← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وهي في حق المتوجهين من المدينة ذُو الحُليْفَةَ (١)، وهو على عشر مراحل، من مكة وعلى ميل من المدينة، وفي حق المتوجهين من الشَّام (٢) ومصر (٣) والمغرب الجُحْفَة (٤) وهي على خمسين فرسخاً من مكَّة، وفي حق المتوجهين من تُهامة اليمن (٥) يَلَمْلم، وقد يسمى أَلَمْلَم، وفي حق المتوجهين من نجد اليمن، ونجد (٦) الحجاز

стр. 1437

قرْن (١) وفي حق المتوجهين من جهة المَشْرق والعِرَاق وخراسان ذَاتُ عِرْقٍ، وكل واحد من هذه الثلاثة من مكَّة على مرحلتين، وقد ذكر الأئمة أن اليمن يشتمل على نَجْد وتهامة وكذلك الحِجَاز، وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز، وميقات النجدين جميعاً قَرْن. وإذا قلنا: إن ميقات اليمن يَلَمْلم أراد به تهامتها لا كل اليمن. وأعلم: أن ما عدا ذاتِ عِرْقٍ من هذه المواقيت منصوص عليه، روي في الصَّحيح عن ابن عباس ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّام الجُحْفَةَ، ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، المَنَازِلِ، ولِأَهْلِ اليَمَنِ يلملم وقال هُنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أْتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ (٢)، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكَّة من مكَّة واختلفوا في ذَاتِ عِرْق على وجهين: أحدهما: أن توقيته مأخوذ من الاجتهاد؛ لما روى عن طاووس أنه قال: "لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتِ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِيْنِئذٍ أَهْلُ المَشْرِقِ أَي: مُسْلَمِينَ" (٣). وفي الصَّحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "لَمَّا فُتِحَ هَذانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرَناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَريقِنَا، وإِنَّا إِنْ أَرَدْنَاهُ شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ" (٤). والثَّاني: وإليه صَغْوُ الأكثرين: أنه منصوص عليه، روي عن عائشة ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ" (٥) ولا يبعد أن ينص عليه والقوم

стр. 1438

مشركون يَومئذٍ إذا علم إسلامهم، ويحتمل أن النصوص لم تبلغ عُمَرَ ﵁ والذين أتوه فاجتهدوا فوافق اجتهادهم النص، ولو أحرم أهل المَشْرِق من العقيق كان أفضل، وهو واد وراء ذات عِرْق مِمَّا يلي المشرق بقرب منها، لما روى عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ" (١). ولأن ذات عِرْق مؤقتة بالاجتهاد على أحد الرأيين، فالإحرام مما فوقها أحوط، وقد يخطر ببالك إذا انتهيت إلى هذا المقام البحث عن قَرْن من وجهين: أحدهما: أنه بتحريك الراء أو تسكينها، وإن كان الأول فهل هو الذي ينسب إليه أويس ﵁ أم لا؟ والثاني: أنه قال في الخبر: قَرْن المَنَازِل فما هذه الإضَافة؟ وهل هو للتمييز عن قرن آخر أم لا؟ والجواب: أما الأول فالسماع المعتمد فيه عن المتقنين التسكين، ورأيته منقولاً عن أبي عبيد وغيره، ورواه صاحب الصِّحاح بالتحريك، وادعى أن أويساً منسوب إليه. وأما الثاني: فقد ذكر بعض الشَّارِحين للمختصر أن القرن اثنان: أحدهما: في هبوط يقال له: قرن المَنَازِل، والآخر: على ارتفاع يقرب منه، وهي القرية، وكلاهما ميقات -والله أعلم-. إذا عرفت ذلك فالصنف الأول الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو يريد النُّسُك فليس له مجاوزته غير مُحْرِم، سواء أراد الحَجَّ أو العمرة أو القران، فإن جاوزه فقد أساء، وسيأتي حكمه، ولا فرق بين أن يكون من أهل تلك الناحية أو من غيرها، كالمشرقي إذا جاء من المدينة، والشَّامي إذا جاء من نَجْد؛ لقوله ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ". الثاني: الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو غير مريد للنُّسك، فننظر إن لم يكن على قَصْدِ التَّوَجُّه إلى مكَّة، ثم عَنَّ له قصد النُّسُك بعد مجاوزته، فميقاته من حَيْثُ عَنَّ له هذا القَصْد، ولا يلزمه الرُّجُوع إلى الميقات، وقد أشار إليه في الخبر الذي سبق، حيث قال: فإن كان يريد الحج والعمرة، وإن كان على قَصْدِ التوجه إلى مكة لحاجة غير النُّسُك، ثم عَنَّ له قصد النسك عند المجاوزة، فينبئ هذا على أن من أراد دخول

стр. 1439

مكة هل يلزمُهُ الإحْرَامُ بِنُسُكٍ؟ وفيه خلاف مَذْكُورٌ فِي الكِتَاب في فَصْلِ سُنَنِ دُخُولِ مَكَّة، فإن ألزمناه فعليه إنشاؤه من المِيقَات، فيأثم بمجاوزته غير محرم كما إذا جاوزه على قَصْدِ النُّسُك غير محرم، وإن لم يلزمه الإحرام فهو كمن جاوزه غير قاصد للتوجه إلى مكَّة. الثالث: الذي مسكنه بين أَحَدِ المواقيت وبين مكَّة فميقاته مَسْكَنُه، يعني: القرية التي يسكنها والحلة التي ينزلها البَدَوِيّ؛ لقوله ﷺ بعد الذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ" وقوله في الكتاب: (والذي جاوز الميقات لا على قصد النسك إلخ) قد أطلق الكلام فيه إطلاقاً، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه، ويجوز أن يعلم قوله: (فميقاته حيث عنّ له) بالألف؛ لأن عند أحمد أنه إذا جاوز غير قاصد لدخول مَكَّة، ثم عَنَّ له قصد النسك يلزمه العود إلى الميقات، فإن لم يعد فعليه دم. قال الغزالي: والأَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقَاتِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ فَلاَ بَأْسِ، وَلَوْ حَاذَى مِيقاتاً فَمِيقَاتُهُ عِنْدَ المُحَاذَاةِ إِذ المَقْصُودُ مِقْدَارُ البُعْدِ عَنْ مَكَّةِ، وَإِنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةً لَمْ تُحَاذ مِيقَاتاً وَلاَ مَرَّ بِهِ أَحْرَمَ مِنْ مَرْحَلَتَينِ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ المَوَاقِيتِ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ. قال الرافعي: في الفصل صور: إحداهَا: يستحب لمن يحرم من بعض المَوَاقِيت الشَّرْعِية، أن يحرم من أول جزء ينتهي إليه، وهو الطرف الأبعد من مكَّة، ليقطع الباقي مُحْرِماً، ولو أحرم من آخره جاز؛ لوقوع الاسم عليه، ويستحب لمن ميقاته حلته أو قريته أيضاً أن يحرم من الطَّرف الأبعد، والاعتبار في المواقيت الشرعية بتلك المواضع لا بالقرى والأبنية، حتى لا يتغير الحكم لو خرب بعضها فنقلت العمارة إلى موضع آخر قريبٍ منه، وسُمِّي بذلك الاسم. الثانية: إذا سلك البحر أو طريقاً في البر لا ينتهي إلى واحد من المواقيت المُعَيَّنة فميقاته الموضع الذي يُحَاذِي الميقات المعين، فإن اشتبه عليه فليتأخ، وطريق الاحتياط لا يَخْفَى. ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقه نظر إن تساويا في المسافة إلى مَكَّة وإلى طريقه جميعاً، أو في المسافة إلى مكَّة وحدها فميقاته الموضع الذي يُحَاذِيها، وإن تساويا في المسافة إلى طريقه، وتفاوتا في المسافة إلى مَكَّة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يتخير إن شاء أحرم من الموضع المحَاذِي لَأَبْعَدِ الميقاتين، وإن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأقربهما. وأظهرهما -وبه قال القفال-: أنه يحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وليس

стр. 1440

له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذَا الحُلَيْفَة، ليحرم من الجُحْفَة، وقد تَصَوَّر في هذا القِسْمِ محاذاة الميقاتين دفعة واحدة، وذلك بانحراف أحد الطريقين والْتِوَائِهِ لَوعُورَةٍ وغيرها فلا كلام في أنه يحرم من موضع المحاذاة، وحكى الإمام: وجهين في أنه منسوب إلى أَبْعَدِ الميقاتين أو أقربهما. قال: وفائدتهما تظهر فيما إذا جاوز مَوْضِع المحاذاة وانتهى إلى حَيْثُ يفضي إليه طريقاً الميقاتين، وأراد العَوْد لدفع الإساءة، ولم يعرف مَوْضِع المحاذاة أيرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذلك؟ وتابعه المصنف على رواية الوجهين في "الوسيط" وكلاهما لا يصرح بالتَّصْوِيرِ في الصُّورة التي ذكرتها كل التصريح، لكنه المفهوم مما ساقاه ولا أعرف غيره -والله أعلم-. وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكَّة وإلى طريقه فاعتِبَار بالقُرْب إليه أو إلى مكَّة، فيه وجهان: أولهما: أظهرهما، واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضي كل واحد منهما إلى ميقات، ويمكن تصوير القِسْم الثَّالِث والرَّابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كَذِي الحُلَيْفَة والجُحْفَة، فإن أحدهما بين يدي الآخر، فيجوز فَرْضُهُمَا على اليمين أو الشّمال، وتساوي قربهما إلى طريقه وتفاوته. الثالثة: لو جاء من ناحيةٍ لا يحاذي في طريقهما ميقاتاً ولا يَمُرُّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكَّة إلا مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقل مَسَافة من هذا القدر. وقوله في الكتاب: (فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق) إنما كان يحسن أن لو كانت ذات عرق أقل مسافة مِنْ كُلِّ ما سواها من المواقيت لكن قد مَرَّ أن ذَات عِرْقٍ مع يَلَمْلَمَ وَقَرْن متساوية في المَسَافة. قال الغزالي: وَمَهْمَا جَاوَزَ مِيقَاتاً غيرَ مُحْرِمِ فَهُوَ مُسِيءٌ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَيسْقُطُ عَنْهُ بِأَنْ يَعُودَ إلَى المِيقَاتِ قَبلَ أَنْ يَبْعُدْ عَنْهُ بِمَسَافَةِ القَصْرِ، وإنْ عَادَ بُعْدَ دُخولِ مَكَّةَ لَمْ يَسْقُطْ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَوَجْهَانِ، ثمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ أَوَّلاً ثُمَّ يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ مُحْرِماً فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ كَانَ أَحَبَّ. قال الرافعي: الفَصْل يشتمل على مسألتين: إحْدَاهُما: إذا جاوز المَوْضِع الذي لزمه الأَحْرَام مثه غير محرم أثِم، وعيه العَوْدُ إليه والإحْرَامُ مِنْهُ إن لم يكن له عذر، وإن كان كما لو خاف الانقطاع من الرِّفْقَة، أو كان الطَّريقِ مخوفاً، أو الوقت ضيقاً أحرم وَمَضَى على وجهه، ثم إذا لم يَعدْ فعليه دَمٌ،

стр. 1441

لما روي عن ابن عَبَّاس ﵄ موقوفاً ومرفوعاً: "أَنَّ مَنْ تَرَكَ نُسُكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" (١). وإن عاد فلا يخلو إما أن يعود وينشئ الإحْرَام منه، أو يعود إليه بعد ما أحْرَم. فأما في الحَالَةِ الأولَى: فالذي نقله الإمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- أنه إن عاد قبل أن يبعد عن المِيقَاتِ بِمَسَافَةِ القَصْر فلا دم عليه؛ لأنه حَافظ على الوَاجِب في تَعَبٍ تَحَمَّلَهُ، وإن عاد بعد ما دَخَلَ مكة لم يَسْقُط عنه الدم؛ لوقوع المحذور، وهو دُخُولُ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمِ مع كونه عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ، وإن عاد بعد ما بَعُدَ عن الميقات بمسافة القصر فَوَجْهَان: أظهرهما: أنه يسقط كما لو عاد بعد البعد عنه بهذه المسافة. والثاني: لا يسقط لتأكد الإسَاءة بانقطاعه عن الميقات حَدّ السَّفَرِ الطَّوِيل، هذا ما ذكراه. والجمهور قضوا بأنه لو عَادَ وأنشأ الإحْرَام منه فلا دم عليه، ولم يفصلوا بَيْنَ أن يبعد أو لا يبعد، ولا بين أن يدخل مَكَّة أو لا يدخلها، فعليك إعلام قوله: (وإن عاد بعد دخول مكة لم يسقط) بالواو، ومعرفة ما فيه. وأما الحالة الثَّانية: وهي أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرماً فقد أطلق صاحب الكتاب وطائفة في سقوط الدم فيها وجهين، ورواهما القَاضِي أبُو الطَّيِّبِ قولين: وجه عدم السقوط، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- تأكد الإسَاءَة بإنشاء الإحرام من غير موضعه، وراعى الإمام ﵀ من ذلك ترتيب هذه الحالة على التَّفْصِيل المذكور في الأولى فقال: إن قصرت المسافة ففي السّقوط الخِلاَف، وإن طَالَتْ فَالخِلاَفُ مرتب وأولى بألا يَسْقُط، فإن دخل مَكَّة فأولى بعدم السِّقوط من الحَالَةِ الأولى. وظاهر المَذهب عند الأكثرين أن يفصل فيقال: إن عاد قبل أن يلتبس بنسك سَقَط عنه الدَّم؛ لقطعه المسافة من الميقات محرماً وأداء المَناسِكِ بعده، وإن عاد بعد ما تلبس بِنُسُكٍ لم يسقط لِتَأْدِّيهِ بإحرامٍ نَاقص، ولا فرق بين أن يكون ذلك النُّسك ركناً كالوقوف بعرفة، أو سنة كطواف القُدُوم، ومنهم من لم يجعل للتلبس بالسنة تَأثِيراً، وقال أبو حنيفة ﵀ إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات، وعاد قبل أن يتلبس بنُسُكٍ، وَلَبَّى سقط عنه الدّم، وإن عاد ولم يُلَبِّ لم يسقط. وقوله في أول الفَصْل: (ومهما جاوز ميقاتاً غير محرم فهو مسيئ وعليه الدَّم)

стр. 1442

يدخل فيه ما إذا جاوز عَالِماً، وما إذا جاوز جاهلاً أو ناسياً والأمر على هذا الإطلاق فيما يرجع إلى لزوم الدم؛ لأنه مأمور بالإحْرَام من الميقات، والنسيان ليس عذراً في ترك المأمورات، كالنية في الصَّوْمِ والصلاة، بخلاف ما إذا تَطَيَّب أو لبس ناسياً فإنهما من المَحْظُورَات، والنسيان عذر فيهما كما في الأكل في الصَّوْم والكلام في الصَّلاة. وأما الإساءة فهي ثابتة على الإطلاق أيضاً إن أراد بكونه مسيئاً كونه مقصراً، وإن أراد الإثم فَلاَ إِثْمَ عِنْدَ الجَهْلِ والنسيان. ويجوز أن يعلم قوله: (وعليه الدم) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ الجائي من طريق المدينة إذا لم يكن مدنياً لو جاوز ذا الحُلَيْفَة وأحرم من الجُحْفَة لم يلزمه دَم، ويروى ذلك في حق المدني وغيره. المسألة الثانية: الإحرام من الميقات أَفْضَل أو مما فوقه؟ روى البويطي والمزني في الجامع الكبير أنه من الميقات أَفْضَل، وبه قال مَالِكٌ وأحمد. وقال في "الإملاء": الأحب أن يحرم من دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وبه قال أَبُو حَنِيفة، وللأصحاب طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يستحب الإحْرَام مما فوقه: "لَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحْرِمْ إِلاَّ مِنَ الْمِيقَاتِ" (١) ومعلوم أنه يحافظ على ما هو الأفضل، ولأنَّ في الإحْرَام فوق الميقات تغريراً بالعباد؛ لما في مصابرته والمحافظة على واجباته من العسر ولهذا المعنى أطلق مطلقون لفظ الكراهة عالى تقديم الإحرام عليه. أظهرهما: أن الأحب أن يحرم من دؤيرة أهله لأن عمر وعليا ﵄ فسرا الإتمام في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله بذلك) (٢). وروي أنه ﷺ قال: "مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" (٣).

