← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

والطريق الثاني: أنهما على قولين، وحيث اعتبرنا قيمة محل الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطَّعَامِ سعر الطَّعَامِ في ذلك المكان أيضاً، أو سعر الطَّعَامِ بمكة، والظاهر منهما الثاني. قال الغزالي: وَالمِثْلِيُّ كَالنَّعَامَةِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ، وفي الضِّبُعِ كبْشٌ، وَفِي الأَرْنَبِ عنَاقٌ، وَفي الظَّبْي عَنْزٌ، وَفِي اليَرْبُوعِ جَفْرةٌ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَيَحْكُمُ بالمُمَاثَلَةِ عَدْلاَنِ، فَإنْ كَانَ القَاتِلُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ فَاسِقٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الحَمَامِ شَاةٌ، وَفِي مَعْنَاهُ القُمْرِيُّ وَالفَوَاخِتُ وَكُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، وَمَا دُونَهُ فِيهِ القِيمَةُ، وَمَا فَوْقَهُ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا القِيمَةُ قِيَاساً، وَالثَّاني: إِلْحَاقُهُ بِالحَمَامِ. قال الرافعي: من المهم في الباب معرفة أن المثل ليس معتبراً على التَّحْقِيق، وإنما هو معتبر على التَّقْرِيب، وليس معتبراً في القيمة، بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة ﵃ حكموا في النَّوْعِ الواحد من الصيد بالنواع الواحد من النَّعَمِ مع اختلاف البِلاَد، وتفاوت الأزمان واختلاف القِيَم بحسب اختلافها، فعلم أنهم اعتبروا الخِلْقَة والصُّورة. إذا تقرر ذلك فالكلام في الدَّواب، ثم في الطيور أما الدواب فما ورد فيه نَصٌّ، فهو متبع، وكذلك كل ما حكم فيه عَدْلاَن من الصَّحَابَةِ أو التابعين، أو من أهْلِ عصر آخر من النَّعَمِ أنه مثل للصيد المقتول يتبع حكمهم، ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم. قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) وقد حَكَمَا. وعن مَالِكٍ أنه لا بد من تحكيم عَدْلَيْنِ من أهْلِ العَصْرِ، وقد روي عن النبي ﷺ "أَنَّهُ قُضَىَ فِي الضَّبعِ (٢) بِكَبْشٍ" (٣) وعن الصحابة ﵃ أنهم قضوا في النَّعَامَةِ ببدنة، وفي حمار الوَحْشِ وبقر الوحش بِبَقَرَةٍ، وفي الغَزَالِ بعَنزٍ، وفي الأرْنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، وعن عثمان (٤) ﵁ أنه حكم في أم حُبَيْنٍ

стр. 1612

بُحلاَّنٍ، وعن عطاء (١) ومجاهد (٢) أنهما حكمًا في الوبر بِشَاةٍ. قال الشافعي ﵁ إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر بدلاً منها، وعن عطاء (٣) أن في الثَّعْلَبَ شَاة، وعن عمر ﵁ (٤) أن في الضب جدياً، وعن بعضهم أن في الإبل بقرة. واعرف هاهنا شيئين: أحدهما: تفسير ما يشكل من هذه الألفاظ. أما العناق: فهو اسم الأنثى من ولد المعز. قال أهل اللغة: وهي عناق من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة هي: الأنثى من ولد المعز، تفطم، وتفصل عن أمها، وتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أَشْهُر، والذَّكَرْ جفر، هذا معناهما في اللغة، ويجب أن يكون المراد من الجفرة هاهنا ما دُونَ العِنَاق، فإن الأرنب خير من اليربوع. وأم جبين دابة على خلقة الحرباء عظيمة البَطْن، ومنه ما روي "أَنَّهُ ﷺ قَالَ مُمَازِحًا لِبِلاَلٍ ﵁ وَقَدْ تَدَحْرَجَ بَطْنَهُ: أُمَّ حُبَيْنٍ" (٥). قال الشيخ أبو محمد: وأرى هذا الحيوان من صغار الضَبِّ حتى يفرض مأكولاً. واعلم أن في حِلٍّ أم حبين تردداً نذكره في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى، والقول يوجوب الجَزَاءِ مُفَرَّعٌ على الحِلِّ. وأما الحُلاَّن فمنهم من فسره بالحمل، ومنهم من فسره بالجدي، والحُلاَّم كالحلان. والوبر دابة كالجَرَادِ، إلا أنها أنبل وأكرم منها، وهي كحلاء من جنس بنات عرس تكون في الفلوات، وربما أكلها البدويون، والأنثى وبرة. الثاني: قد نجد في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كَبْشاً، وفي الغزال عَنْزاً، وهكذا أورد أَبُو القَاسِمِ الكَرَخِي، وزعم أن الظبي ذَكَرُ الغزَالِ، وأن الغَزَال الأُنثى، قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وَهْمٌ بل الصَّحِيح أن في الظَّبْي عنزاً، وهو شديد الشَّبَه به، فإنه أجرد الشَّعْرِ، متقلص الذَّنَب وأما الغزالَ فهو وَلَدُ الظَّبْيِ، فيجب فيه ما يَجِبْ فِي الصِّغَار، فهذا هو القول فيما وردَ فِيه نَقْلٌ.

стр. 1613

وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شيء فيرجع فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْنِ (١)، قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وليكونا فقيهين كَيِّسَيْنِ، وهل يجوز أن يكونَ قَاتِلُ الصيد أحَدَ الَحَكَمَيْنِ؟ أو يكونا قَاتِلا الصَّيْدِ الحَكَمَيْنِ؟ إن كان القتل عمداً عدواناً فَلاَ؛ لأنه يورث الفِسْق، والحكم لا بد وأن يكون عدلاً وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فوجهان: أحدهما: وبه قال مالك: أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون المُتْلِف أحد المُقَوِّمَيْنِ. وأصحهما: أنه يجوز: لما روي "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ ضُبّاً فَسَأَلَ عَنْهُ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: احْكُمْ فِيهِ، فَقَالَ؛ أَنْتَ خَيْرٌ منِّي وَأَعْلَمُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَنَا أَمُرْتُكَ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ، وَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُزَكِّيَنِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَى فِيهِ جَدْياً، قَالَ عُمَرُ ﵁ فَذَلِكَ (٣) فِيهِ". وأيضاً فإنه حق الله تعالى، فيجوز أن يكون المؤمن عليه أميناً فيه، كما أن رب المال أمين في الزكاة. ولو حكم عدلان بأن له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له، فالأخذ بقول الأولين أَوْلى، قاله في "العدة" (٤). وأما الطيور فتنقسم إلى حمام وغيره، أما الحمام ففيه شَاة، روي ذلك عن (٥) عمر، وعثمان (٦)، وعلي (٧)، وابن عمر (٨)، وابن عباس (٩) وعاصم بن عمر (١٠)،

стр. 1614

وعطاء (١)، وابن المسيب (٢)، وغيرهم، ﵃ وعلام بُنِي ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: أن إيجابها لما بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّبَهِ، فإن كل واحد منهما يألف البيوت، ويأنس بالناس. وأصحهما: أن مستنده توقيفُ بَلَغَهُمْ فِيهِ. وأما غيره، فإن كان أصغر من الحمام في الجنة كالزُّرزور، والصَّعْوَة، والبلبل، والصَنبرة (٣)، والوَطْوَاط، فالواجب فيه القيمة قياساً (٤) وقد روى عن الصحابة ﵃ أنهم حكموا في الجراد بالقيمة ولم يقدروا. وأن كَانَ أكبرُ مِنَ الحَمَامِ، أو مِثْلاً لَهُ ففيهما قولان: أحدهما: أن الوَاجِبَ شَاةٌ، لأنها لما وجبت في الحَمَام، فلأن تجب فيما هو أكبر منه كان أولى. والثاني: وهو الجديد وأحد قوليه في القديم: أن الواجب القيمة، قياساً، كما لو كان أصغر. وعن الشيخ أبي محمد: أن بناء القولين على المأخذين السَّابقَيْنِ، إن قلنا: وجوب الشاة توقيف صرف، ففي الأكبر أيضاً شاة استدلالاً، وإن قلنا: إنه مأخوذ من المُشَابَهَةِ بِينهما فَلاَ، وقوله في الكتاب: (ففيها بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى آخرها) يجوز إعلامها بالحَاءِ، لأن أبا حنيفة ﵀ لا يوجب المثل في شَيْءٍ من الصيود. وقوله: (وفي الصغير صغير) أراد به أن كل جنس من الصيود المثلية، يعتبر فيما يجب فيه من النَّعَمِ المماثلة في الصِّغَرِ والكِبَرِ، ففي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفي الكبير

стр. 1615

كبير، لظاهر قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، والكلمة مُعَلَّمة بالميم، لأن عند مالك الوَاجِبُ الكَبِير، وإن كان الصَّيْدُ صغيراً، وقوله: (وهو مخطئ غير فاسق) قد عرفت مما مرّ أنه لم يذكره. وقوله: (وفي الحمام شاة) معلم بالميم؛ لأن مالكاً إنما يُوجِبُ الشَّاة في حمامة الحَرَمِ، وأما حمامة الحِلَّ، إذا قتلها المُحْرِم فالواجب عنده فيها القيمة. وقوله: (وفي القمري والفواخت وكل ما عب وهدر) ظاهره يقتضي خروج هذه الطيور عن تَفْسِيرِ الحمام، وإلحاقها به في الحكم لكن المشهور، أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر فمنه صِغَارٌ وَكِبَارٌ، ويدخل فيه اليَمَام، وهي التي تألف البيوت، والقمري، والفاختة، والداس، والفاس، والقطا. والعب هو: شرب الماء جرعاً، وغير الحمام من الطيور تشربه قطرة قطرة، والهدير هو ترجيعه صوته وتغريده، والأشبه: أن ما له عب فله هدير، ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ذلك. يدل عليه نَصُّ الشافعي ﵁ في "عيون المسائل"، قال: و"ما عب في الماء عباً فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة كالدجاج، فليس بحمام". قال الغزالي: فُرُوعٌ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ المَرِيضِ بالمَرِيضِ، وَفِي مُقَابَلَةِ الذَّكَرِ بالأنْثَىَ مَعَ التَّسَاوِي في اللَّحْمِ وَالقِيمَةِ ثَلاَثةُ أقْوَالٍ، في الثَّالِثِ تُؤْخَذُ الأُنْثَى عَنِ الذَّكَرِ كَمَا في الزَّكاةِ بِخِلاَفِ عَكْسِهِ. قال الرافعي: رسم المسائل المذكورة في هذا الموضع إلى رأس السَّبَبِ الثَّانِي فروعاً، ونحن نشرحها واحداً واحداً. أحدها: المريض من الصّيود يقابل بالعوراء، وإن اختلف الجنس فلا، كالعوراء بالجرباء، وإن كان عور أحدهما باليمين، وعور الأخرى باليسار ففي الإجزاء وَجْهَان: أصحهما: ولم يورد العراقيون غيره: الإجْزَاء لتقارب الأمْرِ فيه، ولو قابل المَرِيض بالصَّحيح، أو المعيب بالسَّليم، فقد زادَ خَيْراً. وقال مالك: إن ذلك وَاجِب، ويفدى الذَّكر بالذَّكَر، والأنثى بالأنثى، وهل يفدى الذَّكر بالأُنْثَى وبالعكس؟ أما فداء الذَّكَرِ بالأُنْثَى فقد ذَكَرُوا أن إشارة النَّصِّ مختلفة فيه، وللأصْحَابِ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين:

стр. 1616

أحدهما: المنع، لأنهما مُخْتَلِفَان في الخِلْقَة، وذلك مما يقدح في المِثْلِيَّةِ. وأصحهما: الجواز، كما في الزَّكاة، ولأن هذا اختلاف لا يقدح في المقصود الأصلي، فأشبه الاختلاف في اللَّون. والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالين إن أراد الذبح لم يجز؛ لأن لحم الذَّكر أطيب، وإن أراد التقويم جَازَ؛ لأن قيمة الأنثى أكثر. وقيل: إن لم تلد الأنثى جاز، وإن ولدت فَلا، لأن الولادة تُفْسِدُ اللَّحْم، وإذا جوزنا ذَبْحَ الأنثى عن الذَّكَرِ، فهل هو أولى؟ قال بعضهم: نعم؟ لأن لحم الأُنْثَى أَرْطَب، وقال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأن لَحْمَ الذكَرِ أَطْيَبُ. وأما فداء الأنثى بالذَّكَرِ ففي جوازه وَجْهَان، ويقال: قولان كما سبق، وحكى الإمام طريقة أخرى أن فداء الذكر بالأنثى جَائِزٌ، لاَ محالة كما في الزَّكَاةِ، وإنما التردد في عَكْسِهِ، وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها ثلاثة أقوال كما ذكر في الكِتَاب، وإذا تأملت ما حكيناه من كلام الأصحاب وجدتهم طاردين للخِلاَف مَعَ نقصان اللَّحْمِ. وقال الإمام ﵀: إن كان ما يخرجه ناقصًا في طِيب اللَّحْمِ، أو في القيمة لم يجزه بلا خِلاَف، والخلافُ مخصوصٌ بما إذا لم يكن فيه واحَد من النقصانين، وإلى هذا أشار صاحب الكتاب بقوله: (مع تساوي اللحم والقيمة). قال الغزالي: وَلَوْ قَتَلَ ظَبْيَةَ حَامِلاً أَخْرَجَ طَعَاماً بِقِيمَةِ شَاةٍ حَامِلٍ حَتَّي لاَ تَفُوتَ فَضِيلَةُ الحَمْلِ بالذَّبْحِ، وَقِيلَ: يَذْبَحُ شَاةً حَائِلاً بِقِيمَةِ الحَامِلِ، وَإِنْ أَلْقَتِ الظَّبْيَةُ جَنِيناً مَيِّتاً فَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ مَا يَنْقُصُ مِنَ الأُمِّ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَياً ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. قال الرافعي: الفرع الثاني: إذا قتل صيداً حاملاً من ظبية وغيرها، قابلناه بمثله من النَّعَم حَامِلاً، لأن الحمل فضيلة مقصودة فلا سبيل إلى إهمالها، لكن لا تذبح الحَامِل؛ لأن فضيلة الحَامِل بالقيمة لتوقع الولد (١)، وإلا فلحم الحَائِلِ خَيْرٌ من لَحمِهِ، فإذا ذبح فاتت فضيلته من غير فائدة تحصل للمساكين، فيقوم المثل حاملاً، ويتصدق بقيمته طعاماً، وفي وجه يجوز أن يذبح حائلاً نفيساً بقيمة حَامِلٍ وسط، ويجعل التفاوت بينهما كالتفاوت بين الذَّكَرِ والأُنْثَى. ولو ضرب بَطْنَ صَيْدٍ حَامِل فألقى جنيناً ميتاً، نظر إن ماتت الأم أيضاً فهو كما لو

