الطَّيب ابن الصَّبَّاغ، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وإن جعلناها أجناساً، فحيوان البَرِّ مَعَ حيوان البَحْرِ جنسان، ثم الأَهْلِيَّات من حيوان البَرِّ جنس، والوَحْشِيَّات جنس، ثم لكل واحد من القسمين أجناس، فلحوم الإبل على اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم البقر والجَوامِيس وغيرها جنس واحد، ولحوم الغنم ضَأْنُها ومَعِزُها جنس، والبقر الوَحْشِي جنس، والظِّبَاء جنس، وفي الظِّبَاء مع الإبل تردد للشيخ أبي محمد واستقرار جوابه على أنهما كالضَّأْن والمعز، وأما الطُّيور والعَصَافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج وهو ما عب، وهدر جنس، فيدخل فيه القُمْرِيُّ والدّبْسِيّ والفَاخِتَة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب"، واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنساً برأسه، والسُّمُوك من حيوان البحر جنس، وفي غَنم الماء وَبَقرِه وغيرهما مع السُّمُوك، وكذا في بعضها مع بعض قولان:
أصحهما: أنها أجناس كَحَيَوانات البر، وهل الجراد من جنس اللحوم؟
فيه وجهان: إن قلنا: نعم، فهو من البَرِّيات أو البَحْرِيات فيه وجهان (١).
وفي أعضاء الحيوان الواحد كالكِرْشِ والكَبِدِ والطّحَال والقَلْب، والرِّئَةُ طريقان:
أشهرهما: أنا إن قلنا: إن اللحوم أجناس، فهذه أولى لاختلاف أسمائها وصفاتها. وإن قلنا: إنها جنس واحد ففيها وجهان، لأن من حلف أن لا يأكل اللحم، لا يَحْنَث يأكل هذه الأشياء على الصحيح، وهذا كالخلاف في أن لحم السمك جنس برأسه أو هو من جنس سائر اللحوم؛ لأن من حَلَفَ أن لا يأكل اللحم لا يَحْنَث بأكل السَّمك.
والثاني عن القَفَّال: أنا إنْ جعلناها جنساً واحداً فهذه الأشياء مجانسة لها، وإن جعلناها أجناساً فوجهان لاتِّحاد الحيوان، وصار كلحم الطَير وشحمه.
وقوله في الكتاب: "أجناس على الأظهر"، إن جعلنا اللحوم أجناساً إلى هذه الطَّريقة أقرب، ولو قال: "وإن لم نجعل اللحوم أجناساً"، لكان ذلك للطّريقة الأولى، وكيف ما قدرت التَّرتيب فظاهر المذهب أنها أجناس، والمخ جنس آخر، وكذلك الجِلْد (٢) وشَحْم الظَّهر مع شَحْم البَطْن جنسان، وسِنَام البعير معهما جنس آخر، والرَّأْس والأَكَارع من جنس اللحم، وفي الأَكَارع احتمال عند الإمام.
стр. 1752
وأما الأَدِقّة والخُلُول والأَدْهَان فهي أجناس مختلفة على المَشْهور؛ لأنها أصول فروع مختلفة وهي من أموال الربا، فأجرى عليها حكم أصولها بخلاف اللحم فإن أصولها وهي الحيوانات ليست رَبَوية، وكذا عصير العِنَب مع عصير الرُّطَب جنسان وَدِبْسَهُما كذلك، وفي الأَدِقَّة حكاية قول عن "أمالي حرملة". أنها جنس واحد، وأبعد منه وجه ذكروه في الخُلُول والأَدْهَان، ويجري مثله في عصير العنب مع عصير الرطب.
وأما الألبان ففيها طريقان:
أظهرهما: عند الأكثرين: أنها على قولين كما في اللَّحمين، فعلى الأصح يجوز بَيْعُ لبن الغَنَمِ بلبن البقر متفاضلاً، وبيع أحدهما بما يتخذ من الآخر، ولبن الضَّأن والمعز جنس واحد، ولبن الوَعْلِ مع المعز الأهلي جنسان اعتباراً بالأصول.
والطريق الثاني: وهو قضية إيراد الكتاب: القطع بأنها أجناس مختلفة، والفرق أن الأصول التي حصل اللَّبن منها باقية بحالها وهي مختلفة، فيدام حكمها على الفُروع بخلاف أصول اللَّحم.
وَبُيُوض الطُّيور أجناس إن جعلنا اللَّحوم أجناساً، وإن جعلناها جنساً واحداً، فهي أجناس أيضاً على أصح الوجهين.
والزَّيت المعروف مع زَيْت الفِجْل جنسان، وهو دهن يتخذ من بزْرِ الفِجْل، يسمى زَيْتَاً لأنه يصلح لبعض ما يصلح له الزَّيت المعروف.
ومنهم من قال: حكمهما حكم اللَّحمين، والتمر المعروف مع الهِنْدي جنسان.
وعن ابن القَطَّان وجه: أنهما جنس واحد. وفي البَطِّيخ المعروف مع الهِنْدي وجهان أيضاً، وكذا في القِثَّاء مع الخِيَار (١).
والبُقُول كالهِنْدِبا والنّعنَع وغيرهما أجناس، إذا قلنا: بِجَرَيان الربا فيها، ودهن السِّمْسم وكُسْبه جنسان، كالمخيض والسَّمن، وفي عصير العنب مع خلِّه وجهان:
أظهرهما: أنهما جنسان لإفراط التَّفاوت في الاسم والصِّفة والمقصود، وفي السكر والفَانِيذ وجهان أيضاً:
أظهرهما: أنهما جنسان لاختلاف قصبهما، والسكر والنبات والطَّبْرزد جنس واحد، والسكر الأحمر وهو القَوَالِبُ عكر الأبيض ومن قصبه، وسع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لمخالفتهما في الصفة. قال الإمام: ولعل الأظهر: أنه جنس من السُّكر.
стр. 1753
المسألة الثانية: بيع اللحم بالحيوان المأكول من جنسه باطل وهو قول مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمُزنِيّ.
لنا ما روي أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ" (١).
وإن باعه بحيوان مأكول لا من جنسه، كما لو باع لحم الشَّاة بالبقرة، فيبنى على أن اللحمين جنس أو أجناس.
إن قلنا: إنهما جنس فهو باطل أيضاً.
وإن قلنا: أجناس، فقولان:
أحدهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه صحيح، كما لو باع اللَّحم باللَّحم.
وأصحهما: أنه باطل لعموم الخبر.
روي أن جَزُوراً نحرت على عهد أبي بكر ﵁ فجاء رجل بعِنَاق وقال: اعْطُوني جزءاً بهذه العِنَاق، فقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا.
وإن باعه بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان:
أصحهما عند القَفَّال: المنع لظاهر الخبر.
والثاني: الجواز؛ لأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هاهنا وفي بيع الشَّحْم والألْيَة والطّحَال والقَلْب والكِلْية والرِّئة بالحيوان وجهان، وكذا في بيع السّنَام بالأبل.
أحدهما: يجوز؛ لأن النَّهي ورد في بيع اللَّحم بالحيوان.
وأصحهما: المنع، لأنه في معناه، وعلى هذا الخلاف بيع الجِلْد بالحيوان إن لم يكن مَدْبوغاً، وإن كان مدبوغاً فلا منع، وعلى الوجهين أيضاً بيع لحم السَّمك بالشَّاة، ولا يجوز بيع دُهْن السِّمْسم ولا كُسْبه بالسمسم، ولا ببيع دهن الجُوز بلب الجُوز، ولا بيع السَّمن باللَّبن، كما لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، وبيع دقيق الحِنْطة بالحنطة.
وذكر الإمام هاهنا إشكالاً وطريق حله.
أما الإشكال، فهو: أن السِّمْسم جنس في نفسه لا أنه دُهن وكُسْب، واللبن جنس في نفسه لا أنه سمن ومَخِيض، ولهذا جاز بيع السِّمْسم بالسِّمْسم، واللبن باللبن، وإن كان لا يجوز بيع الدهن والكسب بالدهن والكسب، وبيع السمن والمَخِيض بالسَّمن
стр. 1754
والمخيض، وإذا كان جنساً برأسه وجب أن يجوز بيع السمسم بالدهن، كما جاز بيع السِّمْسم بالسِّمسم.
وأما الحل: هو أنه إذا قُوبل السِّمسم بالسِّمْسم، واللّبن باللبن، فالعِوَضَان متجانسان في صفتهما الناجزة، فلا ضرورة إلى تفريق الأجزاء وتصوير ما يكون حينئذ، وإذا قوبل السِّمْسم بالدهن، فلا يمكننا جعل السِّمْسم مخالفاً للدهن، مع اشتمال السِّمسم على الدُّهن، وإذا ارتفعت المُخَالفة جاءت المُجَانسة، ولا شك أن مجانستهما في الدُّهْنِية فنضطر إلى اعتبارها، وإذا اعتبرناها كان ذلك بيع دهن وكسب بدهن.
قوله في الكتاب: "إن جاز بيع كل واحد منهما بجنسه"، إشارة إلى هذا الإِشْكَال، ويجوز بيع الجُوز بالجُوز واللُّوز باللُّوز، ولا بأس بما عليهما من القِشْر؛ لأن الصلاح يتعلق به، ثم المعيار في الجُوز الوَزْن، لأنه أكبر من التَّمر، وفي اللوز الكيل، ويجوز أيضاً بيع لُب الجوز ولب اللوز بلب اللّوز لأنه أكبر.
وفيه وجه: أنه لا يجوز بيع اللّب باللّب. لخروجه عن حالة الادِّخار، وبهذا أجاب في "التتمة".
وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن نص الشافعي ﵁: أنه لا يجوز بيع الجُوز بالجوز، واللوز باللوز، مع القِشْر، وبيع البيض بالبيض، كبيع الجوز بالجوز، فيجوز على الظاهر، وإن كان في القِشْر، والمعيار فيه الوزن، ويجوز بيع لبن الشَّاة بغير اللّبُون من الشَّاة، وكذا باللّبُون إذا لم يكن في ضَرْعها لبن، إن جرى البَيع عقيب الحلب، وإن كان في ضَرْعها لبن لم يجز؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قِسْطاً من الثمن، ألا ترى أنه وجب التمر في مقابلته في المصَرَّاة؟ وكذا لو باع شاة في ضَرْعها لبن بشاة في ضَرْعها لبن كما لو باع حيواناً ولبناً بحيوان ولبن.
وعن أبي الطَّيِّب ابن سَلَمة: أنه يجوز كبيع السِّمْسم بالسِّمسم، وبيع البيض بالدَّجَاجة كبيع اللبن بالشَّاة، ولو باع لبن الشاة ببقرة في ضَرْعها لبن.
فإن قلنا: الألبان جنس واحد لم يجز.
وإن قلنا: إنها أجناس فقولان للجمع بين مختلفي الحكم، فإن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط فيه التَّقابض، وما يقابله من الحَيَوان لا يشترط فيه التقابض -والله أعلم-.
فرع: الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام؛ لأن النصوص الواردة فيه مطلقة.
وبه قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين،
стр. 1755
فأما بين حَرْبِيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما، فلا ربا -والله أعلم-.
الْبَابُ الثَّالِثُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَةِ النَّهْي
قال الغزالي: وَالمَنَاهِي قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ العَقْدِ وَذَلِكَ كَنَهْيهِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوَانِ (ح) وَبَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَانُ، وَبيْعِ الكَاليءِ بالكَاليءِ، وَبَيْعِ الغَرَرِ، وَبَيْعِ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، وَبَيْعِ عَسَبِ الفَحْلِ وَهُوَ نُطْفَتُهُ.
قال الرافعي: مقصود الباب عدد البياعات التي ورد فيها نهي خاص، والتَّرجمة تقتضي انقسام الفساد إلى ما يكون للنهي وإلى ما يكون لغيره، لكن يمكن أن يقال: لإفساد إلا للنَّهي، فإن الربا الذي أفرده بالذّكر منهى عنه أيضاً، وكذا تفريق الصَّفقة إذا منعنا عنه، وكل فاسد منهى عنه إِمَّا نهي خاص وإما نهي عام.
