← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

يمنع من تدهين المواضع التي لا شَعْرَ عليها من الرَّأْسِ، وقد صَرَّحَ المزني في "المختصر" بهذا المفهوم، لكن قال المَسْعُودِي في الشَّرْحِ: ليس الأمر على ما قاله المُزَنِي، بل هو منهي عن استعمال الدهن في الرأس والوجه كله، وإن لم يكن عليه شَعْر؛ لأنه موضع الشَّعْرِ، لكن بشكل هذا بما سبق في الأَقْرَع والأَمْرَد. قال الغزالي: وَلاَ يُكْرَهُ فِي الجَدِيدِ الغَسْلُ وَلاَ غَسْلُ الشَّعَرِ بالسِّدْرِ وَالخَطْمِيِّ، وَلاَ بَأْسَ بِالاكْتِحَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَفِي إلْحَاقِ الخِضَابِ لِلشَّعَرِ بِالتَّرْجِيلِ تَرَدُّدٌ. قال الرافعي: في الفصل صور: إحداها: يجوز للمُحْرِمِ أن يَغْتَسِلَ، ويدخل الحَمَّام ويزيل الدَّرن عن نَفْسِهِ، لما روى عن أبي أَيُّوب ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ، وَهُوَ مُحْرَمٌ" (١) "وَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ مُحْرِماً، وَقَالَ: إِنَّ اللهُ -تَعَالَى- لاَ يَعْبَأُ بِأوْسَاخِكُمْ شَيْئاً" (٢). هل يكره ذلك؟ المشهور: أنه لا يُكْرَه. وحكى الحَنَّاطِيُّ والإِمَام: قَوْلاً عن القديم: أَنَّهُ يُكْرَه. الثانية: يستحب أن لا يُغْسِل رأسَه بالسَّدْرِ والخطمي؛ لما فيه من التزيين، لكنه جائز لا فدية فيه بخلاف التدهين، فإنه يؤثر في التنمية مع التزيين. وإذا غسل رأسه فينبغي أن يرفق في الدَّلْكِ حتى لا ينتفق شَعْره، ولم يذكر الإمام ولا المصنف في "الوسيط" خلافاً في كراهة غسله بالسِّدْرِ والخطمي، لكن الحنَّاطِيَّ حكى القول القديم فيه أيضاً، فيجوز أن يعلق قوله: (ولا يكره في الجديد) بالمسألتين إتياناً للخِلاَفِ فيهما. الثالثة: لا يجوز أن يَكْتَحِل بِكُحْلٍ فِيهِ طيب. وعن أبي حنيفة ﵀ جوازه، وما لا طِيبَ فيه يجوز الاكْتِحَال به، ثم منقول المزني أنه لا بَأسَ بهِ، وعن "الإملاء" أنه يُكْرَه، وتوسط المتوسطون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض لم يكره الاكْتِحَال به، وإن كان فيه زينه كالإثمد فيكره إلا لِحَاجة الرمد، ونحوه. الرابعة: روى الإمام عن الشَّافِعِىّ ﵁ اختلاف قولٍ في وجوب الفدية إذا خضب الرجل لِحْيَتَه. وعن الأصحاب طُرُقاً في مأخذه. أحدها: التردد في أن الحِنَّاء هل هو طيب، وهذا غريب، والأصحاب قاطعون بأنه ليس بِطِيبٍ على ما مَرّ.

стр. 1577

والثاني: أن من يختضب قد يتخذ لموضع الخضاب غلافاً يحيط به، فهل يلحق ذلك بالمَلْبُوسِ المعتاد؟ وقد سبق الخلاف فيه. والثالث: هو الأظهر: أن الخِضَاب تزيين للشَّعْرِ، فتردد القول في التحاقه بالترجيل بالدهن، والظاهر أنه لا يلتحق به، ولا تجب الفِدْيَة في خِضَاب اللِّحْيَةِ، ثم قال الإمام على المأخذ الأول: لا شيء على المرأة إذَا خضبت يَدَهَا بَعْدَ الإِحْرَامِ، وعلى الثَّاني والثالث يجري التردد أما على الثَّانِي فظاهر. وأما على الثَّالِث فأشبه الغلاف بالقُفَّازَيْنُ، وقد عرفت من قبل خضابها يَدَيْهَا، وخضاب الرَّجُلِ شَعْرَ الرَّأْسِ. ويجوز للمحرم أن يفتصد، ويُحْتَجِم ما لم يقطع شَعْراً ولا بأس بنظره في المرآة. وعن الشافعي ﵁ أنه كرهه في بعض كتبه (١). قال الغزالي: النَّوْعُ الرَّابعُ التَّنَظُّفُ بِالحَلقْ ، وَفِي مَعْنَاهُ القَلْمُ، وَتَجِبُ به الفِدْيَةُ سوَاءٌ أَبانَ الشَّعَر بإحْرَاقٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ غيْرِهِ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنَ البَدَنِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ شَعَرَاتٌ فَلاَ فِدْيَةَ، ولو امْتَشَطَ لحْيَتَهُ فأنْتُتفَتْ شَعَرَاتٌ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَإِنْ شَكَّ في أَنَّهُ كَانَ مُنْسَلاً فَانْفَصَلَ أَو انْتُتِفَ بَالمُشْطِ فَفِي الفدْيَةِ قَوْلاَنِ لِمُعَارَضَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ أَصْلَ الْبَرَاءَةِ. قال الرافعي: حلق الشَّعْرِ قبل أَوانِ التحلل مَحْظُور، قال الله تَعَالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٢) الآية، وتتعلق به الفدية، فإن الله تَعَالَى أوجب الفِدْيَة على المَعْذُورِ في الحَلْقِ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٣) الآية، وإذا وجبت الفِدْيَةُ على المعْذُورِ فعلى غَيْرِ المَعْذُورِ أَوْلى (٤)، ولا فرق بين شَعْرِ الرَّأْسِ وَالبَدَنِ. أما شَعْرُ الرَّأْسِ فَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وأما غيره فالتنظيف والتّرَفه في إزالته أكْثَر. وَذَكَر المُحَامِلِيّ أن في رواية عن مالك

стр. 1578

لا تتعلق الفِدْيَة بشعر البَدَنِ. والتقصير كالحَلْقِ، كما أنه في معناه عند التَّحَلُّلِ وقَلْم الأظفار كَحَلْقِ الشَّعْرِ، فإنها تزال للتنظيف والترفه، وليس الحكم في الشَّعْرِ منوطاً بخصوص الحَلْقِ، بل بالإزَالَةِ والإبَانَةِ فيلحق به النَّتْفُ والإحْرَاقُ وغيرهما، وكذلك يلحق بالقَلْمِ الكَسْرُ والقَلْعُ. ولو قطع يَدَهُ أو بعض أصابَعِهِ وعليها الشَّعْرُ والظّفْرُ فلا فِدْيَةُ عَلَيْهِ، لأن الشَّعْر وَالظُّفْرَ تَابِعَانِ هاهنا غير مقصودين بالإبَانَةِ، وعلى هذا القياس لو كشط جلدةُ الرَّأْسِ فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ، والشَّعْرُ تَابعُ وشَبَّه ذلك بمَا لو كانت تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصَّغِيرة يبطل النِّكَاح، ويجب المَهْر (١) ولو قتلتها لا يجب المهر؛ لأن البضع تَابعٌ عند القتل غير مقصود، ولو امتشط لحيته فانتتفت شعيرات فعليه الفِدْيَة، وإن شَكَّ في أنه كان منسلاً فانفصل أو انتتفت بالمَشْط، فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب في وجوب الفدية قولان، وقال الأكثرون: فيه وَجْهَان: أحدهما: أنها تجب؛ لأن الأَصْلَ بقاؤه ثَابِتاً إلى وقت الامتشاط، ولأنه سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الإبانة، فيضاف إليه كما أن الإجهاض يضاف إلى الضرب. وأصحهما: أنها لا تجب؛ لأن النتف لم يتحقق، والأصل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنِ الفِدْيَةِ. قال الغزالي: وَيَكْمُلُ الدَّمُ في ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وَفِي الوَاحِدَةِ مُدٌّ في قَوْلٍ، ودَرْهَمٌ فِي قَوْلٍ، وَثُلْثُ دَمٍ في قَوْلٍ، وَدَمٌ كَامِلٌ في قَوْلٍ. قال الرافعي: ستعرف في باب الدِّمَاءِ فدية الحَلْقِ، وأن إراقة الدِّمَاءِ إحدى خصالها، ولا يعتبر في وُجُوبِهَا تامة حلق جَمِيعِ الرَّأْسِ، ولا قلم جَمِيع الأظفار بالإجْمَاع، ولكن يكمل الدم في حَلْق ثلاثة شَعَرَات، وقلم ثَلاثةِ أَظْفَار مِنْ أظفَارِ اليَّدِ والرِّجْلِ، سواء كانت من طَرَفٍ وَاحِدٍ، أو من طرفين خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: لا يكمل الدّمُ حتى يَحْلِقَ ربع الرأْس، أو يقلم خَمْسَةَ أَظْفَار من طَرَفٍ وَاحِدٍ، ولمالك ﵁ حيث قال: لا يكمل بحلق ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وإنما يكمل إذا حَلَقَ من رأسه القدر الذي يحصل به إماطة الأَذَى، ولأحمد ﵀ حيث قدر في رواية بأربع شَعَرَات، والرواية الثانية عنه مثل مَذْهَبِنَا. لنا أن المفسرين ذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٢) أن المعنى فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ.

стр. 1579

ومن حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فقد حَلَقَ، وهذا إذا حَلَقَهَا دفعةً وَاحِدَةً في مكانٍ وَاحِدٍ، فإن فَرَّقَ زَمَاناً، أو مكاناً فسيأتي في النَّوْعِ السَّادِسِ حُكْمُه. وإن اقتصر على حلق شَعْرَةٍ وَاحِدةٍ أو شعرتين ففيه أقوال: أظهرها: وهو الذي ذكره في أكثر كتبه أن في شعرة مداً من طَعَام، وفي شعرتين مُدَّيْن (١)؛ لأن تبعيضَ الدَّمِ عسر، والشَّرْعُ قد عدل الحيوان بالطَّعَام في جَزَاءِ الصَّيْد وغيره، والشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَاية فِي القِلَّة، والمد أقل ما وجب في الكَفَّارَاتِ فقوبلت به. والثاني: في شعرة دِرْهَم، وفي شعرتين دِرْهَمَيْنِ؛ لأن تبعيض الدَّمِ عَسِير، وكان الشَّاة تُقَوَّم في عهد رسول الله ﷺ بثلاثة دراهم تقريباً، فاعتبرت تلك القيمة عند الحَاجَةِ إلى التَّوْزِيعِ. والثالث: رواه الحميدي عن الشَّافِعِي: في شَعْرَة ثُلُثُ دَمٍ، وفي شعرتين ثُلُثَا دَمٍ، تقسيطاً للواجب في الشَّعَرَاتِ الثَّلاَثِ على الآحاد، وقد ذكر أن هذا القول منقول في تَرْكِ الحَصَاةِ والحَصَاتين، فخرج هاهنا، وذكر في القَوْلِ الثَّانِي مِثْلُه. الرابع: حكاه صاحب "التقريب" وغيره أن الشَّعْرةَ الوَاحِدَة تقابل بدَمٍ كَامِلٍ، وهو اختيار الأستاذ أبي طاهر، ووجهه بأن محظورات الإحرام لا تختلف بالقِلَّةِ والكثرة، كما

стр. 1580

في الطّيبِ واللِّبَاسِ، فإذا عرفت ما ذكرناه أعملت قوله: (في ثلاث شعرات) بالحاء والميم والألف، ولك أن تُعَلِّم الحكم في الأحوال الأربعة بالحاء؛ لأنه لا يوجب فيما دون الرُّبع شَيئاً مقدراً، وإنما يوجب صدقة، وأن تُعَلِّم قوله: (ودرهم في قول) بالواو؛ لأن من الأصحاب من لم يثبته قولاً للشافعي، وادعى أنه ذكره حكاية عن مذهب عطاء، والخلاف في الشَّعْرَة والشعرتين جَارٍ في الظُّفْرِ والظُّفْرَينِ. ولو قلم دون القدر المعتاد كان كما لو قصر الشعر. ولو أخذ من بعض جوانبه ولم يأت على رأس الظهر فقد قال الإمام: إن قلنا: يَجِب في الظفر الواحد ثلث دم، أو درهم، فالواجب فيه ما يقتضيه الحِسَاب، وإن قلنا: يجب فيه مُدٌّ فلا سبيل إلى تبعيضه -والله أعلم-. قال الغزالي: وَإِنْ حَلَقَ بِسَبَبِ الأَذَى جَازَ وَلَزِمَ الفِدْيَة، وَإِنْ نبَتَتْ شَعْرَةٌ في دَاخِلِ الجَفْنِ فلاَ فِدْيَةَ في نَتْفِهَا؛ لِأَنَّهُ مُؤذٍ بِنَفْسِهِ كَالصَّيْدِ الصَّائِلِ، وَالنِّسْيَانُ لاَ يَكُونُ عُذْراً فِي الحَلْقِ وَالإتْلافاتِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْن. قال الرافعي: مقصود الفصل حكم المَعْذُورِ في الحَلْق، والذي سبق كان مع غير المَعْذُورِ، ونعم صور العذر أنه لا يأتم بالحَلْقِ، وفي الفِدْيَة صور: إحداها: لو كثرت الهَوَامْ في رَأسِهِ، أو كانت به جراحة وأحوجه إذا هام إلى الحلق فله ذلك، وعليه الفدية. كان كَعبُ بْنُ عجرَة يوقد تحت قدره، والهوام تنتثر من رأسه فمر به رسول الله ﷺ فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَاحْلِقْ وَانْسُكْ بِدَمٍ أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّق بفَرَقٍ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" (١) والفَرَقُ: ثلاثة آَصع، وكذا الحكم لو كَانَ كثيرَ الشَّعْرِ، وكان يتأذى بالحَرِّ. الثانية: لو نبتت شعرة، أو شعرات في دَاخِلِ الْجِفْنِ، وكان يتأذى بِهَا فله قَلْعُهَا، ولا فدية عليه؛ لأن التأذي هاهنا من نفس الشعر فهي كالصَّيْدِ الصَّائلِ على المُحْرِمِ بخلاف الصُّورة الأُولَى. وعن الشَّيْخُ أَبِي عَلِيِّ طريقة أخرى في المسألة، وهي تخريج الضَّمَان على وجهين بناء على القولين فيما إذا عمت الجراد المَسَالك، واضطر إلى وطئها وإتْلاَفِهَا. ولو طال شَعْرُ حَاجِبِهِ ورأْسه وَغَطَّى عَيْنَه قطع القدر المُغَطّي، ولا فدية عليه.