стр. 1443

والطريق الثاني: القطع بالقول، وحمل الأول على التزيي بِزِيّ المحرمين من غير إحْرَام على ما يعتاده الشِّيعة. ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل الأوَّل على إذا لم يَأْمن على نَفْسِهِ من ارتكاب مَحْظُوراتِ الإِحْرَام، وتنزيل الثاني على ما إذا أمن عليها. وقوله في الكتاب: (ولو أحرم قبل الميقات كان أحب) يجوز أن يكون جواباً على أظهر القولين، على الطريقة الأولى، ويجوز أن يكون ذهاباً إلى الثانية، وهو الذي قصده المصنف على ما أورده في "الوسيط" فإنه نسب استحباب التقديم إلى القديم، وكراهيته إلى الجديد، وذكر أن الجديد مؤول، وكيفما كان فليكن قوله: (أحب) معلماً بالواو مع الميم والألف. واعلم أن تسمية أحد القولين قديماً والآخر جديداً لم أره إلا له، والكتب التي عزى النصان إليها بأسرها معدودة من الجديد. قال الغزالي: أَمَّا العُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا مِيقَاتُ الحَجِّ إلاَّ فِي حَقِّ المَكِّيِّ وَالمُقِيِم بِهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِمُ الخُرُوجِ إلَى طَرَفِ الحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةِ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُعْتَدَّ بِعُمْرَتهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الحِلِّ وَالحَرَمِ، وَالحَاجُّ بِوقُوفِ عَرَفَةَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا، وَأَفْضَلُ البِقَاعِ لإحْرَامِ العُمْرَةِ الجُعْرَانَةُ ثُمَّ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ. قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في الميقات المكاني في الحجّ اشتغل بالكلام فيه في العمرة. والمعتمر إما أن يكون خارج الحرم أو فيه، فإن كان خَارِجَ الحَرَمِ فموضع إحْرَامِهِ بالعمرة هُوَ موضع إحرامه بالحَجّ بلا فرق. وإن كان في الحرم سواء كان مكياً أو مقيماً بمكة فالكلام في ميقاته الواجب، ثم في الأَفْضَل. أما الواجب: فهو أن يخرج إلى أدنى الحِلّ ولو بخطوة من أي جانب شاء: "لَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ التَحَلُّلِ، أَمَرَهَا رَسُولُ الله ﷺ بِأَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحَلِّ فَتُحْرِمَ" (١). فإن خالف وأحرم بها في الحَرَم، انعقد إحرامه، ثم له حالتان: إحداهما: أن لا يخرج إلى الحِلِّ، بل يطوف وَيَسْعَى وَيَحْلِق، فهل يجزئه ذلك

стр. 1444

عن عمرته؟ فيه قولان محكيان عن نصه في "الأم". أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن إحْرَامه قد انعقد، وأتى بعده بالأعمال الواجبة، لكن يلزمه دَمُ؛ لتركه الإحْرَام من المِيقَات. والثاني: أنه لا يجزئه ما أتى به؛ لأن العُمْرَة أحدُ النُّسُكَين، فيشترط فيه الجَمْعُ بين الحِلِّ والحَرَمِ، كما في الحج، فإن الحَاجَّ لاَ بُدَّ له من الوُقُوفِ بعرَفَة، وأنها من الحِلِّ. التفريع: إن قلنا بالأول فلو وطئ بعد الحَلْقِ لم يلزمه شَيْءٌ، لوقوعه بعد التَّحَلُّل، وإن قلنا بالثاني فالوطء وَاقِعٌ قَبْلَ التحللُ، لكنه يعتقد كونه بعد التحلل، فهو بمثابة وَطْءِ النَّاسي، وفي كونه مفسداً قولان سيأتي ذكرهما، فإن جعلناه مفسداً فعليه المُضِي في الفَاسِد، بأن يخرج إلى الحِلّ ويعود فيطوف ويسعى ويحلق، ويلزمه القضاء وكفارة الإِفْسَاد، ويلزمه دَمٌ لِلْحَلْقِ أيضاً؛ لوقوعه قبل التحلل. والحالة الثانية: أن يخرج إلى الحِلِّ ثم يعود فيطوف ويسعى، فيعتد بما أتى به لا مَحَالة، وهل يسقط عنه دم الإِسَاءة؟ حكى الإمام ﵀ فيه طريقين: أحدهما: تخريجه على الخِلاَف المذكور في عَوْدِ من جاوز المِيقَات إليه غير محرم. والثاني: القطع بالسقوط، فإن المُسِيئَ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قَصْدِ النُّسُكِ، ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هَاهُنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا هو الذي أورده الأكْثَرون، فعلى هذا الواجب هو خروجه إلى الحِلِّ قبل الأعمال، إما في ابتداء الإحرام أو بعده. وإن قلنا: لا يسقط الدم، فالواجب هو الخروج في ابتداء الإحْرَام، وقد أشار إليه في "الوسيط" فقال: ولو بخطوة في ابتداءِ الإحرام أو دوامه على رأى، وإذا كان كذلك فَلْيُعَلَّم قوله: (في ابتداء الإحرام) بالواو، ثم قوله: (فإن لم يفعل لم يعتد بعمرته على أحد القولين)، ظاهر اللفظ يقتضي كون الاعتداد بأفعال العمرة على القولين إذا لم يخرج إلى الحِلِّ في ابتداء الإحْرَام، وليس كذلك، بل موضع القولين ما إذا لم يخرج لا في الابتداء ولا بعده، حتى أتى بالأعْمَال فَلْيُؤَوَّل. وقوله: (لم يعتد)، معلم بالحاء لما قدمنا. وقوله أولاً: (إلا في حق المكي والمقيم بها) لا شك أن المراد من المكي الحاضر بمكة، فلو اقتصر على قوله: (في حق المقيم بمكة) لأغناه، ودخل فيه ذلك المكِّي.

стр. 1445

وأما الأفضل: فأحب البقاع في أطراف الحِلِّ لإحرام العمرة الْجُعْرَانَة فإن لم يتفق فمن التَّنْعِيم، فإن لم يتفق فمن الحُدَيْبِيَة، وليس النظر فيها إلى المَسَافة، ولكن المتبع سنة رسول الله ﷺ (١) وقد نقلوا: "أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ، وَمَرَّةَ عُمْرَةِ هَوَازِنَ (٢) وَلَمَّا أَرَادَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تُعْتَمِرَ أَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمنِ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيم، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ" (٣) وصلى بالحديبية عام الحديبية، وأراد الدخول منها للعُمْرة، فَصَدَّهُ اَلمُشْرِكون عنها (٤) فقدم الشافعي ﵁ ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما هم به. والجُعْرَانة على ستة فَرَاسِخ من مكة. والحديبية كذلك، وهي بين طريق جِدَّة وطريق المدينة في منعطفٍ بين جبلين، وبها مسجد النبي ﷺ . والتنعيم على فرسخ من مكَّة، وهو على طريق المَدِينة، وفيه مَسْجِدُ عائشة ﵂، هذا تمام الكلام في القسم الأول من كتاب الحَجِّ.

стр. 1446

القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المَقَاصِدِ وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الأَوَّلُ قال الغزالي: فِي وُجُوهِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) الإفْرَادُ وَهُوَ أَنْ يَأْتِي بِالْحَجِّ مُفْرِداً مِنْ مِيقَاتِهِ وَبِالْعُمْرَةِ مُفْرِدَةَ مِنْ مِيقَاتِهَا. قال الرافعي: من أحرم بنسكٍ لزمه فِعْلُ أمورٍ وتركُ أمورٍ، والنظر في الأمور المفعولة من وجهين: أحدهما: في كيفية أفعالهما. والثاني: في كيفية أدائهما، باعتبار القرآن بينهما وعدمه، فلا جرم حصر كلام هذا القسم في ثلاثة أبواب: أولها: في وجوه أداء النُّسْكَيْنِ. وثانيها: في صِفَةِ الحَجِّ ويتبين فيه صفة العُمْرة أيضاً. وثالثها: في مَحْظُورات الحَجِّ والعمرة، وإنما انقسم أدعاء النسكين إلى الوجوه الثلاثة، لأنه إما أن يقرن بينهما وهو المسمى قراناً أو لا يقرن، فإما أن يقدم الحج على العُمْرَةَ وهو الإفراد، أو يقدم العمرة على الحج وهو التمتع، وفيه شروط ستظهر من بعد، فإذا تخلف بعضُها، فربما عدت الصّورة من الإفراد، والوجوه جميعاً جائزة بالاتفاق. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهْلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحجِّ وَالْعَمْرَةِ" (١). وأما الأفضل منها، فإن قول الشافعي ﵁ لا يختلف في تأخير القرآن

стр. 1447

عن الإفراد والتمتع؛ لأن أفعال النُّسُكَيْنِ فيهما أكمل منها في القرآن. وقال أبو حنيفة ﵀: القرآن أَفْضَلُ مِنْهُمَا، ويحكى ذلك عن اختيار المُزَنِيّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأَبِي إِسْحَاقَ المَرْوَزِي؛ لما روى عن عائشة قالت: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْرُخُ بِهِمَا صُرَاخاً، يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ" (١). لكن هذه الرواية معارضة بروايات أخر راجحة على ما سيأتي. واختلف قوله في الإفراد والتمتع أيهما أفضل؟ قال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة -رحمهما الله-؛ لما روى عن النبي ﷺ قال: "لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدى وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" (٢). والاستدلال أنه ﷺ تمنى تقديم العمرة، ولولا أنه أفضل لما تَمَنَّاه. وقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وهو الأصح، وبه قال مالك؛ لما روى عن جابر ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ" (٣) وروى مثله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ ﵃ (٤) - ورجح الشافعي ﵁ رواية جابر على رواية رواة القرآن والتمتع بأن جابراً أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المَنَاسِك وأفعال النبي ﷺ من لَدُن خروجه من المدينة إلى أن تَحَلَّل. وأما قوله: (لو اسْتَقبَلتُ مِنْ أَمْرِي" الخبر فإنما ذكر تطييباً لقلوب أصْحَابه واعتذاراً إليهم، وتمام الخبر ما روى عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ إِحْرَاماً مُبْهماً وَكَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ بِأَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلهُ حَجّاً، وَمَن لَمْ يَسُقْ فَلْيَجْعَلْهُ عُمْرَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطَلْحَةُ قَد سَاقَا الْهَدْيَ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأمَرَهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ عُمْرَةً، وَيتَمَتِّعُوا، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِحْرَامَهُ حَجّاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمْ كَانُوا يعتَقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر، فالنبي ﷺ قال ذلك، وأظهر الرَّغْبَة في موافقتهم، لَوْ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيِ" (٥) فإن الموافقة الجَالِبة للقلوب أهم بالتَّحْصِيل من فَصِيلة وقربة، واتفق الأصْحَاب عَلى القولين، على أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 1448

- ﷺ كَانَ مُفْرِداً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ"، وحكى الإمام ﵀ عن ابْنِ سُرَيْج أنه كان متمتعاً ونقل عن بعض التصانيف شيئاً آخر في الفصْلِ واستبعده وهو أن الإفراد مُقَدَّمٌ على القرَان والتمتع جَزْماً، والقولان في التمتع والقران أيّهما أفضل؟ واعلم أن تقديم الإفراد على التمتع والقران مَشْرُوط بأن يعتمر في تلك السنة. أما لو أخر فكل واحد من التمتع والقران أَفْضَل منه؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه. وقوله في الكتاب: (وهو أن يأتي بالحجِّ مفرداً من ميقاته وبالعمرة مفردة من ميقاتها)، أراد من ميقاتها في حَقِّ الحَاضِرِ بمكة، ولا يلزمه العَوْدُ إلى ميقاتِ بلدِهِ، وفيما علق عن الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ أن أبا حَنِيفَةَ ﵀ يأمره بالعود ويوجب دَمَ الإِسَاءَةِ إن لم يَعُدْ، -والله أعلم-. ثم الإفراد لا ينحصر في الصورة بل يلتحق بها من صور تختلف شروط التمتع صوراً سينتهي إليها. قال الغزالي: (الثَّانِي) القِرَان وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعاً فَيَتّضحِدَ المِيقَاتُ وَالفِعْلُ (ح) وَتَنْدَرجَ العُمْرَةُ تَحْتَ الحَجِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ الحَجَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِناً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَغَا إدْخَالهُ، وَلَوْ أَدْخَلَ العُمْرَةَ عَلَى الحَجِّ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَتَغَيَّرُ الإحْرَامُ بَعْدَ انْعِقَادِهِ. قال الرافعي: الصورة الأصْلِيَّة للقران أن يحرم بالحَجِّ والعمرة معاً، فتندرج العمرةُ تحت الحَجِّ، ويتحد الميقاتُ والفِعْل، ويجوز أن يعلم قوله: (والفعل) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ يأتي بطوافيين وسعيين أحدهما لِلْحَجِّ والآخر للعُمْرَة. لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: "وَطَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيُكِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ" (١) وأيضاً فقد سلم الاكتفاء بإحرام وَاحِدٍ، وحلقِ وَاحِدٍ، فنقيس السَّعي والطَّواف عليهما، ثم في الفَصْلِ مسألتان: إحداهما: لو أحرم بالعُمْرَة أولاً ثم أدخل عليها الحَجِّ نظر إن أدخله عليها في غير أشهر الحج، لفي ولم يتغير إحرامه بالعمرة، وإن أَدْخَلَه عليها في أَشْهُر الحَجِّ نظر إن أحرم بالعمرة في غير أشْهُر الحَجِّ، فهذه الصورة قد ذكرها في الكتاب في أول البَابِ الثَّاني، وستجدها عند الوُصُولِ إليها مشروحة -إن شاء الله تَعَالى-.