ثم ما ورد فيه النهي من البيوع قد يحكم بفساده قضية للنهي وهو الأغلب وقد لا يحكم، وهو حيث يقارن البيع ما يعرف عود النهي إليه كالمنع عن البيع حالة النّدَاء، فإنا نعلم أن المنع غير متوجّه نحو خصوص البيع، وإنما هو متوجّه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب المنهي، ولو باع في غير تلك الحالة لم يُصَادِفْه نَهْي.
القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد وهو أنواع:
فمنها: بيع اللَّحم بالحَيَوان وقد مر.
ومنها: بيع ما لم يقبض وبيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان، وبيع الكَالئ بالكالئ وسنشرحها من بعد -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: بيع الغَرَر (١).
فمنه بيع ما لم يقدرعلى تسليمه وقد سبق.
ومنه أن يبيع مال الغير.
"ومنْهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، رُوِي أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهَى عَنْهُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ" (٢).
وله تفسيران:
أحدهما: أن يبيع ما هو غائب عنه.
стр. 1756
والثاني: أن يبيع ما لا يملكه ليشتريه فيسلِّمه.
ومنها: بيع الكلب والخِنْزِيرِ، وقد تقدم ذكره في شرط طهارة المبيع.
ومنها ما روي أنه ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ" (١).
وروي أنه "نَهَى عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفِحْلِ" (٢).
وهذه رواية الشافعي ﵁ في "المختصر"، قال في "الصحاح": العَسْب: الذي يؤخذ على ضِرَاب الفَحْل (٣) وعَسب الفَحْل أيضاً: ضِرَابه، ويقال: ماؤه، فهذه ثلاثة مَعَان.
والثَّالث: هو الَّذي أطلقه في الكتاب.
والثَّاني: هو المشهور في الفِقْهيات، ثم ليس المراد من الخبر في الرواية الأولى الضِّرَاب، فإن نفس الضِّرَاب لا يتعلَّق به نهي ولا منع من الإيذاء أيضاً، بل الإعارة للضراب محبوبة، ولكن الثمن المذكور في الرواية الثانية مُضْمَر فيه هكذا قالوه.
ويجوز أن يحمل العَسْب على الكِرَاء على ما هو أحد المعاني، فيكون نهياً عن إِجَارَة الفَحْل للضِّراب، ويستغنى عن الإِضْمَار وأما على الرواية الثانية فالمفسّرون للعَسْب بالضِّرَاب ذكروا أنَّ المراد من الثَّمن الكِرَاء، وقد يسمى الكِرَا ثَمَناً مجازاً، ويجوز أن يفسر العَسْب بالماء، ويقال: هذا نهي عن بيعه، والحاصل: أن بَذْل المال للضِّرَاب ممتنع بطريق البيع؛ لأن ماءه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه. وأما بطريق الاستئجار: ففيه وجهان قد ذكرهما في الكتاب في "باب الإجارة".
أصحهما: المنع (٤) أيضاً وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن فعل الضّرَاب غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفَعْل.
والثَّاني وبه قال ابن أبي هريرة ويحكى عن مالك: أنه يجوز كالاسْتِئْجَار لِتَلْقِيح
стр. 1757
النَّخل، ويجوز أن يعطي صاحب الأُنْثَى صاحب الفحل شيئاً، على سبيل الهدية خلافاً لأحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَحَبَلِ الحَبَلَةِ وَهُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ، وَالمَلاَقِيح وَهِيَ مَا فِي بُطُونِ الأُمَّهاتِ، وَالمَضَامِين وَهِيَ مَا فِي أَصْلاَبِ الفُحُولِ.
قال الرافعي: ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ" (١) وحبل (٢) الحبلة هو نِتَاج النِّتَاج، ثم ذكروا للخبر تفسيرين:
أحدهما: أن يبيع الشيء إلى أن ينتج نِتَاج هذه الدَّابة.
والثاني: أن يبيع نِتَاج النِّتاج نفسه.
والأول: هو تفسير ابن عمر، وبه أخذ الشَّافعي ﵁.
والثاني: تفسير أبي عبيد وأهل اللُّغَة، وكلا البيعين باطل.
أما الأول: فلأنه بيع إلى أجل مجهول.
وأما الثاني: فلأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تَسْلِيمه.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلاَقيحِ وَالْمَضَامِينِ" (٣).
فالملاقيح: ما في بُطُون الأُمّهَات من الأجِنّة، الواحدة ملقوحة من قولهم: لُقحت، كالمَجْنون من جُنَّ، والمَحْمُوم من حُمَّ، والمَضَامِينُ: ما في أَصْلاَب الفُحُول، سمي بذلك لأن الله -تعالى- ضَمَّنها فيها، وكانوا في الجَاهِلية يبيعون ما في بطن النَّاقة، وما يحصل من ضِرَاب الفَحْل في عام أو أعوام، وسبب بطلانهما من جهة المعنى بين (٤) ...
стр. 1758
قال الغزالي: وَبَيْعِ المُلاَمَسَةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّمْسَ بَيْعاً، وَالمُنَابَذَة بِأَنْ يَجْعَلَ النَّبْذَ بَيْعاً، وَرَمْي الحَصَاةِ وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ لِلبَيْعِ مَا تَقَعُ الحَصَاةُ عَلَيْهِ، وَبَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَيَقُولُ: بِعْتُ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً أَوْ بِأَلْفٍ نَقْداً فخُذْ بأيِّهِما شِئْتَ.
قال الرافعي: ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النّبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ، وَالْمُنَاَبَذَة" (١).
وللملامسة تأويلان:
أحدهما: إنْ أتي بثوب مَطْوي أو في ظلمة فيلمسه المُسْتام، فيقول صاحب الثوب: بِعْتك هذا بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهو تأويل الشَّافعي ﵁ في "المختصر"، وهذا البيع باطل.
أما إذا أبطلنا بيع الغائب فظاهر. وأما إذا صححناه فلاشْتِرَاط قيام اللَّمْس مقام النَّظر. قال الإمام: ويتطرّق إلى هذا احتمال من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط نفي خيار الرؤية، ففي صحة الشرط خلاف فلا يمتنع أن يكون هذا على ذلك الخلاف، وبهذا الاحتمال أجاب أبو سعد المُتَوَلِّي في كتابه.
الثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن يجعل نفس اللَّمْس بيعاً، ومثَّله الإمام بأن يقول صاحب الثوب لطالبه: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا، وهو باطل لما فيه من التَّعْليق والعُدُول عن الصِّيغة الشَّرْعية، وذكر في "التتمة": أن هذا في حكم المعاطاة.
والثَّالث: أن يبيعه شيئاً على أنه متى لمسه فقد وجب البيع وسقط خيار المجلس وغيره، وهو فاسد للشرط الفاسد. وأما بيع المُنَابَذَة فله تَأْويلات:
أحدها: أن يجعل النَّبذ بيعاً، فيقول أحدهما للآخر: أَنْبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليّ ثوبك على أن كل واحد مبيع بالآخر، أو يقول: أَنْبذ إليك ثوبي بعَشْرة، وتَنْبذ إليَّ ثوبك فيكون النَّبْذ بيعاً، وهذا تأويل الشافعي ﵁ في "المختصر"، وهو المذكور في الكتاب، ووجه بطلان العقد: اختلال الصيغة.
قال الأئمة: ويجيء فيه الخلاف المذكور في المُعَاطاة؛ فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المُعَاطاة بعينها.
والثاني: أن يقول: بِعْتُك هذا بكذا على أني إذا نَبَذْتُه إليك فقد وجب البيع، وحكمه ما مر في الملامسة.
стр. 1759
والثالث: أن المراد منه نبذ الحَصَاة، وسنفسره.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ : "نهى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ" (١). وله تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك ثوباً من هذه الأثواب وارْمِ بهذه الحَصَاة فعلى أيهما وقعت فهو المبيع، أو يقول: ارْمِ بهذه الحَصَاة، فعلى أي موضع بَلَغَت من الأرض يكون مبيحاً منك.
والثاني: أن يقول: بعتك هذا بكذا على أنك بالخِيَار إلى أن أرمي بهذه الحَصَاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرَّمي بيعاً، فيقول البائع: إذا رميت بهذه الحَصَاة فهذا الثوب مبيع منك بعشرة، والبيع باطل في الصور الثلاث.
أما في الأولى فللجهل بالمبيع.
وأما في الثانية فلكون الخِيَار مجهولاً.
وأما في الثالثة فلاختلال الصِّيغة.
ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن النَّبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (٢) ".
وله تأويلان مذكوران في "المختصر":
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً أو بألفين إلى نسيئة، فخُذ بأيهما شئت أو شئت أنا، فهذا العقد باطل للجهل بالعوض، كما لو قال: بعتك هذا العبد أو هذه الجَارِية بكذا، ولو قال: بعتك بألف أو بألفين إلى سنة، أو قال: بعتك نصف هذا العبد بألف ونصفه بألفين صح البيع، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف نصفه بستمائة لم يصح؛ لأن ابتداء السلام يقتضي توزيع الثَّمن على المُثَمَّن بِالسَّوِية وآخره يناقضه، هكذا نقله صاحب "التهذيب" حكماً وتعليلاً.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا، أو اشْتَرِ مني داري بكذا فهو باطل؛ لأنه بيع وشرط، هذا وسنذكر المعنى في بطلانه على الأثر -إن شاء الله تعالى-.
стр. 1760
قال الغزالي: وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فَلَوْ بَاعَ بشَرْطِ قَرْضٍ، أَوْ بِشَرْطِ بَيْعٍ أخر، أَوْ شَرَطَ عَلَى بَائِعِ الزَّرْعِ أَنْ يَحْصُدَهُ (و)، أَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى عُلْقَةً بَعْدَ العَقْدِ يَثْبُتُ نِزَاعٌ بِسَبَبِهَا لَمْ يَجُزْ.
قال الرافعي: ومن البيوع التي ورد النَّهي عنها البَيْع المشروط.
روي أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ" (١).
قال حجَّة الإِسْلام: مطلق الخبر يقتضي امتناع كل شرط في البيع لكن المفهوم من تعليله أنه إذا انضمَّ الشرط إلى البيع بقيت علقته بعد العقد. يثور بسببها منازعة، وقد يفضي ذلك إلى فوات مقصود العقد، فحيث تفقد هذه العلّة تستثنيه عن الخبر، ولذلك يتثنى عنه شروطاً ورد في تصحيحها نصوص.
اعلم: أن الشرط في العقد ينقسم إلى فَاسِدٍ وَإِلى صحيح، فالفاسد منه يفسد العقد أيضاً على المذهب، وفيه شيء سنورده من بعد -إن شاء الله تعالى-، والفصل يشتمل على أمثلة من الشروط الفاسدة، ثم يليه بيان الشروط الصحيحة.
فمن الشروط الفاسدة: إذا باع عبده بألف بشرط أن يبيعه داره أو يشتري منه داره، أو بشرط أن يقرضه عشرة لم يصح، لأنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني فاسد فبطل بعض الثمن، وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي، وإذا أتيا بالبيع الثاني نظر إِنْ كانا يعلمان بطلان الأول صح وإلاَّ فلا لأنهما يأتيان به على حكم الشرط الفاسد، هكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره والقياس صحته، وبه قطع الإمام، وحكاه عن شيخه في "كتاب الرهن" (٢).
ولو اشترى زرعاً واشترط على بائعه أن يحصِدُه، ففيه ثلاث طرق:
أحدها: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا التَّصرف شراء للزرع، واستئجار للبائع على الحصاد، فيجيء فيه القولان فيما لو جمع بين صَفْقَتَين مختلفي الحكم؛ وهذا هو اختيار ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن شرط الحَصَاد باطل قولاً واحداً؛ لأنه شرط عملاً فيما لم يملكه،
стр. 1761
فأشبه ما لو استأجره لِخِيَاطة ثوب لم يملكه، وفي صحة البيع قَوْلاً تفريق الصفقة.