стр. 1581

وكذا لو انكسر ظفره وتأذى به قطعة، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً. الثالثة: ذكرنا أن النسيان يُسْقِطُ الفِدْيَة في الطِّيب وَاللِّبَاسِ، وكذلك الحكم فيما عَدَا الوَطْءِ من الاستمتاعات، كالقُبْلَةِ واللَّمْسِ بالشَّهْوَةِ، ولو وَطِئَ نَاسِياً ففيه خلافٌ سيأتي، وهل يسقط الفِدْيَةُ في الحَلْقِ، والقَلْم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في الاستمتاعات. وأصحهما: لا، لأن الإتْلاَفات لا فَرْقَ فيها بين العَمْدِ والخَطَأ، كما في ضَمَانِ الأَمْوَالِ، وهذا منصوص، والأول مُخَرَّجٌ من أحد قوليه فيما إذا حَلَقَ المُغْمَى عَلَيْهِ، فإنه نَصَّ ثم على قوله، ومنهم من قطع بما نص عليه، وامتنع من التخريج، وفرق بأن النَّاسِي يعقل ما يتعطاه بِخِلاَفِ المُغْمَى عَلَيْهِ، والمجنونُ والصَّبِيُّ الذي لا يُمَيَّز كالمُغْمَى عَلَيْهِ. ويجوز إعلام قوله: (على أظهر القولين) بالواو، لأنه أجاب بالطريقة المبينة للخلاف. وقوله: (في الحلق والإتلافات) يدخل فيه قتل الصيد، ويقتضي كونه على الخلاف، وهكذا قال الأكثرون، وأشار مشيرون إلى تخصيص الخِلاَفِ بِالْحَلْقِ، والقَلْمِ والقَطْعِ بأنه لا أثر له في قتل الصَّيد. قوله: (والنسيان لا يكون عذراً) أراد في إِسْقَاطِ الفدْيَةِ، فأما الإثم فالنسيان بسقطه كما في سَائِرِ المَحْظُورَاتِ. قال الغزالي: وَلَوْ حَلَقَ الحَلاَلُ شَعَرَ الحَرَامِ بِإذْنِهِ فَالفِدْيَةُ عَلَى الحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهاً وإن (ج) فَعَلَى الحَلاَلِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِتاً فَقَوْلاَنِ. قال الرافعي: إذا حلق شعر غيره فإما أن يكون الحَالِقُ حَرَاماً والمَحْلُوق حَلاَلاً، أو بِالْعَكْسِ، أو يكونا حَرَامَيْنِ، أو حَلاَلَيْنِ. أما الحَالَة الأخيرة فلا يخفى حكمها. وأما الأولى فلا مَنْعَ مِنْهَا، ولا يجب على الحَالِق شَيْءُ، وبه قال مالك، وأحمد خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: ليس لِلْمُحْرِمِ أن يحلق شَعْرَ غَيْرِهِ، ولو فعل فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ. لنا أن هذا الشَّعْرَ ليس له حُرْمَة الإِحْرَامِ، فجاز له حلقه كَشَعْرِ البَهِيمَةِ. وأما: إذا حلق الحلاَلُ أو الحَرَامُ شَعْرَ الحَرَامِ فقد أساء، ثم ينظر إن حلق بأمره فالفدية على المَحْلُوقِ، لأن فِعْلَ الحَالِقِ بأمره مُضَافٌ إليه، ألا تَرَى أنه لو حلف أن لا يَحْلِقَ رَأسه فأمر غَيْرَه فَحلقَ حنث في يمينه، ولأن يَدَه ثابتةٌ عَلَى الشَّعْرِ، وهو مأمور بحفظه. إما على سَبِيلِ الوَدِيعَةِ أو العَارَيةِ كما سيأتي، وكلاهما إذا تَلَف فِي يَدِهِ بأمره يَضْمَن. إن حلق لا بَأمره، فينظر إن كَانَ نائماً أو مكرهاً أو مُغْمَى عَلَيْهِ، ففيه قولان:

стр. 1582

أصحهما: أن الفدية على الحَالِقِ، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ -رحمهما الله- لأنه المُقَصِّر، ولا تقصير من المَحْلُوقِ، وهذا ما أورده في الكِتَابِ. والثاني: وبه قال أبو حنيفة ﵀: أنها على المحلوق واختاره المُزَنِيُّ ﵀: لأنه المرتفق به، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن الشَّافِعِيَّ ﵁ قد خط على هذا القول، لكن الأصحاب نقلوه عن البويطي، ووجدوه غير مخطوط عليه، وبنوا القولين على أن استحفاظ الشَّعْرِ في يد المحرم جَارٍ مجرى الوَدِيعَةِ، لأ مَجْرَى العَارَيةِ وفيه جوابان. إن قلنا بالأول فالفدية على الحَالِقِ، كما أن ضمان الوَدِيعَةِ عَلَى المُتْلِفِ دُونَ المودع. وإن قلنا بالثاني، وجبت على المَحْلُوقِ وجوب الضَّمَانِ عَلَى المُسْتَعِير قالوا: والأول أظْهَر؛ لأن العَارِيةَ هي التي يمسكها لمنفعة نفسه، وقد يريد المحرم الإزالة دون الإِمْسَاكِ، وأيضاً فإنه لو احترق شَعْرُه بتطاير الشَّرَرِ، ولم يقدر على التطفية لا فدية عليه، ولو كان كالمستعير لوجبت عليه الفِدْيَة. التفريع: إن قلنا: الفدية على الحَالِقِ، نظر إن فدى فَذَاك، وإن امتنع مع القدرة فهل للمحلوق مطالبته بِإِخْرَاجِهَا؟ فيه وجهان، وجواب الأكثرين أن له ذلك بناء على أن المُحْرِمَ كالمُودِعِ، والمودع خَصْم فِيمَا يُؤْخَذ منه، ويتلف في يديه. ولو أخرج المحلوق الفدية بإذن الحالق جاز، أو بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَجُوزُ في أَصَحِّ الوجهين، وبه قال ابْنُ القَطَّانِ وَأَبُو عَلِيّ الطَّبَرِي: كما لو أخرجها أَجْنَبِيّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإن قلنا: إن الفِدْيَةَ على المَحْلوقِ، فينظر إن فدى بالهَدْي أو الإطْعَام رَجَعَ بأقَلّ الأَمْرَيْنِ من الطَعَامِ، أو قيمة الشَّاة على الحَالِقِ، وَلاَ يرجع بِمَا زَاد؛ لأن الفِدْيَة علىَ التَّخْيِيرِ، وهو مُتَطَوُعٌ بالزِّيَادَةِ، وإن فدى بالصَّوْمِ فَهَلْ يَرْجِع؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، وعلى الثَّاني بم يرجع؟ فيه وجهان. أظهرهما: بثلاثة أَمْدَادٍ مِنْ طَعَامِ، لأن صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَابِلٍ بمد. الثاني: بما يرجع به، لو فدى بالهُدْي أَو الإِطْعَامِ، ثم إِذَا رجع فَإِنَّمَا يرجع بعد الإِخْرَاجِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ. والثاني: له أن يأخذ منه، ثم يخرج، وهل لِلْحَالِقِ أن يفدي على هَذَا القَوْلِ. أما بالصوم فَلاَ، لأنه متحمل، والصوم لا يتحمل. وأما بِغَيْرِهِ فَنَعَمْ، ولكن بِإذْنِ المَحْلُوقِ؛ لأن في الفِدْيَةِ معنى القُرْبَى، فلا بد من نيَّةِ مَنْ لاَقاهُ الوُجُوبُ. وإن لم يكن نائماً ولا مُغْمَى عَلَيْهِ، ولا مكرهاَ لكنه سكت عن الحَلْقِ، ولم يمنع منه فقد قال في الكتاب فيه قولان، وقال المعظم: وجهان:

стр. 1583

أحدهما: أن الحُكْمَ كما لو كَانَ نَائِماً؛ لأن السُّكوتَ لَيْسَ بِأَمْرٍ، ألا ترى أن السُّكُوت عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ لا يكون أمْراً بالإِتْلاَفِ. وأصحهما: أنه كما لو حلق بأمره؛ لأن الشَّعَرَ عِندَه إِمَّا كَالوَدِيعَة، أو كالعارية، وعلى التقديرين يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ. ولو أمر حَلالٌ حَلاَلاً بحلق شعر حرام، وهو نائم فالفِدْيَة على الآمر إن لم يعرف الحَالِقُ الحَالَ، وإن عرف فعليه في أصح الوجهين. قال الغزالي: النَّوْعُ الخامِسُ: الجِمَاعُ وَنَتِيْجَتُهُ الفَسَادُ وَالقَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا يَفْسَدُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّليْنِ (ح) وَفيمَا بَيْنَهُمَا فلاَ، وَفِي العُمْرَةِ قبْلَ السَّعْي إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَيَفْسَدُ قَبْلَ الحَلْقِ، وَلَيْسَ لِلعُمْرَةِ إِلاَّ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ. قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والرَّفَثُ مفسر بالجماع، فالجماع في الحَجِّ والعمرةُ نَتَائِج، فَمِنْهَا فساد النُّسُكِ، يروى ذلك عن عمر (٢) وعلي (٣) وابْنِ عباس (٤) وأبي هريرة (٥) وغيرهم من الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِين. واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجِمَاعِ إذا وَقَعَ قَبْلَ التحللين لِقُوَّةِ الإِحْرَامِ، ولا فرق بين أن يقع قبل الوُقُوفِ بعَرَفَةَ أو بَعْدَه خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: لا يفسد بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الوقوف، وَلكن تلزمِ بِهِ الفدْيَة. وأما الجماع بين التحللين فلا أَثَرَ لَهُ فِي الفَسَادِ. وعن مالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يفسد ما بقي من إحْرَامِهِ ويقرب منه ما ذَكَرَهُ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أبا القَاسِم الدركي، وأبا عَلِي الطَّبَرِيّ حَكَيَا قولاً عن القديم أنه يخرج إلى أدنى الحِلِّ، ويجدد منه إحْرَاماً ويأتي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ. وأطلق الإمام نقل وجه أنه مفسد كما قبل التَّحلل، وتَفْسُدُ العمرة أيضاً بالجِمَاع قبل حُصولِ التَّحَلُّلِ، ووقت التحلل مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاَفِ السَّابقِ في الحَلْقِ، فإن لم نجعله نسكاً فإنما يفسد بالجِمَاعِ قَبْلَ السَّعْي، وإن جعلناه نُسُكاً فيفسد أيضاً بالجِمَاعِ قَبْلَ

стр. 1584

الحَلْقِ. وقال أَبُو حَنِيفةَ ﵀: إنما يفسد إذا جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أشْوَاطٍ، وأما بعد ذلك فَلاَ. ويجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: (قبل السعي) وقوله: (قبل الحلق) كلاهما بالحاء. واعلم أن التفصيل الذي ذكره في أن الجِمَاعَ يفسدها قَبْلَ الحَلْقِ أو لا يُفْسِدُهَا إلا إذا وقع قَبْلَ السَّعْي مبنياً على الحَلْقِ، هل هو نُسُك ضرب من البَسْطِ والإيضَاحِ، إلا فَإذَا عرفنا في هذا الموضوع أن الجِمَاعَ قبل التَّحَلُّلِ مفسد، وعرفنا من قبلَ الخلاف فِي أن الحَلْقَ هل هو نُسُكٌ أَم لاَ، لا يشتبه علينا التفصيل المذكور. واللواط، وإتيان البهيمة في الإفساد كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة ﵀ فيهما ولمالك ﵀ في إِتْيَانِ البَهِيمَةِ، وروى ابْنُ كِجٍّ وَجْهاً كمذهب مالك. قال الغزالي: ثُمَّ يَجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِهَا بَإِتْمَامِ مَا كَانَ تَتِمَّةً لَوْلاَ الإفْسَادُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ إن أَفْسَدَ، وَإِنْ كانَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ فَشَاةٌ وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ شَيْءٌ، وَالجِمَاعُ الثَّاني بَعْدَ الإفْسَادِ فِيهِ شَاةٌ، وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ شَيْءَ بَلْ يَتَدَاخَلُ. قال الرافعي: سائر العِبَادَاتِ لا حرمة لَهَا بَعْدَ الفَسَادِ، ويصير الشَّخْصُ خَارِجاً مِنْهَا لكن الحَجِّ والعُمْرَة وإن فسدا يجب المُضِيُّ فِيهِمَا، وذلك بإتمام ما كان يفعله، لولا عروض الفَسَادِ، وروى عن عمر (١) وعلي (٢) وابْنُ عَبَّاسٍ (٣) وأبي هريرة (٤) ﵃ أنهم قالوا: "مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ مَضَى فِي فَاسِدِهِ، وَقَضَى مِنْ قَابِلٍ". ومن نتائج الفَسَادِ الكفارة، وهي بدنة، والقول في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها مذكور في بَابِ الدِّمَاءِ. وعند أبي حنيفة ﵀ إِنْ جامع قبل الوقوف لا تجب الفِدْيَة، وإنما يجب فيه دم شَاةٍ، وهذا مع تسليمه حصول الفَسَادِ، والحالة هَذِه، ولذلك أعلم قوله: (وعليه بدنه إن أفسد) بالحاء، والعمرة كالحَجِّ في وُجُوبِ البَدَنَةِ. وعن أبي إسحاق: أن بعض أصْحَابِنَا ذهب إلى أن لا يَجِب فِي إِفْسَادِهَا إِلاَّ شاة، لانخفاض رتبتها عَنْ رُتْبَةِ الحَجِّ، ثم في الفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: لو جامع بين التحللين وفرعنا على الصَّحِيحِ، وهو أن لا يُفْسِد ففيما يجب؟ فيه قولان: أظهرهما: شاة، لأنه لا يتعلق فَسَاد الحَجِّ بِهِ، فأشبه المُباشَرة فيما دُونَ الفَرْجِ.

