والثَّانِي -وبه قال أبو إسحاق واختاره القاضي أبو الطيب (١) -: أن القولين مَخْصُوصان بها إذا اتفق الحولان، وذلك بأن يشتري بعروض القَنْيَة نِصَاباً مِنَ السَّائِمَة لِلتِّجَارَة. فأما إذا لم يتفقا فلا جريان للقولين، وعلى هذا فما الحكم؟ نَقَلَ الإِمَامُ ﵁ فيه طريقين:
أحدهما: أن المتأخر يرفع المُتَقَدِّم، وَيتَجَرَّدُ قولاً وَاحِداً.
والثَّاني: أن المُتَقَدِّم يرفع المتأخر، وعليه زكاة التّجارة في الصُّورَةِ المَفْرُوضة قولاً واحداً: لأن التي تَمَّ حَوْلُهَا خَالِية عن زحمة الغير فتجب، وهذا هو الأشهر الذي نَقَله المعظم تفريعاً على طريقة أبي إسحاق، وإذا طردنا القولين فيما إذا تَقَدَّم حول التِّجَارة، فإن غَلَّبْنَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ فَلاَ كَلاَمَ، وإن غَلَّبْنَا زَكَاةُ الْعَيْنِ فوجهان:
أحدهما: أنها تَجِب عند تمام حولها، وما سبق من حول التجارة على حول زَكَاة العَيْنِ يَتَعَطَّل (٢).
وأظهرهما: أنه يجب عليه زكاة التجارة عند تمام حولها لئلا يحبط بعض حولها، ثم يستفتح حول زكاة العين من منقرض حولها، وتجب هي في سَائِرِ الأحوال.
وقوله: (وقلنا: المغلب زكاة العين) جواب على طريقة طرد القولين مع اختلاف الحولين، ولك أن تُعَلِّمَهُ بالواو، وتشير به إلى الطريقة الثَّانية لِلْخِلاَف، هذا تمام القَوْلِ فيما إذا كَانَ مَالَ التِّجَارَة نِصَاباً من السَّائِمَة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَى حَدِيقَة لِلتِّجَارَة فَأثْمَرَتْ وَقُلْنَا: الثَّمرَةُ مَالُ التِّجَارَة، أَوْ اشْتَرَى الثِّمَارَ قَبْلَ الصَّلاحِ فَبَدَا الصَّلاحُ فِي يَدِهِ وَغَلَّبْنَا زَكاةَ العَيْنِ فَالعُشْرُ المُخْرَجُ لاَ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ حَوْلِ التِّجَارَةِ عَلَى الثِّمَارَ بَعْدَ القِطَافِ، وَهَلَ نُسْقِطُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ عَنِ الأَشْجَارِ وَالأَرَاضِي؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ مَنْشُؤُهَا التَّرَدُّدُ فِي التَّبَعِيَّةِ، وَفِي الثَّالِثِ يُتْبَعُ الشَّجَرَةُ دُونَ الأَرْضِ، وَلَوِ اشْتَرَى أَرْضًا لِلتَّجَارَةِ وَزَرَعَهَا بِبَذْرِ القَنْيَةِ فَحَقُّ الزَّرْع العُشْرُ، وَلاَ تَسْقُطُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ، لِأَنَّ التِّجَارَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي مُتَعَلَّقِ العُشْرِ حَتَّى يُسْتَتْبَعْ غيْرُهُ.
قال الرافعي: الفصل ينظم صورتين:
أحدها: لو اشترى حديقة، أو نخيلاً لِلتِّجَارَة فأثمرت أو أرضاً مزروعة للتجارة
стр. 1227
فأدرك الزَّرع، وبلغ الحاصل نِصَاباً؛ فالقولان في أن الواجب زكاة العين، أو زكاة التجارة مطردان، فإن لم يكمل أحد النِّصَابين، أو كَمُلاَ ولم يتفق الحولان استمر التفصيل الذي سبق، وهاهنا كما يتصور سبق حول التجارة يتصور سبق زكاة العين بأن يبدو الصلاح في الثمار قبل تمام حول التّجارة، ثم هذا الذي ذكرناه فيما إذا كانت الثَّمَرة حَاصِلَة عند الشِّراء، وبُدُوِّ الصَّلاَح فِي يده، أما إذا طلعت بعد الشِّرَاء، فيزداد هذا النظر إلى شيء آخر. وهو أن الثمرة الحادثة من أشجار التجارة هل تكون مال التِّجَارة؟ وفيه وجهان أسلفنا ذكرهما (١). فإن قلنا: نعم فهي كما لو كانت حاصلة عند الشراء، وتنزل منزلة زيادة متصلة، أو أرباح مُتَجَدِّدة في قِيمَة العُروضِ، ولا تنزَّل منزلة ربح ينضّ حتى يكون حولها على الخلاف الذي سبق فيه. وإن قلنا: إنها لَيْسَت مَالَ تِجَارَةٍ فقضيته وجوب زكاة العين فيها بلا خلاف، وتخصيص زَكَاةِ التِّجارة بالأرض والأشجار.
التفريع: إن غلبنا زكاة العين أخرج العُشْرَ، أو نِصْفَ العُشْرِ من الثِّمار أو الزروع.
وهل تسقط به زكاة التجارة عن قيمة جذع النخيل؟ وتبن الزرع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المقصود الثمار والزروع، وقد أخذنا زكاتها.
وأظهرهما: لا؛ لأنه ليس فيها زكاة العين، فلا تسقط عنهما زكاة التجارة، ويحكى الوجه الثاني عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق، وفي أرض الحديقة، وأرض الزرع طريقان:
أحدهما: أن في زَكَاة التِّجارة فِي قِيمَتِهَا وَجْهَيْنِ كما في الجذع، والتبن.
والثاني: القطع بالوجوب.
والفرق بُعْدُ الأراضي عن التبعية، فإنَّ الثِّمَار والْحُبُوبَ خَارِجَةٌ عن عين الشَّجَرَةِ، والتبن، وهمَا خَارِجَتَان مما أودع في الأرض لا من نفس الأرض.
قال الإمام، وَينْبَغِي أن يعتبرِ ذلك بِمَا يدْخَل مِنَ الأَرَاضِي المتخللة بين النَّخيل في المُسَاقَاة وما لا يدخل فما لا يدخل تَجِبْ فيه زَكَاة التِّجَارَةِ قَطْعاً، وما يدخل فهو على الخِلافَ -والله أعلم-.
فإن أوجبنا زَكَاة التِّجَارة في هذه الأَشْيَاء فَلَمْ تبلغ قيمتها نِصَاباً، فهل تُضَمّ قِيمَة التَّمَرَةِ وَالْحَبِّ إِلَيْهَا لِتَكْمِيل النِّصَابِ؟ نقلوا فيه وجهين (٢).
وعلى هذا القول لا يَسْقُط اعتبار التِّجَارة فِي المُسْتَقْبَل بالكُلِّية، بل تَجِبُ زَكَاةُ
стр. 1228
التِّجَارَةِ فِي الأَحْوَالِ الآتية، ويكون افتتاح حَوْلِ التِّجَارة مِنْ وَقْتِ إِخْرَاج العُشْرِ لا من وَقْتِ بُدُوِّ الصَّلاحَ، وإن كان ذلك وَقْتَ الوُجُوبِ؛ لأن عليه بعد بُدُوِّ الصَّلاح تربية الثِّمار للمساكين، فلا يجوز أن يكون زمان التَّربِيَة محسوباً عليه، ذَكَره في "النهاية" وإن غَلَّبنَا زكاة التِّجَارة قُوِّمَتْ الثَّمرة والجذع، وفي الزرع الحبُّ والتِّبْنُ، وتُقَوَّمُ الأَرْضُ أيضاً، في صُورة الحَدِيقة، وفيما إذَا اشْتَرَى الأَرْضَ مَزْرُوعة لِلتِّجَارة، ولا فِرقِ بين أن يشتريها مزروعة للتِّجَارة وبين أن يَشْتَرِي أَرْضاً للتِّجَارَةِ وَبِذْرًا لِلتِّجَارَةِ وَيزْرَعُهَا بِهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، ولو اشترى الثِّمَار وَحْدَها وبَدَا الصَّلاح فِي يَدِهِ، جَرَى القَوْلاَن فِي أنَّهُ يُخْرِجُ العُشْرَ أم زكاة التِّجارة.
والثانية: لو اشترى أرضاً لِلتِّجارة، وَزَرَعَهَا بِبِذْرِ للقنية، فعليه العُشْرُ في الزرع وزكاة التِّجارة في الأرض بلا خلاف، ولا تَسْقُطُ زَكَاة التِّجَارَةِ عَنِ الأَرْضِ بأداء العُشْرِ قولاً وَاحِداً؛ لأن التِّجَارة لم توجد في مُتَعَلّق العُشْرِ، حتى يستتبع غيره.
وأما لَفْظُ الكتاب:
فقوله: في صورة شراء الحديقة (وقلنا: الثمرة مال تجارة) أشار به إلى الوجهين، في أن ثِمَار أَشْجَار التِّجَارَة، هَل تَكُون مَالَ تِجَارةٍ؟ وإنما يقطع النظر إليهما إذا حدثت الثمار بعد الشراء على ما بَيَّنَّاهُ. وقوله: (أو اشْتَرى الثِّمَار) هُوَ صورة شراء الثمار وَحْدَها، وإنما يعتبر بُدُوُّ الصَّلاحَ فِي يَدِهِ، لأنه وَقْتُ وجُوب العُشْرِ، وبتقدير تقدمه على الشراء فالواجب زَكَاة التِّجارة قولاً وَاحِداً. وقوله: (فالعشرَ المخرج لا يمنع من انعقاد حَوْل التجارة على الثِّمار بعد القِطاف) معناه ما ذكرناه أنه لا يسقط على قولٍ تقديم زَكَاة العَيْنِ اعتبار التِّجارة في الأحوال المستقبلة. وقوله: (وهل تسقط زكاة التجارة عن الأشجار والأرض) يرجع إلى صورة الحديقة دون الصورة الثانية شراء مُجَرَّدِ الثِّمار.
وقوله: (فيه ثلاثة أوجه) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن إثبات الوجوه الثلاثة إنما ينتظم على قول من أْثبَت الخِلاَف في الأراضي، وقد نقلنا طريقة قاطعة بأنَّها لا تتبع.
قال الغزالي: ﴿فَصْلٌ﴾ إِذَا قُلنَا: العَامِلُ لاَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ وَجَبَ زَكَاةُ الجَمِيعِ (و) عَلَى المَالِكِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ وَجَبَ عَلَى العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ بِحَوْلِ الأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ رُبْحٌ وَبِحَوْلٍ مُسْتَفْتَحٍ مِنْ وَقْتِ الظُّهُورِ عَلَى وَجْهٍ لِأنَّهُ فِي حَقِّهِ أَصْلٌ، وَفِيهٍ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فَأَشْبَهَ المَغْصُوبَ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فَهَلْ يَسْتبِدُّ بِإخْرَاجِهِ فِيهِ خِلاَفٌ يُلْتَفَتُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ كالْمُؤَنِ، أَوْ كَاسْتِرْدَادِ طَائِفَةٍ مِنَ المَالِ وَعَلَيهِ ينْبَني أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ المَالِكُ مِنَ الزَّكَاةِ يُحْتَسِبُ مِنَ الرِّبْحِ أَوْ مِنْ رَأسِ المَالِ.
قال الرافعي: بناء الفصل على أن عامل القَراض هَل يَمْلُكُ القَدْرَ المَشْرُوط لَهُ مِنَ
стр. 1229
الرِّبْحِ بمجرد الظُّهُور أو لا يملك إِلاَّ بِالْقِسْمَة؟ وفيه قولان:
أصحهما: الثاني، وسيأتي شرحهما في "كِتَاب القَرَاض" -إن شاء الله تعالى-.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فالرَّجُل إذَا دَفَع إلَى غَيْرِهِ نَقْداً قراضاً وحال الحول وفيه ربح فلا يخلو إما أن لا يكون واحد مِنْهُمَا مِنْ أهْلِ وجُوبِ الزَّكَاة، كالذِّمِّي والمُكَاتَب، أو يكونَا جميعاً مِنْ أهله، أو يكون أحدهما من أهله دون الثاني.
أما الحالة الأولى: فلا يخفى حكمها.
وأما الثانية: فكلام الكتاب مقصور عليها، فإن قلنا: العامل لا يملك الربح بالظُّهور فَزَكَاةَ رأس المَالِ والربح كله على المَالِكِ، لأن الكُلَّ مِلْكُه، هَكَذا قاله الجمهور. ورأى الإمام تخريج الوجوب في نصيب العامل على الخلاف في المغصوب والمَجْحُود والأمْلاَك الضَّعِيفة، لتأكُّدِ حَقِّ العَامِلِ فِي حِصَّتِهِ، وتَعَذُّرِ إِبْطَالِهِ عَلَى الْمَالِكِ، وحَوْلُ الرِّبْحِ مبنِيُّ على حَوْلِ الأَصْلِ، إلا إذا رُدَّ إلى النضوض ففيه الخلاف الذي تَقَدَّم ثم إن أخرج الزكاة من مال آخر فَذَاك، وإن أُخْرِجَ مِنْ هَذَا الْمَالِ ففي حكم المُخْرَج وجهان:
أحدهما: أنه محسوب من الرِّبْح كالمُؤَنِ الَّتِي تَلْزَمُ المَالَ مِنْ أُجْرَةِ الدَّلاَّلِ وَالْكَيَّالِ، وكما أن فُطْرَة عبيد التِّجَارَةَ تُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَذَا أَرْشٌ جَنَايَتِهِمْ، وَهَذَا أَظْهَرُ عَندَ الأكثرين ويحكى عن نَصِّهِ في "الأم".
والثاني: أنه كَطَائِفَة مِنَ المَالِ يَسْتَرِدُّهَا الْمَالِكُ؛ لأنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى حَقٍّ لَزمهُ، فعلى هذا يكون المُخْرَجُ من رَأسِ الْمَالِ وَالرِّبْح جَمِيعاً على قضية التقسيط.
مثاله: رأس المال مَائَة والرِّبْحُ خَمْسُون، يكون ثُلُثَا المُخْرَجِ مِنْ رَأسِ الْمَالِ، وَثُلُثُه مِنَ الرِّبْحِ.
قال في "التهذيب": والوجهان مَبْنِيَّانِ على أن الزَّكَاة تَتَعلَّق بِالْعَيْنِ أو بالذِّمَة؟ إن قلنا: بالأول فهو كالمُؤَن، إلا فكاسترداد طائفة من المال، وروى الإمام هذا البناء عن بعضهم، لكن مع ترتيب، إن قلنا بتعلقها بِالْعَيْنِ فَهُوَ كَالْمُؤَنِ بِلاَ خِلاَف، وإلا ففيه الخِلاَف، ثم إنه لم يَرْتَضِ هَذَا البنَاءَ، ولم يستبعد طرد الوجهين تَعلَّقت الزَّكاة بالعَيْنِ أو بالذِّمة. وفي المسألة وجه ثالث: أن المخرج من رأس المال خَاصَّة؛ لأن الوَاجِب لزمه خَاصَّة، وهذا أظْهَرُ عند القاضي الرّوَيانِي وقَوْم ﵏، وإن قلنا: العامل يملك الرّبْحَ بالظُّهُورِ فعلى المالك زَكَاةُ رأسِ الْمَالِ ونصيبه مِنَ الرِّبْحِ، وهَلْ على العَامِل زَكَاةُ نَصِيبِهِ؟ فيه طرق:
أحدها -ويحكى عن صاحب "التقريب"-: أنه على القولين في المغصوب
стр. 1230
ونظائره؛ لأنه لا يتمكن من التَّصَرُّف على حسب مشيئته.
والثَّاني: القطع بالوجوب؛ لأنه مُتَمَكِّن مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ متى شَاء بالاسْتِقْسَام، فأشبه الدَّيْنَ الحَالَّ عَلَى الْمَلِيءِ.
والثالث -ويحكى عن القفال-: القطع بالمنع؛ لأن ملكه غير مستقر من حيث إنه وقاية لرأس المال عن الخُسْران، فصار كملك المُكَاتب، فإن أوجبناه وهو الظَّاهر - سواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالكلام في أمور:
أحدها: حول حِصَّتِهِ من الرِّبْحِ هل هو حول رأس المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كحصة المالك منه؛ لأنهما جميعاً مستفيدان للرِّبْح مِنْ رَأسِ الْمَال.
وأصحهما: لا؛ لأنه في حَقِّه أَصْلٌ وَاقِع في مقابلة عمله، ولا عهد بضم مِلْك الْغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ فِي الْحَوْلِ، وعلى هذا فَمِنْ مَتَى يبتدأ الحول؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: وهو نصه في "المختصر": أنه من يوم الظُّهور لِثُبُوتِ مِلْكِهِ من يَؤْمَئِذٍ.
والثاني: من يوم يقوَّم المالُ على المالك لأخذ الزكاة.
والثالث: من يوم القسمة؛ لأن مِلْكِه حينئذ يستقر.
الثاني: إذا تَمَّ حوله، ونصيبه لا يبلغ نصاباً، ومجموع المال نِصَاب فإن أثبتنا الخُلْطَة في النَّقْدَيْنِ فعليه الزَّكَاة، وإلاَّ فلا إلا أن يكون له من جنسه ما يتم به النِّصَاب، وهذا إذا لم نجعل ابتداء الحول من يوم المُقَاسَمة، فإن حسبناه من المقاسمة سَقَطَ النَّظَر إلى قَوْلَى الخُلْطَة.