والثالث وهو الأصح: أنهما باطلان.
أما شرط العمل فلما ذكرنا، وأيضاً فلأنه شرط ينافي قضية العقد؛ لأن قضية العقد كون القطع على المشتري.
وأما البيع فلأن الشرط إذا فسد فسد البيع، وكذا الحكم لو أفرد الشراء بعوض والاستئجار بعوض، فقال: اشْتَريتُ هذا الزرع بعشرة على أن تُحصده بدرهم؛ لأنه جعل الإجارة شرطاً في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة وفي التأويل.
الثاني ولو قال: اشتريت هذا الزرع واستأجرتك على حصاده بعشرة، فقال: بعت، وأجرت ففيه طريقان:
أحدهما: أنهما على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم.
والثاني: أن الإِجَارة باطلة قولاً واحداً.
ثم إذا فسدت الإجارة، ففي فساد البيع قولاً تفريق الصفقة.
ولو قال: اشتريت هذا الزرع بعشرة واستأجرتك لتحصده بدرهم صح الشراء، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استأجره على العمل فيما لم يملكه، ونظائر مسألة الزرع يقاس بها، كما إذا اشترى ثوباً، وشرط عليه صبغه أو خياطته، أو لبناً وشرط عليه طَبْخه، أو نعلاً على أن ينعل به دابته، أو عبداً رضيعاً على أن يتم إِرضاعه، أو متاعاً على أن يحمله إلى بيت والبائع يعرف بيته، فإن لم يعرف بطل البيع لا محالة، ولو اشترى حطباً على ظهر بهيمة مطلقاً فيصح العقد، ويسلمه إليه في موضعه أم لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه؛ لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره؟
حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين (١) -والله أعلم-.
قال الغزالي: إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ اسْتُثْنِيَتْ بِالنُّصُوصِ (أَحَدُهَا) شَرْطُ الأَجَلِ المَعْلُومِ وَالثَّانِي شَرْطُ الخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَالثَّالِثُ شَرْطُ وَثيقَةِ الثَّمَنِ بالرَّهْنِ بَعْدَ تَعْيين المَرْهُونِ، وَبالكَفِيلِ بَعْدَ تَعْيينِهِ، وَبالشَّهَادَةِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعْيينُ، وَمَهْمَا تَعَذَّر الوَفَاءُ بالرَّهْنِ المَشْرُوطِ أَوْ وَجَهٍ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ فَسْخُ العَقْدِ.
قال الرافعي: من الشروط الصحيحة في البيع شرط الأجل المعلوم في الثمن.
стр. 1762
قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. (١)
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشاً وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ ظَهْراً إِلَى خُرُوجِ الْمُصَّدَّقِ" (٢) وإن كان مجهولاً، كقدوم زيد أو مجيء المطر، وإقباض المبيع فهو فاسد.
وذكر القاضي الرُّويانِيُّ: أنه لو أجل الثمن إلى ألف سنة بطل العقد للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، ويسقط الأجل بالموت كما لو أجَّر ثوباً ألف سنة لا يصح، فعلى هذا يشترط في صحة الأجل مع كونه معلوماً احتمال بقائه إلى المدة المضروبة (٣).
ثم موضع الأجل ما إذا كان العوض في الذِّمة، فأما ما ذكره في المبيع أو في الثمن المعين، مثل أن يقول: اشتريت بهذه الدنانير على أن أسلمها في وقت كذا فهذا فاسد؛ لأن الأجل رفق أثبت لتحصيل الحق في المدة والمعين حاصل، ولو حلَّ الأجل فأجَّل البائع المشتري مدة، أو زاد في الأَجَل قبل حُلُول الأجل المَضْروب أولاً، فهو وعد لا يلزم خلافاً لأبي حنيفة فيهما، وساعدنا على أن بدل الإِتْلاف لا يتأجل وإن أجله، وقال مالك -رحمه الله تعالى-: يتأَجَّل.
لو أوصى من له دَيْن حال على إنسان بإمهاله مدة، فعلى ورثته إمهاله تلك المدة، لأن التبرعات بعد الموت (٤) تلزم، قاله في "التتمة".
وحكى هو وصاحب "التهذيب" وجهين فيما لو أسقط من عليه الدَّين المؤجل الأجل فهل يسقط حتى يتمكَّن المستحقّ من مطالبته في الحال؟
أصحهما: أنه لا يسقط؛ لأن الأجل صفة تابعة، والصفة لا تفرد بالإسقاط، أَلاَ تَرَى أن مستحق الحِنْطة الجيدة أو الدنانير الصِّحاح لو أسقط صفة الجودة أوالصحة لا تسقط؟
ومنها: شرط الخِيَار ثلاثة أيام على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
ومنها: شرط وَثيقة الثمن بالرَّهْن والكفيل والشهادة فيصح البيع بشرط أن يرهن
стр. 1763
المُشْتَري بالثَّمن، أو يتكفل به كفيل أو يشهد عليه، سواء كان الثَّمن حالاً أو مؤجلاً ولا يخفى وجه الحاجة إلى التوفيق بهذه الجهات.
وقد قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١).
وكذلك يجوز أن يشرط المشتري على البائع كفيلاً بالعُهْدة، ولا بد من تعيين الرهن والكفيل والمعتبر في الرَّهن المشاهدة أو الصفة، كما يوصف المسلم فيه، وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف بأن يقول رجل موسر ثقة، هذا هو النقل [عن الأصحاب].
ولو قال قائل: الاكتفاء بالصِّفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن ببعيد، وهل يشترط التعيين في شرط الإشْهاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الرَّهن والكفيل.
وأصحهما: لا، وهو المذكور في الكتاب؛ لأن المطلوب في الشُّهُود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة بخلاف الرهن والكفيل، فإن الأغراض فيهما تتفاوت، ولصاحب الوجه الأول أن يقول: وقد يكون بعض العدول أوجه، وقوله: "أسرع قبولاً فيتفاوت الغرض في أعيانهم أيضاً" وادعى الإمام القطع بالوجه الثاني، ورد الخلاف إلى أنه لو عين الشّهود هل يتعيَّنون أم لا؟ وهل يجب التعرض لكون المرهون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، بل إن اتفقا على يد المُرْتَهِن أو يبد عدل فذاك، وإلاَّ جعله الحاكم في يد عدل، وليكن المشروط رهنه عند غير المبيع.
أما إذا شرط أن يكون المبيع نفسه رهناً بالثمن لم يصح الرهن؛ لأن المرهون غير مملوك له بَعْدَ وَلاَ المبيع، هكذا أطلقه الجمهور، وأورد الإمام فيه تفصيلاً كما سيأتي، والمطلقون وجهوه بأمور.
منها: أن الثمن إمَّا مؤجل يجوز حبس المبيع لاستيفائه، أو حال فله حبسه لاستيفائه، فلا معنى للحبس بحكم الرهن.
ومنها: تَنَاقُض الأحكام، فإن قضية الرهن كون المال أمانة، وأن يسلم الدَّيْن أوّلاً، وقضية البيع بخلافه.
стр. 1764
ومنها: أن فيه استِثْناء منفعة الاسْتِيثَاق، ولا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه. ومنها: قال بعض المتأخرين: المشتري لا يملك رَهْن المبيع، إلاَّ بعد صحة المبيع، فلا تتوقف عليه صحة البيع، كيلا يؤدي إلى الدور، وللنزاع مجال في هذه التوجيهات.
أما الأول: فإن كان الثمن مؤجلاً، لا يجوز حبس المبيع إذا لم يَجْرِ رهن، فإن جرى رهن فهو موضع الكلام، وإن كان حالاً فيجوز أن يتقوى أحد الجنسين بالآخر.
وأما الثاني: فبتقدير الصِّحة يبقى المال مضموناً بحكم البيع استيفاءً لما كان، ويسلم الدين أوَّلاً لإقدامه على الرهن.
وأما الثالث: ففي جواز اسْتِثْنَاء بعض المنافع تفصيل سَنَذكره -إن شاء الله تعالى.
وأما الرابع: فمسلم أنه لا يتوقف صحة البيع على الرهن لكن لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنه هل يمنع صحة البيع؟ فهذا كلام المطلقين. وأما التفصيل: فإن الإمام ذكر أن المسألة مبنية على البَدَاءَة في التسليم بمن.
فإن قلنا: البَدَاءة بالبائع، أو قلنا: يُخَيِّران معاً، أو قلنا لا اختيار ما لم يبتدأ أحدهما فسد البيع؛ لأنه شرط يبطل مقتضى البيع لتضمنه حبس المبيع إلى اسْتِيْفَاء الثمن. وإن قلنا: البَدَاءَة بالمشتري فوجهان:
أحدهما: أنه يصحُّ هذا الشرط لموافقته مقتضى العقد.
والثاني: لا يصحُّ ويفسد البيع لما سبق من تناقض الأحكام، والأظهر عند صاحب الكتاب هو الوجه الأول، وأنت إذا تَنَبَّهت إلى الأصل المبني عليه عرفت حال هذا البناء قوة وضعفاً.
ولو شرط أن يرهنه بالثمن بعد القبض، ويرده إليه فالبيع باطل أيضاً لبعض المعاني المذكورة. ولو رهنه بالثمن من غير شرط صح إن كان بعد القبض، وإن كان قبله فلا إن كان الثمن حالاً، لأن الحبس ثابت له، وإن كان مؤجلاً فهو كما لو رهن المبيع قبل القبض بدين آخر، ثم إذا لم يَرْهَن المشتري ما شرطه، أو لم يتكفل الذي عينه فلا إِجْبَار، لكن للبائع الخيار، ولا يقوم رَهْن وكفيل آخر مقام المعين، فإن فسخ فذاك، وإن أجاز فلا خيار للمشتري. ولو عيَّن شاهدين فامتنعا من تحمل الشَّهادة.
فإن قلنا: لا بد من تعيين الشَّاهدين، فللبائع الخيار أيضاً.
وإن قلنا: لا حاجة إليه أيضاً، فلا.
ولو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض أو تعيَّب أو وجد به عيباً قديماً، فله الخيار في البيع، وإن تعيب قبل القبض، فلا خيار.
стр. 1765
ولو ادَّعى الراهن أنه حدث بعد القبض، وقال المُرْتهن: بل قبله، فالقول قول الراهن اسْتِدَامة للبيع، ولو هلك الرَّهن بعد القَبْضِ أَوْ تعيَّب ثم اطَّلَع على عيب قديم به فلا أَرْش له، وهل له فسخ البيع؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا؛ لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رَدُّ الرهن كما أخذ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "شرط وَثِيقة الثَّمن" لفظ الثمن وإن كان مطلقاً، ولكن المراد منه [ما] إذا كان في الذِّمَّة، فإن الأعيان لا يرهن بها، وفي ضَمَانها تفصيل طويل يذكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-، وهذا كما ذكرناه في الأجل.
وقوله: "بعد تعيين المَرْهُون" يجوز إعلامه بالميم والحاء.
أما الميم، فلأن عند مالك ﵁ لا يشترط تعيين المرهون بل ينزل المطلق على ما يصلح أن يكون رهناً لمثل ذلك الثمن في العادة. وأما بالحاء، فلأن عند أبي حنيفة لو قال: رهنتك أحد هذين العَبْدَين جاز، كما ذكره في البيع.
وقوله: "وبالكفيل بعد تعيينه"، يجوز إعلامه بالواو، لأن في كتاب القاضي ابن كَجٍّ: أنه لا حاجة إلى تَعْيِين الكَفيل، وإذا أطلق أقام من شاء ضميناً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالرَّابعُ شَرْطُ عِتْقِ العَبْدِ احتُمِلَ لِحَدِيثِ بُرَيْرَةَ، وَالقِيَاسُ إِبْطَالُ الشَّرْطِ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ، ثُمَّ لِلبَائِعِ المُطَالَبَةُ بِالعِتْقِ علَى الأَصَحِّ، فَإِنْ أَبى المُشْتَرِي أُجْبِر عَلَيْهِ (و)، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الوَلاَء لَهُ صَحَّ الشَّرْطُ (و) لِدَلالَةِ الخَبَرِ.