стр. 1449

"وإن أحرم بالعُمْرَة في أُشْهُر الحَجِّ، وأدخل عليها الحَجَّ في أشهره، وهو المقصود في هذا المَوْضِع، فينظر إن لم يشرع في الطَّوَاف جَازَ وصار قَارناً؛ لأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَحْرَمَتْ بالْعُمْرَةِ لِمَّا خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَحَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ، وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحجِّ لَوْ أَخّضرَتهُ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكِ أَنُفِسَتِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، أُهِلِّي بِالْحجِّ وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بالُبَيْتِ وَطَوَافُكِ يَكْفَيكِ لِحَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ" (١) فأمرها ﷺ بإدخال الحَجِّ على العمرة؛ لتصير قارنةٌ حتى لا يفوتها الحَجُّ، فإذا طهرت طَافَتْ للنسكَيْنِ معاً وإن شرع في الطَّواف أو أتمه لم يجز إدْخَالُ الحَجِّ عليها ولم لا يجوز؟ ذكروا في تعليله أربعة معان: أحدها: أنه اشتغل بعمَلٍ من أعْمَالِ العُمْرَة، واتصل الإحرام بمقصوده، فيقع ذلك العملُ عن العمرةِ، ولا ينصرف بعده إلى القُرَان. والثاني: أنه أتى بفَرْضٍ من فُروضِ العُمْرَة، فإن الفرائض هِيَ المعينة، وما عداها لاَ يَضُرُّ انْصرافِها إلَى القران. والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العُمْرة، فإن الطَّواف هو المعظم في العُمْرةَ، فإذا وقع عن العمرة لم ينصرف إلى غَيْرِهَا. والرابع: أنه آخذ في التحلل في العُمْرَةِ، وحينئذ لاَ يَلِيقُ به إدخالُ إحرامٍ عليه؛ لأنه يقتضي قوة الإحرام وكماله، والمتحلل جَارٍ في نقصان الإحْرَام، وشبه الشيخ أبُو عَلِيٍّ ذلك بما لو ارتدت الرَّجْعِيَّةُ فراجَعَهَا الزَّوج في الرِّدَّة، فإن الشَّافعي ﵁ نُصَّ على أنه لا يجوز؛ لأن الرجعة استباحة فلا تصح، والمرأة جارية إلى تَحْرِيمٍ، وهذا المعنى الرابع هو الذي أورده أَبُو بَكْرٍ الفَارِسِيّ في "العيون" وحيث جوّزنا إدخالَ الحَجِّ على العُمْرَة، فذلك إذا كانت الْعُمَرةُ صحيحةً، فإن أفسدها ثم أدخل عليها الحَجِّ ففيه خلافٌ سَنُورِدُهُ من بعد إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: لو أحرم بالحَجِّ في وقته أولاً ثم أدخل عليه العمرة ففي جوازه قولان: القديم: وبه قال أبوحنيفة: أنه يجوز، كما يجوز إدخال الحَجِّ على العمرة، والجامع أنهما نسكان يجوز الجَمْعُ بينهما. والجديد: وبه قال أحمد ﵀: أنه لا يجوز؛ لأن الحَجِّ أقوى وآكِدٌ من

стр. 1450

العُمْرَة، لاختصاصه بالوقُوف والرَّمْي والمَبِيت، والضعيف لا يَدْخُلُ عَلَى القَويِّ وإن كان القويُّ يدخل على الضَّعِيف، ألا ترى أن فرَاش ملك النكاح لما كان أقوى من فراش مَلْك اليمين لاختصاصه بإفادة قوة حقوق نحو الطَّلاق، والظِّهار، والإِيلاَءِ، والمِيرَاث، لم يجز إدخال فراش ملك اليمين على فراش مِلْك النِّكَاحِ، حتى لو اشترى أختَ منكوحته لم يجز له وَطْؤُها، ويجوز إدخال فراش النكاحُ على فراش مِلْكِ اليمين، حتى لو نكح أختُ أمَتِهِ، أو أخت أُمِّ وَلَدِهِ حَلَّ له وطؤها، وأيضاً فإنه إذا أدخل الحَجِّ على العمرة زاد بإدخاله أشياءَ لم تكن عَلَيْهِ، وإذا أدخل العُمْرَة على الحَجِّ، لم يزد شيئاً على ما عليه، فلو جوزناه لأسقطنا العُمْرَة عنه بالدَّمِ وحده، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: (لأنه لم يتغير الإحرامُ به بعد انعقاده) فإن لم نجوز إدخال العمرة على الحَجِّ فذاك، وإن جوزناه فإلى متى تجوز؟ فيه وجوه مفرعة على المعاني الأربعة في المسألة السابقة: أحدها: أنه يجوز قَبْلَ طوافِ القُدُومِ، ولا يجوز بعد اشتغاله به؛ لإتيانه بَعَمَلٍ من أعمالِ الحَجِّ، وذكر في "التهذيب" أن هذا أصَح. والثاني: ويحكى عن الخضري: أنه يجوز بعد طَوَافِ القُدومِ مَا لَمْ يَسْع، وما لم يَأْتِ بفرضٍ من فُروضِ الحَجِّ، فإن اشتغل بشيء منها فَلاَ. والثالث: يجوز، وإن اشتغل بِفَرْضٍ ما لم يقف بعرفة، فإذا وَقَفَ فَلاَ، لأنه مُعْظَمُ أعمالِ الحَجِّ، وعلى هذا لو كان قد سَعَى فعليه إعادة السَّعي ليقع عن التسكين جميعاً، كذا قاله الشَّيْخُ في معظم الفروع. والرابع: يجوز وإن وقف ما لم يشتغل بِشَيْءٍ من أسباب التحلل من الرَّمْي وَغَيْرِه، فإن اشتغل فَلاَ، وعلى هذا لو كان قد سعى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وجوبُ إِعَادَتِهِ، وحكى الإمام فيه وجهين، وقال: المذهب أنه لا يجب، ويجب على القارن دَمٌ؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً وَنَحْنُ قَارِنَاتٌ" (١) ولأن: الدم واجب على المتمتع بِنَصِّ القُران، وأفعال المتمتع أكثر من أفعال القَارِن، فإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كَانَ أولى، وصفةٌ دَم القَرَانِ كَصِفَةِ دَمِ التَّمَتُّعِ، وكذا بدله، وعن مالكٍ أن على القارن بدنة، وحكى الحنَّاطِيُّ عن القديم مثله. لنا أن المتمتع أكثر ترفيهاً، لاستمتاعه بمحظورات الإحْرَام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن كان أولى، -والله أعلم-.

стр. 1451

قال الغزالي: الثَّالِثُ: التَّمَتّعُ وَهُوَ أَنْ يُفْرِدَ العُمْرَةَ ثمَّ الْحَجَّ وَلَكِن يَتَّحِدُ المِيقَاتُ إِذَا تَحَرَّمَ بالحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فإِنْ الحَاضِرَ مِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّة فلاَ يَكُونُ قَدْ رَبِحَ مِيقَاتًا، وَكُلُّ مَنْ مَسْكنُهُ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ حَوَالَيْ مَكَّةَ فَهُوَ مِنَ الحَاضِرِينَ، وَالآفَّاقِيُّ إِذَا جَاوَزَ المِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسكْاً فكمَا دَخَلَ مَكَّة اعْتَمَر ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتعاً إِذْ صَارَ مِنَ الحَاضِرِينَ، إذْ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ الإِقَامَة، الثَّاني أَنْ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحَجِّ فَلَوْ تَقَدَّمَ تَحَلَّلَهَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعاً إِذْ لَمْ يَزْحَم الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظَنَتِهِ، وَلَو تَقَدَّمَ إِحْرَامُهَا دُونَ التَّحَلُّلِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإذَا لَمْ يَكُن مُتَمَتِّعاً فَفِي لُزُومِ دَمِ الإسَاءَة لِأَجْلِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بالحَجِّ مِنْ مَكَّة لاَ مِن المِيقَاتِ وَجْهَانِ، الثَّالِثُ: أَنْ يَقَعَ الحَجُّ وَالعُمْرَةُ في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، الرَّابعُ: أَنْ لاَ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِ الحَجِّ فَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ كَانَ مُفْرِدًا، وَلَوْ عَادَ إلَى مِيقَاتٍ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ المِيقَاتِ فَوَجْهَانِ، الخامِسُ: أَنْ يَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلَوِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ فَلاَ يُمْنَعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهِيْنِ، السَّادِسُ: نِيَّةُ التَّمَتُّع عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ تَشْبِيهًا لَهُ بالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتيْنِ، والأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كمَّا في القِرَانِ. قال الرافعي: التمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقاتِ بَلَدِهِ، وَيدْخُلُ مكة ويأتي بأعمالِ العُمْرَة، ثم ينشئ الحَجَّ من مكة، وسمي تمتعاً لاستمتاعه بمحضورات الإحرام بينهما، أو تمكنه من الاستمتاع لحصول التحلل. وعند أبي حنيفة ﵀ إن كان قد سَاقَ الهَدْيَ لم يتحلل بفراغه من العُمْرةَ، بل يحرم بالحج فإذا فرغ منه حَلَّ منهما جميعاً، وإن لم يَسُق الهَدْى تحلل عند فراغِهِ من العُمْرةَ. لنا أنه متمتع ما أكمل أفعال عمرته فأشبه، ما إذا لَمْ يُسُقِ الهَدْيَ. وقوله: (أن يفرد العمرة ثم الحج) فيه إشارة إلى أن أفعالهما لا تتداخل، بل يأتي بهما على الكَمَالِ، بخلاف ما في القَرَان. وقوله: (لكن يتحد الميقات إذ يحرم بالحج من جوف مَكَّة)، معناه: إنه يالتمتع من العُمْرَة إلى الحج يربح ميقاتاً، لأنه لَوْ أحرم من ميقات بَلَدِهِ لكان يحتاج بعد فراغه من الحَجِّ إلى أن يخرج من أدنى الحلِّ، فيحرم بالعُمْرَة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخُروج؛ لأنه يُحْرِمُ بالحجِّ من جَوْفِ مَكَّةَ، فكان رابحاً أحد الميقاتين. ويجب على المتمتع دَمٌ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.

стр. 1452

وإنما تجب بشروط: أحدها: ألا يكون من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) والمعنى فيه: أن الحاضر بمكة ميقاته لِلْحَجِّ نفس مكة، فلا يكون بصورة التمتع رابحاً ميقاتاً، وكل من مسكنه دون مسافة القصر فهو من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام، فإن زادت المسافة فَلاَ، وبه قال أحمد، وعند أبي حنيفة ﵀ حاضرو المَسْجِدَ أَهْلُ المَوَاقِيتِ والحَرَمِ وما بينهما. وقال مالك: هم أهْلُ مَكَّة وذي طُوَى، وربما روي عنه أنهم أهل الحَرَمِ. لنا أن من قرب من الشَّيْءِ ودنا منه كان حاضراً إيَّاه، يقال: حضر فلانٌ فلاناً إذا دنا منه، ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مَكَّة، ولهذا لا يجوز للخارج إليه الترخص بالفِطْرِ والقَصْرِ ونحوهما، على أن في مذهب أبي حنيفة بُعْداً فإنه يؤدي إلى إخْرَاج القَرِيب من الحَاضِرِين، وإدخال البعيد فيهم؛ لتفاوت مسَافَاتِ المَوَاقِيت، ثم المسافة التي ذكَرْناها مَرْعِيَّةٌ مِنْ نَفْسِ مَكَّة أو من الحرم؟ حكى إبْرَاهِيمُ المرووزي فيه وجهين: والثاني هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين، ويَدُلُّ عليه أن المَسْجِدَ الحرام عبارة عن جَمِيع الحَرَمِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) ولو كان له مسَكنان: أحدهما: في حد القُرْب من الحرم والآخر في حَدِّ البُعْدِ، فإن كان مقامه بالبعيد أكثر فهو آفاقي، وإن كان بالقرَيب أكثر فهو من الحَاضِرِين، وإن استوى مقامه بهما نظر إلى ماله وأهله فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، وإن استويا في ذلك أيضاً اعتبر حاله بِعَزْمِهِ، فأيهما عزم على الرُّجُوعِ إليه فَهُوَ من أهْلِهِ، فإن لم يكن لَهُ عَزْمٌ فالاعتبار بالذي خرج منه. ولو استوطن غريب بمكة فهو من الحاضرين، ولو استوطن مَكِيُّ بالعِرَاقِ فليس له حُكْمُ الحَاضِرِين، والاعتبار بما آل إليه الأمْرُ. ولو قصد الغريب مكة ودخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد الفراغ من النسكين، أو مِنَ العُمْرَةِ أو نوى الإقامة بها بعد ما اعتمر لم يكن من الحَاضِرِين، وَلم يسقط عنه دَمُ التمتعَ فَإِنَّ الإقامة لا تحصل بمجرد النِّية، وذكر حجة الإسلام ﵀ في هذا الشَّرْطِ صورة هي من مواضع التوقف، ولم أجدها لِغَيْرِهِ بَعْدَ البَحْثِ، وهي أنه قال: (والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعاً إذ صار من الحَاضِرين، إذ ليس يشترط فيه قَصْدُ الإقامة) وهذه الصورة متعلقة أولاً

стр. 1453

بالخلاف في أن من قَصَدَ مكةَ هل يلزمه الإِحْرَام بِحَجٍّ أو عمرة أم لا؟ ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة مما تنازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نَصِّه في "الإملاء" والقديم، فإنه ظَاهِرٌ في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان، -والله أعلم-. وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين: في سورة تُدَانِي هذه وهي أنه: لو جاوز الغَرِيبُ الميقاتَ وهو لا يريدُ نسكًا ولا دخولَ الحَرَمِ، ثم بَدَا له قريباَ من مَكَّة أن يَعْتَمِرَ فاعتمر منه وحَجَّ بعدها على سورة التمتع هل يلزمه الدَّم. أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحْرَامَ وهو على مسافة بعيدة، وحين خطر له ذلك كان على مَسَافة الحَاضِرِين. وأصحهما: يلزم؛ لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحَاضِرِين، فذكر في "الوسيط" في توجيه هذا الوجه أن اسم الحاضرين لا يتناوله إلا إذا كان في نفس مكة أو كان متوطناً حَوْلَهَا، فلم يعتبر التوطن فيمن هو بمكة واعتبره فيمن هو حَوَاليها، والنفس لا تنقاد لِهَذا الفَرْق، ثم كما لا يَجِب الدَّمُ على المَكِّي إذا أتى بصورة التمتع لا يجب عليه إذا قَرَن وبأن الأصل دَم التمتع المنصوص عليه في الكتاب، فإذا لم يجب ذلك على المَكِّي لم يجب دم القَرَان، وروى الحَنَّاطِيُّ وجهاً أن عليه دَمُ القَرَانِ، ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مبنياً على وجهين نقلهما صاحب "العدة" في أن دَمُ القَرَانِ دَمُ جَبْرٍ أَوْ دَمُ نُسُكٍ، والمشهور أنه دَمُ جَبْرٍ، وهل يجب على المَكِّي إذا قَرَن إِنْشَاءُ الإحْرَامِ من أدنى الحِل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مَكَّة إدراجاً للعمرةَ تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني: ويجريان في الافاقي إذا كان بمكة وأراد القرآن. الشرط الثاني: أن يحرم بالعمرة في أَشْهُرِ الحَجِّ فلو أحرم وَفَرَعَ مِنْ أَعْمَالِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ ثم حج لم يلزمه الدم؛ لأنه يجمع بين الحَجِّ والعمرة في وَقْتِ الحَجِّ، فأشبه المفرد لمَّا لَمْ يجمع بينهما لم يلزمه دم، وقد ذَكَرَ الأئمة أن دَمَ التَّمَتُّعِ مَنُوطٌ مِنْ جهة المعنى بأمرين: أحدهما: ربح ميقات كَمَا سَبَقَ. والثاني: وقوع العُمْرةَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، وكانوا لا يزحمون الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظنته ووقت إمكانه، ويستنكرون ذلك، فورد التمتع رخصةٍ وتخفيفاً، إذ الغريب قد يرد قبل عَرَفَةَ بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام لو أحرم من الميقات، ولا سبيل إلى مجاوزته، فجوز له أن يعتمر ويتحلل. ولو أحرم بها قبل أشْهُرِ الحَجِّ، وأتى بجميع أفْعَالِهَا في أشْهُرِهِ، ففيه قولان:

стр. 1454

أحدهما: يلزمُه الدَّمُ، قال في القديم "والإملاء": لأنه حصلت المُزَاحمة في الأفعال وهي المقصودة والإحرام كالتمهيد لها. وأصحهما: لا يلزمه قاله في "الأم" وبه قاله أحمد ﵀ بأنه لم يجمع بين النسكين في أَشْهُرِ الحَجِّ؛ لتقدم أحَدِ أركانِ العُمْرَةِ عَلَيْهَا، وعن. ابنِ سُرَيْجٍ ﵀ أن النصين محمولان على حالين، وليست المسألة على قولين، إن أقام بالميقات بعد إحرامه بالعمرة حتى دخل أشهر الحج أو عاد إليه مُحْرِماً بها في الأشهر لَزِمَهُ الدَّمُ، وإن جاوزه قَبْلَ الأشهر ولم يعد إليه لم يلزمه، والفرق حصوله بالميقاتِ محرماً في الأَشْهُرِ مع التمكن من الإحْرَام بالحَجِّ، وإن سبق الأحرامُ مَع بعضِ الأعمال أشهر الحج فالخلاف فيه مُرَتَّبٌ، إن لم نوجب الدم إذا سَبَقَ الإحرامُ وحده فهاهنا أولى. أوجبناه فوجهان، والظاهر: أنه لا يَجِب أيضاً. وعن مالك ﵀ أنه مهما حَصَل التحلل في أشهر الحَجِّ وجب الدم، وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أَفْعَالِ العُمْرَة في الأَشْهُرِ كان متمتعاً، وإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصورة، ففي وجوب دم الإسَاءة وجهان: أحدهما: يجب، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ لأنه أحرم بالحج من مَكَّة دون الميقات. وأصحهما: لا يجب؛ لأن المسيء من ينتهي إلى الميقات على قَصْد النُّسك، ويجاوزه غير محرم، وهاهنا قد أحرم بنسك وحافظ على حرمة البقعة. وقوله في الكتاب: (ولو تقدم إِحْرَامُهَا دون التحلل) يمكن تنزيله على تقدم مجرد الإحرام. وقوله: (دون التحلل) أي: دون الأعمال إذ التحلل بها يحصل، ويمكن تنزيله على ما تشترك فيه هذه الصّورة وصورة تقدُّمِ بَعْضِ الأعمال، وعلى التقديرين فتفسير الخلاف الذي أبهمه بين ما ذكرنا والإمام ﵀ أورد بدل القولين وجهين، وهو خلاف رواية الجمهور. ويجوز إعلام لفظ (الخلاف) بالواو لما مَرَّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ. الثالث: أن يقع الحَجُّ والعمرةُ في سَنَةٍ واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حَجَّ؛ أو رجع وعاد؛ لأن الدم إِنَّمَا يَجِب إِذَا زاحم بالعُمْرَةِ حُجَّتَهُ في وَقْتِها، وترك الإحرام بحجته من الميقات مع حصوله بها في وقت الإمكان ولم يوجد وقد روي عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قال: "كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ فَإذَا لَمْ يَحُجُّوا فِي عَامِهِمْ ذَلكَ لَمْ يُهْدُوا" (١).

стр. 1455

ويمكن رد هذا الشرط والشرط الثاني إلى شَيْءٍ وَاحِدٍ وهو وقوع العمرة في أشهر الحَجِّ التي حَجَّ فيها. والرابع: ألا يعود إلى الميقات كما إذا أحرم بالحَجِّ من جَوْفِ مَكَّة واستمر عليه، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحَجِّ فلا دم عليه؛ لأنه لم يَرْبَح مِيقاتاً، ولو رجع إلى مثل مَسَافَةِ ذَلِكَ المِيقَاتِ وأحرم منه فكذلك لا دم عليه؛ لأن المقصودَ قَطْعُ تِلْكَ المَسَافَة مُحْرماً. ذكره الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه، ولو أحرم من جَوْفِ مَكَّة ثم عَادَ إِلَى الميقات مُحْرِماً ففي سقوط الدَّمِ مِثلِ الخِلاَفِ المَذْكُورِ فيما إذا جاوز الميقات غير محرم وعاد إليه مُحْرِما، ولو عاد إلى مِيقَاتٍ أقرب إلى مكَّة من ذلك الميقات وأحرم منه كما إذا كان ميقاته الجُحْفَةَ فعاد إلى ذَاتِ عِرْقٍ، فهل هو كالعَوْدِ إلى ذلك الميقات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وعليه الدَّم، إذ لم يَعُدْ إلى ميقاته، ولا إلى مثل مسافته. والثاني: نعم؛ لأنه أَحْرَم مِنْ مَوْضِع ليس ساكنوه من حَاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ، وهذا هو المَحْكِيّ عن اخْتِيَارِ القَفَّالِ والمعتبرين، أبدوه بأن دم التمتع خارج عن القِيَاس لإحيائه كل ميقات بُنُسُكٍ فإذا أحرم بالحَجِّ من مسافة القَصْرِ بطل تمتعه وترفهه، فلا يقدح إيجابُ الدَّمِ عليه بِحَالٍ، ولو دخل القارنُ مَكَّةَ قبل يَوْمِ عرفة ثم عاد إلى المِيقَات للحَجِّ هَل يَلْزَمُهُ الدَّمُ؟ ذكر الإمام ﵀ أنه مرتب على المتمتع إذا أحرم ثم عاد إليه إن لم يَسْقُط الدم ثُمَّ فهاهنا أولى، وإن أسقطنا فوجهان، والفرق أن اسم القَرَانِ لا يزول بالعود إلى الميقات بخلاف التمتع. قال الحَنَّاطِيُّ: والأصح أنه لا يَجِب أيضاً، وقد نَصَّ على في "الإملاء". وقوله في الكتاب: (أن لا يعود إلى ميقات الحج) أراد إلى الميقات لِلْحَجِّ، وإلا فلا يحسن حَمْلُه على مُطْلَقِ الحَجِّ فإن المواقيتَ لا اخْتِصَاصَ لها، بالحَجِّ، بل هي للنسكين سَوَاء، ولا على حجة خاصة فإنه ميقات عمرة المتمتع لا ميقات حجة. وقوله: (كان مُفْرِداً) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ لا يكون مفرداً، ولا يسقط عنه دم التمتع حتى يعود إلى بلده ويلم بأهله. الخامس: اختلفوا في أنه هَلْ يشترط وقوع النسكين عن شَخْصٍ واحدٍ أم لا؟ فعن الخُضَرِي: أنه يشترط كما يشترط وقوعهما في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وقال الجُمْهُورُ: لا يشترط لأن زحمة الحَجِّ وترك الميقات لا يختلف. إذا عرفت ذلك فهذا الأمر المختلف في اشتراطه يفرض فواته في ثلاثِ صُوَر: أحدها: أن يكون أجيراً مِنْ قِبَلِ شَخْصَيْنِ استأجره أحدهما للحَجِّ والآخر للعمرة.

стр. 1456

والثانية: أن يكون أجيراً للعمرة فيعتمر للمستأجر ثم يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ. والثالثة: أن يكون أجيراً للحجِّ فيعتمر لنفسه، ثم يحج عن المستأجر، وهذه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب، وقد ذكرها في صَدْرِ الحَالَةِ الثانية من أحوالِ الأَجِيرِ قبل هذا البيان حكمها فيما يتعلق باحتساب المسافة وحَطِّ الأجرة. فإن قلنا بمذهب الجمهور فقد ذكروا أن نِصْفَ دَمِ التمتع على من يقع له الحَجِّ، ونصفه على من تقع له العُمْرَة، وليس هذا الكلام على هذا الإِطْلاَق، بل هو محمول على تَفْصِيل ذكره صاحب "التهذيب" ﵀. أما في الصورة الأولى فقد قال: إن أذنا في التمتع فالدم عليهما نِصْفَان، وإن لم يأذنا فَهُوَ على الأَجِير، وعلى قياسه إن أذن أحدهما دُونَ الآخر، فالنِّصْفُ على الآذن والنصف على الأَجِيرِ، وأما في الصورتين الآخرتين فقد قال: إن أذن له المستأجر في التمتع بالدَّمِ عليهما نصفان، إلا فَالْكُلُّ على الأَجِيرِ ولننتبه هَاهُنَا لِأُمُورٍ: أحدها: إيجاب الدَّمِ على المُسْتَأْجِرَيْنِ أو أحدهما، مفرع على الأَصَحِّ في أن دَمَ القَرَانِ والتمتع على المُسْتَأجر، وإلا فهو على الأجير بكل حالٍ. الثاني: إذا لم يأذن المستأجِرَيْنِ أو أحدهما في الصورة الأولى، أو المستأجر في الصورة الثالثة وكان ميقات البلدِ معيناً في الإجازة أو نزلنا المطلق عليه، فلزمه مع دم التمتع دَمُ الإِسَاءَةِ لمن جاوز ميقات نسكه. والثالث: إذا أوجبنا الدَّمَ على المُسْتَأجِرَيْنِ، فلو كانا مُعْسِرَيْنِ فعلى كُلُّ وَاحِدٍ منهما خَمْسَةُ أَيَّامٍ، لكن صوم التمتع بعضه في الحَجِّ وبعضه بعد الرُّجوع، وهما لم يباشرَا حَجاً، فعلى قياس ما ذكره صاحب "التهذيب" تفريعاً على قولنا: إن دم القَرَان والتمتع على المُسْتَأجِرِ يكون الصَّوْمُ على الأَجِيرِ، على قياس ما ذكره صَاحِب "التتمة" ثم هو كما لو عجز المتمتع عن الصَّوْمِ والهَدْي جميعاً، ويجوز أن يكون الحكم على ما سيأتي في التمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي؟ فإذا أوجبنا التفريق أَفْضَى تفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسَّبْعَة إلى تبعيض القسمين فيكملان ويصوم كل واحد منهما ستة أيام، وقِسْ على هذا ما أوجبنا الدم في الصورتين الآخيرتين على الأجير والمُسْتَأْجِرِ، وإن فرعنا على الوجه المعزى إلى الخُضَرِي فإذا اعتمر عن المستأجر ثم حج عن نفسه ففي كونه مسيئاً الخلافُ الَّذِي مَرَّ فيهما إذا اعتمر قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مكة، لكن الأصح هَاهُنَا أنه مُسِيئٌ لإمكان الإحْرَامِ بالحَجِّ حِينَ حَضَرَ المِيقَات. قال الإمام: فإن لم يلزمه الدَّم، ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فوات فَضِيلَةِ التمتع على قولنا: أنه أفضل من الإفراد، وإن ألزمناه الدَّم فله أثران، هذا أحدهما:

стр. 1457

والثاني: أن المتمتع لا يجب عليه العود إلى الميقات، وإذا عاد وأحرم منه سقط عنه الدَّمُ بِلاَ خِلاَف، والمسيء يلزمه العَوْدُ ففي سقوط الدم عنه خلاف، وأيضاً فإن الدَّمين يتفاوتان في البدل. السادس: في اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: لا يشترط كما لا تشترط نية القران، وهذا لأن الدَّمَ مَنُوطٌ بِزَحْمَةِ الحَجِّ، وَرِبْحِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وذلك لا يختلف بالنية وعَدَمِهَا. والثاني: يشترط لأنه جمع بين عبادتين في وقت إِحْدَاهُما، فأشبه الجمع بين الصَّلاتَيْنِ، لكن الفرق ظَاهِر، فإن أشْهُرَ الحَجِّ كما هي وقت الحَجِّ فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصَّلاة، فإن قلنا باشتراطها ففي وقتها ثلاثة أوجه مأخوذة من الخِلاَف في وقت نية الجَمْعّة بَيْنَ الصلاتين: أحدها: أن وقتها حالة الإحرام بالعُمْرَة. والثاني: ما لم يفرغ من العُمْرَة. والثالث: ما لم يشرع في الحَجِّ. قال الإمام ﵀ واعتبار ما نحن فيه بنية الجمع بين الصَّلاتين في نِهَايَةِ الضَّعْفِ، لكن لو قيل: إنما يلزم الدَّم إذا كان على قَصْدِ الحَجِّ عند الانتهاء إلى الميقات وأتى بالعمرة فإنه قَدِم أدنى النسكين من أطول المِيقَاتَيْن، أما إذا لم يكن على قصد الحَجِّ أو كان على قَصْدِ الاقتصار على العُمْرة ثم اتفق الحَجِّ فلا دم عليه قياساً على من جاوز الميقات، لا على قصد النّسك، لكان هذا قريباً من مأخذ المناسك، -والله أعلم-. فهذا شَرْح الشُّروط المذكورة في الكتاب وورائها شرطان: أحدهما: أن يحرَم بالعمرة مِنَ المِيقَاتِ، فلو جاوزه مريداً للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليسَ عليه دَمُ التَّمتُّعِ، ولكن يلزمه دَمُ الإِسَاءَةِ، وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكَّة دون مسافة القصر فإن بقيت مسافه القصر، فعليه الدَّمانِ مَعًا. والثاني: حكى ابْنُ خَيْرَانَ اشتراط وقوع النسكين في شهرٍ واحد، وأباه عامة الأصحاب. واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدَّمِ لا محالة على ما فيها من الوِفَاقِ والخلاف، وهل هي معتبرة في نفس التمتع؟ منهم: من يطلق اعتبارها بعينها، حتى إذا انخرم شَرْطٌ مِنَ كانت الصورةُ صورةَ الإفْرَادِ، وعلى هذا قال في مَوَاضِعَ من الفَصْل: لم يكن متمتعاً، وهو ظاهر قوله في