الثالث: لا يلزمه إخراج الزَّكَاةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لأنه لا يعلم سَلاَمَةِ نَصِيبِهِ له إلا إذا تَقَاسما وحينئذ يُزَكِّيه لما مضى، كالدَّيْنِ إذا اسْتَوْفَاهُ، هذا هو الأظْهَر، ونفى ابْنُ عَبْدَانَ الخلاف فيه. وفيه وجه آخر: أنه يجب الإخْرَاج في الْحَال لتمكنه من الاستقسام، فأشبه الوَدِيعة عِنْدَ الْغَيْرِ، ويحكى هذا عن صَاحِب "التَّقْرِيب".
والرابع: إن أخرج الزَّكَاةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخر فذاك، وإن أراد إِخْرَاجَهَا مِنْ مَالِ الْقَرَاضِ، فهل يَسْتَبِد به أم لِلْمَالك منعه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يستبد، وذكر الرّوَياني أنه المنصوص.
والثاني -ولم يورد الصيدلاني غيره-: أنه لا يستبد بِهِ وللمالك منعه؛ لأن الربح وقايةٌ لِرَأْسِ المال عن الخُسْران، فله أن يمنعه من التَّصَرُّفِ فيه حتى يسلم إليه رأس المال. قال الإمام: ويمكن تخريجها على ما ذكرنا من أن الزَّكَاة مؤنة أو استرداد طائفة؟
стр. 1231
إن قلنا بالأول فله إِخْرَاجُها منه استبداداً. وإن قلنا بالثاني، فَلاَ، ولك أن تقول إنما أن يحْسُن أخْذُ الوجهين من هذا المأْخَذِ، إذا أثبتنا الخلاف في كون الزَّكاة مُؤْنَةً أو استرداد طائفة على الإِطْلاَق، لكن أومأ الصيدلاني إلى تخصيص ذلك الخلاف بزكاة جَمِيع الْمَال، إذا أخرجها المالك تفريعاً على القول الأول، فأما ما يخرجه من المَالِ لِزَكاة رأس المال من نَصِيبه من الرِّبْح فهو كاسترداد طائفة، ولا يتجه فيه الوجهان؛ لأن العامل قد اختص بالتزام ما يخصه، فكيف يحسب من الرّبح ما يخص المالك، وقد صرح الإمام بهذا الذي أومأ إليه الشيخ الصَّيْدَلاَنِيّ فكان من حقه أن يقول بأحد الوجهين من المأخذ المذكور، أو لا يقول بتخصيص الوجهين بالقَوْل الأول -والله أعلم-.
الحالة الثالثة: أن يكون أحدُهُمَا مِنْ أَهْلِ وُجُوب الزَّكَاة دون الآخر، فإن كان الذي هو من أهل الوجوب منهما المالك وفَرَّعْنَا على أنَ الكُلَّ لَهُ مَا لَمْ يُقْسَمْ فعليه زكاة لكُلِّ، وإن فَرَّعْنَا على القول الآخر فَعَلَيْهِ زَكَاةُ رأسِ المالِ ونصيبهِ من الرَّبْحِ، ولا شيءَ على العَامِلِ، ولا يكمل مال المالك إن لم يبلغ نصاباً، بنصيب العامل، وإن كان العاملُ من أهلِ الوُجوبِ دُونَ المَالِك.
فإن قلنا: كل المال للمالك قبل القِسْمَة فلا زَكَاة، وإن قلنا: لِلْعَامل حِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ فَفِي الزَّكَاةِ عليه الْخِلاَفُ الَّذِي سَبَقَ في الْحَالَة الأولى، فإن أوجبنا الزَّكَاة فذلك إذا بلغت حِصَّتُهُ نِصَاباً، أو كان له ما يتم به النِّصَاب ولا تثبت (١) الخُلْطَة هاهنا بلاَ خِلاَف، ولا يجيء في اعتبار ابتداء الحول هاهنا إلا الوجه الأول والثَّالِث، ويسقط الثاني؛ لأنه لا تقويم على من لا زكاة عليه، وليس له إخراج الزَّكَاةَ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ هاهنا بلا خلاف؛ لأن المالك لم يدخل في العَقْد على أن يُخْرج من المَالِ الزَّكاة، هكذا ذَكَرُوهُ ولمانع أن يمنع ذلك؛ لأنه عامل من عَلَيه الزَّكاة.
وَعُدْ بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأعلم قوله: (لا يملك الربح بالظهور) بالحاء؛ لأن مذهبا أبي حنيفة ﵀ مثل القول الثاني.
وقوله: (وجب زكاة الجَمِيع على المالك) بالواو؛ لما حكيناه عن الإمام -قدس الله روحه-. وقوله بعد ذلك: (يملك) بالزاي؛ مذهب المزني ﵀، مثل القول الأول، ولا يخفي عليك أن قوله: (لا يملك الربح بالظهور) أراد به حِصَّته من الرِّبح، ففيه الخلاف. ولك أن تعلم قوله: (من وقت الظهور) بالواو، إشارة إلى وجهين ذَكَرْنَاهُمَا في ابتداء الحَوْلِ فإنهما لا يَعْتَبِران وَقْتَ الظُّهُورِ، وإن ساعد هذا الوجه على
стр. 1232
اعتبار حول مستفتح. وقوله: (وفيه وجه أنه لا زكاة عليه) هو مقابل لقوله أولاً: (وجب على العامل في حِصَّته ثم الحكم المذكور في هذا الوجه ليس له تَعَرُّضْ لِلْخِلاَف لكن التعليل والتشبيه بالمغضوب بَيِّنٌ أَنَّهُ قَصَد به حكاية طريقة القولين فكأنه قال: وفيه وجه: أنه لا زَكَاةَ عليه على أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وقد تُسَمَّى طُرَق الأَصْحَاب وُجوهاً:
وقوله: (يلتفت إلى أن الزكاة كالمؤن ...) إلى آخره اتباع منه للمأخذ الذي ذَكَرَهُ الإمَامُ. وقوله: (وعليه ينبني أن ما يخرجه المَالِكَ من الزَّكَاةِ ...) إلى آخره يقتضي إطلاقه إثبات الخلاف فيما يخرجه المالك على القولين، لسكن ما نقلنا عن الصَّيْدَلاَنِي والإمام ينازع فيه، وتَخْصِيصُ الْخِلاَف بالقول الأول.
وقوله: (أو من رأس المال) لم يعن به الاحتساب من رأس المال فحسب وإن نقلها من قبل وَجهاً أنه كذلك يحتسب، وإنما أراد من رأس المال والرِّبْح جميعاً؛ لأنه بني هذا الْخِلاَفِ على الخِلاَف في أنها كالمؤن، أو كاسترداد طائفة من المال واسترداد طائفة من المال يتوزع على رأس المال والرِّبْح ولا يختص برأس المال.
زكاة المعادن والركاز:
قال الغزالي: (النَّوْعُ الخَامِسُ) زَكَاةُ المَعَادِنَ والرِّكَازِ، وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ فِي المَعَادِنِ) وَكُلُّ حُرٌ مُسْلِم نَالَ نِصَاباً مِنَ النَّقْدَيْنِ (ح و) مِنَ المَعَادِنَ فَفِيهِ رُبْعُ العُشْرِ عَلَى قَوْلٍ، وَالخُمْسُ فِي قَوْلٍ تَشْبِيهاً بِالرِّكَازِ، وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: يَلْزَمة الخُمْسُ إِنْ كَانَ مَا نَالَهُ كَثِيراً بِالاِضَافَةِ إِلَى عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْثُرُ فَرُبْعُ العُشْر، وَفِيهِ قَوْلٌ: إِنَّ النِّصَابَ لاَ يُعْتَبَرُ (م). وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَولَ لاَ يُعْتَبَرُ.
قال الرافعي: من أنواع الزكاة ما يخرج من الأموال الكامنة في الأرض إذا نالها الإنسان. وعده في أنواع الزَّكَاة يتفرع على المَذْهَب في أن مَصْرَفَهُ مَصْرَفُ سائر الزَّكَوات، وفيه وجه يأتي في مَوْضِعه أن مَصْرَفه مَصْرَفُ الفَيْءِ، فعلى ذلك الوجه لا يَتَّضِح عَدُّه من الزكوات، ثم الأموال الكامنة في الأرض أما مَخْلُوقَة فيها وهي المعدن (١)، والفَصْل الأوَّلُ معقود له، وإما مدفونة فيها وهي الرِّكَاز (٢)، والفصل الثاني
стр. 1233
معقود له. والأصل في زكاة المعدن بعد الإجماع (١) قولُه تعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) ومما أُخْرِج لنا من الأرض المَعَادِنَ.
وروي أن النَّبِيَّ ﷺ : "أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثَ الْمُزَنِي الْمَعَادِنَ القَبِلِيَّةَ وَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةُ" (٣). وفقه الفصل الذي أخذنا في شرحه مسائل:
إحداها: لا زكاة في المُسْتَخرَج من المعادن إلا في الذَّهَبِ وَالْفِضَّة، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث أوجب في كل جوهر ينطبع ويصير عَلى المطرقة كالحديد والنُّحَاس دون ما لا يَنْطَبع كالكحل والفيروزج والياقوت، ولأحمد حيث قال: "يجب في كُلِّ مستفَادٍ من المعدن منطبعاً كان أو غير منطبع"، وحكى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ في "شرح التلخيص" وجهاً مثله عن بعض الأصحاب.
لنا مع أبي حنيفة: القياس على غير المنطبعات، ومع أحمد على الطِّين الأحمر، وأيضاً فقد روى أنه ﷺ قال: "لاَ زَكَاةَ فِي حَجَرٍ" (٤).
الثانية: في واجب النَّقْدَين المستخرجين من المعدن ثلاثة أقوال:
أصحها: أن الواجب فيها ربع العشر، وبه قال أحمد، لمُطْلَق قوله ﷺ : "فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ" (٥). وروى ﷺ قال: "فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ وَفِي الْمَعْدِنِ الصَّدَقَةُ" (٦).
والثاني: وبه قال أبو حنيفة ويحكى عن المزني أيضاً: أن الواجب الخمس؛ لما روى أنه ﷺ قال: "وَفِي الرِّكَاز الْخُمُسُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الرِّكَازُ؟ قَالَ: هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ المَخْلُوقَانِ فِي الأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" (٧).
стр. 1234
والثالث: أن ما ناله من غير تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ فيه الخُمُس؛ وما ناله بالتَّعَبِ وَالْمُؤْنَةِ ففيه رُبُع العُشْرِ؛ جمعاً بين الأَخْبَار، وأيضاً فإن الواجب يزداد بقِلَّة المُؤْنَة، وينقص بكثرتها، ألا ترى أن الأمر كذلك في الْمَسْقِيّ بِمَاءِ السَّمَاءِ والمَسْقِي بالنَّضح، وعن مالك روايتان:
إحداهما: كالقول الأول.
وأشهرهما: كالثالث، ثم الذي اعتمده الأكثرون في ضبط الفرق على هذا القول النظر إلى الْحَاجة إلى الطَّحْنِ والمُعَالَجَةِ بالنَّار والاستغناء عنهما فما يحتاج إلى الطَّحن والمعالجة، ففيه ربع العشر، وما يستغنى عنهما، ويؤخذ مجموعاً خَالِصاً ففيه الخُمُس، ولم ينظروا إلى قِلَّةِ الموجُودِ وَكَثْرَتِهِ، وحكى الإمام مع هذا طريقة أخرى وهي عد الاحتفار من جملة العمل المُعْتَبَر، والنظر إلى نسبة النَّيْلِ إلى العمل، أيُّ عَمَلٍ كان من الحُفْر والطَّحْن وغيرهما، فإن لم يعد كثيراً بالإضافة إلى العمل أو مقتصداً، ففيه ربع العشر، وإن عُدَّ كثيراً ففيه الخُمُس.
وأوضحهما بالتَّصْوير فقال: لو استفاد إلى قريب من آخر النَّهَار ديناراً، وبِعَمَلٍ قليل في بقية النهار دِينَاراً ففي الأوَّلِ رُبُع العُشْرِ وَفِي الثَّانِي الخُمُس، ولو عمل طُول الْيَوْم ولم يجد شَيْئاً ثم وجد في آخر النهار دِينارين وكان المعتاد المقتصد في اليوم ديناراً، فينبغي أن يحط ديناراً، فنوجب فيه رُبُع العُشْرِ، وفي الزِّيَادة الخُمُس، ويحتمل أن يقال: فيهما الخمس، والزمان الأول قد حبط، والاحتمال الأول هو الذي أورده المصنف في "الوسيط"، وأستحسن القَفَّالُ ألا يطلق في المسألة ثلاثة أقوال بل يرتب فيقال ما استخرج بتعب ومَؤْنَةٍ فواجبه الخُمُس، أو رُبُع العُشْرِ.
إن قلنا: بالثاني ففيما وجد من غير تَعَبٍ أولى.
وإن قلنا: بالأول ففيه قولان: والفرق ما قد تبين.
الثالثة: يتفرع على الخلاف في قدر الواجب اعتبار النِّصَاب والحول، فإن أوجبنا ربع العشر فلا بد من النِّصَاب كالنَّقْدَين من غَيرِ الْمَعَادِن، وفي الحول قولان:
أصحهما: أنه لاَ يشترط، بل تجب الزَّكاة في الْحَال، كالثِّمَار والزُّرُوع، وبهذا قال مَالِكٌ وأبو حنيفة وأحمد ﵏ وهو المنصوص عليه في أكثر كُتُبِ الشَّافِعِيّ ﵁ قديمها وَحَدِيثها.
والثاني: أنه يشترط ولا يجب شيء حَتَّى يتم عليه الحول، كما في النقدين من غير الْمَعَادِن، وهذا القول ينقل عن "مختصر البويطي" إيماء ورواه المزني في "المختصر" عمن يثق به عن الشافعي ﵁ واختاره، وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك عن الشَّافعي ﵁ فلم يحب تسميتها، وإن أوجبنا الخمس فلا يعتبر الحَوْل، وفي النِّصَاب قولان:
стр. 1235
أحدهما: لا يعتبر، وبه قال أبو حنيفة ﵀؛ لأنه مالٌ يجب تَخْمِيسُه فلا يعتبر فيه نصاب كالفئ والغنيمة.
والثاني: يعتبر؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الذَّهَب شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً" (١) وكيفما كان فالظَّاهِرُ من المَذْهَب اعْتِبَار النِّصَاب وَعَدَم اعتبار الحول، والمعنى فيه أن النصاب إنما اعتبر لَيَبْلَغَ الْمَالُ مَبْلَغًا يحتمل المُوَاساة، والحول إنما اعتبر ليتمكن من تنمية المال وتسييره والمستخرج من المعدن نما في نفسه، ولهذا اعتبرنا النصاب في الثمار والزروع، ولم نعتبر الحول -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (كل حر، مسلم) التعرض للحرية والإسلام، كالمفروغ هاهنا؛ لأنا عرفنا اعتبار الصفتين من المالك في جميع الزَّكَوات، والاكتفاء بهما للوجوب بما ذكره في أركان الوجوب وإن كان في ترتيب الكتاب اضطراب على ما بينته في أول: "كتاب الزكاة" ويجيء مثل هذا الكلام في قوله في أول زكاة المُعَشَّرَات: (إذا كان مالكه حُرّاً مسلماً) وقوله: (من النقدين) قصد به الاحتراز عن المستخرج من المعادن، مِمّا سِوَى النقدين، فليكن مُعَلَّماً بالحاء والألف والواو لما سبق.
وقوله: (ربع العشر) معلم بالحاء والزّاي.
وقوله: (الخمس) بالألف والميم لما سبق.
وقوله: (وفيه قول أن النصاب لا يعتبر) ينبغي أن يُعَلّم كلمة: (لا يعتبر) بالميم والألف؛ لأنهما يعتبران النصَاب كما هو الأصح عِندنا. وقوله: (والصحيح أن الحول لا يعتبر) يجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأنه إثبات لِلْخِلاَف فيه كما نقلناه، لكن ابْنَ عَبْدَانَ حكى طريقة أخرى قاطعة بعدم الاعتبار، ولم يثبت ما رواه المزني لإرساله، ولو أَعْلَمْتَ قوله: (لا يعتبر) بالزاي لما ذكرنا من اختيار المزني لجاز.
قال الغزالي: ثُمَّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ مَا يَجِدُّ شَيْئاً فَشَيْئًا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ كَمَا يتلاحَقُ مِنَ الثَّمَارِ، وَلَكِنَّ الجَامِعَ هَهُنَا اتِّصَالُ العَمَلِ فَإِنْ أَعْرَضَ لإصْلاحَ آلتِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ، وإنْ كَانَ الانْتِقَالُ إلَى حِرْفَةٍ أُخْرَى انْقَطَعَ، وإنْ كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَوَجْهَانِ، وَكذَلِكَ يَكْمُلُ النّيل (و) بِمَا يَمْلِكُهُ مِنَ النَّقْدَينِ لاَ مِنْ جِهَةِ المَعَادِنِ، وَبِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَة حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي قَدْرِ النَّيْل بِحِسَابِهِ وإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيمَا كَمُلَ بِهِ لِعَدَمِ الحَوْلِ فِيهِ فَإِنَّ زَكَاةَ المَعْدِنِ وَالنَّقْدَينِ وَالتِّجَارَةِ مُتَشَابِهَةٌ في اتِّحَادِ المُتَعَلَّقِ فَيَكْمُلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
стр. 1236
قال الرافعي: مضمون الفصل مسألتان مفرعتان على اشتراط النِّصَاب:
إحداهما: ليس من الشَّرْط أن ينال في الدفعة الواحدة نِصَاباً بَلْ مَا نَالَهُ بدفعات يُضَمُّ بعضها إلى بعض في الجملة؛ لأن المُسْتَخْرَج من المعدن، هكذا ينال غالباً، فأشبه تلاحق الثمار لكن الضابط في ضَمِّ الثِّمار بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ كونها ثِمَارَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وهاهنا ينظر إلى العمل والنَّيْل، فإن تتابع العمل وَتَوَاصَل النَّيْلُ ثَبَتَ الضَّمُّ.