стр. 1617

قتل حَامِلاً (١)، وإن عاشت ضمن النقص الذي دَخَلَ على الأُم، ولا يضمن الجنين بخلاف جنين الأَمَة يضمن بقمية عُشْرِ الأم؛ لأن الحمل يزيد في البهائم فيمكن إيجاب ما بين قيمتها حائلاً وحاملاً، وينقص في قيمة الآدميات فلا يمكن اعتبار ذلك، وإن ألقت جنيناً حياً، ثم ماتا ضمن كل واحد منهما بانفراده، وإن مات الولد وعاشت الأم ضمن الولد بانفراده، وضمن النقص الذي دخل على الأم. قال الغزالي: وَإِنْ جَرَحَ ظَبْياً فَنَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ العُشْرُ فَعَلَيْهِ الطَّعَامُ بِعُشْرِ ثَمَنِ شَاةٍ كَيْلاَ يَحْتَاجَ إلَى التَّجْزِئَةِ وَقِيلَ: عُشْرُ شَاةٍ. قال الرافعي: الفرع الثالث: قال الشافعي ﵁ في "المختصر". إن جرح ظبياً فنقص من قميته العشر، فعليه عشر من ثمن شَاة، وقال المُزَنِي تخريجاً عليه عُشْرُ شَاةٍ. واختلف الأصْحَاب في ذلك فقال الأكثرون: الأمر على ما قاله المُزَنِي، لأن كل الظبية مُقَابَل بالشَّاةِ، فيقابل بعضها ببعضها تحقيقاً للمماثلة، وهؤلاء رفعوا الخلاف وقالوا: إنما ذكر الشافعي ﵁ القيمة، لأنه قد لاَ يَجِدْ شريكاً في ذَبْحِ شَاةٍ، ويتعذر عليه إخراج العشر بقسطه من الحَيَوَان، فأرشده إلى ما هو الأَسْهل، فإن جزاء الصيد على التخيير، فعلى هذا هو مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبين أن يصرف قيمته إلى الطَّعَام ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، ومنهم من جَرَى على ظَاهِرِ النَّصِّ، وقال: الواجب عشر القيمة، وأثبت في المسألة قولين المنصوص وما أخرجه المزني ﵀ وهذا ما أوْرَدَهُ في الكتاب. أما وجه التخريج فقد، عرفته. وأما وجه المنصوص فهو أنَّا لو أوجبنا العُشْرُ لاحتاج إلى التجزئة والتَّقْسِيط، وفيه حرج وعسر، فوجب أن نعدل إلى غَيْرِهِ كما عدلنا عن إيجاب جُزْءٍ من بعير في خَمْسٍ من الإبِلِ إلى شَاةٍ، ولا يلزم من مقابلة الجملة بالمثل مقابلة الجزء بجزء من المثل، ألا ترى أَنه لو أتلف حنطةً على إنسان لَزِمَة مِثْلُهَا، ولو بَلَّها ونقص قيمتها لا يجب عليه إلا مَا نقص، فعلى هذا لو لم يرد الإطْعَام ولا الصِّيَام، ما الذي يخرج؟ حكى القاضي ابْنُ كِجٍّ: عن بعضهم أنه إن وجد شريكاً أخرجه ولم يخرج الدراهم وإلا فعليه إخْرَاجُهَا. وعن أبي هريرة أن له إِخْرَاجها وإن وَجَدَ شَرِيكاً.

стр. 1618

وعن أبي إسْحَاقَ: أنه مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبيى إخراج الدَّرَاهِمِ فهذه ثلاثة أوجه. ونقل أبو القَاسِم الكَرَخِي وغيره: أنه لا يجزئه إخْرَاجُ عُشْرِ الْمِثل، وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدَّرَاهم، ولكن يصرفها إلى الطَّعَام ويتصدق به، أَو يصوم عن كل مُدٍّ يوماً. وهذا ما أشار إليه في الكتاب، حيث قال: (فعليه الطعام بعشر ثمن المثل) والأشبه من هذا كله تفريعاً على المنصوص إن أثبتنا الخلاف تعين الدراهم، -والله أعلم-. وقوله: (بعشر ثمن شاة) أراد بالثمن القيمة كما في لفظ الشافعي ﵁. واعلم: أن جميع ما ذَكَرْنَاهُ فيما إذا كان الصَّيْدُ مثلياً، فأما إذا جَنَى عَلَى صَيْدٍ غير مثلي فلا كلام في أن الواجب ما نقص من القيمة -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلَوْ أَزْمَنَ صَيْدا فَتَمَامُ جَزَائِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَعِيباً، وَلَوْ أبْطَلَ قُوَّةَ المَشْي وَالطيَّرَانِ مِنَ النَّعَامَةِ فَفي تَعَدُّدِ الجَزَاءِ وَجْهَانِ: قال الرافعي: ما ذكرنا في الفرع الثالث مصور فيما إذا اندمل الجُرْح وبقي الصيد ممتنعاً إما بعدوه كالغَزَالِ، أو بطيرانه كالحَمَامِ، فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد زمناً فهذا هو الفرع الرابع، وفيما يلزم به وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب وبه قال أبو حنيفة ﵀: أنه يلزم به جَزَاءٌ كَامِلٌ، لأنه بالأزمان صَارَ كالمُتْلف، ولهذا لو أزمن عبداً يلزمه تمام قيمته. الثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيجٍ: أنه يجب عليه قدر النّقْصَان؛ لأنه لم يهلك بالكلية، ألا ترى أن الباقي مَضْمُون لو قتله محرم آخر، فعلى هذا يجب قِسْطٌ مِنَ المِثْلِ، أو من قيمة المِثْل فيه الكلام السابق. ولو جاء محرم آخر وقتله إما بعد الانْدِمَال أو قبله فعليه جزاؤه زمناً لما ذكرنا أن المعيب يقابل بمثله، ويبقى الجزاء على الأول بحاله، ومنهم من قال: إن أوجبنا جزاءاً كاملاً عاد هَاهُنَا إلى قدر النقصان؛ لأنه يبعد إيجاب جزاءين لمتلف واحد، ولو عاد المزمن وقتله نظر إن قتله قبل الاندمال فليس عليه إلا جَزَاءٌ واحد، كما لو قطع يَدَيْ رَجُلٍ ثم حزّ رقبته قبل الاندمال لا يلزمه إلا دِيَة واحدة، وخرج ابْنُ سُرَيْجٍ ﵀ ثمّ أن أرش الطرف ينفرد عن دِيَةِ النفس، فيجيء مثله هاهنا. وإن قتله بعد الاندمال، أفرد كل واحد منهما بحكمه، ففي القتل جزاؤه زمناً، وفيما يجب بالإزمان؟ الخلاف السابق، وإذا أوجبنا بالإزمان جزاءاً كاملاً، فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة بها امتناع بشدة العدو، وامتناع في الجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه؟ وجهان: أحدهما: أنه يتعدد الجزاء لتعدد الامتناع. وأصحهما: أنه لا يتعدد؛ لاتحاد المنع، وعلى هذا فَمَا الَّذِي يجب؟ قال الإمام:

стр. 1619

الغالِبُ على الظَّنِ أنه يعتبر ما نَقَص، لأن امتناع النعامة في الحقيقهّ واحد إلا أنه يتعلق بالرِّجل، والجناح فالزائل بعض الامتناع. ولو جرح صيداً فَغَابَ، ثم وجد ميتاً ولم يدرِ أنه مات بجراحته، أو بِسَبَب حَادِثٍ فالواجب جَزَاءٌ كَامِلٌ أو ضمان الجُرْحِ فقط، كما لو علم أنه مات بسبب آخر؟ فيه قولان (١) -والله أعلم-. قال الغزالي: وَإذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ حَلَّ لَهُ إلاَّ إِذَا صِيدَ لَهُ (ح) أَوْ صيدَ بِدَلاَلتِهِ فلاَ يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ فَفِي وُجُوبِ الجَزَاءِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ ذَبَحَهُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الجَزَاءِ (ح) بِالأَكْلِ. قال الرافعي: الفرع الخامس: قد مر أن المُحْرِم يحرم عليه الاصطياد والأكل من صيد ذبحه، وأنه يحرم عليه الأكل أيضاً مما اصطاد له حَلاَلٌ، أو بإعانته، أو بدلالته، فأما ما ذبحه حلالٌ من غير إعانته ودلالته فلا يحرم الأكْلُ منه، لما روينا من حديث أبي قتادة (٢) وغيره، وقوله في الكتاب: (إذا صيد له) مُعَلَّمٌ بالحَاءِ، لأن عند أبي حنيفة إذا لم يعِن، ولم يأمر به لم يحرم عليه؛ ولا عبرة بالاصطياد له من غير أمره، ولم يحك حجة الإسلام ﵀ هاهنا خلافاً في حل ما صيد بدلالته، وحكي قَبْلُ في هذا قولين، والحق ما فعله هاهنا، وتكلمنا على المَذْكُور من قبل، وشرحنا في أثناء الكَلاَمِ المسألة التي أوردها هاهنا، وهي قوله: (فإن أكل) أي مما صِيدَ لَهُ، أو بدلالته ففي وجوب الجزاء قولان: ولو أكل المحرم من صيد ذبحه بنفسه لم يلزمه الأكل شيء آخر، وقال أبو حنيفة ﵀ يلزمه القيمة بقدر ما أكل، وسلم في صيد الحرم أنه لا يلزم في أكْلِه بعد الذَّبْحِ شيء آخر. لنا: قياس الأول على الثاني. قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَكَ المُحْرِمُونَ في قَتْلِ صَيْدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَتَلَ القَارِنُ صيداً أوْ قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْداً حَرَمِيّاً اتحد (ح) اتحد الجَزَاءُ لاِتِّحَادِ المُتْلَف. قال الرافعي: الفرع السادس: إذا اشترك محرمان، أومحرمون في قَتْلِ صَيْدٍ لم يلزمهم إلاَّ جزاء وَاحد، وبه قال أَحْمد خلافاً لأبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- حيث قَالاً: يجب على كل واحد جزاءٌ كَامِلٌ. لنا أن المقتول واحد فيتحد جزاؤه كما لو اشتركوا في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِيٍّ، ويفارق ما إذا اشترك جماعة في قتل آدمي حيث يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة على

стр. 1620

الصَّحيح؛ لأن كفارة الصَّيْدِ تتجزأ، ألا ترى أنها تختلف بصغر المَقْتُولِ وكبره، ويجب إِذَا جرح الصيد بقدر النقصان، وكفارة الآدمي لا تختلف بِصِغَرِ المقتول وكبره، ولا تَجِب في الأَطْرَافِ. ولو اشترك محل ومحرم في قتل صيد، فعلى المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المُحِل. ولو قتل المحرم القارنُ صيداً لم يلزمه إلا جزاء واحد، وكذا لو باشر غيره من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام، وبه قال مالك وكذا أحمد في أظهر الروايتين خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه جزاآن. لنا ما سبق في الصُّورة الأُولَى. ولو قتل المحرم صيداً حرمياً لم يلزمه إلا جَزَاء واحد لاتحاد المتلف، وهذا كما أن الدية لا تتغلظ مراراً باجتماع أسباب التغليظ. قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي للتَّحْرِيم: الحَرَمُ وَجَزَاؤُهُ كَجَزَاءِ الإحْرَامِ (ح)، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلَى الحَرَمِ أَوْ بِالعَكْسِ، وَلَوْ قَطَعَ السَّهْمُ في مُرُورِهِ هَوَاءَ طَرَفِ الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَو تَخَطَّى الكَلْبُ طَرَفَ الحَرَم فَلاَ جزَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ، وَلَوْ أَخَذَ حَمَامَةٌ فِي الحِلِّ فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الحَرَم أَوْ بِالعَكسِ ضَمِنَ الفَرْخَ. قال الرافعي: صيد حَرَم مَكَّةَ حرامٌ على المُحِل والمُحْرِم روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ، لاَ يُخْتَلَى خلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخَرُ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ لبِيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلاَّ الإذْخَرُ" (١). والقول في الصَّيْدِ المحرم، وفيما يجب به الجزاء، وفي أن الجزاء مَاذَا يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي الإحْرَام إلا أن المحرم لَيْسَ له ذبح الصيد الذي يملكه، وفي وجوب إرْسَاله إذا أحرم الخِلاَف الذي مَرّ، ولو أدخل المحرم صيداً مملوكاً له كان له أن يمسكه ويذبحه كيف شاء كالنعم؛ لأنه صيد الحَلِّ دون الحرم. وقال أبو حنية وأحمد -رحمهما الله- ليس له ذَبْحُه، ولو ذبح. فعليه الجَزَاءُ. واعلم قوله في الكتاب: (وجزاؤه كجزاء الإحرام) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا مدخل للصيام في جَزَاءِ صَيْدِ الحَرَم. لنا أنه صيد مضمونٌ بالجَزَاءِ، فكان جزاؤه كجزاء الصَّيْدِ في حق المُحْرِم. ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: لو رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلى صَيْدِ في الحَرَمِ فقتله فعليه الضَّمَان؛ لأنه أصاب الصيد في موضع آمن، ولو رمى من الحَرَمِ إلى صَيْدٍ في الحل فقتله فعليه الضمان