стр. 1585

واختار المزني هذا القول، وأشار في "المختصر" إلى تخريجه للشافعي ﵁، وقيار: إنه حَكَاهُ فِي غير "المختصر" عن نصه. والثاني: أن الواجب بدنهُ، لأنه وَطْءٌ محظورٌ في الحَجِّ، فأشبه الوَطْءَ قَبْلَ التحلل، وبهذا قال مَالِك وأحمد، ونقل الإمام بدل القولين وجهين، ووجهًا ثَالِثاً، وهو أنه لاَ يَجِب فيه شَيْءٌ أَصْلاً، وهو ضَعِيف؛ لأن الوطء لا ينقص عن سَائِرِ محظورات الإحْرَامِ، وهي بين التحللين موجبة للفدية على ظَاهِرِ المَذْهَب، وإذَا عرفت ذلك عَلَّمْتَ قوله: (فشاه) وقوله: (لا يجب شيء) بالميم والألف، وقولهَ: (بدنه) وقوله: (لا يجب شيء) بالزاي. الثانية: إذا فسد حَجُّه بالجِمَاعِ ثم جامع ثانياً، فينظر إن لم يفد عن الأول ففي وجُوبِ شَيْءٍ للثَّانِي قولان: أحدهما: لا يجب، بل يتدخلان كما لو جَامَع في الصَّوْمِ مرتين لا تَجِب إلاَ كَفَّارةٌ وَاحِدَةٌ. وأصحهما: أنه لا تداخل لبقاء الإحْرَامِ، ووجوب الفدية بارتكاب سَائِرِ المَحْظُورَاتِ بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فإنه بالجماع الأول قد خرج عنه، وإن فدى عن الأول فلا تَدَاخل على المَشْهُورِ، ومنهم من طرد القولين، وبعضهم خصص القولين في الحالين بما إذا طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ الجِمَاعَيْنِ، واختلف المجلس، وقطع بالتداخل فيما إذا لم يكن كذلك، وحيث قلنا: بعدم التَّدَاخُلِ ففيما يَجِب بالجِمَاعِ الثَّانِي قولان: أحدهما: بدنه كما في الجِمَاعِ الأول. وأظهرهما: شاة؛ لأنه محظور لا يتعلق به فساد النُّسُكِ، فأشبه سائر المحظورات، وإذا اختصرت هذه الاختلافات قلت في المسألة ثلاثة أقوال على ما ذكره في الكتاب: أظهرها: أن الجِمَاعَ الثاني يوجب شَاةً، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. والثاني: أنه يوجب بَدَنه. والثالث: أنه لا يوجب شيئاً وبه قال مالك. وعند أحمد ﵀ إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ وجب للثاني بَدَنَةٌ، ويجوز أن يُعَلَّم لهذه المذاهب قوله: (فيه شاة) بالميم، والألف، وقوله: (بدنة) بالميم والحاء، وقوله: (لا شيء) بالحاء والألف. قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا أَتَمَّ الفَاسِدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ، وَيتَأَدَّى بِالقَضَاءِ مَا كَانَ يَتَأَدَّى

стр. 1586

بِالأَدَاءِ مِنْ فَرْضِ إسْلاَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كانَ تَطَوُّعاً فَيَجِبُ القَضَاءُ وَلاَ يَتَأدَّى بِهِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ، وَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى الفَوْرِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في الكَفَّارة وَقَضَاءِ الصَّوْمِ إِذَا وَجَبَا بعُدْوَانٍ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ فَلاَ يَضِيقُ، وَقَضَاءُ الصَّلاَةِ المَتْرُوكَةِ عَمْداً عَلَى الفَوْرِ لِتَعَلُّقِ القَتْلِ بِهِ، وَإذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ لَزِمَهُ في القَضَاءِ أَنْ يُحْرَمِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ. قال الرافعي: إفساد الحَجِّ يقتضي القضاء بالاتفاق، وقد روينا عن كِبَارِ الصَّحَابَةِ ﵁ أنهم قالوا: "وَقَضَى مِنْ قَابِل"، ولا فرق في وجوب القَضَاءِ بين حَجِّ الفَرْضِ، وحَجِّ التَّطَوُّع، فإن التطوع يصير بالشُّروعِ فَرْضاً أيضاً، وقضاء كُلِّ حَجَّةٍ يجزئ عَمَّا كان يُجْزِئ آداؤها لَوْلاَ الفَسَاد فَلاَ يتأدى بالفَرْضِ غيره، ولا بالتطوع غيره. ولو أفسد القضاء بالجماع لزمته الكَفَّارة، ولم يلزمه إلا قَضَاء واحد؛ لأن المقضي وَاحِدٌ، ويتصور القَضَاء في عَامِ الإفْسَادِ بأن يحصر بعد الإفساد، ويتعذر عليه المضي في الفَاسِدِ فيتحلل، ثم يتفق زوال الحَصْر، والوقت باقٍ فيشتغل بالقضاء. هذا أصْلُ الفَصْلِ، ويتعلق به صور: إحداها: في كيفية وجوب القضاء وجهان: أحدهما: أنه على التَّرَاخِي، كما كان الأداء عَلَى التَّرَاخِي. وأصحهما: أنه على الفَوْرِ؛ لأنه لزم، وتضيق بالشّرُوع، ويدل عليه ظَاهِر قول الصَّحَابَةِ ﵀ عنهم- أنه يقضي من قَابِل، وعن القَفَّالَ: إجراء هذا الخلاف في كل كَفَّارَةٍ وجبت بعْدوَان؛ لأن الكَفَّارَةَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ على التَّرَاخِي كَالْحَجِّ. وأما الكفارة الواجبة من غير عدوان فَهِى عَلَى التَّرَاخِي لاَ مَحَالَة، وأجرى الإمامُ ﵀ الخلاف في المتعدي بترك الصَّوْمِ أيْضاً، والكلام في انقسام قضاء الصَّوْمِ إلى الفَوْرِ والتَّرَاخِي، والخلاف فيه قد مَرَّ في كِتَابِ الْصَّوْمِ. قال الإمام: والمتعدي بترك الصَّلاة يلزمه قَضَاؤُهَا على الفَوْرِ بِلاَ خِلاَفٍ عَلَى المَذْهَبِ؛ لأن المصمم على ترك القَضَاءِ مَقْتُول عِنْدَنَا، ولا يتحقق هَذَا إلاَّ مَعَ توجه الخِطَاب بمبادرة القَضَاءِ وهذا ما أورده المُصَنِّف حُكْماً وتوجيهاً، وفي التوجيه وقفة؛ لأن أكثرَ الأَصْحَاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القَضَاءِ على ما عرفت في باب تَارِكِ الصَّلاَةِ. وأما الحكم فاعلم أن في وجوب الفور وجهين في حَقِّ المتعدي. أحدهما -وبه أجاب في الكتاب-: أنه يجب، لأَنَّ جواز التأْخِيرِ نوع تَرْفِيهٍ

стр. 1587

وتخفيف، والمُتَعَدِّي لا يستحق ذَلِك، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وهو الأشبه على ما ذكرنا في ترك الصَّوْم. والثاني: أنه لا يجب إذ الوقت قد فات واستوت بعده الأوقات، وربما رجح العراقيون هذا الوجه. وأما غير المتعدي فالمَشْهُورُ أنه لا يلزمه الفَوْر في القَضَاءِ، روي أن النَّبِيِّ ﷺ : "فَاتَتْه صَلاة الصُّبْحِ فَلَم يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي" (١). ونقل في "التهذيب" وجهاً أنه يلزمه لقوله ﷺ : "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (٢). الثانية: إن كان قد أحرم في الأَدَاءِ قبل الميقات مثل إن أحرم من الكوفة أو من دوَيْرَةِ أَهْلِهِ لزمه أن يخرج في القَضَاءِ من ذلك المَوْضِعِ، لأن ما بين ذلك الموضع مسافة لزمه قطعها مُحْرِماً في الأَدَاءِ، فيلزمه في القَضَاءِ كما بين الميقات ومكَّة، ولو جاوزه أراقَ دَماً كما لو جاوز المِيقَات الشَّرْعِي. وإن كان قد أحرم بَعْدَ مجاوزة المِيقَاتِ نظر إن جاوزه مسيئاً لزمه في القضاء أن يحرم من الميقات الشَّرْعِي، وليس له أن يُسِيءَ ثَانِياً، وهذا معنى قول الأصحاب يحرم في القضاء من أغلظ الموضعين عليه من الميقات، أو من حيث أحرم في الأَدَاءِ، وإن جاوزه غير مُسِيئٍ بأن لم يرد النُّسُك، ثم بَدَا لَهُ فأحرم، ثم أفسد فقد حكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ فيه وجهين: أحدهما -وهو الذي أورده صاحب "التهذيب"-: أن عليه أن يحرم في القَضَاءِ من المِيقَاتِ الشَّرْعِي، لأنه الوَاجِب فِي الأَصْلِ. وأصحهما: عند الشيخ أَبِي عَلِيٍّ: أنه لا يلزمه ذلك، بل له أن يحرم من ذلك الموضع سُلُوكاً بالقضاء مَسْلَك الأَدَاءِ، وهذا لو اعتمر المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحَجِّ من مَكَّة وأفسده لا يلزمه في القَضَاءِ أن يحرم من المِيقَاتِ، بل يكفي أن يُحْرِمُ مِنْ جَوْفِ مَكَّة. ولو أفرد الحَجَّ ثم أحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ من أدْنَى الحِلِّ ثم أفسدها يكفيه أن يحرم في قَضَائِهَا مِنْ أدْنَى الحِلِّ، والوجهان مفروضان فيما إذا لم يرجع إلى المِيقَات فما فوقه. أما إذا رجع ثم عاد فَلاَ بُدَّ مِنَ الإحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ. واعلم قوله في الكتاب: (لزمه في القضاء أن يحرم من ذلك المكان) بالميم والحاء؛ لأن مالكاً وأبا حنيفة -رحمهما الله- قالا: يحرم في قَضَاءِ الحَجِّ من الميقات، وفي قضاء العُمْرَةِ مِن التَّنْعِيمِ. ولا يجب أن يحرم بالقَضَاءِ في الزمان الذي أحرم فيه

стр. 1588

بالأَدَاءِ، بل له التَّأْخِير عنه مئل أن يُحْرِم بالأَدَاءِ فِي شَوَّال، له أن يُحْرِمَ بالقَضَاءِ فِي ذِي القِعْدَةِ، وفرقوا بَيْنَ الزَّمَانِ والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المَكَاني أَكْمَل، ألا ترى أن مَكَانَ الإِحْرَام يتعين بالنَّذْرِ، وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الإحْرَامَ بِالْحجِّ في شَوَّالٍ له أن يُؤَخِّره، وظني أن هذا الاستشهاد لا يسلم عن النِّزَاعِ. الثالثة -ولم يذكرها في الكتاب-: لو كانت المَرْأَةُ مُحْرِمَةٌ أيضاً نظر إن جَامَعَهَا وهي نائمةٌ أو مُكْرَهَةٌ لم يفسد حَجُّهَا، وإلا فَسَدَ، وحينئذ يَجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحدٍ منهما بَدَنة أو لا يجب إلا بدنة واحدة؟ فيه قولان: والأصح الثَّانِي. ثم تلك البدنة تختص بالرّجُل، أن يُلاَقِيها وهو متحمل عنها؟ فيه قولان كما سبق في الصَّوْمِ، وقطع قاطعون بلزوم البَدَنَةِ عليها بِخِلاَف الصَّوْمِ؛ لأن هناك يَحْصُل الفِطْرُ قَبْلَ تمام حقيقة الجِمَاعِ، وغير الجماع لا يوجب الكَفَّارة. وإذا خرجت الزوجة لِلْقَضَاءِ فهل يَجِب على الزَّوْجِ ما زاد من النفقة بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ فيه وجهان: قال في "العدة": ظاهر المذهب منهما الوجُوبِ. وإذا خَرَجَا معاً للقضاء فليفترقا في المَوْضِع الذي اتفقت الإِصَابة فيه كَيْلاَ تدعوه الشَّهْوَةُ إِلَى المُعَاوَدَةِ، فإن معهد الوصال مشوق، وهَلْ يَجِب؟ فيه قولان: القديم: نعم، وبه قال أحمد؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ أنه قال: "فَإذَا أتَيَا الْمَكَانَ الذِي أَصَابَا فِيهِ مَا أَصَابَا تَفَرَّقَا" (١). والجديد: لا، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، كما لا يجب في سَائِرِ المَنَازِلِ، ويستحب أن يَتَفَرَّقَا مِنْ حِينَ الإحْرَامِ، وذهب مالك إلى وجوبه. قال الغزالي: وَلَو أَفْسَدَ القَارِنُ فَفِي لُزُومِ دَمِ القِرَانِ وَجْهَانِ، وَتَفُوتُ العُمْرَةُ بفساد القِرَانِ، وَهَل تَفُوتُ بِفَوَاتِ الحَجِّ فِي القِرَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الفَرْقِ أن التَّحَلُّلَ عَنِ الفَائِتِ بِأعْمَالِ العُمْرَةِ. قال الرافعي: يجوز للمفرد بأحد النسكين إذا فسده أن يقضيه مع الآخر قَارِناً، وأن يتمتع بالعُمْرَةَ إلَى الحَجِّ، ويجوز للمتمتع والقَارِنِ القَضاء عَلَى سَبِيلِ الإفْرَادِ، ولا يسقط دَمُ القَرَانِ بالقَضَاءِ عَلَى سَبِيلِ الإِفْرَادِ خلافاً لأحمد ﵀. إذا عرفت ذلك فَفِي الفَصْل مسألتان:

стр. 1589

إحداهما: إذا جامع القَارِن لم يخل إما أن يُجَامع قبل التَّحَلُّلِ الأَوَّل أو بعده. الحالة الأولى: أن يجامع قبله فيفسد نسكاه، ويجب عليه بدنة واحدة لاتحاد الإحْرَام، وهل يلزم دَمُ القَرَانِ معَ البَدَنَة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يتمتع بِقَرَانِه، وقد ذَاقَ وَبَالَ الإِفْسَادِ فيكتفي به. وأظهرهما: ولم يورد المعظم سواه؛ نعم؛ لأنه لزم بالشّروع فلا يسقط بالإِفْسَادِ. وعن أبي حنيفة ﵀ لا بدنة إلا مَعَ الإِفْسَاد كما سبق، ويلزمه شَاتَانِ لأنهما نُسُكَانِ، ثم إذا اشتغل بقضائهما فإن قرن، أو تمتع فَعَلَيْهِ دَمٌ آخر، وإلا فقد أشار الشَّيْخُ أَبُو عَلِي -رحمه الله تَعَالى- إِلَى خلاَفٍ فيه (١)، ومال مالك إلى أنه لا يَجِب شَيْءٍ آخر. الثانية: أن يجامع بعد التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ فَلاَ يفسد واحد من نُسُكَيْهِ، واحتج له بأن عروض المفسد بعد التحلل من العبادة لا يُؤَثِّر، ألا ترى أنه إذَا سلم التسليمة الأولى من الصَّلاَةِ، ثم أتى بِمُفْسِدٍ لم تفسد صَلاتُه، ولا فرق بين أن يكَون قد أَتَى بأعْمَالِ العُمْرَةِ، أو لم يَأْتِ بهَا، وعن الأودني أنه إذا لم يأت بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ العُمْرَةِ تَفسد العُمْرَة، والمذهب الأَوَّل؛ لأن العُمْرَة في القَرَانِ تتبع الحَجِّ فِي الحُكْم، ولهذا يَحِلُّ لِلْقَارِنِ معظم محظورات الإحرام بعد التحلل الأَوَّلِ وإن لم يأت بأعْمَالِ العُمْرَةِ. ولو قدم القارن مَكَّة وَطَافَ وَسَعَى، ثم جامع بَطَل نُسُكَاهُ جَمِيعاً، وإن كان ذلك بَعْدَ أَعْمَالِ العُمْرَةِ. ثم الواجب في هذه الحالة بدنة أو شاة؟ فيه قولان قد سَبَقَا. المسألة الثانية: القارن إذا فاته الحَجُّ لفوات الوُقوفِ، هل يقضي بفوات عمرته؟ فيه قولان: وقال الإمام وصاحب الكتاب وَجْهَان: أظهرهما: نعم، اتباعاً العمرة للحج كما تفسد بِفَسَادِهِ، وَتَصِحَّ بِصِحَّتِهِ. والثاني: لا، لأن وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ، ويخالف الفساد؛ لأن من فاته الحَجّ يتحلل بعمل عمرة فلا معنى لتفويت عمرته مع إتيانه بِهَا، واتساع وقتها، وإذا قُلْنَا: بفواتهما فعليه دَمٌ وَاحِدٌ للفوات، ولا يسقط عنه دَمُ القَرَانِ، وإذا قَضَاهُمَا فالحكم على ما ذكرناه في قضائهما عند الإِفْسَادِ، وإن قرن أو تمتع فعليه دَمٌ ثَالِثٌ، وإلا فَعَلَى الخلاف.