قال في "التهذيب": ولا يشترط بقاء ما استخرج في ملكه فإن تتابع العَمَل ولكن لم يتواصل النيل بل حفر المعدن زماناً ثم عاد النَّيْلُ، فإن كان زمان الانقطاع يسيراً لم يقدح في الضَّم. وإن طال فقد قال في "النهاية": في الضم وجهان:
وقال الجمهور: فيه قولان:
الجديد: الضَّم؛ لأن المَعْدن كثيراً ما يعرض له ذلك، فلو لم يُضَمّ بطلت زكاة المعدن في كثير من الأحوال:
والقديم -وبه قال مالك-: أه لا يُضَمُّ كما لو قطع العَمَل، وكحِمْلَيْ سَنَتَيْنِ، وإن قطع العمل مع تَوَاصُلِ النَّيْل ثُمَّ عاد إليه نظر إن كان القطع بغير عذر عَارِض فلا ضَمَّ، طال الزَّمَنُ أَوْ قَصُر؛ لأنه أعرض عن هذا النَّوْع من الاكتساب واشتغل بِحِرْفَةٍ أخرى فما يناله بعد العود شيء جديد.
وإن قَطَعَ لِعُذْرٍ فَالضَّمُّ ثَابِتٌ إن قَصُرَ الزَّمَانُ، وإن طَالَ فكذلك عند الأكثرين؛ لأنه عَاكِفٌ على العَمَلِ متى ارتفع العُذْرُ، وَحَكَى الصَّيْدَلاَنيّ وغيره وَجْهاً أنه لا ضَمَّ عِنْدَ طُولِ الزَّمَان، وفي حَدِّ الطُّولِ وَجْهان نقلهما القاضي الرُّوياني:
أحدهما: أنه ثلاثة أيام.
والثاني: يوم كامل؛ لأن العادة العمل كل يوم، وتَرْكُ نوبةٍ كاملةٍ (١) فَصْلٌ طَوِيلٌ.
والأصَحُّ فيه، وفي نظائره تحكيم العرف، ثم إِصْلاحَ الآلات وهَرَبُ العبيد والأُجَراء من الأعذار بلا خلاف، وفي المرض والسفر وجهان:
أحدهما: أنهما يمنعان الضَّمّ بحصول صورة الانقطاع مع أنهما قد يَمْتَدَّانِ.
وأصحهما: أنهما لا يمنعان كسَائِرِ الأَعْذَار، وهذا ما نَصَّ عليه في المرض، ولم يذكر الأكْثَرُونَ غَيْرَه، وينبغي أن يكون السَّفَرُ مرتباً على المَرَضِ، ومتى حكمنا بعَدَمِ الضَّمِّ فذلك على معنى أن الأول لا يضم إلى الثَّانِي في وُجوبِ حَقِّ المَعْدَنِ، فأما الثَّاني
стр. 1237
فيكمل بالأول كما يكمل بما يملكه لا من جهة المعادن على ما سيأتي بيانه.
وقوله في الكتاب: "ولكن الجامع هاهنا اتصال العَمَلِ" قَصْر النَّظَرِ عَلَى العَمَلِ، وإعراض عن تواصل النَّيْلِ، وإنما يستمر ذلك جواباً على الجديد وهو أن انقطاع النَّيْلِ لا أثر له مع اتصال الْعَمَلِ، فيجوز أن يُعَلَّم بالميم والواو إشارة إلى القديم ومذهب مَالِك.
الثانية: إذا نال من المَعْدن ما دون النِّصَاب، وهو يملك من جنْسِه نِصَاباً أو زائداً عليه، فإمَّا أن يناله في آخر جزء من حَوْلِ ما عنده، أو بعد تمام حَوْلِهَ أو قبله.
فأما في الحالتين الأوليين فيصير النَّيْلُ مضموماً إلى ما عِنْدَه، وعليه في ذلك النَّقْدِ حَقَّه وفيما ناله حقه على اختلاف الأحوال فيه؛ لأنهما من جنس واحد، والوجوب ثَابِتٌ فيهما جميعاً. وأما إذا ناله قبل تمام الحول فلا شيء فيما عنده حتى يتم حوله، وفي وجوب حَقّ المعدن فيما ناله وَجْهَان:
أصحهما -وبه أجاب ابن الحداد واختاره القاضي أبو الطَّيِّب، وهو ظاهر نصه في "الأم"-: أنه يجب؛ لأن زكاة النَّقْدَيْنِ لا من جهة المعادن مع زكاتهما من جهة المعادن متشابهتان في اتحاد المتعلق على ما سبق ذكر نظيره في "زَكَاة التجارة".
والثاني: وبه قال الشَّيْخُ أبو حامد-: أنه لا يجب؛ لأنه لا زكاة فيما عنده حتى يصلح لاستتباع غيره، فعلى هذا يجب فيما عنده ربع العشر عند تمام حوله، وفيما ناله ربع العشر عند تمام حوله. وإن كان يملك من جنسه دون النّصاب، كما لو كان يَمْلِك مَائَةِ دِرْهَم، فنال من المعدن مائة، نظر إن نال بعد تمام حول على ما عنده، ففي وجوب حَقِّ الْمَعْدن فيما ناله الوجهان؛ لأنه لا زكاة فيما عنده لنقصانه عن النِّصَاب؛ فعلى الأول يجب فيما عنده رُبُعُ العُشْرِ إذا مَضَى حَوْلٌ من يوم كَمَلَ النِّصَاب بالنَّيْلِ، وعلى الثَّانِي لا يجب شيء حتى يمضي حولٌ من يوم النَّيْلِ، فيجب في الجميع رُبُع العُشْر. وعن صاحب "الإفصاح" وجه: أنه يجب فيما نَالَه حَقه وفيما كان عنده رُبُعُ العُشْرِ فِي الْحَالِ؛ لأنه كَمُلَ بالنَّيْلِ، والحول قد مضى عليه، والنَّيْلُ بمثابة ما حال عليه الحول من الأَمْوَال؛ وإن ناله قبلَ أن يَمْضِيَ حَوْلٌ على المائة فلا مساغ لوجه (١) صَاحِب
стр. 1238
"الإفصاح"، ويجئ الوجهان الأولان، وهذا التَّفْصِيلُ مذكور في بعض طرق العِرَاقيين، وقد نَقَل مُعْظَمه الشَّيْخُ أبُو عَلِي، ورأيت الإمام نسبه إلى السَّهُوِ فيه، وقال: إذا كان يملكه دون النِّصَاب فلا ينعقد عَلَيْهِ حول؛ حتى يفرض له وسط آخر، ويحكم بوجوب الزَّكَاة فيه يوم النِّيْلِ، ولا شَكَّ في بعد القول بوجوب الزَّكَاة فيه يوم النَّيْل؛ لكن الشَّيْخَ لم يتفرد بهذا النَّقْل ولا صار إليه حتى يعترض عليه، وإنما نقله متعجباً منه مُنْكِراً، ولو كان ما عنده مالَ تِجَارة انتظمت فيه الأحوال الثّلاث، وإن كان دُونَ النِّصَاب فلا إِشْكَال؛ لأن الْحَوْلَ ينعقد عَلَيه، ولا يعتبر النِّصَاب إلا في آخر الحَولِ على الصَّحِيح. فإن نال من المَعْدِن في آخر حول التِّجارة ففيه حق المعدن، وفي مال التجارة زكاة التجارة إن كان قدر النِّصَاب، وكذلك إن كان دونه، واكتفينا بالنصاب في آخر الحول. وإن نال قبل تَمَام الحول، ففي وجوب حق المعدن الوجهان السَّابقان، وإن نال بعد تمام الحول، نظر: إن كان مال التجارة نِصَاباً في آخر الحول، ففي النَّيْلِ حَقُّ المعدن؛ لانضمامه إلى ما وجب فيه الزَّكاة، وإن لم يكن نِصَاباً، ونال بعد ما مضى شهر من الحول الثَّاني مثلاً فيبنى ذلك على الخِلاَف في أن سلعة التِّجارة إذا قُوِّمَت في آخر الحَوْل، ولم تبلغ نصاباً، ثم ارتفعت القِيمَةُ بَعْدَ شَهْرٍ هل يجب فيها الزكاة أم ترتقب آخر الحول الثاني؟ إن قلنا بالأول: فتجب زكاة التجارة في مال التِّجارة، وحينئذ يجب حَقّ المعدن في النَّيْل بِلاَ خلاف.
وإن قلنا بالثاني: ففي وجوب حق المعدن الوجهان.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه مُفَرَّعُ على الصَّحِيحِ في أن الحول ليس بِشَرْطٍ في زكاة الْمَعْدن، فإن شَرَطْنَاه انعقد الحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ وَجَدَهُ.
وقوله في الكتاب: (حَتَّى تَجِبَ الزَّكاة في قدر النَّيْل) مُعَلَّم بالواو للوجه المنسوب إلى الشَّيْخِ أَيِ حَامِدٍ، وشهره الإمامُ برواية الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ.
وقوله: (لعدم الحول) فيه تمثيل، وفي معناه ما إذا كان الذي عنده دون النِّصَاب، فإنه لا تجب فيه الزَّكاة إلا على ما حكى عن صاحب "الإفصاح".
وقوله: قبل ذلك "بما يملكه من النقدين" لا من جهة المعادن الحكم غير مخصوص بما إذا كان يملكه لا من جِهَة المعادن، بل لو نال من المعدن ما دون النّصاب وحدث ما يمنع الضَّم، ثم نال قدراً آخر يبلغ مع الأول نِصَاباً كان حكمه حكم ما لو كان الأَوَّل لا من جهة المعادن، فيجب في الآخر حَقّ المعدن على الأصَح، ولا يجب في الأول، لكن ينعقد الحول عليه من يَوْم النِّصَاب لِلْمُسْتَقبل إِلاَّ أن ينقص المبلغ عن النِّصَاب بإخراج حَقِّ الْمَعْدن، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَللْمُسْلِمِ أَنْ يُزْعِجَ الذِّمِّيِّ مِنْ مَعَادِنِ الإسْلاَمِ، وَلَكِنَّ مَا نَالَهُ قَبْلَ
стр. 1239
الانْزِعَاجِ يَمْلِكُهُ وَلاَ زَكَاة عَلَيْهِ إلاَّ إِذَا قُلْنَا عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ إِنَّ مَصْرِفَهُ الفَيْءُ عَلَى قَوْلِنَا وَاجِبُهُ الخُمْسُ، فَإذَا ذَاكَ يُؤْخَذُ مِنَ الذَّمِّيِّ.
قال الرافعي: الذمي لا يمكَّن من احتفار معادن دار الإسلام، والأخذ منها كما لا يمكَّن من الإحياء في دار الإسلام، لأن الدَّار للمُسْلمين وهو دَخِيلٌ فِيهَا. لكن ما أخذه قبل الإزْعَاج يَمْلِكُهُ، كما لو استولى على الحَطَب والْحَشِيش، وهل عليه حق المعدن؟ ينبني عَلى أن مَصْرف حَقّ المعدن مَاذَا؟ ولا شك أن مصرفه مَصْرف الزَّكَاة إن أوجبنا فيه رُبُعَ العُشْرِ، وإن أوجبنا فيه الخُمُسِ فطريقان حكاهما الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ وغيره:
أحدهما: أن في مَصْرفه قَوْلَيْن:
أحدهما: مصرفه مصرف خُمُسُ الفَيْءِ والغنيمة؛ لأنه مَالٌ مُخَمَّسْ مِثْلهما، وبهذا قَالَ أبو حنيفة.
وأصحهما: أن مصرفه مصرف الزَّكَوَاتِ؛ لأنه حَقٌّ وَجَبَ فِي مستفاد من الأرض، فأشبه حَقَّ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ.
والثاني -وبه قال الأكثرون-: أن مصرفه مصرف الزَّكوات قولاً واحداً بخلاف الرِّكاز؛ لأنه مال جَاهِلِي، والظاهر: أنه كان للكفار، وكان شبيهًا بالفَيْءِ، والمعادنُ بخلافه. وصاحب "التلخيص" قد ذكر الطَّريق الأول في بَابِ "زَكاة المَعْدن" في "التلخيص"، والطريق الثاني في باب بعده.
فإن قلنا: مصرفه مصرف الزَّكَواتِ لم يؤخذ من الذِّمِّي شَيْءٌ، وإن قلنا: [مصرفه] (١) مصرف الفئ أخذ الخُمُس، وعلى هذا لا يشترط فيه النِّيَّة، وعلى الأول يُشْتَرط، ولو كان المستخرج من المعدن المكاتب فلا زَكَاة عَلَيْهِ فيما استخرجه كالذِّمِّي، لكنه غير ممنوع من الأخذ بِخلاف الذِّمِّي.
ولو نَالَ الْعَبْدُ من المعدن شيئاً فهو لسيده، وعليه واجبه، فإن أمره السّيد بذلك ليكون النَّيْل له، فقد بناه صاحب "الشامل" على القولين في أن العبد هل يملك مَا مَلَّكَهُ السَّيد أم لا؟ وحظ الزكاة من القولين، وقد قدَّمناه.
ولو استخرج اثنان من المعدن نصابًا، فوجوب الزكاة يبنى على القولين في أن الخُلطَة هل تَثْبُتُ فِي غَيْرِ المَوَاشِي؟
وقوله في الكتاب: (وللمسلم إزعاج الذمي) لك أن تبحث عنه، وتقول: أثبت
стр. 1240
الإزعَاجِ لِكُلِّ مُسْلِم أَمْ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَاكِمِ؟.
والجواب أن كلام الأئمة بالثاني أظهر إشعاراً، والأول مُنْقَدِحٌ أيضاً، فإنَّ كُلَّ واحدٍ منهم صاحب حق فيه، فكان له أن يمنعه.
وقوله: (ولا زكاة عليه إلا إذا قلنا ...) فيه استثناء الخمس على قولنا: أن مصرفه مصرف الفئ عن نفي الزكاة، وذلك يستدعي كون الخُمُس زكاة، لكن من أوجب الخمس فلا يكاد يسميه زكاة، ولهذا قال الشَّافعي ﵁ في "المختصر": وَذَهَبَ بَعْضُ أهل نَاحِيَتِنَا -يعني- مالكاً إلى أن في المعادن الزَّكَاة، وذهب غيرهم -يعني- أبا حنيفة إلى أنَّ فيها الخُمُس، فلم يعد الخُمُس زَكَاةً.
وقوله: (على وجه بعيد) عبر عن ذلك المذهب بالوجه، والأكْثَرُون سَمُّوه قَوْلاً، وكأنه مستخرج من مِثْلِهِ في الرِّكَاز، فيجوز كل واحد من الإطلاقين.
واعلم: أنا إذا فرعنا على ظاهر المذهب، وهو أن الحول لا يعتبر، فوقت وجوب حَقّ المعدن حصول النَّيْل في يده، ووقت الإخراج، التّخليص والتنقية، كما أن وقت وجوب الزَّكاة في الزروع اشتداد الحَبِّ، ووقت الإخْرَاج التَّنْقِية، فلو أخرج قبل التَّمييز والتنقية عن التراب والحجر لم يجز، ويكون مضموماً على السَّاعي يلزمه رده، فلو اختلفا في قدره بعد التلف، أو قبله، فالقول قول السّاعي مع يمينه.
ومؤنة التخليص والتنقية على المالك كمؤنة الحصاد والدياس، فلو تلف بَعْضُه قبل التمييز فهو كَتَلف بَعْضِ المَالِ قبل الإمكان -والله أعلم (١) -.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّانِي فِي الرِّكَاز وَفِيهِ الخُمْسُ مَصْرُوفاً إِلَى مَصَارِف الصَّدَقَاتِ (ح ز و)، وَلاَ يَشْتَرِطُ الحَوْلُ، وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ (م ح) وَكَوْنُهُ مِنْ جَوْهَرِ النَّقْدَينِ عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: في الفصل مَسَائِلُ:
إحداها: قدر الواجب في الرِّكَاز الخُمُس، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ" (٢).
الثانية: في مصرفه قولان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن مصرفه مصرف الزَّكَواتِ؛ لأنه حَقٌّ وَاجِبٌ في المستفاد من الأرْضِ، فأشبه الواجب في الزُّروع والثِّمَار.
стр. 1241
والثاني: وبه قال المزني وابن الوكيل الباب شامي، وأبو جعفر التّرمذي ﵏ أنه يُصْرَف إلى أهل الخُمُس المذكورين في آية الفَيْءِ؛ بأنه مَالٌ جَاهِلِيُّ حصل الظَّفْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ، وَلاَ رِكَابٍ، فَكَانَ كَالْفَيءِ.
ومنهم من لا يطلق قولين، بل يقطع للشافعي ﵁ بالأول؛ وينقل الثاني وجهاً ضَعِيفاً.
الثالثة: لا يُشْتَرط الحول فيه؛ لأن الحول للاستنماء، وهو نماء كُلُّه، ولا يجيء فيه الخلاف المذكور في المعدن؛ لأنه يلحق مَشَقَّةَ فِي تحصيل التبر ثُمَّ يحتاج إلى الطَّبْخِ والمعالجة، والرَّكَازُ بِخِلاَفِهِ.
