رضي الله عنهما- قَدِمَا مِنَ اليَمَنِ مُهِلِّينَ بمَا أَهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا" (١) ثم فيه ثلاث مسائل لأن زيداً إما أن يكون محرمًا، أو لا يكون، وإن كان محرماً فإما أن يمكن الوقوف على ما أحرم به أو لا يمكن، والفَصْلُ مشتمل على مسألتين من الثَّلاَثِ.
أحدهما: أن يكون زيدٌ محرماً ويمكن الوقوف على ما أحرم به، فينعقد لعمرو مثل إحْرَامه، وإن كان محرماً بِحَجٍّ فعمِرو أيضاً حَاج، وإن كان معتمراً فمعتمر، وإن كان قارناً فقارِن، وإن كان إحرامه مطلقاً انعقد لعمرو إحرامٌ مطلقٌ أيضاً، ويتخير كما يتخير زَيْد، ولا يلزمه صَرْفُ إحْرَامِهِ إلى ما يصرف إليه زَيْد، وفي "المعتمد" نقل وجه أنه يلزمه، والمشهور الأول، قال في "التهذيب": إلا إذا أراد إحراماً كإحرام زيد بعد تعيينه. وإن كان إحرام زيد فاسداً فإحرام عمرو ينعقد مطلقاً. أو لا ينعقد أصلاً؟ عن القاضي أبي الطيب، حكاية وجهين فيه (٢).
ولو أن زيداً كان قد أبهم إحْرَامه أولاً ثم فَصَّلَهُ قبل إحرام عمرو ففيه وجهان:
أْشبههما: أن إحرامه ينعقد مبهماَ نظراً إلى أوَّلِ إحرامِ زَيْدٍ.
والثاني: ينعقد مُفَصَّلاً نظرًا إلى آخره، والوجهان جاريان فيما لو كان زيدٌ قد أحرم بِعُمْرَةٍ ثم أدخل عليها الحَجّ فعلى الأول لا يلزمه إلا العُمْرَة، وعلى الثَّانِي يكونُ قَارِنًا. وموضع الوجهين ما إذا لم يخطر له التشبيه بآخر إحْرَامِ زَيْدٍ في الحَالِ، وإلا فالاعتبار بالآخر بِلاَ خِلاَف، وما إذا لم يخطر له التشبيه بابتداء إحرامه، وإلا فالاعتبار بالأول بلا خِلاَف، ولو أخبره زَيْدٌ عما أحرم به ووقع في نفسه خِلاَفه فيعمل بما أخبره عنه، أو بما وقع في نَفْسِهِ. فيه وجهان:
وإذا أخبره عن إحرامه بالعمرة وجرى على قوله ثم بأن أنه كان محرماً بالحج، فقد بأن أن إحْرَام عمرو كان منعقداً بالحج، فإن فات الوقت تحلل من إحْرَامه للفوات وأراقَ دماً، وهو في ماله أو مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان أورد المسألتين صاحب "المعتمد" وغيره.
الثانية: أن لا يكون محرماً أصلاً فينظر إن كان عمرو جاهلاً به انعقد إحْرَامُه
стр. 1472
مطلقاً؛ لأنه جزم بالإحْرَامِ، وجعل له كيفية خَاصَّة فيبقى أصل الإحرام وإن بطلت تلك الكيفية، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم فوجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد إحرامه أصلاً كما إذا قال: إن كان فلانٌ محرماً فقد أحْرمَت فلم يكن محرماً.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنه ينعقد إحرامه مطلقاً؛ لما ذكرنا في صُورَةِ الجَهْلِ، ويخالف ما إذا قال إن كان محرماً قد أحرمت، فإن هناك علق أصْل إحرامه لإحرامه فلا جرم إن كان محرماً فهو محرم، وإلا فلا وهاهنا الأصْلُ مجزوم به.
واستشهد في الكتاب لهذا الوجه بصورتين نَصَّ عليها في "الأم":
أحدهما: لو استأجره رجلانِ ليحج عنهما فأحرم عَنْهُمَا لم ينعقد الإحْرَام عن واحد مِنْهُمَا، لأن الجمع غير ممكن، وليس أحدهما أولى بَصَرْفِ الإحْرَامِ إليه، فلغت الإضافتان ووقع الحَجُّ عن الأَجِيرِ، والتصوير في الإجارة على الذِّمة بَيِّنٌ، وقد تصور في إجارة العين أيضاً وإن كانت إحدى الإجارتين فَاسِدَةٌ؛ لأن الإحْرَام عن الغير لا يتوقف على صِحَّة الإجَارَة.
والثانية: لو استأجره رجلٌ ليحج عنه، فأحرم عن نفسه وعن المستأجر، لغت الإضافتان وتساقطتا وبقي الأحرام عن الإجِير، فلما لغت الإضافة في الصورتين وبقي أصل الإحْرَام جاز أن يَلْغُو هنا التشبيه في الكيفية، ويبقى أصْلُ الإحْرَامِ. ويحوز أن يعلم قول في الكتاب: (وانعقد عن الأجير) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة، إن كان المستأجران أبوي الأجير وأحرم عنهما، أو أحرم عنهما من غير إجارة انعقد الإحرام عن أحدهما، وله صرفه إلى أيهما شاء، وعنه في المستأجرين لأجنبيين روايتان:
أظهرهما: مثل مذهبنا.
وقوله: (بأن عرف موته) إشارة به إلى ما ذكره الإمَامُ من أن العلم بأنه غير محرم لا يكاد يتحقق، فإن الاعتبار بالنية ولا يطلع عليها غير الله تَعَالى، وإنما يظهر التصوير إذا شَبَّه إحرامه بإحرام زَيْدٍ وهو يعرف أنه ميت.
والعم أن المسألتين والثالثة التي سنذكرها مفروضات فيما إذا أحرم في الحال بإحرام كإحرام الغير، أما لو عَلَّق بإحرامه في المستقبل فقال: إذا أحرم فأنا مُحْرِمٌ لَمْ يَصِح كما إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهْرِ فإنا مُحْرِمٌ لا يصير محرماً بمجيئه؛ لأن العبادات لا تعلق بالأخطار، كذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ونقل في المعتمد وجهين في صحة الإحرام المعلق بِطُلُوع الشَّمْسِ ونحوه، وقياس تجويز تعليق أصْلِ الإحرام بإحرام الغير تجويز، هذا لأن التعليق موجود في الحالين، إلا أن هذا تعليق بمستقبل، وذاك
стр. 1473
تعليق بِحَاضِرِ، وما يقبل التعليق من العقود يقبلها جميعاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ لو مات زَيْدٌ بَعْدَ الإحرام أو عَسُرَ مُرَاجَعَته فهوَ كمُا لَوْ أَحْرَمَ مُفَصَّلاً ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَالقَوْلُ الجَدِيد أنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اجْتِهَادًا لَكِنْ يَبْنِي عَلَى اليَقِينَ فَيَجْعَلُ نَفْسُهُ قَارِنًا فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الحَجِّ بِيَقِينٍ، وَكَذَا عَنِ العُمْرَةِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ إِدْخَالُ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ الآنَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عُذْرٌ في جَوَاز إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْرَأُ عَنِ العُمْرةِ فَعَلَيْهِ دَمُ القِرَانِ وإلاَّ فَلاَ، وَإِنْ طَافَ أَوَّلاً ثُمَّ شَكَّ فَيَمْتَنِعُ إِدْخَالُ الحَجِّ لَوْ كانَ مُعْتَمِراً فَطَريقُهُ أَنْ يَسْعَى وَيَحْلَق وَيَبْتَدِئَ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ وَيتِمَّهُ فَيَبْرأَ عَنِ الحَجِّ بِيَقِين؛ لِأَنَّهُ إِنْ كانَ حَاجاً فَغَايَتُهُ حَلْقٌ في غيْرِ أَوَانِهِ وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كانَ مُعْتَمراً فَقَدْ تَحَلَّلَ ثُمَّ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، فَالدَّمُ لاَزِمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَضُرُّهُ الشَّكُّ في الجِهَةِ فإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْط في نِيَّةِ الكَفَّاراتِ.
قال الرافعي: المسألة الثالثة: أن يكون زيدٌ محرماً لكن يتعذر مراجعته بجنون أو غيبة أو موت بعد الإحْرَام وقد شبهها في الكتاب بمسألة طويلة الفقه فنشرحها ثم نعود إلى هذه فنقول:
إذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه قال في القديم: أحب أن يقرن وإن تَحَرَّى رجوت أن يجزئه ونص في الجديد على أنه قارن، ونقل الشَّيْخُ أَبُو عَلِي فيها طريقين: أحدهما: نفي الخلاف في جواز التحري، ونص في الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النُّسُكَيْنِ أو قرن وأصحهما وهو رواية المعظم: أن المسألة على قولين. القديم: أنه يتحرى ويعمل بظنه؛ لإمكان إدراك المقصود بالتَّحَرِّي كما في القِبْلَة والأواني. والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحْرَام يقيناً ولا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه، فالطريق أن يقرن ويأتي بأعْمَال النسكين، وهذا كما لو شَكَّ في صلاته في عدد الركعات يبني على اليَقِينِ، ليتحقق الخروج عما شرع فيه، ويفارق التحري في القِبْلة والأواني، لأن لها علاماتٍ تدل عَلَيْهَا، ولا دلالة هَاهُنَا واعلم أن هذا الفرق مبني على أن الاجتهاد يعتمد النظر في العلامات، وقد ذكرنا في كتاب الطَّهَارَةِ خلافاً فيه، وبتقدير أن يعتمده فناصر القول الأول قد لا يسلم انتفاء الأمارات هاهنا، وبنى الشيخ أبو محمد ﵀ على هذين القولين اختلاف أصحابنا فيما إذا اجتهد جَمْعٌ في أوانٍ منها اثنان فصاعداً بِصِفَةِ الطَّهَارَة، وغلب على ظَنِّ كُلِّ واحد طهارة واحد هل يجوز اقتداء بعضهم ببعض؟ وقال هذا خلاف في أن الاقتداء هل يجوز بالتَّحَري والاجتهاد؟ التفريع إن قلنا: بالقديم فما غلب على ظنه أنه المشروع فيه من النّسكين
стр. 1474
مضى فيه وأجزأه، كما لو اجتهد في الثوب والقِبْلة وصَلَّى على مقتضى اجتهاده، وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه الشَّك.
وفائدة التحري الخلاص من الإحرام.
وإن قلنا: بالجديد فللشَّكِ حالتان.
إحداهما: أن يعرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال، فلفظ النَّص أنه قَارِنِ، قال الأصْحَابُ معناه أنه ينوي القَرَان ويجعل نفسه قارنًا لا أنه يحكم بكونه قارنًا لحصول الشَّك، وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ ﵀ فحكى قولاً أنه يصير قارنًا من غير نية ثم إذا نوى القرآن وأتى بالأعْمَالِ تحلل، وبرئت ذمته عن الحَجِّ بيقين، وأجزأته عن حَجَّةِ الإسْلاَمِ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الإحرام به وإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه جَوَّزْنَاهُ أم لاَ، وإن كان محرماً بالعمرة فإدخال الحَجِّ عليه جائز قبل الاشتغال بالأعمال.
وأما العمرة فهل تجزئه عن عمرة الإسلام إن فرضناها؟ يبني على أن العمرة هل يجوز إدخالها على الحَجِّ أم لا؟ إن جوزناه أجزأته أيضاً؛ لأنه إن كان محرماً بها فَذَاك، وإلا فقد أدخلها على الحَجِّ، وإن لم نجوز إدْخَالَ العمرة على الحج ففيه وجهان:
أصحهما: لا تجزئه، لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجِّ، وامتناع إدخال العمرة عليه، والعمرة وَاجِبةٌ عليه فلا تسقط بالشَّكِ.
والثاني: ويحكى عن أبي إسْحَاقَ: أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذراً في جواز الإدْخَال، فإن حكمنا بإجزائهما جميعاً لزم دَمُ القَرَانِ، فإن لم يجد صَامَ عشرة أيام، ثَلاَثةٌ في الحَجِّ، وسبعةٌ إذَا رَجَعَ.
وإن قلنا: يجزئه الحُج دون العمرة، ففي لزوم الدَّمِ وجهان:
أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنا لم نحكم بإجزاء العُمْرَة فلا يلزمه الدَّمُ بالشَّكِ، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
والثاني: يجب؛ لأنه قد نوى القَرَان، وصحة نسمكيه محتملة، فكما لا تحسب العمرة احتياطاً لا يسقط الدّم احتياطاً.
الحالة الثانية: أن يعرض الشَّك بعد الإتيان بِشَيْءٍ من الأعمال وله حالات:
إحداها: أن يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف، فيجزئه الحَجَّ؛ لأنه إن كان محرماً به فذاك، وإن كان محرماً بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطَّواف حيث نوى القَرَان، وذلك جائز، ولا تجزئه العُمْرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجّ فليس له إدخالُ العمرة عليه بعد الوُقوفِ، هكذا أورده أبو القَاسِم الكَرَخِي، وصَاحِبُ "التهذيب" وهو
стр. 1475
جواب أولاً على أن العمرة لا تدخل على الحَجِّ بعد الوقوف، وقد قدمنا وجهاً آخر: أنها تدخل عليه ما لم يأخذ في أسْبَابِ التحلل.
ثم هو مفروض فيما إذا كان وقت الوقوف باقياً، فوقف ثانياً، وإلا فمن الجائز أنه كان محرماً بالعمرة، فلا يجزئه ذلك الوقوفُ عن الحَجِّ.
الثانية: أن يعرض بعد الطَّواف وقبل الوقوف، فإذا نوى القَرَان وأتى بأعمال القرآن لم يجزئه حَجُّه؛ لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة، فيمتنع إدْخَالُ الحَجِّ عليها بعد الطواف. وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العمرة على أن إدخال العمرة على الحَجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز، هل يجوز بعد الطواف.
وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العُمْرةَ على الحَّجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز فهل يجوز بعد الطَّواف أم لا؟ إن قلنا: نَعَم أجزأته، وإلا فلا؛ لجواز أنه كان محرماً بالحج وقد طاف، وهذا هو الأصَحّ؛ لأنه شاك في عين ما أحرم به، وفيما أدخله عليه، فأشبه ما لو فاته ظُهْرٌ وعصر، وصلى إحداهما وَشَكَّ فيما صَلَّى يلزمه إعادتهما جميعاً، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ في هذه الصورة: أنه يتم أعمال العمرة بأن يركع ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، ويأتي بأعماله، وإذا فعل ذلك صَحَّ حَجُّه؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الأحرام، وإن كان محرماً بالعمرة، فقد تَمَتَّعُ ولا تصح عمرتُه؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحجّ ولم تدخل العمرة عليه إن لم ينو القَرَان.
قال الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ والأكثرون: إن فعل ذلك فالجواب ما ذَكَره لكن لو استفتانا لم نفت به؛ لجواز أنه كان محرمًا بالحَجِّ، وأن هذا الحلق وقع في غير أوانه، وحينئذ يكون الحلقُ محظوراً، وهذا كما لو ابتلعت دجاجةُ إنسانٍ لؤلؤةَ غَيْره لا نفتي لصاحب اللؤلؤة بِذَبْحِها وإخراج اللؤلؤة، لكن لو فعل ذلك لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حيةَ ومَذْبُوحة، وكذا لو استقبلت دابتان لشخصين على شَاهِقٍ، وتعذر مرورهما لا نفتي لأحدهما بِإهْلاَكِ دابة الآخر، لكن لو فعل خلص دابته، ولم يغرم إلا قيمة دابة الآخر، وسواء أفتينا له بذلك على ما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ، أو لم نفت، فلو فعل لزمه دم؛ لأنه إن كان محرماً بالحج فقد حلق في غير أوانه، وإن كان محرماً بالعمرة فقد تمتع، فيريق دماً عن الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، كما إذا كانت عليه كفارة قتل أو ظهار فأعتق ونوى عما عليه تُجْزِئه؛ لأن التعيين في الكَفَّارات لَيْسَ بِشَرْطٍ، فإن كان معسراً لا يجد دماً ولا طعاماً صام عشرَة أيامٍ كما يصوم المتمتع فإن كان اللاَّزِم دم التمتع فَذَاك، وإن كان دم الحلق أجزأه ثلاثة أيام والباقي تطوع، ولا يعين الجهَة في صَومِ الثَّلاثَةِ، ويجوز تعيين التمتع في صَوْمِ السَّبْعَةِ، ولو اقتصر على صوم ثلاثةِ أَيامٍ هل
стр. 1476
تبرأ ذمته؟ قضية ما ذكره الشَّيْخُ أَبو عَلِي أنها لا تبرأ؛ لأن شغل الذمة بالدم معلوم، فلا بد من تعيين البَرَاءة.
قال الإمام ﵀ ويحتمل أن تبرأ؛ لأن الأصْلَ براءة الذمة، والشغل غير معلوم، وأطلق المصنف ﵀ في "الوسيط" وجهين، تعبيراً عن هذين الكلامين، ويجزِئه الصَّوْمُ مع وجدان الطَّعَامِ؛ لأن الطَّعَام لا مدخل له في دَم التَّمتع، وفدية الحلق على التخيير قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)، ولو أطعم هل تبرأ ذمته أم لا؟ لاحتمال أن اللازم دم التمتع؟ فيه كلام للشيخ والإمام -رحمهما الله- وهذا كله فيما إذا استجمع الرجل شرائط لزوم الدمِ للتمتع، فإن لم يكن مستجمعاً كما لو كان مَكيًّا لم يلزم الدّم؛ لأن شرط التمتع مفقود، ولزوم دَم الحَالِق مشكوكٌ فيه، وإذا جوز أن يكون إحرامه أولاً بالقَرَان فهل يلزمه دم آخر مع الدَّم الذي وصفناه؟ فيه الوجهان السَّابقان.
الثالثة: أن يعرض الشَّكُّ بعد الطواف والوقوف فإن أتى ببقية أعمال الحَجِّ لم يجزئه حَجُّهُ ولا عمرته.
أما الحَجِّ فالجواز أنه كان محرماً بالعمرة فلا ينفع فيه الوقوف.
وأما العمرة: فلجواز أنه كان محرماً بالحَجِّ، ولم يدخل عليه العمرة، فإن نَوَى القَرَان وأتى بأعمال القَارِن، فإجزاء العُمْرَة يبنى على أن العمرةَ هل تدخل على الحِجِّ بعد الوقوف؟ وقياس المَذْكُورِ في الحالة السَّابقَةِ وإن لم يتعرضوا له هَاهُنَا أنه لو أتم أعْمَالَ العمرةِ وأحرم بالحَجِّ وأتى بأعماله مع الَوقوف أجزأه الحَجُّ وعليه دم كما سَبَقَ، ولو أتم أعمال الحج، ثم أحرم بعمرة وأتى بأعمالها أجزأته العمرة، -والله أعلم-.
وفي المولدات وشروحها فرعان شبيهان بالمسألة نُرْدِفُها بِهما:
أحدهما: لو تمتع بالعُمْرَة إلى الحَجِّ، وطَافَ للحج طواف الإفاضة ثم بان له أنه كان محدثاً في طواف العُمْرَة لم يصح طوافة ذلك ولا سعيه بعده؛ لأن شرط صِحَّة السعي تقدُّمُ طوافٍ عليه، وبان أن حلقه كان في غير الوقت، ويصير بإحرامه بالحج مدخلاً للحج على العمرة قبل الطَّواف فيصير قارناً، ويجزئه طوافه وسعيه في الحَجِّ عن الحج والعمرة جميعاً، وعليه دمان، دم للقران، ودم لِلْحَلْقِ في غير وقته، وإن بان أنه كان محدثاً في طواف الحج تطهر وأعاد الطواف والسعي، وليس عليه إلا دَمُ التمتع إذا اجتمعت شروطه، وإن شك فلم يدر أنه في أي طوافيه كان محدثاً فعليه أن يعيد الطواف
стр. 1477
والسعي، وإذا أعادهما صح حجه وعمرته؛ لأنه إن كان حدثُه في طواف العُمْرَةِ، فقد صار قارناً بإحرام الحَجِّ، فيجزئه طوافه وسعيه المعادان عن النسكين جميعاً، وإن كان في طَوَافِ الحَجِّ فعمرته صَحِيحة، وكذا أعْمَالُ الحَجِّ سوى الطَّوافِ وَالسَّعْي، وقد أعادهما، وعليه دم؛ لأنه إما قارنٌ أو متمتع، وينوي بإراقته الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، وكذا لو لم يجد الدَّم فصام، والاحتياط أن يريق دماً آخر؛ لاحتمال أنه حالق قبل الوقت. نعم، لو لم يحلق في العُمْرةَ على قولنا إن الحلق استباحةُ مَحْظُورٍ فَلاَ حاجة إليه، وكذا لا يلزمه عند تبين الحَدَثِ في طواف العمرة إلا دمٌ واحد.
والثاني: لو كانت المسألة بحالها إلا أنه جامع بعد أعمال العمرة ثم أحْرَم بالحج، وهذا الفرع ينظر إلى الأصلين:
أحدهما: أن جماع النَّاسِ هل يُفْسِد النُّسُك فيوجب البَدَنة كجماع العَامِدِ أم لا؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما.
والثاني: أنه إذا فسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها، هل يدخل ويصير محرماً بالحج؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند الشيخ أبي محمد ﵀ وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ: لا؛ لأن الإحرام بالفَسَادِ في حكم المَنْحَل، وإذا انْحَلَّ إحرام العمرة لم يدخل الحَجَّ عليها، كما لو أدخل الحَجَّ عليها بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو زيْدٍ، وحكاه عن ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لأنه محرم بالعمرة، ولم يأت بشيء من أعمالها، فأشبهت الصَّحِيحة، ولا أثر لكونهَا فَاسِدة، كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام، فعلى هذا هل يكون الحج صحيحاً مجزئاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدِّم عليه، فلا يؤثر فيه.
وأصحهما: لا؛ لأن الإحْرَام واحد وَهُوَ فَاسِد، ومحال أن يؤدى بالإحرام الفَاسِد نُسكٌ صَحِيحٌ، فعلى هذا ينعقد فاسداً أو صحيحاً ثم يفسد؟ فيه وجهان ذكروا نظيرهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعاً فطلع الفجر واستدام:
أحدهما: أنه ينعقد صحيحاً ثم يفسد، كما لو أحرم مجامعاً انعقد صحيحاً ثم فسد.
وأصحهما: أنه ينعقد فاسداً إذا لو انعقد صحيحاً لما فسد؛ لأنه لم يوجد بعد انعقاد مفسد.
فإن قلنا: ينعقد فاسداً أو صحيحاً ويفسد مضى في النسكين وقضاهما وإن قلنا:
стр. 1478
ينعقد صحيحاً ولا يفسد، قضى العمرة دون الحَجِّ، وعلي الوجوه الثلاثة يلزمه دَمُ القَرَانِ، ولا يجب عليه إلا بَدَنةٌ واحدة؛ لأن الإحْرَام وَاحِد، هكذا قاله الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وحكى الإمام وجهين آخرين إذا حكمنا بانعقاد حَجِّه على الفَسَاد.
أحدهما: أنه يلزمه بَدَنَة أخرى لإفساده الحَجِّ بإدخاله على العُمْرَةِ الفَاسِدة.
والثاني: أنه يلزمه بدنة لإفْسَادِ العُمْرةَ وشاة لإدْخَال الحَجِّ عليها.
كما لو فسد نُسُكُه بِالْجِمَاع، ثم جامع ثَانِياً، يجب عليه للجِمَاع الثَّانِي شَاةٌ في وجه. إذا وقفت على الأصلين فانظر أن قال: كان الحدث في طَوافِ العُمْرَة، فالطَّواف والسَّعْيُ بعده فَاسِدَان، والجماعُ وَاقِعٌ قبل التَّحَلُّلِ، وفيه طريقان:
أحدهما: وبه أجاب الشَّيْخُ: أنه كجماع النَّاسِي، ففي إفسادهِ القولاَن، إذ لا فرق بين أن ينسى فيجامع، وبين أن يجامع وعنده أنه قد تحلل، كما لا فرق بين أن يتكلم في الصَّلاة نَاسياً، وبين أن يتكلم وعنده أنه قد تحلل.
والثاني: أنه لا ينزل منزلة النَّاسِي، قال الإمَامُ ﵀: وهذا كالخلاف فيما جَامَعَ على ظُنِّ أن الصُّبْحَ غَيْرَ طَالعٍ فبان خِلاَفه، هل يفسد الصَّوم أم يجعل الغَالِط كالنَّاسِي، فإن لم تفسد العُمْرَة به صارَ قَارِناً بإحْرَامِهِ بِالحَجِّ، وعليه دَمَانِ:
أحدهما: لِلْقَرَانِ.
والآخر: لِلْحَلْقِ قبل وقته إلا إذا لم يحلق كما سبق، وإن أفسدنَا العمرة به وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، فعليه بدنة للإفساد ودَمٌ للحلق قبل وقته، وإذا أحرم بالحَجِّ فقد أدخله على عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، فإن لم يدخل فَهُو فِي عُمْرَتِهِ كما كان، فيتحلل منها ويقضيها، وإن دخل وقلنا: بفساد الحَجِّ فعليه بدنةٌ لِلإفْسَاد، وَدَمٌ للقران، ودمٌ للحلق قبل وقته، ويمضي في الفاسدين ثم يقضيهما وإن قالَ: كان الحدث في طواف الحج فعليه إعادة الطواف والسَّعْي، وقد صح نُسُكَاهُ وليس عليه إلا دَمُ التمتع، وإن قال: لا أدري أنه في أي الطوافين كاَن، أخذ في كلّ حكم بيقين، فلا يتحلل ما لم يعد الطَّواف والسعي؛ لاحتمال أن حدثه كان في طواف الحج، وهذا حكمه، ولا يخرج عن عهدة الحج والعمرة إن كانا لاَزِمَيْنِ عليه لاحتمال كونه محدثاً في طواف العمرة، وتأثير الجِمَاع في إفساد النُّسُكَينِ على ظاهر المَذْهَب، فلا تبرأ ذمته بالشَّك، فإن كان متطوعاً فلا قضاء لاحتمال الإفساد وعليه دَمٌ.
أما للتمتع إن كان الحدث في طَوَافِ الحَجِّ أو للحلاق قبل الوَقْتِ إن كان في طواف العُمْرَة، ولا تلزمه البدنة؛ لاحتمال أنه لم تفسد العُمْرة، ولكن الاحتياط ذَبْحٌ بدنةٍ، وذَبْحُ شاةٍ أخرى، إذا جوزنا إدخال الحج على العمرة الفَاسِدة، لاحتمال أنه صَارَ قَارِناً بذلك، -والله أعلم-.
стр. 1479
إذا عرفت هذا كله، وعدت إلى المسألة الثالثة من مسائل الإحرام المشبه بإحرام الغير، وهي أن يتعذر الوقوف على إحرام ذلك الغير، فاعلم أنها ما حكاه صاحب الكتاب وطائفة بمثابة نسيان ما أحرم به، ففيها القولان القديم والجديد، وقال الأكثرون: لا يَتَحَرَّى بحالِ بل ينوي القَرَان، وحكوه عن نَصِّه في القديم، والفرق في مسألة النسيان حَصَلَ الشَّكُ فِي فِعْلِهِ فله سَبيلٌ إلى التحري والتذكير، وفي المسألة الأخرى الشَّك فِي فِعْلِ الغَيْرِ، ولا سبيل إلى الاطلاع على نيته والتحري في فعله، فأعلم لهذا قوله: في الكتاب: (فو كما لو أحرم مفصلاً) بالواو، ويجوز أن يعلم قوله: (فالقول الجديد) بالواو؛ لما حكينا من الطريقة النَّافِيَة للخلاف عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِي.