стр. 1590

قال الغزالي: وَالجِمَاع دَاِئرٌ بَيْنَ الاسْتِمْتَاعَاتِ وَالاسْتِهْلاَكَاتِ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالاسْتِمْتَاعِ كَانَ النِّسْيَانُ عُذْراً فِيهِ. قال الرافعي: جميع ما ذكرنا في جماع العامد العالم بالتحريم فأما إذا جامع ناسياً، أو جَاهِلاً بالتحريم ففي فساد حجه قولان: القديم -وبه قال أبو حنيفة، ومالك المزني ﵀: أنه يفسد؛ لأن سبب مُعَلَّقٌ بِه وجوب القَضَاءِ، فأشبه الفوات في استواء عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ. والجديد: أنه لا يفسد إلا أن يُعَلَّم فيدوم عليه، ووجهه أن الحَجّ عبادة تتعلق الكَفَّارَةِ بإفْسَادِهَا، فيختلف حكمها بالعَمْدِ والسَّهْوِ، كالصوم وفارق الفوات؛ لأن الفوات يتعلق بارتكابِ مَحْظُورٍ، ولا يخفى افتراق الطرفين في الأُصُولِ. وقوله: (والجماع دَائِرٌ بين الاستمتاعات والاستهلاكات إلى آخره)، أشار به إلى ما ذَكَرَهُ الأئمة أن معنى الاستمتاع بَيِّنٌ في الجِمَاع، وفيه مشابهة الاستهلاك، ولهذا يضمن به المهر بالقولان مبنيان على أن أي المعنيين يرجح إن رجحنا معنى الاستمتاع فرقنا بينهما كما في الطّيبِ وَاللِّبَاسِ، وهو الأصَح. وقوله: (كان النسيان عذراً فيه) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم والزاي، لما عرفته من مذهبهم، ولو أكره على الوَطْءِ، فمنهم من جعل الفساد على وجهين بناء على القولين في النَّاسِي، وعن أبي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵀ القطع بالفساد ذهاباً إلى أن إكراه الرجل على الوطء ممتنع ولو أحْرَمَ عَاقِلاً، ثم جن فجامع ففيه القولان في جِمَاعِ النَّاسِي (١) -والله أعلم-. قال الغزالي: وَيفْسَدُ الحَجُّ بِالرِّدَّةِ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، فَلَوْ عَادَ إلى الإسْلاَمِ لَمْ يَلْزَمِ المُضِيُّ فِي الفَاسِدِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الرِّدَّةِ مُحْبِطَةٌ. قال الرافعي: لما تكلم فيما يفسد الحج، وهو الجماع أراد أن يبين أن المُفْسِدَ هل هوَ مُخْتَصِرٌ فيه أم لا؟ وفقه الفَصْل أن الأصحاب اختلفوا في أن عروض الرِّدَّةِ في الحَجِّ والعمرة يفسدهما على وجهين: أحدهما: أنها لا تُفْسِدُهُمَا، لكي لا يعتد بالمأتي به في زمان الرِّدَّة على ما مَرَّ نظيره في الوُضُوءِ والأذان.

стр. 1591

وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنها تفسدهما كما تُفْسِدُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ، ولا فرق على الوجهين بين أن يطول زَمَانُهَا أو يقصر، وإذا قلنا: بالفساد فوجهان: أظهرهما: أنه يبطل النُّسُكُ بالكُلِّيَّةِ، حتى لا يمضي فيه لاَ فِي الردة ولا إذا عَادَ إلى الإِسْلاَمِ، لأن الرِّدَّةَ محبطَةٌ لِلْعِبَادَةِ. والثاني: أن سَبِيلَ الفَسَادِ هَاهُنَا كَسَبِيلِهِ عند الجماع، فيمضي فيه لَوْ عَادَ إلى الإسْلاَم، لكن لا تجب الكَفَّارة كما أن إفساد الصَّوْمِ بالردة لا تتعلق به الكفارة، ومن قال بالأول فرق بينها وبين الجماع بمعنى الإحْبَاطِ، وأيضاً فإن ابتداء الإحْرَامِ لا ينعقد مع الرِّدَّةِ بِحَالٍ، وفي انعقاده مع الجِمَاعِ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ينعقد على الصِّحَّة، فإن نزع في الحَالِ فذاك، إلا فَسَدَ نُسُكُه، وعليه البَدَنَةُ والقَضَاءُ، والمُضِيُّ فِي الفَاسِدِ. والثاني: أنه ينعقد فاسداً، وعليه القضاء، والمُضِيَّ فيه مكث أو نزع، ولا تَجِب الفِدْيَةُ إِنْ نَزَعَ في الحَالِ، وإن مكث وجبت، وَهَلْ هِيَ بَدَنَةٌ أو شَاةٌ؟ يخرج على القولين في نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّورَةِ. الثالث: أنه لا ينعقد أصْلاً كما لا تنعقد الصَّلاة مع الحَدَثِ. قال الغزالي: النَّوْعُ السَّادِسُ مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ كَالقُبْلَةَ وَالمُمَاسَّةِ ، وَكُلُّ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْهَا يُوجِبُ الفِدْيَةَ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل (م)، وَلاَ تَجِبُ البَدَنَةُ إِلاَّ بِالجِمَاعِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالإنْكَاحُ لاَ يَنْعَقِدَانِ مِنَ المُحْرِمِ (ح) وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ. قال الرافعي: مقصود الفصل مَسْألَتَانِ: إحداهما: ليس للمُحْرِم التقبيل بالشَّهْوَةِ وَلاَ المباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ، كالمفاخَذَةِ واللمس بالشَّهْوَةِ قبل التَّحَلُّل الأَوَّلِ، فإن الاعتكاف يحرم جميع ذلك ومعلوم أن الإحرام أولى بِتَحْرِيمِهِ فِيهِ، وَفي حِلِّهَا بعد التحلل الأول مَا مَرَّ مِنَ الخِلاَفِ، وحيث ثبت التَّحْرِيمُ وَبَاشَرَ شيئاً مِنْها عَمْداً وجبت عَلَيْهِ الفِدْية، روي عن علي (١) وابْنِ عَبَّاسٍ (٢) ﵄: "أَنَّهُمَا أَوْجَبَا بِالْقُبْلَةِ شَاةً" وإن كان ناسياً لم يلزمه شَيْءٌ بِلاَ خِلاَف؛ لأنه استمتاعٌ مَحْضٌ، ولا يُفْسِد شَيْءٌ مِنْهَا الحَجِّ، ولا يوجب البَدَنة بِحَالٍ سواء، أنزل أو لَمْ يَنْزِل، وبه قَالَ أَبُو حَنيفَة.

стр. 1592

وعند مالك: يفسد الحَجِّ إذا أنزل، وهو أظهر الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. لنا أنه اسْتِمْتَاعٌ لا يتعلق به الحد فلا يفسد الحج كما لو لم ينزل، وليكن قوله: (ولا تلزم البدنة إلا بالجماع) معلماً بالميم والألف لما روينا عنهما، وأيضاً فلأن عند أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ في أنه تَجِبَ بَدَنَةٌ أو شاةٌ تفريعاً على عَدَم الفَسَادِ في صورة الإنزال، وأيضاً فلأنه روى عنه هذا الخِلاَف في صُورَةِ عَدَم الإِنْزَالِ، وقد نَجِد فِي النُّسُخِ إعلام قوله: (أو لم ينزل) بالميم، لأن صَاحِبَ الكِتَاب حَكى في "الوسيط" عن مذهب مالك أنه لا يَجِبُ الدَّمُ عند الإنزال، والأغلب على الظَّنِّ أنه وَهِمَ فيه: فرعان: الأول: الاستمناء باليَدِ يُوجِبُ الفدية في أَصَحِّ الوَجْهَيْن. الثاني: لو بَاشَرَ دُونَ الفَرْج، ثم جامع هَلْ تدخلُ الشَّاةُ فِي البَدَنَةِ أو يجبان جميعاً؟ فيه وجهان: المسألة الثانية: لا ينعقد نِكَاحُ المُحْرِمِ، ولا إنكاحه ولا نِكَاح المحرمة، ولا يستحب خِطْبَةُ المُحْرِمِ، وَخِطْبَةُ الْمُحْرِمَةِ، والقول في هذه المَسْألة، والخِلاَف فيها وتفاريعها يأتي في كِتَابِ النِّكَاحِ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-. قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَاشَرَ هَذِهِ المَحْظُورَاتِ كُلَّهَا فَهَلْ يَتَدَاخَلُ الوَاجِبُ؟ قُلْنَا: إِنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ كَالاسْتِهْلاَكِ وَالاسْتِمْتَاعِ لَمْ يَتَدَاخَلْ، وإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِهْلاَكِ كَالقَلْمِ وَالْحَلْقِ لَمْ يَتَدَاخَل أَيْضاً، وَجَزَاءُ الصُّيُودِ لاَ يَتَدَاخَلُ، وَإِنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَالزَّمَان فِي الاسْتِمْتَاعِ تَدَاخَلَ، كمَا إِذَا لَبِسَ العِمَامَةَ وَالسَّرَاوِيل وَالخُفَّ عَلَى التَّوَاتُرِ المُعْتَادِ فَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وإن تَخَلَّلَهُ زَمَانٌ فاصِلٌ فَقَوْلاَنِ فِي الاتِّحَادِ، وَمَهْمَا تَخَلَّلَ التَّكْفِيرُ تَعَدَّدَ، وَانِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِمْتَاعِ كَالتَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ، فَالأَصَحُّ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ كَانَ العُذْرُ شَامِلاً كَمَا إِذَا حَلَقَ وَتَطَيَّبَ بِسَبَبِ شَجَّةٍ أَوْ تَطَيَّبَ مِرَاراً بِسَبَبِ مَرَضٍ وَاحِدٍ فَفِي التَّداخلِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلاثةِ أَوْقَاتٍ وَقُلْنَا: لاَ أَثَرَ لِتَفْرِيقِ الزَّمَانِ فَالوَاجِبُ دَمٌ وَإِلاَّ فَثَلاثَةُ دَرَاهِمِ عَلَى قَوْلٍ، أَوْ ثَلاثَةُ أَمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ. قال الرافعي: الغرض الآن الكلام فيما إذا وجد من المحرم من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام شيئان فَصَاعِداً، وبيان أنه متى تتعدد الفِدْيَة، ومتى تَتَدَاخَل، ولو أَخَّرَ هَذَا الفَصْلَ أن يذكر النَّوع السَّابعَ أَيْضاً لكان أحْسَنَ فِي التَّرْتِيب. وجملة القول فيه أن المَحْظُورَاتِ تنقسم إلى اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ، واستمتاع كالتطيب وإذا بَاشَرَ محظورين، فأما أن يكون أحدُهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، والآخر من

стр. 1593

الاستمتاع، أو يكونا معاً من قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، أو من قِسْمِ الاسْتِمْتَاعِ. الحالة الأولى: أن يكون أحدهما من هذا، والآخر من ذاك، فينظر إن لم يستند إلى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَحَلْقِ الرَّأْسِ ولبس القميص تعددت الفِدْيَة ولا تداخل؛ لأن السَّبَبَ مُخْتَلِفٌ، ولا تداخل عند اخْتِلاَفِ السَّبَبِ، كما في الحدود، وإن استند إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَا إِذَا أصاب رَأْسَهُ شَجَّةٌ، واحتاج إلَى حَلْق جَوَانِبِهَا وسترها بضماد فيه طيب فوجهان: أصحهما: أنه لا تداخل أيضاً؛ لاخْتِلاَفِ أَسْبَابِ الفدْيَةِ. والثاني: أنها تتداخل؛ لأن الدَّاعِيَ إلى جَمِيعِهَا شَيْءٌ وَاحِد. الحالة الثانية: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، فلا يخلو إما أن يكونوا مما لا يقابل بالمثل، أو بما يقابل به، أو أحدهماَ مِنْ هَذَا، والآخر مِنْ ذَاكَ، فأما الضَّرْبُ الأَوَّلُ، فينظر إن اختلف نَوْعُه كَالْحَلْقِ، والْقَلْم، فَلاَ تَدَاخل، ويجب لِكُلِّ واحدٍ فِدْيَة، سواء وجد علي سبيل التفرق أو التوالي في مَكَانٍ وَاحِدٍ، أو مكانين كالحدود لا تتداخل إذا اختلفت أسبابها، ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في ضمن فعل واحد، كما لو لبس ثوباً مُطَيَّباً بلزمه فِدْيَتَانِ. وفيه وجه أنه لاَ يَجِب إلاَّ فِدْيَة وَاحِدَة. وإن اختلف النوع كما إذا كَانَ الموجودُ مِنْهُ الحَلْق لا غير فقد سَبَقَ أن حُكْمَ ثلاث شعرات يقابل بِدَمٍ وَاحِدٍ، ولو حلق جميع الرأس دفعة واحدة في مَكَانٍ وَاحِدٍ لم يلزمه إلاَّ فِدْيَة واحدة؛ لأنه يُعَدَّ فعلاً واحداً. وكذا لو حلق شَعْرَ رَأْسِهِ وبدنه على التَّوَاصُلِ. وعن الأنماطي: أنه يلزمه فِديَةٌ لِشَعْرِ الرَّأْسِ، وَفِدْيَةُ لِشَعْرِ البَدَنِ. ولو حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ في مكانين أَوْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن في زمانين متفرقين فَفِي التَّدَاخُلِ طريقان: أحدهما -وبه قال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أنه كما لو اتحد نوع الاستمتاع، واختلف المكان والزمان وستعرفه. وأصحهما -وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: القَطْعُ بِعَدَم التَّدَاخُلِ، لأنه إتْلاَف، فيضمن كل واحد ببدله كما في قَتْلِ الصّيودِ، ويخالف ما إِذَا حَلق شَعْره، أو قلم أظافره دفعةً وَاحِدَةً، فإن وجوب الفدية الواحدة لَيْسَ عَلَى سَبِيل التداخل، بل لأن الموجودَ فِعْلٌ واحِدٌ. ولو حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ في ثلاثة أمكنة أَوْ ثَلاثَةِ أوقاتٍ مُتَفَرِّقَةِ. فإنْ قلنا: إنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ تقابل بثلث فلا فرق بين أَخْذِهَا دفعة واحدة، أو في دفعات. وإن قلنا: إن الشَّعرَةَ الوَاحِدَةَ تقابل بِمُدٍّ أو دِرْهَمٍ، والشَّعرَتَيْنِ بِمُدَّينِ أو درهمين، فينبني على الخِلاَف الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الآن، وإن لم نعدد الفِدْيَة فيما إذا حَلَقَ الرأس في دفعتين، أو دفعات، ولم نجعل لتفريق الزَّمَانِ أثراً فالواجب فِيهَا دَمٌ، كما لو