الرابعة: هَلْ يشترط فيه النِّصَاب؟ وهل يختص الوجوب بالذَّهب، والفضة؟ نصّ الشافعي ﵁ في مواضع على [عدم] (١) الاشتراط والاختصاص.
وقال في موضع: "لو كنت أنا الواجد لخَمَّسْتُ القليلَ والكثير، والذَّهب والفِضَّة، وغيرهما"، واختلف الأصحاب ﵃ على طريقين:
أظهرهما: أن المسألتين على قولين.
أظهرهما -وينسب إلى الجديد-: أنه يُشْتَرط النصاب، ويختص بالنقدين.
أما الأول: فلظاهر قوله ﷺ : "لاَ شَيْءَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغُ عِشْرِينَ مِثْقَالاً" (٢).
وأما الثَّاني: فكما لو اكتسب لا من جهة الرَّكَازِ.
والثاني: وينسب إلى القديم: أنه لا اشتراط، ولا اختصاص؛ لمطلق قوله ﷺ : "فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (٣)، ولأنه مال مُخَمَّسٌ فأشبه الغَنِيمة.
والطريق الثَّاني: القطع بالقَوْلِ الأَوَّل وحمل النَّص الثَّاني على الاحتياط للخروج من الْخِلاَف، كقوله في "باب صلاة المسافر": أما أنا فلا أقْصُرُ في أقل من ثلاثة أيام، وليس ذلك قولاً آخر له في مسافة القصر.
وقوله في الكتاب: (مصروفاً إلى مصارف الصدقات) معلَّم بالواو الزاي وبالحاء؛ لأن عنده أيضاً يصرف إلى مصارف الفَيْءِ، وبالألف؛ لأن إحدى الروايتين عن أحمد مثله. وقوله: (ويشترط النصاب) مُعَلَّمٌ بالحاء والألف والميم؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد لا يشترط النصاب، وهو أصح الروايتين عن مالك، وكذلك قوله: (وكونه من جوهر النقدين) مُعَلَّمٌ بهذه العلامات؛ لأن قولهم فيه كقولهم في النّصاب.
стр. 1242
ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (على الجديد) بالواو إشَارة إلى الطريقة النافية للخلاف.
وقوله: (ويشترط النصاب) منقطع عما قبله لا مجال للخلاف المذكور في الحول وإنما قال: (من جوهر النقدين) ليشمل الحلى والأواني.
قال الغزالي: ويُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى ضَرْبِ الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ الإسْلاَمِ فَلُقَطَةٌ، وَقِيلَ: مَالٌ ضَائِعٌ يَحْفَظُهُ الإمَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرٌ كَالأَوَانِي وَالْحُلِيِّ فَهُوَ رِكَازٌ عَلَى وَجْهٍ وَلُقَطَةٌ عَلَى وَجْهٍ.
قال الرافعي: فقه الفصل مسألتان:
الأولى: لو كان الرَّكَازُ الموجود على ضَرْب الإسْلاَم بأن كان عليه شيْءُ من القُرْآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام، لم يملكه الواجد بالَوجدان، لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه، بل يجب رَدُّه إِلَى مَالِكِهِ إن علم مالكه، وإن لم يعلم ففيه وجهان: قال الجمهور: هو لُقَطَةٌ كما لو وجده على وجه الأرض، وقضية ما ذكروه صريحاً ودلالة أنه يُعَرَّفُ سَنَةٌ، ثُمَّ لِلْوَاجِدِ أن يَمْلِكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ على ما هو سبيل كل لُقَطَةٍ. وقال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: هو مَالٌ ضَائِعٌ يَمْسِكُهُ الأَخَذ لِلْمَالِكِ أبَداً، أو يحفظه الإِمَامُ لَه فِي بَيْتِ المَالِ، ولا يُمْلَكُ بحَالٍ، كما لو ألقت الرِّيحُ ثَوبًا فِي حجره، أو مات مورثه عن وَدَائِعَ، وهو لا يعرف مَالِكَهَا، وإنما يُمْلَكُ بالتعريف ما ضاع عن المارَّة دون ما حصّنه المالك بالدَّفْنِ واتفق العثور عليه بالاحتفار.
ونقل صاحب "التهذيب" قريباً من هذا الكلام عن الْقَفَّالِ، والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
قال الإمام ﵀ ولو انكشفت الأَرْضُ عَنْ كَنْزٍ بِسَيْلٍ جَارِفٍ، ونحوه، فلا أدري ما قول الشَّيْخِ فِيهِ، والمال البارز ضَائِعٌ، قال: واللائق بقياسه ألا يثبت حَقّ التملك اعتباراً بأصل الوضع.
الثانية: لو لم يَعْرِف أن المَوْجُودَ مِنْ ضرب الجَاهِلِيَّةِ، أو الإسلام بأن كَانَ مِمَّا يُضْرَبُ مِثْلُهُ في الجَاهِلِيَّةِ وَالإسْلاَم، أو كان ممَّا لا أثر عليه كالتَّبْر، وَالْحُلِيّ، والأواني، فالمنقول عن نَصّه: أنه ليسَ برِكَازٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون مَالَ مُسْلِمٍ، فَيُغَلَّبُ حُكْمُ الإِسْلاَمِ، وفيه وجه: أنه رَكازٌ؛ لأن المَوْضِعَ الْمَدْفُونَ فِيهِ يَشْهَد لَهُ.
فإن قلنا: بالأول فقضية كلام الجمهور في الصُّورَةِ السَّابِقَةِ لا يخفى، وأما الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ فرأيت له في "شرح التلخيص" مساعدة الجمهور في هذه الصُّورة، فإنه قال: يُعَرَّفُ سَنَةً، فإن لم يظهر مالكها فعل بِهَا مَا يُفْعَلْ بسَائِرِ اللُّقَطَاتِ. وذكر الإمام أن الشيخ حَكَى في التَّمَلُّكِ في هذه الصُّورة وجهين؛ لضعفَ أثر الإِسْلاَم.
стр. 1243
واعلم: أنا إذا قلنا: إن المَوْجُودَ فِي صورة التَّرَدُّدِ رَكَازٌ فَلاَ يُشْتَرِط كَوْنُ الْمَوْجُودِ عَلَى ضَرْب الجَاهِلِيَّةِ، بل الشَّرْطُ أَلاَّ يُعْلَم كَوْنُهُ عَلَى ضَرْبِ الإسْلاَم، فإذاً قوله في الكتاب: (وَيشترط كَوْنُه عَلَى ضرْبِ الجَاهِلِيَّةِ) إنما يكون مُجْرى على ظَاهِرِهِ، إذا قلنا: الموجود في صورة التَّرَدد لَيْسَ بِرَكَاَزٍ.
وقوله في المسألة الأولى: (وقيل: مال ضائع يحفظه الإمام) يُشْعِرُ بأنه لا يَبْقَى فِي يَدِ الوَاجِدِ، بل يأخُذه الإمَامُ، وَيَحْفَظُهُ.
وكلام الشَّيْخ أَبِي عَلِيٍّ ما حكيته من قبل يُنَازَعُ فِيهِ، وَيَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْوَاجدِ مِنَ الإِمْسَاكِ لَهُ، وإطلاقه الوجهين في المَسْألَةِ الثَّانيَةِ اتباع لما حكاه الإمام فيها والأكْثَرُون لَمْ يُطْلِقُوا الوجهين، وإنما حَكُوا النَّص ووجهاً، لِبَعْضِ الأَصْحَاب كما قدَّمْنَاه، وَحَكَى صَاحِبُ "الشَّامِل" عن نَصَّه أنَّهُ يُخَمَّسُ، وَهَذَا حُكْمٌ بأنه رَكَازٌ، فَعَلَى هَذَا في المسألة قَوْلاَن: واعلم أَنه يلزم من كون الرَّكَازِ عَلَى ضَرْب الإِسْلاَم كَوْنُهُ مَدفُونًا فِي الإسْلاَمِ، ولا يلزم من كَوْنِهِ على ضرب الجَاِهِلِيَّةِ كَونُهُ مَدْفُوناً فِي الْجَاهَلِيَّةِ، لجواز أن يظفر بعض المسلمين بِكَنْزٍ جَاهِلِيٍّ، ويكنزه ثَانِياً على هيئته فيظفر به اليوم أحدٌ، فالحكم مُدَارٌ على كَوْنهِ مِن دَفْنِ الجَاهِلِيَّةِ لاَ عَلَى كَوْنه مِنْ ضَرْبِ الجَاهِلِيَّةِ.
قال الغزالي: وَيُشْتَرِطُ أَنْ يُوجَدَ فِي مَوْضِعِ مُشْتَرَكِ كَمَوَاتٍ أَوْ شَارعِ، وَمَا يُوجَدُ فِي دَارِ الحَرْبِ فَغَنِيمَةٌ أَو فَيْءٌ وَمَا يَجِدُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ الَّذي أَحْيَاهُ يَمْلِكُهُ وَعَلَيْهِ الخُمْسُ، وهَلْ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ الإحْيَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ اشْتَرَاهُ ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ رِكَازاً يَجِبُ طَلَبُ المُحْيِى فَإِنَّهُ أَوْلَى بِهِ.
قال الرافعي: روى أن رجلاً وجد كَنزاً فقال له النبي ﷺ : "إِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةِ، أَوْ طَرِيق مِينَاءٍ فَعَرَّفْه، وإنْ وَجَدْتَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةِ، أَوْ قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (١).
الكنز بالصفة التي تقدم ذكرها، إما أن يوجد في دَارِ الإسْلاَم، أو في دَارِ الْحَرْبِ، فإن وُجِدَ فِي دَارِ الإسْلاَم، نُظِر إن وجد في مَوْضِع لَمْ يَعْمُرْهُ مُسْلِم، ولا ذُو عَهْدٍ، فَهُو رَكَازٌ، سواء كان مواتاً أو كان من القلاع العَادِية التي عمرت في الْجَاهِلِيَّةِ؛ لقوله في الحديث: "أَوْ خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ" وإن وجد في طريق شارع، فقد ذكر صاحب الكتاب أنه
стр. 1244
رَكَازٌ، ولم يجزم الإمام به هكذا، ولكن أشار إلى خلاف فيه، والذي ذكره القَفَّالُ والعراقيون، أن ما يوجد فيه لَيْسَ بِرَكَازٍ، وإنما هو لُقَطَةٌ، والحديث الذي رويناه صريح فيه. وما يوجد في المسجد، ذكر في "التهذيب" أنه لُقَطَة كالموجود في الطَّرِيق، وقياس المذكور في الكتاب أن يكون رَكَازاً.
وما عدا هذه المَوَاضِع يُنْقَسِم إلى مَمْلُوك، ومَوْقُوفِ.
والمملوك إما أن يكون له، أو لغيره، فَإِنْ كان لغيره ووجد فيه كَنْزٌ لم يملكه الواجد، بل إن ادعاه مالكه فهو فله بلا يمين، كالأمتعة في الدَّارِ وإلاّ فهو لمن تلقى صاحب الأرض منه وهكذا إلى أن ينتهي إلى الذي أحيا الأرض، فيكون له، وإن لم يَدَّعِهِ؛ لأنه بالإحياء مَلَكَ ما في الأرض، وبالبيع لم يزل ملكه عنه، فإنه مدفون منقول، فإن كان المحيى، أو من تلقى الملك عنه هالكاً فَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَه، فإن قال بعض ورثته من تَلَقَّى المِلْك عنه هو لمورثنا، وأياه بعضُهم سُلِّم نَصِيبُ المُدَّعِي إليه، وسلك بالباقي ما ذكرنا هذا كله كلام الأئمة ﵏ صريحاً وإشارةً، ومن المصرحين بملك الركاز بإحياء الأرض القَفَّالُ، ذكره في "شرح التلخيص"، ورأى الإمام تخريج ملك الكَنْز بإحياء الأرض على ما لو دخلت ظبية دارًا بالإحياء، فأغلق صاحبها الباب وِفَاقاً لا على قَصْدِ ضبطها قال: وفيه وجهان:
أظهرهما: أنه لا يملكها لِعَدَمِ الْقَصْدِ، ولكن يصير أولى بها، كذلك المحيي يصير أولى بالكَنْز، ثم قال: إنه يملك الكَنْزَ بِالإحْيَاءِ، وزالت رَقَبَةُ الأَرْضِ عَنْ مِلْكِهِ فلا بد مِنْ طَلَبِهِ، وَرَدِّه إليه. وإن قلنا: إنه لا يَمْلِكه ولَكِن يَصِيرُ أَوْلَى بهِ، فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا زَالَ مِلْكُه عَنْ رَقَبَةِ الأَرْضِ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، كما أن في مسألةَ الظبية إذا قلنا: إنه لا يَمْلِكهَا، فلو فَتَحَ الباب وأفَلتت يَمْلِكُها من اصْطَادَهَا، إذا عرفت ذَلِك وأردت التَّفْريع فلك أن تَقُول: إن قلنَا: المُحْيي لاَ يَمْلِكُهُ بِالإحْيَاء، فَإذَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ أَخْرَجَ الخُمُس، وَإنْ قُلنَا: يَمْلِكُهُ بِالإحْيَاء فَإذَا احْتَوَتْ يَدُه عَلَى الْكَنزِ نَفْسِهِ وَقَدْ مَضَى سِنُون فَلاَ بُدَّ مِنْ إِخْرَاج الخُمُس الَّذِي لَزِمَه يَوْمَ مَلَكَهُ وَفِيمَا مَضَى من السِّنين يَبْنِي وُجُوب ربع العُشر في الأَخْمَاس الأَرْبَعة عَلَى الخِلاَف في الضَّالِ والمغصُوب، وفي الخمس كذلك إن قلنا: لا تتعلق الزَّكَاةُ بِالْعَيْن وَإِنْ قُلْنَا: تتعلق فعلى ما ذَكَرْنَا فَيما إِذَا لَمْ يَمْلِكْ إِلاَّ نِصَاباً وتَكَرَّرَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ -وَالله أعلم-.
وَإِنْ كان الوضع للواجد نظر، إن كان قد أحياه فَالَّذِي وَجَدِه رَكَاز وَعَلَيْه خُمُسُهُ، وَفِي وَقْتِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ مَا سَبَق، وقد حكى في الْكِتَاب فِي هَذِهِ الحَالَةِ وجهين على مَا ذَكَرَهُ الإمَامُ، وإن انْتَقَلَ إليه من غيره لم يَحِل له أخْذُه، بل عليه عرضه على من يَمْلِكه، وهَكَذا حَتَّى يَنْتَهِي الْمِلْكُ إِلَى المُحْيِي كَمَا سَبَقَ، وإن كان المَوْضِع موقوفاً
стр. 1245
فالْكَنْزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ الأرض، قاله في "التهذيب"، هَذَا إِذَا وُجِدَ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وإنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإمَّا أن يوجد في مَوَاتٍ أو غيره.
إن وجد في مَوات نُظِر إنْ كَانوا لاَ يَذُبُّونَ عنه فهو كموات دَارِ الإِسْلام، وَالْمَوْجُودُ فِيهِ رِكَازٌ، وإن كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ ذَبِّهُمْ عن العمران ففيه وَجْهَان:
قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيِّ هو كما لو جد في عمرانهم وقال الأكثرون: حُكْمُهُ حُكْمُ مَوَاتِهِمْ الَّذِي لاَ يَذُبُّونَ عَنْهُ.
وعن أبي حَنِيفة أن ما يوجد في موات دار الحرب فهو غَنِيمَةٌ لاَ رَكَازٌ، حَكَاهُ فِي "الشَّامِلِ"، وإن وجد في مَوْضِع مَمْلُوكٍ لَهُمْ فينظر إن أخِذَ بقَهرٍ وَقِتَالٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ، كَأَخْذِ مَتَاعِهِمْ مِنْ بَيْتِهِمْ، ونقودِهِم من خَزَائِنِهم، فيكون خُمُسُهُ لِأَهْل الخُمُسِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ وَجَدَهُ. وَإِنْ أُخِذَ من غير قَهْرٍ وقتالٍ فَهُو فَيْءٌ ومستحقةَ أهْلُ الفَيْءِ، هَكَذَا قَالَهُ فِي "النِّهَاية" وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْب مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ؛ لأنه إن دَخَلَ بِأَمَانٍ لم يكن له أَخْذُ كَنْزِهِمْ، لاَ بِقِتَالٍ وَلاَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، كَمَاَ ليس له أن يخونهم في أَمْتِعَةِ بُيُوتِهِمْ، عليه الرَّدُّ إن أخذه، وَقَد نَصَّ على هذا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ.
ثم في كَوْنِهِ فَيْئاً إِشْكَالٌ؛ لأن لك أن تقول: مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَان وَأَخَذَ مَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فإما أن يأخذه فِي خِفْية فَيَكُونُ سَارِقاً، أَوْ جِهَاراً فَيَكُونُ مُخْتَلِساً، وقد ذكر في الكتاب في "السِّيَر"، أَنَّ مَا يُخْتَلَسَ وُيسْرَق مِنْهُمْ، فَهُوَ خَالِصٌ مِلْكُ المُخْتَلِسِ وَالسَّارِقِ، ويشبه أن يكون الفيء هُوَ أَمْوَالُهُمْ الَّتِي تَحْصُلُ فِي قَبْضَةِ الإمَامِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ كَالْجِزْيَةِ وَنَحْوِهَا، دُونَ مَا يَأخُذُهُ الآحَادُ، وَرُبَّمَا أيَّدتُ هَذَا الاِشْكَالِ بَأَنَّ كَثِيراً مِنَ الأَئِمَّةِ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ غَنِيمَةٍ، مِنْهُمْ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالصَّيْدَلاَنِيّ.
وَأَعُودُ بَعْدَ هَذَا إِلَى لفظ الْكِتَابِ فَأَقُولُ:
قوله: ويشرط أن يوجد في موضع مشترك كَمَوَاتٍ وشارع.
فيه كلامان:
أحدهما: أنه قد يعني بكون الموت مُشْتَركاً كونه بسبيل يتمكن كُلُّ وَاحِدٍ من إحيائه وتملكه، وبكون الشَّارع مُشْتَركاً بأن لِكُلّ أَحَدٍ فِيهِ حَقّ الطرُوفِ ولا يحسن حَمْلُ الاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ الْكِتَاب عَلَيْهِمَا؛ لأن كُلَّ وَاحدٍ مِنَ الْمَعنِيَيْنِ يُخْتَصُّ بِأحَدِ المَوْضِعَيْنِ، وقد وَصَفَهُمَا جَمِيعاً بِالاشْتِرَاكِ بِلَفظٍ وَاحِدٍ فَالأَحْسَنُ تَفْسيرُهُ بِمَعنَىً شَامِلٍ، كالانْفِكَاكِ عَنِ المِلْكِ وَنَحْوه.
والثَّانيِ: أن لِمُنَازع أَنْ يُنَازعَ في اشتراط الوُجُودِ فِي مَوْضِعٍ مُشْتَرِكٍ، لأن إذا أَحْيَا أَرْضاً وَتَمَلَّكَهَا، ثُمَّ وَجَدَّ فِيهَا كَنْزاً كَانَ ذَلِكَ رَكَازاً، وإن لم يوجد فِي مَوْضِعٍ مُشْتَرَكٍ،
стр. 1246
إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: المراد بالوجدان الدخول تحت اليد والتسلط عليه ثم قوله: (كموات) يجوز أن يكون مُعَلَّماً بالْوَاوِ؛ لِأنَّهُ مُطْلَقٌ قد حَكَيْنَا وَجْهاً فِي مَوَاتِ دَارِ الْحَرْبِ الَّذِي يَذُبُّونَ عَنْهُ، وبالْحَاء أَيْضَاً لِمَا سَبَقَ.
وقوله: (وشارع) بالواو؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَصِير الأكْثَرِينَ إِلَى أنَّهُ لُقَطَةٌ.
وقوله: (وما يوجد فِي دَارِ الْحَرْب فَغَنِيمَةٌ أَوْ فَيْءٌ) أي: على اختلاف الحَالِ في الْقَهْرِ وَعَدَمِهِ، ثم هو مُحْتَاج إلى التَّأْوِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أن الموجود في مواتِ دار الحرب ليس كذلك فَهُو مَحْمُولٌ على عمرانَ دَارِ الْحَرْبِ.
والثَّاني: أَنَّهُ لو دَخَلَ بِأمَانٍ فَلَيسَ حُكمُ المَأخُوذِ مَا ذَكَرَهُ؛ فَإذاً هُوَ مَحمُولٌ عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ.
وقوله: (مِلْكَه وعليه الخُمُس) الأحسن أن يقرأ مِلْكَيهِ، وَعَليه الخمس لا (ملكه) لأن قَوْلَنا: مِلْك، يُشْعَر بابْتِدَاء ثُبُوتِ المِلْك، فيقتضي أن يَكُون ابْتِدَاؤه عِنْدَ الوجدان، لكنه غير مجزوم به، بل فيه الوجهان المَذْكُوران عُقَيْبَ هَذَا الْكَلاَمَ.
أما الحكم بأنه ملكه فهو مُسْتَمِرُّ عَلَى الوجهين جَمِيعاً.
وقوله: (يجب طلب المجبى) مُعَلَّمٌ بالواو؛ لما سبق.
وقوله: (فإنه أَوْلَى به) يجوز أن يكون جواباً على قولنا: "أنه لا يملكه بالإحياء المجرد"، ويجوز أن يحمل على غير ذلك، -والله أَعْلَمُ-.
قال الغزالي: وَلاَ خُمْسَ علَى الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
قال الرافعي: حكم الذِّمي في الرَّكَازِ حُكْمُهُ في المَعْدَنِ، فلا يمكنُ من أَخْذِهِ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، وإن وجده ملكه.
قال الإمام ﵀: وفيه احْتِمَالٌ عِنْدِي، فِي الرَّكَازِ؛ لأنه كَالْحَاصِلِ في قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ، وهو في حكم مال ضل عنهم، وإذا حكمنا بالمشهور وهو أنه يَمْلِكُهُ، فَفِي أَخذِ حَقِّ الرَّكَازِ مِنْهُ الخِلاَف السَّابِقِ فِي الْمَعْدن (١)، وقد تَعَرَّضَ لَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ
стр. 1247
هُنَاكَ، وَقَد اقْتَصَرَ، هاهنا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فأعْلِمْ قَوْلَهُ: (ولا خمس) بالواو.
واعْلَم: أنه لو قدم هذه المسألة على الفَصْل السَّابق على هذا أو أَخَّرَها عَنِ الْفَصْل التالي له لكان أَلْيَقَ لتنظم المَسَائِلُ المتعلِّقَةُ بِمَكَانِ الرَّكَازِ فِي سِلْكٍ وَاحِدِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَ البَائِعُ وَالْمُشْتَرِيَ وَالمُعِيرُ وَالمُسْتعِيرُ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا دَفَنْتُ الرّكَازَ فَالّقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ اليَدِ، فَلَوْ قَالَ المُكْرِي بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إلَيْهِ: كُنْتُ دَفَنْتُهُ قَبْلَ الإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأجِر عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا عَلَى أنَّهُ كَانَ فِي يده.
قال الرافعي: إذا تَنَازَعَ بَائِعُ الدَّارِ وَمُشْتَرِيهَا فِي الرَّكَازِ الَّذِي وُجِدَ فِيهَا، فقال المُشْتَرِي: هُوَ لِي وَأَنَا دَفَنْتُهُ، وَقَالَ البَائِعُ مَثَلَ ذَلِكَ، أو قال مَلكْتُهُ بالإحْيَاءِ أو تنازع المُعِيرُ وَالمُسْتَعِيرُ أو المُكْتَرِي وَالْمُكْرِي، هَكَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَالمُسْتَعِيرِ وَالْمُكْتَرِي مَعَ أَيْمَانِهِم، لأن اليَدَ لَهُمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مَتَاعِ الدَّارِ، وهَذَا إِذَا احتمل أنْ يَكوَن صَاحِبُ اليَدِ صَادِقاً فِيمَا يَقُول، ولو عَلَى بُعْدٍ. فأما إِذَا انتفى الاحْتِمَالُ لَأَنَّ مِثْلَهُ لاَ يُمْكَن دَفْنُهُ فِي مُدَّة يَدِهِ فَلاَ يُصَدَّق صَاحِبُ اليَدِ، ولو فُرِضَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُكْرِي وَالمُكْتَرِي أَوِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إِلَى يَدِ الْمَالِكِ فَإِنْ قَالَ المُكْرِي أَوِ الْمُعِيرُ: أَنَا دَفَنْتُهُ بَعْدَ مَا رَجَعَتِ الدَّارُ إلى يَدي، فَالْقَوْلُ قوله بِشَرْطِ الإِمْكَانِ، ولو قال: دَفَنْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّارِ عَنْ يَدِي ففيه وجهان لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ:
أحدهما: أن القولَ قَوْلُه أيضاً؛ لأنه صَاحِبُ الدَّارِ الآن.
وأظهرهما: عند الإمَام أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ؛ لأن المالك قد سلم له اليد، وحصول الكَنْزِ فِي يَدِهِ، وَبيَدُهُ تَنْسَخُ اليَدَ السَّابِقَةَ؛ ولهذا لو تَنَازَعَ قبل الرُّجوع، كَانَ القَوْلُ قَولَه: وقوله في الكتاب: (فالقول قَولُ صَاحِب اليَدِ) مُعَلَّم بِالزَّايِ؛ لأن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ وآخرين نَقَلُوا عَنِ المُزَنِي أن القولَ قولُ المَالِكِ اتباعاً لِمَا فِي الأَرْضِ.
وقوله: (فالقولُ قولُ المُسْتأْجِرِ) معلم به أيضاً.
قال الغزالي: فَرْعٌ إِذَا وَجَدَ مَائَةَ دِرْهَمٍ وَفِي مِلْكِهِ نِصَابٌ مِنَ النَّقْدِ تَمَّ عَلَيْهِ الحَوْلُ وَجَبَ خُمْس الرَّكَازِ إذَا كمُلَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي مِلْكِهِ دُونَ النّصَابِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ فَفِي التَّكْمِيلِ خِلاَفٌ.
стр. 1248
قال الرافعي: هذا مفرع على اعْتِبَار النِّصَاب فِي الرَّكَازِ والفَرْضُ أَنَّا وإن اعتَبَرنَاهُ، فَلاَ نَشْتَرِط أن يكونَ الموجودُ نِصَاباً، بل يكمل ذَلِكَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ المَوْجُودِ، وفيه من التَّفْصِيلِ والخِلاَفِ مَا سَبَقَ فِي المَعْدِنِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الإِعَادَةِ، وقد نَصَّ حَجَّة الإِسْلاَم ﵀ على حِكَايَة الْخِلاَف هاهنا، وجَمَعَ بين مَا إِذَا لَمْ تَجِب الزَّكَاةُ فيما عِنْدَه لِعَدَم تَمَام الحَوْلِ وَمَا إِذَا لَمْ تَجِب لِعَدَم بُلُوغِهِ نَصاباً، وهناك اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَاَلصُّورَةِ الأُولَى.
القَوْلُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:
قال الغزالي: النَّوْعُ السَّادِسُ زَكَاةُ الفِطْرِ، وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيلَة العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِمَجْمُوعِ الوَقْتَيْنِ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَوْ زَالَ المِلْكُ فِي وَسَطِ اللَّيلِ وَعَادَ فِي اللَّيلِ فَفِي الفِطْرَةِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الأَوَّلِ إِذَا مَلَكَ عَبْداً أَوْ وُلِدَ لَهُ بَعدَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ فَلاَ زَكَاةَ.
قال الرافعي: عن ابن عمر ﵄ قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى النَّاسِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (١).
وعن ابن عَبَّاس ﵄ أن النبي ﷺ : "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطَعْمَةً لِلْمَسَاكِينَ" (٢).
اعلم أن زكاة الفِطْر وَاجِبَةٌ، وقال بعضُ النَّاسِ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وبه قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بنُ اللَّبَّانِ الفرضي من أصحابنا (٣) فيما رواه صاحِبُ "الشَّامِلِ"، ولا فرق عندنا بين الواجب والفريضة.
وقال أبو حَنِيفة ﵀ هي وَاجِبَةٌ، وليست بِفَرِيضَةٍ.
وفي وقت وجوبها ثلاثة أقوال:
أصحها -وهو الجديد، وبه قَالَ أَحْمَد-: أن وقتها غروب الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ. واحتَجُّوا له بأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى الفِطْرِ، وقد قال ابن عمر ﵄ زَكَاةُ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وحينئذٍ يكُون الفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ.
стр. 1249
والثاني -وهو القديم، وبه قال أبو حنيفة ﵀: أن وقتَها طلوعُ الفَجْرِ يومَ العِيدِ؛ لأنَّهَا قُرْبة مُتَعَلَّقَةٌ بِالْعِيدِ فلا يتقدم وَقْتُهَا عَلَى الْعِيدِ كَالأُضْحِيَةِ (١).
وعن مالك روايتان كالقولين:
والثَّالِثُ: أنها تجب بمجموع الوقتين لِتَعَلُّقِهَا بِالْفِطْرِ والعِيْدِ جَمِيعاً (٢).
قال الصَّيْدَلاِنِي: وهذا القولُ خَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، واسْتَنْكَرَهُ الأَصْحَابُ.
التفريع: لو نَكَحَ امْرَأَة أو مَلَكَ عَبْدًا أو أَسْلَمَ عَبْدُهُ الْكَافِرُ، أو وُلِدَ لَهُ وَلدٌ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ لَمْ تَجِبْ فطرتُهُمْ عَلَى الْجَدِيدِ ولا على الْقَولْ الثَّالِثِ.
وتجب على القديم، ولو مات عَبده أو وَلَدُه أو زَوْجَتُهُ لَيْلَةَ العِيدِ، أو بَتَّ طَلاَقَهَا أو ارتد عَبْدُهُ لَمْ تَجِب فطرتهم على القديم، وَلاَ عَلَى القَوْلِ الثَّالِثِ، وتجب على الجديد، وكذا الحكم لو أسلم كَافِرُ قَبْلَ الغُرُوبِ وَمَاتَ بَعْدَه [وجبت فطرتهم (٣) على الجديد ولا تجب على القديم ولا على القول الثاَلث] وَلَو طَرَأَتِ الأحْوَالُ المَذْكُورَة بَعْدَ الْغُرُوبِ وزَالَتْ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ فَلاَ فطرة على الأَقْوَالِ كُلِّها.
وَلَو زال المِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ بَعْدَ الغُرُوبِ ثُمَّ عاد قبل طُلُوعِ الفَجْرِ وَجَبَتْ الفَطْرَةُ عَلَى الجَديد والقَدِيم.
وأما عَلى القَوْلِ الثَّالِثِ ففيه وجهان حَكَاهما في "النِّهَايَةِ" وقال: هما ملتفتان على أن الوَاهِب هَلْ يَرْجَعُ فِيمَا زَالَ مِلْكُ الْمُتَّهِب عنه ثم عاد، وَلَهُ نَظَائِرُ نَذْكُرهَا فِي مَوَاضِعِهَا، ونَشْرَح فِيهَا الوجهين، ولو بَاعَ بَعْدَ اَلغُرُوب عَبْدَة واسْتَمَر مِلْكُ المُشْتَرِي فِيهِ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الجَدِيدِ عَلَى البَائِعِ، وعلى القديم عَلَىَ المُشْتَرِي، وعلى الثَّالِثِ لا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ منهما.
وَلَوْ مَاتَ مَالك العَبْدِ لَيْلَة العِيدِ، فَالْفِطْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي تَرِكَتِهِ عَلَى الجديد، وهي على الوارث على الْقَدِيم، وعلى الثَّالِثِ لاَ تَجِبْ أَصْلاً، وذكر في "النِّهَايَةِ" أن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيِّ حَكَى وَجْهاً فِي وُجُوبِهَا عَلَى الوَارِثِ، تَفْريعاً عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ، بِنَاءً عَلَى القَدِيمِ فِي أَنَّ حَوْلَ الوَارِثِ يُبْنَى عَلَى حَوْلِ المُورَثِ.
стр. 1250
وقوله في الكتاب: (وعلى الأولِ إذَا ملك ...) إلى آخره، ينبغي أن يعلم فيه أن نفي الزكاة في صورة الموت ليس تفريعاً على هذا القول خَاصَّة، بل هو لازم على الأقوال كُلِّها، ومواضع العلامات عِنْدَ ذِكْرَ الأَقوَالِ لاَ تَخْفَى -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي ثَلاثةِ أَطْرَافٍ: الطَّرَفُ الأَوَّل فِي المُؤَدَّى عَنْهُ، وَكُلُّ مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ تَجِبُ عَلَى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ مِنَ الزَّوْجَةِ (ح) وَالْمَمْلُوكِ وَالقَرِيب.
قال الرافعي: الكلام في زَكَاةِ الفطر في أنها مَتَى تُؤَدَّى وَعَمَّنْ تُؤَدَّى، وَمَنِ الَّذِي يُؤَدِّي وَمَا المُؤَدَّى، وَإِلَى مَن تُؤَدَّى.
أما الأخير من هذه الأمور فموضعه كتاب: "قَسْم الصَّدَقَاتِ".
وأما الأوَّلُ: فيحتاج فيه إلى مَعْرِفَةِ وَقْتِ الْوُجُوب، وقد فَرَغْنَا منه الآن، ويجوز التقديم عليه على الضَّبْطِ المذكُورِ في مَسَائِل التَّعْجِيلِ.
وأما إذا لم يعجل، فالمستحب ألاَّ يؤخر أداءَهَا عن صَلاَةِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه ﷺ : "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ" (١) فلا يجوز تَأخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه ﷺ قال: "أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" (٢) فلو أَخَّرَ عَصَى وقَضَى، بقي هاهنا النظر في الأطراف الثلاثة الباقية:
الأول: في المُؤَدَّى عَنْهُ.
اعلم: أن الفطرة قد يُؤَدِّيهَا الإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَد يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ غَيْرُهُ.
والأصل فيه قولُه ﷺ : "أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ" (٣) والجهات التي يَصِيرُ بِهَا الشَّخْصُ فِي نَفَقَةِ الْغَيْرِ وَمَؤْنَتِهِ ثَلاَثٌ: النِّكَاح، والمِلْكُ، وَالْقَرَابَةُ، وكُلَّها تقتضي لزوم الفِطْرَةِ أَيْضًا فِي الجُمْلَةِ.
ثم القول في شرائط الوجوب ومواضع الاستثناء عَنْ هَذَا الأَصْلِ سَيَظْهَرُ مِنْ بَعْد؟ وليكن قوله: (تجب على المُنْفِق فِطْرَتُه) وكذا قوله: (من الزوجة) مُعَلَّمَيْنِ بِالحَاء.
أما الثاني: فلأن عِنْدَه لاَ تَجب فِطْرَة الزَّوْجَة عَلَى الزَّوْجِ، وإنما هي عَلَيْهَا وحكى ذلك عن اختيار ابْنِ المُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا
стр. 1251
وَأَمَّا الأَوَّلُ: فَلأُمُور: منها: مسألة الزَّوْجة.