وقوله: (ولكن يبني على اليقين، فيجعل نفسه قارناً) مشعر بما هو المشهور، وهو أنه يصير قارناً بأن ينويه خلافاً لما حكاه الحَنَّاطِي: أنه يصير قارناً من غير نية، ويجوز أن يعلم بالواو لِذَلك، وأعلم بالألف أيضاً؛ لأن عند أحمد يتخير بين أن يجعله حجّاً أو عمرة، لأن عنده فسخ الحَجِّ إلى العمرة جَائِز، لكن هذا الإعلام إنما كان يحسن أن لو ألزمناه جَعْلَ نَفْسِه قارناً وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين ﵀ ذلك، فقال: لم يذكر الشافعي ﵁ القرآن على معنى أنه لا بد منه، لكن ذكره ليستفيد الشَّاك به التحلل مع براءة الذِّمَّة عن النُّسُكَيْنِ، فلو اقتصر بعد النِّسيان على الإحرام بالحَجِّ، وأتى بأعْمَالِهِ حصل التَّحَلّل لا محالة، وتبرأ ذمته عن الحَجِّ؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ فذاك، وإن كان محرماً بالعُمْرَة فقد أدخل الحَجِّ عليها ولا تبرأ ذمته عن العُمْرَة؛ لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالحَجِّ، وعلى هذا القياس لو اقتصر على الإحْرَام بالعمرة، وأتى بأعمال القرانِ حَصَلَ التحلل، وبرئت ذِمَّتُهُ عن العُمْرَةِ، إن جَوَّزْنَا إدْخَالَ العمرة على الحَجِّ؛ لأنه إما محرمٌ بِهَا في الابتداء، أو مُدْخِلٌ لَهَا عَلَى الحَجِّ، ولا تبرأ عن الحَجِّ، لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالعمرة ولم يحرم بغيرها، ولو لم يجدد إحراماً بعد النسيان واقتصر على الإتيان بأعمال الحَجِّ يحصل التحلل أيضاً، ولكن لا تبرأ ذمته عن أحد النُّسُكَينِ؛ لشكه فيما أتى به، وإن اقتصر على أعمال العُمْرَةِ، فلا يحصل التَّحَلُّل، لجواز أنه مُحْرِمٌ يحرم بالحج، ولم يتم أعماله. واختلفت رواية أصحابنا عن أبي حنيفة في المسألة، فنقل ناقلون عنه موافقة الجديد، منهم صاحب "الشامل"، وناقلون موافقة القديم، ومنهم صاحب "التهذيب".
والرواية الثانية تقتضي إعلام قوله: (لا يأخذ بغلبة الظن) بالحاء، وقوله فيما إذا شك بعد الطواف: (فطريقة أن يسعى ويحلق إلى آخره) مشعر بالترخص فيه، والأمر به كما قدمناه عن ابْنِ الحَدَّادِ، وقد صرح باختيار ذلك في "الوسيط". ووجهه الشيخ أَبُو عَلِيٍّ بأن الحلق في غير وقته قد يباح بالعذر، كما إذا كان به أذىً من رأسه، وضرر الاشتباه لو لم يحلق أكثر لفوات الحَجِّ، لكن الأظهر عند الأكثرين: أنه لا يؤمر به على
стр. 1480
ما مر فليعلم قوله: (فطريقه) بالواو لذلك، وقوله: (ويبتدئ إحرامه بالحج ويتمه) أي: عند الإمكان، وهو ما إذا بقي وقت الوقوف، وبالله التوفيق.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي سُنَنِ الإِحْرَامِ
قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ الأُولَى الغُسْلُ تَنَظُّفاً حَتَّى يُسَنَّ لِلحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، ويغْتَسِلُ الحَاجُّ لِسَبْعَةِ مَوَاطِنَ، لِلإحْرَامِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ، وَلرَمْيِ الجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ.
قال الرافعي: من سنن الإحرام أن يغتسل إذا أراده روى: "أَنَّهُ صَلَّى ﷺ تَجَرَّدَ لإهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ" (١).
ويستوي في استحبابه الرجل والصبيّ والمرأة وإن كانت حائضاً أو نفساءَ، لأن مقصود هذا الغسل التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة، ودفع أذاها عن الناسِ عند اجتماعهم وقد روى: "أَنَّ أَسْمَاءِ بِنْتَ عُمَيْسٍ امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ نَفَسَتْ بذِي الْحُلَيفَةِ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِلإحْرَامِ". ولو كانت يمكنها القيام بالميقات حتى تطهر، فالأولى أن أن تؤخر الإحْرَام حَتى تطهر وتغتسل (٢)، ليقع إحرامُها في أكْمَلِ حَاليْهَا.
وإذا لم يجد المحرم ماءً أو لم يقدر على استعماله تَيَمَّم، لأن التيمم يَنُوب عن الغُسلِ الواجب، فعن المندوب أولى، نص عليه في "الأم"، وبقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام أبدى احتمالاً في أنه هل يتيمم إذا لم يَجِد المَاء؟ وجعله صاحب الكتاب وجهاً، واختار أنه لا يتيمم، وذلك الاحتمال عَائِدٌ هاهنا بلا شك، وإن لم يجد من الماء ما يكفيه للغُسْلِ توضأ، قاله في "التهذيب" (٣).
وقوله في الكتاب: (حتى يسن للحائض والنفساء) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن إبراهيم المروروذي ﵀ حكى قولاً في أنه لا يسن لهما ذلك، وإذا اغتسلتا فهل تنويان؟ فيه نظر لإمام الحرمين- قَدَّس الله روحه-، والظاهر: أنهما تنويان، لأنهما تقيمان مسنوناً.
стр. 1481
واعلم: أن الحَاجَّ يسن له الغُسْلُ في مواطن قد عدَّها في هذا الموضع، ومرة أخرى في كتاب صلاة الجُمُعَةِ مع زيادة طواف الوَدَاعِ، وكنا أخرنا شرح تلك الأغسال إلى هذا الموضع، فنقول:
أحدها: الغسل عن الإحرام، وقد عرفته.
والثاني: "الغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ " (١).
والثالث: الغسل للوقوف بِعَرَفةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
والرابع: الغسل للوقوف بِمُزْدَلَفَةَ غداة يوم النحر.
والخامس، والسادس، والسابع: ثلاثة أغْسَال لرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ وسببها: أن هذه مواطن يجتمع لها النَّاس فاستحب فيها الاغتسال قطَعاً للروائح الكَرِيهة. واغتسال يوم التشريق في حق من لم ينفر في النَّفْرِ الأول، فإن نفر سقط عنه غُسْلُ اليَومِ الثَّالِثِ، وهذه الأغسال قد نص عليها الشافعي ﵁ قديماً وجديداً، ويستوي في استحبابها الرَّجل والمرأة، وحكم الحائض ومن لم يجد الماء فيها على ما ذَكَرْنَا في الغُسْلِ للإحرام، وزَادَ في القديم غسلين آخرين:
أحدهما: لطو اف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع؛ لأن النَّاسَ يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد؛ لأن وقتها مُتَسَعٌ فلا تغلب الزَّحْمَة فيهما كغلبتها في سَائِرِ المَوَاطِنِ، وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ ﵀ حكاية غسل آخر عن القديم، وهو عند الحَلْقِ، فتصير أغسال الحج على هذا عَشْرة. قال الأئمة ﵏ ولم يستحب الشافعي ﵁ الغسل لرمي جمرة العقبة يَوْم النَّحْرِ لأمرين:
أحدهما: اتساع وقته، فإن وقته من انتصاف ليلة النَّحْرِ إلى الزَّوَالِ، ووقت رمي الجمرات من الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، والتقريب بعد هذا من وجهين:
أحدهما: أن اتساع الوقت مما يقلل الزحمة.
والثاني: أن ما بعد الزوال وقت شدة الحر وانصباب العرق، فتكون الحاجة إلى دفع ما يؤذي الغير أكثر.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفَة غنية عن الغُسْلِ رمي جمرة العقبة، لقرب وقتها منه (٢) -والله أعلم-.
стр. 1482
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ التَّطَيّبُ لِلإحْرَامِ وَلاَ بَأْسَ بِطِيبِ لَهُ جَرْمٌ (ح). وَفِي تَطْيِيبِ ثَوْبِ الإحْرَامِ قَصْداً لَهُ خِلاَفٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْزِعُ فَيَكُون عِنْدَ اللّبْسِ كَالْمُسْتَأْنِفِ، فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ، وَيُسْتَحَبُّ خِضَابُ المَرْأَةِ تَعْمِيماً لِليَدِ لاَ تَظْرِيفاً.
قال الرافعي: يستحب أن يتطيب لإحرامه، لما روي عن عَائِشَة ﵂ قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ" (١).
ولا فرق بين ما يبقى له أثر وَجُرْمٌ بعد الإحْرَام وبين مَا لاَ يبقى.
قالت عائشة ﵂: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ مِنْ مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ" (٢).
ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (الثانية التطيب للإحرام) بالواو؛ لأن من الأصْحَاب من روى وجهاً: أنه ليس من السُّنَنِ والمحبوبات، وإنما هو مُبَاح، وأيضاً فإن اللفظ مُطْلَقٌ لا يفرق بين الرِّجَال والنساء، والاستحباب شامل للمصنفين في ظَاهِر المذهب، وحكى في "المعتمد" قولاً عن نقل الدَّاركي: أنه لا يستحب لهن التطيب بِحَالٍ، ووجهًا: أنه لا يجوز لهن التطيبِ بطيبٍ تَبْقَى عَيْنُه، أعلم قوله: (ولا بأس بطيب له جرم) -بالحاء وبالميم-.
وأما بالحاء فلأن شِرْذِمَةٌ روت عن أبي حنيفة ﵀ المنع من ذلك، ومنهم المصنف، ذكره في "الوسيط"، لكن الثابت عنه مثل مذهبنا.
وأما بالميم فلأن عند مالك يكره له التطيب بما تبقى رَائِحَتُه بَعْدَ الإِحْرَامِ، ويروى عنه مَنْعُ التطيب مطلقاً ثم إذَا تطيب لإحرامه فلَه أن يستديم بعد الإحْرَام ما تطيب له، بخلاف ما إذا تَطَيَّبَتِ المَرْأَةُ ثم لزمتها العِدَّة يلزمها إزالته فِي وَجْهٍ؛ لأن في العِدَّة حق الآدمي فتكون المضايقة فيها أكثر، ولو أخذه من مَوْضِعِهِ بعد الإحرام ورده إليه أو إلى موضع آخَر لزمته الفدية، وروى الحَنَّاطِيُّ ﵀ فيه قولين، ولو انتقل من موضعٍ إلى موضع بإسالة العَرَق إياه فوجهان:
стр. 1483
أصحهما: أنه لا يلزمه شيء، لتولده عن مَنْدُوبٍ إليه مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ منه.
والثَّانِي: أن عليه الفدية إذا تركه، كما لو أصابه من مَوْضِعٍ آخر، لأن في الحالتين أصاب الطِّيب بعدم الإحرام موضعًا لم يكن عليه طِيب، هذا كله في البَدَنِ، وفي تطييب إزار الإحْرَام وردائه وجْهَانِ:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الثَّوْبَ يُنْزَعُ وَيُلْبَسُ، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لِبْسَ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وأصحهما: أنه يجوز، كما يجوز تطييب البَدَن، وبعضهم يَنْقُل هذا الخِلاَف قولين، والمشهور الأول، وفي "النهاية" وجه ثالث، وهو الفرق بين أن يبقى عليه عين بعد الإحْرَام فلا يجوز، وبين أن لا يبقى فيجوز، كما لو شد مسكًا في ثوبه واستدامه.
قال الإمام: والخلاف فيما إذا قَصَد تطييب الثوب.
أما إذا طيب بدنه فتعطر ثوبه تبعاً فلا حرج بِلاَ خِلاَف، وإلى هذا أشار في الكتاب حيث قال: (قصداً إليه) فإن جوزنا تطييب الثَّوْب للإحْرَامِ فلا بأس باستدامة ما عليه بعد الإحْرَام كما في البدن، لكن لو نزعه ثم لبسه ففي الفدية وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأن العادة في الثَّوْبِ أن ينزع ويعاد فجعل عفواً.
وأصحهما: أنها تلزم كما لو أخذ الطَّيب من بَدَنِهِ ثم رَدَّهُ إليه، وكما لو ابتدأ لبس ثوب مطيب بعد الإحْرَام، وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أن المرأة يستحب لها أن تخضب بالحِنَّاء يديها إلى الكُوعَيْنِ قَبلَ الإِحْرَامِ.
وروى: "أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَمْسَحَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا لِلإحْرَام بالْحِنَّاءِ، وَتَمْسَحَ وَجْهَهَا أَيضاً بِشَيْءٍ مِنَ الْحِنَاءِ" (١).
لأنا نأمرها في الإحْرَامِ بنوع تكشف، فلتستر لَونَ البشرَةِ بلون الحِنَّاء، ولا يختص أصْلُ الاستحباب بحَالَةِ الإحرام، بل هو محبوب في غيرها من الأحوال: "رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ بَايَعَت رسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجَت يَدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَين الْحِنَّاءُ" (٢) نعم في حالة الإحْرَامِ، ولا فرق بين ذات الزوج والخَلِيَّة، وفي سائر الأحوال يكره الخِضَاب للخلية، قاله في "الشامل" وحيث يستحب فإنما يستحب تعميم اليَد بالخِضَابِ دون التنقيش،
стр. 1484
والتَّسْوِيد، والتطريف، فقد روي أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنِ التَّطْرِيفِ" (١) وهو أن تخضب أطراف الأصابع، ويكره لها أن تختضب بعدم الإحرام لما فيه من الزّينة وإزالة الشِّعث، ولو فعلت ففيه كلام نذكره في الباب الثَّالِثِ عند ذكر خضاب الرجل شعر لِحْيَتِهِ ورأسه -إن شاء الله تعالى (٢) -.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنِ المَحِيْطِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا أراد الإحرام تَجَرَّدَ عن محيط ثيابه، إذ ليس للمحرم لِبْس المخيط على ما سيأتي، ويلبس إزارَاً ورداءً ونعلين. روى أنه ﷺ قال: "ليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَار وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ" (٣) ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين: "فَإِنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى اللهِ -تَعَالى- الْبِيضُ" وليكونا جديدين، فإن لم يَجِدْ فليكونَا غَسِيلين، ويكره المَصْبوغ؛ لما روي عن عمر: "أَنَّهُ رَأَىَ عَلَى طَلْحَةَ ﵄ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّكُمْ أَئِمَّة يُهْتَدَى بِكُمْ فَلاَ يَلْبِسْ أَحَدُكُمْ مِنْ هذِهِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ فِي الإحْرَامِ شَيْئاً" (٤).