стр. 1594

أخذَهَا دفعةً وَاحِدَةً، وإن عددناها وجعلنا التَّفْرِيقَ مؤثراً قَطَعْنَا حُكْمَ كُلِّ شَعْرَةٍ عَنِ الآخرين، وأوجبنا فيها ثلاثة دَرَاهِم على قَوْلٍ، وثلاثة أمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ. والضَّرْبُ الثَّانِي: ما يقابل بمثله، وهو إتْلاَف الصّيُودِ، فتتعدد فديتها، سواء فدى عن الأول، أو لم يفد، اتحد المكان أو اختلف، وإلَى أو فَرَّق؛ لأن سَبِيلَهَا سَبِيلُ ضَمَانِ المُتْلَفَاتِ، وحكم الضَّرْبِ الثَّالِثِ حُكْمُ الضَّرْبِ الثَّانِي بِلاَ فَرْقٍ. الحالة الثالِثة: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاستمتاع فلا يخلو إما أن يَتَّحِدَ النَّوْع أو يختلف. القسم الأول: أن يتحد كَمَا لَوْ تَطَيَّبَ بأنْوَاعٍ مِنَ الطِّيب، أو لبس أنواعاً مِنَ المَخِيطِ كَالعَمَامَةِ، والقميص، والسَّرَاوِيلِ، والخُفّ، أو نوعًا وَاحداً مَرَّةً بعد أخرى، فينظر إن فَعَل ذَلِك في مَكَانٍ وَاحِدٍ على التوالي فَلاَ تعدد؛ لأن جَمِيعَهُ يعد خُطَّة وَاحِدَة. قال الإمام: ولا يقدح في التوالي طول الزَّمَان في مضاعفة القميص، وتكوير العمامة، ويشبه هذا بالرضعة الوَاحِدَة في الرَّضَاعَةِ، والأكلة الواحدة في اليَمِين، وهذا ما أشَارَ إليهِ صَاحِبُ الكِتَابِ بقوله: (على التتابع المعتاد). وإن فعل ذلك في مكانين أو مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن تخلل زَمَانٌ فَاصِل، فينظر إن لم يتخلل التَّكْفِير بينهما فقولان: الجديد -وبه قال أبو حنيفة-: أنه يَجِب للثَّانِي فدية أخرى، كما في الإتْلاَفِ. والقديم: أنه لا يجب، وتتداخل؛ لأن الفِدْيَةَ تَجِب لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، ويفرق فيها بين العَامِدِ، والنَّاسِي فأشبهت الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ لِلْحُدُودِ. فَإِنْ قُلْنَا: بالأَّوَّلِ فذلك إِذَا لم يجمعها سبب واحد. أما إذا تطيب أو لبس مراراً لِمَرَض وَاحِدٍ: فوجهان: كما ذكرنا في الحَالَةِ الأُولَى: وأصحهما: التعدد أيضاً. وإن تخلل بينهما تكفير فلا خِلاَفَ فِي وُجُوبِ فِدْيَة أُخْرَى، كَمَا فِي بَابِ الحدود. وإن كان قد نوى بما أخرجه المَاضِي، والمستقبل جَمِيعاً فيبنى على أن تقديم الكفارة على الجنب المَحْظُورِ، هَلْ يَجُوزُ أم لا؟ من قلنا: لا: فلا أثر لِهَذِهِ النِّية. وإن قلنا: نعم: فوجهان: أحدهما: أن الفديةَ ملحقَةٌ بِالْكَفَّارَة في جواز التَّقْدِيمِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ للثَّاني شَيْءٌ.

стр. 1595

والثاني: المنع: كما لا يجوز للصَّائِم أن يُكَفِّرَ قَبْلَ الإِفْطَارِ. والقِسْمُ الثَّانِي: أن يَخْتَلِفَ النوع، كما إذَا لَبِسَ وَتَطَيَّبَ، فوجهان فِي تعدد الفِدْيَة، وإن اتحد المَكَانُ، وتواصَلَ الزَّمَانُ. أحدهما: أنها لا تتعدد؛ لأن المَقْصد وَاحد. وهو الاستمتاع، ويحكى هذا عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةٍ. وأصحهما: التَّعَدُّد؛ لتباين السَّبَبِ، ومنهم من نظر إلى اتحاد السَّبَبِ، وتعدده، كما قدمنا نظيره، وما ذكرنا كله في غَيْرِ الجِمَاع، أما إذا تكرر مِنْهُ الجِمَاعَ فقد ذكرنا حكمه من قبل. هذا شَرْحُ الفَصْلِ، ولا تلمني على ما لحق مسائله من التقديم والتَّأخِير، فالَّذِي أوردته أحسن ما حَضَرَنِي مِنْ طُرُقِ الشَّرْحِ، وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجزاء الصيود لا يتداخل أيضاً)، بالحاء، لأن عند أبي حنيفة ﵀ أنها لا تتداخل إذَا قتلها، إلا عَلَى قَصْدِ رَفْضِ الإِحْرَامِ. فأما إذا قَتَلَهَا قَاصِداً رفض الإِحْرَام لَمْ يَجِبِ إِلاَّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. قال الغزالي: النَّوْعُ السَّابعُ إتْلاَفُ الصَّيْدِ ، وَيَحْرُمُ بِالْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ كُلُّ صَيْدِ مَأْكُولٍ لَيْسَ مَائِيّاً مِنْ غَيْرِ فَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأنَسَاً (م) أَوْ وَحْشِيًّا مَمْلُوكَاً أو مُبَاحاً (م)، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَائِهِ وَلبَيْضِهِ، وَمَا لَيْسَ مَأْكُولاً فلاَ جَزَاءَ فِيهِ (ح) إلاَّ إِذَا كَانَ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، وَصَيْدُ البَحْر حَلاَلٌ. قال الرافعي: من محظورات الإحرام الاصطياد. قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢) (٣).

стр. 1596

ولا يختص تحريمُه بِالإحْرَامِ، بل سَبَبٌ آخر، وهو كونه في الحَرَم، ولما اشترك السببان فيما يقتضيانه من التحَريم والجزاء، ومعظم المَسَائِلِ جَرَتْ العادةَ بخلط أحَدِهِمَا بِالآخر، وذكر ما يَشْتَرِكَانِ فيه، وما يختص به كُلُّ وَاحِدٍ منهما في هَذَا المَوْضِعِ، فقد جعل صاحب الكتاب الكلام في السَّبَبِ الأول في نظرين: أحدهما: في الصيد المحرم، وفيما يجب به ضمانه. والثاني: في أن الضَّمَانَ مَاذَا؟ أما الأول فالصَّيْدُ المُحَرَّمُ كل مأكول متوحش لَيْس مَائِياً، هذه عبارة صَاحِبِ الكِتَاب في "الوَسِيط"، واستغنى هاهنا بلفظ الصيد عن المتوحش، فإنه لا يقع عن الحَيَوَانَاتِ إلا نسية، وبين ما يدخل في الضَّابِطِ المَذْكُورِ، ويخرج عنه بصور: إحداها: لا فرق بين المستأنس والوَحْشِي؛ لأنه وإن استأنس لا يبطل حكم توحشه الأصلي، كما أنه لو توحش إنسي لا يحرم التَّعرض لَهُ إِبقَاءٌ لِحُكْمِهِ الأَصْلِي. وقال مالك: لا جزاء في المستأنس، ولا فرق في وجوب الجزائين بين أن يكون الصَّيْدُ مملوكاً لإنسان، أو مباحاً، نعم يجب في المملوك مع الجَزَاء، ما بين قِيمَتِهِ حَياً ومذبوحاَ لِحَقِّ المَالِكِ (١) وعن المزني: أنه لا جزاء في الصيد المملوك. لنا ظَاهِرُ القُرْآنِ. الثَّانِية: كما يحرم التعرض للصَّيْدِ، يحرم التعرض لأجزائه بالجرح والقَطْع؛ لأن النبي ﷺ قال في الحرم: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" (٢). ومعلوم أن القطع والجرح أعْظَم من التنفير، وإذا جرحه ونقصت الجِرَاحَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فسيأتي القول فيما يجب عليه في النَّظَرِ الثَّانِي، وإن بَرِئ ولم يبق نقصان ولا أثر، فهل يلزمه شَيْءٌ؟ فيه وجهان: هذا كالخلاف فيما إذا جرحه فانْدَمَلَت الجِرَاحَةُ، ولم يبق نَقْصٌ وَلاَ شَيْنٌ، هل

стр. 1597

يجب شَيْءٌ؟ فيجري الخِلاَف فِيمَا نُتِفَ رِيشُهُ فَعَادَ كَمَا كَانَ. الثالثة: بَيْضُ الطَّائِرِ المأكول مضمون بقيمته، خلافاً لمالك حيث قال: فيه عشر قيمة البائض، وللمزني حيث قال: لا يضمن أصْلاً، لنا: ما روي عن كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ "قَضَىَ فِي بَيْضِ نَعَامٍ أَصَابَة الْمُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ" (١). فإن كانت مَذِرَةً، فلا شَيْءَ عليه بِكَسْرِهَا (٢)؛ كما لو قدّ صيداً ميتاً إلا في بيض النعامة ففيها قيمتها؛ لأن قِشْرَهَا مُنْتَفَعٌ بِهِ. قاله في الشَّامِلِ. ولو نفر طَائِراً عن بيضته التي احتضنها ففسدت فعليهِ القيمة. ولو أخذ بَيْضَ دَجَاجَةً فأحضنها صيداً فَفَسَدَ بَيْضُه، أو لم يحضنه ضمنه؛ لأن الظَّاهِرَ أن الفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ. ولو أخذ بَيْضَةَ صَيْدِ، وأحضنها دجاجة فهو في ضمانها إلى أن يخرج الفَرْخُ، ويصير ممتنعاً، حتى لو خَرَجَ، ومات قبل الامتناع، لزمه مثله من النَّعَم، ولو كَسَرَ بَيْضَةً، وفيها فَرْخٌ ذو رُوحٍ فَطَارَ وسلم، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإن مات، فعليه مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ. ولو حَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، فقد قَالَ كثير من أئمتنا مِنَ العِرَاقيين وغيرهم: إنه يضمن، وحكوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنه إنْ نقص الصَّيْدُ بِهِ ضَمِنَهُ وإِلاَّ فَلاَ، واحتجوا عليه بأنه مأكول انفصل من الصَّيْدِ فأشبه البَيْضَ، وذكر القَاضِي الرّويَانِي في التَّجْرِبَةِ أنه لا ضَمَانَ في اللَّبَنِ، بِخِلاَفِ البَيْضِ، فإنه بعرض أن يخلق مِنْهُ مثله. الرابعة: مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ مِنَ الدَّوَابِّ والطيور صنفان: مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مَأْكُولٌ، وما أَحَدُ أَصْلِيْةِ مَأْكْولٌ. أما الصِّنْفُ الأول فلا يحرم التعرض له للإحْرَام، ولو قتله المُحْرمُ، لم يلزمه الجَزَاء، وبه قال أحْمَدُ، وروى أنه ﷺ قال: "يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ" (٣). ومعلوم أن الأَسَدُ والنِّمْرَ والفَهْدَ سِبَاعٌ عَادِيَةٌ.