стр. 1621

أيضاً؛ لأن الصَّيْدَ مُحَرَّمٌ على من في الحَرَمِ، وكذا الحكم في إرْسَالِ الكَلْبِ. وكذا لو رمى حَلاَلٌ إلى صَيْدٍ فأحرم قبل أن يُصِيبَه، أو رمي مُحْرِمٌ إلى صَيْدٍ فتحلل قبل أن يَصِيدَه، وجب الضَّمَانُ في الحالتين. ولو رمى إلى صَيْدٍ بعضه في الحل، وبعضه في الحَرَم، وجب الضَّمَانُ أيضاً تغليباً للحُرْمَة، والاعتبار بالقوائم، ولا نظر إلى الرأس، ولو رمى من الحل إلى صيد في الحِلِّ ولكن قطع السهم في مروره هواء الحرم، ففي وجوب الضَّمَانِ وجهان: أحدهما: لا يجب لوقوع الطرفين في الحِلِّ، فصار كما لو أرسل كلباً في الحِلِّ إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فتخطى طرف الحرم. والثاني: يجب، لأنه أوصل السَّهْم إليه في الحَرَم، ويخالف مسألة الكَلْبِ؛ لأن للكلب فِعْلاً واختياراً، والسَّهم لا اختيار له، ولهذا قالوا: لو رمى إلى صَيْدٍ في الحل فعدَا الصَّيْدُ ودخل الحرم فأصابه السَّهم وجب الضَّمان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يَجِب، ولو رمى إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فلم يصبه، وأصاب صيداً في الحَرَم وجب الضَّمَان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يجب فدل على الفرق، ويشبه أن يكون هذا أَظْهر الوَجْهَيْنِ، ولم يورد صاحب "العدة" غيره. ثم في مسألة إرْسَالِ الكَلْبِ وتخطيه طَرَفِ الحرم إنما لا يجب الضَّمَان إذا كان للصَّيْدِ مَفَرٌ آخر، فأما إذا تعين دُخُوله الحَرَم عندَ الهرب، فالضَّمَانُ واجب لا محالة، سواء كان المُرْسِل عالماً بالحال أو جاهلاً، غير أنه لا يأثم إذا كان جاهلاً. الثانية: لو أخذ حمامة في الحِلِّ، أو قتلها فهلك فرخها في الحرم، ضمن الفَرْخَ؛ لأنه أهلكه بَقَطْع من يَتَعَهَّده عنه، فأشبه ما لو رَمَى من الحِلِّ إلى الحَرِم، ولا يضمن الحَمَامة؛ لأنها مَأخوذة الحِلِّ، وعلى عكسه لو أخذ الحمامة من الحرم أو قتلها فهلك فَرْخها في الحِلِّ ضمن الحمامة والفَرْخَ جَمِيعاً، أما الحمامة فلأنها مأخوذة من الحَرَمِ وأما الفرخ فكما لو رمى من الحرم إلى الحِلِّ، ولما جَمَعَ صَاحِبُ الكِتَاب بين الطرفين اقتصر في الحكم على ما يشتركان فيه وهو ضمان الفرخ، وسكت عن ضَمَانِ الحمامة. ولو نفر صيداً حرمياً قاصداً أو غير قَاصِدٍ تعرض للضَّمَانِ، حتى لو مات بسبب التنفير بصَدْمة أو أخذ سبع لَزِمَهُ الضَّمان، ولو دخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر الضَّمان أيضاً، قاله في "التهذيب" بخلاف ما لو قتله مُحْرِمٌ يكون الجزاء عليه تقديماً للمباشرة. فرع: لو دخل الكافرُ الحَرم وقتل صيداً وجب عليه الضَّمَان؛ لأن هذا ضَمَان يتعلق بالإتلاف فأشبه ضَمَان الأَمْوال. وقال الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِي: يحتمل عندي أن لا يجب، لأنه غير ملتزم حرمة الحرم.

стр. 1622

قال الغزالي: وَنَبَاتُ الحَرَمِ أَيْضًا يَحْرُمُ قَطْعُهُ أَعْني مَا يَنْبُتُ بنَفْسِهِ دُونَ مَا يُسْتَنْبَتُ، وَيُسْتَثنَى عَنْهُ الإِذْخِر لِحَاجَةِ السُّقُوفِ، وَلَو اخْتَلَى الحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ جَازَ (ح) عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، كمَا لَوْ سَرَّحَهَا فِيهِ، وَلَوِ اسْتَنْبَتَ مَا يَنْبُتُ أَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنبَتُ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الجِنْسِ (و) لاَ إِلَى الحَالِ حَتَّى لَوْ نَقَلَ أَراكَاً حَرَمِيّاً وَغَرَسَهُ في الحِلِّ لَمْ يَنْقَطِع حُكْمُ الحَرَمِ، ثُمَّ في قَطْعِ الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ (م ح) وفي الصغيرة شاة (م ح)، وَفِيمَا دُونَهُمَا القِيمَةُ كَمَا في الصَّيْدِ، وَفي القَديمِ لاَ يَجِبُ (ح) في النَّبَاتِ ضَمَانٌ. قال الرافعي: قطع نبات الحرم حرام كاصطياد صيده للخبر الذي قدمناه، وهل يتعلق به الضمان؟ فيه قولان: أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: نعم؛ لأنه ممنوع من إتلافه لِحُرْمَةِ الحُرَمِ، فيجب به الضَّمَانُ كَالصَّيْدِ. والثاني: ويحكي عن القديم: لا، وبه قال مَالِك، لأن الإحْرَام لا يوجب ضمان الشَّجرة فكذلك الحرم. إذا عرفت ذلك فنفصِّل ونقول: النبات شجر وغيره؛ أما الشجر فيحرم التعرض بالقطع، والقلع لِكُلِّ شجر رطبٍ غير مُؤذٍ حَرَمِي، فيخرج بقيد الرطب الشّجر اليابس فلا شيء في قطعه، كما لو قدّ صيداً ميتاً نصفين، وبقيد غير المؤذي العَوْسَج، وكل شجرة ذَات شَوْكٍ فإنها بمثابة الفواسق وسائر المؤذيات فلا يتعلق بقطعها ضَمَان. هذا هو المشهور، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً آخر أنها مضمونة، وزعم أنه الصَّحِيح لإطْلاَقِ الخَبَرِ، ويفارق الحيوانات، فإنها تقصد بالأذية ويخرج بقيد الحرمي أشْجَار الحِل، ولا يجوز أن يقطع شجرة من أشْجَارِ الحَرَمِ، وينقلها إلى الحِلِّ محافظة على حرمتها، ولو نقل فعليه الرَّدُّ بخلاف ما لو نقل من بقعة من الحرم إلى أخرى لا يؤمر بالرد، وسواء نقل أشجار الحرم وأغصانها إلى الحِلِّ أو الحرم، فينظر إن لم ينبت فعليه الجَزَاء، وإن نبت في الموضع المنقول إليه فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، ولو قلعها قَالِعٌ لزمه الجَزَاءُ استبقاءً لِحُرْمَةِ الحرم، وعلى عكسه لو قَلَعَ شجرةً من الحِلِّ وغرسها في الحَرَمِ فنبتت فلا يثبت لها حُكْمُ الحَرَمِ، بخلاف الصَّيْدِ يدخل الحرم، فَيَجبُ الجَزَاءُ بالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لأن الصَّيْدَ ليس بأصل ثَابتٍ، فالوجه اعتبار مكانه، والشَّجَر أَصْل ثابت فله حكم منبته، حتى لو كان أصْلُ الشَّجَرَةِ في الحَرَمِ وأغصانها في الحل فقطع من أغصانها شيئاً فعليه ضَمَانُ الغُصْنِ، ولو كان عليه صيد فأخذه فلا جزاء عليه، وعلى عكسه لو كان أصلها في الحل، وأغصانها في الحَرَم، وقطع غصناً منها فَلاَ شَيْءَ، ولو كان عليه صيد فأخذه فعليه الجَزَاء.

стр. 1623

وإذا قطع غصناً من شَجَرة حَرَمِيَّةٍ، ولم يخلف فعليه ضَمَانُ النُّقْصَان، وسبيله سبيل جرح الصّيد، وإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفاً كالسِّواك وغيره فلا ضمان، وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضَّمان قولان كالقولين في السِّنِّ إذا نبت بعد القلع. ويجوز أخذ أوراق الأشْجَار، لكنها لا تهش حذراً من أن يصيب لحاها. وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كَانَتْ كبيرة، وبِشَاةٍ إن كانت دونها، يروى ذلك عن ابْنِ الزُّبَيْرِ (١)، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٢) ﵃ وغيرهما، ومثل هذا لا يطلق إلا عن توقيف. قال الإمام: ولا شك فإن البدنة في معنى البَقَرة، وأقرب قولٍ في ضبط الشجرة المضمونة بالشَّاة أن تقع قريبة من سبع الكبيرة، إن الشَّاة من البقرة سبعاً، فإن صغرت جداً فالواجب القيمة. والأمر في ذلك كله على التعديل، والتخيير كما في الصَّيْدِ، وهل يعم التحريم والضمان ما ينبت بنفسه من الأشْجَار، وما يستنبت أم يختص بالدرب الأول؟ ذكروا فيه قولين: أحدهما: التعميم، لأن لفظ الخَبَر مطلق. والثاني: وبه قال أبو حنيفة ﵀ التخصيص بالدّرب الأول تشبيهاً للمستنبتات بالحيوانات الإنسية وبالزرع والأول أصح عند أئمتنا العراقيين، وتابعهم الأكثرون، ومنهم من قطع به لكن الإمام، وصاحب الكتاب أجابا بالثَّانِي، وإذا قلنا: به زاد في الضَّابِطِ قيداً آخر، وهو كون الشجر مما ينبت بنفسه، وعلى هذا يحرم قطع الطرفاء والأراك والعضَاة وغيرها من أشجار البَوَادي، وأدرك في "النهاية" العوسج فيها، لكنه ذُو شَوْكٍ، وفيه ما كتبناه، ولا تحرم المستنبتات مثمرة كانت كالنخل والكرم، أو غير مثمرة كالصنوبر، والخلاف، ومما يتفرع على هذا القول، أنه لو استنبت بعض ما ينبت بنفسه على خلاف الغالب، أو نبت بعض ما يستنبت الأم ننظر، حكى الإمام عن الجمهور أن النظر إلى الجنس والأصل فيجب الضمان في الصُّورةَ الأولى، ولا يجب في الثَّانية، وعن صاحب "التلخيص" أن النظر إلى القصد والحال فيعكس الحكم فيهما، والأول هو الذي أورده في الكتاب. وأما غير الأشجار فإن حشيش الحرم لا يجوز قطعه للخبر، ولو قطعه فعليه قيمتُه إن لم يَخْلُف، وإن أخلف فَلاَ، ولا يخرج على الخلاف المذكور في الشَّجَرَة، فإن الغالب هاهنا الإخلاف فأشبه سِنَّ الصبي. ولو كان يابساً فلا شيء في قطعه كما ذكرنا في الشَّجَرِ، لكن لو قطعه فعليه