وقوله في الكتاب: (أن يتجرد عن المخيط في إزار إلى آخره) ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السّنن التجرد بالصفة المذكورة.
فأما مجرد التجرد فلا يمكن عَدُّه من السُّنَنِ؛ لأن ترك لبس المَخِيط في الإحْرَامِ لاَزِمٌ، ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحْرَام، وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتيِ الإحْرَامِ ثُمَّ يُلَبِّيَ حَيْثُ تَنْبَعِثُ بِهِ دَابَّتُهُ، وَفي القَدِيمِ بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ عَنِ الصَّلاةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يُصَلِّي قبل الإحرام ركعتين؛ لما روي أنه ﷺ : "صَلَّى بِذِيِ الْحَلْيِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ" (٥).
стр. 1485
وإنما يستحب ذلك في غَيْرِ وقتِ الكراهية.
أما في أوقات الكراهية فأصَحُّ الوجهين الكَرَاهَة على ما مر في فَصْلِ الأوقات المكروهة (١).
ولو كان إحرامه في وقت فريضة وَصَلاَّهَا أغنته ذلك عن ركعتي الإحْرَام، ثم إذا صَلَّى نوى وَلَبَّى، وفي الأفضل قولان:
أصحهما: أن الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به دابته إن كان راكبًا، وحين يتوجه إلى الطَّريق إن كان ماشياً، لما روي أن النبي ﷺ : "لَمْ يُهِلَّ حَتَّى انْبَعَثَتْ بهِ دَابَتَهُ" (٢). قال الإمام ﵀ وليس المراد من انبعاث الدابة فورانها، بل المراد استواؤها في صَوْبِ مَكَّة.
والثاني: أن الأفْضَل أن ينوي وَيُلَبِّي كما تحلل من الصَّلاَةِ وهو قَاعِد، ثم يأخذ في السَّيْرِ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ : "أَهَلَّ حِينئَذٍ" (٣).
ويشتهر القول الأول: بالجديد.
والثاني: بالقديم.
ويروى أيضاً عن المَنَاسِك الصغير من "الأم" واختاره طَائِفَةٌ من الأَصْحَابِ، وحملوا اختلاف الرواية على: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعَادَ التَّلْبيَةَ عِنْدَ انْبعَاثِ الدَّابَّةِ، فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ أَنَّهُ حِينئذٍ لَبَّى، والأكْثَرُونَ على ترجيح الأول.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ أَنْ يُلَبِّيَ عِنْدَ النِّيَّةِ وَيُجَدِّدَهَا عِنْدَ كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَحُدُوثِ حَادِثٍ وَفِي مَسْجِدِ مَكَّة وَمِنًى وَعَرَفَاتٍ، وَفِيمَا عَدَاهَا مِنَ المَسَاجِدِ قَوْلاَنِ، وَفِي حَالِ الطَّوافِ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا إلاَّ لِلنِّسَاءِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم قوله: (وأن يلبي عند النية) بالواو؛ لوجهٍ قدمناه في أن
стр. 1486
التَّلْبيَة من وَاجِبَاتِ الإحْرَام لاَ مِنْ سننه، ثم تكثير التلبية في دوام الإحْرَام مستحبٌ قائماً كانَ أو قاعداً، راكبًا كان أو ماشياً، حتى في حالة الجنابة والحَيْضِ، وأنه ذِكْرٌ لا إِعْجَازَ فِيهِ فأشبه التسبيح، وقد قال ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" (١).
وتجديدُها أفضلُ في كل صُعودٍ وهُبُوطٍ، وحدُوثِ حادثٍ من ركوب أو نزول، أو انضمام رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقْبَالِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ووقت السَّحَرِ.
روى عن جابر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُلَبِّي فِي حِجَّتِهِ إِذَا لَقِيَ رَكْباً أَوْ عَلَى أكَمَةٌ، أَوْ هَبَطَ وَادِياً، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" (٢).
ويستحب الإتيان بها في مَسجَد مكة، وهو المَسْجُد الحَرَامُ، ومَسْجِدُ الخِيِفِ بِمِنًى، ومسجد إبراهيم ﵇ بعَرَفَةَ، فإنها مَوَاضِعُ النسك، وفي سائر المَسَاجِدِ قولان: القديم: أنه لا يلبي فيها حذراً من التشويش على المتعبدين والمُصَلِّين، بخلاف المساجد الثَّلاثة، فإن التلبية معهودة فيها، ويروى هذا عن مالك ﵀.
والجديد: أنه يلبي فيها كَسَائِرِ المَسَاجِدِ، ويدل عليه إطلاق الأخبار الواردة في التَّلْبِيَة، فإنها لا تفرق بين مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وهذا الخلاف على ما أورده الأكثرون في أصْلَ التلبية، فإن استحببناه استحببنا رَفْعَ الصوت، وإلا فلا، وهو قضية نَظْمِ الكِتَاب.
وجعل إمام الحَرَمَيْن الخلافَ في أنه هل يستحبُ فيها أن يرفع الصوت بالتلبية؟ ثم قال: إن لم نؤثر رفع الصوت بالتلبية في سَائِرِ المَسَاجِدِ، ففي الرفع في المَسَاجِدِ الثلاثة وجهان، وهل تستحب التَّلبِيَة في طَوَافِ القُدومِ والسَّعْيِ بعده؟ فيه قولان:
الجديد: أنه لا يستحب؛ لأن فيها أدْعِيَةً وأذكاراً خاصة فصار كطواف الإفَاضَةِ والوداع، وقد روى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "لاَ يُلَبِّي الطَّائِفُ".
والقديم: أنه يستحب ولكن لا يَجْهَر بها، بخلاف طَوَافِ الإفاضة فإن هناك شرع في أسباب التَّحَلُّلِ، فانقطعت التلبيه، وهذا التوجيه يعرفك أن قوله في الكتاب: (وفي حالة الطواف قولان) محمول على طواف القُدُومِ، وإن كان اللفظ مُطْلقاً، وفي غيره من أنراع الطَّوَاف لا يُلَبِّي بِلاَ خِلافِ.
ويستحب رَفْعُ الصوت بالتَّلبِيَةِ لقوله ﷺ : "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَني أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ
стр. 1487
يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ" (١). وروي أنه ﷺ قال: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ" (٢).
والعج: هو رَفْعُ الصَّوْتِ، وإنما يستحب الرفع في حَقِّ الرجل، ولا يرفع بحيث يجهده ويقطع صَوْتَه، والنساء يَقْتَصِرْنَ على إِسْمَاع أنفسهِنَّ، ولا يَجْهَرْن كما لا يجهرن بالقراءة في الصَّلاَةِ. قال القَاضِي الرّوَيانِي: ولو رَفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صَوْتَها ليس بعَوْرَةِ خلافاً لبعض أصحابنا. والأحب أن لا يزيد في التلبية على تلبية رسول الله ﷺ بل يُكَرِّرُهَا، وبه قال أحمد، وعن أصحاب أبي حنيفة ﵏ أن الأحب الزيادة فيها، وتلبيته: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالْمَلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ" (٣).
وقوله: (إن قد تكسر) على تقدير الابتداء، وقد تفتح على معنى لأن الحمد (٤). فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لَبَّيْكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٥) وروى في بعض الرِّوايات أنه قال في تلبيته: "لَبَّيْكَ حَقًّا حقًّا تَعَبُّداً وَرِقّاً" (٦).
ولو زاد على تلبية رسول الله ﷺ لما نقل بأنه مكروه روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يزيد فيها: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بيَدَيْكَ، وَالرَّهْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ". ويستحب إذا فرغ من التلبية أن يُصَلِّي على النبي ﷺ وأن يسأل الله رِضْوَانُهُ والجَنَّة، ويستعيذ به من النَّارِ، يقول: أَسْألُكِ رِضَاكَ وَأَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، روي أن النبي ﷺ : "كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أو عُمرَةٍ سَألَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ" (٧).
стр. 1488
ثم يدعو بما أحب، ولا يتكلم في أثناء التلبية بأَمر ونَهْيٍ وغيرهما، لكن لو سُلِّمَ عليه رد (١)، نص عليه (٢)، ومن لم يحسن التلبية بالعربية لَبَّى بلسانه، واعلم أنه يستحب الإتيان بالسُّنَنِ الخمس على التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ في الكِتَابِ.
نعم، لم أرَ ما يقتضي ترتيباً بين التطييب والتجرد.
ويستحب أيضاً للمحرم أن يتأهب للإحرام بحلق الشَّعْرِ، وتقليم الظفر، وقصّ الشَّارب، وقد روي أنه ﷺ : "كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأَشْنَانِ وَخَطْمِيِّ (٣) " وبالله التوفيق.
الفَصْلُ الثَّالِثُ فَي سُنَنِ دُخُولِ مَكَّةِ
قال الغزالي: وَهِيَ أَنْ يغْتَسِلَ بِذِي طُوًى، وَيَدْخُلَ مَكَّة مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءِ، وَيَخْرُجَ مِنْ ثنِيَّةِ كُدَىٍّ وَإذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الكَعْبَةَ قَالَ: اللهمَّ زِدْ هَذَا البَيّتَ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً وَبِرّاً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرهُ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةَ وَبِرْاً، ثُمَّ يَدْخُلَ البَيْتَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ فيَؤُمَّ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، وَيبْتَدِئَ طَوَافَ القُدُومِ.
قال الرافعي: المحرم بالحج قد يقرب من مكّة (٤) ووقت الوقوف ضَيِّق، فيعدل عن الجَادة إلَى عَرَفَةَ، فَإِذَا وقف دَخَلَهَا، وهكذا يفعل الحَجِيج الآن غالباً، وقد يتسع
стр. 1489
الوقت فيدخلونها، "ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَى عَرَفَةَ، وَهكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " (١).
وفي الفَصْلِ وما بعده ما هو مبني على التَّصْوِير الثاني، وهكذا هو في مصنفات عامة الأصحاب ﵏، ونحن ننبه على ما يفترق فيه التَّصْوِيران في مواضع الحاجة -إن شاء الله تعالى-.
إذا عرفت ذلك فلدخول مكة سُنَن.
منها أن يغتسل بِذِي طُوَى وهو من سواد مكَّة قريب منها.
روى عن ابن عمر ﵄ "أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ إلاَّ بَاتَ بذِي طُوىً، حَتَّى يُصْبحَ وَيغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَيذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ" (٢).
واعلم أن القصد بقوله: (أن يغتسل بذي طوى) بيان استحباب موضع الغسل؛ فأما كون الغسل للدخول مستحبّاً، فقد ذكره مرة في الفَصْل الثاني من هذا الباب ومرة قبل ذلك في كتاب الجُمَعَةِ. ومنها: أن يدخل من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والمد- وهو من أعلى مكَّة وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى -بضم الكاف- وهو على ما يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضاً، ويدل عليه أنهم كتبوه بالألف ومنهم من قال: إنه بالياء (٣) وروى فيه شعراً وهو من أسفل مكة. وروي أن النبي ﷺ : "كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى" (٤).
قال الأصحاب وهذه السُّنَّة في حق مَنْ جَاءَ من طريق المدينة والشَّام، وأما الجاءون من سائر الأقطار فلا يؤمرون بأن يدوروا حول مَكَّة، ليدخلوا من ثنية كَدَاء، وكذلك القول في إيقاع الغسل بِذِي طُوَى، وقالوا: إنما دخل النبي ﷺ من تلك الثنية اتفاقاً لا قصداً؛ لأنها على طريق المدينة، وهاهنا شيئان:
أحدهما: أن قضية هذا الكلام أن لا يتعلق بنسك واستحباب بالدخول من تلك الثنية في حق الجائين من طريق المدينة أيضاً، وهكذا أطلق الإمام نقله عن الصَّيْدَلاَنِيّ.
стр. 1490
والثاني: أن الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ نازع فيما ذكره من موضع الثنية، وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جِهَة المعَلاَّ، وهو في أعلى مكة، والمرور فيه يفضي إلى باب بَني شَيْبَةَ، ورأس الردم، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبْرَاهِيمَ ﵇.
ثم ذهب الشَّيْخُ إلى استحباب الدُّخولِ منها، لكُل جَاءٍ تأسياً برسول الله ﷺ والإمام سَاعَد الجمهور في الحكم الذي ذكروه، وشهد للشيخ بأن الحق في موضع الثنية ما ذكره.
ومنها: إذا وقع بَصَرُهُ على البَيْتِ قال ما روى في الخبر: وهو أن النبي ﷺ "كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفاً، وَتَعْظِيماً وَتكْرِيماً وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرفَه، وعظمه ممَّنْ حَجَّهُ أو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً" (١).
ويستحب أن يضاف إليه "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَم فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ" يروى ذلك عن عمر ﵁ (٢) -، ويؤثر أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَحِلُّ عُقْدَةً، وَنَشُدُ أُخْرَى وَنَهْبِطُ وَادِياً وَنَعْلُو آخَرَ حَتَّى أتَيْنَاكَ غَيْرَ مَحْجُوبِ أنْتَ عَنَّا، إِلَيْكَ خَرَجْنا وَبَيْتَكَ حَجَجْنَا، فَارْحَمْ مَلْقَى رِجَالِنا بِفَنَاءِ بَيْتِكَ" (٣).
ويدعو بما أحب من مهمات الدنيا والآخرة وأهمها سؤال المَغْفِرة، واعلم أن بناء البيت رفيع يرى قبل دخول المَسْجِدِ في موضع يقال له رأس الردم، إذا دخل الداخل من أعلى مكة، وحينئذٍ يقف ويدعو بما ذكرنا.