стр. 1458

أوله: (وله ستة شروط) ومنهم من لا يعتبرها في نفس التمتع وهذا أشهر، ولذلك رسموا صِحَّةَ التمتع من المَكِّي مسألة خلافية، فقالوا: يَصِحَّ عِنْدَنَا التمتع والقران من المَكِّي، وبه قال مالك ﵀. وعند أبي حنيفة ﵀ لا يَصِح منه قران ولا تمتع، وإذا أحرم بهما ارتفضت عمرته، وإن أحرم بالحَجِّ بعدما أتى بِشَوْطٍ من الطواف للعمرة ارتفض حَجّه في قول أبي حنيفة، وعمرته في قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، وإن أحرم به بعدما أتى بأكثر الطواف مضى فيهما وأراق دماً. قال الغزالي: وَإِذَا وُجِدَتِ الشَّرَاِئطُ فَمَكَّةُ مِيقَاتُ المُتَمَتِّعِ كَمَا أَنَّها مِيقَاتُ المَكْيِّ، فَلَوْ جَاوَزَهَا فِي الإِحْرَامِ لَزِمَهُ دَمُ الإسَاءَةِ مَعَ عَدَمِ التَّمَتُّعِ. قال الرافعي: إذا اعتمر ولم يرد العود إلى الميقات فعليه أن يحرم من مَكَّة "أمَرَ النَّبيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ ﵃ أن يُحْرَمُوا مِنْ مَكَّةَ، وَكَانُوا مُتَمَتِعينِ" (١) وهي في حَقه كهي في حق المَكي، والكلام في الموضع الذي هو أولى لإحرامه، وفيما إذا خالف وأحرم خَارجَ مكة، إما في حد الحرم أو بعد مجاوزته إذ لم يعد إلى الميقات ولا إلى مساقته على ما ذكرنا في المكي، وإذا اقتضى الحال وجوب دم الإساءة لزم مضموماً إلى دَمَ التَّمتع. واعترض صَاحِبُ الشَّامِلِ عليه فقال: دم التَّمَتُّعِ لا يجب إلا لِتَرْكِ المِيقَاتِ، فكيف يجب لذلك دم آخر. أجابوا عنه: بأنا لا نسلم أنه يَجِبْ لهَذَا القدر بل يجب لربح أَحَدِ المِيقَاتَيْنِ، وزحمة الحَجِّ بالعمرة على مَا مَرَّ، ويدل على تغاير سببهما تغايرهما في كيفية البَدَلِ، وبتقدير أن لا يجب دم التمتع إلا لتَرْكِ الميقات فإنما يَجِب ذلك لتركه الإحرام من ميقات بلده، وهذا الدم إنما يجب لتركه الإحرام مما صار مِيقاتاً له ثانياً وهو مكة. وقوله في الكتاب: (فلو جاوزها في الإحرام لزمه دم الإساءة) مطلق لكن المراد منه ما إذا لم يعد إلى المِيقَات، ولا إلى مسافته على ما تبين من قبل، ووجوب دم التمتع والحالة هذه يبين أن الشرط في التمتع أن لا يعود إلى الميقات لإِحْرَام الحَجِّ، لا أن يحرم من مكة ومن قال الشرط أن يحرم من مَكَّة فهو غالط في العبارة. قال الغزالي: وَإِنَّمَا يَجِب دَمُ التَمَتُّعِ بِإحْرَامِ الحَجِّ، وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ بَعْدَ العُمْرَةِ

стр. 1459

عَلَى الحَجِّ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ لِلتَّرَدُّد فِي تَشْبِيهِ العُمْرَةِ بِاليَمِينِ مَعَ الحِنْثِ فَإنَّهُ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ. قال الرافعي: لما فرغ من القول في تصوير التمتع والشَّرائط المرعية فيه، أراد أن يتكلم في وَقْتِ وجوب الدَّم، وفي بدله وما يتعلق بهما، والمتمتع يَلْزُمُهُ دَمْ شَاةٍ إذا وجب، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). وصفته صِفَة شَاةِ الأضْحِيَةِ، ويقوم مقامه السُّبُعُ مِنَ البَدَنَةِ والبَقَرَةِ، ووقت وجوبه الإحرام بالحَجِّ، وبه قال أبُو حَنِيفة ﵀؛ لأنه حينئذٍ يصير متمتعاً بالعُمْرة إلى الحَجِّ. وعن مالك ﵁: أنه لا يجب حتى يرمي جَمرَةَ العَقَبَةِ فيتم الحَجَّ، وإذا وَجَبَ جاز إراقته، ولم يتأقت بوقتٍ كسائر دِمَاءِ الجبرانات إلا أن الأفضل إراقته يوم النحر. وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏: لا يجوز إراقته إلاَّ يَومَ النَّحْرِ، وهل يجوز إراقته قَبْلَ الإحْرَامِ وبعد التَّحَلُّلِ مِنَ العُمْرةِ؟ فيه قولان، وقيل: وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز الصَّوْمُ في هذه الحالة، وهذا لأن الهدي يتعلق به عمل البدن، وهي تفرقة اللَّحْمِ، والعبادات البدنية لا تقدم على وقت وجوبها. وأصحها: الجواز؛ لأنه حَقٌّ مَالي تعلق بسببين وهما: الفراغ من العمرة والشروع في الحج، فماذا وجد أحدهما جاز إِخْرَاجُهُ كَالزَّكَاةِ والكَفَّارَةِ. وقوله: (للتردد في تشبيه العمرة باليمين مع الحنث بها أحد السببين. معناه: أن أحد القولين مُوَجَّهٌ بتشبيه الفَرَاغِ من العُمْرَةِ، والشّروع في الحَجِّ باليمين مع الحنث، ومن نصر القول الثاني ينازع في هذا التشبيه، ويقول: الكفارة متعلقة باليمين منسوبة إليها، والدم ليس متعلقاً بالعُمْرَة وإنما هو متعلق بالتَّمَتُّعِ مِنَ العُسْرَة إلى الحَجِّ، وهو خَصْلَة واحدة، فإن فرعنا على جَوَازِ التقدم على الإحْرَامِ بالْحَج، فهل يجوز التقديم على التَّحَلُّلِ من العمرة؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن العُمْرة أحد السببين فلا بد من تمامه كما لا بد من تمام النِّصَاب في تعجيل الزَّكَاةِ، ومنهم من قطع بهذا ونَفَى الخلاف، ولا خلاف في أنه لا يجوز اَلتقديم على الشُّروعِ فِي العُمْرَة. قال الغزالي: وَأَمَّا المُعْسِرُ فَعَلَيهِ صِيَامُ عَشَرَةٍ أَيَّامٍ، ثَلاَثةٌ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الإحْرَامِ وَقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلاَ تُقَدَّمُ (ح) عَلَى الحَجِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلاَ يَجُوزُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

стр. 1460

عَلَى الجَدِبدِ، وَإذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَارَ فَائِتًا وَلَزِمَ القَضَاء (ح)، وَأَمَّا السَّبْعَةُ فَأوَّلُ وَقْتِهَا بِالرُّجُوعِ إلَى الوَطَنِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الطَّرِيقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: المُرَادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ: الْفَرَاغُ عن الحج. قال الرافعي: قوله: (وأما المعسر): ربما يوهم أن الصَّوْمَ إنما يعدل إليه المتمتع إذا لم يملك الهدي ولا ما يشتريه به، وليس كذلك، بل له العدول إلى الصَّوْم وإن قدر على الهَدْي في بلده إذا عجز عنه في موضعه، لأن في بدله وهو الصوم تأقيتاً بكونه في الحَجِّ، فلا نظر إلى غير موضعه بخلاف الكفارات فإنه يعتبر فيها العَدَم المطلق إذ لا تأقيت فيها. إذا عرفت ذلك فإن المتمتع العَادِمَ للهدي يلزمه صَوْمُ عَشْرَةِ أيامٍ بِنَصِّ القُرْآنِ، ويجعلها قسمين: ثلاثةً وسبعاً. أما الثَّلاثة فيصومها في الحَجِّ، ولا يجوز تقديمها على الإحْرَام بالحَجِّ؛ خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز بعد الإحْرَامِ بالعُمْرَةِ، ولأحمد حيث قال: في رواية بقول أبِي حَنيفَة، وقال في رواية: يجوز بَعْدَ التَّحَلُّلِ من العمرة. لنا أن الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بدنية فلا تقدم عَلَى وَقْتِهَا كالصَّلاَةِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ الوَاجِبَةِ، ولا يجوز أن يَصُومَ شَيْئاً مِنْهَا في يَوْمِ النَّحْرِ، وفي جواز إيقاعها في أيَّامِ التشريق قولان قدمنا ذكرهما في كِتَابِ الصَّوْمِ، والمَستحب أن يَصُومَ الأيام الثَلاثة قَبْلَ يَوْم عَرَفَة، فإن الأحَبَّ لِلْحَاجِّ يوم عرفة أن يكون مفطراً على ما مَرَّ، وإنما يمكنه ذلك إذا تَقَدَّمَ إِحْرَامُه بِالْحَجِّ، بحيث يقع بين إحرامه ويوم عرفة ثلاثة أيام، قال الأصحاب ﵏ وهذا هو المستحب للمتمتع الذي هو من أهْلِ الصَّوْمِ يحرم قبل اليوم السادس من ذِي الحَجَّةِ، ليصوم الثَّلاثة ويفطر يَوْمَ عَرَفَةَ، ونقل الحَنَّاطِيُّ عن شَرْحِ أَبِي إسْحَاق وَجْهاً أنه إذَا لَمْ يؤمل هَدْياً يجب عليه تقديم الإحْرَامِ، بحيث يمكنه صَوْمُ الَأيام الثَّلاثَةَ قَبْلِ النَّحْرِ، وأما الوَاجِدُ للهَدْيِ فالمستحب له أن يَصُومَ يوم التَّرْوِيَةِ بعد الزوال متوجهاً إلى مِنًى؛ لما روي عن جابر ﵁: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ" (١). فإذا فاته صَوْمُ الأيام الثَّلاثة فِي الحَجِّ لزمه القضاءُ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "يسقط الصوم ويستقر الهدي عليه" وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق -رحمهما الله- تخريج قول مثله، والمذهب الأول؛ لأنه صَوْمٌ واجبٌ فلَا يسقط لفوات وَقْتِهِ كَصَوْمِ رَمَضان، وإذا قضاها لم يلزمه دَمٌ خِلافًا لأحمد ﵀.

стр. 1461

وأما السبعة فهي مقيدة بالرجوع، قال الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) وما المراد من الرُّجُوعِ؟ فيه قولان: أصحهما: وهو نصه في "المختصر" وحرملة؛ أن المراد منه الرجوع إلى الأَهْلِ والوَطَنِ؛ لما روي أنه ﷺ قال للمتمتعين: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهْدِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" (٢). وعن ابْنِ عباس ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "ثَلاثَةٌ فِي أيَّامِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ" (٣). والثاني: أن المراد منه الفَرَاغ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-؛ لأن قوله: "وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ" مسبوق بقوله: "ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ" فينصرف إليه، وكأنه بالفراغ رَجَعَ عمَّا كَانَ مُقْبلاً عَلَيْهِ مِنَ الأَعْمَالِ. فإن قلنا بالأول فلو تَوَطَّنَ مَكَّة بعد فَرَاغِهِ مِنَ الحَجِّ صَامَ بِهَا، وإنَ لم يتوطنها لَمْ يَجُزْ صَومُه بِهَا، وهل يجوز في الطَّرِيق إذا توجه وطنه روى الصَّيْدَلانِيُّ وغَيْرُهُ فيه وجهين: أحدهما: نعم؛ لأن ابْتِدَاء السَّيْرِ أول الرّجوع. وأصحهما: لا؛ لأنه تَقْدِيم العِبَادة البَدَنِيَّةِ عَلَى وَقْتِهَا، وبهذا قَطَعَ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ تفريعاً على القول الأصح، وجعلوا الوَجْهَ الأول قولاً برأسه حملاً للرجوع في الآية على الانصراف من مكَّة، والوجه ما فعلوه، فإنا إذا جَوَّزنَا الصومَ في الطريق فقد تركنا التوقيت بالعَوْدِ إِلَى الوَطَنِ، وإذا فرعنا على أن المراد الفراغ من الحَجِّ والانصراف من مكّة فلو آخره حتى يرجع إلى وَطَنِهِ جَازَ، وهل هو أَفْضَلُ أم التقديم أفضل مبادرة إلى العبادة؟ حكى العِرَاقِيونَ فيه قولين: أصحهما: وبه قال مالك: أن التأخير أفضل تحرزاً عَنِ الخِلاَف، وسواء قلنا: إن الرجوعَ هو الرجوعُ إلى الوطن، أو الفراغ من الحَجِّ، فلو أراد أن يوقع بعض الأيام السَّبْعَة في أيام التشريق لمْ يَجُز، وإن حكمنا بأنها قَابلَةٌ لِلصَّوْمِ، أما على القول الأول فَظَاهِرٌ، وأما عَلَى الثاني فلأنه يُعَدُّ فِي أَشْغَالِ الحَجِّ وَأن حَصَل التحلل، ونقل بعضُهم عن الشَّافعي ﵁: أن المرادَ من الرّجوع هو الرَّجوع من مِنَى إلى مكَّة، والإمام وصاحب الكتاب عدا هذا قولاً وراء قَولِ الرجوع إلى الوَطَنِ، وقول الفراغ من الحَجِّ، لكن قضية كلام كثير من الأئمة أنه وقول الفَرَاغِ مِنَ الحَجِّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وأن

стр. 1462

الغرض منه بيان ما ينزل عليه لفظ الرجوع في الآية وهو الأشبه، وبتقدير أن يكون قولاً برأسه فعلى ذلك القول لو رجع من مِنَى إلى مكَّة صَحَّ صومه وإن تأخر طَوافُه للوداع، - والله أعلم-. ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب على الخصوص سوى ما اندرج في أثناء الكلام. أما قوله: (ثلاثة في الحج بعد الإحرام) أي بالحج وهُو معَلَّمٌ بالحاء والألف لما قدمنا. وقوله: (وقبل يوم النحر) جواب علي الجديد في أنه لا يجوز للمتمتع صَوْمُ أيام التَّشْرِيق، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو. وقوله: (ولا يقدم على الحج) كالمكرر؛ لأن في قوله: (بعد الإحرام) ما يفيده، ولعله إنما إعاده ليعلق به العِلَّة وهي قوله: (لأنها عبادة بدنية). وقوله: (ولا يجوز في أيام التشريق على الجديد) مكرر، قد ذكره مرة في الصَّوْمِ ثم هو مَرْقُومٌ بالميم والألف لما كتبناه ثُمَّ. وقوله: (فإذا تأخر عن أيام التشريق صار فائتاً) معناه: أن الفوات حَاصِلٌ عند مُضِيِّ أيام التشريق لاَ مَحَالة، فأما أنه بم يحصل إن لم نجعل أيام التشريق قَابِلَة للصَّوْمِ فإنه يحصل بمضي يَوْم عَرَفَةِ، وأما إذا جَعَلْنَاهَا غير قابلة فإنه يحصل بمضيها، ويمكن أن يتأخر طواف الزِّيَارَةِ عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ إِذْ لاَ أَمَدَ لَهُ مِنْ جِهَةِ التأخر، فيكون بعد في الحج لبقاء بَعْض الأَرْكانِ عليه، لكن صَوْمُ الثلاثة بعد أيام التشريق لا يكون أداءً وإن بقي الطواف؛ لأن تأخره عن أَيَّام التشريق مما يبعد ويَنْدُر، فلا يقع مراداً من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١)، بل هو مَحْمُول على الغَالِب المُعْتَاد. هكذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه ضعيف ينازع في ذلك. وقوله: (بالرجوع إلى الوطن) مُعَلَّمٌ -بالميم والحاء والألف- لما تَقَدَّم، وقوله بعد ذلئه: (وقيل: قولان) لا وجهان وقد مَرَّ مَا فِيهِمَا. قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَاتَ الثَّلاثَةُ قَضَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَيفَرَّقُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يَقَع الفُرْقَةُ فِي الأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي صِحَّةِ اليَوْمِ الرَّابعِ عَنْ هَذِهِ الجِهَة قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يَصِحُّ (و) صَحَّ مَا بَعْدَهُ، وَجُعِلَ اليَوْمُ الرَّابعُ كَالإِفْطَارِ المُتَخَلِّلِ. قال الرافعي: إذا لم يَصُم الثلاثة في الحَجِّ حتى فرغ وَرَجَعَ لزمه صَوْمُ العَشَرَةِ، وقد حكينا خِلاَف أبي حنيفة وقولاً يوافقه فيه، فإذا قلنا: بالمَذْهَب فهل يَجِب التَّفْرِيق فِي القَضَاءِ بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ؟ فيه قولان في رواية الحَنَّاطِيّ والشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -رحمهما الله-، ووجهان في رواية غيرهما.

стр. 1463

أحدهما -وبه قال أحمد-: أنه لا يجب؛ لأن التفريقَ في الأَدَاءِ يتعلق بالوَقْتِ، فلا يبقى حكمهُ في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤدَّاة، وهذا أصح عند الإمام وطائفة. والثاني -وهو الأصح عند الأكثرين-: أنه يجب التفريق كما في الأداء، ويفارق تفريق الصَّلَوَاتِ، فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحَجِّ والرُّجُوعُ، فعلى هذا هَلْ يجب التفريق بمثل ما يقع التفريق في الأداء؟ فيه قولان: أحدهما: لا، بل يكفي التفريق بيوم، لأن المقصود انفصال أحد قسمي الصوم عن الآخر، وهذا حَاصِلٌ باليوم الوَاحِدِ، ويحكي هذا عن نصه في "الإملاء". وأصحهما: أنه يجب التفريق في القَضَاءِ بمقدار ما يقع به التَّفْرِيق في الأداء، لتتم محاكاة القَضَاءِ للأدَاءِ، وفيما يقع به التفريق في الأداء أقوال أربعة تتولد من أصْلَيْنِ سَبَقاً. أحدهما: أن المتمتع هل له صَوْمُ أيام التَّشْرِيق؟ والثاني: أن الرجوعُ إلَى مَاذَا؟ فإن قلنا: ليس للمتمتع صَوْمُ أيامِ التَّشْرِيق وفَسَّرْنَا الرجوعُ بالرجوعِ إلى الوَطَنِ، فالتفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة. وإن قلنا: ليس له صَوْمُها، وفَسَّرْنَا الرجوعَ بالفَرَاغ من الحَجِّ، فالتفريق بأربعة أيام لا غَيْرَ لتمكنه من الابتداء بِصَوْمِ السَّبْعَةِ كَمَا مَضَتْ أيَّامُ التَّشْرِيقِ. وإن قلنا: للمتمتع صَوْمُهَا، وَفَسَّرْنَا الرُّجوعَ بالرجوع إلى الوَطَن فالتفريق لمدة إمكان مسيره إلى أهله. وإن قلنا: له صومها وَفَسَّرنَا الرُّجُوعَ بالفراغِ من الحَجِّ فوجهان: أصحهما: بأنه لا يجب التفريق، لأنَّهُ يمكنه في الأَدَاء على هذا أن يصوم أيام التَّشْرِيق عن الثَّلاثة ويصل بها صَوْمَ السَّبْعةِ. والثاني: لا بد من التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ، لأن الغَالِب أن يفطر يَومَ الرُّجوع إلى مَكَّة، وأيضاً فإن الثلاثة تنفصل في الأداء عن السَّبْعَةِ بحالتين متغايرتين لوقوع أحَدِهِمَا في الحَجِّ والآخر بعده، فينبغي أن يقيم في القضاء مقام ذلك التفريق بإفْطَار يَوْمٍ، -والله أعلم-. فإن أردت حَصْرَ الأقوالِ التي تَجِيءُ فيمن لم يَصُمْ الثلاثة في الحَجِّ مختصراً. قلت: فيه ستة أقوال: لا صوم عليه، بل ينتقل إلى الهَدْيِ. عليه صوم عشرة مُتَفَرِّقًا أو متتابعًا.

стр. 1464

صَوْمُ عَشْرَةِ بِشَرْطِ التفريق بِيَوْمٍ فَصَاعِدًا. بشرط التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان المَسِير إلى الأهلِ (١). بِشَرْطِ التَّفْرِيقِ بأربعةِ أَيَّام فَحَسَبْ. بشرط التفريق بمدة إِمْكَانٍ المسير فَحَسب. ولو صَامَ عَشْرة أيام وَلاَءً، والتفريع على ظَاِهرِ المذهب، وهو لزوم القَضَاء، أجزأه إِنْ لَمْ نَشْتَرِط التَّفْرِيقَ، فإن شَرَطْنَا التفريقَ واكتفينَا بِيَومٍ لم يعتد باليوم الرَّابع، ويعتد بما بعده، ويجعل ذَلِكَ اليَوم كالإفْطَار إِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْ هَذِهِ الجهة، ولهذا لو نوى فيه تطوعاً أو قضاءً يُجْزِئه، فعلى هذاَ يَصُومُ يوماً آخر، وقد خرج عن العهدة وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه ضعيف أنه لا يعتد بِشَيْءٍ مما بعد اليومِ الرَّابعِ. وحكى الحَنَّاطِيُّ عن الإصطخري: وجهاً أضعف من هذا وهو: أنه لا يعتد بالثَّلاثَةِ أيضاً إذا نَوَى التَّتَابُعَ، وإن شرطنا التفريق بأكثر من يَوْمٍ لم يعتد بذلك القدر، ويقاس ما قبله وما بعده بما ذَكَرْنَا. وأما لفظ الكتاب فقوله: (قضى عشرة أيام) لا يمكن حمله على القَضَاءِ المُقَابِلِ للأَدَاء، فإن العشرة لا تكون قضاءً بهذا المعنى، لكون السَّبْعَةِ مؤداةً فِيهَا، ولكن المراد قَضَاؤهَا في عَشْرَةِ أيام، أو المراد صَامَ عشرة أيام معبراً بلفظ القضاء على ما يشترك فيه القَضَاء والأداء، ويجَوز أن يُعَلَّم بالحاء والواو لما أعلم بهما قوله من قبل: (ولزم القضاء). وقوله: (ويفرق بين الثلاثة والسبعة بمقدار ما يقع التفرقة في الأداء) لا يمكن من جهة النظم حمله على شَرَائِط التفريق هكذا، وإن كان هو ظاهر المَذْهَبِ عند عامة الأصْحَاب؛ لأنه لو كان هذا حكماً باشتراطه لم يَصِح أن يقول بعده: فإن لم يفعل ففي صِحَّة اليوَم الرَّابع قولان، وأيضاً فإنه حكم بِصِحَّة مَا بُعْدَ اليَوْم الرَّابع إن لم يصح اليومُ الرَّابعُ، ومن شَرْطَ التفريق بِذَلِكَ المقدار لا يكتفي بِيَوْمٍ، فكأنه أرادَ به هكذا ينبغي أن يفعل تحرزا عن الخِلاَف فإن لم يفعل فَفِيه الخِلاَفُ. وقوله: (فإن لم يفعل فَفِي صِحَّة اليوم الرابع عن هذه الجهة قولان). فيه إضْمَار معناه: فإن لم يفعل وَوَالَى بَيْنَ العَشْرَةِ وإلاَّ فَلاَ يُلْزَم مِنْ أَنْ لاَ يُفَرِّق بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ بمقدار ما يَقَعْ عَلَيْهِ التفرقة في الأدَء الموالاة لجواز التفريق بمقدار بخالف ذَلكِ المِقْدَار وحينئذ لا يلزم أن يكون صائماً اليومَ الرَّابعَ حتى يقال: هَلْ يعتد به

стр. 1465

أم لا؟ ثم لا يخفى أن هذا الخِلاَف هُوَ الخُلاَفُ في أن التفريق هَلْ هُوَ شَرْطٌ أم لا؟ كَمَا مَرَّ ثم يتعين اليَوْم الرَّابع، والحكم بأنه إِنْ لَمْ يَصِحّ صَحَّ ما بعده ذهاب إلى الاكتفاء في التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، والظَّاهر خلافه على ما أوضحناه فيجب إعلام قوله: (صح ما بعده) بالواو لذلك، ثم للوجه المنقول عن صَاحِب التقريب. فرع: كل واحد من صَوْمِ الثلاثة في الحَجِّ والسَّبْعَةِ بعده يستحب فيه التَّتَابع وَلاَ يَجِب (١)، وروى صاحب "المعتمد" تخريج قَوْلٍ في كفارة اليمين أنه يجب فيهما التتابع. قال الغزالي: وَإِنْ وُجِدَ الهَدْيُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ وُجِدَ قَبْلَ الشُّروعِ وَبَعْدَ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ يَبْنِي عَلَى أَنَّ العِبْرَةَ فِي الكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الأَدَاءِ أَوْ بِحَالَةِ الوُجُوبِ. قال الرافعي: إذا شرع في الصَّوْمِ ثم وجد الهَدْيَ استحب له أن يهدي، ولا يلزمه سواء شرع في صَوْمِ الثَّلاتة أوْ فِي صَوْمِ السبعة، وبه قَال مَالِكٌ، وكذا أَحْمَدٌ -رحمهما الله- في رواية خلافاً للمزني في الحالتين، ولأبي حنيفة ﵀ فيما إذا شَرَع في صَوْمِ الثَّلاثة، ولو فرغ من صَوْم الثَّلاثةَ وَوَجَدَ الهَدْيَ قبل يوم النَّحْرِ يلزمه الهدي أيضاً عنده، وإن وجد بعده فَلاَ، والخَلاف في المَسْألة شبيه بالخِلاَف في القدرة على العِتْقِ بعد الشّروع في صوم الشَّهْرين وفي وجدان المَاءِ بعد الشُّروعِ فِي الصَّلاة بالتيمم. ولو أحرم بالحجِّ ولا هَدْيَ ثم وجده قبل الشُّروع في الصَّوْم فيبني ذلك على أن الاعتبار في الكَفَّارَاتِ بحالة الوجوب أو بحالة الأداء أو يعتبر أغْلَظَ الحَالتين، والخلاف فيه يذكر في موضعه -إنْ شَاءَ الله تعالى- فإن اعتبرنا حالة الوجوب أجزأه الصَّوْم، وإن اعتبرنا حالة الأداء أو أغلظ الحالتين لزمه الهَدْي، وهو المنقول عن نَصِّه في هذه المسألة (٢). قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ المتَمَتِّعُ قَبْلَ الفَرَاغِ مِنَ اَلْحَجِّ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَراً إلى الآخَرِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الفَرَاغِ أَخْرَجَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ مَاتَ مُعْسِراً صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ فَدَى كُلَّ يَوْمٍ بِمُدٍّ كَمَا فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجِعُ هَاهُنَا إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ الدَّمُ. قال الرافعي: المتمتع الواجد لِلْهَدْيِ إذا مات قبل الفراغ من الحَجِّ هل يسقط عنه الدَّم؟ حكى صاحب "النهاية" وغيره فيه قولين:

стр. 1466

أحدهما: نعم؛ لأن الكَفَّارَةَ إنما تَجِب عند تَمَامِ النُّسُكَيْنِ على سبيل الرَّفَاهِيَة، وربح أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وإذا مات قبل الفَرَاغ لم يحصل هذا الغَرَض. وأصحها: أنه لا يسقط بل يخرج من تركته؛ لأنه وَجَبَ بِالإحْرَام بالحَجِّ والتمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه موجود، ولو مات بعد الفراغ من الحج فلَا خلاف في أنه يخرج من تركته. وأما الصَّومَ فإن مات قبل التمكن منه: ففيه قولان: أحدهما: أنه يهدي عنه؛ لأن الصَّوْمَ قد وجب بالشُّروع في الحَجِّ فلا يسقط من غير بدل، وهذا مصور فيما إذا لم يَجِد الهَديَ في موضعه وله ببلده مَالٌ، وفيما إذا كَانَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ. والثاني: أنه يسقط؛ لأنه صَوْمٌ لم يتمكن من الإتْيَانِ بِهِ، فأشبه صَوْمَ رَمَضَانَ، وهذا أصح قاله ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب" وإن تمكن من الصَّوْمِ فلم يصم حتى مَاتَ فَهَلْ هو كصوم رمضان؟ فيه طريقان: أصحهما: نعم؛ لأنه صَوْمٌ مفروضٌ فاته بعد القدرة عليه فعلى هذا يصوم عنه وَلِيُّه في القول القديم، وفي الجديد يطعم عنه من تركته لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّ، فإن تمكن من جَمْعِ العشرة فعشرة أَمْدَادٍ، إلا فَبِالقِسْطِ، وهل يجب صَرْفُهُ إلى فقراء الحَرَمِ أم يجوز صرفه إلى غيرهم؟ فيه قولان: أشبههما: الثاني. والثاني: أنه لا ينزلَ منزلة صوم رَمَضَانَ، وتجعل الفدية من خواص رمضان كالكفارة العُظْمَى، وعلى هذا: فقولان: أصحهما: أن الرُّجُوعَ إِلَى الدَّمِ، لأنه أقرب إلى هذا الصَّوْمِ من الأمداد، فيجب في فَوَاتِ ثلاثة أيام إلى العَشْرَةَ شَاةٌ، وفي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُلُثُ شَاةٍ، ويومين ثُلُثَا شَاةٍ، وعن أبي إسحاق إشارة إلى أن اليوم واليومين كإتلاف الشعرة والشعرتين من المحرم، وفيما يقابل به الشعرة الواحدة أقوال: أحدها: مُدٌّ من طعام. والثاني: دِرْهم. والثالث: ثلث شاة. والثَّاني: نقله الإمام والمصنف في "الوسيط" عن رواية صَاحِبِ التقريب أنه لا يَجِبْ شَيْءٌ أصلاً. فإن قلت: قد عرفت حكم ما إذا تمكن من الصوم وما إذا لم يتمكن فما التمكن؟