قال الرافعي: في بيع الرقيق بشرط العتق قولان:
أحدهما: أنه لا يصح كما لو باعه بشرط أن يبيعه أو يهبه، وبهذا قال أبو حنيفة. وأصحهما: أنه يصح، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان:
أحدهما وهو ما حكاه العراقيون عن رواية أبي ثور: أنه باطل.
لظاهر ما روي أنه ﷺ قال: "مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ" (١). وأصحهما: وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين: أنه صحيح.
لما روي "أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وَشَرَطَ مَوَالِيَها أَنْ تُعْتِقَهَا، ويكَونَ وَلاَؤُهَا لَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبيُّ ﷺ إِلاَّ شَرْطَ الْوَلَاء وَقَالَ: شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٢).
стр. 1766
وقوله: "والقياس إبطال الشرط"، أراد مع تصحيح، العقد على ما دل عليه كلامه في "الوسيط".
قال: لأن المصير إلى إبطال العقد مع الحديث لا وجه له، وإن قال قائلون به، وتأويل إذنه في الشرط أنه كان يثق بعائشة ﵂ أنها تفي به تَكَرُّما لا أنه لازم.
التفريع: إن صححنا شرط العِتْق فذلك إذا أطلق أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك.
أما إذا قال: بشرط أن تعتقه عني فهو لاغ (١)، ثم العتق المشروط حق من؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه حق الله كالملتزم بالنَّذر.
والثاني: أنه حق البائع، لأن اشتراطه يدل على تعلق غرضه، به والظاهر أنه تسامح في الثمن إذا شرط العتق.
فإن قلنا: إنه حق البائع فله المطالبة به لا محالة.
وإن قلنا: إنه حق الله -تعالى- فوجهان:
أحدهما: أنه ليس له المطالبة به، إذ لا ولاية له في حقوق الله .
وأصحهما: أنه ليس له ذلك؛ لأنه ثبت بشرطه وله غرض في تحصيله، وإذا أعتقه المشتري، فقد وفَّي بما الْتَزَم والولاء له.
وإن قلنا: العِتق حق البائع؛ لأنه صدر عن مِلْكه وإن امتنع، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما عند المصنف: أنه يجبر عليه.
والثاني: لا، ولكن للبائع الخيار في فسخ البيع، وهما مبنيان على أن العتق حق من؟
стр. 1767
إن قلنا: إنه حق الله فيجبر عليه.
وإن قلنا: إنه حق البائع، فلا يجبر كما في شرط الرهن والكفيل.
وإذا قلنا: بالإجبار، فهل يخرج على الخلاف في المولى إذا امتنع من الطلاق حتى يعتق القاضي على رأي، أو يحبسه حتى يعتق على رأي أو لا طريق سوى الحبس حتى يعتق؟
أبدى الإمام فيه احتمالين:
والأول: هو المذكور في "التتمة".
قال الإمام: والخلاف في الإجبار لا يبعد طَرْده في شرط الرَّهْن والكفيل من جهة القياس، لكن لم يطرده.
وإذا قلنا: العتق حق للبائع، فلو أسقطه سقط كما لو شرط رهناً أو كفيلاً ثم عفا عنه.
وعن أبي محمد: أن شرط الرهن والكفيل أيضاً لا يفرد بالإِسْقَاط كحق الأجل.
وهل يجوز إِعْتَاق هذا العبد عن الكَفَّارة؟
إن قلنا: إن العتق حق الله فلا، كإعتاق المنذور عتقه عن الكفارة.
وإن قلنا: إنه حق البائع فكذلك إن لم يسقط حقه، وإن أسقطه جاز على أصح الوجهين.
والثاني: لا يجوز، لأن البيع بشرط العِتْق لا يخلو عن مُحَاباة، فكأنه أخذ على العِتْق عوضاً، ويجوز له الاستخدام والوَطْء، والأكساب الحاصلة (١) له، ولو قتل كانت القيمة له، ولا يكلف صَرْفها إلى عبد آخر ليعتقه، وليس له أن يبيعه من غيره، ويشترط العِتْق عليه في أصح الوجهين؛ لأن العِتْق مستحق عليه فليس له نقله إلى غيره، هل يجزي إِيْلاَد الجَارِية عن الإعتاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل عليه أن يعتقها.
ولو مات العبد قبل أن يعتقه ففيه أوجه:
أظهرها: أنه ليس عليه إلا الثّمن المسمى؛ لأنه لم يلتزم غيره.
والثاني: أن عليه مع ذلك قدر التَّفاوت بين ثمن مثله مشتري مطلقاً، وثمن مثله
стр. 1768
مشتري بشرط العتق، ومنهم من زَادَ في هذا الوجه أنه يعرف قدر التَّفَاوت هكذا، ويجب عليه مثل نسيته من الثَّمن المسمى.
والثالث: أنَّ البائع بالخيار إن شاء أجاز العَقْد ولا شيء له، وإن شاء فسخ البيع ورد ما أخذ من الثمن، ويرجع بقيمة العقد عليه.
وحكى بعضهم بدل هذا الوجه: أنه ينفسخ العقد لتعذُّر إِمْضَائه، إذ لا سبيل إلى إيجاب شيء على المُشْتَري من غير تَفْويت ولا إلزام ولا إلى الاكتفاء بالمسمى، فإن البائع لم يَرْضَ به إلاَّ بشرط العتق، وهذه الوجوه مُفَرَّعة على أن العِتْق للبائع، أو هي مطردة، سواء قلنا: إنه للبائع أو لله تعالى -فيه رأيان [للإمام]:
أظهرهما: الثاني (١). ولو اشترى عبداً بشرط أن يدبره أو يُكَاتبه أو يعتقه بعد شهر أو سنة، أو داراً بشرط أن يجعلها وقفاً، ففي هذه الشروط وجهان:
أصحهما: أنها ليست كشرط العِتْق بل يبطل البيع بها، وجميع ما ذكرناه في شرط العِتْق مفروض فيما إذا لم يتعرض للولاء، فأما إذا شرط مع العتق كون الوَلاَء للبائع ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل البيع، لأن شرط الولاء تغيير ظاهر لِمُقْتَضَى العقد لتضمنه نقل الملك إلى البائع، وارتفاع العقد.
والثاني: أنه يصح لحديث بريرة، فإن عائشة ﵂ أخبرت رسول الله ﷺ أن مواليها لا يبيعونها إلا بشرط أن يكون الولاء (٢) لهم، فقال رسول الله ﷺ : "اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ"، أَذِنَ في الشِّراء بهذا الشرط، وهو لا يأذن في باطل، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان نقلهما الإمام:
أحدهما: أنه لا يصح.
لما روي أنه ﷺ : "خَطَبَ بعَدَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٣).
والثاني: أنه يصح؛ لأنه إذن في اشتراط الوَلاَء، وهو لا يأذن في باطل، وهذا هو الذي أورده صاحب الكتاب.
стр. 1769
واعلم: أنه خلاف ما اتَّفَق عليه جمهور الأَصْحَاب، فإنهم أَطْبَقوا على أن شرط الوَلاَء يفسد البيع، وحكوا قولاً ضعيفاً على خلافه عن رواية الِإصْطَخري أو تخريجه، ثم على ذلك القول الضعيف قضوا بفساد الشرط، وقصروا الصِّحة على العقد، ولا تكاد تجد حكاية الخلاف في صحّة الشَّرط بعد تصحيح العقد، إلاَّ للإمام -رحمه الله تعالى- وفي حديث بريرة إِشْكال أفسدنا العقد أو صححناه، وأفسدنا الشرط أو صححناه.
أما إذا أفسدنا العقد أو الشرط فلإذنه في الشراء واشتراط الولاء، وأما إذا صححناهما فلخطبته بعد ذلك وإنكاره على هذا الشرط.
وكيف يجوز أن يأذن في شراء الشيء ثم ينكر عليه ويبطله، إلاَّ أن الصَّائرين إلى الفساد لم يثبتوا الإذن في شرط الولاء، وقالوا: إن هشاماً تفرَّد به ولم يتابعه سائر الرواة عليه، فيحمل على وهم وقع له، لأن النبي ﷺ لا يأذن فيما لا يجوز، وبتقدير الثبوت فقد تكلموا عليه مِنْ وجوه لا نطول بذكرها.
وأما من صححهما قال: إنه نهَاهم عن الإِتْيان بمثل هذه الشروط، ولما جرت أنكر عليهم لارتكابهم ما نهاهم عنه، لكنه صححه وقد ينهي عن الشيء ثم يصححه.
ولو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء إلي إن أعتقته يوماً من الدهر.
فقد ذكر في "التتمة": أن العقد هاهنا باطل بلا خلاف، إذ لم يشترط العتق حتى يحصل الولاء تبعاً له.
ولو اشترى أَبَاهْ أو ابنه بشرط أن يعتقه.
فعن القاضي حسين: أن العقد باطل لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه (١) -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسُ أَنْ يَشْتَرِط مَا لاَ يَبْقَى عُلْقة كَكُلِّ شَرْطٍ يُوَافِقُ العَقْدَ مِنَ القَبْضِ وَجَوَازَ الانْتِفَاعِ، أَوْ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ كَشَرْطِهِ أَنْ لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ الهَرِيسَةَ، وَهَذَا اسْتُثْنِي بِالقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَّازاً أَوْ كَاتِباً وَكُلُّ وَصْفٍ مَقْصُودٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل التَّعرض لأقسام الشُّروط الَّتِي لا تفسد العقد بعد ما
стр. 1770
تقدم ذكره، والأصحاب قد ضبطوا صحيح الشروط وفاسدها في تفسير هو كالترجمة، والتفاصيل مذكورة في مواضعها، قالوا: الشرط ينقسم إلى ما يقتضيه مطلق العقد، إلى ما لا يقتضيه، فالأول كالقبض وجواز الانتفاع والرد بالعيب ونحوها، فلا يضر التعرُّض لها ولا ينفع.
والثاني: ينقسم إلى ما يتعلّق بمصلحة العَقْد وإلى ما لا يَتَعَلَّق، فالأول قد يتعلق بالثمن كَشَرْط الرَّهْن والكفيل، وقد يتعلّق بالمثمن كشرط أن يكون العبد خَبَّازاً أو كاتباً، وقد يتعلّق بالطَّرفين كشرط الخَباز، فهذه الشُّروط لا تفسد العَقْد وتصح في نفسها.
والثاني: ينقسم إلى ما لا يتعلّق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، وإلى ما لا يتعلق، فالأول كشرط أن لا يأكل إلا الهَرِيسَة (١)، أَوْ لا يلبس إلا الخَزَّ وما أشبه ذلك، هذا لا يفسد العقد وَيَلْغُو في نفسه، هكذا قاله صاحب الكتاب وشيخه.
لكن في "التتمة": أنه لو شرط ما يقتضي إلزام ما ليس بلازم، كما لو باع بشرط أن يصلِّي النوافل، أو يصوم شهراً غير رمضان، أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها يفسد العقد؛ لأنه أوجب ما ليس بواجب، وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهَرِيسَة والخَزِّ أيضاً.
والثاني: كشرطه أن لا يقبض ما اشتراه، ولا يتصرف فيه بالبيع والوَطْءِ ونحوهما، وكشرط بيع آخر أو قرض وكشرطه أن لا خسارة عليه في ثمنه، يعني لو باعه وخسر في
стр. 1771
ثمنه ضمن له النُّقْصان، فهذه الشَّرَائط وأشباهها فاسدة مفسدة للبيع، إلاَّ شرط العِتْق كما مر. وقوله في الكتاب: "وهذا استثنى بالقياس"، أراد به ما سبق أن المفهوم من نهيه عن بيع وشرط دفع محذور المُنَازعة الثائرة من الاشْتِراط والعلقة الباقية بينهما بسببه، وهذا المعنى مقصود في هذه الصورة.