ومنها: أن عِنْده لاَ يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ فِطْرَةُ الأَبِ وَإِنْ وَجَبْت نفقته.
ومنها: أن عنده لا تَجِب عَلَى الجَدِّ فِطْرَةُ وَلَدِ الوَلَدِ.
لنا ما رُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ : "أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ" (١).
قال الغزالي: وَلاَ تُفَارِقُ الفِطْرَةُ النَّفَقَة إِلاَّ فِي مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا الابْنُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَفِي فِطْرَتِهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الوُجُوبُ (ح).
قال الرافعي: يستثنى عن قولنا: من وجبت نَفَقَتُهُ وجب عَلى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ
مسائل: منها: ما هي مستثنا بلا خلاف.
ومنها: ما في استثنائها اختلاف قَوْل أَوْ وجه.
فمنها: أن الابن تلزمه نفقة زوجة أبيه تفريعاً على الصحيح في وجوب (٢)
стр. 1252
الإِعْفَاف، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ الْخِلاَفِ وموضع الإعْفَافِ فِي بَابِه -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى،- وَهَلْ يَلزَمُهُ فِطْرَتُهَا؟ فيه وجهان:
أصَّحُهُمَا: عِنْدَ المصنف في طَائِفَةَ أنها تلزمه؛ لأنها مِمَّن يمونه الابْنُ وصار كالأَب لَمَّا لَزِمتُهُ نَفَقَتُهُ لَزَمتهُ فِطْرَتُهُ، وعلى هذا فَهَذِه الصورة غَيْرُ مُسْتَثنَاةٍ عَنِ الأَصْلِ المُمَهَّدِ.
والثاني -وهو الأصح عند صاحبي "التهذيب" و"العدة" وغيرهما-: أنها لا تلزم؛ لأن الأَصْلَ فِي القيام بأمْرِهَا هُو الأبُ، والابْنُ مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ الفِطْرَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ عَلَى الأب بِسَبَب الإعْسَارَ، فلا يَتَحَمَّلُهَا الابْنُ، بِخِلاَفِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لاَزِمَةٌ مَعَ الإعْسَارِ فيتحملها، وأيضاً فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّفَقةِ يمكنها من الفُسْخِ، وإذا فسخت احْتَاجَ الابْنُ إِلَى تَزْويجه وَفقْدُ الفطرة بِخَلافه، وَيجْرِي الوَجْهَانِ فِي فطرة مُسْتَولَدَتِهِ.
ولك أن تُعَلِّم قوله: (تلزمه نفقة زوجة أبيه) بالواو إذ قد عرفت أنه مبنى على وُجُوبِ الإِعْفَافِ، وفيه خلاف وبالحاء والزَّاي؛ لأن عندهما لا يجب الإِعْفَاف.
ويجوز إعلام لفظ: (الوجوب) من قوله: (الأصح الوجوب) بالحاء؛ لأن عنده لاَ تجب على الابْنِ فِطرَة الوَالِدِ، فما ظَنُّكَ بِفِطرَةِ زَوجَتِهِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ الابْنُ الكَبِيرُ الَّذِي هُوَ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ إِذَا وَجَدَ قَدْرَ قُوتهِ لَيْلَةَ العِيدِ فَلاَ فِطْرَةَ عَلَى أَبِيهِ لِسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَلاَ عَلَيْهِ لِعِجْزِهِ، وَلَوْ كَانَ صَغِيراً وَالمَسْألة بِحَالِهَا فَفَيهِ خِلاَفٌ (و) فَإِنَّ حَقَّ الصَّغِيرِ آكَدُ.
قال الرافعي: غير الأصول والفروع من الأقارب، كالإخوة والأعمام لا تجب فِطْرتُهم، كما لا تَجِب نفقتهم.
وأما الأصول والفروع، فإن كَانُوا مُوسِرينَ فَلاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ، وإن كَانُوا مُعْسرينَ وإلاَّ فَكُلَّ من جمع منهم إلى الإِعْسار الصِّغَر والجنُون أو الزّمانَة، وَجَبَتْ نفقته، ومن تجرد في حَقِّه الإعْسَار ففي نفقته قولان، ومنهم من قَطَع بِالْوُجُوبِ في حق الأُصُولِ.
وحكم الفِطْرة حكم النفقة وفاقاً خلافاً.
стр. 1253
إذا عرفت ذلك، فلو أنَّ الولَد الكَبِيرَ كَانَ فِي نَفَقَةِ أبيه إِمَّا بِمُجَرَّدِ الإعْسَار إن اكتفينا بِهِ أو مَعَ الزّمَانَة إِنْ لَمْ نَكْتَفِ بهِ فوجد قَدْرَ قُوتِه ليلةَ العِيدِ وَيوْمه سَقطت فِطْرَتُه عَنِ الأَبِ لِسُقوطِ نَفَقَتِهِ، وكونها تَابِعَة لَهُ، ولا تَجِب عَلَيْهِ لِعَجْزِه وإعْسَار.
وإن كَانَ الوَلَدُ صَغِيراً، وَالْمَسْألة بِحَالِهَا فَفِي سقُوطِ الْفِطْرَة وَجْهَان:
قال الصَّيْدَلاَنِيّ: لا تسقط. والفَرق أن نَفَقة الكَبِير لاَ تثبت في الذِّمة بِحَال، وإنَّما هي لكفاية الوقت، ونفقة الصغير قد ثَبتت، ألا ترى أن للأم أن تستقرض عَلى الأب الغَائِب لَنفقة الصَّغِير فكانت نفقته آكد فأشبهت نفقة الأب نفسه وفطرته.
وقال الشَّيخ أبو محمد تسقط كما تسقط النَّفَقة، وتردد فيما ذَكَره من جواز الاستقراض، وقال: الأظهر منعه إلا إذا أَذِن السُّلْطان، ومثله يقرض في حق الكبير أيضاً، وما ذكره الشَّيْخُ أَظْهَرُ عِنْدَ الإِمَام وغيره.
واعلم: أن مسألة الكبير جارية على الأَصْلِ المُمَهَّدِ، وكذلك مسألة الصَّغِير على قول الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدٍ، وإنما الاستثناء على قول الصَّيْدَلاَنِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ الزَّوْجُ إِنْ كَانَ مُعْسِراً لَمْ تَسْتَقِرَّ فِطْرَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ اسْتَقَرَّتِ النَّفَقَةُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَة نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَّ فِي الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ مِنَ المُعْسِرِ أَنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ وَقِيلَ: الفَرْقُ أَنَّ سَلْطَنَةُ السَّيِّدِ آكَدُ مِنْ سَلْطَنَةِ الحُرَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَتِ الزَّوْجَةُ فِطْرَةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُونَ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى أَحَد الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الزَّوْجِ أَصْلٌ لاَ مُتَحَمَّلٌ.
قال الرافعي: من أصول البَاب الذي يُحتاج إلى مَعْرِفته فِي هذه المَسْأَلة وغيرها أن الفِطْرة الواجبة على الغير تلاقي الَمؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدِّي أمْ تَجِبْ على المُؤَدِّي ابتداء؟ وفيه خلاف يعبر عنه تَارةً بقولين مخرجين من معاني كلام الشَّافعي ﵁ وتارةً بوجهين:
أحدهما: أن الوجوب يُلاقي المؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدي، لقوله ﷺ في الحديث الذي سبق: "عَلَى كُلِّ حِرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ".
والثاني: أنها تَجِب على المُؤَدي ابتداء، لقوله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ، وَلاَ فَرَسِهِ، صَدَقَةٌ إِلاَّ صَدَقَةُ الْفِطْر عَنْهُ" (١) قال القاضي الرُّوَيانِي وغيره: ظاهر المَذْهب هو الأوَّل، ثم الأكثرون منهم الشَّيْخُ أَبُو عَلِي طردوا الخلاف في كل من يؤدي صَدَقة
стр. 1254
الفِطْر (١) عن غيره من الزَّوْجِ وَالسَّيِّد والقريب.
قَالَ الإِمَام: وذكر طوائف من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزَّوجة فقط فأما فطرة المملوك والقريب فتجب على المؤدِّي ابتداء بلا خلاف؛ لأَنَّ المملوك لا يقدر على شيء، والقريب المُعْسِر لو لم يجد من يقوم بالإنفاق عليه لا يلزمه شيء فكيف يقال: بأن الوُجُوب يلاقيه ثم حَيْث فُرِضَ الخِلاَفُ وقلنا: بالتحمل، فَهُو كَالضَّمَان أو كَالحوالة حكى أبو العبَّاس الرَّوَيانِي فِي "المَسَائِلِ الجرجانيات" فيه قولين (٢):
إذا تقرر ذلك ففي المسألة صورتان:
أحدهما: الزَّوْجُ المُعْسِر لا تستقر الفِطْرة فِي ذمته وإن استقرت النَّفقة؛ لأن النفقة عوض، والفِطْرة عِبَادة مَشْرُوطة باليَسَارِ، ثُمَّ إن كانت مُوسِرة، فَهَلْ عَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ قال في "المختصر": لا أُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكَها، ولا يتبَيَّن لي إن أْوجب عليها، ونَصَّ فيه أيضاً على أنه لَوْ زَوَّجَ، أَمَتَة مِنْ مُعْسِر تجب الفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهَا، واختلف الأَصْحَاب على طريقين:
أصَحّهمَا: عند الشيخ أبي عَلِيّ وغيره: أن المسألتين على قولين مبنيين على الأَصْلِ المَذْكُورِ. إن قلنا: الوجوب يلاقي المؤدي عنه أولاً وجبت الفِطْرة على المرأة الحرّة في الصُّورة الأُولى، وعلى سَيِّد الأمة في الثَّانية. وإن قلنا الوجوب على المؤدي ابتداء فلا يجب.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ، وبه قال أبو إسْحَاق.
والفرق: أن الحُرَّة بعقد النكاح تفسير مُسَلَّمَة إلى الزَّوْجِ حتى لا يجوز لها المسافرة والامتناع من الزَّوْجِ بعد أخذ المَهْرِ والنفقة بحال، والأمة بالتزويج غير مُسَلَّمة بالكلية، بل هي في قبضة السّيد، ألا ترى أن له أن يستخدمها وأن يُسَافِر بِهَا، وهذا معنى قوله في الكتاب: (سلطنة السَّيد آكد، مِنْ سلطنة الحرة) أي: على نفسها، ثم التقريب من وجهين:
أحدهما: أن الحرة لما كانت مُسَلَّمة بالكلية كانت كالأمة المُسَلَّمة إلى المُشْتري بِعَقْدِ الشراء، فتنتقل الفِطرة إليه، والأمة لما كانت في قبضة السّيد، لم تكن الفطرة
стр. 1255
متحولة عنه، وإنما الزَّوج كالضَّامن لها، فإذا لم يقدر على الأداء بقي الوجوب على السَّيد، كما كان.
والثَّاني: أن الأمة إذا لَمْ تكن واجبة التَّسليم، كان السيد مُتَبَرِّعاً بتسليمها، فلا يسقط عنه بتبرعه ما كان يلزمه لَوْلاَ التَبرّع. ولو نَشَرَت المرأة وسقطت فطرتها عن الزَّوْجِ لسقوط النفقة، فقد قال الإمام: الوجه عندي القطع بإيجاب الفِطْرَة عَلَيها، وإن حكمنا بأنَّ الوُجُوبَ لا يلاقيها؛ لأنها بالنشوز أخرجت نَفْسَها عَنْ إِمْكَانِ التَّحَمُّلِ. فرعان:
أحدهما: زوج الأمَةِ إن كانَ موسراً فحكم فطرتها حُكْم نَفَقَتِهَا، وسيظهر ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
والثاني: أن خادمة الزَّوْجة إن كانت مُسْتَأْجِرَةً، لم يجب على الزَّوْج فِطْرَتُهَا، وإن كانت من إمائه وجبت؛ لأنها مملوكته، وإن كانت من إماء الزَّوْجة، والزوَج ينفق عليها ففطرتها وَاجِبَةٌ عليه نظراً إلى أنه يَمُونَها، نَصَّ عليه في "المختصر".
وقال الإمام: الأصح عندي أنها لا تَجِب؛ لأن نفقة الخَادِمة غير مُسْتَقِلة، إذ يمكلنه تَحْصِيل الغَرَضِ بِمُتَبَرِّعَةٍ أَوْ مُسْتَأجَرَةٍ.
الصُّورة الثانية: لو أخرجت الزَّوجَة زَكَاةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُون إِذْنِهِ ففي إجزائه وَجْهَان:
إن قلنا: الزَّوْجُ مُتَحَمِّلٌ أَجْزَأ وإلاَّ فَلاَ، ويجري الوجهان فيما لو تَكَلَّف مِنْ فِطْرته على قَرِيبه باستقراضٍ وغيره، وأَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ إذنه، والوَجْهُ الأَوَّلُ هو المنصوص عليه في "المختصر".
ولو أخرجت الزَّوجَة أو القريب بإذْنِ مَن عَلَيْهِ جَازَ، بِلاَ خِلاَف، بل لو قال الرجل لغيره: أدِّعني فِطْرتي ففعل جَاز، كما لَوَ قال: أَقْضِ دَيْنِي، ذكره في "التهذيب".
وقوله في الكتاب: (لأن الزوج أصل لا متحمل) ليس تعليلاً لِوَجْهِ المنع بشيء يساعد عليه، بل الغرض منه التَّنْبِيه عَلَى مَبْنَى الوَجْهَيْنِ. واعلم: أن الصُّورة الثَّانية، ليس لها كَثِير تَعَلُّقِ بالأصْلِ المستثنى منه، وإنَّمَا المتعلق به الأولى، فإن الفِطْرَة فارقت النَّفقة حَيْثُ لم تَلْزُم الزَّوْجَ المُعْسِر، والنَّفقة لازمة مستقرة.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ البَائِنُ الحَامِلُ تَسْتَحِقُّ الفِطْرَةَ، وَقِيلَ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ النَّفَقَةَ لَلْحَمْلِ فَلاَ تُسْتَحَقُّ.
قال الرافعي: يجب فطرة الرجعية كنفقتها، وأما البَائِنة: فإن كانت حَائِلاً، فلا نَفَقَةَ ولا فِطْرَة، وإن كَانَتْ حَامِلاً، ففي فطرتها طريقان:
стр. 1256
أحدهما: أنها تجَب اتباعاً لِلْفِطْرَة النفقة.
والثاني: أن وُجوبَهَا مَبْنِيٌّ على الخِلاَف في أنَّ النفقَةِ لِلْحَملِ أو لِلْحَامِلِ إن قلنا: بالثَّانِي فَيَجِب، وإن قُلْنَا بالأَوَّلِ فَلاَ؛ لأَنَّ فِطْرَة الجنين لا تَجِب، وهذا الطريق الثاني هو الذي أورده الأَكْثَرُون.
وكلامُ صَاحِبِ الْكِتَاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيح الأَوَّلِ وبه قال الإمام والشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ.
قال الشيخ: لأنها المستحقة، سواء قلنا: النفقة لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، ولها أن تأخذها وتنفقها على نَفْسِها بِلاَ خِلاَف، وقولنا: إنها للحمل على قول -، نعني به-: أنه سبب الوجوب، وذلك لا يُنَافي كَوْنها المُسْتَحِقة هذا إذا كانت الزوجة حُرَّة، فإن كانت أمة ففطرتها بالاتفاق ناظرة إلى ذَلِك الخِلاَف، فإن قلنا النفقة للحمل فلا نفقة ولا فِطرة؛ لأن الحَمْل لو كان ظَاهِراً لم يكن عليه أن يمون ملك الغير، وإن قلنا: للْحَامِل وَجَبَتَا، وسواء رَجَّحْنَا الطريقة الأولى أو الثانية فالأصح اسْتِحقاق الفطرة؛ لأن الأَصَح أن النفقة لِلْحَامل، وعلى هذا فالمسألة غَيْر مستثناه عن الأَصْل السَّابق أما إذا قلنا: النفقة وَاجِبَةٌ لِلْحَمْل فَلاَ فِطْرَة، فالحمل شخص تجب نفقته، ولا تجب فِطرته فينتظم استثناؤه -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لاَ فِطْرَةَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ الكَافِرِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ فِي نِصْفِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ أَوْ فِي العَبْدِ الَّذِي نِصْفُهُ حَرٌّ، وَلَوْ جَرَتْ مُهَايَأَةٌ فَوَقَعَ الهِلاَلُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالفِطْرَةِ وَجْهَانِ لِأنَّهُ خَرَجَ نَادِراً.
قال الرافعي: في المسألة صورتان:
أحدهما: لا يجب على المُسْلِم فِطْرَةَ عَبْدِهِ الكَافِرِ وبه قال مَالِك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة. لنا: لتقييد في حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: "مِنَ المُسْلِمِينَ" وأيضاً فإن الفطرة شرعت تطهيراً والكافر ليس أهلاً للتطهير، وحكم الزَّوْجَةُ الذِّمية، والقريب الكافر حكم العبد الْكَافِرِ، فلا تجب فطرتهم وإن وجبت نفقتهم.