стр. 1467

قلنا: أما الثَّلاثة فالتمكن من صَوْمِهَا بأن يحرم بالحج لزمان يَسَع صَوْمَهَا قبل الفراغ ولا يكون به مَرَضٌ مَانِع، وذكر الإمام ﵀ أنه لا يجب شيء في تركته ما لم ينته إلى الوطن؛ لأن دوام السَّفَرِ كدوام المَرَضِ، وَصَوْم الأيام الثلاثة وإن كان ثابتاً على الغرباء فلا يزيد تأكده على تكد صَوْمِ رمضان أداء واستدراكاً، وهذا غير مُتَّضِح لأن صَوْمَ الثلاثة بتعين إيقاعه في الحَجِّ وإن كانوا غرباء مُسَافِرين بالنَّصِ، فكيف ينهض السَّفر عذراً فيه؟ وكيف يُقَاسُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ؟ وأما السبعة فإن فَسَّرْنَا الرجوع بالرجوع إلى الوَطَنِ فله التَّأْخِير إلى الوُصول إليه، وكأنه لا يمكن قبله وإن فَسَّرْنَاه بالفراغ من الحَجِّ فكذلك، ثم دوام السَّيْرِ عذر على ما ذكره الإمام ﵀. وعن القاضي الحُسَيْنِ ﵀ أنا إذا استحببنا التأخير إلى أن يصل إلى الوطن تفريعاً على أن الرجوع هو الفراغ من الحَجِّ فهل يفدي عنه إذا مات في الطريق؟ فيه وجهان تخريجاً من الوجهين فيما إذا ظَفَرَ بالمَسَاكين، ولم يدفع الزَّكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فَتَلَفَ المَالُ، هل يضمن؟ ولا يخفى بعد ما ذَكَرْنَاه أن قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) ليس المراد منه التخيير، وإنما هو إشارة إلى القولين القديم والجديد المذكورين في صيام رمضان، وأن قوله: (وقيل: إنه يرجع هاهنا إلى الأصل) قول لا وجه، وأن المراد من قوله: (فإن مات معسراً إلى آخره) ما إذا مات بعد التَّمَكُّنِ، وإن كان اللفظ مطلقاً، ويجوز أن يعلم قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) كلاهما بالحاء. أما الأول: فلأن أبا حنيفة ﵀ لا يقول بصوم الولي. وأما الثاني: فلما قدمنا أنه إذا لم يَصُم الثَّلاثة في الحَجِّ سقط الصوم واستقر الهَدْيُ، ولفظ الكتاب مطلق، ويجوز أن يُعَلَّم الأول وبالميم والألف أيضاً. الْبَابُ الثَّانِي فِي أَعْمَالِ الحَجِّ وَفِيهِ أَحَدَ عَشَرَ فَصْلاً الفَصْلُ الأوَّلُ فِي الإحْرَامِ قال الغزالي: وَيَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (ح) مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ، وَإِنْ ارَمَ مُطْلَقاً ثُمَّ عَيَّنَ بِحَجٍّ أَوْ عُمرَةٍ أَوْ قِرَانٍ فَلَهُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ يُعَيِّنَ لِلْحَجِّ أَوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الحَجُّ بَعْدَ الأَشْهُرِ فَإنَّهُ لاَ يَجُوزُ (و).

стр. 1468

قال الرافعي: فوصل الباب تفصيل ترجمته الجملية غير الفصل الأخير، فإنه لا اختصاص له بهذا البَابِ، ولعَلَّ غيره أليقُ به، ومقصودُ الفَصْلِ الأول الكلام فيما ينعقد به الإحْرَام، وفي كيفية انعقاده (١)، وينبغي للمحرم أن ينوي وَيُلَبِّي، فإن لم يَنوِ وَلَبَّى فقد حكى عن رواية الربيع أنه يلزمه مَا لَبَّى به، وقال في "المختصر": وإن لم يرد حجاً ولا عمرةً فليس بِشَيْءٍ، واختلف الأصْحَاب على طريقين: أضعفهما: أن المسألة على قولين: أصحهما: أن إحْرَامُهُ لا ينعقد على ما ذَكَرَهُ في "المختصر" لأن الأعمال بالنيات. والثاني: أنه يلزمه ما سَمَّى؛ لأنه التزمه بقوله، وعلى هذا لو أطلق التَّلْبِيَة انعقد له إحرام مطلق يَصْرِفه إلى ما شَاءَ من كلا النُّسُكَيْنِ أو أَحدهما. وأصحهما: القطع بِعَدَم الانعقاد وحمل منقول الربيع على ما إذا تلفظ بأحد النُّسُكَيْنِ على التعيين ولم يَنْوِه ولكن نوى الإحرام المطلق فيجعل لفظه تفسيراً وتعييناً للإحرام المطلق (٢). واعرف هنا شيئين: أحدهما: أن تنزيل لفظ "المختصر" على صورة المسألة يفتقر إلى إضْمَار؛ لأنه قد لا يريد حجاً ولا عمرة، ولكن يريد نَفْس الإحرام، فالمعنى حجاً ولا عمرةَ ولا أصْلَ الإِحْرَام. والثاني: أن جعل اللفظ المجرد تفسيراً في صورة التأويل، مشكل كجعله إحراماً في الابتداء، والظاهر أنه على تجرده لا يجعل تفسيراً على ما سيأتي، ولو نوى انعقد إحْرَامه، وإن لم يُلَبِّ، وبه قَالَ مالك وأحمد -رحمهما الله- لأنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نُطْقٌ وَاجِبٌ، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم، وعن أبي عَلِيٍّ بْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وأَبِي عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرَي ﵏ أن التلبية شرط لانعقاد الأحرام لإطباق النَّاسِ على الاعتناء به عِنْدَ الإحْرَامِ، وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده

стр. 1469

سَوْقَ الهَدْي وَتقْليدَه والتوجه معه يقوم مقامَ التلبية، وحكى الشَّيْخُ ابُو مُحَمَّدٍ وغيره قولاً للشافعي ﵁ مثل مذهبه وحكى الحَنَّاطِيُّ هذا القول في الوجوب دون الاشتراط، وذكر تفريعاً عليه أنه لو ترك التلبية لزمه دَمٌ، وإذا عرفت أن النِّية هِيَ المُعْتَبَرةَ دون التلبية، فيترتب عليه أنه لو لَبَّى بالعمرة ونَوَى الحَجَّ فهو حَاجٌّ، ولو كان بالعَكْسِ فهو مُعتَمِرٌ ولو تلفظ بأحدهما ونوى القَرَان فَقَارِن، ولو تَلَّفظ بالقران ونوى أحدهما فهو مُحْرِمٌ بِمَا نَوَى واعلم أن الإحرام تَارةٌ ينعقد معيناً بأن ينوي أحدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى التعيين أو كليهما، ولو أحرم بحجتين أو بعمرتين لم يلزمه إلا وَاحِدَة، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: يلزمانه فيشتغل بِوَاحِدَةٍ، وتكون الأخرى في ذِمَّتِهِ، وتارة ينعقد مطلقاً بأن ينوي نفسَ الإِحْرَام ولا يقصد القران، ولا أحد النسكين فهو جائز، لما روي "أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمُ مُطْلَقًا وَانْتَظَرَ الْوَحْيَ" (١) ويفارق الصَّلاة فإنه لا يجوز الإحْرَام بها والتعيين بعد؛ لأن التعيين لَيْسَ بِشَرْطٍ في انعقاد الحَجِّ، ولهذا لو أُحرم الضرورة عن غيره انصرف إليه ولو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفَرْض، وإذا أحرم مطلقاً فينظر إن أحْرَمَ في أَشْهُرِ فله أن يصرفه إلى ما شَاء من الحج والعمرة والقَرَان، والتعيين بالنِّية لا باللفظ، ولا يجزئ العَمَلُ قبل التعيين، ذَكَرَهُ الشيخ أَبُو عَلِيِّ وغيره، وإن أحرم قبل الأشْهُرِ، فإن صَرَفَهُ إلى العُمْرَةِ صَحَّ، وإن صرفه إلى الحَجِّ بعد دخول الأشهر هل يجوز؟ بَنَاهُ الشيخ أبو علي على مسألةٍ أخرى وهي ما لو أحرم بالعُمْرَة قبل أشهر الحج ثم أراد إدْخَال الحج عليها في الأَشْهُرِ ليكونَ قَارِناً، وفي جوازه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه إنما يصير داخلاً في الحَجِّ من وقت إحْرَامه به، ووقت إحرامه به صَالِحٌ للحج. والثاني: لا يجوز لأن ابتداء إحْرَامِهِ وقع قبل الأَشْهُرِ، والقارن في حُكْمِ مُلاَبِس بإحرام واحدٍ، ألا ترى أنه لو ارتكب محظوراً لم يلزمه إلا فِدْيَة واحدةٌ، فلو انعقد الحج وابتداء الإحرام سابق على الأشهر لانعقد الإحرام بالحَجِّ قبل الأَشْهُر. فإن قلنا بالوجه الأول فإذا أحرم مطلقاً ثم دخلت الأشهر فله أن يجعله حجاً وأن يجعله قراناً ويحكى هذا عن الحصري. وإن قلنا: بالثاني حكمنا بانعقاد الإحرام المطلق عُمْرَةَ، لأنه لا يحتمل أن ينصرف إلى غيرها، وعلى الأول ينعقد على الإبهام، ثم لو صَرَفَهُ إلى الحَجِّ قبل دخول الأَشْهُرِ كان كما لو أحرم بالحَجِّ قبل الأشهر، وقد مضى الكلام فيه. واعلم أن الصورتين معاً المبنية والمبني عليها مذكورتان في الكتاب.

стр. 1470

وقوله (إلا أن يحرم قبل أشهر الحج ثم يعين للحج) أراد به ما إذا أحرم مطلقاً قبل الأشهر ثم صرفه إلى الحَجِّ في الأشهر. وقوله: (أو يدخل عليه الحج بعد الأشهر) أراد به ما إذا أحرم بالعمرة في غير الأَشْهُرِ، ثم أدخل الحَجَّ عليها في الأشْهُرِ، وإن لم يكن في اللفظ إنباء عنه، وقد أجاب فيهما جميعاً بالمنع وهو ظاهر المذهب في الصورة الأولى. وأما في الثانية وهي صورة الإدخال فكأنه تابع فيه الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ: فإنه اختاره وحكاه عن عامة الأصحاب، لكن القَفَّالَ اختار الجواز وبه أجاب صَاحِبُ "الشَّامِلِ" وغيره ثم فيما ذكره من جهة اللفظ استدراك، فإنه استثنى الصورتين مما إذا أحرم مُطْلَقًا والصورة الثانية غير داخلة فيه حتى تستثنى، وما الأفضل من إطلاق الإحْرَام وتعيينه؟ فيه قولان: قال في "الإملاء": الإطلاق أفضل، لما روي أنه ﷺ "أَحْرَمَ مُطْلَقَاً" (١) وأيضاً فقد يعرض ما يمنعه من أحد النسكين، فإذا أطلق أمكن صَرْفُه إلى الآخر. وقال في "الأم" وهو الأصح: التعيين أفضل، وبه قال أبو حنيفة: ﵁ لأنه أقرب إلى الإِخْلاَص، وقد روى عن جابر ﵀ قال: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ" (٢) وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عَيَّنَهُ؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المنصوص: لا بل يقتصر على النية؛ لأن إخفاء العبادة أفضل. والثاني: وبه قال أبو حنيفة: نعم لخبر جابر ﵁، ولأنه يكون أبعد عن النسيان -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلَوْ أَهَلَّ عَمْرو بإهْلاَلٍ كَإهْلاَلِ زَيْدٍ صَحَّ، فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُ زَيْدٍ مُفَصَّلاً أَوْ مُطْلقًا كَانَ إِحْرَامُ عَمْروٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ أَطْلَقَ أَوَّلاً ثم فَصّله قَبْلَ إِحْرَامِ عَمْروٍ نُزَّلَ إِحْرَام عَمْروٍ عَلَى المُطْلَق نَظَرًا إلَى الأَوَّلِ أَوْ عَلَى المُفَصَّل نَظَرًا اِلي الآخَرِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرمًا بَقِيَ إحْرَامُهُ مُطْلَقاً إلاَّ إِذَا عُرِفَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمِ، فَإِنْ عُرَفَ مَوْتُهُ انْعَقَدَ لِعَمْروٍ إِحْرَامٌ مُطْلَقاً عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَلُغَتِ الإِضَافَةُ فَإنَّهُ نَصَّ في "الأُمِّ" أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْ مُسْتَأْجِرَيْنِ تَعَارضَنَا وَانْعَقَدَ عَنِ الأَجِيرِ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ المُسْتَأجِرِ تَسَاقَطَتِ الإِضَافَتَانِ وَبَقِيَ الإحْرَامُ عَنِ الأَجِيرِ. قال الرافعي: إذا أَهَلَّ عمرو بما أَهلَّ به زَيْدٌ جَاز لما روي "أَنَّ عَلِيًّا وَأَبَا مُوسَى -

стр. 1471

رضي الله عنهما- قَدِمَا مِنَ اليَمَنِ مُهِلِّينَ بمَا أَهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا" (١) ثم فيه ثلاث مسائل لأن زيداً إما أن يكون محرمًا، أو لا يكون، وإن كان محرماً فإما أن يمكن الوقوف على ما أحرم به أو لا يمكن، والفَصْلُ مشتمل على مسألتين من الثَّلاَثِ. أحدهما: أن يكون زيدٌ محرماً ويمكن الوقوف على ما أحرم به، فينعقد لعمرو مثل إحْرَامه، وإن كان محرماً بِحَجٍّ فعمِرو أيضاً حَاج، وإن كان معتمراً فمعتمر، وإن كان قارناً فقارِن، وإن كان إحرامه مطلقاً انعقد لعمرو إحرامٌ مطلقٌ أيضاً، ويتخير كما يتخير زَيْد، ولا يلزمه صَرْفُ إحْرَامِهِ إلى ما يصرف إليه زَيْد، وفي "المعتمد" نقل وجه أنه يلزمه، والمشهور الأول، قال في "التهذيب": إلا إذا أراد إحراماً كإحرام زيد بعد تعيينه. وإن كان إحرام زيد فاسداً فإحرام عمرو ينعقد مطلقاً. أو لا ينعقد أصلاً؟ عن القاضي أبي الطيب، حكاية وجهين فيه (٢). ولو أن زيداً كان قد أبهم إحْرَامه أولاً ثم فَصَّلَهُ قبل إحرام عمرو ففيه وجهان: أْشبههما: أن إحرامه ينعقد مبهماَ نظراً إلى أوَّلِ إحرامِ زَيْدٍ. والثاني: ينعقد مُفَصَّلاً نظرًا إلى آخره، والوجهان جاريان فيما لو كان زيدٌ قد أحرم بِعُمْرَةٍ ثم أدخل عليها الحَجّ فعلى الأول لا يلزمه إلا العُمْرَة، وعلى الثَّانِي يكونُ قَارِنًا. وموضع الوجهين ما إذا لم يخطر له التشبيه بآخر إحْرَامِ زَيْدٍ في الحَالِ، وإلا فالاعتبار بالآخر بِلاَ خِلاَف، وما إذا لم يخطر له التشبيه بابتداء إحرامه، وإلا فالاعتبار بالأول بلا خِلاَف، ولو أخبره زَيْدٌ عما أحرم به ووقع في نفسه خِلاَفه فيعمل بما أخبره عنه، أو بما وقع في نَفْسِهِ. فيه وجهان: وإذا أخبره عن إحرامه بالعمرة وجرى على قوله ثم بأن أنه كان محرماً بالحج، فقد بأن أن إحْرَام عمرو كان منعقداً بالحج، فإن فات الوقت تحلل من إحْرَامه للفوات وأراقَ دماً، وهو في ماله أو مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان أورد المسألتين صاحب "المعتمد" وغيره. الثانية: أن لا يكون محرماً أصلاً فينظر إن كان عمرو جاهلاً به انعقد إحْرَامُه