ومنها أن يقصد المَسْجِدَ إذا فرغ من الدعاء ويدخله من باب بَنِي شَيْبَةُ، وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم؛ لأن النبي ﷺ (٤) دَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْهُ قَصْداً لا اتِّفَاقاً، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ بَابُ إِبْرَاهِيمَ ﵇" والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد، وكان المعنى فيه: أن ذلك البَاب في جهة بَابِ الكَعْبَةِ، والرُّكْن الأسْوَدِ وإن كان في زاوية المسجد، ويبتدئ عند دخوله بطواف القدوم. روي أن النَّبِيَّ ﷺ "حَجَّ فَأوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ" (٥) أو يؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزله إلى أن يفرغ منه، نعم لو كان الناس في
стр. 1491
المكتوبة حين دَخَل صَلاَّهَا معهم أولاً، وكذا لو أقيمت الجَمَاعَةُ وهو في أثناء الطواف قَدَّمَ الصَّلاة، وكذا لو خاف فوت فريضة أو سنة مؤكدة.
ولو قدمت المرأة نهاراً وهي ذات جَمَالٍ أو شريفة لا تبرز للرِّجَالِ أخرت الطَّوافُ إِلَى اللَّيْلِ، وليس في حق من قدم الوقوف على دخول مكة طواف قدوم، وإنما هو في حَقِّ من دخلها أولاً لِسَعَةِ الوَقْتِ، ويسمى أيضاً طواف الوُرودِ وطواف التَّحِيَّة، لأنه تحية البُقْعَة يأتى به من دَخَلَهَا، سواء كان تاجراً أو حاجاً، أو دخلها لأمرٍ آخرَ.
ولو كان معتمرًا فطاف للعمرةِ أجزأه ذلك عن طوافِ القُدُومِ، كما أن الفريضة عند دخول المسجد تُجْزِئُ عَن التَّحِيَّة، -والله أعلم-.
ولعلك تنظر في لفظ الكتاب في الدعاء عند رؤية البيت فتقول: إنه جمع أولاً بين المَهَابَةِ والبر، ولم يرووا في الخبر إلا المَهَابة، وذكر أخيراً البر دون المَهَابة، كذا رويتموه في الخبر ونقل المُزَنِي في "المختصر: المَهَابة دون البر، فما الحال فيهما؟ فاعلم أن الجمع بين المَهَابة والبر لم نره إلا لِصَاحِب الكتاب، ولا ذكر له في الخبر، ولا في كُتُبِ الأصحاب، بل البيت لا يتصور منه بِر، فلا يصح إطلاق هذا اللفظ إلا أن يعني البر إليه.
وأما الثاني فالثابت في الخَبَرِ الاقتصار على البر كما أورده، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني.
وقوله: (فيؤم الركن الأسود) كالمستغنى عنه في هذا الوضع، إذ لا بد لكل طَائِفٍ أن يؤم الركن الأسود، ويبتدئ به على ما سيأتي في واجبات الطَّوَافِ، فلو لم يتعرض له هَاهُنَا كما لم يتعرض لسائر وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ لما ضَرَّه. وقوله: ويبتدئ بِطَوَافِ القُدومِ مُطْلَقٌ، لكنه محمول على ما سِوَى المَوَاضِعِ الَّتي بَيَّنَّاهَا.
واختلفوا في أن دخول مكَّة رَاكِبا أولى أم دخولها ماشياً على وجهين، وإن دخلها ماشياً فقد قيل: الأولى أن يكون حَافِياً (١). لما روي أنه ﷺ قال: "قَدْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ سَبْعُون نَبِيّاً كُلُّهُمْ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ مِنْ ذِي طُوى تَعْظيماً لِلْحَرَمِ" (٢).
стр. 1492
قال الغزالي: وكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكاً لَمْ يَلْزَمْهُ (ح) الإحْرَامُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
قال الرافعي: من قصد دخول مكة لا لنسك له حالتان:
إحداهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله كالذي يدخلها لِزِيَارَةٍ أو تجارة أو رسَالَةٍ، وكالمكي إذا دَخَلاِ عَائِداً مِنْ سَفَرِه، فهل يلزمه أن يحرم بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه على قولين:
أحدهما: ويحكى عن مالك وأحمد: أنه يلزمه الإحْرَام بحجٍ أو عمرة؛ لإطباق النَّاسِ عَلَيْهِ، والسُّنن يندر يها الاتفاق العملي.
وعن ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ أَنَّهُ قال: لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلاَّ مُحْرِماً" (١).
والثَّاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولكن يستحب كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وما الأظهر منهما؟ ذكر صاحب الكتاب: أن هذا القول الثَّاني أظهر، وبه قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ، إليه مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ومن تابعه، ورجح المسعودي وصاحب "التهذيب" في آخرين قولُ الوُجُوبِ، وبه أجاب صَاحِب "التلخيص" ولا فرق على القولين بين أن تكون دَارُه فوق المِيقَات أو دونه، وعند أبي حنيفة إن كان داره فوق الميقات لَزِمَه، وإلاَّ فَلاَ.
والطَّرِيق الثَّاني: القطع بالاستحباب، ويحكى هذا عن صاحب التقريب.
والحالة الثانية: أن يكون ممن يتكرر دخوله كالحُطَّابينَ والصَّيَّادِينَ ونحوهم، فإن قطعنا بِنَفْي الوُجوبِ في الحالة الأولى فهاهنا أولى، وإنَ سَلَكْنَا طريقة القولين فهاهنا طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصَحُّهُمَا: القطع بِنَفْي الوُجُوبِ، وبه أجاب في "التلخيص".
والفرق أن هؤلاء إن امتنعوا من الدخول انقطعوا عن مَعَايِشِهِمْ، ويتضرر به الناس، وأن دخلوا وأحرموا كل مرة شَقَّ عليهم، وفيه وجه ضعيف: أنه يلزمهم الإحْرَام في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّة. التفريع إن قلنا بالوجوب فلذلك شروط:
أحدها: أن يجيء الدَّاخِلُ من خَارجِ الحَرَمِ، فأما أهل الحرم فَلاَ إحرَام عليهم بِلاَ خِلاف.
стр. 1493
والثاني: أن لا يدخلها لِقِتَالٍ ولا خائفاً، فإن دخلها لقتالِ بَاغٍ، أو قاطع طريقٍ، أو غيرهما، أو خائفاً منه، أو خائفاً مِنْ ظَالمٍ، أو غريمٍ يحبسه وهو مُعْسِرٌ لا يمكنه أن يطهر لأداء النسك لم يلزمه الإحْرَام بحال: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِم (١)، لأنَّهُ كَانَ مُتَرَصِّداً لِلْقِتَالِ، خَائِفاً غَدْر الْكُفَّارِ".
والثالث: أن يكون حُرّاً، أما العبيد فلا إحرامُ عليهم بِحَالٍ؛ لأن منافعهم مستحقة للسَّادة، ولا فرق بين أن يأذنوا بالدخول أو لا يأذنوا؛ لأن الإذن في الدخول لا يتضمن الإذن في الإحْرَام، رواه الإمام عن اتفاق الأصْحَابِ، ومن يلزم الإحرام بالدّخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه. وإن أذن السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في الدخول محرماً فهل يكون حينئذٍ كالأحرار؟ فيه وجهان:
أقيسهما: لا؛ لأنه ليس من أهْلِ فَرْضِ النُّسُكِ، فصار كلما لو أذن لَهُ في حُضُورِ الجُمُعَةِ. وإذا اجتمعت شرائط الوجوب ودخلها غير محرم فهل عليه القضاء؟ قال الإمام: فيه قولان، وقال غيرهما: وجهان:
أحدهما: نعم، تداركاً لِلْوَاجِبِ، وسبيله على هذا أن يخرج ويعود محرماً، ولا نقول إن عوده يقتضي إحراماً آخر، كما لو دخلها على قصد النُّسُك يكفيه إحرامهُ بِذَلِكَ النُّسُك، ولا يلزمه بالدُّخُولِ إِحْرَام آخر، وكان الغرض أن لا يعرى دخوله عن الإحْرَامِ لِحُرْمَةِ البُقْعَةِ.
وأصحهما: وهو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يجب وله علتان.
إحداهما: أنه لا يمكن القَضَاء؛ لأن دخوله الثَّاني يقتضى إحراماً آخر، وإذا لم يمكن القضاء لم كُمَنْ نذر صَوْمَ الدَّهْرِ وأفطر.
وفرع صاحب "التلخيص" على هذه العلة فقال: "لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ثم صار منهم قضى بحصول الإمكان" وربما نقل عنه أنه يجب عليه أن يجعل نفسه منهم.
وأصحهما: وبه قال العِرَاقيونَ والقَفَّال: أنه تَحِية البقعة، فلا يقضي كتحية المَسْجدِ، وزَيَّفُوا العِلَّة الأولى بمَا سَبَقَ في تَوْجِيهِ القَوْلِ الأوَّلِ. وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ تفريعاً على القول بالوجوب: أنَّه إذا انتهى إلى الميقات عَلَى قَصْدِ دخولِ مكة يلزمه أن يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، ولو أحْرَمَ بعد مجاوزته فعليه دَمٌ، بخلاف ما إذا ترك الإحرامُ أصلاً ورأساً؛ لأن نفس العِبَادَةِ لا تجبر بالدَّمِ.
стр. 1494
وهل ينزل دخول الحرم منزله دخول مكة فيما ذكرناه؟ قال بعض الشَّارِحين: نعم، والمراد بدخول مكة فيما نحن فيه: دخول الحرم، ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره (١). وقوله في الكتاب: (وكل من دخل مكة غير مريدٍ نسكاً) فيه إشارة إلى أنه لو كان مريداً نسكاً يلزمه أن يدخلها محرماً على الوجه الذي مُرَّ في موضعه، وليس ذلك موضع الخلاف، ثم لفظ الكتاب وإن كان مطلقاً في حكاية الخلاف، فالمراد ما إذا اجتمعت الشُّرُوط المَذْكُورة.
ثم قوله: (لم يلزمه) معلم بالحاء والميم والألف، ويجوز أن يعلم قوله: (على أظهر القولين) بالواو للطريقة النافية للخلاف.
واعلم أن هذا الفَصْلَ لما كان مترجماً بسنن دخول مكة، وكان الإحرام عند الدُّخولِ في حق من لا يقصد النُّسُكِ معدوداً من المستحبات على ما اختاره صَاحِب الكِتَاب إستحسن إيراد المَسْألَة في هذا الفَصْلِ.
قال الغزالي: الفَصْلُ الرَّابعُ في الطَّوَافِ وَوَاجِبَاُتهُ سِتَّة: الأَوَّلُ شَرَائِطُ الصَّلاَةِ مِنْ طَهَارَةِ الحَدَثِ وَالخَبَثِ وَسَتْرِ العَوْرَة إلاَّ أنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الكَلاَمُ.
قال الرافعي: للطوافْ بأنواعه وظائف واجبه وأخرى مسنونة:
القسم الأول: الواجبات وقد عدَّها في الكتاب سبعة:
أحدها: الطهارة عن الحدث والخبث.
وستر العورة؛ كما في الصَّلاة، وبه قال مالك، لما روي أن النبي ﷺ : قال "الطَّوَافُ بالبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ" (٢).
فلو طاف جُنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً أو طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة لم يعتد بِطَوَافِهِ وكذا لو كان يطأ في مطافه النَّجَاسَاتِ، ولم أَرَ للأئمة ﵏ تشبيه مكان الطَّوَاف بِالطَّرِيقِ في حق المتنقل ماشياً أو راكباً، وهو تشبيه لا بأسَ بِهِ، ولو أحدث الطَّائِف في خلال طوافه نظر إن تعمد الحَدَث فقولان في أنه يبني أو يستأنف إذا توضأ، ويقال: وجهان:
стр. 1495
أحدهما: يستأنف كما في الصَّلاة.
وأصحهما: أنه يَبْنِي ويحتمل في الطواف ما لا يحتمل في الصَّلاَة، كالفعل الكثير والكَلاَم، وإن سبقه الحَدَث رتب على حالة التعمد إن قلنا: يبني عند التعمد، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يستأنف فهاهنا قولان أو وجهان: والأصح البناء، وهذا كله فيما إذا لم يَطُل الفَصْل، فإن طَالَ فسيأتي حكمه، وحيث لا يجب الاستئناف فلا شك في استحبابه.
وقوله: (شرائط الصلاة) غير مجرى على ظَاهِره، فإن المعتبر في الطواف بَعْضها وهو الطَّهارة، وسترُ العورة، ولا يعتبر فيه استقبال القبلة، وتَرْكُ الكلام، وترك الأفعال الكثيرة، وترك الأكل.
وأعلم قوله: (من طهارة الحدث والخبث وستر العورة) بالحاء؛ لأن عنده لو طاف جنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً لزمت الإعادة ما لم يفارق مكَّة، فإن فارقها أجزأه دَمُ شَاةٍ إن طَافَ مع الحَدَثِ، وبدنه إِنْ طَافَ مع الجَنَابَةِ، وبالألف، لأن عند أحمد رواية مثله، إلا أن الإعلام بهما إنما يَصِح إذا كان المراد من وجوب شرائط الصَّلاَةِ في الطواف: اشتراطها فيه دون الوجوب المشترك بين الشرائط وغيره، فإنا قد نوجب الشَّيْءَ ولا نشترطه، كركعتي الطَّوافِ في الطَّوَافِ على أحد القولين، والذي حكيناه عن أبي حنيفة ﵀ ينافي الاشتراط دون الوجوب المشترك، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي التَّرْتِيبُ (ح) وَهوَ أَنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَيَبْتَدِئَ بالحَجَر الأَسْوَدِ، وَلَو جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَو اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو ابْتَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ اِلى أَوَّلِ الحَجَرِ فَمِنْهُ يَبْدَأ الاحْتِسَابَ، وَلَوْ حَاذَى آخِرَ الحَجَرِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ في ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الواجب وما بعده قد يحوج إلى معرفة هيئة البيت، فنقدم في وَضْعِ البيت وما لحقه من التغايير مقدمة مختصرة.