الثانية: تجب فطرة العبد المُشْتَرك على الشَّريكين، وفطرة العبد الذي بَعْضُه حُرٌّ عليه وعلى السَّيد، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: "لا تجب" ولمالك حيث قال في الصورة الثانية في إحدى الروايتين: "تجب على السيد حِصَّته ولا شيء على العبد" والرواية الثانية مثل مَذْهبنا. لنا: ما سبق أن الفِطْرَة تَتْبع النَّفقة، وَهِيَ مُشْتَركة فَكَذَلِكَ الفطرة ثم الوُجُوب عليهما إذا لم تكن مهايأة بَيْنَ الشَّرِيكَينِ، أَوْ بين المَالِكِ وَالْعَبْدِ، فَهَلْ تَخْتَصُّ الفطرة بمن وقع زمان الوُجوب في نوبته أم هي على الشَّركة؟ يبنى ذلك على أن الفطرة من المؤن النَّادرة أو من المؤن الدَّائرة، وبتقدير أن تكون من النَّادرة
стр. 1257
فَهَل تَدْخُل في المهايأة أم لا؟. أما المقام الأول، فقد حكى الإمام فيه وجهين:
أحدهما: أنها من المؤن الدَّائِرَة؛ لأنها معلومة القدر والوقت، معدودة من وظائف السنة. وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنَّها مِنَ المؤن النَّادِرَة؛ لأن يوم العيد لا يتعين في السَّنة لاختلاف الأهلة، وبتقدير التعين فالشيء الذي لا يتفق في السَّنَةِ إِلاَّ مرة نَادِر، وأما الثَّاني فَفِيه وَجْهان مَشْهُوران:
أظهرهما: أنها تَدْخُل فِي المهايأة؛ لأن مَقْصُود المُهَاياة التَّفَاضَل والتمايز فليختص كل واحد منهما بما يتفق في نَوْبته مِنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ.
والثَّاني: لا تدخل؛ لأن النَّوادر مجهولة ربما لا تَخْطُر بالْبَالِ عِندِ التهايؤ فَلاَ ضرورة إلى إدخالها فيه، والوجهان جَارِيَانِ فِي الأكساب النَّادِرَةَ كصيد يصطاده العبد الذي ليس بُصَيَّاد، وكقبول هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ ونحوها فإن قلنا: بالأول فَجَمِيعُ الفِطْرَة عَلَى مَنْ وَقَع الهِلاَلُ فِي نَوْبَتِهِ.
وإن قلنا: بالثاني فهي مُشْتَركة بِحَسَبِ المِلْكِ أَبَداً ثم الْمُعْتَبَرُ فِي يَسَارِهِ أن يفضل الواجب، سواء كَانَ تَمَامَ الصَّاع أو بعضه عن قوت يومه وليلته إن لم يكن بَيْنَهُمَا مهايأة، وإن كَانَ بينهما مهايأة فَعَنِ القَدْرَ الذي يلزمه من قوت نفسه لا من الكُلِّ.
وليكن قوله في الكتاب: (وتجب عليه في نِصفِ العيد المشترك) معلَّماً باَلْحَاء وَالْمِيم لما ذكرناه ولو قال: وتجب فطرة العبد المشترك بدل ما ذكره لكان أحْسَنَ، ولا يستغنى عن التعرض للنّصف. وقوله: (فوقع الهلال) جواب على أَصَحِّ الأَقْوَالِ وهو أن وقت الوجوب الاستهلال.
وقوله: (لأف خرج نادراً) جوابٌ على الأصح في عدها من النَّوادر، وليكن مُعَلَّماً بِالوَاوِ لِلْوَجْهِ السَّابِق، ولا يخفى حاجة الصورة الأولى إلى الاستثناء.
وأما الثانية: فإنما يَصِح استثناؤها عَلَى قولنا: إن الفطرة لا تدخل في المهايأة، لأنهما حينئذٍ يَشْتَرِكَانِ في الفِطْرَة دون النَّفَقَةِ فتفارق الفطرة النفقة.
قال الغزالي: السَّادِسةُ العَبْدُ المَرْهُونُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَفِي المَغْصُوبِ وَالضَّال والآبِقِ طَرِيقَانِ قِيلَ: تَجِبُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَسَائِرِ الزَّكَواتِ، وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ العَبْدِ الغَائِبِ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ فِطْرَتِهِ وعَلَى أَنَّ عَتْقَهُ لاَ يُجْزِئُ عَنِ الكَفَّارَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ فِي المَسْئلَتَينِ لِتَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ، وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّينِ مَيْلاً إلَى الاحْتِيَاطِ فِيهِمَا.
قال الرافعي: المُدَبَّرُ والمُعَلَّق عِتْقُه بِصِفَةٍ، وأم الولد كالقِنِّ في وجوب الفطرة، وتجب فِطْرة العَبْدِ المَرْهُون، والجَانِي والمُسْتَأْجِر لِوُجُودِ المِلْكِ، وَوُجُوبِ النَّفقة.
стр. 1258
قال الإمام والمصنِّف في "الوسيط": هكذا أطلقوا القول في المَرْهُون، ويحتمل أن يجري فيهَ الخلاف المذكور فِي زكاة المال المرهون.
واعلم: أن الخِلاف في زَكَاةِ المَالِ المرهون لم نَلْقَه إِلاَّ فِي حِكَايَةِ هَذَيْنِ الإِمَامَيْنِ، والجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الوُجُوبَ ثُمَّ أَيْضًا.
وأما المَغْصُوبُ والضَّالُّ فَفِي فِطْرَتِهِ طريقان:
أحدهما: أَنَّه على القَوْلَيْنِ فِي زَكَاةِ المَالِ المَغْصُوبِ.
وَطَرَدَ ابنُ عَبْدَانَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الخِلاَفَ فِيمَا إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ عِنْدَ الاسْتِهْلاَلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: القَطْعُ بِالْوُجُوب اتباعاً لِلفِطْرَة النفقة، ويخالف زَكَاة المال، فإنَّ المَالِيَّة مُعْتَبرةٌ فِيهَا، وهي غير معتبرة هاهنا، ألا تَرَى أنه تَجِب فِطْرَة الزَّوجَةِ، والقَرِيب مع انتفاء المالية، فلأن تَجِب عِنْدَ ضَعْفِهَا كان أَوْلَى، ولهذا وَجَبَتْ فِي المستولدة.
وأما العبد الغَائِب، فَإنْ علم حياته، وكان في طَاعَتِهِ، وجبت فِطْرَتُه، وإن كَانَ آبقاً فَفِيه الطريقان في المَغْصُوب، وللخلاف فيه مأخذٌ آخر حَكَاه الإِمَامُ، وهو أن إباق العَبْدِ هَلْ يَسْقُطُ نفقته كَنُشُوزِ الزَّوْجَةِ أَمْ لاَ؟ وفيه خِلاَف، فَإِن أسقطها أسقط الفِطْرة أيضاً، وإن لم يعلم حياته، وانقطع خَبَرُهُ مَعَ تَوَاصُلِ الرِّفاق ففي فطرته طريقان:
أحدهما: أَنَّهَا تَجِب بلا خلاف، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: أنه على القَوْلَين، وفي كَيْفِيَّتِهَا طَرِيقان:
أحدهما: أنهما قَوْلاَن مَنْصْوصَانِ، وذكل أن المُزَنِي روى في "المختصر" أنه قال: ويزكي عن عبيده الحضور، والغُيَّب، وإن لم تُرْجَ رَجْعَتُهم؛ إذَا عَلِم حَيَاتَهُم، قال: وقال في موضع آخر، وإن لم يعلم حياتهم، فَشَرَطَ العِلْمَ بالَحَيَاة فِي قول، وأطلق الوُجُوبَ فِي قَول، عَلِمَ أَوَ لَمْ يَعْلَم.
والثاني -وهو المذكور في الكتاب-: أن سَبَبَ خُرُوجِ القَوْلَين أَنَّه نص هاهنا على لزوم الفِطْرة، وفي الكفارة على أن إعتاق مِثْل هذا العبد لا يجزئ فنقل الجواب من كل مسألة إلى الأُخْرَى، وَجَعَلْنَا على قولين بالنَّقْلِ والتخريج وجه وجوب الفِطْرَة والإجزاء عَنِ الكَفَّارة، أن الأصلَ بَقَاؤُه.
وَوَجه عدمِ وُجُوبِهَا وعدم الإجزاء أن الأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عن واجب الفِطْرَة واستمرار شغلها بواجب الكفارة إلى يقين الإِعْتَاق قال القاطعون بالوجوب؛ أما منقول المُزَنِي فلا اخْتِلاَف فيه، إلا أنه أجاب في النَّصِّ الأول في إِحْدَى المسأَلَتَيْن دون الأُخْرَى، والاحتجاج بالمفهوم ضَعِيف؛ وَأَمَّا فصل الكفارة فالنصان مقرران.
стр. 1259
والفرق: الأخذ بالاحتياط في الطَّرفين بتقديره حياً بالإضافة إلى الفِطْرَة وميتاً بالإضافة إلى الكَفَّارة، ليأتي بيقين الإعْتَاق، وكيفما قدر فالأظهر وجوب الفِطْرة، وعدم الإجزاء في الكَفَّارة، وإذا أوجبنا الفِطْرة في هذه الصورة، فهل نوجب إخراجَها في الحَالِ، أم يجوز التَّأْخير إلى عود العَبْد كَمَا في زَكَاةِ المَالِ؟ في نظائرها المذهب الأول؛ لأن المُهْلَة شُرِعَت ثَمَّ لِمَعْنَى النَّمَاء وهو غير معتبر هاهنا. وروى ابنُ الصَّبَاغ عن الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أن الشَّافعي ﵁ نَصَّ في "الإملاء" على قولين في ذَلك، قال: وهَذَا بَعِيدٌ؛ لأن إمكان الأَدَاء شَرْطُ الضَّمَانِ فِي زَكَاةِ المَالِ، والمَالُ الغَائِبُ يَتَعَذَّرُ الأَدَاء مِنْهُ، وليس كَذَلِكَ الفِطْرَة، هكذا ذَكَره، لكن قال صاحب "التهذيب": لو دخل الوقت، ومات المُؤَدّى عنه قبل إمكان الأَدَاء فَفِي سقوط الفِطْرَة وُجْهَان: فألحقهما في أحد الوَجْهَيْنِ بِزَكَاةِ المَالِ في اعتبار الإمْكَان، وحكى الإمام هَذَا الخِلاَفَ أَيضاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّابِعَةُ) نَفَقَةُ زَوْجَةِ العَبْدِ فِي كَسْبِه وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِزَكَاةِ نَفْسِهِ فَلاَ يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
قال الرافعي: العبد ينفق على زوجته من كَسْبهِ، ولا يخرج الفطرة عنها حُرَّةٌ كانت، أو أَمَةً؛ لأنه ليس أهلاً لزكاة نَفْسِهِ، فكيف يُتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
أما النفقة فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، وأقرب موضع يؤدي منه كسبه، ثم إذا كَانَت الزَّوْجَة حُرَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَهَلْ عَلَيها فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ منهم من قال: هو على القَوْلَين المَذْكُورين فيما: إذا كانت تَحْتَ زَوْجٍ مُعْسِرٍ.
ومنهم: من قال: عليها فِطْرَتُهَا بلاَ خِلاَفٍ؛ لأن العَبْدَ لَيْس أهلاً لِلْخِطَابِ بالفِطْرَةَ، وإن كانت أَمَةً فهل على سَيِّدِهَا فِطْرتها؟ فيه هذان الطَّريقان:
والثاني: أظهر في الصُّورتين، ولو مُلَّك السَّيدُ عَبْدَه شيئاً، وقلنا: إنه يملكه، لم يكن له إخراج فطرة زوجته عنه استقلالاً؛ لأنه مِلْك ضعف، ولو صَرَّح بِالإذْنِ فِي الصَّرف إِلَى هَذِهِ الجهة، ففيه وجهان للشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ إن قلنا: له ذلك، فليس للسَّيد الرجوع عن الإِذْن بعد استهلال الْهِلاَل؛ لأن الاستحقاق إِذَا ثَبَتَ؛ فَلاَ مَدْفَعَ لَهُ.
خاتمه: قوله في أول المسائل السبع: (ولا تفارق الفطرة النفقة إلا في كذا) لا شك أنه لم يعن به مطلق المُفَارقةِ؛ لأن مفارقتهما لا تنحصر فيما استثناه؛ بل هما مفترقان في القدر والوَقْت؛ وأمور أخر لا تُحْصَى كثرة، وإنما عني المفارقة في ثبوت النفقة وانتقاء الفطرة، لكن هذه المفارقة غير منحصرة أيضاً فيما استثناه لمسائل:
منها: إذا كان لِلْكَافر عَبْدٌ مُسْلِمٌ، ففي فطرته وجهان سنذكرهما، والنفقة واجبة.
ومنها: إذا أوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدِ لرجل، وبمنفعته لآخر قال ابْن عَبْدَان: فطرته على
стр. 1260
المُوصَى لَهُ بالرقبة بلا خِلاَفٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أو على الموصى له بالمنفعة، أو في بيت المال، فيه ثلاثة أوجه: فعلى غير الوَجْهِ الأَوَّلِ المسألة من مَسَائِلِ المفارقة.
ومنها: عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ، والعبد المَوْقُوف على المَسْجِد في فطرتهما وجهان حُكِيا عن "البحر". الأظهر: وبه أجاب في "التهذيب": أنها لا تجب.
والعبد المَوْقُوف على رجل معين، ذكر في "العدة": أن فطرته تبنى على أن الملك فيه. إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه؛ فَعَلَيْهِ فِطْرته. وإن قلنا: لله تعالى فوجهان ونفى صاحب "التهذيب" في "باب الوقف" وجوب فِطْرَتِهِ على الأقوال كُلَّها؛ لأنه ليس فيه ملك محقق، والأول أشهر، ونفقة هؤلاء وَاجِبَةٌ لاَ مَحَالَةَ.
قال الغزالي: (الطَّرَفُ الثَّاني) فِي صِفَاتِ المُؤَدِّي، وَهِيَ الإِسْلاَمُ وَالحُرِيَّةُ وَاليَسَارُ، فَلاَ زَكَاةَ علَى كَافِرٍ إلاَّ فِي عَبْدِهِ (ح) المُسْلِمِ علَى قَوْلنَا: إِنَّ المُؤَدَّى عَنْهُ أَصْلٌ وَالمُؤَدِّي مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى رَقِيق وَلاَ مُكَاتَبٍ (و) فِي نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَلاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ المُكاتَبِ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ، تَجِبُ فِي مَالِ المُكَاتَبِ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ صَاعٍ.
قال الرافعي: اعتبر في مؤدى الفطرة ثلاثة أمور:
الأول: الإسْلاَم.
فلا فطرة على كافر عن نفسه؛ لأنه ليس له أهلية التَّطْهِير، ولا أهْلِيَّة إقامة العِبَادَات ولا عن غيره إلا إذا ملك الكافر عبداً مُسْلِماً، أو كان لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِم، ففيه وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أن من يؤدي عنه الفطرة أصيل، يتحمل عنه، أو الوجوب المؤدي ابتداء. إحداهما -وبه قَالَ أَبُو حَنيفَةَ ﵀: أنها لا تَجِب.
والثاني -وبه قال أحْمَدُ-: تجب، ويتصور ملك الكافر العبد المسلم، بأن يسلم العبد في يَدِهِ، أو يرثه أو يَشْتَريه عَلَى قَوْلِ صِحَّةِ الشِّرَاءِ ويهل شوال هلاله قَبْلَ أَنْ نُزِيلَ المِلْكَ عَنْه. ومستولدته التي أسْلَمَت فِيهَا الوَجْهَان فإن قلنا: بالوجوب فقد قَالَ الإمَام: صَائِرٌ إلى أن المَتَحَمل عنه يَنْوي، والكافر لا تصح منه النية، وذلك يدل على استقلال الزَّكاة بِمَعْنَى المُوَاسَاة، ولو أسلمت ذِمِّيَّةٌ تحت ذِمِّي، واستهل الهِلاَل فِي تَخَلُّف الزَّوْجِ، أَسْلَمَ قَبْلَ انقضاءِ العِدَّة ففي وجوب نَفَقَتِهَا مُدَّة التَّخَلُّف؛ خلافٌ يأتي في مَوْضِعِهِ، فإن لم نُوجِبْهَا لَمْ نُوجب الفِطْرة وإن أوجبناها فَالْفِطْرَة عَلَى الخِلاَفِ المَذْكُورِ فِي وُجُوبِ فِطْرَةِ عَبْدِهِ المُسْلِمِ. وقوله في الكتاب: (إلا في عبده المسلم)، ليكُنْ مُعَلَّماً بالحاء؛ لما نقلناه عن مذهب أبي حنيفة، ثم ظاهره يقتضي الجزم ينفي الوجوب في القريب المسلم، وفي مسألة إسْلاَم الذِّمِّيَّةِ؛ لأنه حصر الاستثناء في العبد، وكل ذلك على الخلاف، نَصَّ عليه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ وَغَيْرُهُ.
стр. 1261
الثاني: الحُرِّية، وفيه صُوَر:
منها: لا يجب على الرَّقيق فِطْرة نفسه، ولا فطرة زَوْجَتِهِ؛ لأنه لا يَمْلِك شَيْئاً، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيْد مالاً فقد ذَكَرْنَاه، وإن ملَّكه عَبْداً، وقلنا إِنَّهُ يَمْلك سَقَطَتْ فِطْرَتُهُ عَنِ السَّيِّدِ، لَزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، ولم تَجِب عَلَى المتملك لضَعْفِ ملكه.
ومنها: هَلْ تَجِبَ عَلَى المُكَاتَبِ فِطْرَة نفسه؟
المشهور: أنها لاَ تَجِب، كما لا تجب عَلَيْهِ زَكاة مَالِهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
وقيل: إِنَّهَا تَجِب عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ، كنفقته؛ وبه قال أحمد، وهذا الاختلاف على ما ذكره الإمام. قولان:
الأول: منهما منصوص.