وأما ما يوافق مقتضى العَقْد فهو ثابت، ذكر أو لم يذكر.
وأما ما لا يتعلق به غرض فلا يتنازعان في مثله غالباً.
وأما شرط الكتابة والخبر وسائر الأوصاف المقصودة، فإنها لا تتعلق بإنشاء أمر في المستقبل، بل هي أمور حاضرة ناجزة، والظاهر أن الشَّارط لا يلتزمها إلاَّ وهي حاصلة، فإذًا هذه الشرائط وإن كانت مستثناة عن صورة اللفظ لكنها منطبقة على المَعْنَى المفهوم منه.
قال الغزالي: فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ حَامِلاً فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ لَبُوناً، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ كَشَرْطِ الكِتَابَه.
قال الرافعي: إِحْدَى مَسْألتي الفصل: أن يبيع جارية أو دابة بشرط أن تكون حاملاً، وتقدم عليها أن بيع الحمل لا يجوز لا من مالك الأم ولا من غيره لما مر في النهي عن بيع المَلاَقِيح، فإنه غير معلوم ولا مَقْدور.
ولو باع حاملاً مطلقاً دخل الحمل (١) في البيع تبعاً، وهل يقابله قسط من الثمن؟ فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ولو باع الحامل واستثنى حملها، ففي صحة البيع وجهان منقولان في "النهاية":
أحدهما: أنه يصح، كما لو باع الشَّجَرة، واستثنى الثَّمرة قبل بُدُوِّ الصَّلاحَ.
وأصحهما: وبه أجاب الجمهور: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد، فلا يجوز استثناؤه كأعضاء الحيوان، ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر، فهل لمالك الأم بيعها من مالك الحمل أو غيره؟ فيه وجهان، وكذا لو باع جارية حاملاً بِحُرٍّ.
الذي ذكره المعظم: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يدخل في البيع، فكأنه استثناه.
والثَّاني وهو اختيار الإمام وصاحب الكتاب: أنه يصح، ويكون الحمل مُسْتَثْنى شرعاً.
стр. 1772
إذا تقرر ذلك فلو باع جارية أو دابة بشرط أنها حامل، ففي صحة البيع قولان، ويقال: وجهان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا؟
فإن قلنا: لا، لم يصح شرطه.
وإن قلنا: نعم، صح، وهو الأصح، وخص بعضهم الخلاف بغير الآدَمِي، وقطع بالصِّحة في الجواري لأن الحمل في الجَواري عَيْب، فاشتراط الحمل إعلام بالعَيْب، فتصير كما لو باعها على أنها آبِقَة أو سَارِقة، ولو قال: بعتك هذه الدَّابة وحملها، ففي صحة العقد وجهان.
عن أبي زيد: أنه يصح؛ لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التَّنصيص عليه، كما لو قال: بعتك هذا الجِدَار وأَسَاسَه.
والأصح: وبه قال ابن الحَدَّاد والشيخ أبو علي: أنه لا يصح؛ لأنه جعل المَجْهول مبيعاً مع العلوم، وما لا يجوز بيعه وحده لا يجوز بيعه مقصوداً مع غيره بخلاف ما إذا باع بشرط أنها حامل، فإنه جعل الحَامِلية وصفاً تَابِعَاً، وهذا الخلاف يجري فيما إذا قال: بعتك هذه الشَّاة وما في ضرعها من اللبن.
وفي قوله: بعتك هذه الجُبَّة وحَشْوَهَا طريقان (١): منهم من طرد الخلاف، ومنهم من قطع بالجَوَاز؛ لأن الحَشْوَ داخل في الجُبَّةَ مسمى فذكره ذِكْرُ ما دخل في اللفظ، فلا يدل التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مسمى الشاة فَذِكْرُه ذِكْرُ الشيء المجهول مع المعلوم.
وإذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة، فقد قال الشيخ أبو علي في بيع الظّهَارة والبِطَانَة: في صورة الجُبَّةَ قَوْلاً تفريق الصَّفقة، وفي صورة الدابة يبطل البيع في الكُل.
والفرق أن الحشو يمكن معرفة قيمته عند العقد، والحمل واللبن لا يمكن معرفتهما حينئذ فيتعذر التوزيع.
قال الإمام: وهذا حسن؛ لكننا نُجْرِي قَوْلَي التَّفريق حيث يتعذَّر التوزيع، كما لو باع شاة وخنزيراً، أو باع حاملاً وشرط وضعها لرأس الشَّهر ونحوه لم يصح البَيْع قولاً واحداً، لأنه غير مقدور عليه قاله في "الشامل".
стр. 1773
وبيض الطير كحمل الجارية والدابة في جميع ذلك.
والمسألة الثانية: لو باع شاة بشرط أنها لَبُون، ففيه طريقان:
أحدهما: أنها على الخلاف في البيع بشرط الحَمْل.
والثاني: القطع بصحة البيع.
والفرق أن شرط الحمل يقتضي وجود الحمل عند العقد وهو غير معلوم، وشرط كونها لَبُوناً لا يقتضي وجود اللبن حينئذ، وإنما هو اشتراط صفة فيها، فكان بمثابة شرط الكتابة والخبر في العقد حتى لو شرط كون اللبن في الضرع كان بمثابة شرط الحمل، وطريقة طرد الخلاف أظهر، لأنه نص في "الأمّ" على قولين في السّلم في الشَّاة اللَّبون، إلاَّ أن قول الصحة هاهنا أَظْهَر منه في المَسْأَلة الأولى.
قوله في الكتاب: "فالأصح أنه كشرط الكتابة"، يجوز أن يريد من الطريقين.
والأولى: أن يريد من القولين جواباً على الطريقة الأولى.
واعلم أن قوله: "كشرط الكتابة" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يصح البيع بهذا الشرط، ولذا قال في شرط الحمل: "ولو شرط أنها تدر كل يوم كذا رطلاً من اللبن لم يصح البيع"؛ لأن ذلك لا ينضبط ولا يقدر عليه، فصار كما لو شرط في العبد أنه يكتب كل يوم عشرة أوراق.
ولو باع شاة لبوناً واستثنى لبنها، ففي صحة العقد وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح، كما لو استثنى الحَمْل في بيع الجَارِية، والكُسْب في بيع السِّمْسم، والحَبّ في بيع القُطْن -والله أعلم-.
وفي الشروط الصحيحة باتفاق أو على اختلاف مسائل أخر نشير إلى بعضها في هذا الموضع على الاختصار:
منها: البيع بشرط البَرَاءة من العيوب.
ومنها: بيع الثِّمَار بشرط القَطْع، وسنشرحهما -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: ما لو باع مَكيلاً أو موزوناً أَو مَذْرُوعاً، بشرط أَنْ يُكَالَ في مِكْيال معين، أو يوزن بميزان معين، أو يُذرع بذراع معين، أو شرط ذلك في الثمن، ففيه خلاف ونورده في السلم -إن شاء الله تعالى- وفي معناه تعيين رجل يتولّى الكيل والوزن.
ومنها: لو باع داراً واستثنى لنفسه سكناها، أو دابة واستثنى ظهرها، نظر إن لم يبيّن مدّة لم يصح العقد، وإن بين ففيه خلاف مذكور في الكتاب في آخر الإِجَارة.
والأصح: أنه يبطل العقد، وذهب أحمد إلى صحته.
стр. 1774
ومنها: لو شرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن، نظر إن كان مؤجلاً بطل العقد، وإن كان حالاً بني على أن البَدَاءَة في التسليم بمن، فإن جعلنا ذلك من قضايا العقد لم يضر ذكره، وإلاَّ فسد العقد.
ومنها: لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صَاعاً، فإن أراد هبة صاع أو بيعه من مَوْضِعٍ آخر فهو باطل؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت عشرة آصُعٍ أخذت تسعة دراهم فإن كانت الصيعان مجهولة لم يصح، لأنه لا يدري حصة كل صاع، وإن كانت معلومة صح، فإن كانت عشرة فقد باع صاعاً وتُسعاً بدرهم ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعاً، فإن أراد رد صاع إليه فهو فاسد؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت عشرة دراهم، فإن كانت الصِّيْعَان مجهولة لم يصح، وإن كانت معلومة صح، وإذا كانت تسعة آصُعٍ فيكون كل صاع بدرهم وتسع.
وعن صاحب "التقريب": أنه لا يصح في صورة العلم أيضاً، لأن العبارة لا تُنْبئ عن المجمل المذكور، ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، على أن أنقصك صاعاً أو أزيدك صاعاً، ولم يبيّن إحدى الجهتين فهو باطل.
ومنها: لو باع قطعة أرض على أنها مائة ذراع، فخرجت دون المائة ففيه قولان:
أحدهما: بطلان البيع؛ لأن قضية قوله: بعتك هذه الأرض أن لا يكون غيرها مبيعاً، وقضية الشرط أن لا تدخل بالزيادة في البيع، فوقع التضاد وتعذّر التصحيح.
وأظهرهما وقطع به قاطعون: أنه صحيح تغليباً للإشارة وتنزيلاً لخلف الشرط في المقدار منزلة خلفه في الصِّفات، وبهذا قال أبو حنيفة، فعلى هذا للمشتري الخيار بين الفسخ والإِجَازة، ولا يسقط خياره بأن يحطّ البائع من الثمن قدر النقصان، وإذا أجاز فيجيز بجميع الثمن قدر النقصان أو بالقسط، فيه قولان كما في تفريق الصفقة، لكن الأظهر هاهنا، أنه يجيز بجميعه؛ لأن المتناول بالإشارة تلك القِطْعَة لا غير، ولو كانت المَسْألة بحالها، وخرجت القطعة أكثر من المائة، ففي صحة البيع قولان أيضاً إن صححناه. فالمشهور: أن للبائع الخيار، فإن أجاز كانت كلها للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء. وفيه وجه آخر اختاره صاحب "التهذيب": أنه لا خيار للبائع، ويصح البيع في الكُلِّ بالثمن المسمى، وينزل شرطه منزلة ما لو شرط كون المبيع مَعِيباً فخرج سليماً لا خيار له.
فعلى المَشْهور لو قال المشتري: لا نفسخ فإني أقنع بالقدر المشروط سابقاً والزيادة لك، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان عن رواية صاحب "التقريب" وغيره:
стр. 1775
أحدهما: نعم لزوال الغبنة عن البائع.
والثاني: لا، لأن ثبوت حق المشتري على الشُّيُوع يَجُرًّ ضَرراً، وهذا أظهر، وبه قال الإمام.
ورجع ابن سُرَيجٍ الأول في جوابات الجامع الصغير" لمحمد -رحمهما الله تعالى- ولو قال: لا نفسخ حتى أزيدك في الثَّمن لما زاد لم يكن له ذلك، ولم يسقط به خيار البائع بلا خلاف، ويقاس بهذه المسألة ما إذا باع الثوب على أنه عشرة أذرع، أو القطيع على أنه عشرون رأساً، أو الصُّبْرَة على أنها ثلاثون صاعاً، وفرض نقصاناً أو زيادة. وفرق صاحب "الشامل" بين الصُّبْرَة وغيرها، فروى أن الصُّبْرَة إذا زادت على القدر المشروط يرد الفضل، وإن نقصت وأجاز المشتري يُجيز بالحصة وفيما عداها يُجِيز بجميع الثمن، لأن أجزائها تتساوى فلا يَجُزُّ التوزيع جهالة.
ومنها: لو قال لغيره: مع عبدك من زيد بألف على أن عليَّ خمسمائة، فباعه على هذا الشرط هل يصح البيع؟ فيه قولان لابن سُرَيج:
أظهرهما: لا، لأن الثَّمَن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف وعلى الآخر خمسمائة، كما لو قال: ألق متاعك في البَحْر على أن عليّ كذا.