ونقول: لبيت الله تعالى أربعة أرْكَان: ركنان يمانيان، وركنان شَامِيانِ، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان: شرقي وغربي، وذكر أن السَّيْلَ هَدَمَهُ قبل مبعث رسول الله ﷺ بِعَشْرِ سنين، وأعادت قريش عمارته على الهَيْئَةِ التي هُوَ عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة، فتركوا من جَانِب الحِجْرِ بَعْضَ البَيْتِ، وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم ﵇، وضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشَّامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً، وهو الذي يسمى
стр. 1496
الشَّاذْرَوَانُ، وقد روى أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالشَّرْكِ لَهَدَمْتُ الْبَيْتَ، وَلَبَنَيْتُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَألْصَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجعْلْتُ لَهُ بَابَيْنِ شَرْقِياً (١) وَغَرْبياً" ثم إن ابْنَ الزبير ﵄ هدمه أيام وِلاَيَتهِ، وبناه على قَوَاعِدِ إبراهيم ﵇، كما تمناه رسول الله ﷺ ثم لما اسْتَولى عليه الحَجَّاجُ هدمه وأعاده على الصُّورة التي هو عليها اليوم، وهي بناء قريش، والركن الأسود والباب في صَوْبِ الشَّرْقِ، والأسود هو أحد الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، والباب بينه وبين أحد الشَّاميين، وهو الذي يسمى عِرَاقيّاً أيضاً، والباب إلى الأسود أقرب منه إليه، ويليه الركن الآخر الشَّامي، والحَجْر بينهما، وسنصفه من بعد، والمِيزَابُ بينهما، ويلي هذا الركن اليماني الآخر الذي هو عن يمين الأسود.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يعتبر في الطواف شيئان قد يعبر عنهما معاً بالترتيب، وقد يعبر به عن أحَدِهما.
والأول قضية لفظ الكتاب.
أحدهما: أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه.
والثاني: أن يبتدئ بالحَجَرِ الأسود، فيحاذيه بجميع بدنه في مروره، وإنما اعتبرا؛ لأن النبي ﷺ كذلك طَافَ وقال: "خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ" (٢).
فلو جعل البَيْتَ على يمينه كما إذا ابتدأ من الحجر الأسود ومَرّ على وجهه نحو الركن اليمانى، لم يعتد بِطَوَافِهِ، وقال أبو حنيفة ﵀ يُعيدُ الطَّوَافَ ما دام بمَكَّةَ فإن فَارَقَهَا أجْزَأَهُ دَمُ شَاةٍ، ولو لم يجعله على يمينه ولكن استقبله بوجهه وطاف معترضاً، فعن القَفَّال فيه وجهان:
أحدهما: الجواز، لحصول الطَّوَافِ في يَسَارِ البَيْت.
والثاني: المنع؛ لأنه لم يُولِّ الكعبة شِقَّة الأَيْسَر، والخلاف جَارِ فيما لَوْ ولاَّهَا شِقَّة الأيمن، ومَرَّ القَهْقَريّ نحو الباب، والقياس: جريانه فيما لو استدبرها ومر مُعْتَرضاً، وما الأظهر من هذا الخلاف الذي أورده صاحب التهذيب وغيره؟ في الصورة الثانية أنه يجوز ويكره، وقال الإمام: والأصح: المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صَدْرَه ووجهه لم يجزه أن يوليها شقه وهذا أوفق لعبارة الأكثرين، فإنهم قالوا: يجب أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه، ولم يوجد ذلك في هذه الصورة، وقالوا: لو جعله
стр. 1497
على يمينه لَمْ يَصِحِ، وقد وجد ذلك في صورة الرجوع القهقري، ومن صَحَّح الطواف في هذه الصُورة، فالمعتبر عنده أن يكون تحرك الطائف ودورانه في يَسَارِ البَيْتِ لاَ غَيْرَ، -والله أعلم-.
ولو ابتدأ الطَّائِفُ من غير الحَجَرِ الأَسْوَدِ لم يعتد بما يفعله حتى ينتهي إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ فيكون منه ابتداء طوافه، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضوٍ آخر، فإنا نجعل غسل الوَجْهِ ابتداء وضوءه، وينبغي أن يمر عند الابتداء بجميع بَدَنِهِ على الجَحَرِ الأَسْوَدِ، وذلك بأن لا يقدم جُزْءاً من بدنه على جُزْءٍ من الحَجَرِ، فلو حاذاه ببعض بدنه وكان بعضه مجاوزاً إلى جانب البَابِ ففيه قولان:
الجديد: أنه لا يعتد بتلك الطوفة.
والقديم: أنه يعتد بها، وتكفي المُحَاذَاة بِبَعْضِ البدن، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا استقبل الكعبة ببَعْضِ بَدَنِهِ وَصَلَّى: هل تَصِحّ صَلاتُه؟ وفيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وغيره أن الخلاف ثُمَّ مُخَّرَجٌ مِنَ الخِلاَفِ في الطَّوَافِ، وعكس الإمام ذلك، فأشار إلى تَخْرِيج هَذَا من ذاك، ولو حَاذَى بجميع البَدَنِ بعضُ الحَجَرِ دون البعض أجزأه، كما يجزئه أن يستقبل بجميع بدنه بَعْضَ الكَعْبَةِ، ذكره أصحابنا العِرَاقيون.
وقوله في الكتاب: (لم يعتد بذلك الشوط)، الشوط هو الطوفة الواحدة، وكَرِهَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هذا اللفظ فاستحب أن يقال: طواف وطوافان.
وقوله: (ولو حاذى آخر الحجر) أراد بآخر الحجر البعض الذي يَلِي البَابَ، ولا حاجة إلى هذا التقييد، بل الخِلاَفَ جَارٍ فيما إذا حَاذَى جميع الحَجَرِ ببعض بدنه.
وقوله: (وجهان) اقتدى فيه بإمام الحرمين -رحمهما الله-، ومعظم الأصْحَابِ حكوا قولين منصوصين كما قَدَّمْنَا.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجاً عَنِ البَيْتِ فَلاَ يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِ البَيْتِ وَلاَ في دَاخِلِ مَحُوطِ الحَجَرِ، فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُعِ مِنْهُ مِنَ البَيْتِ، وَلَوْ كَانَ يَمَسُّ الجِدَارَ بيَدِهِ في مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ صَحَّ (ح)؛ لأَنَّ مُعْظَمَ بَدَنِهِ خَارجٌ.
قال الرافعي: الطَّوَاف المأمور به هو الطَّواف بالبيت قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا فهو طَائِفٌ في البَيْتِ، إذا تقرر ذلك فَفِي الفَصْلِ صُوَرٌ:
стр. 1498
إحداها: لو مشى على شَاذْرَوَانِ البَيْتِ لم يصح طَوَافُه؛ لما ذكرنا أنه من البيت، وعن المُزَنَي: أنه سماه تأزير البيت، أي: هو كالإِزَارِ له، وقد يقال: له التأزيز -بزائين وهو التأسيس.
الثانية: ينبغي أن يدور في طَوَافِهِ حول الحجَرِ الذي ذكرنا أنه بين الرُّكْنَيْنِ الشَّاميين، وهو موضع حُوّطَ عليه بجدار قَصِيرٍ، بينه وبين كل واحد من الرّكنين فتحة، وكلام جماعة من الأصحاب يقتضي كون جميعُه من البيت، وهو ظاهر لفظه في "المختصر"، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت منه قدر ستة أذرع تتصل بالبيت، روي أن عائشة ﵂ قالت: "نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صلي فِي الْحَجرِ فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُع مِنْهُ مِنَ الْبَيْتِ" (١). ومنهم من يقول: ستة أذرع أو سبعة كان الأمر فيه على التَّقْرِيب، ولفظ "المختصر" محمول على هذا القدر، فلو دخل إحدى الفتحتين وخرج من الأخرى فَهُوَ مَاشٍ في البيت، لا يحسب له ذلك، ولا طوفه بعده، حتى ينتهي إلى الفَتْحة التي دخل منها، ولو خلف القدر الذي هو من البيت، ثم اقتحم الجدار، وتخطى الحجر على السّمت، صَحَّ طوافه (٢).
الثالثة: لو كان يطوف، ويمس الجِدَارَ بيده في موازاة الشاذروان، أو أدخل يده في موازاة ما هو من البيت من الحِجْرِ، ففي صحة طوافه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: أنه يَصِح؛ لأن معظم بَدَنِهِ خَارجٌ، وحينئذ يصدق أن يقال: إنه طَائِفٌ بالبيت.
وأصحهما: باتفاق فرق الأصحاب وفيهم الإمام: أنه لا يَصِح؛ لأن بعض بَدَنِهِ في البيت، كما لو كان يضع إِحْدَى رِجْلَيْهِ أحياناً على الشاذروانِ ويقفز بالأخرى.
وقوله في الكتاب: (أن يكون بجميع بدنه خارج البيت) لفظ الجميع كالمستغنى عنه، فإنه لو اقتصر على قوله: (أن يكون ببدنه) كان المفهوم منه الجميع، وإذا تعرض له فَلاَ شَكَّ أن مثل هذا إنما يذكر تأكيداً ومبالغة في أنه لا يتحمل خروج البَعْضِ، وهذا
стр. 1499
لا يليق به الجواب بِالصِّحة، فيما إذا كان يمس الجِدارَ بيديه في مُوَازَاةِ الشاذروان.
وقوله (ولا في داخل محوط الحِجْر) مطلق، ولكن تعقيبه بقوله: (فإن ستة أذرع منه من البيت) يبين الحد الممنوع عن المَشْي فيه.
قال الغزالي: الرَّابعُ: أَنْ يَطُوفَ دَاخِلَ المَسْجِدِ وَلَوْ في أَخْريَاتِهَا وَعَلَى سُطُوحِهَا وأَرْوقِتهَا فَلَوْ طَافَ بِالمَسْجِدِ لَمْ يَجُزِ.
قال الرافعي: يَجِب ألا يوقع الطَّوافَ خَارجُ المسْجِدِ، كما يجب أن لا يوقعه خَارجَ مَكَّةَ وَالحَرَم، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت، كالسِّقَايَةِ والسَّوَارِي، ولا بكونه في أخريات المَسْجِدِ وَتَحْتَ السَّقْفِ، وعلى الأرْوِقَةِ والسُّطُوحِ، إذا كان البيت أرفع بِنَاءً على مَا هُوَ اليومَ، فإن جعل سَقْفَ المَسْجِدِ أَعْلَى فقد ذكر في "العدة" أنه لا يجوز الطواف على سَطْحهِ، ولو صَح هذا لزم أن يقال: إذا انهدمت الكعبة والعياذ باللهِ لم يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد، ولو اتسعت خطة المسجد اتسع المَطَاف، وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عَصْرِ رسول الله ﷺ (١).
قال الغزالي: الخَامِسُ رِعَايَةُ العَدَدِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سِتَّةِ أَشْوَاطٍ لَمْ يَصِحَّ (ح).
قال الرافعي: تجب رعاية العَدَدِ في الطواف، وهو أن يطوف سبعاً، قلو اقتصر على ستة أشواط لم يجزئه (٢)، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-، لأن النبي ﷺ طاف سبعاً، وقد قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٣).
وعند أبي حنيفة ﵀ لو اقتصر على أكثر الطواف وأراق عن الباقي دماً أجزأه، وبنى على ذلك أنه لو كان يدخل في الأشْوَاطِ كُلِّهَا من إحدى فَتْحَتَي الحِجْرِ ويخرج من الأخرى كفاه أن يمشي وراء الحِجْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أو يريق دماً، وتدَواره بما وراء الحجرِ يكون معتداً بِهِ في الأَشْوَاطِ كُلَّهَا.
стр. 1500
قال الغزالي: السَّادِسُ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الطَّوَافِ مَشْرُوعَتَانِ وَلَيْسَتَا مِنَ الأَرْكَانِ وَفِي وُجُويهما قَوْلاَنِ، وَلَيْسَ لِتَرْكِهِمَا جُبْرَانٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَفُوتُ إِذْ المُوَالاةُ لَيْسَ بِشَرْطِ فِي إجْزَاءِ الطَّوَافِ علَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافَاتِ السَّبْعِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: "رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ" (١) وهما واجبتان أو مسنونتان؟ فيه قولان:
أحدهما: واجبتان، وبه قال أبو حنيفة ﵀؛ لأن النبي ﷺ لما صَلاَّهُمَا تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢). فأفهم أن الآية أمْرٌ بهذه الصَّلاَة والأمر للوجوب.
وأصحهما: مسنونتان، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-؛ لقوله ﷺ في حديث الأعرابي: "لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" (٣).
واحتج الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ لهذا القول بشيئين:
أحدهما: أنها لو وجبت لَلَزِم شَيْءٌ لِتَرْكِهَا كَالرَّمْيِ، وَلاَ يَلْزَمُ.
والثاني: أنها لو وجبت لاختص فعلها بمكَّة، ولا يختص، بل يجوز في بلده، وأي موضع شَاءَ، ولك أن تقول:
أما الأول: فيشكل بالأركان، فإنها وَاجِبَةٌ وَلاَ تُجْبَرُ بِشَيْءٍ، وقد تعد هذه الصَّلاة منها على ما سيأتي، ثم الجبر بالدَّمِ إنما يكون عند فوات المجبور، وهذه الصَّلاةَ لا تفوت إلا بأن يموت، وحينئذ لا يمتنع جَبْرُهَا بالدَّمِ، قاله الإمام وغيره.
وأما الثاني: فلم لا يجوز أن تكون واجبات الحَجِّ وأعماله منقسمة إلى ما يختص بِمَكَّة وإلى مَا لاَ يَخْتَص؟ ألا ترى أن الإحْرَام أحد الواجبات، ولا اختصاص له بمكّة. والمستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٤).
وأن يُصَلِّيهمَا خلف المقام (٥)، فإن لم يفعل فَفِي الحِجْرِ، فإن لم يفعل ففي
стр. 1501
المَسْجِدِ، فإن لم يفعل ففي أي موضع شاء من الحَرَمِ وغيره، ويجهر بالقِرَاءَةِ فيهما لَيْلاً، ويسر نهاراً. وإذا لم نحكم بوجوبهما فَلَوْ صَلَّى فريضة بعد الطّواف حسبت عن ركعتي الطَّوافِ اعتباراً بتحية المسجد. حكى ذلك عن نَصِّه في القديم، والإمام حكاه عن الصَّيْدَلاَنِيِّ نفسِه، واستبعده، وتختص هذه الصَّلاة من بين سائر الصلوات بشيء وهو جريان النيابة فيها، إذ يؤديها عَنْهُ المستأجر.