стр. 1624

الضَّمَان؛ لأنه لو لم يقطع لنبت ثانياً، ذكره في "التهذيب"، ويجوز تسريح البهائم في حشيشه لترعى خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-. لنا: أن الهَدَايا كانت تساق في عَصْرِ رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وما كانت تشد أفواهها في الحَرَمِ. ولو اختلى الحشيش ليعلفه البهائم ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لقوله ﷺ : "لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" (١). وأظهرهما: الجواز، كما لو سَرَّحَهَا فيه، ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخَبَر، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدَّواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر. وأصحهما: الجواز؛ لأن هذه الحَاجَة أهم من الحَاجَة إلى الإذخر-والله أعلم-. وليهن عليك ما لحق مسائل الكتاب من تغيير الترتيب فقد أعلمتك مراراً أن الشرح قد يحوج إليه، وقوله: (دون ما يستنبت) مُعَلَّم بالواو للقول الأصَحِّ عند الأكثرين، وبالألف لأن مذهب أحمد على ما رواه أصحابنا مثل ذلك القول. وقوله: (كما لو سرحها فيها) بالحاء والألف، وقوله: (كان النظر إلى الجنس) بالواو، وقوله: (حتى لو نقل أراكًا حرميًا، وغرسه في الحل لم ينقطع حكم الحرم) ليس مذكوراً على سبيل الاحتجاج للوجه النّاظر إلى اعتبار الجنس، والأصل، فإن هذه الصورة لا تسلم عن نزاع من ينازع في اعتباره. وقال الإمام ﵀: إذا كان صاحب "التلخيص" يعتبر القصد فلا تثبت الحرمة لهذه الشجرة إذا غرست في الحرم، فما ظنك إذا غرست في الحِلِّ، فلعله ذكره تفريعاً على ذلك الوجه. وقوله: (ثم في قطع الشجرة الكبيرة بقرة) لفظ البقرة والشَّاة معلمان بالحَاءِ، لأن عنده الواجب القيمة دون الحيوان كما ذكر في الصيد، وبالميم؛ لأن عنده لا جزاء في الشَّجَرِ، وكذلك لفظ القيمة، وقوله: (فيما دونها القيمة) يبين أنه أراد بالصغيرة المتوسطة، وإلا فاسم الصغيرة يتناول ما ليست بكبيرة كيف كانت. فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سَائِر البقاع (٢)، والبرام يجلب من حد

стр. 1625

الحل، ولا يكره نقل ماء زمزم، كانت عائشة ﵂ تنقله، وقد روى أن النبي ﷺ : "اسْتَهْدَاهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ عَمْروٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ" (١) قال الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ بْنِ عُبْدَانَ: لا يجوز قطع شيء من ستر الكعبة ونقله وبيعه وشراؤه، خلاف ما يفعله العَامّة يشترونه من بَنِي شَيْبَةَ، وربما وضعوه في أوراق المصاحف، ومن حمل منه شيئاً فعليه رده. قال الغزالي: وَيُلْحَقُ حَرَمُ المَدِينَةِ بِمَكَّة في التَّحْرِيمِ، وَفي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لا، إِذْ وَرَدَ فِيهِ سَلْبُ ثِيابِ الصَّائِدِ فَهُوَ جَزَاوُهُ، ثُمَّ السَّلْبُ للسَّالِبِ، وَقِيلَ: أَنَّهُ لِبَيْتِ المَالِ، وَقِيلَ: أنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى مَحَاوِيجِ المَدِينَةِ، وَإنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلْبَ إِذَا اصْطَادَ أَوْ أَتْلَفَ (و)، وَالشَّجَرُ وَالصَّيْدُ فِي السَّلْب سَوَاءٌ. قال الرافعي: لا يباح التعرض لصيد حرم المدينة وأشْجَارِه، وهو مكروه أو محرم؟ نقل في "التتمة" تردد قول، وحكى بعضهم فيه وجهين، والصَّحيح وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه مُحَرَّم لما روى أنه ﷺ قال: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ لاَ يُنْفَرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" (٢). وروي أنه قال: "إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُها" (٣). ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (التحريم) بالواو لمكان الوجه الآخر، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة أنه لا يحرم. وإذا قلنا: بالتحريم، ففي ضمان صيدها ونباتها قولان:

стр. 1626

الجديد وبه قال مالك: لا يضمن؛ لأنه ليس بمحل النّسك فأشبه مواضع الحِمَى، وإنما أثبتنا التحريم للنصوص. والقديم وبه قال أحمد: أنه يضمن، وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان: أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة لاستوائهما في التحريم. وأظهرهما: وبه قال أحمد: أن جزاءه أخذ سلب الصائد، وقَاطِع الشَّجر، لما روى أن سعد بن أبي وقاص ﵁: "أَخَذَ سَلْبَ رَجُلٍ قَتَلَ صَيْداً في الْمَدِينَةِ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَأَى رَجُلاً يَصْطَادُ بِالْمَدِينَةِ فَالْيَسْلِبْهُ" (١). وعلى هذا ففيما يسلب؟ وجهان الذي أورده الأكثرون أنه يسلب منه ما يسلبه القاتل من قتيل الكفار. والثاني: أنه لا ينحى بهذا نحو سلب القتيل في الجِهَاد، وإنما المراد من السلب هاهنا الثِّياب فحسب، وهذا ما أورده الإمام وتابعه المصنف فقال: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد) فقيد بالثياب، وعلى الوجهين ففي مصرفه وجْهَان مشهوران: أظهرهما: أنه للسالب كسلب القتيل، وقد روي أنهم كلموا سَعْداً في هذا السَّلب فقال: "مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " (٢). والثاني: أنه لمحاويج المدينة وفقرائها كما أن جزاء صيد مكة لِفُقَرَائِهَا، ووجه ثَالِثٌ حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عن الأستاذ أَبِي إِسْحَاقَ، والقَفَّالِ: أنه يوضع في بَيْتِ المال، وسبيله سبيل السَّهْمِ المترصد للمصَالِح. وقوله في الكتاب: (ففي الضمان وجهان) اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان: وقوله: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد في الصيد) معناه أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الجزاء، إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به، كما في صيد مكَّة، وعنى بالضمان الجزاء دون المُشْتَرك بينه وبين السَّلْب، فاعرف ذلك. وقوله: (وإنما يستحق السلب إذا اصطاد، أو أتلف) قصد به التعرض لما ذكره الإمام، حيث قال: غالب ظني أن الذي يهم بالصيد لا يسلب حتى يصطاد، ولست أدْرِي أيسلب إذا أرسل الصيد أم ذلك إذا أتلف الصَّيد (٣)؟ ولفظ "الوسيط" لا يسلب إلا

стр. 1627

إذا اصطاد، أو أرسل الكَلْب، ويحتمل التأخير إلى الإتلاف. واعلم أن السَّابِق إلى الفهم من الخبر، وكلام الأئمة أنه يسلب إذا اصطاد، ولا يشترط الإتلاف. وأما قوله: (والشجرة والصيد في السلب سواء)، فهو بين -والله أعلم-. قال الغزالي: وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَيْدِ وَجِّ الطَّائِفِ وَنَبَاتِهَا، وَهُوَ نَهْيُ كَرَاهِيَةِ يُوجِبُ تَأْدِيباً لاَ ضَمَاناً. قال الرافعي: وج الطائف واد بصحراء الطائف، وليس المراد منه نفس البلدة قال الشافعي ﵁ أكره صيده، وعن الشَّيْخِ أبي علي حكاية تردد في أنه تحريم، أو مجرد كَرَاهِية، ولفظ الكتاب كالصريح في الثاني، لكن الصَّحيح عند عامة الأصْحَابِ الأول؛ لما روى أنه ﷺ . قال: "صَيْدُ وَجِّ الطَّائِفِ مُحَرَّمٌ للهِ" (١). وعلى هذا فهل يتعلق به ضمانه؟ منهم من قال: نعم، وحكمه حكم حرم المدينة، وقال- صاحب "التلخيص" والأكثرون: لا، إذ لم يرد في الضَّمَانِ نقل، لكن يؤدب. فرع: "النَّقِيعُ لَيْسَ يُحَرَّمُ، لَكِنْ حَمَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإبِلِ الصَّدَقَةِ" وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ" (٢)، فلا تملك أشجاره وحشيشه، وفي وجوب كل الضّمان على من أتلفها وجهان: أحدهما: لا يجب، كما لا يجب في صيده شئ، وأظهرهما: يجب؛ لأنه ممنوعٌ مِنْهَا، وكانت مضمونه عليه بخلاف الصَّيْدِ، فإن الاصطياد فيه جائز، وعلى هذا فضمانها القيمة، ومصرفها مَصْرف نعم الصَّدقة والجزية (٣).

стр. 1628

القِسْمُ الثَّالثُ مِنْ كِتَابِ الحَجِّ فِي اللَّوَاحِقِ وَفِيهِ بَابَانِ الأَوَّلُ فِي مَوَانِعِ الحَجِّ قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ: الإحْصَارُ وَهُوَ مُبِيحٌ للتَّحَلُّلِ مَهْمَا احْتَاجَ فِي الدَّفْعِ إِلَى قِتَالٍ أَوْ بَذلِ مَالٍ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّاراً وَجَبَ القِتَالُ إِلاَّ إِذَا زَادُوا علَى الضِّعْفِ، وَلَوْ أَحَاطَ العَدُوُّ مِنَ الجَوَانِبِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّهُ لاَ يُرِيحُ مِنْهُ التَّحَلُّلُ كَمَا لاَ يَتَحَلَّلُ بالمَرَضِ (ح)، وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ المَرَضِ فَفِي جَوَازِ التَّحَلُّل قَوْلان. قال الرافعي: كان حجة الإسلام ﵀ قد قسم كتاب الحَجِّ إِلَى ثَلاثَة أقسام: المقدمات، والمقاصد وقد حصل الفراغ منهما. والثالث: اللواحق، وفيه بابان ترجم أولهما بموانع الحج، ولم يرد بها موانع وجوبه أو الشروع فيه، وإنما أراد العَوَارِض التي تعرض بعد الشروع فيه وتمنع من إتمامه، وهي فيما عدّها ستة أنواع: أحدها: الإحْصَار (١)، فإذا أَحْصَر العَدُو المُحْرِمين عن المُضِي في الحج من جميع الطرق كان لهم أن يتحلَّلُوا؛ لأن رسول الله ﷺ "أُحْصِرَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). والمعنى: فإن أَحْصِرتم فتحللتم، أو أردتم التَّحَلُّل فما استيسر من الهدى، فإن

стр. 1629

نفس الإحصار لا يوجب هَدْياً، والأولى أن لا يعجل التَّحلُّل إن وسع الوقت، فربما يزول المنع فَيُتمُّونَ النّسك، وإن كان ضيقاً فالأولى التعجيل كي لا يفوت الحج، ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل أيضاً عند الإحصار (١)، وعن مالك: أنه لا يجوز التَّحلُّل في العمرة؛ لأنه لا يخاف فواتها. أما أن النَّبي ﷺ "تَحَلَّلَ بِالإحْصَارِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُحْرِماً بَالْعُمْرَةِ" (٢). إذا عرفت ذلك ففي الفصل مسائل: إحداهما: لو منعوا ولم يتمكَّنُوا من المسير إلاَّ بِبَذْل مال، فلهم أن يتحلَّلُوا ولا يبذلوا المال، وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل، إن كان الطالبون كفاراً لما فيه من الصَّغَار، وإن احتاجوا إلى قتال ليسيروا، نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التَّحلل ولا يلزمهم القتال، وإن قدروا عليه لما فيه من التَّغْرير بالنَّفس، وإن كانوا كفاراً فقد حكم صاحب الكتاب بوجوب القتال، إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف، وهكذا حكى الإمام ﵀ عن بعض المصنفين، ولم يرتضه على هذا الإطلاق، بل شرط فيه وِجْدَانهم السّلاح وأُهْبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد صدتهم الكفار، فلا فرار ولا سبيل إلى التحلل. وأنت إذا فَحَصْت عن كتب الأكثرين وجدتهم يقولون: لا يجب القِتَال على الحجيج، وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين غير أنهم إن كانوا كفاراً وكان بالمسلمين قوة فالأولى: أن يقاتلوا ويمضوا نُصْرَةً للإسلام وإتْماماً للحج، وإن كان بالمسلمين ضعف أو كان العدو مسلمين، فالأولى: أن يتحلَّلُوا، ويتحَرَّزُوا عن قتال تحرُّزاً عن سفك دماء المسلمين، ولهؤلاء أن يقولوا للإمام: لا نزاع في أنهم لو قاتلوا المُسْلمين والصورة ما ذكرت لم يكن لهم الفرار، لكن يجوز أن

стр. 1630

يمنعوهم من الحج ولا يقاتلوهم لو تركوا الحج، كل يلزمهم ابتداء القتال ليمضوا؟ هذا موضع الكلام، وعلى كل حال فلو قاتلوهم كان لهم أن يلبسوا الدروع والمغافر، ثم يفدون كما إذا لبس المحرم المَخِيطَ لدفع حر أو برد. الثانية: ما ذكرنا من جَواز التَّحلل مفروض فيما إذا مَنَعُوا من المضي دون الرجوع والسير في صوب آخر. فأما إذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان كذا نقل المعظم، وقال الإمام والمصنف قولان: أحدهما: ليس لَهُمَا التَّحلل، لأنه لا يربحهم، والحالة هذه ولا يستفيدون به أمناً، وصار كالمريض ليس له التحلل. وأصحهما: أن لهم التحلل؛ لأنهم يستفيدون به الأمن من العدو الذي بين أيديهم. الثالثة: ليس للمحرم التّحلّل بعذر المرض، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- يصبر حتى يَبْرَأ، فإن كان محرماً بِعُمرة أتمَّها، وإن كان محرماً بحج وفاته تَحَلَّل بعمل عُمْرة؛ لأنه لا يستفيد بالتَّحلُّل زوال المرض. وعن ابن عباس ﵄: (أنه لا حَصْرَ إلاّ حصر العدو)، وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز التَّحلل بالمرض، وهذا إذا لم يشترط التَّحلل عند المرض. أما إذا شرط أنه إذا مرض تحلل، نقد نص في القديم على صحة هذا الشرط، وعلق القول في الجديد بصحة حديث ضبَاعَة بنت الزبير ﵄ وهو ما روي أن النبي ﷺ قال لها: "أَمَا تُريدِينَ الْحَجَّ، فَقَالَتْ: أَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنْ تَحِلِّيَ حَيْثُ حُبِسْتِي" (١): وللأصحاب فيه طريقان: أثبت عامتهم فيه خلافاً، وقالوا: إنه صحيح في القديم، وفي الجديد قولان: أظهرهما: الصحة للحديث، وبه قال أحمد. والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- لأنه عبادة لا ليجوز الخروج منها بغير عذر، فلا يجوز بالشرط كالصَّلاَة المفروضة، وعن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه صحيح جزماً بصحة الحديث ولو شرط التحلل لغرض آخر كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد، فهو كما لو شرط التَّحلل عند المرض، وعن الشيخ أبي محمد: أنه لغو لا محالة، والخلاف مخصوص بالمرض لورود الخبر فيه.