قال الغزالي: وَمَهْمَا فَسَدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَسَدَ بفَسَادِهَا العَقْدُ، وَالأَصَحُّ أَنَّ شَرْطَ نَفْي خِيَارِ المَجْلِسِ وَالرُّؤْيَةِ فَاسِدٌ.
قال الرافعي: ما يصح من البَيْوع لولا الشرط إذا ضم إليه شرط لم يخل ذلك الشرط، إِمَّا أن يكون صحيحاً أو فاسداً، فإن كان صحيحاً فالعقد صحيح لا محالة، وإن كان فاسدا فلا يخلو، إما أن يكون شيئاً لا يفرد بالعقد، وإما أن يكون شيئاً يفرد بالعقد، فإن كان الأول نظر إن لم يتعلق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، فلا يؤثر ذلك في العقد على ما سبق.
قال الإمام: ومن هذا القبيل ما إذا عين الشُّهود لتوثيق الثمن، وقلنا: إنهم لا يتعينون فلا يفسد به العقد؛ لأنا إذا ألغينا تَعْيين الشُّهود فقد أخرجناه، عن أن يكون من مقاصد العقد، وإن تعلّق به غرض فسد العقد بفساده للنهي عن بيع وشرط (١)، ولأنه يفضي إلى المُنَازعة، ولأنه يوجب الجَهْل بالعِوَض، وكل ذلك قد تقدم.
стр. 1776
وعن أبي ثَوْرٍ رواية قول: أن فساد الشرط لا يتعدى إلى فساد العقد بحال، لقصّة بريرة، فإنه ﷺ أنكر على الشرط وأبطله ولم يفسد العقد. وإن كان مما يفرد بعقد كالرهن والكفيل، فهل يفسد البيع بشرطهما على نعت الفساد؟ فيه قولان:
أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: نعم كسائر الشروط الفاسدة.
والثاني: وبه قال المُزَنِيُّ: لا؛ لأنه يجوز إفراده عن البيع، فلا يوجب فساده فساد البيع كالصداق في النِّكَاح لا يوجب فساده فساد النكاح.
إذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ومهما فسدت هذه الشرائط فسد بفسادها العقد" غير مجرى على إطلاقه.
وأما قوله: "والأصح أن شرط نفي خيار المجلس والرؤية فاسد"، فلا يخفى أنه ليس له كبير تعلّق بهذا الموضع.
ثم فقهه أنه إذا باع شيئاً بشرط نفي خيار المجلس وقبله المشتري، هل يصح هذا الشرط؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه يصح لقوله ﷺ : "المُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ" (١).
وأراد البيع الذي يغني عنه الخيار، واستثناه من قوله: "الخيار".
وأصحهما: أنَّه لا يَصِحُّ.
لما روي أنه ﷺ قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرا" (٢).
وهذا ما نص عليه في البُوِيطي والقديم.
وقوله: "إلاَّ بيع الخيار" المراد منه أن يقطعا الخيار بعد العقد وهو التَّخاير، وقيل: أراد إلاَّ بيعاً شرط فيه الخيار، فإن الخيار في ذلك البيع يبقى بعد التفرق، والاستثناء على هذا راجع إلى قوله: "ما لم يتفرقا".
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، إليه ذهب أبو إسحاق بعدما كان يقول بطريقة القولين.
فإن صححنا الشرط صح البيع ولزم، وإن أفسدنا الشرط، فهل يفسد البيع؟ فيه وجهان:
стр. 1777
أصحهما: نعم؛ لأنه شرط يُنَافي مقتضى العقد، فأشبه ما إِذَا قال: بِعْتُك بشرط أن لا أسلمه، وإذا سلكت سبيل الاختصار قلت في المسألة ثلاثة أقوال أو وجوه:
أصحهما: فساد الشرط والعقد جميعاً.
ولو شرط نفي خِيَار الرُّؤية على قول صحَّة بيع الغائب، فقد طرد الإمام وصاحب الكتاب فيه الخلاف، والأكثرون قطعوا بأنه فاسد مفسد.
والفرق أنه لم ير المبيع ولا عرف حاله، فنفي الخيار فيه يؤكد الغَرَر، ونفي خيار المجلس لا يمكن غَرَراً بل هو مُخِلٌّ لمقصود العقد، وإنما أثبته الشَّرْع على سبيل التَّخْفيف رفقاً بالمتعاقدين، فجاز أن لا يقدح نفيه.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن نفي خيار المجلس" أراد الأصح من الوجوه جواباً على طريقة إِثْبَات الخلاف في الصُّورتين، وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في البيع، بشرط البَرَاءة من العيوب وسيأتي من بعد.
ويتفرَّع على هذا الخلاف ما إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حُرٌّ ثُمَّ باعه بشرط نفي الخيار.
فإن قلنا: البيع باطل أو قلنا: الشرط أيضاً صحيح لم يعتق.
أما على التقدير الأول، فلأن اسم المبيع يقع على الصحيح ولم يوجد.
وأما على الثاني، فلأن ملكه قد زال والعقد قد لزم، ولا سبيل إلى إعتاق ملك الغير. وإن قلنا: إن العقد صحيح والشرط فاسد عتق لبقاء الخِيَار ونفوذ العِتْق من البائع في زمن الخيار. وعند أَبِي حَنِيفة، ومالك؛ لا يعتق إلاّ أن يبيع بشرط الخيار، لأن خيار المجلس غير ثابت عندهما.
قال الغزالي: وَالعَقْدُ الفَاسِدُ لاَ يُفِيدُ المِلْكَ (ح) وَإِنْ اتَّصَلَ القَبْضُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةٌ فَوَطِئَهَا وَجَبَ المَهْرُ وَثَبَتَ النَّسَبُ لِلشُّبْهَةِ، وَالوَلَدُ حُرٌّ.
قال الرافعي: إذا اشترى شيئاً شراء فاسداً بشرط فاسد أو بسبب آخر، ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، وبه قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن اشترى مَا لاَ قيمة له كالدّم والمَيْتة فالحكم كذلك، فإن اشتراه بشرط فاسد، وبما له قيمة في الجملة كالخَمْر والخِنْزِير، ثم قبض المبيع بإذن البائع ملكه ونفذ تصرفه فيه، لكن للبائع أن يستردّه بجميع زوائده، ولو تلف في يده أو زال ملكه عنه ببيع أو هِبَة أو إِعْتَاق فعليه قيمته، إلاَّ أن يشتري عبداً بشرط العتق، فإنه قال: يفسد العقد، وإذا تلف في يده فعليه الثمن.
стр. 1778
لنا أنه بيع مسترد بزوائده المُتَّصلة والمُنْفصِلة فلا يثبت الملك فيه للمشتري، كما لو أشترى بدم أو ميتة.
إذ تَقَرَّرَ ذلك فعلى المُشْتَرِي رَدُّ المقبوض بالبيع الفاسد ومؤنة رده كالمَغْصُوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن، ولا يتقدم به على الغُرَمَاء خلافاً لأبي حنيفة في المسألتين. وحكى القاضي ابن كَجٍّ مثله وجهاً عن الإصْطَخْري، ونقل القاضي حسين عن نَصِّ الشَّافعي ﵁ جواز الحبس، والَظاهر الأول، ويلزمه أُجْرة المِثْل للمدة التي كان في يد سواء استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده أو بقيت في يده، فعليه أَرْشُ النُّقْصان، وإن تلف فعليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التَّلف كالمغصوب؛ لأنه مخاطب كل لحظة من جهة الشرع برده.
وفيه وجه آخر: أنه تعتبر قيمته يوم التَّلَف كالعَارِيَة.
وعن الصَّيْدَلاَنِيّ، وغيره حكاية وجه ثالث: أنه يعتبر قيمته يوم القبض، وقد يعبر عن هذا الخلاف بالأقوال.
وما حدث في يده من الزوائد المُنْفصلة كالولد والثَّمرة، والمُتّصلة كتعلّم الحِرْفة، والسِّمن مضمون عليه كزوائد المغصوب وفيه وجه: أنه لا يضمن الزيادة عند التلف.
ولو أَنْفق على العبد المبيع مدة لم يرجع بها على البائع، إن كان عالماً بفساد البيع، فإن كان جاهلاً فعن الصَّبْعَرِي أنه على وجهين:
ولو كان المبيع جَارِية فَوَطِئَهَا المشتري، فإن كانا جاهلين فلا حَدَّ ويجب المَهْر، وإن كانا عالمين وجب الحَدّ.
وإن اشتراها بميتة أو دم أو خمر أو بشرط فاسد لم يجب لاختلاف العلماء كالوَطْءِ في النِّكَاح بلا ولي ونحوه.
قال الإمام: ويجوز أن يقال: يجب الحد، لأن أبا حنيفة لا يبيح الوطء، وإن كان يثبت الملك بخلاف الوَطْء في النكاح بلا ولي.
وإذا لم يجب الحَدّ يجب المَهْر، ولا عبرة بالإذن الذي يتضمنه التمليك الفاسد، وإن كانت بِكراً وجب مع مهر البِكْر أرْش البكارة.
أما: مَهْر البكر فللاستمتاع بها.
وأما الأَرْش فَلإتْلاف ذلك الجزء.
ولو استولدها فالولد حُرٌّ للشُّبْهَة، وعليه قيمته إن خرج حيّاً باعتبار يوم الوضع، وتستقر القيمة عليه بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها، فخرجت مستحقّة يغرم قيمة
стр. 1779
الولد ويرجع على البائع لأنه غره، ثم الجارية لا تصير أم ولد في الحال، فإن ملكها يوماً من الدهر ففيه قولان: وإن دخل على الأم نقض بالحمل، أو الوضع وجب الأرش، وإن خرج الولد ميتاً فلا قيمة، لكن إن سقط بجناية جان وجبت الغرّة على عَاقِلَةِ الجَانِي، وعلى المشتري أقلّ الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة والغُرّة، ويطالب به المالك من شاء من الجاني والمشتري، ولو ماتت في الطَّلْق لزمه قيمتها، وكذلك لو وطئ أَمَةَ الغَيْر بالشُّبهة فأحبلها فماتت في الطَّلْق، وهذه الصورة وأخواتها مذكورة في "باب الرَّهْن" في الكتاب، وسنقف على شرحها إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
ولو اشترى شيئاً فاسداً ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن حصل في يد الثاني فعليه رده إلى المالك، فإن تلف في يده نظر إن كانت قيمته في يديهما سواء، أو كانت في الثاني أكثر رجع المالك بالجميع على من شاء منهما، والقرار على الثاني لحصول التلف في يده، وإن كانت القيمة في يد الأول أكثر، فضمان النقصان على الأول، يرجع به على أيهما شاء، والقرار على الثَّاني لحصول التَّلَفِ في يده، وكل نقص حدث في يد الأوَّل لا يكون الثَّاني مطالباً به، وكل نقص حدث في يد الثَّاني يكون الأول مطالباً به ويرجع على الثاني، وكذلك حكم أُجْرة المِثْل والله أعلم هنا.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْقَلِبُ العَقْدُ صَحِيحاً، بِخِلاَفِ الشَّرْطِ وإنْ كَانَ فِي المَجْلِسِ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ أَجَلٍ (ح) وَخِيَارٍ وَزِيَادةِ ثَمَنٍ (ح) وَمثَمَّنٍ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ، وَالأقْيَسُ مَنْعُهُ أَيْضاً في حَالَةِ الجَوَازِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على مسألتين:
إحداهما: لو فسد البَيْع بشرط فاسد ثم حذفا الشرط لم ينقلب العقد صحيحاً، سواء كان الحَذْف في المجلس أو بعده.
وعن أبي حنيفة أنه إن كان الحَذْف في المجلس انعقد صحيحاً، ولنا مثله وجه نذكره بما فيه في "كتاب السّلم" -إن شاء الله تعالى-.
واحتج الأصحاب بأن العَقْد الفاسد لا عبرة به، فلا يكون لمجلسه حكم بخلاف العقد الصحيح.