وقوله في الكتاب: (ركعتان عقيب الطواف مشروعتان) أراد به التَّعَرَضِ لِمَا يشترك فيه القولان، وهو أصْلُ الشَّرْعِيَّة، ثم بين الاختلاف في الوجوب.
وقوله: (وليستا من الأركان) أراد به أن الاعتداد بالطَّوَافِ لا يتوقف عليهما أو شيئاً هذا شأنه، وقد ذكره الإمام أيضاً لكن في طرق الأئمة ما ينازع فيه؛ لأنهم ذكروا القولين في طواف الفَرْضِ، ثم قالوا: إن كان الطواف تطوعاً ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بعدم الوجوب، وبه قال أبُو زَيْدٍ؛ لأن الأصل الطَّواف لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فكيف يكون تابعه وَاجِباً.
والثاني: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: طرد القولين، ولا يبعد اشتراك الفرض والنفل في الشَّرَائط، كاشتراط صلاة الفَرْضِ والتطوع في الطَّهارة، وستر العورة، وغيرهما، وكذا اشتراكهما في الأركان كالركوع، والسجود، وغيرهما، ومعلوم أن هذا التوجيه ذهاب السهونهما رُكناً أو شرطاً في الصَّلاَةِ، وعلى التقديرين فالاعتداد يتوقف عليهما.
وقوله: (في وجوبهما قولان) يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه إن أراد مطلق الطَّوَافِ ففي النفل منه طريقة قاطعة بنفي الوجوب كما عرفتها، وإن أراد الفرض منه ففيه طريقة قاطعة بالوجوب حكاها الشيخ أَبُو عَلِيّ.
وقوله: (وليس لتركهما جبران لأنه لا يفوت) معناه ما مر من أنه يحتمل تأخيرهما، ويجوز فعلهما في أي مَوْضِعٍ شاء، ولكن حكى صاحب "التتمة" عن نص الشافعي ﵁ أنه إذا أخر يستحب له إراقة دم.
وقوله: (إذ المولاة ليست بِشَرْطِ في أجزاء الطواف) فيه أولاً تعرض لمسألة مقصودة وهي: أن الطائف ينبغي أَن يوالي بين أشواط الطواف وأبْعَاضِه، فلو خالف وفَرِّق هل يجوز البِنَاءُ على ما أتى به؟ فيه قولان:
أصحهما: الجواز، وهما كالقولين في جواز تفريق الوُضُوءِ، لأن كل واحد منها عبادة يجوز أن يتخللها ما لَيْسَ مِنْهَا، بخِلاَف الصَّلاَةِ، والقولان في التفريق الكثير بلا عُذْرٍ، فأما إذا فرق يسير أو كثراً بالعُذْرِ، فالحكم على ما بَيَّنَّ في الوُضُوءِ.
قال الإمام: والتفريق الكثير هو الذي يغلب على الظَّنِّ تركه الطَّواف.
стр. 1502
أما بالإضراب عنه أو لظنه أنه أنْهَاه نِهَايَتَهُ.
ولو أقيمت المكتوبة في أثناء الطواف فتخليلها بينها تَفْرِيقُ بِالْعُذْرِ.
وقطع الطَّواف المفروضِ بِصَلاةِ الجَنَازَةِ والرَّواتِبِ مَكْرُوهٌ، إذ لا يحسن تَرْكُ فَرْضِ لعَيْنِ بِالتَّطَوُّعِ أو فرضِ الكفَايَةِ.
إذا وقفت على المسألة فقوله: (لا يفوت، إذ الموالاة ليست بِشَرْطٍ في أجزاء الطَّواف) ليس تسليماً لكون الركعتين من أجزاء الطواف فإن ذلك يناقض قوله من قبل: (إنهما ليستا من الأركان) ولكن المعنى: أن الموالاة إذا لم تشترط في أجزائه فأولى أن لا تشترط بينه ويين ما هو من توابعه، وهذا شَرْحُ واجبات الطواف، وفي وجوب النية (١) فيه خِلاَفٌ نذكره من بعد.
قال الغزالي: أَمَّا سُنَنُ الطَّوَافِ فَهِيَ خَمْسٌ: الأُولَى أَنْ يَطُوفَ مَاشِياً لاَ رَاكِباً، وَإِنَّمَا رَكَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَظْهَرَ لِيُسْتَفْتَى.
قال الرافعي: القسم الثاني: من وظائف الطَّوَافِ السُّنَن.
فمنها: أن يطوف ماشياً ولا يركب إلا بعذر مرض ونحوه كيلا يؤذي النَّاس، ولا يلوث المسجد: "وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الأَكْثَرِ مَاشِياً، وَإِنَّمَا رَكِبَ فِي حَجَّةِ (٢) الوَدَاعِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَسْتَفْتِيَ المُفْتُونَ".
فإن كان الطائف مترشحاً للفتوى فله أن يتأسى بالنبي ﷺ فَيَرْكَب، ولو رَكِبَ مِنْ غير عُذْرٍ أجزأه ولا كراهة، هكذا قاله الأصْحَاب.
وقال الإمام: وفي القلب من إدْخَالِ البَهِيمَةِ المَسْجِد، ولا يؤمن تَلْوِيثها بشيء فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدْخَال البهائم في المسْجِدِ مَكْرُوهٌ.
ويجوز أن يعلم قوله: (أن يطوف ماشياً) بالميم والحاء؛ لأن عندهما ليس ذلك مِنَ السُّنَنِ، بل يجب أن يطوف ماشياً إن لم يكن له عذر، فإن ركب فعليه دم، وبالألف لأنه يروي عن أحمد مثله.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ تَقْبِيلُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَمَسُّ الرُّكْنِ اليَمَاني بِاليَدِ، فَإِنْ مَنَعَتِ
стр. 1503
الزَّحْمَةُ عَنِ التَّقْبِيلِ اقْتَصَرَ علَى المَسِّ أَو الإشارةِ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ في آخِرِ كُلِّ شَوْطٍ، وَفي الأَوْتَارِ آكَدُ.
قال الرافعي: ومن السنن أن يستلم الحجر بيده في ابتداء الطَّوَافِ، لما روى عن جابر ﵁ أن النَّبِيُّ ﷺ : "بَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ وَفَاضَتْ عَينَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ" (١).
وَيُقَبِّلُهُ؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال وهو يَطُوف بالركن: "إِنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ وَلَولاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَبَّلَهُ" (٢).
ويضع جبهته عَلَيْهِ؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس ﵄: "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرُ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ بِجَبْهَتِهِ" فإن منعته الزَّحْمَةُ من التقبيل اقتصر على الإسْتلاَم فإن لم يمكن اقتصر على الإشارة باليد، ولا يشير بالفَم إلى التقبيل، ولا يقبل الركنين الشَّاميين ولا يستلمهما، ولا يقبل الركن اليَمَانِي، ولكن يستلمه باليد، وروي عن أحمد أنه يُقَبِّلُهُ، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يستلمه ولا يُقَبِّلُه.
لنا ما روى عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِي وَالأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلاَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ" (٣).
قال الأئمة: ولعل الفَرْقَ ما تقدم أن اليمانيين على قواعد إبراهيم ﵇ دون الشَّامِيين. ثم حكى الإمام أنه يتخير حين يستلم الركن اليماني بين أن يُقَبِّل يده ثم يَمَس الرُّكْنَ كالذي ينقل خِدْمَة إليه، وبين أن يمسّه ثم يقبل اليد كالذي ينقل يُمْناً إلى نَفْسِهِ، وهكذا يتخير بين الوجهين إذا مَنَعَتْهُ الزحمة من تقبيل الحَجَرِ، ولم يورد المعظم في الصُّورتين سِوَى الوَجْهِ الثَّاني.
وقال مالك ﵁ لا يُقَبِّلُ يَدَهُ فيهما، ولكنه بعد الاستلام يضع يدَهُ عَلَى فيهِ.
ولو لم يستلم الركن باليد، ولكنه وضع خشبة عليه ثم قَبَّلَ طَرَفَهَا جَازَ أيضاً (٤)، روى عن أبي الطُّفَيلِ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنِ بِمحْجَنٍ وُيقَبِّلُ الْمحْجَنَ" (٥).
стр. 1504
ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كُلِّ طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنها أفضل (١).
وقوله في الكتاب: (اقْتَصر على المَسِّ أو الإِشَارَةَ) ليس تخييراً، ولكنه يمسه وإن لم يمكنه اقتصر على الإشَارَةَ كَمَا مَرَّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: الدُّعَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ: بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيماناً بِكَ وَتَصْدِيقاً بِكِتَابَكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ السَّلاَمُ.
قال الرافعي: يستحب للطائف أن يقول في ابتداء طوافه: "بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيْماناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ " روى ذلك عن عَبْد الله بن السَّائِبِ ﵀ عن النَّبِيِّ ﷺ (٢) ويقول بين الرُّكنين اليَمَانِيين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣). وقد أورد الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أنه يستحب له إذا انتهى إلى محاذاة البَاب وعلى يمينه مَقامُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ بَيْتُكَ وَالْحَرَمَ حَرَمُكَ وَالأَمْنَ أَمْنُكَ وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ" ويشير إلى مقام إبراهيم ﵇ وإذا انتهى إلى الرُّكْنِ العِرَاقي أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِ وَالشِّرْكِ، وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ"، وإذا انتهى إلى ما تحت المِيزَاب من الحِجْرِ أن يقول: "اللَّهُمَّ أَظَلَّنِّي بِظِلَّكَ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلا ظِلُّكَ، وَاسقني بِكَأْسِ مُحَمَّدٍ شَرَاباً هَنِيّاً لا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَداً يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ".
وإذا صار بين الرُّكْنِ الشَّامي واليماني أن يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً، وَعَمَلاً مَقْبُولاً، وَتِجَارَة لَنْ تَبُورَ، يَا عَزِيزُ يا غَفُورُ" (٤).
стр. 1505
وإذا صار بين الركنين اليمانيين أن يقول: ما سبق، وذكر غيره أنه يقول عند الفراغ من ركعتي الطواف خلف المقام: "اللَّهُمَّ هذَا بَلَدُكَ، وَمَسْجِدُكَ الْحَرَامُ، وَبَيْتُكَ الْحَرَامُ، أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ أَتَيْتُكَ بِذُنُوب كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذُ بِكَ مِنَ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ عِبَادَكَ إِلى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ طَالِبًا رَحْمَتَكَ، مُبْتَغِيًا مَرْضَاتِكَ، وَأَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
وعند محاذاة المِيزَاب: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَاب". ويدعو في طوافه بما شاء، ولا بأس بقراءة القُرْآن في الطَّوَافِ، بل هي أفضل من الدّعاء الذي لم يؤثر (١)، والدعاء المَسْنُون أَفْضَلُ مِنْهَا، تَأسِّياً برسول الله ﷺ ونقل في "العدة" وجهاً آخر: أنها أفْضَلُ مِنْهُ أيضاً.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ الرَّمَلُ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاَثةِ الأُوَلِ وَالهِيْنَةُ فِي الأَخِيرَةِ، وَذَلِكَ فِي طَوَافِ القُدُومِ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ أَوَّلاَ لَمْ يَقْضِهِ آخِراً إِذْ تَفُوتُ بِهِ السَّكِينَةُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مَعَ القُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَالبُعْدِ أَوْلَى، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِزَحْمَةِ النِّسَاءِ فَالسِّكِينَةُ أَوْلَى، وَلْيَقُلْ فِي الرَّمَلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً.
قال الرافعي: والأصْلُ في الرَّمْلِ والاضطباع،، ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ لِعُمْرَةِ الزِّيَارَةِ قَالَتْ قُرَيْشُ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بالرَّمَلِ وَالاضْطِبَاع لِيُرَى الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُم فَفَعَلُوا" (٢).
ثم إن ذلك بقي سنة متبعة وإن زال السَّبَب، روى عن عمر ﵁ أنه قال: "فِيمَا الرَّمَلُ وَقَدْ نَفَى الله الشِّرْكُ وَأَهْلَهُ وَأَعَزَّ الإسْلاَمَ إِلاَّ إني لاَ أُحِبُّ أَنْ أَدَعَ شَيْئاً كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ".
والرَّمْلُ هو: الإسراع في المشي مع تقارب الخُطَى، دون الوُثوب والعَدْوِ، ويقال: إنه الخَبَبَ، وغلط الأئمة من ظن كونه دون الخبب.
стр. 1506
إذا تمهد ذلك فنورد مَسَائِلُ الفَصْلِ وما ينضم إليها من صور:
إحداها: حيثُ يُسَنُّ الرَّمَل، فإنما يسن في الأشْوَاطِ الثلاثة الأولى فأما الأربعة الأخيرة فالسنة فيها الهينة.
روي عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَر فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعاً" (١) أو هل يستوعب الثلاثة الأولى بالرَّمَلِ؟ فيه قولان حكاهما الإمام:
أصحهما: وهو المشهور: نعم؛ لما روى: "أَنَّهُ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعًا" (٢).
والثاني: لا، بل يترك الرَّملَ في كل طَوْفَةٍ بين الركنين اليمانيين، لما روي: "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا يَتَّئِدُونَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ عَامَ الصَّدِّ أَنْ يَنْخلَّوا عَنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ إِذَا عَادَ لِقَضَاءِ الْعُمْرةِ" فلما عاد وفارقوا قعيقعان وهو: جبل في مقابلة الحجْر والمِيزَاب، وكانوا يظهرون القُوة والجلادَة حيث تقع أبصارُهم عَلَيْهِم، فإذا صَارُوا بين الركنين اليمَانيين كَانَ البَيْتُ حَائِلاً بينهم وبين أبْصَارِ الكُفَّارِ (٣).
الثَّانية: لا خلاف في أن الرَّمَلَ لا يُسَنُّ في كل طَوَافٍ، وفيم يسن؟ فيه قولان:
أحدهما: قال في "التهذيب"، هو الأصح:
الجديد: يسن في طواف القدوم والابتداء؛ لأنه أولُ العَهْدِ بالبيت، فيليق به النِّشاط والاهتزاز.