стр. 1598

وقال أَبُو حنيفة ﵀ يجب الجَزَاءُ بِقَتْلِ غَيْرِ المَمْلُوكِ مِنَ الصَّيْدِ، إِلاَّ الذِّئب، والفَوَاسِق الخَمْسِ، وقال مالك: ﵀ ما لا يهتدي بالإيزاء، يجب الجزاء فيه كالصَّقْرِ والبَازِي. ثم الحيوانات الدَّاخِلة فِي هذا الصنف عَلَى أَضْرُب: منها: ما يستحب قَتْلُها لِلْمُحْرِمِ، وغيره، وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه ﷺ قال: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلْنَ فِي الْحَرَم، الْغُرَابُ وَالْحِدْأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (١). وروى أنه قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ، فَذَكَرَهُنَّ" (٢). وفي معناها الحيَّة، والذئب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور (٣). ولو ظهر القمل على بَدَنِ المُحْرِمِ أو ثيابه لم يكره تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء. ويكره له أن يفلي رَأْسَه وَلحْيَته وإن فعل فأخرج مِنْهَا قَمْلَةً فقتلها تَصَدَّقَ، وَلَوْ بِلُقْمَةٍ، نَصَّ عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذَلِكَ لِمَا فيه من إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الرَّأْسِ. ومنها: الحيوانات الَّتِي فيها منفعة وَمَضرَّة، كالفَهْدِ، والصفر، والبازي، فلا يستحب قتلها لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف منْ المَضرَّةِ. ومنها: التي لا تظهر فيها منفعة، ولا مَضَرة، كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرحمة، والكلب الذي ليس بعقور، فيكره قتلها (٤). ولا يَجْوزُ قَتْلُ النَّحْلِ، والنمل، والخطاف، والضفدع (٥)، لورود النَّهْي

стр. 1599

عن (١) قتلها، وفي وجوب الجَزاء بَقَتْلِ الهُدْهُدِ، والصرد، خلاف، مبني على الخلاف في جَوَازِ أَكْلِهَا. والصِّنف الثَّانِي: ما أحد أصلية مأكول، كالمتولد بين الذِّئْب، والضبع، وبين حمار الوحش، وحِمَار الأَهْلِ، فيحرم التعرض له، ويجب الجزاء فَيه احتياطاً (٢)، كما يحرم أكْلُهُ احْتِيَاطاً. واعلم أن الصنف الأول يخرج عن الضَّابِطِ المذكور، بقيد المأكول، لكن الصِّنْف الثاني يدخل فيه، ويخرم الضبط، والوجه أن يزاد فيه فيقال: كل صيد هو مأكول، أو في أصله مأكول. الخامسة: الحيوانات الإنسية كالنَّعَمِ، والخَيْلِ والدَّجَاجِ، يجوز للمُحْرِم ذَبْحُهَا، ولا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وأما ما يتولد من الوَحْشِي، والإنْسِي، كالمتولد من اليَعْقُوبِ، والدجاجة، أو الظبي، والشَّاةِ فيجب في ذبحه الجَزَاء احتياطاً كما في المتولد من المأكول وغير المأكول وطريق إدْرَاجِهِ في الضَّابِطِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ. السادسة: إنما يحرم صَيْدُ البَرِّ على المُحْرِمِ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٣) الآية، قال الأصحاب: وصيد الحبر الذي لا يعيش إِلاَّ فِي البَحْرِ، أما ما يَعِيشُ فِي البَرِّ، وَالبَحْرِ، فهو كالبَرِّ، والطيور المَائِية التي تغوص في المَاء وتخرج من صُيودِ البَرِّ، لأنها لو تركت في المَاءِ لهلكت، والجراد من صَيْدِ البَرِّ، يجب الجزاء بِقَتْلِهِ، وبه قال عمر (٤)، وابْنُ عَبَّاسٍ (٥) ﵄؛ وحكى الموفق ابْنُ طَاهِرٍ، وغيرُه قولاً غريباً: أنه من صُيودِ البَحْرِ، لأنه يَتَوَلَّدُ من روث السَّمَكِ -والله أعلم-.

стр. 1600

قال الغزالي: وَيُضْمَنُ هَذَا الصَّيْدُ بالمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ وَاليَدِ، وَالسَّبَبُ كَنَصْب شَبَكَةٍ أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ أَوْ انْحِلاَلِ رِبَاطِهِ بنوع تَقْصِيرِ في رَبْطِهِ أَوْ تَنْفِيرِ صَيْدِ حَتَّى يَتَعَثَّرَ قَبْلَ سُكُونِ نِفَارِه، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، وَلَوْ حَفَرَ المُحْرِمُ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَن ما يَتَرَدَّى فِيهِ، وَلَوْ حَفَرَ في الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا حَيْثُ لاَ صَيْدَ فَعَرَضَ صَيْدٌ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: قد عرفت أن الصيد المحرم أي: صَيْدٍ هُوَ، والغرض الآن بيان الجِهَات التي يضمن بها ذَلِك الصَّيد، وهي ثلاثة: الأولى: مباشرة الإتْلاف (١)، وهي ثلاثة: والثانية: التسبب إليه، وموضع تفسيره وضبطه كتاب الجنايات، وتكلم هَاهُنَا في صور: إحداها: لو نصب شَبَكَةَ في الحَرَم أو نصب المُحْرِمُ شَبَكَةَ، فتعقل بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ، فَعليْهِ الضَّمَانُ، سواء نَصَبَها فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أو ملك غيره، لأن نصب الشبكة يقصد بها الاصْطِيَادُ، فهو بمثابة الأَخذِ باليَدِ (٢). الثانية: لو أرسل كلباً فأتلف صَيْداً، وجب عليه الضَّمَانْ (٣) لأن إرسَالَ الكَلْبِ يسبب إِلَى الهَلاَكِ ولو كان الكلب مربوطاً فحل رباطه فَكَذَلِك، لأن السبع شَدِيدُ الضَّرَاوَةِ بالصَّيْدِ، فيكفي في قَصْدِ الصَّيْدِ حَلُّ الرِّبَاطِ، وإن كان الإصطياد لا يتم إلا بالإغْرَاء. ولو انحل الرباط لتقصيره في الرَّبْطِ نزل ذلك منزلة الحَلّ، وحَكى الإمام ﵀ في هذه الصورة تردد الأئمة، فليكن قوله: (أو انحلال رباطه) معلماً بالوَاوِ لذلك، وحيث أوجبنا الضَّمانَ في هذه المسائل، فذلك إذا كان ثمَّ صيدٌ، فإن لم يكن فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيْدُ فوجهان:

стр. 1601

أحدهما: أنه لا يضمن، إذا لم يوجد منه قَصْدُ الصَّيْدِ. وأرجحهما: على ما رَوَاة الإِمَام: أنه يضمن لِحُصول التَّلَفِ بسبب فعله، وجهله لا يقدح فيه، كما سنذكره في حَفْر البِئر (١). الثالثة: لو نفر المُحْرِمُ صيداً فتعثَّر فَهَلَكَ، أو أخذهُ سَبْعٌ أو انصدم بِشَجَرٍ، أو جبل وجب عليه الضَّمان، سواء قصد تنفيره أو لم يقصد، ويكون في عهدة المنفر إلى أن يعود الصَّيْد إلى طبيعة السُّكُون والاستقرار، فلو هلك بعد ذلك فلا شيء عليه، ولو هلك قبل السكون النفار، ولكن بآفة سماوية، ففي الضَّمَانِ وجهان: أحدهما: يجب، ويكون دوام أثر النفار كاليد المضمنة. وأشبههما: أنه لا يجب، لأنه لم يهلك بسببٍ من جِهَةِ المُحْرِمِ، وَلاَ تَحْتَ يده. الرّابعة: لو حفر المُحْرم، أو حفر في الحرم بئراَ في محل عدوان، فتردى فيها صَيْدٌ وهلك، فعليه الضَّمَان ولو حفره في ملكه أو في مَوَاتٍ، فأما في حق المحرم، فظاهر المَذْهَب أنه: لا ضمان: كما لو تردت فِيهَا بَهِيمة، أو آدمي، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً غريباً: أنه يجب الضمان. وأما في الحَرَمِ، فوجهان مشهوران: أحدهما: أنه لا ضمان، كَمَا لو حَفَر المُحْرِمُ في مِلْكِهِ. والثاني: يجب؛ لأن حُرْمَةَ الحَرَمِ لا تَخْتَلِف، وصار كما لو نصب شَبَكَةٌ في الحَرَمِ في ملكه، وأومأ صاحب "التهذيب" ﵀ إلى تَرْجِيحِ الوَجْهِ الأول، لكن الثَّانِي أشْبَه، ويحكى ذلك عن الربيع وصاحب "التلخيص"، ولم يورد في "التتمة" غيره (٢). قال الغزالي: وَلَوْ دَلَّ حَلاَلاً عَلَى صَيْدٍ عَصَى وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْه، وَفي تَحْرِيمِ الأَكْلِ عَلَيْهِ مِنْهُ قَوْلاَنِ، وَمَا ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ فَأكلَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ هُوَ مَيتَةٌ في حَقِّ غَيْرِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا صَيْدُ الحَرَمِ. قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو دَلَّ الحلالُ محرماً على صَيْدٍ فقتله وجب الجَزَاءُ على المُحْرِمِ وَلاَ

стр. 1602

شَيْءَ عَلَى الحَلاَلِ، سواء كان الصَّيْدُ فِي يَدِهِ، أو لم يكن. نعم، هو مُسيءٌ بالإعَانة على المعصية، ولو دل المُحْرِم حلالاً على صَيْدٍ فقتله نظر إن كان الصَّيْدُ بيَدِ المُحْرِمِ وجب عليه الجزاء؛ لأن حِفْظَهُ واجب عليه، ومن يلزمه الحِفْظ يلزمه الضَّمَان إذا ترك الحفظ كما لو دَلَّ المودع السَّارق على الوَدِيعَة، وإن لم يكن في يده وهو مسألة الكتاب فلا جزاء عَلَى الدَّالِ، ولا على القاتل، أما القاتل فلأنه حَلاَل، وأما الدَّال فكما لو دَلَّ رجلاً على قَتْلِ إِنْسَانٍ لا كفارة على الدَّالِ، وساعدنا مالك ﵀ على ذلك. وقال أبو حنيفة ﵀ إن كانت الدَّلالَةُ ظَاهِرةٌ فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وإن كانت خفية ولولاَها لما رأى الحَلاَلُ الصيدَ يَجِب الجزاء، وسلَّم في صَيْدِ الحرم أنه لا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِ. وعن أحمد: أن الجزاء يَلْزَم الدَّالَ، والقَاتِلَ بينهما. وقوله في الكتاب: (وفي تحريم الأكل منه عليه قولان) صريح في إثبات الخلاف في أن المحرم هل يجوز له أن يأكل من الصَّيْدِ الذي دل عليه الحَلاَل حتى قتله؟ لكن الوجه أن تغير هذه اللفظة، ويجوز أن يجعل مكانها: وفي وجوب الجزاء عليه عند الأكل منه قولان، أما التغيير فلأنك إذا بحثت لم تر نقل الخلاف في جواز الأكْلِ للمحرم، والصورة هذه لا لغير صاحب الكتاب، ولا له في "الوسيط" وغيره، بل وجدتهم جازمين بِحُرْمَةِ الأَكْلِ على المُحْرِمِ مما صيد له أو بإعانته بسلاح وغيره، أو بإشارته ودلالته محتجين عليه بما روى أنه ﷺ قال: "لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ مَا لَمْ تَصْطَادُوهُ، أَوْ لَمْ يُصْطَدْ لكم" (١). وبما روي أن أبا قتادة ﵁ خرج مع النبي ﷺ فتخلف عن بعض أصحابه وهو حلال وهم محرمون فرأوا حُمُرَ وَحْشٍ فاسْتوَى على فرسه ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطاً فأبوا، فسألهم رُمْحَه فابوا فأخذه وحمل على الحمر فعقر منها أَتَانَاً، فأكل منها بعضُهمِ وأَبَى بَعْضُهُم فلما أتو رسول الله ﷺ سألوه فقال "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا، قَالُوا: لاَ، قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (٢).

стр. 1603

أشعر ذلك بالتحريم إذا كان الاصْطِيَاد بإعانته، أو دلالته، أو له، وعجيب أن يكون نَقْلُ القَوْلَيْنِ صَوَاباً ثم يغفل عَنْهُ كل من عَداهُ مِنَ الأَصْحَابِ، وهو أيضاً في غير هذا الكتاب. وأما جواز التبديل بما ذكرت فلأن القَوْلَيْنِ في أنَ ما صيد للمحرم أو بدلالته أو بإعانته لو كل منه هل يلزمه جزاؤه؟ مشهوران. أحد القولين وهو القديم وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه يَلْزَمُهُ القِيمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ؛ لأن الأكْلَ فعل محرم في الصيد فيتعلق به الجزاء كَالقَتْلِ، ويخالف ما لو ذَبَحَه، وأكله حيث لا يلزم بالأكل جزاء؛ لأن وجوبه بالذَّبْحِ أغنى عن جَزَاءٍ آخر. والجديد: أنه لا يلزم؛ لأنه ليس بِنَامٍ بعد الذبح، ولا يؤول إلى النماء، فلا يتعلق بإتلافه الجَزَاء، كما لو أتلف بيضة مذرة. واعلم أن هذه المسألة مذكورة في الكتاب من بعد، وتبديل اللفظ بها يفضي إلى التكرار، لكني لا أدري على ماذا يحمل إن لم يحتمل التكرار؟ ولو أمسك محرمٌ صيداً حتى قَتَلَهُ غيره، نظر إن كان حلالاً فيجب الجَزَاء على المُحْرِمِ لِتَعَدِّيهِ بالإمساك والتعريض لِلْقَتْلِ، وهل يرجع بهِ على الخِلاَف؟ قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأنه غير ممنوع من التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدَ. وقال القاضي أَبُو الطَّيبِ: نعم. هذا ما أورده في "التهذيب" وشبهه بما إذا غصب شيئاً فأتلفه متلف في يده يضمن الغاصب، ويرجع على المتلف، وإن كان محرماً أيضاً فوجهان: أظهرهما: أن الجزاء كله على القاتل؛ لأنه مباشرٌ، ولا أثر للإِمْسَاكِ مع المبَاشَرَةِ. والثاني: أن لكل واحد من الفعلين مدخلاً في الهَلاَك، فيكون الجزاء بينهما نصفين، وقال في "العدة": الصحيح أن الممسك يضمنه باليد، والقاتل يضمنه بالإتْلاَف، فإن أخرج الممسك الضَّمان رجع به على المتلف، وإن أخرج المتلف لم يرجع على المُمْسِك (١).

стр. 1604

المسألة الثانية: إذا ذبح المُحْرِمُ صَيْداً لم يحل له الأكل منه، وهل يحل الأكل منه لغيره؟ فيه قولان: الجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏: أنه ميتة، لأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه فصار كذبيحة المجوسي، فعلى هذا لو كان مملوكاً وجب مع الجَزَاءِ القِيمَةُ لِلْمَالِكِ. والقديم: أنه لا يكون ميتة، ويحل لغيره الأكل منه، لأن من يَحِل بذبحه الحيوان الإنسي يحل بذبحه الصَّيْد كَالْحَلاَلِ، فعلى هذا لو كان الصيد مملوكاً فعليه مع الجَزَاءِ ما بين قيمته حياً ومذبوحاً لِلْمَالِكِ، وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، وفي صَيْدِ الحَرَمِ إذا ذبح طريقان: أظهرهما: طرد القولين، والآخر: القَطْعُ بِالمَنْعِ. والفرق أن صَيْدَ الحَرَم منع منه جميع النَّاسِ في جَمِيعِ الأحْوَالِ فكان آكد تحريماً، وليكن قوله: (وكذا صَيْدُ الحَرم) مُعَلَّماً بالواو لمكان الطَّرِيقة الأُخُرى. قال الغزالي: وَإِثْبَاتُ اليَدِ عَلَيْهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، إلاَّ إِذَا كَانَ في يَدِهِ فَأَحْرَمَ، فَفِي لُزُومِ رَفْع اليَدِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلزَمُ فَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَلْزَمُ فَلَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ إِتْلاَفٍ، وَلَو اشْتَرَي صَيْداً وَقُلْنَا: إِنَّ الإِحرَامَ لاَ يَقْطَعُ دَوَامَ المِلْكِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ كَمَا في العَبْدِ المُسْلِمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرِثُ ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ. قال الرافعي: الثالثة من جهات الضمان إثبات اليَدِ. ويد المُحْرم على الصيد إما أن يقع ابتداؤها في حَالِ الإحْرَام، أو يكون ابتداؤها سَابِقاً على الإحْرَامِ. أما إثبات اليد عليه ابتداء في حال الإحرام فهو حرام غير مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ، فإذا أخذ صيداً ضمنه كما يضمن الغاصب ما يتلف في يده، بل لو تولد تَلَف الصيد بما في يده لَزِمَهُ الضَّمان كما لو كان راكب دابة فأتلفت صيداً بِعَضِّهَا، أو رَفْسِهَا، وكذا لو بَالَتْ في الطَّريق فزلق به صَيْد، وهلك كما لو زلق به آدمي، أو بهيمة.