стр. 1631

التفريع: إنْ صححنا الشرط، فهل يلزمه الهَدْي للتحلل إن كان قد شَرط التحلل بالهدي؟ فنعم، وإن كان قد شرط التَّحلل بلا هدي، فلا، وإن أطلق فوجهان: أظهرهما: وبه قال أبو إسحاق والدَّارِكِيُّ: أنه لا يلزم أيضاً لمكان الشرط، ولو شرط أن يقلب حجهَ عمرة عند المرض، فهو أولى بالصِّحَّة من شرط التَّحلل رواه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه. ولو قال: إذا مرضت فأنا حلال فيصير حلالاً بنفس المرض، أم لا بد من التَّحلل؟ فيه وجهان، والمنصوص منهما الأول، -والله أعلم-. قال الغزالي: وَتَحَلُّلُ المُحْصِر هَلْ يَقِفُ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ الإحْصَارِ؟ (ح) فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ كَانَ مُعْسِراً وَقُلْنَا: إِنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ ففي تَوَقُّفِهِ القَوْلاَنِ المُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَتَوَقَّفَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ طَوِيلٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) بَعْثُ الدَّمِ إلَى الحَرَمِ، وَإذَا قُلْنَا: لاَ يَتَوَقَّفُ فَيَتَحَلَّلُ بِالحَلْقِ أَوْ بنيَّةِ التَّحلُّلِ، وَلاَ قَضَاءَ (ح) عَلَى المُحْصِرِ. قال الرافعي: مقصود الفصل ثلاث مَسَائِلَ: إحداها: في أن تحلُّل المُحْصر بِمَ يحصل؟ وهذه المسألة تحوج إلى معرفة أصلين: الأول: أنه يجب على المُحْصر إذا تحلَّل دَمُ شاة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-، وقال مالك: يتحلل، ولا دم عليه. لنا قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وهذا إذا لم يَجْرِ من المحرم شرط سابق. فأما إذا كان قد شرط عند إحرامه أنه يتحلل إذا أحصر ففي تأثير هذا الشرط في إسقاط الدم طريقان، منهم من خرجه على وجهين، كما إذا شرط التَّحلل عند المرض وتحلل بالشرط وقد ذكرناه. والأصح: القطع بأنه لا يؤثر؛ لأن التَّحلل بالإِحْصار جائز، وإن لم يشترط فالشرط لاَغٍ بخلاف التَّحلل بالمرض. والأصل الثاني: أنَّ القول قد اختلف في أن دم الإحصار هل له بدل أم لا؟ وبتقدير أن يكون له بدل، فكيف سبيله وهو على التَّرتيب أو التَّخيير، وهذا ستعرفه حق المعرفة في الياب الثاني إن شاء الله تعالى. إذا تقرر ذلك، فنقول: إن قلنا: إن دَمَ الإِحْصَار لاَ بَدَل له، وكان واجداً للدم فيذبح وَينْوى التَّحلل عنده، وإنما اعتبرت نِيَّة التّحلل؛ لأن الذبح قد يكون للتَّحَلل،

стр. 1632

وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وإن لم يجد الهدي إما لإعساره أو غير ذلك، فهل يتوقف التَّحلل على وجدانه؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الهدي أقيم مقام الأعمال، ولو قدر على الأعمال لم يتحلل إلا بها، فإذا عجز لا يتحلل إلا ببدلها. وأصحهما: لا، بل له التَّحلل في الحال؛ لأن التحلل إنما أبيح تخفيفاً ورفقاً حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، ولو أمرناه بالصبر إلى أن يجد الهدي لتضرر، وعلى التقديرين فلا بد من نية التحلل، وهل يجب الحَلْق؟ بناه الأئمة على الأصل الَّذي سبق، وهو أَنّ الحَلْق نُسُك أم لا؟ إن قلنا: نسك، فنعم. وإن قلنا: استباحة محظور فلا، فيخرج من هذا. أما إذا اعتبرنا الذَّبْح والحَلْق مع النِيَّة والتحلل، يحصل بثلاثتها، وإنْ أخرجنا الذَّبْح عن الاعتبار فالتَّحلُّل يحصل بالحَلْق مع النِيَّة أو بمجرد النية فيه وجهان، وهذا ما أراده المصنف بقوله: وإذا قلنا: لا يتوقف فيتحلل بالحَلْق أو بنية فالتحلل أي؟ فيه وجهان: وإن قلنا: إنَّ دَمَ الإِحْصَار له بدل، فإن كان يَطعم فتوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى؛ لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المَشَقَّة في الصَّبر على الإحرام أعظم. المسألة الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر ويتحلل، وبه قال أحمد: وقال أبو حنيفة ﵀: يجب أن يبعث به إلى مكَّة ويوكل إنساناً ليذبحه يوم النَّحْر إن كان حاجّاً وأي يوم شاء إنْ كان مُعْتَمِراً ثم يتحلل. لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُحْصِرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذَبَحَ بِهَا، وَهِيَ مِنَ الْحَلِّ" (١). ولأنه موضع التَّحلل فكان موضعاً لذبح الهدي. كالحرم، وكما يذبح دم الإحصار حيث أحصر فكذلك ما لزمه من دماء المَحْظُورات قبل الإِحْصَار، وما حمله معه من هدي، ويفرق لحومها على مساكين ذلك الموضع، وهذَا كله إذا كان مصدوداً عن الحرم، فأما إذا كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم، فهل له أن يذبح في الحلّ؟ ذكروا فيه وجهين:

стр. 1633

والأصح: أنّ له ذلك. الثالثة: في أنه هل يجب القَضَاءُ على المُحْصر وهذه المسألة بشرحها مع المسائل الَّلائقة بها مجموعة في آخر الباب -إن شاء الله تعالى-. قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ حَبَسَ السُّلْطَانُ شَخْصًا أَوْ شِرْذَمَةً مِنَ الحَجِيجِ فَهُوَ كَالإحْصَارِ العَامِّ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ يَجُوزُ التَّحَلُّلُ وَالقَوْلاَنِ في وُجُوبِ القَضَاءِ. قال الرافعي: قد تكلمنا في الحصر العام الذي يشمل الرفقة. وأما الحصر الخَاصّ الذي يتفق لأحد أو شرذمة من الرّفْقَة فينظر فيه، إن لم يكن المحرم معذوراً فيه كما إذا حبس بسبب دين وهو متمكّن من أدائه فليس له التحلل بل عليه أن يؤديه ويمضي في حجه، فإن فاته الحَجُّ في الحبس فعليه أنْ يسير إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة، وإن كان معذوراً فيه كما إذا حبسه السُّلْطَان ظُلْماً أو بِدَيْن وهو لا يتمكن من أدائه، وهذا هو المقصود في الكتاب، ففيه طريقان: أحدهما: وهو ما أورده المَرَاوزة أن في جوازِ التَّحَلُّل به قولين: أحدهما: لا يجوز كما في المرض وخطأ الطَّريق، وأصحهما: أنه يجوز؛ لأن الاحصار سبب يبيح التَّحَلل للكل فيبيح للبعض كإتمام الأعمال. وأظهرهما وهو ما أورده العراقيون: القطع بالجواز كما في الحصر العام؛ لأن مشقة كل أحد لا تختلف بين يتحمل أن غيره مثلها أَوْ لا يتحمل، وهؤلاء ردوا الخلاف إلى أنه هل يجب القضاء إذا تحلَّلَ بالحَصْر الخَاصِّ؟ وسيأتي ذلك. واعلم أَنَّ لَفْظَ الكتاب آخراً يتعرَّض لهاتين الطَّريقَتَيْن. وقوله أولاً: "فهو كالإحصار العام"، يشعر بطريقة ثالثة تقطع بجواز التحلل وعدم القضاء كما في الإِحْصَار العَام ولم أَرَ نقلها لغيره -والله أعلم-. قال الغزالي: الثَّالِثُ الرِّقُّ فللسيد مَنْعُ عَبْدِهِ إنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذنِهِ، وَإذَا مَنَعَ تَحَلَّلَ كَالمُحْصِرِ. قال الرافعي: إحْرام العبد ينعقد سواء كان بإذن السَّيِّد أو دون إذنه ثم إن أحرم بإذنه لم يكن له تَحْليله سواء بقي نُسُكه صحيحاً أو أفسده، ولو باعه -والحالة هذه- من غيره لم يكن للمشتري تحليله لَكِنْ له الخِيَار إن كان جاهلاً بإحرامه، وإن أحرم بغير إذنه فالأولى أن يأذن له في إتمام النسك، ولو حلَّلَه جاز؛ لأن تقريره على الحج يعطل منافعه عليه. وقال أبو حنيفة ﵀: له تحليله سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه، وإذا أذن

стр. 1634

له في الإِحْرام فله الرجوع قبل أن يحرم، فإن رجع ولم يعلم العبد به فأحرم فله تَحْلِيله، في أصح الوجهين، وهما مبنيان على الخلاف في نفوذ تصرفات الوَكِيل بعد العَزْل وقبل العلم. وَلَو أَذِن له في العُمرة فأحرم بالحج فله تَحْليله، ولو كان بالعكس لم يكن له تحليله؛ لأن العمرة دون الحج والحج فوقها. قال في "التهذيب": وظني أنه لا يسلم عن النزاع والخلاف (١). ولو أذن له في التمتع، فله منعه من الحج بعدما تحلل عن العمرة، وليس له تحليله عن العمرة ولا عن الحج بعد الشروع. ولو أذن له في الحج أو في التمتع، فقرن لم يجز تحليله. ولو أذن له أن يحرم في ذي القعدة فأحرم في شوال فله تحليله قبل ذي القعدة وبعد دخوله لا، وإذا أفسد العبد حجه بالجماع فعليه القضاء؛ لأنه مكلف بخلاف الصَّبِي على أحد القولين وهل يجب قضاؤه في الرِّقِّ عن الواجب؟ فيه قولان كما ذكرنا في الصَّبي إذا قضى في الصبي، فإن احتسبناه لم يجب على السَّيِّد أن يأذن له في القضاء، إن كان إحرامه الأول بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه، في أصح الوجهين، وكل دم يلزمه بسبب ارتكاب المَحْظُورات كالطيب واللِّبَاس وقتل الصيد والفوات، فلا يجب على السيد سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه. وأما العَبْد فلا ملك له حتى يذبح، لكن لو ملكه السيد فعلى القديم: يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك، ففرضه الصوم، وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه على أصح الوجهين؛ لأنه لم يأذن في موجبه، ولو قرن أَو تَمَتَّع بغير إذن السّيد فدم القرَان، أو التمتع حكمه حكم دِمَاء المَحْظُورَات، أما إذا قَرَنَ أَو تمتَّع بالإذن، فهل يجب الدَّمُ على السيد. الجديد: أنه لا يجب، وفي القديم قولان بخلاف ما لو إذن لعبده في النِّكَاح فنكح يكون السيد ضَامِناً للمهر، في القديم قولاَ واحداً؛ لأنه لا بدل للمهر، وللدم بدل وهو الصوم، والعبد من أهله، وعلى هذا لو أحرم يإذن السَّيد فأحصر فتحلل. فإن قلنا: لا بدل لدم الإحصار فالسَّيد ضامناً له في القديم قولاً واحداً. وإن قلنا: له بدل ففي صَيْرُورته ضامناً له قولان في القديم، وإذا لم توجب الدَّم

стр. 1635

على السيد فالواجب على العَبْد الصوم، وليس للسَّيد المنع منه في أصح الوجهين لإذنه في سببه. ولو ملكه السَّيد هَدْياً، وقلنا: إنه يملك إراقة، وإلا لم تجز إراقته، ولو أراقه السَّيِّد عنه بإذنه، فهو على هَذَيْنِ القولين، وَلَوْ أراق عنه بعد موته جاز قولاً واحداً؛ لأنه قد حصل اليَأْسُ عن تكفيره، والتَّمليك بعد الموت ليس بشرط، ولهذا لو تصدق عن ميت جاز. وقد "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْداً ﵁، أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ أُمِّهِ بَعْدَ مَوْتِهَا" (١)، ولو عتق العبد قبل الصوم وجد الهَدْي فعليه الهدي، إن اعتبرنا في الكفَّارات حالة الأداء أو الأغلظ، وإن اعتبرنا حالة الوجوب فله الصَّوم، وهل له الهَدْي؟ فيه قولان. وينعقد نذر الحج من العبد، وإن لم يأذن له السيد في أصح الوجهين ويكون في ذمته، فلو أتى به حال الرِّقِّ هل يجزئه؟ فيه وجهان: إذا عرفت هذ المسائل، فحيث جوزنا للسيد التَّحليل أردنا به أنه يأمره بالتَّحَلُّل؛ لأنه يستقل بما يحصل به التَّحلل، وغايته أن يستخدمه ويمنعه من المضي، ويأمره بارْتِكَاب محظورات الإحرام أو يفعلها به، ولا يرتفع الإحرام بشيء من ذلك، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: إذا أمره باستعمال المحظورات أو ألبسه المخيط أو طيبه أو كانت أَمَةً فوطئها حصل التحلل، وإذا جَازَ لِلسَّيِّد التَّحليل جاز لِلْعَبْد التَّحلل؛ لأن المحصر بغير حق يجوز له التحلل، فللمحصر بالحق أولى؛ وبم يتحلل إن ملكه السيد هدياً؟ وقلنا: إنه يملك فيذبح وينوي التَّحلل، وإلاَّ فهل هو كالحُر؟ فيه طريقان: أحدهما: نعم، حتى يتوقَّف تحلّله على وجدان الهدي. إن قلنا: إن دم الإِحْصَار لا بَدَلَ له، وذلك يفتقر إلى العتق هاهنا، وعلى الصوم إن قلنا: إن دم الإحصار له بدل كل ذلك على أحد القولين: وعلى أصحهما: لا توقف، ويكفيه نية التَّحلل. وأصحهما: القَطْع بهذا القول الثاني، ويه قال أبو إسحاق: لعظم المشقَّةِ في

стр. 1636

انْتِظَار العِتْقِ، ولأن منافعه مستحقة للسيد، وقد يريد استعماله فيما يمنع منه المحرم كالاصطياد وإصلاح الطّيب، فيتضرر ببقاء الإحرام، وحكم أم الولد والمُدَبّر والمعلق عتقه بصفة، وَمَنْ نصفه حُرّ حُكْم القِنِّ المَحْض، ولو أحرم المُكَاتب بغير إذن المولى، فمنهم من جعل جواز تحليله على قولين بناء على القولين في سَفَرِ التجارة، وهل يمنعه السَّيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل؛ لأنه لا منفعة للسَّيِّد في سفر الحج، وله منفعة في سفر التجارة، وقوله في الكتاب: "فللسيد منع عبده"، أي من إتمام الحج ويجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن ابن كج حكى وجهاً غريباً: أنه ليس للسيد ذلك لتعينه بالشروع تخريجاً من أحد القولين في الزَّوجة إذا أحرمت بالتطوع، وأن يُعَلَّم قوله: "بغير إذنه" بالحاء. لأن أبا حنيفة ﵀ يُجَوز المنع على الإطلاق؛ فلا حاجة عنده إلى التقييد، وقوله: تحلل كالمحصر إن أراد التشبه في جواز التحلل فذاك، وإلاَّ ففي الكيفية تفاوت لا يخفي ما قدمناه. قال الغزالي: الرَّابِعُ الزَّوْجِيَّةُ، وَفِي مَنْعِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مِنْ فَرْضِ الحَجِّ (م ح) قَوْلاَنِ، فَإذَا أَحْرَمَتْ فَفِي المَنْع قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَكَذَا إنْ أَحْرَمَت بِالتَّطَوُّعِ، فَإِنْ مُنِعَتْ تَحلَّلَتْ كَالمُحْصِرِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَلِلزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا وَالإِثْمُ عَلَيْهَا. قال الرافعي: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زَوْجِها وللزوج أن يحج بها، فإذا أرادت أداء فرض الحج عليها، فهل للزوج أن يمنعها منه؟ فيه قولان: أحدهما: لا، ولها أن تحرم بغير إذنه؛ لأنه عبادة مفروضة فأشبهت الصوم والصلاة المفروضين، ويحكى هذا عن كتاب اختلاف الحديث، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏. وأصحهما: أن له المنع، لما روي أن النبي ﷺ قَالَ: "فِي امْرَأَةِ لَهَا زَوْجٌ، وَلَهَا مَالٌ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَجِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلاَّ بإذْنِ زَوْجِهَا" (١). ولأن الحج على التَّراخي، وحق الزوج على الفور فكان أولى بالتَّقديم ويخالف الصوم والصلاة؛ لأن مدتهما لا تطول، فلا يلحق الزوج كثير ضرر. وحكى بعضهم طريقة قاطعة بالقول الأول، والمشهور الأول، فإن قلنا: ليس له منعها، فلو أحرمت بغير إذنه فليس له أن يحللها بطريق الأولى لتضيقه بالشروع. وإن قلنا: له منعها في الابتداء، ففي التحليل قولان:

стр. 1637

أظهرهما: أَنَّ له ذلك كما له تحليل العَبْد إذا أحرم بغير إذنه. والثاني: لا لنضيقه وخروجه عن احْتمال التَّرَاخي بالشروع. وأما حجة التَّطوع فله أن يمنعها منها في الابتداء، وإن أحرمت بغير إذنه فطريقان: إن جوزنا التَّحليل في الفرض فهاهنا أولى وإنْ لم نجوز ثم فهاهنا قولان: أحدهما: ليس له تحليلها، لالْتحاقها بالفرائض بالشروع. وأصحهما: أن له التحليل كما له التَّحليل من صوم التطوع وصلاة التَّطوع، وإنما يصير الحج فرضاً بالشروع، إذا كان الشروع مسوغاً. وقوله في الكتاب: (وكذا إِنْ أحرمت بالتَّطوع) أراد به أنَّ الخلاف في هذه المسألة، وفي تحليل المحرمة بالفرض كل واحد منهما مرتب على الخِلاَف في جواز منعها من حج الفرض ابتداء؛ لأن الترتيب كالترتيب، فإن مسألة التَّطوع أولى بالجواز والمسألة الأخرى أولى بالمنع. وحيث قلنا بجواز التحليل، فمعناه الأمر بالتَّحَلُّل كما ذكرنا في العبد، وتحللها كتحلل الحُرِّ المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها، والإثم عليها، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة لحقِّ الله تعالى كالمرتدة فيحتمل أن يمنع الزوج من الاستمتاع إلى أن تتحلل فرعان: أحدهما: قال القاضي ابن كج: لو كانت مطلَّقة، فعليه حبسها للعدة، وليس لها التحلل إلا أن تكون رجعية، فيراجعها ويحللها. الثاني: الأمة المزدوجة، لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن الزوج والسَّيد جميعاً. قال الغزالي: الخَامِسْ للأَبَوَيْنِ مَنْعُ الوَلَدَ مِنَ التَّطَوُّعِ بالْحَجِّ، وَمِنَ الفَرْضِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ. قال الرافعي: من له أَبوان أو أحدهما، فالمستحب له أن لا يحج دون إذنهما أو إذنه، ولك واحد منهما منعه من حج التطوع في الابتداء؛ "لأَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في الْجِهَادِ فَقَالَ: أَلَكَ أبَوَانِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اسْتَأَذَنتَهُمَا فَقَالَ: لاَ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" (١). اعتبر استئذانهما في الجهاد مع أنه من فروض الكفايات، فلأن يعتبر في التطوع كان ذلك أولى، ولو أحرم بها فهل لهما المنع؛ فيه قولان سبق نظيرهما وتوجيههما، وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهاً ضعيفاً: أنه ليس لهما المنع في الابتداء أيضاً، وأما حج

стр. 1638

الفرض، فقد حكى القاضي: ابن كج وجهاً ضعيفاً أنه ليس لهما المنع وفي الابتداء طريقان: أحدهما: تخريجه على قولين كما في منع الزوج والزوجة. وأصحهما: ولم يورد الجمهور غيره أن لا منع لهما وليس له طاعتهما في ترك الفرض، ولو أحرم به بغير إذنهما فلا منع بحال، ونقل فيه وجه ضعيف أيضاً، إذا عرفت ذلك فقوله: للأبوين منع الولد من التَّطوع بالحج، يجوز حمله على المَنْع في الابتداء، ويجوز حَمْله على التَّحليل يعد الإحرام، وعلى التقديرين فليكن مُعَلَّماً بالواو. وأما إثباته الخلاف في المَنْع من حج الفرض فهو خلاف المشهور سواء حمل على ابتداء المنع أو على التحليل ولم أجد حكاية الخلاف فيها لغير صاحب الكتاب، إلا للقاضي ابن كج، وصاحبه الكتاب قد أعاد المسألة في كتاب السير ولم يتعرض للخلاف -والله أعلم-. قال الغزالي: السَّادِسُ لَمُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ مَنْعُ المُحْرِمِ المُوسِرِ مِنَ الخُرُوجِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بَلْ عَلَيْهِ الأَدَاءُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِراً أَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الخُرُوجِ. قال الرافعي: إذا كان عليه دَيْن وهو موسر، فلمستحق الدين أن يمنعه من الخروج، لا لأن حقه في منعه من الحج ولكن يحبسه ليستوفي حقه منه، فإن كان قد أحرم، فقد ذكرنا أنه ليس له التَّحْليل والحالة هذه، بل عليه أن يقضي دينه ويمضي، وإن كان معسراً فلا مطالبة ولا منع؛ لأنه منظر إلى مَيْسَرة، وكذا لو كان الدَّين مؤجَّلاً لا منع إذ ليس عليه تسليم في الحال ولا يتوجه للمستحق مطالبة، والأولى أن لا يخرج، حتى يوكل من يقضي الدين عليه عند حلول الأجل. واعلم: أَنَّ الكلام في أن مستحق الدين متى يمنع ومتى لا يمنع لا يختص بسفر الحج، بل يعم. الأسفار كلها، وقد ذكره المصنف عاماً في كتاب التَّفْليس على ما سيأتي فلو طرحه هاهنا لما ضَرَّ. قال الغزالي: فَأمَّا مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِنَوْمٍ أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِ العُمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ وَدَمُ الفَوَاتِ، بِخِلاَفِ المُحْصَرِ فَإنَّهُ مَعْذُورٌ. قال الرافعي: مضمون الفصل قول وجيز في حكم فوات الحج وفواته بفوات الوقوف، روي أنه ﷺ قال: "الحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ" (١). وإذا

стр. 1639

حصل الفوات فله التَّحلل كما في الإحْصَار؛ لأن في بقائه محرماً حرجاً شديداً يعسر احْتِمَاله وبم يتحلل؟ قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق، ولم يتعرض للسعي، واتفق الأصحاب على أن الأمر بالحَلْق مبني على أنه نسك، وعلى أن الطواف لا بد منه، واختلفوا في السّعي على طريقين: أشبههما: أنه على قولين: أحدهما: أنه لا يجب السعي؛ لأن السعي ليس من أسباب التَّحلل، أَلاَ تَرَى أنه لو سعى عُقَيْبَ طواف القدوم بجزئه، ولو كان من أسباب التحلل لما جاز تقديمه على الوقوف. وأصحهما: أنه يجب السعي مع الطواف. لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: لأبي أيوب الأنصاري ﵁ وقد فاته الحج، "اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعتَمِرُ، وَقَدْ حَلَلْتَ، فَإِنْ أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلاً فَحُجَّ، وَاهَدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي" (١). والطريق الثاني: القطع بالقول الثَّاني، وحمل ما في "الإملاء" على الاختصار وإلا يجاز، فإن السعي كالتَّابع للطواف فاكتفي بذكر الأصل أو حمله على ما إذا كان قد سَعَى عُقَيْبَ طواف القدوم لا يلزمه الإعادة ولا يجب عليه الرَّمْي، والمبيت بمنى، وإن أدرك وفيه مع الأعمال المذكورة خلاف للمزني ﵀ وذكر أن الإصطخري مال إليه. لنا: ما رويناه عن عمر ﵁، وقد اشتهر ذلك في الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم ينكر عليه منكر، ويخالف ما إذا أفسد الحج، فإن هناك هو مأمور بالوقوف، والرمي والمبيت من توابع الوقوف، فأمر بهما وهاهنا بخلافه، وليس أمرنا إياه بالطواف، وسائر أعمال العمرة لانقلاب إحرامه بفوات الحج عمرة، ولا نقول باحتسابها عن عمرة الإسلام، وعن أحمد: أنه ينقلب إحرامه عمرة، وعن الشيخين أبي محمد وأبي علي: رواية وجه ضعيف مثل مذهبه. لنا أن إحرامه انعقد بأحد النُّسُكَيْن فلا ينصرف إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة لا ينصرف إلى الحج. ثم من فاته الحج إن كان حجَه فرضاً فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعاً فعليه قضاؤه كما لو أفسده، وعن أحمد رواية: انه لا قضاء عليه.