والثاني: مُخَرَّجٌ، ذَكَرَه ابْنُ سُرَيْجٍ، وعلى ما رواه في "التهذيب" وَجْهَان وأَطْلَقَهُمَا الصَّيْدَلاَنِيُّ قولين من غير التَعَرُّض لِلنَّصَ والتخريج، والأَمْرُ فيهِ سَهْلٌ.
وإذا قلنا: بالمشهور، وهو أنه لا فِطْرَة عليه، فَهَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ.
والظَّاهِرِ: أَنَّهَا لَيْسَت عَلَيْه؛ لسقوط نفقته عنه، ونزوله مع السَّيِّد منزلة الأَجْنَبِي، ألا ترى أنه يبيع منه وَيشْتَرِي. وروى أبو ثور عن القديم أنها تَجب على السَّيد؛ لأنه عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وأنكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ أن يكون هذا قولاً للشَّافعي ﵁ وقال: إنه مذهب أَبِي ثَوْرٍ نفسه. والخلاف في أن المكاتب هل عليه فطرة نفسه؟ يجري في أَنَّه هل عليه فِطْرة زوجته وعبيده بلا فرق.
واعلم: أن قوله فيِ الكتاب: (ولا زَكَاة على رَقِيقِ، ولا مُكَاتَب في نفسه، وزوجته) الكلام في الرَّقيق قَدْ صَارَ مذكوراً مَرَّة في المسألة السَّابِقَة، وإنما كَرَّره؛ لأَنَّهُ احتاج إلَى إدراجه في صُوَرِ الاستثناء أولاً، وإلى التَعَرُّضِ لَهُ فِي صِفَاتِ المُؤَدي ثَانِياً.
وقوله: (وقيل: نجب عليه) أي: على السيد وهو القول الذي حَكَاه أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: حكم الْمُسْتَولَدَةِ، والمُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ على ما سبق.
والكلام فيمن نِصْفُه حر قد ذكره مرة، وإنما أعاده هاهنا ليبين أن الحرية التي اعتبرها ليست حرية للكل، وإنَّما هي الحرية يحسب القدر المؤدي من الفطرة.
قال الغزالي: وَالمُعْسِرُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَفْضُل عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ وَدِسْتِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الهِلاَلِ لَمْ يَتَجَدَّدِ الوُجُوبُ بِخِلاَفِ الكَفَّارَاتِ.
стр. 1262
قال الرافعي: الأمر الثالث: فالمعسر لا زكاة عليه، وكل من لم يفضل عن قوته، وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَضُلَ عَنْهُ ما يُخرِجُهُ فِي الفطرة من أي جنس كان من المال فهو مُوسِر، ولم يُصَرِّح الشافعي ﵁ وأكثر الأصحاب في ضبط اليسار والإِعْسَار إِلاَّ بهذا القدر، وزاد الإمام فاعتبر في اليسار أن يكون قَدْرُ الصَّاعِ فاضلاً عن مَسْكَنِه، وعبده الذي يَحْتَاج إليه في خِدْمته، وقال: لا يحسب عليه في هذا الباب ما لا يحسب في الكَفَّارة، وتابعهُ المصنف فِيمَا ذَكرَهُ، وأنت إذا فحصت عن كُتُبِ الأَصْحَاب وجدت أَكْثَرَهُمْ سَاكِتين عَنْ ذَلِك، وقد يغلب على ظَنِّك أَنَّهُ لا خِلاَف في الْمسْألة، وَالَّذِي ذكره كالبيان والاسْتِدرَاك لِمَا أهْمَلَهُ الأَوَّلُونَ، وَرُبَّمَا استشهدت عليه بأنهم لم يتعرضوا أيضاً لدست ثوب يلبسه، ولا شَكَّ في أنه مبقى عليه، فإن الفِطْرة ليست بأَشَد من الدَّيْنِ، وأنه مبقى عليه في الدّيون، لكن الخلاف ثابت، فإن الشَّيْخ أَبَا عَلِيّ حكى وجهاً أن عبد الخِدْمَة لا يُبَاعُ فِي الفِطْرَة، كما لاَ يُبَاعُ فِي الكَفَّارَةِ، ثم أنكر عليه، وقال: لا يشترط في صَدَقَةِ الفِطْرِ أن يكون فَاضِلاً عن كفايته، بل المعتبر قوت يومه، ويفارق الكَفَّارة؛ لأن لها بدلاً ينتقل إليه، فخفف الأمر فيها، ولا بدل للفطرة فمتى قدر عليه بوجه ما، لزمه القضاء كقضاء الدَّيْنِ، وذكر في "التهذيب" أيضاً ما يوجب إثبات وجهين في المَسْألة، والأصَحُّ عِنْدَهُ الأَوَّلُ كما في الكتاب، وقد احتج له بقول الشافعي ﵁ أن الابن الصغير إذا كان له عبد يحتاج إلى خدمته فعلى الأب أن يُخْرِجَ فِطْرَتَهُ، كما يخرج فِطْرَة الابن، ولولا أن العبد غير مَحْسُوب لسقط بِسَبَبِه نَفَقَةُ الابْنِ أيضاً، ثم ذكر الإمام ﵀ شيئين:
أحدهما: أن كَوْنَ المُخْرَجِ فاضلاً عن العَبْدِ والمَسْكَنِ، وإن شرطناه في ابتداء الثبوت، فلا نشترطه في الدَّوَام، بل إذا ثَبَتَتْ الفِطْرَة في ذِمَّةِ إِنْسَانٍ بِعْنَا عَبْدَهُ وَمَسْكَنَهُ فيها؛ لأنها بَعْدَ الثُّبُوتِ التَحَقَتْ بِالدُّيُونِ.
والثاني: أن ديون الآدميين تَمْنَع وجوبَ الفِطْرَة وِفَاقاً؛ كما أن الحاجَة إلى صَرْفِهِ إِلَى نفقةِ الأقَارِب تَمْنَعُهُ، قال: ولو ظَنَّ ظان أن دين الآدمي لاَ يَمْنَعه على قَوْلٍ، كما لا يمنع وُجوب الزَّكاة كان مُبْعَداً، هذا لَفْظُهُ وفيه شيءٌ آخر نذكره في أواخر صَدَقه الفِطْرِ -إن شاء الله تَعَالى جَدُّه-. فعلى هذا يُشْتَرَطُ مع كون المُخْرَج فَاضِلاً عما سبق كَوْنُه فاضلاً عن قدر ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ولم يتعرض له في الكِتَاَب، بل ليتعرض لِمَا اتفقت الكلمة على اعتباره وهو كَوْنُه فَاضِلاً عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَمُونُه إِلاَّ أن يقال: إنه تعرض له على سبيل الإشَارة، فإنه إذا اعتبر كَوْنه فَاضِلاً عن العبد والمَسْكَن، فأولى أن يَكُونَ فَاضِلاً عنه. وقولَه: (صاع من الطَّعَام) لا يخفى أنه غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وإنما المراد قدر صاع من أي جنس كان من المال.
стр. 1263
قال أبو حنيفة ﵀: اليسار المعتبر في الباب أن يكون مالكاً لِنِصَابٍ زَكَوِي، ومالك وأحمد وافقنا على عَدَم اعتباره؛ لأن الحَقَّ المَاليَّ الذي لا يزيد بزيادة المال لا يعتبر فيه وجود النِّصاب، كالكَفَّارَاتِ، ثُمَّ الْيَسار إِنَّمَا يُعْتَبَرُ وقت الوجوب، فلو كان معشراً عِنْدَه، ثم أيسر فلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأن وُجُودَ الشَّرْطِ بَعْدَ فَوَاتِ الوَقْتِ لا يغني، ولو وَجَدَ بَعْضَ أَسْبَاب الكَفَّارات من الشَّخْصِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عن جميع خِصَالِهَا، ثم قدر فعليه أن يُكَفِّر؛ لأن الَوُجُوبَ قد ثبت ثُمَّ والَأداء موقوف على القدرة، وفيه خلاف يذكر في موضعه. وقوله: (فلو أَيْسَرَ بَعْدَ الْهِلاَلِ) هذا التَّصْوِير مُفَرَّعٌ على قولنا أن وقت الوجوب الاستهلال، وقد سبق لَهُ نَظِير.
وقوله: (لم يتجدد الوجوب) فيه ضرب من التَّوَسُّعِ، إذ لم يكن في الابتداء وجوب، حتى يفرض تَجَدّده، أو عَدَم تجدده والمراد منه لم يثبت الوجوب، وليكن مُعَلَّماً بالميم؛ لأن القاضي الرَوَيانِي، وصاحب "البيان" رويا عن مَالِك أنه إن أيْسر يوم الفطر، وجب عليه الفِطْرة. وقوله: (بخلاف الكفارات) أي: على ظاهر المَذْهَب، وهو أن الوجوب ثَابِت إذا قدر بعد الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الخِصَالِ، وإلاَّ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْحُكْمِ.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ نِصْفَ صَاع وَجَبَ إِخْرَاحُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صاعاً وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَأَقَارِبُهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: عَنْ زَوْجَتِهِ لِأنَّ فِطْرَتَهَا دَيْنٌ وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذِهِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ وَاحِدٍ وَإِنْ شَاءَ وَزَّعَ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ التَّوْزِيعُ وَلَكِنْ يُخْرِجُ عَمَّنْ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صَاعاً وَلَهُ عَبْدٌ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَلزَمه بَيْعُ جُزْءٍ مِنَ العَبْدِ فِي زَكَاةِ نَفْسِ العَبْدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَو فَضُلَ صَاعٌ عَنْ زَكاتِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَهُ أَقَارِبُ قَدَّمَ مَنْ يُقَدِّمُ نَفَقَتَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوا فَيَتَخَيَّرُ أَوْ يُقَسِّطُ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في الفصل فروع:
أحدها: لو فضل معه عما لا يجب عليه بعض صَاعٍ من نصف وثلث وغيرهما فهل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ عن أبي إِسْحَاق:
أحدهما: لا، كما إذا لم يجد إِلاَّ نِصْفَ رَقَبَةٍ، لا يجب إعتاقه في الكُفَّارة، وكذا لو لم يقدر إلاَّ على إطعام خَمْسَة مَسَاكِين، أو كسوتهم. وأصحهما: نعم؛ محافظةً على الواجب بقدر الإمكان، ويخالف الكفارة من وجهين:
أحدهما: أن الكَفَّارة لا تتبعض؛ والفِطْرَة تتبعض في الجملة، ألا ترى أنه لو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ يَلْزَمِه نِصْفُ صَاعٍ.
стр. 1264
والثاني: أن الكفارة لها بدل والفِطْرة لاَ بَدَلَ لَهَا، فصار كما لَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ العَوْرَة يلزمه التَسَتَّر بِهِ حتى لو انتهى في الكَفَّارة إلى المرتبة الأخيرة، وهي الإطعام، ولم يجد إطعام ثَلاَثين. قال الإمام: يتعين عندي إطعامهم قَطْعاً. والثاني: لو فضل صاع وهو يحتاج إلى إخراج فِطْرة نَفْسِهِ، وله زوجة وأقارب ففيه وجوه:
أصحها: أنه يلزمه تقديم نفسه، لقوله ﷺ : "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (١).
والثاني: أنه يلزمه تَقْديم زوجتهِ، لتأكد حَقِّها، وثبوتِهِ بالعِوَض، ولهذا تستقر نفقتها في الذِّمَّة بخلاف نَفَقة غيرها.
واحتج في الكتاب لهذا الوجه بأن فِطْرَتَها دَيْنٌ، والدَّيْنُ يمنع وجوب هذه الزَّكَاة، أما كَوْنُه الدَّين مَانِعاً لهذه الزَّكاة. فوجهه: ما سبق في الفَصْلِ الَّذِي قبل هذا.
وأما المُقَدِّمة الأولى، فَلِصَاحِب الوَجْهِ الأَوَّلِ أن يقول إن ادعيت أن فطرتها دين، والحالة هذه فهو مَمْنُوع بل عِنْدِي لا يُلْزَم فِطْرَتَها، إِلاَّ إِذَا فضل عن فطرة نَفْسِهِ شيء، وإن لم يَتعرض فهذه الحالة، فكما أن فطرتها دين في الجملة، ففطرة نفسه وأقاربه دين في الجُمْلة، فلم تمنع فِطْرتها وجوبَ فِطْرَةِ غَيْرِهَا، ولا ينعكس.
والثالث: أنه يَتَخَيَّر إِنْ شاء أخرج عَنْ نَفْسِهِ، وإن شاء أخرج عَنْ غَيْرِهِ لاستواء الكُلِّ في الوجوب، ويحتج لهذا الوجه بقوله في "المختصر": "فإن لم يكن عنه بعض القوت ليوم إلاَّ ما يؤدي عن بعضهم أدى عن بعضهم"، أطلق الأداء عن البعض إِطْلاَقاً، وهذا الوجه أرجح عند القَاضِي الرّويَانِي، وإذا قلنا: به فلو أراد أن يوزع الصَّاع، هل له ذلك؟ نقل في "النهاية" فيه وجهين: وجه الجواز؛ صيانةً للبعض عن الحرمان، ووجه المنع، وهو الأصح نقصان المخرج عن قدر الوَاجِب في حَقِّ الكُلِّ، مع أنه لا ضرورة إليه، والوَجْهَان عَلَى قَوْلِنَا أن من لم يجد إلاَّ بعضَ صَاعٍ يلزمه إِخْرَاجُهُ، فَإِنْ لم يلزمه لم يجز التوزيع جَزْماً، وأورد المَسْعُودي وَجْهَ التَّوْزِيع إيراداً يُشْعِر بأنه يتعين ذلك، محافظةً على الجوانب -والله أعلم-.
الثالث: لو فضل صَاعٌ، وله عبد صَرَفَه إلَى نَفْسِهِ، وينظر في العبد، إن كان محتاجاً إلى خِدْمَتِهِ، فَهَل عليه أن يَبِيع جزءاً منه في فِطْرَتِهِ؟ فيه وجهان موجهان بطريقين:
أحدهما: توجيه إلزام البيع بأنه مَبِيعٌ فِي الدَّيْنِ، فكذلك هاهنا بخلاف الكَفَّارة،
стр. 1265
فَإِنَّ لَهَا بَدَلاَ. وتوجيه الآخر بأن تكليفه إزالة الملك عنه مع أنه محتاج إليه إضرار به، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والثَّانِي: توجيه الإلْزَام بالقياس على سائر الأموال المَبيعة في الفِطْرة، وتوجيه الآخر بأن الفَاضِلَ ينبغي أَن يكون غير ما عنه يخرج، وهذا ما أَشار إِلَيْه الإمام، ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: الفطرة يجب أن تفضل عن عبد الخِدْمة فلا يباع شيء منه، وإن قلنا: لا يجب ذلك، فوجهان للمأخذ الثاني، وإن كان العبد مستغنى عنه جَرَى الخِلاَف بالنَّظر إلى المأخذ الثاني. وإذا وقع السُّؤالُ عن مطلق العبد حَصَل في الجواب ثلاثة أوجه، وهكذا أورد الإمام ﵀.
ثالثها: الفرق بين عبد الخِدْمة، والعبد المستغنى عنه وهو الأظهر.
وصوّر صاحب الكتاب المسألة في "الوسيط" فيما إذا كان العَبْد مُسْتغنى عنه، وربما أَوْهَم ذلك تقييد الخلاف به، ولا شَكَّ في أنه لا يتَقَيَّد، إِنَّمَا الكَلاَم في أنه هَلْ يُجْزِئ فيه؟ الرابع: لو فضل صَاعَان عَنْ قَدْرِ الحَاجَةِ، وفي نفقته جَمَاعة فَهَلْ يُقَدِّم نفسه بواحد أم يتخير؟ فيه وجهان لا يخفى خروجهما مما سبق، الأصح أنه يُقَدَّم نفسه، ثُمَّ فِي الصاَّعِ الثَّانِي، ينظر إن كان من في نفقته أقارب، فيقدم منهم من يُقدم في النفقة، والقول في مراتبهم خلافاً ووفاقاً موضعه "كِتَابُ النَّفَقَاتِ" فإن استووا فيتخير أم يُقَسِّط؟ فيه وجهان وتوجيههما مَا سَبَقَ، ويتأيد وجه التَّقْسِيط بِالنَّفَقَة، فَإِنَّهَا تُوَزَّع فِي مثل هَذِه الحَالَةِ، ولم يَتَعَرَضُوا لِلإقْرَاعِ هاهنا، وله مجال في نظائره (١).
وقوله في الكتاب: (ولو فضل صَاعٍ عن زكاته ونفقته) أي: ونفقة من في نَفَقته، وأراد ما إذا فَصل صَاعَانِ على مَا أَوْضَحْنَاه لكن فرع في التَّصْوِيرِ عَلَى الأَصَحِّ، وهو أنه يقدم نَفْسِهِ بِصَاعٍ، فإن اجتمعت الزوجة مع الأقارب ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تقديم القَرِيب؛ لأن عُلْقَتَهُ لاَ تَنْقَطِعُ، وَعُلْقَه الزوجية يعرض لها الانقطاع، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة ﵀.
وأصَحُّهُمَا: تقديم الزَّوْجَةِ: لأن نفقتها آكد ألا ترى أنها لا تَسْقُطُ بِمضِيِّ الزَّمَانِ.
وثالثها: التخير، وعلى الأَصَحِّ فلو فضل صَاعُ ثَالِثٌ، فإخراجه عن أقاربه على مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا تَمَحَّضُوا، وظاهر المذهب من الخِلاَف الذي ذَكَرْنَاه، وبما أَخَّرْنَاه إلى النفقات أنه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، -والله أعلم-.