الثانية: لو زاد في الثَّمن أو المثمن، أو زاد شرط الخيار أو الأجل، أو قدرهما نظر إن كان ذلك بعد لزوم العقد لم يلتحق بالعقد؛ لأن زيادة الثَّمن لو التحقت بالعقد، لوجبت على الشَّفيع كأصل الثَّمن ولا يجب، وكذا الحكم عندنا في رأس المَال السلم والمسلم فيه والصَّداق وغيرها، وكذا الحَطُّ عندنا لا يلتحق بالعَقْد، حتى يأخذ الشفيع
стр. 1780
بما سمى في العقد لا بما بقي بعد الحَطْ. وعند أبي حنيفة: الزيادة في المثمّن والصَّدَاق ورأس المال السّلم تلزم، وكذا في الثَّمن إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فله مع أصحابه اختلاف فيه، ولا يثبت في المسلم فيه على المشهور، وشرط الأجل يلتحق بالعَقْد في الثمن والأجرة والصداق وسائر الأعواض، قال: وأما الحطُّ فإن الحط نقص يلتحق بالعقد دون حَطِّ الكل.
وإن كانت هذه الإِلْحَاقات قبل لزوم العقد، فإن كانت في مجلس العقد أوْ فِي زمان الخيار المشروط ففيه أوجه:
أحدها: أنها لا تلتحق لتمام العقد كما بعد اللّزوم، وهذا أقيس عند صاحب الكتاب، وفي "التتمة" أنه الصحيح.
والثاني عن أبي زيد والقَفَّال: أنها تلتحق في خيار المجلس دون خيار الشَّرْط؛ لأن مجلس العقد كنفس العقد، ألا ترى أنه يصلح لتعيين رأس مال السلم والعوض في عقد الصرف بخلاف زمان الخيار المشروط؟
وأصحهما عند الأكثرين: أنها تلتحق إمَّا في مجلس العقد فلما ذكرنا، وإمَّا في زمان الخيار المشروط فلأنه في معناه من حيث إن العقد غير مستقر بعد، والزيادة قد يحتاج إليها لتقرير العَقْد، فإن زيادة العوض من أحدهما، تدعو الآخر إلى إمضاء العقد، ويؤيد هذا الوجه أن الشافعي ﵁ نص في كتاب "السلم"؛ أنه لو أطلق السلم ثم ذكر الأجل قبل التَّفريق صح ولزم، ثم هذا الجواب مطلق أم هو مخصوص ببعض الأقوال في الملك في زمن الخيار؟
اختار العراقيون أنه مطلق، وحكوا عن أبي علي الطَّبَرِي أنه مفرع على قولنا: إن الملك في زمان الخِيَار للبائع.
فأما إذا قلنا: إنه للمشتري، أو قلنا: إنه موقوف وأمضينا العقد لم يلتحق بما بعد اللزوم.
وإن قلنا: إنه موقوف واتفق الفسخ فَلْيَلْتَحِقْ ويرتفع بارتفاع العقد، وهذا ما اختاره الشَّيْخ أبو علي، ووجهه بأنَّا إذا قلنا: إن الملك للمشتري فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من المثمن، وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض، وحينئذ يمتنع الحكم بلزومهما وهو تابعه صاحب "التهذيب" وغيره على ما اختاره.
وإذا قلنا: إنها تلتحق، فالزيادة تجب على الشَّفيع كما تجب على المشتري، وفي الحطِّ قبل اللزوم مثل هذا الخلاف، فإن التحق بالعقد انحطَّ عن الشفيع أيضاً، وعلى هذا الوجه ما يلتحق بالعقد من الشروط الفاسدة قبل انقضاء الخيار بمثابة ما لو اقترنت
стр. 1781
بالعقد في إفساده، وإن حطّ جميع الثمن كان كما لو باع بلا ثمن -والله أعلم-.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ المَنَاهِي مَا لاَ يدُلُّ عَلَى الفَسَادِ وَهُوَ كُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمجَاوَرَةِ ضَرَرِ إيَّاهُ دُونَ خَلَلِ فِي نَفْسه، وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الاحْتِكَارِ، (١) وَالتَّسْعِيرِ.
قال الرافعي: أما ترجمة القسم فقد مرَّ ما فيها في أول الباب.
وأما: فِقْهُ الفَصْل فمسألتان:
إحداهما: الاحتكار مَنْهِيٌّ عنه ثم هو مكروه أو محرَّم.
قال بعض الأصحاب: إنه مكروه.
والأصح: التحريم؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطئٌ" (٢) أَيْ: آثِمٌ.
وروي أنه ﷺ قال: "الجَالِبُ مَرْزَوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ" (٣).
وروي أيضاً "مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ وَبَرِئَ اللهُ مِنْهُ" (٤). والاحتكار: أن يشتري ذو الثروة الطعام في وقت الغلاء، ولا يدعه للضُّعَفاء ويحبسه ليبيعه منهم بأكثر عند اشْتِدَاد حاجاتهم.
ولا بَأْس بالشِّرَاء في وقت الرُّخص ليبيع في وقت الغلاء ولا أن يشتري في وقت الغلاء لنفقة نفسه وعياله، ثم لو فضل شيء فيبيعه في وقت الغلاء، ولا بأن يمسك غَلَّة ضَيْعَته ليبيع في وقت الغلاء، ولكن الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته، وهل يكون إمساكه مكروهاً؟ ذكروا فيه وجهين، وتحريم الاحتكار يختص بالأَقْوات، ومنها التَّمر والزَّبيب ولا يعم جميع الأطعمة.
стр. 1782
الثانية: لا ينبغي للإمام أن يُسَعِّر "رُوِيَ أَنَّ السِّعْرَ غَلاَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ ألْقَى رَبِّي، وَلَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلمَةٍ بدَمٍ وَلاَ مَالٍ".
وهل يجوز ذلك؟ إنْ كان في وقت الرُّخص فلا، وإن كان في وقت الغلاء فوجهان؟
أحدهما، وبه قال مالك: يجوز رِفْقاً بالضُّعفاء.
وأصحهما: أنه لا يجوز تَمْكيناً للنَّاس من التَّصرف في أموالهم؛ ولأنهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع فيشتد الأمر.
وعن أبي إسحاق: أنه لو كان يجلب الطَّعَام إلى البَلَدِ فالتَّسعير حرام، وإن كان يزرع بها وهو عند الغلاء فيها فلا يحرم.
وحيث جوزنا التَّسْعير فذلك في الأَطْعمة، ويلتحق بها عَلَف الدَّوَاب في أظهر القولين.
وإذا سَعَّر الإمام عليه فخالف استحق التَّعْزِير، وفي صحة البيع وجهان منقولان في "التتمة".
قال الغزالي: وإنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهُوَ أَنْ يَتَرَبَّصَ بِسِلْعَتِهِ اِلَي أَنْ يُغَالَي في ثَمَنِهَا فَيَفُوتَ الرِّزقُ وَالرِّبْحُ عَلَى النَّاسِ.
قال الرافعي: عن جابر وأبي هريرة ﵄ أن النّبي ﷺ قال: "لا يَبعِ حاضِرٌ لِبَادٍ" (١).
وصورته: أن يحمل البَدَوِي (٢) أو القُرَوِيّ متاعه إلى البلد، ويريد بيعه بسعر اليوم ليرجع إلى موضعه، ولا يلتزم مُؤْنَة الإقامة، فيأتيه البلدي ويقول: ضع متاعك عندي وارجع لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى من هذا السعر.
وهو مأثوم به بشروط:
أحدها: أن يكون عالماً بورود النَّهْي فيه، وهذا شرط يعم جميع المَنَاهي.
стр. 1783
وثانيها: أن يظهر من ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم يظهر إما لكبر البلد وقلة ذلك الطعام، أو لعموم وجوده أو رخص السعر فيه، ففيه وجهان:
أوفقهما لمطلق الخبر: أنه يحرم.
والثَّاني: لا؛ لأن المَعْنَى المُحَرَّم تفويت الرّفق والرِّبْح على النَّاس، وهذا المعنى لم يوجد هاهنا.
وثالثها: أن يكون المَتَاع المَجْلُوب مما تعمّ الحاجة إليه كالقُوت والأَقِط وسائر أطعمة القُرئ.
فأما ما لا يحتاج إليه إلا نادراً فلا يدخل تحت النهي، قاله في "التهذيب".
ورابعها: أن يعرض الحَضَرِي ذلك على البَدَوِي ويدعوه إليه.
فأما إذا الْتَمس البدوي منه بيعه تدريجاً، أو قصد الإقامة في البلد ليبيعه كذلك، فسأل البدوي تفويضه إليه فلا بأس به؛ لأنه لم يضر بالناس، ولاسبيل إلى مَنْعِ المالك عنه، لما فيه من الإضرار به.
ولو أن البَدَوِي اسْتَشَار الحَضَري فيما فيه حظه، فهل يرشده إلى الادِّخار والبيع على التدريج؟
حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الطيب بن سلمة، وأبي إسحاق المَرُوزِيّ: أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلاً للنصيحة.
وعن أبي حَفْص بْنِ الوَكِيل: أنه لا يرشده إليه توسيعاً على الناس.
ثم لو باع الحَضَرِي لِلْبَدَوِي عند اجتماع شرائط التحريم صح البيع وإن أثم، واحتج الشَّافعي ﵁ بما روي في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال في آخر الخبر: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضُهْمْ مِنْ بَعْضٍ".
ولولا صحة البيع، لما كان في فعله تفويت على الناس.
قال الغزالي: وإنْ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَيَكْذِبَ في سِعْرِ سِلْعَتِهِمْ فَيَشْتَرِيَهَا رَخِيصاً فَلِلْبَائِعِ الخِيَارُ إِذَا عَرَفَ كَذِبَهُ؛ لأَنَّهُ تَغرِيرٌ.
قال الرافعي: روي أنه ﷺ قال: "لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ"، وفي رواية "فَمَنْ تَلَقَّاهَا فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَقْدُمَ السُّوقَ" (١).
стр. 1784
وصورته أن يتلقى الإنسان طائفة (١) يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه منهم قبل قدوم البلد ومعرفة سعره، فيأثم إن كان عارفاً بالخبر قاصداً لتلقي الرُّكْبَان، لكن البيع صحيح، ولا خيار لهم قبل أن يقدموا ويعرفوا السِّعْر، وبعده يثبت الخِيَار إن كان الشِّرَاء بأرخص من سعر البلد، سواء أخبر كاذباً أو لم يخبر، وإن كان الشِّرَاء بسعر البلد، أو أكثر ففي ثبوت الخِيَار وجهان:
أحدهما: يثبت وبه قال الإصْطَخري وابن الوَكِيل لظاهر الخبر.
وأصحهما: لا يثبت؛ لأنه لم يوجد تَغْرِيرٌ وَخِيَانَة، وأجرى الوجهان فيما إذا ابتدأ الباعة والتمسوا منه الشراء عن علم منهم بسعر البلد أو غير علم.
ولو لم يقصد التَّلقي، بل خرج لشغل آخر من اصْطياد وغيره، فرآهم مقبلين فاشترى منهم شيئاً، فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَتَلَقَّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: نعم لشمول المعنى فعلى الأول لا خيار لهم وإن كانوا مَغْبُونِين.
وقيل: إن أخبر عن السِّعر كاذباً ثبت الخيار، وحيث ثَبَتَ الخِيَار في هذه الصورة، فهو على الفور كخيار العيب أو يمتد ثلاثة أيام، فيه وجهان كما في خيار التَّصْرِية.
أصحهما: أولهما.
ولو تلقى الرُّكْبَان، وباع منهم ما يقصدون شراءه في البلد، فهل هو كالتّلقي للشراء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النَّهي إِنَّما ورد عن الشِّرَاء.
والثَّاني: نعم؛ لما فيه من الاسْتِبْداد بالرِّفق الحاصل منهم.
وعن مالك: أن البَيْع باطل في صورة تَلَقِّي الرُّكبان، وكذلك بيع الحَاضر للبادي.
