ملك بعرض للقنية، فيقوم في آخر الحول بآخر نَقْدِ الْبَلَد من دراهم، أو دنانير، إن بَلَغَ به نِصَاباً أخرج زَكَاتَه، وإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وإن كان يبلغ بغيره نِصَاباً، فإن كان يجري في البلد النقدان وأحدهما أغلب، فالتقويم به، وإن استويا نظر إن بلغ بأحدهما نصاباً دون الآخر قُوِّمَ بِهِ، وإن بَلَغَ بِهِمَا، ففيه وجوه أربعة: أحدها: أن المالك يتميز، فيقوم بأيهما شاء، ويخرج الزّكاة، ويحكى هذا عن أبي إسحاق. والثاني: أنه يراعى الأَغْبَط لِلْمَساكين. والثالث: أنه يتعين التَّقويم بالدراهم؛ لأنها أَرْفَق وأَصْلَح لشراء المُحَقَّرَات (٤). قال الرُّويَانِي: وهذا اختيار ابن أبي هريرة. والرابع: أنه يعتبر بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه، لاستوائهما في ذلك البلد، فصار كما لو لم يكن فيه نقد، فهذا التَّرتيب المذكور في الكتاب، وكذا أَوْرَدَهُ العِرَاقِيُّون، والقاضي الرّويَانِي، وحكموا بأن الوجه الأول أصَحّ. وإيراد الإمام وصاحب التَّهْذِيب يقتضي ترجيح الوجه الثاني؛ لأنهما قالا: إذا استويا ولم يغلب أحدهما يُقَوَّم بالأنفع لِلْمَسَاكين، فإن استويا فيه، فحينئذ فيه الوجوه

стр. 1223

الثلاثة الباقية، وما ذكراه يعتضد بأن الأظهر في اجتماع الحقاق، وبنات اللبون ورعاية الأَغْبَط، وما ذكره غيرهما يَعْتَضِد؛ لأن الأظْهَر في الجَبْرَان أن الْخِيَار في تعيين الشَّاتَينِ والدَّرَاهم إلى المُعْطِي، ويدخل في هذا القسم المملوك بالخُلْع والنّكاح على قصد التِّجَارة، إذا قلنا: إنه مال تجارة. القسم الثالث: أنه يملك بالنقد، وغيره معاً كما لو اشترى بمائتي درهم وعرض قنية، فما يقابل الدراهم يُقَوم بالدراهم، وما يقابل العَرَض يقوّم بنقد البلد، فإن كان النَّقْد دون النِّصَاب عَادَ الوجهان، وكما يجزئ التقسيط عند اختلاف الجنس يجزئ عند اختلاف الصِّفَة، كما لو اشترى بِنِصَابٍ من الدَّنَانِير بَعْضُهَا صَحِيح، وبعضها مكسر، وبينهما تفاوت يقوم ما يخص الصّحاح بالصّحاح، وما يخص المكسر بالمنكسر. ولا يخفى عليك بعد هذا الشَّرح أن لفظ (القيمة) من قوله في الكتاب: (فهو ربع عشر القيمة) فينبغي أن يكون مُعَلَّماً بالواو، وقوله: (من النقد الذي كان رأس المال) بالحاء، والألف، وقوله: (أو لم يكن) بالواو، وقوله: (فإن غلب نقدان) أي: على التساوي، -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلاَ يُمْتَنَعُ عَلَى التَّاجِرِ التِّجَارَةُ لِعَدَمِ إِخْرَاجِ الزَّكاةِ، وَأَمَّا الإِعْتَاقُ وَالهِبَةُ فَهُوَ كَبَيْعِ المَوَاشِي بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا. قال الرافعي: هل ينفذ بيع التَّاجر مال التجارة بعد تمام الْحَوْل ووجوب الزَّكَاة فيها؟ ذكر بعض الأصحاب، أنه على الخِلاَف في بَيْع سَائِرِ الأمْوَالِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وروى في "النهاية" عن بعضهم أنا إن قلنا: إِنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ تُؤَدِّي مِنْ عَيْنَ العُرُوض، فهو على ذلك الخِلاَف. وإن قلنا: تُؤَدَّى من القيمة فالحكم فيه كالحكم في ما لو وجبت شاة في خَمْسٍ من الإبِلِ فباعها؛ لأن القيمة ليست من جِنْسِ العَرَض، كالشَّاةِ لَيْسَتْ من جِنْسِ الإبِل. والذي قطع به الجمهور، وأورده في الكتاب، أنه يَجُوز البَيْعُ، ولا يخرج على ذلَك الخلاف؛ لأن متعلق هذه الزَّكاة المالية والقيمة وهي لا تفوت بالبيع، ولا فرق بين أن يَبِيعَ على قَصْدِ التِّجَارَةِ وهو الذي يتناوله لفظ الكتاب، أو على قَصْدِ اقتناء العَرَض، فإن متعلق الزَّكَاة الواجبة لا يبطل، وإن صار مال قنية، فهو كما لو نوى الاقتناء مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، ولو أعتق عبد التجارة، أو وهب مال التجارة، فحكمه حكم ما لو باع المواشي بعد وجوب الزَّكَاة فيها؛ لأن الإعتاق والهبة يبطلان متعلق زكاة التجارة، كما أن البيع يبطل متعلق زكاة العَيْنِ، ولو بَاعَ مَالَ التِّجارة بمحاباة فقدر المحاباة كالموهوب، فإن لم تصحح الهِبَة وَجب أن تبطل في ذلك القدر، ويخرج في الباقي على تفريق الصَّفْقَة، -والله أعلم-.