стр. 1605

أما لو انفلت بعيره فأصاب الصَّيد، فلا شيء عليه، نص على ذلك كله. وأما إذا تقدم ابتداء اليَد على الإِحْرَام، فإن كان في يَدِهِ صَيْدٌ مملوك له ثم أحرم فهل يلزمه رفع اليد عنه؟ فيه قولان: أحدُهما: لا، كما لا يلزمه تَسْرِيحُ زَوْجَتِهِ وإن حرم ابتداء النكاح عليه. والثاني: نعم؛ لأن الصَّيْدَ لا يراد للدَّوَام، فتحرم استدامته كالطَّيب واللَّبَاسِ، ويحرم عليه النِّكَاح فإنه يقصد للدوام، وهذا أَصحُّ القولين على ما ذكرهَ المُحَامِلِي، والكرخِي، وغيرهما من العِرَاقِيينَ. واعلم: أنا نعني برفع اليَدِ الإِرْسَال، والإطْلاَق الكُلِّي. وقال مالك وأبو حنيفة، وأحمد ﵏ يجب رفع اليد المتأبدة عنه، ولا يجب رفع اليد الحُكُمِيَّة، والإرسال المُطْلَق. التفريع: إن لم نوجب الإرْسَال فهو على مِلْكه، له بيعه وهبته، لكن لا يجوز له قتله، ولو قتله يجب الجزاء كما لو قَتَلَ عبدَه يلزَمُه الكَفَّارة، ولو أرسله غيره لزمه القيمة للمالك، وإن قتله فكذلك فإن كان محرماً لزمه الجَزَاءُ أيضاً، ولا شَيْءَ على المَالِك كَمَا لو مات. وإن أوجبنا الإرْسَال فهل يزول مِلْكُه عنه؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏: لا، كما لا يبين زوجته. والثاني: نعم، كما يزول حِلّ الطِّيب، واللباس، وهذا أصحِ عند العراقيين، وعكس بعض الأصحاب الترتيب فوضع القولين في زَوَالِ الملك أولاً، ثم قال إن قلنا: لا يزول الملك ففي وجوب الإرْسَال قولان، والأمر فيه قريب التفريع إن قلنا يزول ملكه فأرسله غيره، أو قتله فلا شيءَ عليه، ولو أرسله المُحْرِم فأخذه غيره ملكه، ولو لم يرسله حتى تحلل فَهَلْ عليه إرْسَالُه؟ فيه وَجْهَان: أحدهما: وهو المنصوص نعم، لأنه كان مستحق الإرْسَال فلا يرتفع هذا الاستحقاق بتعديه بالإمساك. والثاني: ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يجب، ويعود ملكاً له كالعصير إذا تَخَمَّر، ثم تَخَلَّل، وحكى الإمام ﵀ على هذا القول وجهين في أنه يزول بِنَفْسِ الإحْرَام، أو الإحرام يوجب عليه الإرْسَال، فإذا أرسل حينئذ يَزُول، والأول أشْبَهُ بِكَلاَم الجُمْهُور. وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه فليس لغيره أخذه، ولو أخذه لَمْ يَمْلِكْهُ، ولو قَتله ضَمِنَه، وهو بمثابة المتفلت من يده، وعلى القولين جميعاً لو مات الصَّيْد في يده بعد إمكان الإرْسَال لزمه الجزاء؛ لأنهما مفرعان على وجوب الإرْسَال، وهو مقصر

стр. 1606

بالإِمْسَاك. ولو مات الصَّيْدُ قبل إِمْكَانِ الإِرْسَال فقد حكم الإمام ﵀ وجهين في وجوب الضَّمَان، وقال: المذهب وجوبه، ولا خلاف في أنه لا يَجِب تقديم الإرْسَالِ على الإحْرَام. قوله في الكتاب: (ففي لزوم رفع اليد قولان) يجوز أنَ يُعَلَّم لفظ القولين بالواو، لأن القاضي ابْنَ كِجٍّ روى عن أبي إسحاق طريقة قاطعة بأنه لا لزوم، وحيث قال بالإرسال أراد به الاستحباب. وقوله: (لأنه ابتداء إتلاف) أراد به أنا على هذا القول، وإن جوزنا استدامة اليد، والملك، فلا يجوز الإتْلاف؛ لأن الإتْلاَفَ ليس باسْتِدَامَةٍ، وإنما هو ابتداء فِعْلٍ، وكان الأحسن في التعبير عن هذا الغَرَضِ أن يقول؛ لأن الإتْلاَفَ ابتداء، ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: لو اشترى المُحْرِمُ صَيْداً، أو اتهبه أو أُوصي له فَقَبِلَ يفرع ذلك على الخلاف الذي سبق. إن قلنا: إن الملك يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَامِ لا يملكه بهذه الأَسْبَاب؛ لأن من مُنِع من إدامة الملك فهو أولى بالمَنْعِ من ابتدائه. وإن قلنا: لا يزول ففي صِحَّة الشراء والهبة قولان بناء على القولين فيما إذا اشترى الكَافِرُ عبدًا مسلمًا، ويدل على المنع ما روى أَنَّ الصَّعْبَ بنَ جُثَامَةَ. أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَاراً وَحْشِيّاً فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" (١) فإن صححنا هذه العقود فذاك، وإلا فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لِلَّه تعالى، والقيمة للبائع، وإن رده عليه سَقَطَتِ القِيمَةُ، ولا يسقط ضَمَانُ الجَزَاء إلا بالإرْسَالِ؛ وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبداً مرتداً فقتل في يده، وفي أنه من ضمان من يتلف؟ خلاف سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى" (٢). الثانية: إذا مات له قريب، وفي مِلْكِهِ صَيْدٌ هَلْ يَرِثُهُ؟ إن جوْزنا الشِّراء وغيره من الأسباب الاختيارية نعم، وإلا فَوَجْهَان، والأظهر ثبوته؛ لأن لا اختيار فيه، وعلى هذا فقد ذكر الإمام وصاحب الكتاب أنه يزول مِلْكُه عقيب ثُبُوتِه بناء على أن المِلْكَ يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَام، وفي "التهذيب" وغيره ما ينازع في زواله عقيب ثبوته؛ لأنهم

стр. 1607

قالوا: إذا ورثه فعليه إرْسَاله، فإن بَاعَهُ صَحَّ، ولا يسقط عنه ضمان الجَزَاءِ حتى لو مات في يَدِ المُشْتَرِي يجب الجَزَاءُ على البَائِعِ، وإنما يسقط عنه إذا أرسله المشتري. وإن قلنا بأنه لا يرث فالملك في الصَّيْدِ لسائر الورقة، وإحرامه بالإضافة إلى الصَّيْدِ مانع من مَوَانِعِ الميراث. كذا أورده أبو سَعِيد المتولي، وذكر أبو القَاسِم الكَرْخُي على هذا الوجه أنهُ أحق به، فيوقف حتى يتحلل فيتملكه (١). ولو اشترى صيداً من إِنْسَانٍ ووجد به عيباً وقد أحرم البَائِع، فإن قلنا: يملك الصيد بالإرْثِ يُرَدُّ عليه، وإلا فوجهان؛ لأن منعَ الردِ إضرارٌ بالمشتري. ولو باعَ صَيْداً وهو حَلالٌ، وأحرم ثم أفلس المشتري بالثمن لم يكن له الرُّجوعُ على الأَصَحِّ؛ كالشراء والاتّهاب بخلاف الإِرْث، فإنه قهري. ولو ستعار المحرم صيداً أو أودع عنده كان مضموناً بالجزاء عليه، وليس له التعرض له، فإن أرسله سقط عنه الجَزَاءُ، وضمن القيمة للمالك، وإن رَدَّهُ إلى المالك لم يسقط عنه ضَمَانُ الجزاء ما لم يرسله المالك (٢) وحيث صار الصيد مضموناً على المحرم بالجزاء، فإن قَتَلَهُ حَلاَلٌ في يده فالجزاء على المحرم، وإن قتله محرم آخر، فهل الجزاء عليهما أو على القاتل، ومن في يده طريق؟ فيه وجهان (٣). قال الغزالي: وإنْ أخَذَ صَيْداً لِيُدَاوِيَهُ كَانَ وَدِيعَةً (ح)، وَالنَّاسِي كَالعَامِدِ فِي الجَزَاءِ لاَ في الإِثْمِ، وَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلاَ ضَمَانَ في دَفْعه، وَلَوْ أَكَلَهُ في مَخْمَصَةٍ ضَمِنَ، وَلَوْ عَمَّتِ الجَرَادُ المَسَالِك فَتَخَطَّاهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: في هذه البقية صور: إحداها: لو خلَّص المحرم صيداً من فَمِ هِرَّةٍ أو سبع، أو مِن شِقِّ جِدَارٍ أو أخذه

стр. 1608

ليداويه ويتعهده فمات في يده، هل يضمن؟ فيه قولان كما لو أخذ المَغْصُوبَ مِنَ الغَاصِبِ ليرده على المالك فهلك في يده. أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ﵀ يضمن؛ لأن المستحق لم يرض بيده، فتكون يَدُه يَدَ ضَمَانٍ. والثاني: لا يضمن، لأنه قصد المَصْلَحة، فتجعل يَدُه ودَيِعَة، والقولان معاً منصوصان في عيون المسائل، وإيراده يقتضي تَرجِيح الثَّانِي مِنْهُمَا، وهو المذكور في الكِتَاب. الثانية: الناسي كَالْعَامِد في وجوب الجَزَاءِ (١)، في الإثم، أما افتراقهما في الإثم فلما روى أنه ﷺ قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" (٢) الخبر. وأما استواؤهما في وجوب الجزاء، فلأن الإتْلاَف يوجب الضَّمَان على العَامِدِ والخَاطِئِ على نسق واحد، بدليل الضَّمَانات الواجبة للآدميين، وخرج بعض الأصحاب في وجوب الضَّمان على النَّاسي قولين؛ لأنه حكى عن نَصِّه قولان فيما إذا أحرم ثُمَّ جُنَّ، وقتل صيداً. أحدهما: وجوب الضمان لما ذكرنا. والثاني: المنع؛ لأن الصَّيْدَ على الإباحة، وإنما يخاطب بترك التعرض له من هو أهل للتكليف والخِطَاب. وقد ذكرنا هذا الخِلاَف مرة في النوع الرَّابع من المَحْظُورَاتِ. وقوله في الكتاب (والناسي كالعامد) يجوز إعلامه بالواو لذلك، وبالألف أيضاً، لأن أبا نَصْر بنَ الصَّبَّاغِ ذكر أن في رواية عن أحمد لا جزاء على المُخْطِئِ بِحَالٍ. الثالثة: لو صال الصيد على محرم، أو في الحرم فقتله دفعاً فلا ضمان عليه؛ لأنه بالصيال التحق بالمُؤْذِيَاتِ. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يجب، ولو ركب إنسانُ صيداً وصالَ على مُحْرِم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله، فالذي أورده الأكثرون أنه يجب عليه الضَّمَان؛ لأن الأذى هَاهُنا ليس من الصَّيْدِ. وحكى الإمام أن القَفَّالَ ﵀ ذكر فيه قولين:

стр. 1609

أحدهما: أن الضمان على الراكب، ولا يطالب به المحرم. والثاني؟ أنه يطالب المحرم ويرجع بما غرم على الرَّاكِبِ. وإن ذبح صَيْداً في مخمصة أوكله ضمن؛ لأنه أهلكه لمنفعةِ نَفْسِهِ مِن غير إِيذَاءٍ من الصَّيْدِ. ولو أكره مُحْرِم أو محل في الحرم على قتل صَيْدٍ فقتله فوجهان: أحدهما: أنا الجزاء على المُكْرِه. والثاني: على المُكْرِهَ، ثم يرجع على المُكْره، وعن أبي حنيفة: أن الجزاء في صيد الحرم على المكره، وفي الإحرام على المكره (١). الرابعة: ذكرنا أن الجراد مما يضمن بالقيمة وبيضه مضمون بالقيمة كأصله، فلو وطئها عَامِداً، أو جاهلاً ضمن، ولو عمت المسالك ولم يجد بداً من وَطْئِها فوطئها فَفِي الجَزَاء قولان، وقال الإمام وصاحب الكتاب وجهان: أحدهما: يجب لأنه قَتَلَها لِمَنْفَعَةِ نَفسِهِ فصار كما لو قتل صيداً في المَخْمَصَةِ. وأظهرهما: لا يجب؛ لأنها ألجأته إليه، فأشبه صُورةَ الصِّيَالِ. وحكى الشَّيْخ أبو محمد ﵀ طريقة أخرى قاطعة بأنه لا جَزَاء، فيجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجهان) بالواو لذلك. ولو باض صيد في فراشه، ولم يمكنه رفعه إلا بالتعرض للبَيْضِ ففسد بذلك ففيه هذا الخلاف. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي في الجَزَاءِ فَالَوَاجِبُ في الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ (ح) أَوْ طَعَامٌ بمِثْلِ قِيمَةِ النَّعَمِ، أَوْ صِيَامٌ يَعْدِلُ الطَّعَامَ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ، فَإِنَّ انْكرَ مدًا كَمَّلَ وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيّاً كَالْعَصَافِيرِ وَغَيْرِهَا فَقَدْرُ قِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً، وَالعِبْرَةُ في قِيمَةِ الصَّيْدِ بِمَحَلِّ الإِتلاَفِ، وَفِي قِيمةِ النَّعَمِ بَمَحَلِّ مَكَّةَ؛ لأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ. قال الرافعي: الصيد ينقسم إلى مِثْلِي ونعثي به ماله مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وإلى ما ليس بِمِثْلِي. أما الأول فجزاؤه على التخيير والتعديل، فيتخير بين أن يذبح مِثْلَه فيتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ، إما بأن يفرق اللَّحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، ولا يجوز أن يخرجه حياً، وبين أن يقوم المثل دراهم، ثم لا يجوز أن يتصدق بالدراهم، ولكن إن شاء اشترى بها طَعَاماً وتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَم، وإن شاء صام عَنْ كُلِّ مُدٍّ من الطَعَامِ يوماً، حيث كان قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ

стр. 1610

مِنْكُمْ﴾ (١). إلى قوله (صياماً). أما الثاني: وهو ما ليس بمثلي كَالْعَصَافِيرِ وغيرها من الطيور على ما ستعرف ضروبها ففيه قيمته، ولا يتصدق بِهَا، بل يجعلها طَعَاماً، ثم إن شاء تصدق بها، وإن شاء صَامَ عَنْ كُلِّ مُدّ يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صَامَ يوماً، لأن الصَّوْمَ لا يتبعض، وإذا تأملت هذا التفصيل عرفت أن للجزاء ثلاثة أركان في القِسْمِ الأول، الحيوان والطعام، والصيام وركنين في الثَّاني، وهما الطعام والصيام وهي أو هما على التخيير في ظاهر المذهب، وعن رواية أبي ثَوْر قول أنها على الترتيب، وهو أضعف الروايتين عن أحْمَدَ، وقال مالك ﵀ إن لم يخرج المثل عن المِثْلِي يقوم الصيد لا المثل. وقال أبو حنيفة ﵀ لا يجب المِثْلُ، بل عليه قيمة الصَّيْدِ، فإن شاء تَصَدَّق بها، وإن شاء اشترى بها شيئاً من النَّعَمِ التي تجزئ في الأضحية فذبح، وإن شاء صَرَفَهَا إلى الطَّعَامِ، فأعطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعاً من غيره، أو صام عَنْ كُلِّ نَصْفِ صَاعٍ من بر أو صاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يوماً. وعن أحمد أنه لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطَّعام لمعرفة قَدْرِ الصِّيَام، وحكاية هذه المذاهب تنبئك أن قوله: في الكتاب (مثله من النعم) ينبغي أن يكون مُعَلَّماً بالحاء. وقوله: (أو طعام) بالألف. وقوله: (مثل قيمة النعم) بالميم. وقوله: (لكل مد يوم) بالحاء. وقوله: (على التخيير) بالألف والواو، وإذا لم يكن الصيد مثلياً فالعبرة في قيمته بمَحَلِّ الإتلاف، وإن كان مثلياً وأراد تقويم مِثْله من النَّعَم ليرجع إلى الإطْعَام، أو الصيامَ فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ. هذا نَصُّه، ونقل بعض الشَّارِحِينَ فيه طريقين: أصحهما: الجريان على ظَاهِر النصين. أما اعتبار قيمة محل الإتْلاَفِ في الحالة الأولى فقياساً على كل مُتلف متقوم. وأما اعتبار قيمة مكَّة في الأخرى، فلأن مَحَلَّ ذبح المثلَ مكَّةُ لو كان يذبح، فإذا عدل عنه عدل بقيمته في مَحَلِّ الذبح.

стр. 1611

والطريق الثاني: أنهما على قولين، وحيث اعتبرنا قيمة محل الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطَّعَامِ سعر الطَّعَامِ في ذلك المكان أيضاً، أو سعر الطَّعَامِ بمكة، والظاهر منهما الثاني. قال الغزالي: وَالمِثْلِيُّ كَالنَّعَامَةِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ، وفي الضِّبُعِ كبْشٌ، وَفِي الأَرْنَبِ عنَاقٌ، وَفي الظَّبْي عَنْزٌ، وَفِي اليَرْبُوعِ جَفْرةٌ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَيَحْكُمُ بالمُمَاثَلَةِ عَدْلاَنِ، فَإنْ كَانَ القَاتِلُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ فَاسِقٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الحَمَامِ شَاةٌ، وَفِي مَعْنَاهُ القُمْرِيُّ وَالفَوَاخِتُ وَكُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، وَمَا دُونَهُ فِيهِ القِيمَةُ، وَمَا فَوْقَهُ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا القِيمَةُ قِيَاساً، وَالثَّاني: إِلْحَاقُهُ بِالحَمَامِ. قال الرافعي: من المهم في الباب معرفة أن المثل ليس معتبراً على التَّحْقِيق، وإنما هو معتبر على التَّقْرِيب، وليس معتبراً في القيمة، بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة ﵃ حكموا في النَّوْعِ الواحد من الصيد بالنواع الواحد من النَّعَمِ مع اختلاف البِلاَد، وتفاوت الأزمان واختلاف القِيَم بحسب اختلافها، فعلم أنهم اعتبروا الخِلْقَة والصُّورة. إذا تقرر ذلك فالكلام في الدَّواب، ثم في الطيور أما الدواب فما ورد فيه نَصٌّ، فهو متبع، وكذلك كل ما حكم فيه عَدْلاَن من الصَّحَابَةِ أو التابعين، أو من أهْلِ عصر آخر من النَّعَمِ أنه مثل للصيد المقتول يتبع حكمهم، ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم. قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقد حَكَمَا. وعن مَالِكٍ أنه لا بد من تحكيم عَدْلَيْنِ من أهْلِ العَصْرِ، وقد روي عن النبي ﷺ "أَنَّهُ قُضَىَ فِي الضَّبعِ (٢) بِكَبْشٍ" (٣) وعن الصحابة ﵃ أنهم قضوا في النَّعَامَةِ ببدنة، وفي حمار الوَحْشِ وبقر الوحش بِبَقَرَةٍ، وفي الغَزَالِ بعَنزٍ، وفي الأرْنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، وعن عثمان (٤) ﵁ أنه حكم في أم حُبَيْنٍ

стр. 1612

بُحلاَّنٍ، وعن عطاء (١) ومجاهد (٢) أنهما حكمًا في الوبر بِشَاةٍ. قال الشافعي ﵁ إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر بدلاً منها، وعن عطاء (٣) أن في الثَّعْلَبَ شَاة، وعن عمر ﵁ (٤) أن في الضب جدياً، وعن بعضهم أن في الإبل بقرة. واعرف هاهنا شيئين: أحدهما: تفسير ما يشكل من هذه الألفاظ. أما العناق: فهو اسم الأنثى من ولد المعز. قال أهل اللغة: وهي عناق من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة هي: الأنثى من ولد المعز، تفطم، وتفصل عن أمها، وتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أَشْهُر، والذَّكَرْ جفر، هذا معناهما في اللغة، ويجب أن يكون المراد من الجفرة هاهنا ما دُونَ العِنَاق، فإن الأرنب خير من اليربوع. وأم جبين دابة على خلقة الحرباء عظيمة البَطْن، ومنه ما روي "أَنَّهُ ﷺ قَالَ مُمَازِحًا لِبِلاَلٍ ﵁ وَقَدْ تَدَحْرَجَ بَطْنَهُ: أُمَّ حُبَيْنٍ" (٥). قال الشيخ أبو محمد: وأرى هذا الحيوان من صغار الضَبِّ حتى يفرض مأكولاً. واعلم أن في حِلٍّ أم حبين تردداً نذكره في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى، والقول يوجوب الجَزَاءِ مُفَرَّعٌ على الحِلِّ. وأما الحُلاَّن فمنهم من فسره بالحمل، ومنهم من فسره بالجدي، والحُلاَّم كالحلان. والوبر دابة كالجَرَادِ، إلا أنها أنبل وأكرم منها، وهي كحلاء من جنس بنات عرس تكون في الفلوات، وربما أكلها البدويون، والأنثى وبرة. الثاني: قد نجد في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كَبْشاً، وفي الغزال عَنْزاً، وهكذا أورد أَبُو القَاسِمِ الكَرَخِي، وزعم أن الظبي ذَكَرُ الغزَالِ، وأن الغَزَال الأُنثى، قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وَهْمٌ بل الصَّحِيح أن في الظَّبْي عنزاً، وهو شديد الشَّبَه به، فإنه أجرد الشَّعْرِ، متقلص الذَّنَب وأما الغزالَ فهو وَلَدُ الظَّبْيِ، فيجب فيه ما يَجِبْ فِي الصِّغَار، فهذا هو القول فيما وردَ فِيه نَقْلٌ.

стр. 1613

وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شيء فيرجع فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْنِ (١)، قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وليكونا فقيهين كَيِّسَيْنِ، وهل يجوز أن يكونَ قَاتِلُ الصيد أحَدَ الَحَكَمَيْنِ؟ أو يكونا قَاتِلا الصَّيْدِ الحَكَمَيْنِ؟ إن كان القتل عمداً عدواناً فَلاَ؛ لأنه يورث الفِسْق، والحكم لا بد وأن يكون عدلاً وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فوجهان: أحدهما: وبه قال مالك: أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون المُتْلِف أحد المُقَوِّمَيْنِ. وأصحهما: أنه يجوز: لما روي "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ ضُبّاً فَسَأَلَ عَنْهُ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: احْكُمْ فِيهِ، فَقَالَ؛ أَنْتَ خَيْرٌ منِّي وَأَعْلَمُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَنَا أَمُرْتُكَ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ، وَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُزَكِّيَنِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَى فِيهِ جَدْياً، قَالَ عُمَرُ ﵁ فَذَلِكَ (٣) فِيهِ". وأيضاً فإنه حق الله تعالى، فيجوز أن يكون المؤمن عليه أميناً فيه، كما أن رب المال أمين في الزكاة. ولو حكم عدلان بأن له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له، فالأخذ بقول الأولين أَوْلى، قاله في "العدة" (٤). وأما الطيور فتنقسم إلى حمام وغيره، أما الحمام ففيه شَاة، روي ذلك عن (٥) عمر، وعثمان (٦)، وعلي (٧)، وابن عمر (٨)، وابن عباس (٩) وعاصم بن عمر (١٠)،

стр. 1614

وعطاء (١)، وابن المسيب (٢)، وغيرهم، ﵃ وعلام بُنِي ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: أن إيجابها لما بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّبَهِ، فإن كل واحد منهما يألف البيوت، ويأنس بالناس. وأصحهما: أن مستنده توقيفُ بَلَغَهُمْ فِيهِ. وأما غيره، فإن كان أصغر من الحمام في الجنة كالزُّرزور، والصَّعْوَة، والبلبل، والصَنبرة (٣)، والوَطْوَاط، فالواجب فيه القيمة قياساً (٤) وقد روى عن الصحابة ﵃ أنهم حكموا في الجراد بالقيمة ولم يقدروا. وأن كَانَ أكبرُ مِنَ الحَمَامِ، أو مِثْلاً لَهُ ففيهما قولان: أحدهما: أن الوَاجِبَ شَاةٌ، لأنها لما وجبت في الحَمَام، فلأن تجب فيما هو أكبر منه كان أولى. والثاني: وهو الجديد وأحد قوليه في القديم: أن الواجب القيمة، قياساً، كما لو كان أصغر. وعن الشيخ أبي محمد: أن بناء القولين على المأخذين السَّابقَيْنِ، إن قلنا: وجوب الشاة توقيف صرف، ففي الأكبر أيضاً شاة استدلالاً، وإن قلنا: إنه مأخوذ من المُشَابَهَةِ بِينهما فَلاَ، وقوله في الكتاب: (ففيها بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى آخرها) يجوز إعلامها بالحَاءِ، لأن أبا حنيفة ﵀ لا يوجب المثل في شَيْءٍ من الصيود. وقوله: (وفي الصغير صغير) أراد به أن كل جنس من الصيود المثلية، يعتبر فيما يجب فيه من النَّعَمِ المماثلة في الصِّغَرِ والكِبَرِ، ففي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفي الكبير

стр. 1615

كبير، لظاهر قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، والكلمة مُعَلَّمة بالميم، لأن عند مالك الوَاجِبُ الكَبِير، وإن كان الصَّيْدُ صغيراً، وقوله: (وهو مخطئ غير فاسق) قد عرفت مما مرّ أنه لم يذكره. وقوله: (وفي الحمام شاة) معلم بالميم؛ لأن مالكاً إنما يُوجِبُ الشَّاة في حمامة الحَرَمِ، وأما حمامة الحِلَّ، إذا قتلها المُحْرِم فالواجب عنده فيها القيمة. وقوله: (وفي القمري والفواخت وكل ما عب وهدر) ظاهره يقتضي خروج هذه الطيور عن تَفْسِيرِ الحمام، وإلحاقها به في الحكم لكن المشهور، أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر فمنه صِغَارٌ وَكِبَارٌ، ويدخل فيه اليَمَام، وهي التي تألف البيوت، والقمري، والفاختة، والداس، والفاس، والقطا. والعب هو: شرب الماء جرعاً، وغير الحمام من الطيور تشربه قطرة قطرة، والهدير هو ترجيعه صوته وتغريده، والأشبه: أن ما له عب فله هدير، ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ذلك. يدل عليه نَصُّ الشافعي ﵁ في "عيون المسائل"، قال: و"ما عب في الماء عباً فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة كالدجاج، فليس بحمام". قال الغزالي: فُرُوعٌ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ المَرِيضِ بالمَرِيضِ، وَفِي مُقَابَلَةِ الذَّكَرِ بالأنْثَىَ مَعَ التَّسَاوِي في اللَّحْمِ وَالقِيمَةِ ثَلاَثةُ أقْوَالٍ، في الثَّالِثِ تُؤْخَذُ الأُنْثَى عَنِ الذَّكَرِ كَمَا في الزَّكاةِ بِخِلاَفِ عَكْسِهِ. قال الرافعي: رسم المسائل المذكورة في هذا الموضع إلى رأس السَّبَبِ الثَّانِي فروعاً، ونحن نشرحها واحداً واحداً. أحدها: المريض من الصّيود يقابل بالعوراء، وإن اختلف الجنس فلا، كالعوراء بالجرباء، وإن كان عور أحدهما باليمين، وعور الأخرى باليسار ففي الإجزاء وَجْهَان: أصحهما: ولم يورد العراقيون غيره: الإجْزَاء لتقارب الأمْرِ فيه، ولو قابل المَرِيض بالصَّحيح، أو المعيب بالسَّليم، فقد زادَ خَيْراً. وقال مالك: إن ذلك وَاجِب، ويفدى الذَّكر بالذَّكَر، والأنثى بالأنثى، وهل يفدى الذَّكر بالأُنْثَى وبالعكس؟ أما فداء الذَّكَرِ بالأُنْثَى فقد ذَكَرُوا أن إشارة النَّصِّ مختلفة فيه، وللأصْحَابِ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين:
следующие страницы →