والثاني: إنما يُسَنُّ في طوافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْي؛ لانتهائه إلى تَوَاصُلِ الحركات بين الجبلين، وهذا أظهر عند الأكْثرين ولم يتعرضوا لتاريخ القولين، ويشهد للأول ما روي: "أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْمَلْ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ مَا أَفَاضَ" (٤).
стр. 1507
وللثاني: "أَنَّهُ ﷺ رَمَلَ فِي طَوَافِ عمرِهِ كُلَّهَا (١) وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ".
والذي يشتركان فيه استعقاب السَّعْيِ فعلى القولين لا رَمَلَ في طَوَافِ الوَدَاعِ؛ لأنه ليس للقُدُوم، ولا يستعقب السعي، ويرمل من قدم مكَّة معتمراً؛ لوقوع طوافه عن القُدُومِ واستعقابه السعي، ويرمل أيضاً الأفاقي الحَاجّ إذا دَخَلَ مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبل الوُقوف فهل يَرْمُل في طَواف القُدومِ؟ ينظر إن كان لا يسعى عقيبه ويؤخره إلى إثر طواف الافاضة فعلى القول الأول يَرْمُل، وعلى الثاني لا، وإنما يرمل في طواف الإفاضة وإن كَانَ يَسْعَى عقيبه، فيرمل فيه على القوالين، وإذا رمل فيه وَسَعَى بعده بلا يرمل في طواف الإفاضة إن لم يُرِد السَّعْيَ عُقَيْبَه، وإن أراده فكذلك في أصحِّ القولين، وإذاطَافَ للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فَهَلْ يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الإفَاضَةِ؟ فيه وجهان، ويقال: قولان:
أظهرهما: لا، كما لو ترك الرَّمَلَ في الثَّلاثةِ الأُولَى لا يقضيه في الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ، وإن طاف ورملَ ولم يسع فجواب الأكثرين: أنه يرمل في طَوَافِ الإفَاضَةِ هَاهُنَا؛ لبقاء السَّعْي عَلَيْهِ، وكون هيئة الرَّمل مع الاضطباع مرعية فيه، والسَّعْي تَبَعٌ للطواف، فلا يزيد في الهَيْئَةِ عَلَى الأَصْلِ. وهذا الجواب في غالب الظَّنِّ منهم مَبْنِيٌّ على القَوْلِ الثَّانِي، وإلا فلا اعتبار باستعقاب السَّعْي، وهل يرمل المكي المنشئ حَجَّه مِنْ مَكَّةَ فِي طوافه؟ إن قلنا: بالقول الأول فلاَ، إذْ لَيْسَ له طواف قدوم ودخول.
وإن قلنا: بالثاني فنعم؛ لاستعقابه السَّعْي.
الثالثة: لو ترك الرَّمَلَ فِي الأشواط الأولى لم يَقْضِهِ في الأخيرة؛ لأن الهينة والسكينة مسنونةٌ فيها استنان الرَّمَلِ في الأولى، فلو قضاه لَفَوَّتَ سنةً حَاضِرَةً، وهذا كما لو تَرَكَ الجَهْرَ في الركعتين الأولتين لا يقضيه في الآخرتين، ويخالف ما لو ترك سُورَة "الجُمُعَةِ" في الرَّكْعَةِ الأولى يَقْرَأُهَا مَعَ "المُنَافِقينَ" في الثانية؛ لأن الجمع ممكن هناك.
الرابعة: القرب من البيت مستحب للطائف تَبَرُّكاً بِهِ، ولا نظر إلى كَثْرَةِ الخُطَى لَوْ تَبَاعَدَ، فلو تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مع القُرْب لِزَحْمَةِ النَّاسِ فينظر إن كان يَجِدُ فُرْجَة لو توقف توقف ليجدها فيرمل فيها، وإن كان لاَ يَرْجُو ذَلِكَ وهو المراد مما أطلقه في الكتاب فالبعد عن الميت والمحافظة على الرَّمَلِ أَوْلَى، لأن القُرْبَ فضيلةٌ تتعلق بموضع العِبَادة، والرمل فَضِيلَةٌ تتعلق بِنَفْسِ العِبَادَةِ، والفضيلة المتعلقة بِنَفْسِ العِبَادَةِ أولى بالرِّعَايَةِ، ألا ترى أن الصَّلاةَ بالجَمَاعَةِ في البَيْتِ أَفْضَلُ من الانفراد بِهَا فِي المَسْجِدِ.
стр. 1508
وإن كان في حَاشِيَةِ المطاف نِسَاء ولم يأمن مُصَادَمَتَهُنَّ لو تباعد، فالقرب من البَيْتِ والسَّكِينَةِ أولى من البُعْدِ والرَّمْلِ، تحرزاً عن مُصَادَمَتِهِنَّ وَمُلاَمَسَتِهِنَّ.
وقوله في الكتاب: (ولو تعذر لزحمة النساء ... إلى آخره) المراد منه هذه الصورة على ما دل عليه عبارة "الوسيط"، والمعنى: فإن تعذر البُعْدُ لِزَحْمَةِ النساء، ويجوز أن يحمل على ما إذا كان بالقرب أيضاً نساء وتعذر الرَّمَلُ في جميع المَطَافِ لخوفُ مَصَادَمَتِهِنَ، فإن الأَوْلَى والحالة هَذِه تَرْكُ الرمل.
الخامسة: ليكن من دعائه في الرمل (١): "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً". روي ذلك عن النبي ﷺ (٢).
ومتى تَعَذَّرَ الرَّمَلُ على الطَّائِفِ فينبغي أن يَتَحَرَّك فِي مِشْيِه، ويرى من نفسه أنه لو أمكنه الرَّمَلُ لَرَمَلَ. وإن طافَ رَاكِباً أو محمولاً ففيه قولان:
أصحهما: أنه يَرْمُلُ به الحَامِل ويُحَرّك هو الدّابة.
ومنهم: من خص القولين بالبَالِغ المحمول، وقطع في الصبي المحمول بأنه يرمل به حَامِلُه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ الاضْطِبَاعُ فِي كُلِّ طَوَافٍ فِيهِ رَمَل وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ إِزَارِهِ فِي إِبِطِهِ اليُمْنى، وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ ثُمَّ يُدِيمَهُ إِلَى آخِرِ الطَّوَافِ فِي قَوْلٍ وإلَى آخر السَّعْي فِي قَوْلٍ.
قال الرافعي: الاضطباع في كل طوافٍ فيه رَمَلٌ، وهو افتعال من الضَّبْع وهو العضد. ومعناه: أن يجعل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ منكبه الأيمن، وطرفيه على عَاتِقِهِ الأيْسَر، ويبقى منكبه الأيْمنُ مكشوفاً كَدَأْب أَهْلِ الشَّطَارَةِ، وكل طَوَافٍ لا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ لاَ يُسَنَّ فِيهِ الاضطباع، وما يسن فيه الرَّمل يسن فيه الاضطباع، لكن الرملَ مخصوصٌ بالأشواط الثلاثة الأول والاضطباع يعم جميعها، ويسن في السَّعْي بين الجبلين بعدها أيضاً، على المشهور، ويخرج من منقول المَسْعُودي وغيره وجه أنه لا يسن، ويروى ذلك عن أحمد ﵀.
стр. 1509
وهل يُسَنُّ في ركعتي الطَّوَافِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في سائر أعمال الطواف.
وأصحهما: لا؛ لكراهية الاضطباع في الصَّلاَةِ، والخلاف فيهما متولد من اختلاف الأصْحَاب في لفظ الشافعي ﵀ في "المختصر" وهو أنه قال: ويضطبع حتى يَكْمُلَ سَعْيُه. فمنهم من نقله هكذا.
ومنهم: من نقل حتى يكمل سَبْعَة، وهذا الاختلاف عند بعض الشارحين متولد من اختلاف النسخ، وعند بعضهم من اختلاف القِرَاءة، لتقاربهما في الخَطِّ، فمن نقل سَعْيَه حكم بإدامة الاضطباع في الصَّلاَةِ والسَّعْيِ، ومن قال سبعة قال: لا يضطبع بعد الأشْوَاطِ السَّبْعَةِ، وظاهر المذهب ويحكي عن نصه: أنه إذا فرغ من الأشْوَاط ترك الاضطباع حتى يُصَلِّيَ الركعتين، فإذا فرغ منها أعاد الاضطباع وخرج لِلسَّعْيِ، وهذا يحوج إلى تأويل لفظ "المختصر" على التقديرين، فتأويله على التقدير الأول أنه يضطبع مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وعلى التقدير الثاني أنه يديم اضطباعه الأول إلى تَمَام الأَشْوَاطِ، ثم اللفظ ساكت عن أنه يعيده أو لا يعيده؟. وليس في حَقِّ النساء رَمَلٌ ولا اضطباع حتى لا ينكشفن، ولا تبدوا أعضاؤهن، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ -رحمة الله عليه- وَجْهَيْنِ في أن الصَّبِيَّ هَلْ يضطبع؟ لأنه ليس فيه نصرة ولا جلادة كالنِّسوة، والظاهر أنه يضطبع.
وقوله في الكتاب: (أن يجعل وسط إزاره) ذكر الرداء في هذا الموضع أليق، وكذلك قاله الشَّافِعِيُّ ﵁ وعامة الأصْحَابِ ﵏.
وقوله: (إلى آخر الطواف في قول إلى آخر السَّعْي في قول) إطلاق القولين فيه غَرِيب، والذين رووا الخِلاَف فيه رووهما وجهين، إلا أن حُجَّةَ الإِسْلاَم ﵀ نظر إلى استناد الخلاف إلى ما قَدَّمْنَا من قَوْلِ الشافعي ﵁، ثم عبارة الكتاب في القول الثاني تقتضي استحباب الاضطباع في ركعتي الطَّوَافِ أيضاً، وفيه ما ذكرناه.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ طَافَ المُحْرِمُ بِالصَّبِيِّ الَّذي أَحْرَمَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنِ الصَّبِيَّ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ طَاف عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الحَامِلَ أَوْلَى بِهِ، فَيَنْصَرِفَ إِلَيْهِ وَلاَ يَكْفِيهِمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ بِخِلاَف مَا إِذَا حَمَلَ صَبِيَّيْنِ وَطَافَ بِهِمَا فإنَّهُ يُكْفِي الصَّبِيَّيْنِ طَوَافٌ وَاحِدٌ كَرَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بالصبي وإن صوَّره فيه، ولو اختص به لكان موضعه الفَصْلُ الأَخِيرُ مِنْ الباب المعقود في حُكْمِ الصَّبِيِّ، ثم هو ناظر إلى مسألةٍ نذكرها أولاً، وهي أن الطَّوافَ هَلْ يَجِبُ فِيهِ النية؟ وفيه وجهان:
стр. 1510
أحدهما: تجب؛ لأنه عبادة برأسه.
وأصحهما: لا تجب؛ لأنه في الحَجِّ والعمرة أحد الأَعْمَال، فيكفي فيه نية النُّسُكِ في الابتداء، على هذا فهل يُشْتَرَطُ أن لاَ يصرفه إلى عَرَضٍ آخر من طَلَب غَرِيمٍ ونحوه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وهما كالوجهين فيما إذا قصد في أثناء وضوءه لغسل باقي الأعضاء تبرداً ونحوه.
إذا عرفت ذلك فلو أن الرجل حَمَل محرماً من صبي أو مريض أو غيرهما وطاف به، نظر إن كان الحاملُ حلالاً أو كان قد طافَ عن نفسه حُسِبَ الطواف للمحمول بَشَرْطِهِ، وإن كان محرماً ولم يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ نظر إن قصد الطَّوَاف عَنِ المَحْمُولِ ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يقع للمحمول دون الحَامل، وينزل الحَامِلُ منزلَة الدَّابَّةِ، وهذا يخرج على قولنا: أنه يشترط أن لا يصرف طوافه إلى غرضٍ آخر.
والثَّاني: أنه يقع عن الحَامِل دون المحمول، وهذا يخرج على قولنا: أنه لا يشترط ذلك، فإن الطواف حينئذٍ يكون محسوباً له، وإذا حسب له لم ينصرف إلَى غَيْرِهِ، بخلاف ما إذا حمل مُحْرِمَيْنِ وطاف بهما وهو حَلاَلٌ أَوْ مُحْرِمٌ، وقد طاف حيث يجزئهما جميعاً، فإن الطَّواف ثم غير محسوب لِلْحَامِلِ، والمحمولان كراكبي دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، وربما يوجه هذا الوجه بالتشبيه بما إذا أحرم عن غيره، وعليه فَرْضُه.
والثالث: أنه يحسب لهما جميعاً؛ لأن أحدهما قد دَارَ والآخر دِيرَ بهِ. وإن قصد الطَّواف عَنْ نَفْسِهِ وقع عنه، وهل يحسب عن المحمول؟ قال الإمام: لا، وحكى وفاق الأصْحَاب فيه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطَّوَافِ لِنَفْسِهِ وَللْمَحْمُولَ، وصاحب "التهذيب" حكى في حصوله للمحمول مع الحُصُولِ لِلْحَامِلِ وجهين؛ لأنه دَار به، ولو طاف به ولم يقصد واحداً من الأقسام الثلاثة فهو كما لو قَصَدَ نَفْسَهُ أو كِلَيْهِمَا.
وقوله في الكتاب: (لو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه) قد ذكرنا أن المسألة غير مخصوصة بما إذا كان المحمول صبيّاً، والأولى أن يقرأ قوله (أُحْرِمَ بهِ) على المجهول، إذ لا فرق بين أن يكون الحَامِلُ إليه الذي أحرم به أو غيره، ثم لفظ الكتاب يقتضى عدم إجزائه لِلصَّبِيِّ فيما إذا لم يَطُف الحَامل مطلقاً، لأنه أطلق الاستثناء، لكن فيه التّفصيل، والخلاف الذي كتبته، والظاهر فيما إذا قَصَد الطَّوافِ للمحمول إجزاؤه للمحمول على ما تقرر، فإذًا لفظ الكتاب محمول على ما إذا لم يقصد ذلك، وفي "الوسيط" ما يشير إليه.