стр. 1224

قال الغزالي: ﴿قَاعِدَةٌ﴾ يَجِبُ إِخْرَاجُ الفِطْرَةِ (ح) عَنْ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ مَالُ التِّجَارَةِ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَة غُلَّبَ زَكَاةُ العَيْنِ فِي قَوْلِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَغُلِّبَ زَكَاةُ التِّجَارَةِ فِي قَوْلٍ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالمَسَاكينِ لِعُمُومِهِ، فَإنْ غَلَّبْنَا الزَّكَاةَ وَلَمْ يَكُنِ المَالُ نِصَاباً بِاعْتِبَارِهِ عَدَلْنَا إلَى الزَّكَاةِ الأخْرَى فِي أَظْهُرِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ اشْتَرَى مَعْلُوفَةً لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ أَسَامَهَا وَقُلْنَا: المُغَلَّبُ زَكَاةُ العَيْنِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةُ التِّجَارَةِ كَيْلاَ يُحْبِط بَعْضَ حَوْلِ التِّجَارَةِ. قال الرافعي: غرض القاعدة الكلام فيما لو كان مال التجارة مما يجب في عينه الزَّكَاة، وافتتحها باجتماع الفطرة وزكاة التجارة، فعندنا: تجب فطرة عبيد التِّجَارة مع إخراج الزَّكَاةَ عن قيمتهم، وبه قال مالكٌ خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: "لا تجب الفطرة به". لنا: أنهما حقان يجبان لسببين مختلفين، فلا يَتَداخلان كالجَزَاء مع القِيمَة (١) في العبد المَمْلُوك، ولو كان مَالُ التِّجَارَةِ نِصَاباً من السائِمَة فلا تجب فيه زكاة العين، والتِّجَارة جميعاً، وفيما تُقَدَّم مِنْهُمَا؟ قولان: الجديد -وبه قال مالك-: أنه تُقَدَّمُ زَكَاةُ الْعَيْن؛ لأنها أقوى من جِهَة أنها مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وفي زكاة التجارة نزاع لبعض أهل الظاهر، وقد حكينا فيها عن القديم شيئاً ضعيفاً أيضاً. والقديم -وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: أنه تُقَدَّم زَكَاة التِّجَارَةِ؛ لأنها أنفع للمساكين من حيث إنها تعم وتشمل أصنَاف الأموال، وتزيد بزيادة القِيمة. وذكر القَفَّال في "شرح التلخيص" أن له في القديم قولين: أحدهما: كالجديد. والثاني: تغليب زَكَاة التِّجَارة ورأيت لابْنِ الصَّبَاغِ من العراقيين رواية مثل ذلك. فإن قلنا: بالأصح، وهو تقديم زكاة العين أخرج السِّنَّ الوَاجِبَةَ مِنَ السَّائِمَةِ، والسُّخَال تُضَمُّ إلى الأمهات، وإن قدمنا زكاة التّجَارة فقد قال في "التهذيب": تقوم مع درِّها، وَنَسْلِهَا، ؤصُوفِهَا، وما اتخذ من لَبَنِهَا، وهذا جواب في النّتاج على أنه مال تِجَارة، وقد أَسْلَفْنَا فيه خلافاً، ولا عبرة بنقصان النِّصاب في أثناء الحول تفريعاً على الصَّحيح في وقت اعتبار نِصَاب التِّجَارة، ولو اشترى نِصَاباً مِنَ السَّائِمَة لِلتِّجَارة، ثم اشترى بها عرضاً بعد سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَثَلاً، فعلى القول الثاني: لا ينقطع الحول، وعلى

стр. 1225

الأول: ينقطع، ويبتدئ حول زكاة التجارة من يوم شِرَاء العَرَض، ثم القولان فيما إذا كَمُلَ نصاب الزَّكَاتَيْنِ واتفق الحولان، أما إذا لم يَكْمُلْ نصاب إحداهما كما إذا كان مَالُ تِجَارَتِهِ أربعين من الغَنَم السائمة، ولم تبلغ قيمتها نصاباً عند تمام الحول، أو تسعاً وثلاثين فما دونها وبلغت قيمتها نصاباً فعليه زَكَاةُ الَّتِي كَمُلَ نِصَابُهَا دون الأخرى قولاً واحداً، هكذا ذكر العراقيون والقَفَّالُ وَاَلْجَمْهُورُ، وما في الكتاب يقتضي إثبات الخلاف فيه فإنه قال: (فإن غَلَّبْنَا زكاة، ولم يكن المال نصاباً باعتباره، عدلنا إلى الزكاة الأخرى في أظهر الوجهين) وكلام الإمام يوافق ما ذكره، فإنه روى وجهين في وجوب زكاة العين إذا رَأَيْنَا تقديم زَكَاة التِّجَارة، وكان مال تجارته أربعين من الغَنَم، ولم يبلغ قيمتها نصاباً في آخر الحول، وعلى عكسه كما لو رأينا تقديم زكاة العين، وقد اشترى أربعين فنقص العدد، وقيمة الباقي نصاب من النقد، روى وَجْهَيْن في وجُوب "زَكَاة التِّجارة" وَسَاعَدَهُمَا صَاحِبُ "التهذيب" في حكاية الخلاف في الصُّورة الأولى دون الثَّانِيَة، وسواء ثبت الخلاف أم لا، فالجواب في المسألة العدولُ إلى الزَّكَاة الأُخْرَى لانقطاع زحمة الأولى، وإذا غَلَّبْنَا زَكَاةَ الْعَيْن في نصاب السَّائِمَة، وانتقصت في خلال السَّنَةِ عن النِّصَاب، ونقلناه إلى زكاة التِّجارة، فهل يبنى حَوْلَ زكاة التجارة عَلَى حَوْلِ زَكَاةِ الْعَيْنِ أم يستأنف لَهَا حَوْلاً؟ فيه وجهان: حكاهما القَفَّالُ فِي "الشَّرْح" قال: وهما كالوجهين فيما لو مَلَك نِصَاباً من السَّائِمَةِ لاَ لِلتِّجَارَةِ، واشترى به سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ، هل يَبْنَى حَوْلَ السِّلعة عَلَى حَوْلِ المَاشِيَة؟ وإذا أوجبنا زكاة التجارة لِنقْصَان الْمَاشِيَة المشتراه للتجارة عن قدر النِّصَاب، ثُمَّ بَلَغَتْ بالنَّتَاجِ في أَثْنَاءِ الحَوْلِ نِصَاباً ولم تبلغ بالقيمة نِصَاباً في آخِر الحَوْلِ فقد حكى صاحبُ "التهذيب" عن بعض الأصحاب أنه لا زكاة عليه؛ لأن الحَوْلَ انعقد على زَكَاة التِّجَارة، فلا يتبدل. وعن بعضهم: أنه ينتقل إلى زكاة العين، فعلى هذا يعتبر الحَوْلُ من تمام النِّصَاب بالنَّتَاج، أو من وقت نقصان القيمة عن النِّصاب؟ فيه وجهان (١): وأما إذا كَمُلَ نِصَابُ الزَّكَاتَيْن وَلَمْ يتفق الحَوْلاَن، وهذا في السَّوائم إنما يكون بسبب حول زكاة التِّجارة بأن يشتري بمتاع تجارتة بعد سِتَّةِ أَشْهُر نِصَاباً من السَّائِمَة، أو يشتري مَعْلُوفَةٌ للتجارة ثم يُسِيمُهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ولا يتصور سَبْق حول زكاة العين فيها، لأَنَّ حَولَهَا ينقطع بالمبادلة، فإذا تصور ذلك؛ ففيه طريقان: أظهرهما -وبه قال القاضي أبو حامد-: أنه على القولين في أنه يُقَدِّم هَذِه الزَّكَاةِ، أم هذه الزكاة؟

стр. 1226

والثَّانِي -وبه قال أبو إسحاق واختاره القاضي أبو الطيب (١) -: أن القولين مَخْصُوصان بها إذا اتفق الحولان، وذلك بأن يشتري بعروض القَنْيَة نِصَاباً مِنَ السَّائِمَة لِلتِّجَارَة. فأما إذا لم يتفقا فلا جريان للقولين، وعلى هذا فما الحكم؟ نَقَلَ الإِمَامُ ﵁ فيه طريقين: أحدهما: أن المتأخر يرفع المُتَقَدِّم، وَيتَجَرَّدُ قولاً وَاحِداً. والثَّاني: أن المُتَقَدِّم يرفع المتأخر، وعليه زكاة التّجارة في الصُّورَةِ المَفْرُوضة قولاً واحداً: لأن التي تَمَّ حَوْلُهَا خَالِية عن زحمة الغير فتجب، وهذا هو الأشهر الذي نَقَله المعظم تفريعاً على طريقة أبي إسحاق، وإذا طردنا القولين فيما إذا تَقَدَّم حول التِّجَارة، فإن غَلَّبْنَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ فَلاَ كَلاَمَ، وإن غَلَّبْنَا زَكَاةُ الْعَيْنِ فوجهان: أحدهما: أنها تَجِب عند تمام حولها، وما سبق من حول التجارة على حول زَكَاة العَيْنِ يَتَعَطَّل (٢). وأظهرهما: أنه يجب عليه زكاة التجارة عند تمام حولها لئلا يحبط بعض حولها، ثم يستفتح حول زكاة العين من منقرض حولها، وتجب هي في سَائِرِ الأحوال. وقوله: (وقلنا: المغلب زكاة العين) جواب على طريقة طرد القولين مع اختلاف الحولين، ولك أن تُعَلِّمَهُ بالواو، وتشير به إلى الطريقة الثَّانية لِلْخِلاَف، هذا تمام القَوْلِ فيما إذا كَانَ مَالَ التِّجَارَة نِصَاباً من السَّائِمَة -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَى حَدِيقَة لِلتِّجَارَة فَأثْمَرَتْ وَقُلْنَا: الثَّمرَةُ مَالُ التِّجَارَة، أَوْ اشْتَرَى الثِّمَارَ قَبْلَ الصَّلاحِ فَبَدَا الصَّلاحُ فِي يَدِهِ وَغَلَّبْنَا زَكاةَ العَيْنِ فَالعُشْرُ المُخْرَجُ لاَ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ حَوْلِ التِّجَارَةِ عَلَى الثِّمَارَ بَعْدَ القِطَافِ، وَهَلَ نُسْقِطُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ عَنِ الأَشْجَارِ وَالأَرَاضِي؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ مَنْشُؤُهَا التَّرَدُّدُ فِي التَّبَعِيَّةِ، وَفِي الثَّالِثِ يُتْبَعُ الشَّجَرَةُ دُونَ الأَرْضِ، وَلَوِ اشْتَرَى أَرْضًا لِلتَّجَارَةِ وَزَرَعَهَا بِبَذْرِ القَنْيَةِ فَحَقُّ الزَّرْع العُشْرُ، وَلاَ تَسْقُطُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ، لِأَنَّ التِّجَارَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي مُتَعَلَّقِ العُشْرِ حَتَّى يُسْتَتْبَعْ غيْرُهُ. قال الرافعي: الفصل ينظم صورتين: أحدها: لو اشترى حديقة، أو نخيلاً لِلتِّجَارَة فأثمرت أو أرضاً مزروعة للتجارة

стр. 1227

فأدرك الزَّرع، وبلغ الحاصل نِصَاباً؛ فالقولان في أن الواجب زكاة العين، أو زكاة التجارة مطردان، فإن لم يكمل أحد النِّصَابين، أو كَمُلاَ ولم يتفق الحولان استمر التفصيل الذي سبق، وهاهنا كما يتصور سبق حول التجارة يتصور سبق زكاة العين بأن يبدو الصلاح في الثمار قبل تمام حول التّجارة، ثم هذا الذي ذكرناه فيما إذا كانت الثَّمَرة حَاصِلَة عند الشِّراء، وبُدُوِّ الصَّلاَح فِي يده، أما إذا طلعت بعد الشِّرَاء، فيزداد هذا النظر إلى شيء آخر. وهو أن الثمرة الحادثة من أشجار التجارة هل تكون مال التِّجَارة؟ وفيه وجهان أسلفنا ذكرهما (١). فإن قلنا: نعم فهي كما لو كانت حاصلة عند الشراء، وتنزل منزلة زيادة متصلة، أو أرباح مُتَجَدِّدة في قِيمَة العُروضِ، ولا تنزَّل منزلة ربح ينضّ حتى يكون حولها على الخلاف الذي سبق فيه. وإن قلنا: إنها لَيْسَت مَالَ تِجَارَةٍ فقضيته وجوب زكاة العين فيها بلا خلاف، وتخصيص زَكَاةِ التِّجارة بالأرض والأشجار. التفريع: إن غلبنا زكاة العين أخرج العُشْرَ، أو نِصْفَ العُشْرِ من الثِّمار أو الزروع. وهل تسقط به زكاة التجارة عن قيمة جذع النخيل؟ وتبن الزرع؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المقصود الثمار والزروع، وقد أخذنا زكاتها. وأظهرهما: لا؛ لأنه ليس فيها زكاة العين، فلا تسقط عنهما زكاة التجارة، ويحكى الوجه الثاني عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق، وفي أرض الحديقة، وأرض الزرع طريقان: أحدهما: أن في زَكَاة التِّجارة فِي قِيمَتِهَا وَجْهَيْنِ كما في الجذع، والتبن. والثاني: القطع بالوجوب. والفرق بُعْدُ الأراضي عن التبعية، فإنَّ الثِّمَار والْحُبُوبَ خَارِجَةٌ عن عين الشَّجَرَةِ، والتبن، وهمَا خَارِجَتَان مما أودع في الأرض لا من نفس الأرض. قال الإمام، وَينْبَغِي أن يعتبرِ ذلك بِمَا يدْخَل مِنَ الأَرَاضِي المتخللة بين النَّخيل في المُسَاقَاة وما لا يدخل فما لا يدخل تَجِبْ فيه زَكَاة التِّجَارَةِ قَطْعاً، وما يدخل فهو على الخِلافَ -والله أعلم-. فإن أوجبنا زَكَاة التِّجَارة في هذه الأَشْيَاء فَلَمْ تبلغ قيمتها نِصَاباً، فهل تُضَمّ قِيمَة التَّمَرَةِ وَالْحَبِّ إِلَيْهَا لِتَكْمِيل النِّصَابِ؟ نقلوا فيه وجهين (٢). وعلى هذا القول لا يَسْقُط اعتبار التِّجَارة فِي المُسْتَقْبَل بالكُلِّية، بل تَجِبُ زَكَاةُ

стр. 1228

التِّجَارَةِ فِي الأَحْوَالِ الآتية، ويكون افتتاح حَوْلِ التِّجَارة مِنْ وَقْتِ إِخْرَاج العُشْرِ لا من وَقْتِ بُدُوِّ الصَّلاحَ، وإن كان ذلك وَقْتَ الوُجُوبِ؛ لأن عليه بعد بُدُوِّ الصَّلاح تربية الثِّمار للمساكين، فلا يجوز أن يكون زمان التَّربِيَة محسوباً عليه، ذَكَره في "النهاية" وإن غَلَّبنَا زكاة التِّجَارة قُوِّمَتْ الثَّمرة والجذع، وفي الزرع الحبُّ والتِّبْنُ، وتُقَوَّمُ الأَرْضُ أيضاً، في صُورة الحَدِيقة، وفيما إذَا اشْتَرَى الأَرْضَ مَزْرُوعة لِلتِّجَارة، ولا فِرقِ بين أن يشتريها مزروعة للتِّجَارة وبين أن يَشْتَرِي أَرْضاً للتِّجَارَةِ وَبِذْرًا لِلتِّجَارَةِ وَيزْرَعُهَا بِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، ولو اشترى الثِّمَار وَحْدَها وبَدَا الصَّلاح فِي يَدِهِ، جَرَى القَوْلاَن فِي أنَّهُ يُخْرِجُ العُشْرَ أم زكاة التِّجارة. والثانية: لو اشترى أرضاً لِلتِّجارة، وَزَرَعَهَا بِبِذْرِ للقنية، فعليه العُشْرُ في الزرع وزكاة التِّجارة في الأرض بلا خلاف، ولا تَسْقُطُ زَكَاة التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ بأداء العُشْرِ قولاً وَاحِداً؛ لأن التِّجَارة لم توجد في مُتَعَلّق العُشْرِ، حتى يستتبع غيره. وأما لَفْظُ الكتاب: فقوله: في صورة شراء الحديقة (وقلنا: الثمرة مال تجارة) أشار به إلى الوجهين، في أن ثِمَار أَشْجَار التِّجَارَة، هَل تَكُون مَالَ تِجَارةٍ؟ وإنما يقطع النظر إليهما إذا حدثت الثمار بعد الشراء على ما بَيَّنَّاهُ. وقوله: (أو اشْتَرى الثِّمَار) هُوَ صورة شراء الثمار وَحْدَها، وإنما يعتبر بُدُوُّ الصَّلاحَ فِي يَدِهِ، لأنه وَقْتُ وجُوب العُشْرِ، وبتقدير تقدمه على الشراء فالواجب زَكَاة التِّجارة قولاً وَاحِداً. وقوله: (فالعشرَ المخرج لا يمنع من انعقاد حَوْل التجارة على الثِّمار بعد القِطاف) معناه ما ذكرناه أنه لا يسقط على قولٍ تقديم زَكَاة العَيْنِ اعتبار التِّجارة في الأحوال المستقبلة. وقوله: (وهل تسقط زكاة التجارة عن الأشجار والأرض) يرجع إلى صورة الحديقة دون الصورة الثانية شراء مُجَرَّدِ الثِّمار. وقوله: (فيه ثلاثة أوجه) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن إثبات الوجوه الثلاثة إنما ينتظم على قول من أْثبَت الخِلاَف في الأراضي، وقد نقلنا طريقة قاطعة بأنَّها لا تتبع. قال الغزالي: ﴿فَصْلٌ﴾ إِذَا قُلنَا: العَامِلُ لاَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ وَجَبَ زَكَاةُ الجَمِيعِ (و) عَلَى المَالِكِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ وَجَبَ عَلَى العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ بِحَوْلِ الأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ رُبْحٌ وَبِحَوْلٍ مُسْتَفْتَحٍ مِنْ وَقْتِ الظُّهُورِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ فِي حَقِّهِ أَصْلٌ، وَفِيهٍ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فَأَشْبَهَ المَغْصُوبَ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فَهَلْ يَسْتبِدُّ بِإخْرَاجِهِ فِيهِ خِلاَفٌ يُلْتَفَتُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ كالْمُؤَنِ، أَوْ كَاسْتِرْدَادِ طَائِفَةٍ مِنَ المَالِ وَعَلَيهِ ينْبَني أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ المَالِكُ مِنَ الزَّكَاةِ يُحْتَسِبُ مِنَ الرِّبْحِ أَوْ مِنْ رَأسِ المَالِ. قال الرافعي: بناء الفصل على أن عامل القَراض هَل يَمْلُكُ القَدْرَ المَشْرُوط لَهُ مِنَ

стр. 1229

الرِّبْحِ بمجرد الظُّهُور أو لا يملك إِلاَّ بِالْقِسْمَة؟ وفيه قولان: أصحهما: الثاني، وسيأتي شرحهما في "كِتَاب القَرَاض" -إن شاء الله تعالى-. إذا عَرَفْتَ ذلك، فالرَّجُل إذَا دَفَع إلَى غَيْرِهِ نَقْداً قراضاً وحال الحول وفيه ربح فلا يخلو إما أن لا يكون واحد مِنْهُمَا مِنْ أهْلِ وجُوبِ الزَّكَاة، كالذِّمِّي والمُكَاتَب، أو يكونَا جميعاً مِنْ أهله، أو يكون أحدهما من أهله دون الثاني. أما الحالة الأولى: فلا يخفى حكمها. وأما الثانية: فكلام الكتاب مقصور عليها، فإن قلنا: العامل لا يملك الربح بالظُّهور فَزَكَاةَ رأس المَالِ والربح كله على المَالِكِ، لأن الكُلَّ مِلْكُه، هَكَذا قاله الجمهور. ورأى الإمام تخريج الوجوب في نصيب العامل على الخلاف في المغصوب والمَجْحُود والأمْلاَك الضَّعِيفة، لتأكُّدِ حَقِّ العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ، وتَعَذُّرِ إِبْطَالِهِ عَلَى الْمَالِكِ، وحَوْلُ الرِّبْحِ مبنِيُّ على حَوْلِ الأَصْلِ، إلا إذا رُدَّ إلى النضوض ففيه الخلاف الذي تَقَدَّم ثم إن أخرج الزكاة من مال آخر فَذَاك، وإن أُخْرِجَ مِنْ هَذَا الْمَالِ ففي حكم المُخْرَج وجهان: أحدهما: أنه محسوب من الرِّبْح كالمُؤَنِ الَّتِي تَلْزَمُ المَالَ مِنْ أُجْرَةِ الدَّلاَّلِ وَالْكَيَّالِ، وكما أن فُطْرَة عبيد التِّجَارَةَ تُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَذَا أَرْشٌ جَنَايَتِهِمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ عَندَ الأكثرين ويحكى عن نَصِّهِ في "الأم". والثاني: أنه كَطَائِفَة مِنَ المَالِ يَسْتَرِدُّهَا الْمَالِكُ؛ لأنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى حَقٍّ لَزمهُ، فعلى هذا يكون المُخْرَجُ من رَأسِ الْمَالِ وَالرِّبْح جَمِيعاً على قضية التقسيط. مثاله: رأس المال مَائَة والرِّبْحُ خَمْسُون، يكون ثُلُثَا المُخْرَجِ مِنْ رَأسِ الْمَالِ، وَثُلُثُه مِنَ الرِّبْحِ. قال في "التهذيب": والوجهان مَبْنِيَّانِ على أن الزَّكَاة تَتَعلَّق بِالْعَيْنِ أو بالذِّمَة؟ إن قلنا: بالأول فهو كالمُؤَن، إلا فكاسترداد طائفة من المال، وروى الإمام هذا البناء عن بعضهم، لكن مع ترتيب، إن قلنا بتعلقها بِالْعَيْنِ فَهُوَ كَالْمُؤَنِ بِلاَ خِلاَف، وإلا ففيه الخِلاَف، ثم إنه لم يَرْتَضِ هَذَا البنَاءَ، ولم يستبعد طرد الوجهين تَعلَّقت الزَّكاة بالعَيْنِ أو بالذِّمة. وفي المسألة وجه ثالث: أن المخرج من رأس المال خَاصَّة؛ لأن الوَاجِب لزمه خَاصَّة، وهذا أظْهَرُ عند القاضي الرّوَيانِي وقَوْم ﵏، وإن قلنا: العامل يملك الرّبْحَ بالظُّهُورِ فعلى المالك زَكَاةُ رأسِ الْمَالِ ونصيبه مِنَ الرِّبْحِ، وهَلْ على العَامِل زَكَاةُ نَصِيبِهِ؟ فيه طرق: أحدها -ويحكى عن صاحب "التقريب"-: أنه على القولين في المغصوب