стр. 1640

لنا حديث عمر ﵁ ويخالف الإحصار، فإنه معذور فيه، والفوات لا يخلو عن ضرب تقصير، وفي لزوم الفور في القضاء الخلاف الذي سبق مثله في الإفساد، ولا يلزم قضاء العمرة مع قضاء الحج خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه قضاؤهما، أَمَّا الحج فلأنه تَلَبَّسَ به وما أتمه، وأما العمرة فلأنه أتى بأعمالها ولم تحسب له. لنا: أنه أحرم بأحد النسكين ولم يتممه فلا يلزمه قضاء الآخر كما لو أحرم بالعمرة وأفسدها أو بالحَجّ وأفسده، ويجب على مَنْ فات حجه مع القضاء دم للفوات خلافاً لأبي حنيفة. لنا حديث عمر ﵁؛ ولأن الفوات سبب يجب القضاء. فيلزم به الهدي كالإفساد، ولا يلزم أكثر من دم واحد، وعن صاحب "التقريب" رواية قول مخرج: أنه يلزم وإن: أحدهما للفوات. والثاني: لأنه في قضائه كالمتمتع من حيث أنه تحلل عن الأول وشرع في الثاني، وتمكن بينهما من الاستمتاع. وقوله في الكتاب: (فأما من فاته الوقُوف بعرفة) فمن فاته الحج كذلك، وفي ذكر اليوم إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون سبب الفوات سبباً فيه نوع عذر أو شيئاً هو تقصير صرف. وقوله: (فعليه أن يتحلل بأعمال العمرة)، يجوز إعلامه بالواو للقول الذاهب إلى أنه لا حاجة إلى السعي، فعلى ذلك القول جميع أعمال العمرة غير لازم، وبالزاي لأن على مذهبه لا يكفي أعمال العمرة بل يجب معها الرمي والمبيت. ؤقوله: (ويلزمه القضاء) بالألف، وقوله (ودم الفوات) بالحاء لما مر. وقوله: "بخلاف المحصر فإنه معذور"، أراد به الإشارة إلى الفرق في القضاء، فإن الدم لازم فيهما جميعاً -والله أعلم-. قال الغزالي: فَلَوْ أُحْصِرَ فَاخْتَارَ طَرِيقًا أَطْوَلَ فَفَاتَهُ، أَوْ صَابَرَ الإِحْرَامَ عَلَى مَكَانِهِ تَوَقُّعاً لِزَوَالِ الإحْصَارِ فَفَاتَهُ فَفِي القَضَاءِ قوْلاَنِ لِتَرَكُّبِ السَّبَبِ مِنَ الإِحْصَارِ وَالفَوَاتِ، وَلَوْ صُدَّ بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ لِقَاءِ البَيْتِ لَمْ يَجِبِ القَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ (و) كَمَا قَبْلَ الوُقُوفِ، وَالمُتَمَكِّنُ مِنْ لِقَاءِ البَيْتِ إذَا صُدَّ مِنْ عَرَفَةَ فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَيْهِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: كنت أخرت الكلام في أن المحصر هل يقضي؟ وهذا موضع ذكره، فإنه كالقاعدة التي عليها بناء هذه المسائل، فنقول: إذا حصر فتحلل نظر إن كان نسكه

стр. 1641

تطوعاً، فلا قضاء عليه، وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة ﵀. لنا: "إِنَّ الَّذِينَ صَدُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحُدَيْبيَةِ، كَانُوا أَلْفاً وَأَرْبَعْمَائة، وَالَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، كَانُوا نَفَراً يَسِيراً، وَلَمْ يَأْمُرْ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ" (١). وإن لم يكن نسكه تطوعاً، نظر إن لم يكن مستقرّاً عليه الحجة الإسلام في السّنة الأولى من سني الإمكان فلا حج عليه إلا عند اجتماع الشروط بعد ذلك، وإن كان مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى، من سنين الإمكان وكالنذر والقضاء، فهو باق في ذمته كما كان لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، إذا تقرر ذلك فهاهنا مسائل: إحداها: لو صُدَّ عن طريق، وهناك طريق آخر نظر إن تمكن من سلوكه بأن وجد شرائط الاستطاعة فيه لزمه سلوكه ولم يكن له التَّحلل سواء كان ذلك الطريق قصيراً أو طويلاً، وسواء كان يرجو الإدراك أو يخاف الفوات أو يتيقنه كما لو أحرم في أول في ذي الحِجّة وهو بالعراق مثلاً يجب عليه المضي والتحلل بعمل عمرة ولا يجوز التحلل في الحال؛ وإذا سلكه كما أمرناه به ففاته الحج تحلل بعمل عمرة، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، كما لو سلك هذا الطريق ابتداء ففاته بضلال الطريق وغيره. وأظهرهما: لا؛ لأنه بذل ما في وسعه فأشبه ما إذا صُدّ مطلقاً؛ ولأن هذا الفوات نشأ من الإِحْصَار، فإن المسألة مصورة فيما إذا اختصَّ الطريق الآخر بطول أو حُزُونَة وغيرهما، وكان الفوات لذلك حتى لو استويا من كل وجه، فيجب القضاء لا محالة؛ لأن الموجود فوات محض، قاله الإمام وغيره، وإن لم يتمكن من سلوك الطريق الآخر فهو كالصَدِّ المطلق. الثانية: وقد تعرض لها في الكتاب قبل هذا الفصل: أنَّ ما ذكرنا من نَفْي القَضَاء هو حكم الإِحْصَار العام. فأما في الإحصار الخامس قولان: أو وجهان: أحدهما وبه قال أبو الحسين والدَّارِكي: أنه يجب القضاء كما لو منعه المرض عن إتمام النسك يلزمه القضاء. وأظهرهما: وبه قال القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري: أنه لا قضاء، كما في الإحصار العام؛ لأن مشقة المصابرة على الإحرام لا تختلف في حق صاحب الواقعة ولا

стр. 1642

تشبه المرض؛ لأنه يبيح التَّحلل على ما سبق بخلاف المرض. الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صَابَرَ الإِحْرَام متوقعاً زواله ففاته الحج، والإحصار دائم، فلا بد من التحلل بعمل عمرة، وفي القضاء طريقان: أظهرهما: وهو الذي أورده في الكتاب: طرد القولين المذكورين في المسألة الأولى. والثاني: القطع بوجوب القضاء لتسببه بالمصابرة إلى الفوات، فإنه لو تحلل لما تصور الفوات. وقوله في الكتاب: (لتركب السبب من الفوات) والإحصار معناه: أن سبب التحلل ليس هو الفوات المَحْض حتى يجزم بوجوب القضاء ولا الإحصار المحض حتى يجزم بسقوطه، بل التحلل بمجموع الأمرين فاختلف القول فيه، ثم يجوز أن يقدر هذا الكلام إشارة إلى توجيه الوجهين، ويجوز أن يقدر توجيهاً لقول الوجوب وحده إذا اجتمع الموجب والمسقط وجب أن يثبت الوجوب احتياطاً. الرابعة: لا فرق في جواز التحلل بالإحصار بين أن يتَّفق قبل الوقوف أو بعده، ولا بين أن يحصر عن البيت خاصة أو عن الموقف خاصة أو عنهما جميعاً خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: إذا أحصر بعد الوقوف لا يجوز له التّحلل، ولا يجوز التحلل حتى يحصر عن البيت والموقف جميعاً. لنا أنه مصدود عن إتمام نسكه بغير حق فكان له التَّحلل كما في سورة النزاع. ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر، وأمكنه التَّحلل، بالطواف والسعي يلزمه ذلك وعليه القضاء والهدي للفوات، وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي، وعليه مع القضاء هديان. أحدهما: للفوات. والثاني: للتحلل. وإن كان الإحصار بعد الوقوف فإن تحلل فذاك، وهل يجوز البناء عليه لو انكشف العذر؟ فيه الخلاف الذي مَرَّ فِي مَوْضعه. فعلى الجديد: لا يجوز. وعلى القديم: يجوز، فيحرم إحراماً ناقصاً، ويأتي ببقية الأعمال، وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان، فهل عليه القضاء؟ نقل الإمام ﵀ فيه وجهين، وإن لم يتحلل حتى فاته الرمي والمبيت، فهو فيما يرجع إلى وجوب الدَّم بفواتهما كغير المحصر وبم يتحلل؟ يبنى على أصلين. أحدهما: أَنَّ الحَلُق نسك أم لا؟

стр. 1643

والثاني: أَنَّ زمان الرمي هل يقام مقام الرمي؟ وقد سبق القول في كليهما. وقد سبق القول في كليهما. فإن قلنا: الحلق نسك، حلق وتحلل التحلل الأول. وإن قلنا: إنه ليس بنسك حصل التحلل الأول بمضي زمان الرمي، وعلى التقديرين فالطواف باق عليه؛ فمتى أمكنه أن يطوف طاف وقد تم حجه، ثم إذَا تَحَلَّلَ بالإحصار الواقع بعد الوقوف، فهل يلزمه القضاء؟ ذكر الإمام ﵀ أن "صاحب التقريب" حكى فيه قولين، وطردهما في كل صورة أتى بها بعدم الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك، فإن العراقيين جزموا بنفي القضاء، قال: وهذا أمثل، فإنه تحلل بالحصر المحض وسواء ثبت الخلاف أم لا، فظاهر المذهب أنه لا قضاء. وقوله في الكتاب: (على الصحيح) يجوز حمله على الصحيح من القولين جواباً على طريقة إثبات الخلاف؛ ويجوز أن يحمل على الصحيح عن الطريقين، ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل مكة ويتحلل بعمل عمرة، في وجوب القضاء قولان؛ لأنه محصر تحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره ففاته الحج، وقد قدمنا ذلك؛ - وبالله التوفيق-. الْبابُ الثَّانِي في الدِّمَاءِ وَفِيهِ فَصْلاَن الفَصْلُ الأَوَّلُ قال الغزالي: فِي أَبْدَالِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ: الأَوَّلُ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ كَمَا في القُرْآنِ، وَفي مَعْنَاهُ دَمُ الفَوَاتِ وَالقِرَانِ. الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ وَهُوَ دمُ تَعْديلٍ وَتَخْيِيرٍ (و) فِي نَصِّ القُرْآنِ. الثَّالِثُ: دَمُ الحَلْقِ وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ إِذْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَاةٍ وَثَلاَثَةِ آصُع مِنْ طَعَام كُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ يُطْعِمُه سِتَّةَ. مَسَاكِينَ، وَبَيْنَ صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَهَذِهِ الثَّلاَثُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا. قال الرافعي: الدِّمَاء الواجبة في المَنَاسك (١) سواء تعلقت بترك مأمور أو ارتكاب

стр. 1644

منهى إذا أطلقناها أردنا دم شاة، فإن كان الواجب غيرها كالبدنة في الجماع فيقع النَّص عليه، ولا يجزئ فيها جميعاً إِلاَّ ما يجزئ في الأضحية، إلاَّ في جزاء الصَّيْد فيجب المثل في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، وكل من لزمه شاة جاز له أنْ يذبح مكانها بقرة أو بدنة إلا في جزاء الصيد، وإذا ذبح بدنة أو بَقَرَةً مكان الشاة فالكل فرض حتى لا يجوز أكل شيء منها، أو الفرض السبع حتى يجوز له أكل الباقي فيه وجهان. ولو ذبح بَدَنَةً ونوى التَّصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه وأكل الباقي جاز له ذلك، وله أن ينحر البَدَنَة عن سبع شياه لزمته. ولو اشترك جماعة في ذبح بقرة أو بدنة، وأراد بعضهم الهدي والبعض الأضحية والبعض اللَّحم جاز خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز إلاَّ أن يريد جميعهم القربة ولمالك حيث قال: لا يجوز إلاَّ أَنْ يكونوا أهل بيت واحد. ولا يجوز أن يشترك اثنان في شاتين لإمكان انفراد كل واحد بواحدة. إذا عرفت ذلك فاعلم أن كلام الباب يقع في فصلين: أحدهما: في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها. والثاني: في مكانها وزمانها، والبحث في الأول من وجهين: أحدهما: النظر في أنَّ أي دم يجب على الترتيب، وأي دم يجب على التَّخْيِير، وهاتان الصِّفَتان متقابلتان. فمعنى الترتيب: أنه يتعين عليه الذبح، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره إلا إذا عجز عنه، ومعنى التخيير: أنه يفوض الأمر إلى خبرته، فله العدول إلى غيره مع القدرة عليه. والثاني: النظر في أن أي دم يجب على سبيل التَّقدير، وأي دم يجب على سبيل التعديل، وهاتان الصفتان متقابلتان، فمعنى التقدير: أن الشَّرع قدر البَدَلَ المعدول إليه ترتيباً أو تخييراً بقدر لا يزيد ولا ينقص، ومعنى التعديل: أنه أمر فيه بالتقويم، والعدول إلى الغير بحسب القيمة، وهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١). وكل دم يُحسب الصفات المذكورة لا يخلو عن أربعة أوجه: أحدها: الترتيب والتقدير.

стр. 1645

وثانيها: الترتيب والتعديل. وثالثها: التخيير والتقدير. ورابعها: التَّخيير والتَّعديل. وأما تفصيلها فهي على ما ذكر في الكتاب ثمانية أنواع: أحدها: دم التمتع، وهو دم ترتيب وتقدير على ما ورد في نص الكتاب. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) الآية، وقد بينا شرح القول، وبينا فيه أنَّ دَمَ القران في معناه، وفي دم الفوات قولان نقلهما القاضي ابن كج. أصحهما: ولم يورد الأكثرون غيره أنه كدم التَّمتع في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام؛ لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم. وقد روي عن عمر ﵁ أنه أمر الَّذِينَ فاتهم الحج بالقضاء من قَابِلٍ، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢). والثاني: أنه كدم الجِمَاع في الأحكام، إلاَّ أن ذلك بَدَنة، وهذا شاة، ووجه الشبه. اشتراك الصورتين في التفريط المُحْوج إلى القضاء. الثاني: جزاء الصيد: وهو دم تخيير وتعديل. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣) الآية، وما فيه التخيير يختلف يكون الصيد مثلياً أو غير مِثْلى على ما سبق في موضعه، وجزاء شَجَرِ الحَرَمِ كجزاء الصيد. الثالث: دم الحلق وفديته وهو دم تخيير وتقدير، فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين أن يذبح شاة، وبين أن يتصدق بعرق من طعامه على ستة مساكين، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، والعِرْق ثلاثة آصع، وكل صاع أربعة أَمْدَاد، فتكون الآصع الثلاثة اثني عشر مُدّاً، نصيب كل مسكين مُدَّان، وفي سائر الكَفَّارات لا يزاد لكل مسكين على مد، هذا هو المشهور. وحكى في "العدة" وجهاً آخر أنه لا يتقدر ما يصرف إلى كل مسكين، وإنما أخذ التَّخيير في هذا الدَّم من نص الكتاب.