стр. 1472

مطلقاً؛ لأنه جزم بالإحْرَامِ، وجعل له كيفية خَاصَّة فيبقى أصل الإحرام وإن بطلت تلك الكيفية، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم فوجهان: أحدهما: أنه لا ينعقد إحرامه أصلاً كما إذا قال: إن كان فلانٌ محرماً فقد أحْرمَت فلم يكن محرماً. وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنه ينعقد إحرامه مطلقاً؛ لما ذكرنا في صُورَةِ الجَهْلِ، ويخالف ما إذا قال إن كان محرماً قد أحرمت، فإن هناك علق أصْل إحرامه لإحرامه فلا جرم إن كان محرماً فهو محرم، وإلا فلا وهاهنا الأصْلُ مجزوم به. واستشهد في الكتاب لهذا الوجه بصورتين نَصَّ عليها في "الأم": أحدهما: لو استأجره رجلانِ ليحج عنهما فأحرم عَنْهُمَا لم ينعقد الإحْرَام عن واحد مِنْهُمَا، لأن الجمع غير ممكن، وليس أحدهما أولى بَصَرْفِ الإحْرَامِ إليه، فلغت الإضافتان ووقع الحَجُّ عن الأَجِيرِ، والتصوير في الإجارة على الذِّمة بَيِّنٌ، وقد تصور في إجارة العين أيضاً وإن كانت إحدى الإجارتين فَاسِدَةٌ؛ لأن الإحْرَام عن الغير لا يتوقف على صِحَّة الإجَارَة. والثانية: لو استأجره رجلٌ ليحج عنه، فأحرم عن نفسه وعن المستأجر، لغت الإضافتان وتساقطتا وبقي الأحرام عن الإجِير، فلما لغت الإضافة في الصورتين وبقي أصل الإحْرَام جاز أن يَلْغُو هنا التشبيه في الكيفية، ويبقى أصْلُ الإحْرَامِ. ويحوز أن يعلم قول في الكتاب: (وانعقد عن الأجير) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة، إن كان المستأجران أبوي الأجير وأحرم عنهما، أو أحرم عنهما من غير إجارة انعقد الإحرام عن أحدهما، وله صرفه إلى أيهما شاء، وعنه في المستأجرين لأجنبيين روايتان: أظهرهما: مثل مذهبنا. وقوله: (بأن عرف موته) إشارة به إلى ما ذكره الإمَامُ من أن العلم بأنه غير محرم لا يكاد يتحقق، فإن الاعتبار بالنية ولا يطلع عليها غير الله تَعَالى، وإنما يظهر التصوير إذا شَبَّه إحرامه بإحرام زَيْدٍ وهو يعرف أنه ميت. والعم أن المسألتين والثالثة التي سنذكرها مفروضات فيما إذا أحرم في الحال بإحرام كإحرام الغير، أما لو عَلَّق بإحرامه في المستقبل فقال: إذا أحرم فأنا مُحْرِمٌ لَمْ يَصِح كما إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهْرِ فإنا مُحْرِمٌ لا يصير محرماً بمجيئه؛ لأن العبادات لا تعلق بالأخطار، كذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ونقل في المعتمد وجهين في صحة الإحرام المعلق بِطُلُوع الشَّمْسِ ونحوه، وقياس تجويز تعليق أصْلِ الإحرام بإحرام الغير تجويز، هذا لأن التعليق موجود في الحالين، إلا أن هذا تعليق بمستقبل، وذاك

стр. 1473

تعليق بِحَاضِرِ، وما يقبل التعليق من العقود يقبلها جميعاً -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ لو مات زَيْدٌ بَعْدَ الإحرام أو عَسُرَ مُرَاجَعَته فهوَ كمُا لَوْ أَحْرَمَ مُفَصَّلاً ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَالقَوْلُ الجَدِيد أنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اجْتِهَادًا لَكِنْ يَبْنِي عَلَى اليَقِينَ فَيَجْعَلُ نَفْسُهُ قَارِنًا فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الحَجِّ بِيَقِينٍ، وَكَذَا عَنِ العُمْرَةِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ إِدْخَالُ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ الآنَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عُذْرٌ في جَوَاز إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْرَأُ عَنِ العُمْرةِ فَعَلَيْهِ دَمُ القِرَانِ وإلاَّ فَلاَ، وَإِنْ طَافَ أَوَّلاً ثُمَّ شَكَّ فَيَمْتَنِعُ إِدْخَالُ الحَجِّ لَوْ كانَ مُعْتَمِراً فَطَريقُهُ أَنْ يَسْعَى وَيَحْلَق وَيَبْتَدِئَ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ وَيتِمَّهُ فَيَبْرأَ عَنِ الحَجِّ بِيَقِين؛ لِأَنَّهُ إِنْ كانَ حَاجاً فَغَايَتُهُ حَلْقٌ في غيْرِ أَوَانِهِ وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كانَ مُعْتَمراً فَقَدْ تَحَلَّلَ ثُمَّ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، فَالدَّمُ لاَزِمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَضُرُّهُ الشَّكُّ في الجِهَةِ فإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْط في نِيَّةِ الكَفَّاراتِ. قال الرافعي: المسألة الثالثة: أن يكون زيدٌ محرماً لكن يتعذر مراجعته بجنون أو غيبة أو موت بعد الإحْرَام وقد شبهها في الكتاب بمسألة طويلة الفقه فنشرحها ثم نعود إلى هذه فنقول: إذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه قال في القديم: أحب أن يقرن وإن تَحَرَّى رجوت أن يجزئه ونص في الجديد على أنه قارن، ونقل الشَّيْخُ أَبُو عَلِي فيها طريقين: أحدهما: نفي الخلاف في جواز التحري، ونص في الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النُّسُكَيْنِ أو قرن وأصحهما وهو رواية المعظم: أن المسألة على قولين. القديم: أنه يتحرى ويعمل بظنه؛ لإمكان إدراك المقصود بالتَّحَرِّي كما في القِبْلَة والأواني. والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحْرَام يقيناً ولا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه، فالطريق أن يقرن ويأتي بأعْمَال النسكين، وهذا كما لو شَكَّ في صلاته في عدد الركعات يبني على اليَقِينِ، ليتحقق الخروج عما شرع فيه، ويفارق التحري في القِبْلة والأواني، لأن لها علاماتٍ تدل عَلَيْهَا، ولا دلالة هَاهُنَا واعلم أن هذا الفرق مبني على أن الاجتهاد يعتمد النظر في العلامات، وقد ذكرنا في كتاب الطَّهَارَةِ خلافاً فيه، وبتقدير أن يعتمده فناصر القول الأول قد لا يسلم انتفاء الأمارات هاهنا، وبنى الشيخ أبو محمد ﵀ على هذين القولين اختلاف أصحابنا فيما إذا اجتهد جَمْعٌ في أوانٍ منها اثنان فصاعداً بِصِفَةِ الطَّهَارَة، وغلب على ظَنِّ كُلِّ واحد طهارة واحد هل يجوز اقتداء بعضهم ببعض؟ وقال هذا خلاف في أن الاقتداء هل يجوز بالتَّحَري والاجتهاد؟ التفريع إن قلنا: بالقديم فما غلب على ظنه أنه المشروع فيه من النّسكين

стр. 1474

مضى فيه وأجزأه، كما لو اجتهد في الثوب والقِبْلة وصَلَّى على مقتضى اجتهاده، وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه الشَّك. وفائدة التحري الخلاص من الإحرام. وإن قلنا: بالجديد فللشَّكِ حالتان. إحداهما: أن يعرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال، فلفظ النَّص أنه قَارِنِ، قال الأصْحَابُ معناه أنه ينوي القَرَان ويجعل نفسه قارنًا لا أنه يحكم بكونه قارنًا لحصول الشَّك، وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ ﵀ فحكى قولاً أنه يصير قارنًا من غير نية ثم إذا نوى القرآن وأتى بالأعْمَالِ تحلل، وبرئت ذمته عن الحَجِّ بيقين، وأجزأته عن حَجَّةِ الإسْلاَمِ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الإحرام به وإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه جَوَّزْنَاهُ أم لاَ، وإن كان محرماً بالعمرة فإدخال الحَجِّ عليه جائز قبل الاشتغال بالأعمال. وأما العمرة فهل تجزئه عن عمرة الإسلام إن فرضناها؟ يبني على أن العمرة هل يجوز إدخالها على الحَجِّ أم لا؟ إن جوزناه أجزأته أيضاً؛ لأنه إن كان محرماً بها فَذَاك، وإلا فقد أدخلها على الحَجِّ، وإن لم نجوز إدْخَالَ العمرة على الحج ففيه وجهان: أصحهما: لا تجزئه، لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجِّ، وامتناع إدخال العمرة عليه، والعمرة وَاجِبةٌ عليه فلا تسقط بالشَّكِ. والثاني: ويحكى عن أبي إسْحَاقَ: أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذراً في جواز الإدْخَال، فإن حكمنا بإجزائهما جميعاً لزم دَمُ القَرَانِ، فإن لم يجد صَامَ عشرة أيام، ثَلاَثةٌ في الحَجِّ، وسبعةٌ إذَا رَجَعَ. وإن قلنا: يجزئه الحُج دون العمرة، ففي لزوم الدَّمِ وجهان: أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنا لم نحكم بإجزاء العُمْرَة فلا يلزمه الدَّمُ بالشَّكِ، وهذا هو الذي أورده في الكتاب. والثاني: يجب؛ لأنه قد نوى القَرَان، وصحة نسمكيه محتملة، فكما لا تحسب العمرة احتياطاً لا يسقط الدّم احتياطاً. الحالة الثانية: أن يعرض الشَّك بعد الإتيان بِشَيْءٍ من الأعمال وله حالات: إحداها: أن يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف، فيجزئه الحَجَّ؛ لأنه إن كان محرماً به فذاك، وإن كان محرماً بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطَّواف حيث نوى القَرَان، وذلك جائز، ولا تجزئه العُمْرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجّ فليس له إدخالُ العمرة عليه بعد الوُقوفِ، هكذا أورده أبو القَاسِم الكَرَخِي، وصَاحِبُ "التهذيب" وهو

стр. 1475

جواب أولاً على أن العمرة لا تدخل على الحَجِّ بعد الوقوف، وقد قدمنا وجهاً آخر: أنها تدخل عليه ما لم يأخذ في أسْبَابِ التحلل. ثم هو مفروض فيما إذا كان وقت الوقوف باقياً، فوقف ثانياً، وإلا فمن الجائز أنه كان محرماً بالعمرة، فلا يجزئه ذلك الوقوفُ عن الحَجِّ. الثانية: أن يعرض بعد الطَّواف وقبل الوقوف، فإذا نوى القَرَان وأتى بأعمال القرآن لم يجزئه حَجُّه؛ لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة، فيمتنع إدْخَالُ الحَجِّ عليها بعد الطواف. وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العمرة على أن إدخال العمرة على الحَجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز، هل يجوز بعد الطواف. وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العُمْرةَ على الحَّجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز فهل يجوز بعد الطَّواف أم لا؟ إن قلنا: نَعَم أجزأته، وإلا فلا؛ لجواز أنه كان محرماً بالحج وقد طاف، وهذا هو الأصَحّ؛ لأنه شاك في عين ما أحرم به، وفيما أدخله عليه، فأشبه ما لو فاته ظُهْرٌ وعصر، وصلى إحداهما وَشَكَّ فيما صَلَّى يلزمه إعادتهما جميعاً، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ في هذه الصورة: أنه يتم أعمال العمرة بأن يركع ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، ويأتي بأعماله، وإذا فعل ذلك صَحَّ حَجُّه؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الأحرام، وإن كان محرماً بالعمرة، فقد تَمَتَّعُ ولا تصح عمرتُه؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحجّ ولم تدخل العمرة عليه إن لم ينو القَرَان. قال الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ والأكثرون: إن فعل ذلك فالجواب ما ذَكَره لكن لو استفتانا لم نفت به؛ لجواز أنه كان محرمًا بالحَجِّ، وأن هذا الحلق وقع في غير أوانه، وحينئذ يكون الحلقُ محظوراً، وهذا كما لو ابتلعت دجاجةُ إنسانٍ لؤلؤةَ غَيْره لا نفتي لصاحب اللؤلؤة بِذَبْحِها وإخراج اللؤلؤة، لكن لو فعل ذلك لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حيةَ ومَذْبُوحة، وكذا لو استقبلت دابتان لشخصين على شَاهِقٍ، وتعذر مرورهما لا نفتي لأحدهما بِإهْلاَكِ دابة الآخر، لكن لو فعل خلص دابته، ولم يغرم إلا قيمة دابة الآخر، وسواء أفتينا له بذلك على ما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ، أو لم نفت، فلو فعل لزمه دم؛ لأنه إن كان محرماً بالحج فقد حلق في غير أوانه، وإن كان محرماً بالعمرة فقد تمتع، فيريق دماً عن الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، كما إذا كانت عليه كفارة قتل أو ظهار فأعتق ونوى عما عليه تُجْزِئه؛ لأن التعيين في الكَفَّارات لَيْسَ بِشَرْطٍ، فإن كان معسراً لا يجد دماً ولا طعاماً صام عشرَة أيامٍ كما يصوم المتمتع فإن كان اللاَّزِم دم التمتع فَذَاك، وإن كان دم الحلق أجزأه ثلاثة أيام والباقي تطوع، ولا يعين الجهَة في صَومِ الثَّلاثَةِ، ويجوز تعيين التمتع في صَوْمِ السَّبْعَةِ، ولو اقتصر على صوم ثلاثةِ أَيامٍ هل
следующие страницы →