стр. 1230

ونظائره؛ لأنه لا يتمكن من التَّصَرُّف على حسب مشيئته. والثَّاني: القطع بالوجوب؛ لأنه مُتَمَكِّن مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ متى شَاء بالاسْتِقْسَام، فأشبه الدَّيْنَ الحَالَّ عَلَى الْمَلِيءِ. والثالث -ويحكى عن القفال-: القطع بالمنع؛ لأن ملكه غير مستقر من حيث إنه وقاية لرأس المال عن الخُسْران، فصار كملك المُكَاتب، فإن أوجبناه وهو الظَّاهر - سواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالكلام في أمور: أحدها: حول حِصَّتِهِ من الرِّبْحِ هل هو حول رأس المال؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كحصة المالك منه؛ لأنهما جميعاً مستفيدان للرِّبْح مِنْ رَأسِ الْمَال. وأصحهما: لا؛ لأنه في حَقِّه أَصْلٌ وَاقِع في مقابلة عمله، ولا عهد بضم مِلْك الْغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ فِي الْحَوْلِ، وعلى هذا فَمِنْ مَتَى يبتدأ الحول؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: وهو نصه في "المختصر": أنه من يوم الظُّهور لِثُبُوتِ مِلْكِهِ من يَؤْمَئِذٍ. والثاني: من يوم يقوَّم المالُ على المالك لأخذ الزكاة. والثالث: من يوم القسمة؛ لأن مِلْكِه حينئذ يستقر. الثاني: إذا تَمَّ حوله، ونصيبه لا يبلغ نصاباً، ومجموع المال نِصَاب فإن أثبتنا الخُلْطَة في النَّقْدَيْنِ فعليه الزَّكَاة، وإلاَّ فلا إلا أن يكون له من جنسه ما يتم به النِّصَاب، وهذا إذا لم نجعل ابتداء الحول من يوم المُقَاسَمة، فإن حسبناه من المقاسمة سَقَطَ النَّظَر إلى قَوْلَى الخُلْطَة. الثالث: لا يلزمه إخراج الزَّكَاةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لأنه لا يعلم سَلاَمَةِ نَصِيبِهِ له إلا إذا تَقَاسما وحينئذ يُزَكِّيه لما مضى، كالدَّيْنِ إذا اسْتَوْفَاهُ، هذا هو الأظْهَر، ونفى ابْنُ عَبْدَانَ الخلاف فيه. وفيه وجه آخر: أنه يجب الإخْرَاج في الْحَال لتمكنه من الاستقسام، فأشبه الوَدِيعة عِنْدَ الْغَيْرِ، ويحكى هذا عن صَاحِب "التَّقْرِيب". والرابع: إن أخرج الزَّكَاةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخر فذاك، وإن أراد إِخْرَاجَهَا مِنْ مَالِ الْقَرَاضِ، فهل يَسْتَبِد به أم لِلْمَالك منعه؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يستبد، وذكر الرّوَياني أنه المنصوص. والثاني -ولم يورد الصيدلاني غيره-: أنه لا يستبد بِهِ وللمالك منعه؛ لأن الربح وقايةٌ لِرَأْسِ المال عن الخُسْران، فله أن يمنعه من التَّصَرُّفِ فيه حتى يسلم إليه رأس المال. قال الإمام: ويمكن تخريجها على ما ذكرنا من أن الزَّكَاة مؤنة أو استرداد طائفة؟
следующие страницы →