стр. 1646

قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). وأما التَّقْدِير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة، وقد رويناه في باب المَحْظُورَات. وقوله في الكتاب: (دم الفوات) يجوز إعلامه بالواو لما رويناه من القول الثاني. وقوله: (وتخيير في جزاء الصيد) بالواو، لقول حكيناه عن رواية أبي ثور من قبل أنه على الترتيب. وقوله: (فهذه الثلاث منصوص عليها) أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها. قال الغزالي: الوَاجِبَاتُ المَجْبُورَةُ بِالدَّم فِيهَا دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ في التَّقْدِيرِ أَيْضاً. قال الرافعي: الدَّم المَنوُط بترك المأمورات كالإحرام من المِيْقَات والرمي والمبيت بِمُزْدَلَفَة ليلة العيد، وبمنى ليالي التَّشريق، والدفع من عرفة قبل غروب الشمس، وطواف الوداع فيه وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل. أما الترتيب فإلحاقاً له بدم التَّمتْع لما في التَّمَتُّع من ترك الإحرام من الميقات. وأما التَّعْديل فجرياً على القِياس، والتقدير لا يعرف إلا بتوقيف، فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة دراهم، واشترى بها طعاماً يتصدق به، فإن عجز صام عن كل مُدٍّ يوماً، وإذا ترك رمى حصاة، فقد ذكرنا أقوالاً في أن الواجب مد أو درهم أو ثلث شاة، فإن عجز فالطعام والصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة. والوجه الثاني: أنه يلحق بدم التمتع في التقدير، كما ألحق به في الترتيب، ويكون الواجب دم ترتيب وتقدير، فإن عجز عن الدم صام ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع، وفي تعليق بعض المَرَاوِزَة وجه آخر -تفريعاً على الوجه الثاني-: وهو أن الصَّوم المعدول إليه هو صوم فدية الأذى دون العشرة وما الأظهر من الوَجْهَيْن؟ إيراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه الأول، وبه قال القاضي ابن كج والإمام وغيرهما، الثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره، وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً ثالثاً ضعيفاً أنه دم تخيير وتعديل كجزاء الصَّيْد.

стр. 1647

قال الغزالي: الخَامِسُ: الاسْتِمْتَاعَاتُ كَالطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ فِيهِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ تَشْبِيهاً بِالحَلْقِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَقْدِيرٍ أَيْضاً إِتْمَاماً لِلتَّشْبِيهِ، وَأَمَّا القَلْمُ فَفِي مَعْنَى الحَلْقِ. قال الرافعي: دم التَّطيّب والتَّدهُّن واللِّباس ومقدمات الجماع دم ترتيب أو تخيير فيه قولان أو وجهان: أحدهما: أنه دم ترتيب كدم التمتع؛ لأنه مُتَرفه بهذه الاستمتاعات كما أن المتمتع مُتَرفه بالتَّمتع. وأظهرهما وبه قال أبو إسحاق: أنه دم تخيير تشبيهاً بفدية الحَلْق لاشتراكهما جميعاً في التِّرفه وإلحاقها بالحلق أولى منه بالتمتع، فإن الدم ثُمَّ إنما وجب لترك الإحرام من الميقات. فإن قلنا بالأول، ففي كونه دم تقدير أو تعديل وجهان: أحدهما: أنه دم تقدير إتماماً للتَّشْبيه بدم التَّمتع. وأظهرهما: أنه دم تعديل كجزاء الصَّيْد؛ لأن التقدير إنما يؤخذ من التَّوقيف. إن قلنا: بالثاني، ففي كونه دم تقدير أو تعديل أيضاً وجهان: أظهرهما: أنه دم تقدير إتماماً لِلتَّشْبيه بالحَلْق، والحاصل من هذه الاختلافات أربعة أوجه: أحدها: الترتيب والتعديل، وثانيها: التخيير والتعديل، وثالثها: التخيير والتقدير، وهذه الثلاثة هي المذكورة في الكتاب. ورابعها: الترتيب والتقدير، وأظهر الوجوه: الثالث، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، وهذا الاختلاف لا يجئ في قَلْم الأظفار بل هو مُلْحق بالحَلْق بلا خلاف لاشتراكهما في معنى التَّرفه والاستهلاك جميعاً، -والله أعلم-. قال الغزالي: السَّادِسُ: دَمُ الجِمَاعِ، وَفِيهِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ البَدَنَةَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَاماً وَالطَّعَامَ صيَاماً، فَهُوَ دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ كَالْحَلْقِ، وَقِيلَ: بَيْنَ البَدَنَةِ وَالبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَيْضًا تَرْتِيبٌ. قال الرافعي: في خصال فدية الجماع وجهان: أصحهما: أنها خمس: ذبح بَدَنة، وذبح بقرة وذبح سبع من الغنم، والإطعام بقدر قيمة البدنة على ما عرفت من سبيل التعديل، والصيام عن كل مُدٍّ يوماً.

стр. 1648

والثاني: حكاه القاضي ابن كج: أن خصالها الثلاث الأول، فإن عجز عنها فالهدي في ذِمَّته إلى أَنْ يجد تخريجاً من أحد القولين في دم الإحْصَار وسنذكره، فإن جرينا على الصحيح، وهو إثبات الخصال الخمس، فهذا الدم دم تعديل لا محالة، لأنا في الجملة نقوّم البَدَنَة، وهل هو دم ترتيب أو تخيير؟ فيه قولان، ومنهم من يقول وجهان: أصحهما: أنه دم ترتيب، فعليه بَدَنة إن وجدها، وإلاَّ فبقرة، وإلا فسبع من الغنم، وإلا قَوّم البدنة دراهم، والدراهم طعاماً، ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، فإن عجز عن الصيام أطعم كما في كفارة الظهار والقتل. وأصحهما: ولم يورد الجمهور غير أن الترتيب على العكس، ويتقدم الطعام على الصيام، لأنّا لم نجد في المناسك تقديم الصيام على الإطعام في غير هذا الدم فكذلك هاهنا. وإنما قدمت البدنة على البقرة وإن قامت مقامها في الضحايا لأن الصحابة ﵃ نصُّوا على البدنة، وذلك يقتضي تعيينها، وبينها وبين البقرة بعض التفاوت، أَلاَ تَرَى إلى قوله ﷺ : "مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً" (١). وإنّما أُقِيم الإطعام والصِّيَام مقامها تشبيهاً بجزاء الصيد، إلاَّ أَنَّ الأمر ثَمَّ على التَّخيير، وهاهنا على التَّرْتِيب؛ لأنه يشبه الفَوَات في إيجاب القضاء، وموجب الفوات مرتب. والقول الثاني: أنه دم تخيير؛ لأنه سبب تجب به البدنة، فيكون على التخيير كقتل النّعَامة، وأيضاً فإن الجِمَاع ملحق بالاسْتِهْلاكات على ما سبق، فتكون فديته على التخيير كفدية الحَلْق، وعلى هذا ففيم يثبت التخيير وجهان: أظهرهما: أنه يتخير بين البَدَنَة والبقرة والسبع من الغنم، كما لو لزمه سبعة دماء. وَأَمَّا الإطعام والصيام فهما على التَّرْتِيب ولا عدول إليهما، إِلاَّ إذا عجز عن الذَّبْح. والثاني: أنه يتخير بين الكُلِّ كما في قتل النَّعَامة، وكما أن في فدية الحَلْق يتخير بين الصِّيَام والصّدقة والنُّسك، وقد ذكر القَفَّال وآخرون: أن القَوْلين في أنَّ دم الجماع دم ترتيب أو تخيير مبني على أن الجماع استهلاك أو استمتاع، إن جعلناه استهلاكاً فهو

стр. 1649

على التخيير، كفدية الحَلْق والقَلْم، وإن جعلناه استمتاعاً فهو على الترتيب كفدية الطِّيب واللِّباس والتمتع. واعلم أن هذا التَّشبيه في الطِّيب واللِّباس كلام مَنْ يجعل الأمر ثم على الترتيب، وقد سبق ما فيه من الخلاف. وقوله في الكتاب: (قَوَّمَ البَدَنَةَ دراهم)، يجوز إعلامه بالواو، للوجه المنسوب إلى حكاية ابن كج. وقوله: (والدَّرَاهم طعاماً والطعام صياماً) باقي الكلام محذوف، والمعنى: وأطعم فإن عجز صام، ثم إيراد الكتاب قد يوهم ترجيح قول التخيير بين البدنة والبقرة والشاة على الترتيب، لكن الأظهر عند الأكثرين الترتيب فيها أيضاً، وإيراد "الوسيط" يوافقه. قال الغزالي: السَّابعُ: الجِمَاعُ الثَّانِي أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: فِيهِ شَاةٌ فَهُوَ كَالقُبْلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَنَةٌ فَكَالجِمَاعِ الأَوَّلِ. قال الرافعي: قد سبق الخلاف في أن الجماع الثَّانِي يوجب البَدَنَة أو الشاة، وكذا الجماع بين التَّحللين، فإن أوجبنا البدنة فهي في الكيفية كالجماع الأول قبل التحللين، وإن أوجبنا الشَّاة فهي كفدية القُبْلة وسائر مقدمات الجِمَاع، وهذا ظاهر. قال الغزالي: الثَّامِنُ: دَمُ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ وَهُوَ شَاةٌ فَإِنْ عَجَزَ فَلاَ بَدَلَ لَهُ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بَدَلَهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الحَلْقِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الوَاجِبَاتِ المَجْبُورَةِ. قال الرافعي: على المحصر دم شاة للتحلل، ولا معدل عنه إن وجد الشاة، وإلاَّ فهل لهذا الدم من بدل؟ فيه قولان: أصحهما وبه قال أحمد: نعم، كسائر الدماء الواجبة على المحرم. والثانيِ: وبه قال أبو حنيفة ﵀: لا، لأن الله تعالى لم يذكر لدم الإحصار بدلاً، ولو كان له بدل لأشبه أن يذكره كما ذكر بدل غيره. التفريع: إن قلنا: له بدل، فما ذلك البدل؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الصوم، وبه قال أحمد ﵀ كدم التَّمتع؛ لأن التَّحلل والتمتع جميعاً مشروعان تخفيفاً وترفيهاً وفيهما جميعاً ترك بعض النسك، فيلحق أحدهما بالآخر. والثاني: الإطعام، لأن قيمة الهَدْي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد نص فالرجوع إلى الأقرب أَوْلَى. والثالث: لكل واحد منهما مدخلاً في البداية كفدية الحلق، ووجه الشبه بينهما أنَّ المحصر دفع أذى العدو والإحرام عن نفسه، أما أن الحالق يبغي دفع أذى الشّعر.

стр. 1650

التفريع: إن قلنا: إنَّ بَدَلَهُ الصوم فما ذلك الصوم؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وبه قال أحمد ﵀: صوم المتمتع عشرة أيام. والثَّاني: صوم فدية الأَذَى ثلاثة أيام. والثالث: ما يقتضيه التَّعديل، وإنما يدخل الطعام في الاعتبار على هذا القول ليعرف به قدر الصوم لا ليطعم. وإن قلنا: إن بدله الإطعام، ففيه وجهان: أحدهما: أنه مقدر كَفِدْية الأذى، وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين. الثاني: أنه يطعم ما يقتضيه التعديل. وإن قلنا: لكل واحد مدخلاً فيه فهل بينهما ترتيب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما في فدية الحَلْق. وأصحهما: نعم كالترتيب بين الهَدْي وبدله، فعلى الأول قدر الطّعام والصِّيام كقدرهما في الحَلْق، وعلى الثَّاني الطريق بينهما التَّعْدِيل. إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكِتَاب، وأعلم قوله: (ولا بدل له في قول) بالألف، ويقابله أن له بدلاً، وما هو؟ ذكر فيه أقوالاً ثلاثة: أحدها: أن بدله كبدل دم التمتع، وهذا مختصر قولنا: إن بدله الصَّوم، وإن ذلك الصوم صوم التمتع. والثَّاني: أن بدله كبدل دم الحلق، وهذ، مختصر قولنا: إن للإطعام والصيام معاً مدخلاً في البدلية، وإن الأمر فيهما على التخيير والتقدير. والثالث: أن بدله كبدل دم الواجبات المَجْبورَة، وهذا مختصر قولنا: لكل واحد منهما مدخل فيه، والأمر فيهما على الترتيب والتعديل، فعلى الأول هو دم ترتيب وتقدير. وعلى الثاني دم تخيير وتقدير وعلى الثَّالِثِ دم تَرْتِيب وتعديل، وهذا حكم دِمَاء الواجبات المَجْبُورة على الأَرْجَح عند صاحب الكتاب على ما مر، فإن لم نقل بذلك لم يستمر هذا التشبيه، والأصح في المسألة الَّتِي نحن فيها: الترتيب والتَّعديل، قاله القاضي الروياني وصاحب "التهذيب"، وغيرهما ﵏ وهو اختيار الْمَزنِيّ ﵁ -والله أعلم-.
следующие страницы →