فيجوز أنْ يعلّم الفصلان بالميم إشارة إليه، وبمثله قال أحمد في بيع الحاضر للبادي. وإذا تأملت ما أوردناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ويكذب في سعر سلعتهم" ليس بشرط في ثبوت الخيار. -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَنَهيٌ عَنِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، وَهُوَ بَعْدَ قَرَارِ الثَّمَنِ وَقَبْلَ العَقْدِ، وَنَهْيٌ
стр. 1785
عَنِ البَيْعِ عَلَى البَيْعِ، وَهُوَ بَعْدَ العَقْدِ وَقَبْلَ اللُّزوُمِ، وَنَهْيٌ عَنِ النَّجَشِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَع قِيمَةَ السِّلْعَةِ وَهُوَ غَيْرُ رَاغِبٍ فِيهَا لِيَخْدَع المُشْتَرِيَ بالتَّرْغِيبِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في ثلاثة من المَنَاهي في البيع:
أحدها: روي عن ابْن عمر وأبي هريرة ﵃ أن النّبي ﷺ قال: "لاَ يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" (١).
وصورته: أن يأخذ شيئاً ليشتريه، فيجيء غيره إليه ويقول: ردَّه حتى أبيع منك خيراً منه بأرخص، أو يقول لمالكه: استرده لأشتريه منك بأكثر، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن.
فأما ما يطاف به فيمن يزيد وطلبه طالب، فلغيره الدخول عليه والزيادة في الثمن.
روي "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَى عَلَى قَدَحٍ، وَجَلَسَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَم، ثُمَّ قَالَ آخَرُهُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "هُمَا لَكَ بِدِرْهَمَيْنِ" (٢).
وإنما يحرم إذا حصل التَّرَاضي صريحاً، فإن جرى ما يدل على الرِّضَا، ففي تحريم السَّوْم على سَوْم الغَيْرِ وجهان كالقولين في تحريم الخِطْبة في نظيره.
والجديد: أنه لا يحرم.
وهل السكوت من أدلة الرِّضا إذا لم يقترن به ما يشعر بالإنكار.
فأما في الخطبة فنعم.
وأما هاهنا قال الأكثرون: لا. بل هو كالتَّصريح بالرد، وعن بعضهم: أنه كما في الخِطْبة حتى يخرج علي الخلاف.
وثانيها: عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ" (٣).
وصورته: أن يشتري الرجل شيئاً، فيدعوه غيره إلى الفَسْخ ليبيعه خيراً منه
стр. 1786
بأرخص، وفي معناه الشراء على الشراء، وهو أن يدعو البائع إلى الفسخ ليشتريه منه بأكثر. ولا شك أن ذلك إنَّمَا يكون عند إمكان الفسخ.
ثم الشافعي ﵁ صوره فيما إذا كان المُتَبَايعان في مجلس العقد بعد، وعليه جرى كثير من الشارحين، ونقلوا عن أبي حنيفة أن المراد من البيع على البيع هو السَّوْم؛ لأن عنده خيار المجلس لا يثبت، فلا يتصور البيع على البيع.
وقال قائلون: مُدَّة الخِيَار المشروط كزمان المجلس، وهذا هو الوجه.
وقوله في الكتاب: "وقيل: اللزوم" يبطل الخيارين جميعاً.
وشرط القاضي ابن كَجٍّ لتحريم البيع على البيع شرطاً، وهو أن لا يكون المشتري مَغْبُوناً غبناً مفرطاً، فإن كان فله أن يعرفه ويبيع على بيعه، لأنه ضرب من النَّصيحة.
قالوا: ولو أَذِنَ البائع في البيع على بيعه، ارتفع التحريم خلافاً لبعض الأصحاب.
وثالثها: عن ابن عمر "أَنْ النَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ النَّجَشِ" (١).
وصورته: أن يزيد في ثمن السِّلْعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها ليخدع الناس ويرغبهم فيها فهو محرم؛ لما فيه من الخديعة، لكن لو انخدع إنسان واشتراها صح العقد، ولا خيار له إن لم يكن ما فعله النَّاجش عن مُوَاطَاَة البائع، وإن كان عن مواطأته فوجهان:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنه يثبت الخيار لِلتَّدْلِيس كما في التَّصْرَية.
وأشبههما عند الأئمة، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا خيار؛ لأن التفريط من جهته حيث اغتَرَّ بقوله ولم يحتط بالبحث عن ثقات أهل الخبرة، وتخالف سورة التَّصرية إذ لا تفريط من المشتري.
وقد حكى صاحب الكتاب هذين الوجهين في فصول خيار النَّقيصة، وجعل وجه ثبوت الخيار أقيس.
ولو قال البائع: أعطيْتُ بهذه السِّلْعة كذا، فصدّقه المشتري واشتراه ثم بَانَ خلافه، فإن ابن الصَّبَّاغ خَرَّج ثبوت الخيار له على هذين الوجهين.
وعن مالك: أن شراء المُنْخَدع في صورة النَّجَش غير صحيح، وهو رواية عن أحمد ضعيفة.
واعلم: أن الشافعي ﵁ أطلق القول في "المختصر" بَتَعْصِية
стр. 1787
الناجش، وشرط في تَعْصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالماً بالحديث الوارد فيه.
قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أَحَدٍ، ومعلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يكن يعلم هذا الخبر بخصومه، والبيع على بيع الأخ إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه مَنْ لا يعرف الخبر (١).
وذكر بعضهم: أن تحريم الخِدَاع يعرف بالعَقْل وإن لم يرد شَرْع.
ولك أن تقول: كما أن النَّجَش خديعة فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما أن تحريم النَّجَش يعرف من الأَلفاظ العامة في تحريم الخِدَاع، فكذلك تحريم البَيْع على البَيْع يعرف من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار، وإن لم يعلم الخبر الوارد فيه بخصومه.
وأما الكلام الثاني فليس معتقدنا، ومن قال به فقد يَطْرُدُه في الإِضْرار.
والوجه: توقيف المَعْصِية على مطلق معرفة الحُرْمة، إمَّا من عموم أو من خصوص.
قال الغزالي: وَنَهْيٌ أَنْ تُولَهَ وَالدَةٌ بِوَلَدِهَا وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ، فَإِنْ فُرِّق بَيْنَهُمَا بِالبَيْعِ فَفِي فَسَادِ الَبيْعِ قَوْلاَنِ، لأَنَّ التَّسْلَيمَ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.
قال الرافعي: عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لاَ تُولَهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا" (٢).
وعن أبي أيوب ﵁ أنه ﷺ قال: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَولَدهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).
وعن عبادة بن الصَّامت ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، قِيلَ إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلاَمُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ" (٤).
فهذه الأخبار ونحوها عَرَّفتنا تحريم التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع
стр. 1788
والقِسْمة والهِبَة وغيرها، ولا يحرم التّفريق في الْعِتق، ولا في الوصية، فلعل الموت يكون بعد انْقضاء زمان التحريم. وفي الرد بالعيب اختلاف للأصحاب، وعن الشيخ أبي إسحاق الشِّيْرَازِيّ: أنه لو اشترى جَارِيَة وولدها الصغير، ثم تَفَاسخا البيع في أحدهما جاز، وحكم التّفريق في الرهن مذكور في "كتاب الرَّهْن" (١).
وإذا فرق بينهما بالبيع والهِبَة ففي الصحة قولان: أحدهما: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النهي لما فيه من الإضرار لا يحلل في نفس البيع.
وأصحهما: المنع؛ لما روي عن علي ﵁ أنه "فَرَّق بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلكَ وَرَدَّ الْبَيْعَ (٢) ".
ولأن التسليم تفريق محرم فيكون كالمتعذر، لما مر أن العجز قد يكون حِسِّياً وقد يكون شَرْعياً. وحكى أبو الفرج البَزَّازُ أن القولين فيما إذا كان التفريق بعد سقي الأم ولدها اللّباء، فأما قبله فلا صحة جزماً؛ لأنه تسبب إلى هلاك الولد، إلى متى يَمْتدُّ تحريم التفريق؟ فيه قولان: أحدهما: إلى البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لخبر عبادة.
وأظهرهما: وهو الذي نقله المزني: أنه إلى سنِّ التَّمْيِيز، وهو سبع أو ثمان على التَّقريب، لأنه حينئذ يستغنى عن التَّعَهُّد والحَضَانة، ويقرب من هذا مذهب مالك، فإن عنده يمتد التحريم إلى وقت سقوط الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وذلك في الصغر" يوافق القول الأول لفظاً، ويكره التفريق بعد البلوغ، ولكن لو فرق بالبيع أو الهبة صح خلافاً لأحمد.
ولو كانت الأم رقيقة والولد حُرّاً، وبالعكس فلا مَنْعَ من بَيْعِ الرَّقيق ذكره في "التَّتمة"، والتَّفْريق بين البَهِيمة وولدها بعد استغنائه عن اللّبن جائز.
وعن الصَّيْمَرِي حكاية وجه آخر (٣).
وهل الجدّة والأب وسائر المحارم كالأم في تحريم التَّفْريق؟ هذه الصُّورة مذكورة
стр. 1789
في كتاب السِّير وسنأتي في الشرح عليها -إن شاء الله تعالى - والآن نختم الباب بذكر أنواع أخر ورد النهي عنها.
منها: ما هو مِنَ القسم الأول. ومنها: ما هو من القسم الثاني، فما هو من القبيل الأول بيع المُحَاقَلَة والمُزَايَنَة وسنذكرهما. ومنها: ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجَرِ" (١). وفسره أبو عبيدة بما في الرحم. وقيل: وهو الزِّنَا. وقيل: للحاملة والزَّان.
ومنها: ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْيَانِ" (٢) ويقال له: العَرْبُون أيضاً، وصورته: أن يشتري سلعة من غيره، ويدفع إليه دراهم على أنه إن أخذ السّلْعة فهي من الثمن، وإلاَّ فهي للمدفوع إليه مجاناً، وتفسر أيضاً بأن تدفع الدراهم إلى صانع ليعمل له ما يريده من خاتم يصوغه، أو خف يخرزه أو ثوب ينسجه على أنه إن رضيه فالمَدْفُوع من الثمن، وإلاَّ لم يسترده منه وهما متقاربان.
ومنها: ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ" (٣). وله تفسيران: أحدهما: أن يبيع ثمرة النَّخْل سِنين.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذه السنة على أنه إذا انقضت السَّنة فلا بيع بيننا، فأردُّ أنا الثمن، وترد أنت المبيع. ومنها: ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ" (٤). وهو البيع بشرط القرض وقد مر. ومنها: ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الهِرَّةِ" (٥).
قال القفال: أراد الهِرّة الوَحْشِيّة، إذ ليس فيها منفعة اسْتِئنَاس ولا غيره.
ومنها: بيع السِّلاح من أهل الحرب لا يصح، لأنه لاَ يُرَاد إلا للقتال، فيكون بيعه منهم تقوية لهم على قتال المسلمين، ويجوز بيع الحديد منهم؛ لأنه لا يتعين لِلسِّلاح.
ومنها: ما روي "أنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يُفْرَكَ" (٦).
"وَرُوِيَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، "وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ
стр. 1790
الْعَاهَةِ" (١). وسيأتي القول فيها -إن شاء الله تعالى- ومما هو من قبيل القسم الثَّاني بيع الرطب والعنب ممن يتوهم أنه يتخذ منهما النَّبيذ والخمر مكروه (٢)، وإن تحقَّق فمنهم من قال: مكروه ومنهم من قال: حرام، وعلى التقديرين فلو باع صح (٣)، خلافاً لمالك، وكذا بيع السِّلاحَ من البُغَاة وقُطَّاع الطريق مكروه لكنه صحيح، ويكره مبايعة من اشتملت يده على الحلال والحرام، سواء كان الحلال أكثر أو بالعكس، ولو بايعه لم يحكم بالفساد (٤). وعن مالك أن مبايعة من أكثر ماله حرام باطل.
وليس من المَنَاهي بيع العِيْنَة (٥)، وهي أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه