← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

المسألة الثَّانية: لو رأى بعض الثّوب المبيع، وبعضه الآخر في صندوق أو جراب لم يكره. فقد حكى المزني عن نصه أن البيع باطل، ورأى كونه مقطوعاً به واحتج به لاختياره بطلان بيع الغائب، وقال: إذا بطل بيع ما لم ير بعضه، فلأن يبطل بيع ما لم ير كله كان أَوْلَى. وللأصحاب في المَسْأَلَةِ طريقان: فقال قائلون منهم أبو إسحاق: المسألة على قولين، كَما لو لم يَرَ شَيْئاً منه، وحيث أجاب الشافعي ﵁ بالبطلان، أجاب على أحد القولين في بيع الغائب، والاقتضاء على أحد القولين في بعض الصور لا يستبدع، ألا ترى أنه اقتصر على قول التصحيح في كثير من المواضع؟ وسلم آخرون منهم صاحب "الإفصاح" أبو علي ما قرره المُزَنِيُّ من الجَزْمِ بالبطلان، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أنَّ ما نظر إلى بعضه بسهل النَّظَر إلى باقيه بخلاف الغَائِب فقد يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه. والثَّاني: أَنَّ الرؤية فيما يراه سبب اللُّزُوم وعدمها فيما لم ير سبب الجواز والعقد واحد، لا يتصور إثبات الجواز واللزوم فيه مَعَاً ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين. قال جمهور الأئمة: والصحيح الطريقة الأولى والفرقان فاسدان، أما الأول فلأنا على قول تجويز بيع الغَائِب نجوِّز بيع ما في الكم مع سهولة إخراجه، وأما الثَّاني فلأن وجود سبب الرَّدِّ في البعضَ يكفي في رَدِّ الكل كما إذا وجد ببعض المبيع عيباً. وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن ما اقتصر على ذكره في الكتاب تفريعاً على هذا القول غير ما هو الصحيح عند الجمهور. هذا أكله فيما إذا كان المبيع شيئاً واحداً، أما إذا كان المَبِيعُ شيئين، ورأى أحدهما دون الآخر، فإن أبطلنا شراء الغَائب، لم يصحَّ المبيع فيما لم يره، وفيما رآه قولاً تفريق الصَّفقة، فإن صححنا شراء الغائب ففي صحّة العقد فيهما قولان؛ لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم، لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححنا فله رد ما لم يكره وإِمْسَاك ما رآه. المسألة الثالثة: إذا لم نشترط الرُّؤية فلا بد من ذكر جِنْسِ المبيع بأن يقول: بعتك عبدي أو فرسي ولا يكفي قوله: بعتك ما في كُمِّي أو كَفِّي أَو خزَانَتِي أو ما ورثته من أبي إذا لم يعرفه المشتري هذا ظاهر المذهب. وحكى الإمام وجهاً: أنه يصح وإن لم يذكر الجنس؛ لأن المَرْعى على القول الذي عليه يفرع أن يكون المبيع معيناً، والجَهَالَة لا تزول بذكر الجِنْس فلا معنى لاشتراطه، فعلى هذا لا يشترط ذكر النوع بطريق الأولى.

стр. 1717

وعلى قولنا: إنه يشترط ذكر الجنس، فالظاهر أنه لا بد من ذكر النوع أيضاً، بأن يقول: عبدي التُّركي، أو فرسي العَرَبِيّ. وأوهم الإمام خلافاً فيه، فقال: لم يشترط أصحاب القفال ذلك واشترطه العراقيون، وربما أشعر قوله في الكتاب: "ما لم يذكر الجنس" بالاكْتِفاء بذكر الجنس والاسْتِغْنَاء عن ذكر النوع أيضاً، وإذا جرينا على الظاهر، فلو كان له عبدان من النوع المذكور فلا بد من أن يزيد ما يقع به التمييز من التعرض للسِّن أو غيرها، وإن لم يكن إلا واحد فوجهان: أصحهما وبه قال أبو حنيفة، ويحكى عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يكفي ذكر الجنس والنوع، ولا يجب التعرض للصفات، لأن الخيار ثابت والاستدراك حاصل به، فلا حاجة إلى الوصف. والثاني: وبه قال مالك: أنه لا بد من التعرض إلى الصفات، وعلى هذا فوجهان: أحدهما وبه قال أبو علي الطَّبَرِيّ: أنه يشترط ذكر صفات السّلم، لأنه مبيع غير مشاهد فاعتبر فيه التعرض للصفات كالمسلم فيه، وهذا مذهب أحمد. وأقربهما وبه قال القاضي أبو حامد: أنه يكفي التَّعرض لمعظم الصِّفات، وضبط ذلك بما يوصف المُدّعي به عند القاضي. المسألة الرابعة إذا قلنا: لا بد من الوصف فوصف، نظر إنْ وجده على ما وصفه ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما: لا يثبت، وبه قال أحمد بسلامة المَعْقُود عليه بصفاته، ويحكى هذا عن القاضي الحُسَيْن. وأصحهما وبه قطع قاطعون: أنه يثبت لما سبق من الخير. وإن وجده دونما وصفه فله الخيار لا محالة، وإن قلنا: لا حاجة إلى الوضف فللمشتري الخيار عند الرؤية سواء شرطه أو لم يشرطه وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن أبا الحُسَيْنِ حكى عن بعض أصحابنا: أنه لا بد من اشْتِرَاط خيار الرُّؤْية حتى يثبت، وهل له الخيار قبل الرؤية؟ أما الإِجَازة فظاهر المذهب أنها لا تنفذ؛ لأن الإجازة رضاً بالعقد وإلزام له، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وأنه جاهل بحاله، ولو كفى قوله: أجزت مع الجهل لأغنى قوله في الابتداء: اشتريت. وحكى في "التتمة" وجهاً: أنه ينفذ تخريجاً من تصحيح الشَّرط، إذا اشترى بشرط أن لا خيار وأما الفسخ، فإن نفذنا الإِجازة فالفسخ أولى، وإن لم ننفذ الإجارة، ففي الفسخ وجهان:

стр. 1718

أحدهما: أنه لا ينفذ أيضاً؛ لأن الخيار في الخبر منوط بالرؤية. وأصحهما: أنه ينفذ؛ لأن حتى الفسخ ثابت له عند الرؤية مغْبُوطاً كان أو مَغْبُوناً، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه، وإذا كان البائع قد رأى المَبيع، فهل يثبت له الخِيَار كما يثبت للمشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كخِيَار المَجْلس يشتركان فيه. وأصحهما: لا، وهو نصه في الصَّرف، ولأنه أحد المُتَبَايعين، فلا يثبت له الخيار مع تقدم الرؤية كالمشتري. ولو باع ما لم يكره وصححنا العقد، فهل يثبت الخيار له؟ فيه وجهان: أصحهما: عند المَرَاوِزَة وبه قال أبو حنيفة: لا، لأن جانب البائع بعيد عن الخِيَار بخلاف جانب المُشْتَري، ولهذا لو باع شيئاً على أنه معيب، فَبَانَ صحيحاً لا خيار له، ولو اشتراه عَلَى أنه صحيح فَبَانَ معيبًا له الخِيَار. والثاني: يثبت، لأنه جاهل بالمَعْقُود عليه فأشبه المشتري، وهذا هو الذي أورده الشَّيْخ أَبُو حامد ومن تابعه، قالوا: والخيار كما يثبت للمشتري عند النُّقْصَان يثبت للبائع عند الزيادة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع ثَوْباً على أنه عشرة أَذْرع فَبَانَ أَحَد عشر ذراعاً يثبت للبائع الخيار؟ ثم خيار الرؤية على الفور أو يمتد امتداد مجلس الرؤية، فيه وجهان: أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور، لأنه خيار تعلّق بالاطِّلاع على حال المبيع فأشبه الرد بالعيب. والثاني: وبه قال أَبُو إِسْحَاق: أنه يمتد امتداد مَجْلِسِ الرُّؤية؛ لأنه خِيَار ثبت قضية للعقد، فتعلّق بالمجلس كخِيَار المجلس. قال صاحب "التهذيب": وهذا أصح، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على مسألة أخرى، وهي أنه هل يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية؟ وفيه وجهان: أحدهما: أنه يثبت كما يثبت في شراء الأعيان الحاضرة. والثاني: لا يثبت الاستغناء بخيار الرؤية عنه، فعلى الأول خيار الرؤية على الفور، وإلا لأثبتنا خيار مجلسين، وعلى الثاني يمتد امتداد مجلس الرؤية. وزاد الإمام ترتيباً فقال: إن أثبتنا خيار المجلس، فهذا الخيار على الفور، وإلا فوجهان. وقوله في الكتاب: "لأفيه وجه آخر" أراد الوجه الصائر إلى نفوذ الإجازة على ما أوضحه في "الوسيط" لا الوجه الصائر إلى نفوذ الفسخ، وإن كان اللفظ يحتملها فرعان: أحدهما: لو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، ففي انفساخ البيع وجهان

стр. 1719

كنظيره في خيار الشرط، ولو باعه قبل الرؤية لم يصح، بخلاف ما لو باع في زمن خيار الشرط يجوز على الأصح، لأنه يصير مجيزاً للعقد، وهاهنا لاَ إِجازة قبل الرُّؤية لما سبق. الثاني: نقل القَاضِي الرُّويَانِي وصاحب "التَّتمة" وجهاً: أنه يعتبر على قول اشْتِرَاط الرُّؤية الذَّوق في الخَلّ ونحوه، والشَّم في المِسْك ونحوه، واللَّمس في الثياب ونحوها، فإن كيفياتها المقصودة بهذه الطرق تعرف، والمشهور أنها لا تعتبر، وإنما هي ضرب انتفاع واستعمال. فرع ثالث: ذكر بعضهم: أنه لا بد من ذكر موضع المبيع، فلو كان في غير بلد التبايع وجب تسليمه في ذلك البلد، ولا يجوز شرط تسليمه في بلد التبايع، بخلاف السلم فإنه مضمون في الذِّمّة، والعَيْن الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها يكون بَيْعاً وشَرْطاً. فرع رابع: قال حجة الإسلام في "الوسيط": ووقع في الفتاوى: أنه رأى رجل ثوبين ثم سرق أحدهما فاشترى الرجل الثوب الباقي وهو لا يدري المسروق أيهما، فقلت: إن تساوت صفة الثوبين وقدرهما وقيمتهما كنصفي كِرْبَاس واحد صح العقد، فإنه اشترى مُعَيناً مرئياً مَعْلوماً، وإن اختلفا في شَيْء من ذلك، خرج على قولي بيع الغائب، لأنه ليس يدري أن المشتري منهما الطويل أو القصير مثلاً، فلم تفد الرؤية السَّابقة العلم بحال المَبِيْع عند العَقْد فلا تغنى، وهذا الذي ذكره يتأيد بأحد الرأيين فيما إذا لم يملك إلا عبداً واحداً فحضر في نفر من العبيد، فقال سَيِّده: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم وهو لا يعرف عين ذلك العبد. فرع خامس: إذا لم نَشْتَرط الرُّؤية واختلفا، فقال البائع للمشتري: قد رأيت المبيع، وقال المشتري: ما رأيته، ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول البائع، لأنه اختلاف في سبب الخيار، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب. وأظهرهما: عند أبي الحسن العبادي: أن القول قول المشتري، كما لو اختلفا في اطلاعه على العيب. هذا إذا لم نشترط الرؤية، فإن شرطناها وفرض هذا الاختلاف، فقد ذكر المصنف في فتاويه: أن القول قول البائع؛ لأن للمشتري أهْلِيّة الشراء وقد أقدم عليه، فكان ذلك اعترافاً منه بصحة العقد، ولا ينفك هذا عن الخلاف -والله أعلم-. (١)

стр. 1720

الْبَابُ الثَّانِي في الفَسَادِ بِجِهَةِ الرِّبَا " القول في باب الربا " قال الغزالي: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقَ بِالوَرِقِ وَالبُرَّ بالبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَالشَّعِيرَ بالشَّعيرِ وَالمِلْحَ بِالمِلْحِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَداً بِيَدٍ (١)، فَمَنْ بَاعَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ المَطْعُومَاتِ بِجِنْسِهِ فَلْيَرْعَ المُمَاثَلَةَ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ وَالحُلُولِ أعْنِي ضِدَّ النَّسِيئَةِ وَالتَّقَابُضِ (ح) فِي المَجْلِسِ فَإنْ بَاعَ بِغَيْرِ جنْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ إِلاَّ رِعَايَةُ المُمَاثَلَةِ فِي القَدْرِ، وَفِي مَعْنَى المَطْعُومَاتِ كُلُّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ قَصْدُ الطَّعْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراً حَتَّى السَّفَرجَلُ (و) وَالزَّعْفَرَانُ (م) وَالطِّيْنُ الأَزمَنِيٌّ (م)؛ لأَنَّ عِلَّةَ رِبَا الفَضْلِ فِيهِ الطُّعْمُ (م ح) ولكنْ فِي المُتَجَانِسَيْن، وعِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّسَإ وَوُجُوبِ التَّقَابُضِ الطَّعْمُ (م ح) فَقَطْ، وَإذَا بِيعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومِ فهُو في مَحَلِّ الحُكْم بتَحْرِيمِ النسَإِ ووَجُوبِ التَّقَابُضِ، وِعِلَّةُ الرِّبَا في النَّقْدَينِ كَوْنُهُمَا جَوْهَريُّ الأَثْمَانِ (ح) فَتَجْرِي في الحُليِّ وَالَأوَانِي المُتَّخَذَةِ مِنْهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ سَلَمُ شَيْءٍ في غَيْرِهِ إِذَا كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ في عِلَّةِ النَّقْدِيَّةِ أَوْ في الطُّعْمِ. قال الرافعي: لما كان الطَّرف الأول من الكتاب معقوداً في صحَّة البيع وفساده، وقد تكلم في الباب الأول في الأركان وشروطها، وجب النَّظر في أسباب الفَسَاد، وتارة يكون لاختلال في الأركان أو في بعض شروطها، وإذا عرفت اعتبارها عرفت أن فقدها مفسد، وتارة يكون لغيره من الأسباب، فجعل بقية أبواب الطَّرف في بيانها، فمنها الرِّبا (٢).

стр. 1721

........................

стр. 1722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1726

قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وِقال : ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وعن رسول الله ﷺ : "أَنَّهُ لَعَنَ آَكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِّلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ" (٣). والحديث الذي صدر به الباب بعض ما رواه الشافعي ﵁ "المختصر". قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار ورجل آخر، عن عبادة بن الصامت ﵃ أن النبي ﷺ قال: "لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلاَ الْوَرِقَ بالوَرِقِ، وَلاَ البُرَّ بِالْبُرِّ وَلاَ الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلاَ التَّمْرَ بالتَّمْرِ، وَلاَ الْمِلْحَ بِالْمِلحِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْناً بِعَيْنٍ يَدًا بيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرَقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، والشعير بالبر وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" قَال: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ، وَزَادَ الآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى" (٤). ذكر بعض الشارحين: أن الرجل الآخر الذي أبهم ذكره هو: عبد الله بن عبيد الله المعروف بابن هُرْمز. وقوله: "وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا التَّمْرُ أَوِ الْمِلْحُ "، يعني: أحد الرجلين، ولم يبين الَّذِي نقص منهما كأنه شك فيه، وشك أيضاً في أن ما نقصه التَّمْر أو المِلْح. وقوله: وزاد الآخر يعني الذي لم ينقص. واختلفوا في قوله: "فمن زاد أو استزاد" فمنهم من قال: هذا شك آخر من الشَّافعي ﵁، ومنهم من قال: إن النبي ﷺ قد يلفظ بهما جميعاً، وأراد بقوله: "زاد" أعطى الزيادة، وبقوله: "أو استزاد" أخذ الزيادة أو طلبها. وشبه ذلك بما روي أنه ﷺ قال: "الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي فِي النَّارِ" (٥). واعلم أن الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل: وهو زيادة أحد العِوَضَيْن على الآخر في القدر. وربا النَّساء وهو أن يبيع مالاً بمال نَسِيئَة، سمي به لاختصاص أحد العِوَضَيْن بزيادة الحُلُول. وربا اليَدِ؛ وهو أن يَقْبِض أحد العِوَضين دون الآخر، وفي الخبر ذكر ستة أشياء وهي: النَقْدَان، والمَطْعُومَات الأربعة، والحكم غير مقصور عليها باتفاق

стр. 1727

جمهور العلماء، لكن الربا ثبت فيها لمعنى، فيلحق بها ما يُشَارِكُهَا فيه. فأما الأشياء الأربعة، فللشافعي ﵁ قولان في علْة الرِّبا فيها: الجديدة: أن العلَّة هو الطعم (١)، لما روى معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلٌ بِمِثْلِ" (٢) علّق الحكم باسم الطعام، والحكم المعلّق بالاسم المشتق معلَّل بما منه الاشتقاق، كالقطعِ المعلّق باسم السارق، والجَلْد المعلق باسم الزَّاني. والقديم: أن العلة فيها الطعم، مع الكيل والوزن. واحتجوا له بما روي أن النبي ﷺ قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالبُرُّ بالبُرِّ كَيْلاً بِكَيْلِ" (٣). فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مَكِيل أو موزون، دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسَّفَرْجَلِ، والرُّمَّانِ والبَيْضِ والجُوزِ والأتْرُجِّ والنَّارِنْجِ. وعن الأَوْدَنِيِّ من أصحابنا: أنه تابع ابْنَ سِيْرينَ في أن العلّة الجنسية، حتى لا يجوز بيع مال بجنسه متفاضلاً. وقال مالك: العلة الاقْتيات، فكل ما هو قُوْت أو يستصلح به القوت يجري فيه الربا، وقصد بالقيد الثاني إدراج الملح. وقال أبو حنيفة: العلَّة الكَيْلُ حتى يثبت الرِّبَا في الجَصِّ والنُّورَةِ وسائر المكيلات. وعن أحمد روايتان: إحداهما: كقول أبي حنيفة. والأخرى: كقول الشافعي ﵁ الجديد. وإذا علّلنا بالطعم، إما مع انضمام التقدير إليه أو دونه تعدي الحكم إلى كل ما يقصد ويعد للطعم غالباً إما تَقَوُّتا أو تأدُّماً، أو تَفَكُّهاَ أو غيرها، فيدخل فيه الحُبُوب والفَوَاكِه، والبقول والتوابل وغيرها، ولا فرق بين ما تؤكل نادراً كالبَلُّوط والطَّرْثُوث (٤) أو غالباً، ولا بين أن يؤكل وحده أو مع غيره، وفي الزَّعْفَران وجهان: أصحهما: أنه يجري فيه الربا، لأن المقصود الأظهر منه الأكل تَنَعُّماً أو تَدَاوِيَا إلاَّ أنه يخلط بغيره.

стр. 1728

والثَّاني: لا يجري؛ لأنه يقصد منه الصّبْغ واللّون غالباً، وبهذا قال القاضي أبو حامد فيما حكاه ابن كَجٍّ، وأبو حيان التَّوحيدي في بعض "رسائله" ولا فرق بين ما يؤكل لِلتَّدَاوي كالإهليلج (١) والبليلج (٢) والسَّقْمُونيا (٣) وغيرهما، وبين ما يؤكل لسائر الأغراض على المَذْهَبِ. وفي "التَّتمة" حكاية وجه: أن ما يهلك كثيره، ويستعمل قليله في الأدوية كالسَّقْمُونيَا، لا يجري فيه الرِّبا. وأما الطين، فالخَرْسَانِيِّ منه ليس بربوي، لأنه لا يعد مأكولاً ويسفه آكله، وعن الشيخ أبي محمد: الميل إلى أنه رَبَوِيّ. والأَرْمَنِيّ دواء فهو كالإهليلج، وفيه وجه آخر: أنه لا ربا فيه كسائر أنواع الطين، وإلى هذا ذهب القاضي ابن كج. وفي دهن البَنَفْسَجِ والورد، واللِّبان، وجهان: أصحهما: أن فيها الربا، فإنها متخذة من السِّمْسِم المكتسب رائحة من غيره، وإنما لا تؤكل في العادة ضَنّة بها، وفي دهن الكِتَّان وجهان: أظهرهما: أنه ليس مال الربا لأنه لا يعد للأكل، ودهن السَّمك كذلك، لأنه يعد للاسْتِصْباح وتدهين السُّفن. قال الإمام: وهذا يظهر جعله مال الربا، فإنه جزء من السمك. ونقل صاحب "البيان" وجهين في حب الكِتَّان والزَّنْجَبيل، ووجهين عن الصَّيمَرِي في ماء الوَرْد، وذكر أنه لا ربا في العُود والمَصْطَكِيّ، والأَشبه أن ما سوى العُود كله ربوي (٤)، وفي كون الماء ربوياً إذا فرعنا على صحة بيعه، وثبوت الملك فيه وجهان:

стр. 1729

أصحهما: أنه ربوي. قال الشيخ أبو حامد: ومن لا يجعله ربوياً يقول: العلّة في الربويات أنها مأكولة، ومن يجعله ربوياً، يقول: العلة إنها مطعومة. والثاني أعم؛ لأن المأكولية لا تطلق في الماء والمَطْعُومِيّة تطلق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١). ولا ربا في الحَيَوان؛ لأنه لا يؤكل على هَيْئَتِهِ، نعم ما يُبَاح أكله على هيئته كالسَّمَك الصَّغير على وجه يجري فيه الربا، هكذا قاله في "التَّتمة". وحكى الإمام عن شيخه وعن صاحب "التقريب" تردداً فيه وقطع بالمنع؛ لأنه لا يعد للأكل، وأما النّقْدان فعن بعض الأصحاب: أن الربا فيهما لعينهما لا لعلة، والمشهور أن العلّة فيها صلاح التَّنمية الغالبة، وإن شئت قلت: جوهرية الأَثْمَان غالباً، والعبارتان تشملان التِّبر والمَضْرُوب والحُليّ والأواني المُتَّخذة منهما، وفي تعدّي الحكم إلى الفلوس إذا راجت حكاية وجه لحصول معنى التنمية، والأصح خلافه لانتفاء التنمية الغالبة. وقال أبو حنيفة وأحمد: العلة فيهما الوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحَدِيد، والرّصاص والقطن. لنا أنه لو كانت العلّة الوزن لتعدي الحكم إلى المعمول من الحديد والنّحاس، كما تعدى إلى المعمول من الذهب والفضة وقد سلموا أنه لا يتعدى. ولو باع التِّبْر أو المَضْرُوب بالحُلِيّ من جِنْسه وجب رعاية التَّماثل. وعن مالك ﵁ أنه يجوز أن يزيد ما يقابل الحُلِيّ بقدر قيمة الصّنْعة. إذا تقررت هذه الأصول فنقول: إذا بيع مال بمال لم يخل، إما أن لا يكونا ربويين أو يكونا ربويين. فَأمَّا في الحالة الأولى وهي تتضمَّن ما إذا لم يكن واحد منهما ربوياً، وما إذا كان

стр. 1730

أحدهما ربوياً فلا تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحلُول [ولا التَّقَابض] (١)، ولا فرق في ذلك بين أن يتَّفق الجنس أو يختلف، حتى لو أسلم ثوباً في ثوب أو ثوبين، أو باع حيواناً بحيوانين من جنسه جاز.

стр. 1731

لما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ إلَى أَجَلِ" (١). وعند أبي حنيفة: لا يجوز إسلام الشيء في جنسه. وعن مالك: يجوز عند التَّسَاوي، ولا يجوز عند التَّفاضل. وأما في الحالة الثانية: فينظر هذا ربويٌّ بِعِلّة، وذاك ربوي بعلة، أو هما ربويان بعلة واحدة. فإن اختلفت العلة لم تجب رعاية التَّمَاثل ولا الحُلُول ولا التَّقابض، ومن صور هذا القسم أن يسلم أحد النَّقْدين في البُرِّ أو يبيع الشَّعِير بالذَّهَب نقداً أو نَسِيئة. وإن اتَّفقت العلِّة، فينظر إن اتَّحد الجِنْس كما لو باع الذَّهب بالذّهب والبُرَّ بالبُرِّ، ثبت فيه أنواع الربا الثلاثة، فيجب رعاية التّماثل والحلول والتقابض في المجلس، وإن اختلف الجنس لم يثبت النوع الأول، ويثبت النوعان الباقيان. مثاله: إذا باع ذهباً بفضة أو بُراً بشعير لم تجب رعاية المماثلة، ولكن يجب رعاية الحلول والتقابض قال رسول الله ﷺ في آخر خبر عبادة: "فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، يَداً بِيَدٍ" (٢). أباح التفاضل بقوله: "كَيْفَ شِئْتُمْ" واعتبر التقابض بقوله: "يَدًا بيَدٍ"، وإذا كان التقابض معتبراً، كان الحلول معتبراً، فإنه لو جاز التأجيل لجاز تأخير التسَليم إلى مضي المدة. وعند أبي حنيفة: لا يشترط التقابض إلا في الصّرف، وهو بيع النّقد بالنّقد، وبه قال أحمد في رواية. لنا: أن النبي ﷺ ذكر النقدين وغيرهما في حديث "عبادة" في قرن واحد، ثم قال: "إِلاَّ يَداً بِيَدٍ" (٣). فسوى في اعتبار التَّقابض بين الذهب بالذهب والبر بالبر -والله أعلم-. ولنعد إلى لفظ الكتاب. قوله: "فمن باع شيئاً من هذه المَطْعُومات بجنسه ... " إلى آخره شروع منه في

стр. 1732

بيان الحكم في أحد صنفي الأموال المذكورة في الخبر وهو المَطْعُومات، ثم ما يجب رعايته في هذه المَطْعُومات يجب رعايته في سائر المطعومات كما بينه بقوله: "وفي معنى هذه المطعومات" وكذلك في النقدين. وقوله: "بِمِعْيار الشرع"، يعني الكيل والوزن على ما سيأتي ذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-. قوله: "والتقابض في المجلس" معلم بالحاء والألف لما سبق أنهما لا يعتبر أنه في المَطْعُومات، ويجوز أَنْ يعلّم بهما أيضاً. قوله: "لم يسقط إلا رعاية المُمَاثلة في القدر" وقوله: "وإن لم يكن مقدراً" قصد به التَّعرض للقول القديم، وليكن معلّماً بالواو لذلك القول، وكذلك السَّفَرْجَل، وكذا الزَّعفران، والطين الأَرْمَنِي لما حكينا فيهما. وقوله: "لأن علة ربا الفضل فيه"، أي في المَطْعُومات المذكورة في الخبر وغيرها. وقوله: "الطّعم" مُعَلّم بالميم والحاء والألف، لما سمعنا من مذاهبهم. وقوله: "ولكن في المتجانسين"، معناه أن الطّعم لا يوجب تحريم ربا الفضل على الإطلاق، ولكن بشرط تجانس العِوَضَيْن، واختلفوا في أن الجِنْسية هل هي وصف من العلة أم لا؟ فذهب الشيخ أبو حامد وطبقته إلى أنها وصف من العلة، وقالوا: العلة على القديم مركبة من ثلاثة أوصاف. وعلى الجديد من وصفين، واحترز المَرَاوِزَة من هذا الإِطْلاق. وقالوا: الجنسية شرط، ومنهم من قال: هي محل عَملِ العِلّة كالإِحْصَان بالإضافة إلى الزنا، وبهذا يشعر قوله في الكتاب: "ولكن في المتجانسين". واحتج هؤلاء بأنها لو كانت وصفاً لأفادت تحريم النسأ بمجرّدها كما أفاد الوصف الآخر وهو الطّعم تحريم النسأ بمجرده وليس كذلك، فإن الجنس بانفراده لا يحرم النسأ. وللأولين أن يمنعوا إفادة ما هو وصف، لعلّة ربا الفضل تحريم النسأ، ويقولوا: قد يفيده وقد لا يفيده، وليس تحت هذا الاختلاف كثير طائل. وقوله: "وعلة تحريم النَّسأ ووجوب التقابض الطعم فقط"، أي من غير اشتراط التَّجانس، ووجوب التقابض يتلازمان، وينحى بكل واحد منهما نحو الآخر، وقد نرى الأئمة لما بينهما من التَّقَارب يستغنون بذكر أحدهما عن الآخر. وقوله: "فإذا بِيْع مَطْعُوم بمطعوم، فهو في محل الحكم بتحريم النسأ ووجوب

стр. 1733

التقابض" أي سواء تجانسا أم لا، وهو مذكور للتَّأْكيد والإيضاح، وإلاَّ ففي قوله: "وعلة تحريم النسأ ... " إلى آخره ما يفيده. وقوله: "وعلة الربا في النّقْدين كونهما جوهري الأثمان" معلّم بالحاء والألف والواو أيضاً للوجه الصائر إلى أن الحكم فيهما غير معلل، ثم لا بُدَّ من إفادتها حرمة التَّفَاضل من الجنسية، إمَّا شرطاً أو وصفاً كما سبق، ومجرد النَّقْدية في إفادة تحريم النَّسأ ووجوب التَّقابض كمجرد الطّعم، فلذلك قال: "ولا يجوز سلم شيء في غيره إذا كانا مشتركين في علة النّقْدية أو الطعم"، فإن في السّلم يفقد التقابض وكذا الحلول غالباً. وقوله: "أو الطعم" مكرر ذكره مرة في قوله: "وعلة تحريم النَّسأ ... " إلى آخره، وأخرى في قوله: "فإذا بِيْعَ مطعوم بمطعوم ... ، إلى آخره وهذه مرة ثالثة، وقد تورث المبالغة في الإيضاح إشكالاً. فرع: حيث اعتبر التَّقَابض فلو تفرقا قبل التقابض بطل العقد، ولو تقابضا بعض كل واحد من العِوَضين ثم تفرقا بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض قولاً تفريق الصَّفقة. والتَّخَاير في المجلس قبل التَّقَابض بمثابة التَّفرق يبطل العقد خلافاً لابن سريج. ولو وكّل أحدهما وكيلاً بالقبض، وقبض قبل مفارقة الموكّل مجلس العقد جاز وإن قبض بعده فلا. آخر: بيع مال الرِّبا بجنسه مع زيادة لا يجوز إلا بتوسُّط عقد آخر. مثاله: إذا أراد بيع دراهم أو دنانير صِحاحاً بمكسرة أكثر من وزنها يبيع الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم أو بعرض، ثم إذا تقابضا وتفرقا أو تخايرا اشترى بالدراهم، أو بذلك العرض المكسرة. كما أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَامِلَ خَيْبَرَ أَنْ يَبِيعَ الجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَبْتَاعَ بِهَا جَنِيباً" (١). والجنيب هو أجود التمر، والجمع كل لون من التَّمر لا يعرف له اسم، ولا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا يتخذه عادة، خلافاً لمالك حيث قال: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز أن يتخذه عادة. ولو اشترى المكسّرة بعَرْض ماله قبل أن يقبضه لم يجز، وإن اشتراها به بعد قبضه وقبل التفرق والتّخاير. قال ابن سريج وغيره: يجوز، وهو الأصح بخلاف ما لو باعه من غير بائعه قبل التفرق والتخاير، حيث لا يجوز لما فيه من إسقاط خيار العاقد الآخر، وهاهنا يحصل بما يجري بينهما إجازة العقد الأول.

стр. 1734

وعن صاحب "التَّقْرِيب" أنه مبني على الخلاف في المِلْك في زمن الخِيَار. فإن قلنا: إنه يمنع انتقال الملك لم يجز؛ لأنه باع ما لم يملكه. فهذا وجه من الحيلة. ووجه ثان: وهو أن يقرض الصحاح من الآخر ويستقرض منه المكسرة، ثم يبرئ كل واحد منهما صاحبه. ووجه ثالث: وهو أن يهب كل واحد منهما ماله من الآخر. ووجه رابع: وهو أن يبيع الصحاح بمثل وزنها من المكسرة، ويهب صاحب المكسرة الزيادة منه، فيجوز جميع ذلك إذا لم نشرط في إقراضه وهبته وبيعه ما يفعل الآخر (١). ولو باع النصف الشائع من دينار قيمته عشرة دراهم بخمسة جاز، ويسلم إليه الكل ليحصل تسليم النصف، ويكون النصف الآخر أمانة في يده بخلاف ما لو كان له عشرة على غيره فأعطاه عشرة عدداً فوزنت فكانت إحدى عشر ديناراً كان الدِّينار الفاضل للمقبوض منه على الإِشَاعة، ويكون مضموناً عليه؛ لأنه قبض لنفسه. ثم إذا سلم الدَّراهم الخمسة فله أن يستقرضها ويشتري بها النصف الآخر، فيكون جميع الدينار له، وعليه خمسة دراهم. ولو باع الكل بعشرة وليس مع المشتري إلاَّ خمسة فدفعها إليه، واستقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن الثمن جاز، ولو استقرض الخمسة المدفوعة فوجهان: أصحهما: الجواز (٢). قال الغزالي: ثُمَّ النَّظَرُ في ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ، أَوَّلُهَا طَرَفُ المُمَاثَلَةِ، فَمَا كانَ مَكِيلاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلاَ يَجُوزُ فِيِه إِلاَّ الكَيْلُ، وَمَا كَانَ مَوْزُوناَ فَبِالْوَزْنِ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ فَالَوزْنُ فِيهِ أَحْصَرُ (ح)، وَقِيلَ: الكَيْلُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَقِيلَ: يُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ الوَقْتِ (و)، وَمَا لا يُقَدَّرُ كَالبطِّيخِ (و) فَلاَ خَلاَصَ فِيهِ عَنِ الرِّبَا إلاَّ مَالَهُ حَالَةٌ جَفَافٍ وَهُوَ حَالَةُ كمَالِهِ فَيُوزَنُ، وَالجَهلُ حَالَ العَقدِ بالممَاثلَةِ كَحَقِيقَةِ المُفَاضَلَةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ صُبْرَةِ بصُبْرَة جُزَافاً وَإِنْ خَرَجَتَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ.

стр. 1735

قال الرافعي: قد مرَّ في الفصل السابق أن المماثلة بمعيار الشرع مرعية، وأن الحكم يختلف بين أن يكون الرَّبويان متجانسين وبين إلاَّ يكونا متجانسين، وذلك يحوج إلى بيان مِعْيار الشّرع، وإلى بيان أنها في أي حالة تعتبر، وإلى معرفة التّجانس في مظانِّ الأشكال فعقد فيها ثلاثة أطراف من الكلام: أحدها: في طريق المماثلة. اعلم أن معيار الشرع الذي تراعى به المماثلة هو الكَيْل والوزن، فالمكيل لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً، ولا يضر مع الاسْتِوَاء في الكيل التفاوت في الوزن. والموزون لا يجوز ببيع بعضه ببعض كَيْلاً، ولا يضرُّ مع الاسْتواء في الوزن التَّفاوت في الكيل روي أنه ﷺ قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، وَالحِنْطَةُ بالْحِنْطَةِ كَيْلاً بِكَيْلٍ" (١). والنقدان من الأشياء السِّتة المذكورة في خَبَرِ "عُبَادة" موزونان، والأربعة المطعومة مكيلة. نعم لو كان الملح قِطَعاً كِبَاراً ففيه وجهان: أحدهما: أنه يُسْتحق ويباع كَيْلاً فإنه الأصل فيه. وأظهرهما: أنه يباع وزناً نظراً إلى ما له من الهيئة في الحال، وكذا كل شيء يتجافى في الكَيْل يباع بعضه ببعض وزناً. وكل ما كان مكيلاً بالحِجَاز على عهد رسول اللهَ ﷺ فالمعتبر فيه الكيل، وكل ما كان موزوناً فالمعتبر فيه الوزن، ولو أحدث النَّاس خلاف ذلك فلا اعتبار به. وعن أبي حنيفة: أنه يعتبر فيه غالب عادات البلدان، رواه صاحب "التهذيب". وما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ أو كان، لا يعلم أنه كان يكال أو يوزن، أو علم أنه يكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحدهما أغلب. فقد ذكر المُتَوَلِّي أنه إنْ كان أكبر جِزماً من التَّمر فالاعتبار فيه بالوزن، لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر، وإن كان مثله أو أصغر منه ففيه وجوه: أحدها: أن المعتبر فيه الوزن؛ لأنه أخصر وأقلّ تفاوتاً. والثاني: الكيل؛ لأنه أعم فإن أكثر الأشياء الستة المذكورة في الحديث مكيل، وأيضاً فإن أغلب المطعومات في عهد رسول الله ﷺ كانت مكيلاً.

стр. 1736

والثالث وهو الأشبه: أنه ينظر إلى عادة الوقت؛ لأن الشيء إذا لم يكن محدوداً في الشَّرع كان الرجوع فيه إلى عادة النَّاس كما في القبض والحِرْز، وعلى هذا فالمعتبر آية بلدة؟ عن الشيخ أبي حامد، وغيره؛ أن المعتبر عادة أكثر البلاد فإن اختلفت عاداتها ولا غالب اعتبر ذلك الشيء بأشبه الأشياء به. وذكر صاحب "المهذب" و"التهذيب" أن النظر إلى عادة بلد البيع هو الأحسن. والوجه الرابع: أنه يعتبر بأقرب الأشياء شبهاً به، كما إذا شككنا في الحيوان أنه مُسْتَطَاب أو مستخبث نلحقه بأقرب الأشياء شبهاً به. والخامس: حكاه الإمام عن شيخه: أنه تثبت الخيرة بين الكيل والوزن. ثم منهم من خَصَّص هذا الخلاف بما إذا لم يكن لِلشيء أصل معلوم المِعْيَار، أما إذا استخرج من أصل هذا حاله فهو معتبر بأصله، ومنهم من أطلق. ومما أفاده الإمام في هذا الموضع أنه لا فرق بين المِكْيال المعتاد في عصر رسول الله ﷺ وسائر المَكَاييل المحدثة بعده، كما أنا إذا عرفنا التَّسَاوي بالتَّعْديل في كفتي الميزان نكتفي به، وإن لم نعرف قدر ما في كل كَفَّة. وفي الكيل بالقَصْعة ونحوها مما لا يعتاد الكيل به حكاية تردد عن القَفْال، والظاهر الجواز والوزن بالطّيار والقَرْسَطُون وزن. وقد يتأتى الوزن بالماء بأن يوضع الشَّيء في ظَرْف ويلقى على الماء، وينظر إلى مقدار غوصه لكنه ليس وزناً شرعياً، ولا عرفياً. والظاهر: أنه لا يجوز التَّعويل في الربويات عليه (١) -والله أعلم-. هذا كله في الشَّيء المقدر يباع بجنسه. فأما ما لا يقدر بكيل ووزن كالبَطِّيخ والقِثَّاء والرُّمان والسَّفَرْجَل. فإن قلنا مثل هذا لاربا فيه جاز بيع بعضه ببعض، كيف شاء. حتى قال القَفَّال لو جُفف شيء منها، وكان يوزن في جفافه لم يجر، فيه الربا أيضاً؛ لأن أكمل أحواله حال الرطوبة، وهو ليس مال ربا في تلك الحالة. قال الإمام: والظاهر خلاف هذا، فإنه في حال الجَفَاف مطعوم مقدر. وإن قلنا: فيه الربا وهو القول الجديد وكلام الكتاب مفرع عليه فيجوز بيعه بغير

стр. 1737

جنسه كيف شاء. وأما بجنسه، فينظر فإن كان مما يجفف كالبَطِّيخ الذي تفلق وحبّ الرُّمَّان الحامض فلا يجوز بيع بعضه ببعض في حال الرُّطُوبة كبيع الرُّطَب بالرُّطَب، ويجوز في حالة الجَفَافِ بشرط التَّسَاوي، وهذا حكم كل ما يُجَفَّف من الثِّمَار، وإن كان مقدراً كالمشمِش والخَوخ والكُمْشَري الذي يفلق. وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجوز بيعها في حالة الجَفَاف أيضاً بجنسها إذ ليس يتقرر لها حالة كمال. وإن كان مما لا يجفف كالقِثَّاء ونحوه، فهل يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة؟ فيه قولان: وكذا في المقدرات التيَ لا تجفف كالرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب. أصحهما: المنع، كبيع الرطب بالرطب. والثاني: الجواز، لأن معظم منافع هذه الأشياء في رطوبتها فبيع بعضها ببعض كبيع اللَّبن باللبن، فعلى هذا إن لم يمكن كيله كالبَطِّيخ والقِثَّاء بيع وزناً، وإن أمكن كالتُفَّاح والتِّيْن فيباع وَزْناً أو كَيْلاً وجهان: أصحهما: أولهما، لأن الوزن أخصر، ولا بأس على الوجهين بتفاوت العدد. إذا عرفت طريق المماثلة في الباب فمن فروعه أن يريد شريكان في شيء من مال الرِّبَا قسمته بينهما، فهو مبني على أن القسمة بيع أو إفراز فإن قلنا بالأول وهو الأصح فلا يجوز قسمة المكيل بالوزن، ولا قسمة الموزون بالكيل. وما لا يباع بعضه ببعض كالعِنَبِ والرُّطَب فلا يقسم أيضاً. وإن قلنا بالثاني جاز قسمة المكيل بالوزن وبالعكس، ويجوز قسمة الرطب ونحوه بالوزن. لا يجوز قسمة الثِّمَار بالخَرْص على رُؤوس الأشجار. إن قلنا: إنها بيع. وإن قلنا: إفراز فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نصه: الجواز في الرطب والعنب؛ لأن لِلْخَرْص مدخلاً فيهما دون سائر الثمار، ومنهم من أطلق المنع. ومن فروعه أنه لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جُزَافاً، ولا بالتَّخْمين والتَّحري خلافاً لمالك حيث اكتفى في المكيلات بالتَّحري إذا كانا في بادية. فلو باع صُبْرَة من الحِنْطة بِصُبْرَة أو دراهم بدراهم جُزافاً، أو بالتخمين لم يجز، سواء خرجتا متماثلتين أم لا، أما إذا ظهر التَّفَاضُل فظاهر. وأما إذا لم يظهر فاحتجوا له بأن التساوي شرط، وشرط العقد يعتبر العلم به عند العقد. ألا ترى أنه لو نكح امرأة لا يدري أهي معتدة أم لا، أو هي أخته من الرضاع أم لا، لا يصح النكاح؟

стр. 1738

ولا فرق بين أن يجهل كلتا الصُّبْرَتين أو إحديهما. روي أن النبي ﷺ : "نهَى عَنْ بَيعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لاَ يَعْلَمُ مَكِيلَهَا بِالْكَيلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ" (١). ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بتلك الصُّبْرَة مكايلة أو كيلاً بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة، أو وزناً بوزن، فإن كَالاً أَوْ وَزَنَا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان. قال في "التهذيب": أصحهما: البطلان، لأنه قابل الجملة بالجملة، وهما متفاوتتان. والثاني: أنه يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصَّغِيرة لمقابلته صَاعاً بِصَاع، ولمشتريها الخيار إذا لم يسلم له جميعها، وحيث قلنا بالصحة فلو تفرقا بعد تقابض الجملتين وقبل الكيل والوزن فهل يبطل العقد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، لوجود التَّقَابض في المجلس والثاني: نعم، لبقاء العلقة بينهما. ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بكَيْلها من صُبْرتك وصُبْرته صغيرة وصُبْرة المخاطب كبيرة صح لحصول المماثلة بين العِوَضين، ثم إنْ كَالاَ في المجلس وتقابضا تَمَّ العقد، وما زاد من الكبيرة لصاحبها، وإن تَقَابضا الجُمْلَتَيْن وتفرَّقا قبل الكيل فعلى ما سبق من الوجهين. ولو باع صُبْرَة حِنْطة بصبرة شعير جُزافاً جاز، ولو باعها بها صَاعاً بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانتا من جنس واحد. وقوله في الكتاب: "وما لم يثبت فيه نقل فالوزن أَخْصَر" أي: فيتعين ذلك وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح هذا الوجه. وقوله: "وقيل: الكيل جائز" ظاهره يقتضي تجويز الكَيْل مع تجويز الوزن، وحينئذ يكون هذا الوجه وجه التخيير لكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد وجه تَعْيين الكيل، وذلك بين من التَّوْجيه (٢). وقوله: "وما لا يُقَدَّرُ كالبَطِّيخ فلا خلاص فيه عن الرِّبَا ... " إلى آخره جواب على

стр. 1739

القول المانع من بيع بعضه ببعض في حالة الرطوبة، وليكن معلماً بالواو؛ للقول الآخر. وقوله: "فيوزن" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن المعنى فيباع وَزْناً. وقد حكينا وجهاً: أنه لا يباع في حالة الجَفَاف أيضاً. قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الهَرَوِيّ (ح) بالهَرَوِيّ، وَلاَ بِأحَدِ التِّبْرَيْنِ عَلَى الخُلُوصِ، وَلاَ بَيْعُ مُدٍّ وَدِرهَمٍ (ح) بِمُدٍّ وَدِرهَمٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ المُمَاثَلَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَلَوْ رَاطَلَ مِائَتَي دِينَارٍ وَسَطٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عِتْقٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ رَدِيْءٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى مَا فِي الجَانِبِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ أَفْضَى إلَى المُفَاضَلَةِ إِذْ لاَ تُعْلَمُ المفَاضَلَةُ إلاَّ بِتَقْدِيرِ القِيمَةِ، وَالتَّقْوِيمُ تَخْمِينٌ وَجَهْلٌ لاَ يُفِيدُ مَعْرِفَةً في الرِّبَا، فَمَهْمَا اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى مَالِ الرِّبَا مِنَ الجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الجِنْسُ فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، أَوْ فِي كِلاً الجَانِبَيْنِ، أَوِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (ح). قال الرَّافِعِيّ: مقصود الفصل بيان القاعدة المعروفة بـ "مُدّ عَجْوَة" ثم يتصل بها ما يناسبها والقدر الذي تشترك فيه مسائل الفصل أن تَشْتَمل الصَّفقة على مال الرِّبَا من الجانبين، ويختلف مع ذلك أحد العِوَضَين أو كلاهما جنساً أو نوعاً أو صفة، ثم لا يخلو إما أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد أو من جنسين. القسم الأول: أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد، وفيه تقع القاعدة المقصودة. فمن صوره أن يختلف الجنس من الطرفين، أو من أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ودرهماً بمُدّ عَجْوة، ودرهمْ أو بمُدَّي عَجْوة، أو بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاع حِنْطة وصاع شعير أو بِصَاعَي حِنْطَة، أو صاعي شعير. ومن صوره أن يختلف النَّوع والصِّفة من الطريقين أو أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ومُدّ صَيْحَانِيّ (١) بمدي عجوة أو بمدي صَيْحَانِيّ، أو بمدي عجوة أو بمدي صيحاني، أو باع مائة دينار جيد ومائة دينار رديء، بمائتي دينار جيد أو رديء أو وسط أو مائة جيدة ومائة رديئة، فلا يصح البيع في شيء من هذه الصور ونظائرها. لما روي عن فضالة بن عبيد قال: "أُتِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ تُبَاعُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ.

стр. 1740

ويروى أنه قال: "لاَ يُبَاعُ مِثْلُ هذَا حَتَّى يُفْصَلَ وَيُمَيَّزَ" (١). والمعنى: أن قضية العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على ماليين مختلفين وزع مال الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، وذلك يوجب المفاضلة أو الجهل بالمماثلة. أما إن قضيته ما ذكرنا فلأنه لو باع شِقْصاً من عقار وسيفاً بألف، وزع عليهما الألف باعتبار القيمة حتى إذا كانت قيمة الشّقص مائة، وقيمة السيف خمسين يأخذ الشَّفيع الشّقْص بثلثي الألف، وأيضاً فلو اشترى شيئين بألف فوجد بأحدهما عيباً، وأراد رده وحده بالعيب يرده بما يخصه من الألف إذا وزع عليهما باعتبار قيمتها، وكذلك لو خرج أحدهما مستحقّاً وأجاز المبيع في الآخر يجيزه بما يخصُّه من الألف باعتبار القيمة. وأما أنه يلزم منه أحد الأمرين، فلأنه إذا باع مداً ودرهماً بمدّين، فإما أَنْ تكون قيمة المدّ الذي هو مع الدرهم أكثر من درهم أو أقل أو درهماً، فإن كان أكثر مثل أن يكون قيمته درهمين، فيكون المد ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطَّرف الآخر، فيصير كأنه قابل مدّاً بمدّ وثلث، وإن كان أقل مثل أن يكون قيمته نصف درهم، فيكون المدّ ثلث ما في هذا الطرف، فيقابله ثلث المُدَّين من الطرف الآخر، فيصير كأنه قابل مداً بثلثي مدّ. وإن كان قيمته درهماً فلا تظهر المُفَاضلة، والحالة هذه لكن المماثلة فيها تستند إلى التَّقْويم، والتقويم تَخْمين قد يكون صواباً وقد يكون خطأ، والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية، وهذه الطريقة مطردة فيما إذا باع مداً ودرهماً بمد ودرهم، لأن المدين من الجانبين إن اختلفت قيمتهما مثل إِن كان مد زيدٍ يساوي درهمين ومد عَمْروٍ يساوي درهماً، فمد زَيْد ثلثا ما في هذا الطرف يقابله من الطرف الآخر ثلثا مدّ وثلثا درهم، ويبقى ثلث مد وثلث درهم في مقابلة درهم، فإذا وزعنا صار ثلث مد في مقابلة نصف درهم، لأن قيمة مد عَمْرو درهم، وثلث درهم في مقابلة نصف درهم، فتظهر المفاضلة. وإن لم تختلف قيمتها لم تظهر المفاضلة، لكن المماثلة تخمين على ما مَرَّ. واعترض الإمام على هذه الطريقة بأن العَقْد لا يقتضي في وضعه توزيعاً مفصلاً، بل مقتضاه مقابلة الجُمْلة بالجملة، أو مقابلة الجزء الشَّائع ممَّا في أحد الشِّقَّين بمثله مما في الشق الآخر بأن يقابل ثلث المد، وثلث الدرهم بما يقابل ثلث المدين، يعني إذا باع مداً ودرهماً بمدين، ولا ضرورة إلى تَكَلُّف توزيع يؤدي إلى التفاضل، وإنما يصار إلى التوزيع المفصل في مسألة الشُّفْعة لضرورة الشُّفْعة.

стр. 1741

قال: والمعتمد عني في التَّعليل أنا تعبَّدنا بالمماثلة تحقيقاً. وإذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، لم تتحقق المماثلة فيفسد العقد. ولناصريها أن يقولوا: أليس قد ثَبَتَ التوزيع المفصل في مسألة الشفعة؟ ولولا كونه قضية للعقد لكان ضم السَّيف إلى الشِّقْص من الأسباب الدَّافِعَة للشُّفْعة، فإنها قَدْ تندفع بأسباب وعوارض. وأما قوله: "إنا تعبدنا بتحقيق المماثلة". فللخصم أن يقول: تعبدنا بتحقيق المماثلة، فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أو على الإطلاق، إن قلت بالثاني فممنوع، وإن قلت بالأول فسلم، لكنه ليس صورة المسألة، فهذا نقل المذهب المشهور وتوجيهه. ومن الأصحاب من صحَّح العقد فيما إذا باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم، والدِّرهمان من ضَرْب واحد، والمدان من شَجَرة واحدة، وفيما إذا باع صاع حِنْطة وصاعَ شعير بمثلهما وصاعا الحِنطة من صُبْرَة واحدة، وصاعا الشعير كذلك مع العلم باتحاد القيمة. ويحكى هذا عن القَاضِي أبي الطَّيِّب الطَّبَرِي والقاضي الحسين وذكر الرُّوياني في "البحر": أنه المذهب وغلط من قال غيره. ومن صور هذا الأصل: أن يبيع ديناراً صحيحاً وديناراً مكسوراً بدينار صحيح وآخر مكسَّر أو بصحيحين أو بمكسَّرين، إذا كانت قيمة المكسَّر دون قيمة الصحيح. وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أن صفة الصِّحَّة في محل المُسَامحة، ثم الأئمة أطلقوا القول بالبطلان في حكايتهم عن المذهب المشهور. وذكر أبو سعيد المُتَوَلِّي: أنه إذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، يبطل العقد في المدّ المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدَّين، وهل يبطل في الدرهم وما يقابله من المدَّين؟ فيه قَوْلاَ تَفْرِيقِ الصَّفقة، وعلى هذا قياس ما لو باعهما بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاعي حِنْطَة أو صاعي شعير، ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولاً على ما فصّله. ولو كان الجيد مخلوطاً بالرديء، فباع صاعاً منه بمثله أو بِجَيِّد أو رديء جاز لأن التوزيع إنما يكون عند تمييز أحد العوضين بالآخر. أما إذا لم يتميز فهو كما لو باع صاعاً وسطاً بِجَيِّد أو رديء. واعلم: أن صورة البطلان مفروضة فيما إذا قابل جملة ما في أحد الطرفين بجملة ما في الطرف الآخر.

стр. 1742

وأما عند التفصيل كما إذا تبايعا مدّ عَجْوة ودرهماً بمد ودرهم، وجعلا المدّ في مقابلة المدّ والدِّرهم في مقابلة الدِّرهم أو جعلا المدَّ في مقابلة الدرهم والدرهم في مقابلة المدّ، فيجوز ذلك بمثابة صنفين متباينين. القسم الثاني ولم يذكره في الكتاب: أن يكون مال الربا من الطرفين من جنسين، وفي الطرفين أو أحدهما شيئاً آخر، فينظر إن اختلف العِوَضَان في علة الربا، فيجوز كما إذا باع ديناراً أو درهماً، بصاع حِنْطة أو صاع شَعِير. وإن اتفقا، فإن كان التَّقَابض شرطاً في جميع العوض جاز أيضاً، كما لو باع صَاعَ حِنْطَة وصاع شعير بصاعي تمر أو صاع تمر وصاع ملح، وإن كان التَّقابض شرطاً في البعض كما لو باع صاع حِنْطة ودرهماً بصاعي شعير، ففيه قولاً الجمع بين مختلفي الحكم؛ لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط فيه التقابض، وما يقابل الحِنْطة منه يشترط فيه التقابض. وأما لفظ الكتاب فقوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ بالهَرَوِيّ"، الهرويّ: نقد فيه ذهب وفضة، فيبيع بعضه ببعض بيع ذهب وفضة بذهب وفضة. وقوله: "لأن حقيقة المماثلة غير معلومة" وجهه ما ذكرناه في "المُرَاطَلَة" من بعد. وقوله: "ولو راطل مائتي" لفظ الشافعي ﵁ فمعناه إذاً قوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ" معلّم بالحاء، وكذا قوله في مسألة المُرَاطَلَة لم يجز؛ لأن عند أبي حنيفة يصح البيع فيهما، وفي جميع الصور التي ذكرناها، حتى قال: لو باع قرطاساً وديناراً فيه بمائة دينار يصح، وقوله: "لم يجز" معلم بالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يضر اختلاف النوع والصفة بعد اتحاد الجنس، وبالواو لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا مثله، وأيضاً فإن الإمام رأى الصِّحَّة في مسألة المُرَاطَلَة. هذا مع تنصيصه على أنه رَأْيٌ رآه خارج عن مذهب الشافعي ﵁ وأصحابه. وقوله: "تخمين وجهل" أراد بالجهل هاهنا عدم العلم، وإلا فالجهل معناه المشهور هو الجزم، يكون الشيء على خلاف ما هو عليه ضد الظَّن والتَّخمين، فلا يكون الشيء تخميناً وجهلاً بذلك المعنى: وقوله: "فمهما اشتملت الصفقة ... " إلى آخره محمول على الجنس الواحد، وتقديره مهما اشتملت الصفقة على الجنس واحد من أقوال الربا، وإلا انتقض الضَّابط بما إذا باع ذهباً وفضة بحِنْطة أو بحنطة وشعير، وبما إذا باع حنطة وشعيراً بتمر أو بتمر ومِلْح.

стр. 1743

ثم لنختم الفصل بِسَرْد صور فنقول إذا باع صاع حِنْطَة بصاع حِنْطة، وفيهما أو في أحدهما فصل وهو عقد التَّبْن أو زُوَان؛ وهو حب أسودُ رَقِيقٌ يكون في الحِنْطة، لم يجز؛ لأنه يأخذ شيئاً في المكيال، فإن كان في أحدهما لزم التَّفاضل، وإن كان فيهما لزم الجهل بالتماثل، وكذا لو كان فيهما أو في أحدهما مَدَراً وحبات شعير. وضبط الإمام المنع بأن يكون الخَلِيطُ قدراً، لو "ميَّز بَانَ على المِكْيال". فأما ما لا يبين على المكيال إذا مُيز، فلا مبالاة به. وإن كان فيهما أو في أحدهما دِقَاق تبن أو قليل تُرَاب لم يضر؛ لأن ذلك لم يدخل في تَضَاعف الحِنْطة ولا يظهر في المكيال، بخلاف ما إذا باع موزوناً بجنسه، وفيهما أو في أحدهما قليل تراب حيث لا يجوز؛ لأنه يؤثر في الوزن كم كان. ولو باع حنطة بشعير، وفي كل واحد منهما أو أحدهما حبَّات من الآخر يَسِيرة صح البيع؛ وإن كثرت فلا. قال الإمام: وليس المعتبر كونه بحيث يؤثر في المكيال ولا كونه متمولاً. أما التأثير في المِكيال، فلأن المماثلة غير مرعية عند اختلاف الجنس، وأما التمول، فلأنه مفرداً غير مقصود، فالمعتبر أن يكون الشعير الذي خالطته الحنطة قدراً يقصد تمييزه ليستعمل شعيراً وكذا بالعكس. ولو باع داراً بذهب فظهر فيها معدن الذهب، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كبيع دار مُوِّهت بالذهب تمويهاً يحصل منه شيء بذهب. وأصحهما: نعم؛ لأنه بائع بالإضافة إلى مقصود الدار. ولو باع داراً فيها بئر ماء [بدار فيها بئر] ماء، وفرعنا على أن الماء ربوي، ففي صحة البيع وجهان: أصحهما: الصحة لما ذكرنا من معنى التبعية (١). قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي في الحَالَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ المُمَاثَلَة فِيهَا، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَلاَ إِذًا، فَنَبَّهُ عَلَى أَنَّ المُمَاثَلَةَ تُرَاعَى حَالَةَ الجَفَافِ وَهُوَ حَالُ كَمَالِ الشَّيْءِ، وَلاَ خَلاَص فِي المُمَاثَلَةِ قَبْلَهُ فَلاَ يَجْوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ (م ح ز) وَلاَ بَالتَّمْرِ، وَكَذَا العِنَبُ (ح)، وَكُلُّ فَاكِهَةٍ (و) كَمَالُهَا فِي جَفَافِهَا وَهُوَ حَالَة الادْخَارِ.

стр. 1744

قال الرافعي: أموال الربا تنقسم إلى ما يتغير من حال إلى حال وإلى ما لا يتغير، والَّتِي تتغيَّر منها تعتبر المماثلة في بيع الجنس بالجنس منها في أكمل أحوالها، فمن المتغيرات الفواكه، فتعتبر المماثلة في المُتَجَانسين منها حالة الجَفَاف، ولا يغني التَّمَاثل في غير تلك الحالة. روي عن سعد بن أبي وقاص أن النَّبي ﷺ سُئِلَ عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: "أَيَنقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبَسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلاَ إِذاً" (١). ويروى "فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ"، أشار النَّبي ﷺ بقوله: "أَيْنَقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبَسَ؟ " إلى أن المماثلة عند الجفاف تعتبر، ونبَّه به على علة فساد بيع الرطب بالتمر، وإلا فنقصان الرطب إذا جف أوضح من أن يبحث أو يسأل عنه. إذا تقرر ذلك فلا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمْر ولا بالرطب. أما بالتمر فليقين التفاوت عند الجفاف. وأما بالرطب فللجهل بالمماثلة؛ لأنه لا يعرف قدر النُّقصان منهما، وقد يكون قدر الناقص من أحدهما أكثر من الآخر، وكذا لا يجوز العِنَبِ بالعنب وبالزبيب، وكذا كل ثمرة لها حالة الجَفَاف كالتِّين والمِشْمش والخوخ والبَطِّيخُ والكُمَّثْرَى الذين يفلقان والإجاصُ والرُّمَّان الحَامِض، لا يباع رطبها برطبها ولا بيابسها، ويجوز بيع الحديث بالَعَتِيق، إلاَّ أن تبقى النَّدَاوة في الجديد، بحيث يظهر أثر زوالها في المكيال. وأما ما ليس له حالة جفاف كالعنب الذي لا يتزبب، والرطب الذي لا يتتمَّر، والبطيخ والكمثري الذين لا يفلقان والرُّمَّان الحلو والبَاذِنْجَان والقَرْع والبُقُول، ففي بيع بعضها ببعض قولان ذكرناهما من قبل. وعند أبي حنيفة: يجوز بيع الرطب بالتمر وبالرطب وكذا في نظائره، وساعدنا مالك وأحمد على منع بيع الرطب بالتمر، وساعدا أبا حنيفة على تجويز بيع الرُّطَب بالرُّطب وبه قال المُزَنِّي. ويستثنى عن بيع الرطب بالتمر صورة العَرَايا، وهي مذكورة من بعد. قوله: "وكذا كل فاكهة كمالها بعد جفافها"، يجوز إعلامه بالواو؛ لأن الإمام حكى وَجْهاً في المشْمِش والخوخ، وما لا يعم تجفيفه عموم تجفيف الرطب؛ أنه يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة، لأن رطوبتها أكمل أحوالها، والتَّجْفيف في حكم النادر.

стр. 1745

وأما ما أجراه من لفظ "الادِّخَار فإن طائفة من الأصحاب ذكروه وآخرون أعرضوا عنه، ولا شك أنه غير معتبر لحالة التماثل في جميع الربويات، ألا ترى أن اللبن لا يدخر، ويباع بعضه ببعض؟ فمن أعرض عنه فذاك، ومن أطلقه أراد اعتباره في الفَوَاكِه والحبوب لا في جميع الربويات فاعرف ذلك. قال الغزالي: وَادِّخَارُ الحَبِّ إِذَا بَقِيَ حَبًّا فَلاَ يُدَّخَرُ الدَّقِيقُ (ح وم) وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَلاَ الحِنْطَةُ المَقْلِيَّةُ وَالمَبْلُولَةُ، وَيُدَّخَرُ السَّمْسِمُ وَالدُّهْنُ وَالزَّبِيبُ وَالخَلُّ، وَكَمَالُ مَنْفَعَةِ اللَّبَنِ أَنْ يَكُونَ لَبَناً أَوْ سَمْناً أَوْ مَخِيضاً دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ أَحْوالِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَعْرُوضٍ علَى النَّارِ مِنْ دبْسِ أَوْ لَحْمِ فَلاَ كَمَالَ فِيهِ، وَمَا عُرِضَ لِلتَّمْييز كَالعَسَلِ فَهُوَ علَى الكَمَالِ، وَإذَا نُزِعَ النَّوَى مِنَ التَّمْرِ بَطُلَ (و) كَمَالُهُ، بِخِلاَفِ العَظْمِ إِذَا نُزِعَ مِنَ اللَّحْمِ إِذْ لَيْسَ في إِبْقَائِهِ صَلاحٌ لاِدْخَارِهِ. قال الرافعي: في الفصل مسائل: إحداها: لِلْحِنْطة ونحوها من الحبوب حالتان: إحداهما: مَا قبل التنقية من القِشْر والتِّبْن، وسيأتي حكم بيعها فيهما -إن شاء الله تعالى-. والثانية: ما بعدها فيجوز بيع بعضها ببعض ما بقيت على هيئتها بشرط تَنَاهي جَفَافها، فإذا بطلت تلك الهيئة فقد خرجت عن حالة الكمال، فلا يجوز بيع الحِنْطة بشيء مما يتخذ منها من المَطْعُومات كالدَّقِيق والسُّوَيْق والخُبز والنِّشَا، ولا بما فيه شيء مما يتخذ من الحِنْطة كالمصل ففيه الدَّقيق والفَالُوذَج ففيه النِّشَا. وكذا لا يجوز بيع هذه الأشياء بعضها ببعض لخروجها عن حالة الكمال، وعدم العلم بالمماثلة، ولو كان العوضان على حالة الكمال هذا ما يفتى به من المذهب. ونقل الحسين وهو المعروف بـ"الكَرَابِيِسيّ" عن أبي عبد الله: تَجْوِيز بيع الحِنْطَة بالدَّقيق، فمنهم من جعله قولاً آخر للشَّافعي ﵁، وبه قال أبو الطَّيب بن سلمة، ووجهه بأن الدقيق نفس الحنطة، إلاَّ أَنَّ أجزاءها قد تفرقت، فأشبه بيع حِنْطَة صغيرة الحَبَّات بحِنْطَة كبيرة الحَبّات، وعلى هذا فالمِعْيار الكيل. ومنهم من لم يثبته قولاً، وقال: أراد بأبي عبد الله مالكاً ﵁ وأحمد. وجعل الإمام منقول الكَرَابِيسيّ شيئاً آخر: وهو أن الدقيق مع الحِنْطَة جنسان، حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، ويشبه أن يكون هو منفرداً بهذه الرواية. وحكى البُوَيطي والمُزَنِي في "المنثور" قولاً: أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق، وإن

стр. 1746

امتنع بيعه بالحنطة، كما يجوز بيع الدهن بالدهن، وإن امتنع بيعه بالسِّمسم. وفي بيع الخبز الجاف المدقوق بمثله قول: أنه يجوز لإمكان كيله والأَمْن من التفاضل فيه وهذا رواه الشيخ أبو حامد والعراقيون عن رواية حرملة، والشيخ أبو عاصم العبادي وآخرون عن رواية ابن مِقْلاَص. ورد الإمام رواية ابن مِقْلاَص إلى شيء آخر، وهو تجويز بيع الْحِنطة بالسُّوَيق، وجعلهما جنسين: وقال مالك ﵁: يجوز بيع الحنطة بالدقيق، وبه قال أحمد في أظهر الرِّوايتين، إلاَّ أن مالكاً يعتبر الكيل، وأحمد يجوز الكيل والوزن. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الدقيق بالدقيق بشرط تساويهما في النُّعومة والخشونة، ولا يجوز بيع الحنطة المَقْلِية بالمَقْلِية ولا بغيرها لتغيرها عن هيئتها واختلاف الحبات في التأثر بالنار، ولا بيع الحِنْطة المبلولة بالمَبْلُولة ولا بغيرها لما في المَبْلُولة من الانْتِفاخ والتَّجافي، فإن جفت لم يجز أيضاً لتفاوت جنسها عند الجفاف، وإذا منع مجرد البل بيع البعض بالبعض، فالتي نُحِّيت قشرتها بعد البَلِّ بالتَّبريس أولى أن لا يباع بعضها ببعض. قال الإمام: في الجَارُوسِ عندي احتمال إذا نجيت قِشْرَتها، وكما أن المَبْلُولة مجاوزة حالة الكمال، فالتي لم يتم جفافها غير واصلة إلى حالة الكمال، وإن أفركت وأخرجت من السَّنابل. ويجوز بيع الحِنْطة وَمَا يتخذ منها من المَطْعُومات بالنّخَالة، لأنها ليست مال الربا، وكذا بيع المُسَوَّسة بالمُسَوسة إذا لم يبق فيهما شيء من اللّب قاله في "النهاية". الثانية: السِّمْسم وغيره من الحبوب الَّتِي يتخذ منها الأدهان على حالة الكمال ما دامت على هيئتها كالأقوات فلا يجوز بيع طَحينها بِطَحْينها كبيع الدَّقيق بالدقيق. والدهن المستخرج منها على حالة الكمال أيضاً، حتى يجوز بيع بعضها ببعض متماثلاً. وفيه وجه: أن بيع الدُّهن بالدُّهن لا يجوز؛ لأن الدهن لا يستخرج إلا بعد طرح حلاوة أو ملح على الطّحين، فيلتحق بصورة مدّ عَجْوة، والمذهب الأول. ويجوز أن يكون للشيء حالتا كمال، أَلاَ ترى أن الزَّبيب والخَلَّ كلاهما على حالة الكمال مع أن أصلهما العنب؟ وكذلك العصير على حالة الكمال في أصح الوجهين، حتى يجوز بيع عصير العنب بعصير العنب، وعصير الرطب بعصير الرطب، والمعيار فيه، وفي الدهن الكيل. ويجوز بيع الكُسْب بالكُسْب أيضاً إن لم يكن فيه خلط، فإن كان فيه خلط لم

стр. 1747

يَجُز، والأدهان المطيبة كدهن الوَرْد والبَنَفْسج والنيلوفر كلها مستخرجة من السِّمسم، فإذا فرعنا على جريان الربا فيها جاز بيع بعضها ببعض، إن ربَّى السمسم فيها ثم استخرج دهنه، وإن استخرج الدهن ثم طرح أوراقها فيه لم يجز، لأن اختلاطها به يمنع معرفة التماثل. وعصير الرُّمان والتُّفاح وسائر الأثمار كعصير الرطب والعنب، وكذا عصير قَصَبِ السكر، ويجوز بيع خَلِّ الرُّطَب بَخلِّ الرطب وخل العنب بخَل العنب، لأنه على هيئة الادِّخار، والمعيار فيه الكيل، ولا يجوز بيع خَلِّ الزَّبيب بمثله ولا بيع خل التمر بمثله، لما فيهما من الماء، وأنه يمنع معرفة التماثل بين الخلين. وكذا لا يجوز بيع خل العنب بخل الزبيب، ولا خل الرطب بخل التمر؛ لأن في أحد الطرفين ماء فيلزم التفاضل بين الخلين. ولا يجوز أيضاً بيع خل الزبيب بخل التمر، إذا فرعنا على أن الماء ربوي، لأن في الطرفين ماء، والمماثلة بين الجانبين غير معلومة (١). ويجوز بيع خَلِّ الزبيب بخل الرطب، وخل التمر بخلِّ العنب، لأن الماء في أحد الطرفين، والمماثلة بين الخَلَّين غير معتبرة تفريعاً على الصحيح، في أنهما جنسان. الثالثة: اللَّبن حالة الكمال يباع بعضه ببعض بخلاف الرطب، لأن اللبن يؤكل على هَيْئَته في الأكثر، ومعظم منافعه تفوت بِفَوات تلك الهيئة. وأما الرطب فما يؤكل منه في الحال يعد عجالة تَفَكُّه، والمقصود الأعظم اقتناؤه قوتاً، فجعل حال كمال كل واحد منهما ما يليق به، وحكم الرَّائِبِ والحامض والخَاثِرِ منه ما لم يكن مَغْلياً حكم الحَلِيب في الحال حتى يباع البعض منهما بالبعض أو بالحَلِيب، ولا نظر إلى أن الشَّيء إذا خَثَر كان أَثْقَل، وما يحويه المكيال من الخاثِر يزيد في الوزن على الرَّقيق من جنسه؛ لأن المعيار في اللَّبن الكيل نص عليه الجمهور. وإذا حصل الاستواء في الكيل فلا مبالاة بتفاوت الوزن، كما في الحِنْطة الصلبة مع الرخوة، وفي كلام الإمام ما يقتضي تجويز الكيل والوزن جميعاً. ويجوز بيع السَّمن بالسَّمن أيضاً؛ لأنه يدّخر ولا يتأثّر بالنَّار تأثر انعقاد ونقصان، وإنما يعرض على النَّار لِلتَّصْفية، فالمعيار فيه الكَيْل إن كان ذائباً والوزن إن كان جامداً،

стр. 1748

قاله في "التهذيب"، وهو متوسط بين وجهين أطلقهما العراقيون. فحكوا عن المنصوص: أنه يوزن، وعن أبي إسحاق: أنه يكال، ويجوز بيع المَخيض بالمَخِيض إذا لم يكن فيهما ماء، ومال المُتَوَلِّي إلى المنع، لأنه ليس على حالة الادخار، ولا على حال كمال المنفعة، فليكن كبيع الدقيق بالدقيق، ولا يجوز بيع الأَقِط بالأَقِط والمَصْل بالمَصْل والجُبْن بالجُبْن لتأثرها بالنَّار ولأنها لا تخلو عن مخالطة شيء، فالملح خليط الأقط، والدقيق خليط المصل، والانْفَحَة خليط الجبن، وهل يجوز بيع الزُّبْد بالزُّبْد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كبيع السَّمن بالسَّمن. وأصحهما: لا، لأن الزُّبد لا يخلو عن قليل مَخِيض، وأنه يمنع معرفة المُمَاثلة، وعلى هذا لا يجوز بيعه بالسَّمْن لتحقُّق المفاضلة، ولا يجوز بيع اللَّبَن بكل ما يتخذ منه من السَّمن والمَخِيض وغيرهما كبيع الحِنْطة بما يتخذ منها. وقوله في الكتاب: "وكمال منفعة اللبن أن يكون لبناً أو سمناً أو مخيضاً، لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأنه ليس كونه لبناً كمال منفعته، وإنما هو حال منفعته، ولو طرح لفظ "المنفعة" وقال: حال كمال اللبن: أن يكون لبناً أو مخيضاً أو سمناً لكان أولى، ويجوز إعلام قوله: "دون ما عداه من أحواله" بالواو للوجه المذكور في الزبد. الرابعة: المعروض من مال الرِّبا على النَّار ضربان: أحدهما: المعروض للعقد والطَّبخ كالدِّبْس واللَّحم المَشْوِي، وفي جواز بيع الدِّبْس بمثله وجهان: أحدهما: يجوز، لإمكان ادِّخاره، ولتأثير النار فيه غاية يعرفها أهل البَصَر. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجوز، لأن النار تأخذ بعض العصير فيصير دِبْساً، وقدر المأخوذ منه يختلف اختلافاً بيناً، فلا ندري المُمَاثلة بين أجزاء العَصِير، وفي بيع السكر بالسكر، والفاسد بالفاسد، واللَّباء باللَّباء وجهان كما في الدِّبْس. ولا يجوز بيع قصب السكر بقصب السكر ولا بالسكر كبيع الرطب بالرطب والتمر بالتمر. وأَمَّا اللحم إذا بيع بجنسه، فإن كانا طَرِبين أو أحدهما لم يجز، لأن معظم منافع اللحم تنتفي بعد التقديد فهو كالرطب والعنب. وعن ابن سُرَيج: أنه يجوز كبيع اللبن باللبن، وإن كانا مُقَددين جاز، إلا أن يكون فيهما أو في أحدهما من المِلْح ما يظهر في الوزن. قال الأئمة: ويشترط أن يتناهى جَفَافه بخلاف التمر يباع الحديث منه بالحديث وبالعَتِيق؛ لأنه مكيل وأثر الرُّطُوبة الباقية لا تظهر في المِكْيال، واللحم موزون وأثر

стр. 1749

الرُّطُوبة يظهر في المِيْزَان، هذا إذا لم يكن اللَّحْم مطبوخاً أو مشوياً. أما المَطْبُوخ والمَشْوِي فلا يجوز بيعها بمثلها ولا بالنَّي لما ذكرنا من اختلاف تأثير النار. وعن أَبِي حَنيفَة: يجوز بيع المَطْبُوخ بالنَّي متماثلاً. وعن مالك: تجويزه متماثلاً ومتفاضلاً. الضَّرب الثاني: المعروض للتمييز والتنقية فهو على حالة الكمال يجوز بيع بعضه ببعض كالسمن على ما مر، وكالذهب والفضة يعرضان على النار لتمييز الغِشّ، وفي العسل المصفَّى بالنار وجهان: أحدهما: أنه خارج عن الكمال، لأن النَّار قد تعقد أجزاءه. وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه على الكمال؛ لأن المقصود من عرضه تمييز الشَّمع عنه، ونار التمييز لينة لا تؤثر في التَّعقيد أشبه المصفَّى بالمشمش، ولا يجوز بيع الشُّهْد بالشُّهْد؛ لأن الشَّمع يمنع معرفة التَّماثل بين العَسَلَين، ولا بالعسل لظهور التَّفاضل، ويجوز بيع الشَّمع بالعَسَل وبالشّهد بلا حجر؛ لأن الشمع ليس من أموال الربا، ومعيار السَاوي في العَسَل على ما ذكرناه في السَّمْن. الخامسة: التَّمْر إذا نزع منه النَّوَى بطل كماله لأنه يبطل ادِّخَاره، ويتسارع إليه الفساد فلا يجوز بيع منزوع النَّوَى بمثله ولا بغير المَنْزُوع، وقيل: يجوز بيع المنزوع بمثله، لأن النَّوَى ليس من جنس التَّمر فلا يضر فصله عنه، وإنما لم يشترط ذلك لما فيه من المَشَقة. وحكى الإمام الخلاف في بيع المنزوع بالمنزوع أيضاً ومفلَّق المِشمش والخُوخ ونحوهما لا يبطل كمالها بننرع النَّوَى في أصح الوَجْهين؛ لأن الغالب في تَجْفِيفها نزع النَّوى، ولا يبطل كمال اللَّحم بنزع العَظْم، لأنه لا يتعلَّق صلاح ببقائه، وهل يشترط النزع في جواز بيع بعضه ببعض؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الأكثرين: نعم، وبه قال أبو إسحاق. والثاني ويحكى عن الإِصْطَخْري: أنه يسامح به، وعلى هذا يجوز بيع لَحْم الفَخِذ بالجَنب، ولا نظر إلى تفاوت أقدار العظام كتفاوت النَّوَى. هذا شرح مسائل الفصل وما يناسبها، وإذا نظرت في هذا الطرف عرفت أن النظر في حالة الكمال إلى أمرين في الأكثر: أحدهما: كون الشيء بحيث يتهيَّأ لأكثر الانتفاعات المطلوبة منه. والثاني: كونه على هيئة الادِّخار لكنهما لا يعتبران جميعاً، فإن اللبن ليس بمدخر، والسمن ليس بمتهيء الانْتِفَاعات المَطْلُوبة من اللبن، وكل واحد من المعنيين غير مكتفى به أيضاً، لأن الثمار التي لا تدخر تتهيَّأ لأكثر الانْتِفَاعات المطلوبة منها، والدقيق مدَّخر وليس على حالة الكمال على ما سبق، ولا تساعدني عبارة ضابطة، كما

стр. 1750

أحب في تفسير الكمال، فإن ظفرت بها ألحقتها بهذا الموضع وبالله التوفيق. قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في مَعْنَى الجِنْسِيَّةِ، وَالأَدِقَّةُ وَالأَلْبَانُ وَالخُلُولُ وَالأَدْهَانُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلاَفِ أُصُولها، وفي لُحْومِ الحَيَوَانَاتِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ لِتَفَاوُتِ المَعْنى وَإِنْ اتَّفَقَ الاسْمُ، وَأَعْضَاءُ الحَيَوانِ الوَاحِدِ كَالكِرْشِ وَالكَبِدِ وَالشَّحْمِ أَجْنَاسٌ عَلَى الأَظْهَرِ إِنْ جَعَلْنَا اللَّحْمَ أَجْنَاساً، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ (ح و) اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ علَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِلْنَّهِي عَنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ دُهْنِ السِّمْسِمِ بالسِّمْسِمِ، وَلاَ بَيْعُ السَّمْنِ بِاللَّبَنِ وَإِنْ جَازَ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ. قال الرافعي: عرفت في صدر الباب أن بيع المال الربوي بجنسه مشروط برعاية المُمَاثلة وبغير جنسه غير مشروط بها، والتجانس والاخْتِلاَف قد يظهر، فلا يحتاج إلى التَّنْصيص عليه، وقد يقع في محل الإِشْكال والاشتباه، وموضوع الطرف بيان مواضع الاشتباه، وفيه مسألتان: إحداهما: اختلف قول الشافعي ﵁ في أن لحوم الحَيَوَان جنس أو جنسان: فأحد القولين: أنها جنس واحد؛ لأنها مشتركة في الاسم الذي لا يقع بعده التَّمييز إلاَّ بالإضافة، فأشبهت أنواع الرُّطَب والعنب، وتخالف الثمار المختلفة، فإنها وإن اشتركت في اسم الثَّمرة لكنها تمتاز بأسمائها الخاصة. وأصحهما وبه قال أبو حنيفة والمزني: أنها أجناس مختلفة لأنها فروع أصول مختلفة، فأشبهت الأدقّة والأَخْبَاز. وعن مالك: أن اللحوم ثلاثة أجناس: الطُّيور، والدَّوابُ أهَلِيّها وَوَحْشِيّها، والبَحْريات. وبه قال أحمد في أحد الروايتين وعنه روايتان أخرتان كالقولين. التفريع: إن جعلناها جنساً واحداً، فلا فرق بين لحوم الحيوانات البَريّة أهليها ووحشيها، وكذا لحوم البحريات جنس واحد، وفي لحوم البَرِيّات مع البَحْرِيّات وجهان: أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَرِي والشيخ أبو حامد: أنهما جنسان، وكذلك لو حَلَفَ أن لا يأكل اللَّحم لا يَحْنَث بلحوم الحِيْتان. والثاني: أنهما جنس واحد لشمول الاسم. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (١)، وهذا هو اختيار القاضي أبي

стр. 1751

الطَّيب ابن الصَّبَّاغ، وهو الذي أورده في "التهذيب". وإن جعلناها أجناساً، فحيوان البَرِّ مَعَ حيوان البَحْرِ جنسان، ثم الأَهْلِيَّات من حيوان البَرِّ جنس، والوَحْشِيَّات جنس، ثم لكل واحد من القسمين أجناس، فلحوم الإبل على اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم البقر والجَوامِيس وغيرها جنس واحد، ولحوم الغنم ضَأْنُها ومَعِزُها جنس، والبقر الوَحْشِي جنس، والظِّبَاء جنس، وفي الظِّبَاء مع الإبل تردد للشيخ أبي محمد واستقرار جوابه على أنهما كالضَّأْن والمعز، وأما الطُّيور والعَصَافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج وهو ما عب، وهدر جنس، فيدخل فيه القُمْرِيُّ والدّبْسِيّ والفَاخِتَة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب"، واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنساً برأسه، والسُّمُوك من حيوان البحر جنس، وفي غَنم الماء وَبَقرِه وغيرهما مع السُّمُوك، وكذا في بعضها مع بعض قولان: أصحهما: أنها أجناس كَحَيَوانات البر، وهل الجراد من جنس اللحوم؟ فيه وجهان: إن قلنا: نعم، فهو من البَرِّيات أو البَحْرِيات فيه وجهان (١). وفي أعضاء الحيوان الواحد كالكِرْشِ والكَبِدِ والطّحَال والقَلْب، والرِّئَةُ طريقان: أشهرهما: أنا إن قلنا: إن اللحوم أجناس، فهذه أولى لاختلاف أسمائها وصفاتها. وإن قلنا: إنها جنس واحد ففيها وجهان، لأن من حلف أن لا يأكل اللحم، لا يَحْنَث يأكل هذه الأشياء على الصحيح، وهذا كالخلاف في أن لحم السمك جنس برأسه أو هو من جنس سائر اللحوم؛ لأن من حَلَفَ أن لا يأكل اللحم لا يَحْنَث بأكل السَّمك. والثاني عن القَفَّال: أنا إنْ جعلناها جنساً واحداً فهذه الأشياء مجانسة لها، وإن جعلناها أجناساً فوجهان لاتِّحاد الحيوان، وصار كلحم الطَير وشحمه. وقوله في الكتاب: "أجناس على الأظهر"، إن جعلنا اللحوم أجناساً إلى هذه الطَّريقة أقرب، ولو قال: "وإن لم نجعل اللحوم أجناساً"، لكان ذلك للطّريقة الأولى، وكيف ما قدرت التَّرتيب فظاهر المذهب أنها أجناس، والمخ جنس آخر، وكذلك الجِلْد (٢) وشَحْم الظَّهر مع شَحْم البَطْن جنسان، وسِنَام البعير معهما جنس آخر، والرَّأْس والأَكَارع من جنس اللحم، وفي الأَكَارع احتمال عند الإمام.

стр. 1752

وأما الأَدِقّة والخُلُول والأَدْهَان فهي أجناس مختلفة على المَشْهور؛ لأنها أصول فروع مختلفة وهي من أموال الربا، فأجرى عليها حكم أصولها بخلاف اللحم فإن أصولها وهي الحيوانات ليست رَبَوية، وكذا عصير العِنَب مع عصير الرُّطَب جنسان وَدِبْسَهُما كذلك، وفي الأَدِقَّة حكاية قول عن "أمالي حرملة". أنها جنس واحد، وأبعد منه وجه ذكروه في الخُلُول والأَدْهَان، ويجري مثله في عصير العنب مع عصير الرطب. وأما الألبان ففيها طريقان: أظهرهما: عند الأكثرين: أنها على قولين كما في اللَّحمين، فعلى الأصح يجوز بَيْعُ لبن الغَنَمِ بلبن البقر متفاضلاً، وبيع أحدهما بما يتخذ من الآخر، ولبن الضَّأن والمعز جنس واحد، ولبن الوَعْلِ مع المعز الأهلي جنسان اعتباراً بالأصول. والطريق الثاني: وهو قضية إيراد الكتاب: القطع بأنها أجناس مختلفة، والفرق أن الأصول التي حصل اللَّبن منها باقية بحالها وهي مختلفة، فيدام حكمها على الفُروع بخلاف أصول اللَّحم. وَبُيُوض الطُّيور أجناس إن جعلنا اللَّحوم أجناساً، وإن جعلناها جنساً واحداً، فهي أجناس أيضاً على أصح الوجهين. والزَّيت المعروف مع زَيْت الفِجْل جنسان، وهو دهن يتخذ من بزْرِ الفِجْل، يسمى زَيْتَاً لأنه يصلح لبعض ما يصلح له الزَّيت المعروف. ومنهم من قال: حكمهما حكم اللَّحمين، والتمر المعروف مع الهِنْدي جنسان. وعن ابن القَطَّان وجه: أنهما جنس واحد. وفي البَطِّيخ المعروف مع الهِنْدي وجهان أيضاً، وكذا في القِثَّاء مع الخِيَار (١). والبُقُول كالهِنْدِبا والنّعنَع وغيرهما أجناس، إذا قلنا: بِجَرَيان الربا فيها، ودهن السِّمْسم وكُسْبه جنسان، كالمخيض والسَّمن، وفي عصير العنب مع خلِّه وجهان: أظهرهما: أنهما جنسان لإفراط التَّفاوت في الاسم والصِّفة والمقصود، وفي السكر والفَانِيذ وجهان أيضاً: أظهرهما: أنهما جنسان لاختلاف قصبهما، والسكر والنبات والطَّبْرزد جنس واحد، والسكر الأحمر وهو القَوَالِبُ عكر الأبيض ومن قصبه، وسع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لمخالفتهما في الصفة. قال الإمام: ولعل الأظهر: أنه جنس من السُّكر.

стр. 1753

المسألة الثانية: بيع اللحم بالحيوان المأكول من جنسه باطل وهو قول مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمُزنِيّ. لنا ما روي أن النبي ﷺ : "نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ" (١). وإن باعه بحيوان مأكول لا من جنسه، كما لو باع لحم الشَّاة بالبقرة، فيبنى على أن اللحمين جنس أو أجناس. إن قلنا: إنهما جنس فهو باطل أيضاً. وإن قلنا: أجناس، فقولان: أحدهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه صحيح، كما لو باع اللَّحم باللَّحم. وأصحهما: أنه باطل لعموم الخبر. روي أن جَزُوراً نحرت على عهد أبي بكر ﵁ فجاء رجل بعِنَاق وقال: اعْطُوني جزءاً بهذه العِنَاق، فقال أبو بكر ﵁: لا يصلح هذا. وإن باعه بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان: أصحهما عند القَفَّال: المنع لظاهر الخبر. والثاني: الجواز؛ لأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هاهنا وفي بيع الشَّحْم والألْيَة والطّحَال والقَلْب والكِلْية والرِّئة بالحيوان وجهان، وكذا في بيع السّنَام بالأبل. أحدهما: يجوز؛ لأن النَّهي ورد في بيع اللَّحم بالحيوان. وأصحهما: المنع، لأنه في معناه، وعلى هذا الخلاف بيع الجِلْد بالحيوان إن لم يكن مَدْبوغاً، وإن كان مدبوغاً فلا منع، وعلى الوجهين أيضاً بيع لحم السَّمك بالشَّاة، ولا يجوز بيع دُهْن السِّمْسم ولا كُسْبه بالسمسم، ولا ببيع دهن الجُوز بلب الجُوز، ولا بيع السَّمن باللَّبن، كما لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، وبيع دقيق الحِنْطة بالحنطة. وذكر الإمام هاهنا إشكالاً وطريق حله. أما الإشكال، فهو: أن السِّمْسم جنس في نفسه لا أنه دُهن وكُسْب، واللبن جنس في نفسه لا أنه سمن ومَخِيض، ولهذا جاز بيع السِّمْسم بالسِّمْسم، واللبن باللبن، وإن كان لا يجوز بيع الدهن والكسب بالدهن والكسب، وبيع السمن والمَخِيض بالسَّمن

стр. 1754

والمخيض، وإذا كان جنساً برأسه وجب أن يجوز بيع السمسم بالدهن، كما جاز بيع السِّمْسم بالسِّمسم. وأما الحل: هو أنه إذا قُوبل السِّمسم بالسِّمْسم، واللّبن باللبن، فالعِوَضَان متجانسان في صفتهما الناجزة، فلا ضرورة إلى تفريق الأجزاء وتصوير ما يكون حينئذ، وإذا قوبل السِّمْسم بالدهن، فلا يمكننا جعل السِّمْسم مخالفاً للدهن، مع اشتمال السِّمسم على الدُّهن، وإذا ارتفعت المُخَالفة جاءت المُجَانسة، ولا شك أن مجانستهما في الدُّهْنِية فنضطر إلى اعتبارها، وإذا اعتبرناها كان ذلك بيع دهن وكسب بدهن. قوله في الكتاب: "إن جاز بيع كل واحد منهما بجنسه"، إشارة إلى هذا الإِشْكَال، ويجوز بيع الجُوز بالجُوز واللُّوز باللُّوز، ولا بأس بما عليهما من القِشْر؛ لأن الصلاح يتعلق به، ثم المعيار في الجُوز الوَزْن، لأنه أكبر من التَّمر، وفي اللوز الكيل، ويجوز أيضاً بيع لُب الجوز ولب اللوز بلب اللّوز لأنه أكبر. وفيه وجه: أنه لا يجوز بيع اللّب باللّب. لخروجه عن حالة الادِّخار، وبهذا أجاب في "التتمة". وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن نص الشافعي ﵁: أنه لا يجوز بيع الجُوز بالجوز، واللوز باللوز، مع القِشْر، وبيع البيض بالبيض، كبيع الجوز بالجوز، فيجوز على الظاهر، وإن كان في القِشْر، والمعيار فيه الوزن، ويجوز بيع لبن الشَّاة بغير اللّبُون من الشَّاة، وكذا باللّبُون إذا لم يكن في ضَرْعها لبن، إن جرى البَيع عقيب الحلب، وإن كان في ضَرْعها لبن لم يجز؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قِسْطاً من الثمن، ألا ترى أنه وجب التمر في مقابلته في المصَرَّاة؟ وكذا لو باع شاة في ضَرْعها لبن بشاة في ضَرْعها لبن كما لو باع حيواناً ولبناً بحيوان ولبن. وعن أبي الطَّيِّب ابن سَلَمة: أنه يجوز كبيع السِّمْسم بالسِّمسم، وبيع البيض بالدَّجَاجة كبيع اللبن بالشَّاة، ولو باع لبن الشاة ببقرة في ضَرْعها لبن. فإن قلنا: الألبان جنس واحد لم يجز. وإن قلنا: إنها أجناس فقولان للجمع بين مختلفي الحكم، فإن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط فيه التَّقابض، وما يقابله من الحَيَوان لا يشترط فيه التقابض -والله أعلم-. فرع: الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام؛ لأن النصوص الواردة فيه مطلقة. وبه قال مالك وأحمد. وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين،

стр. 1755

فأما بين حَرْبِيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما، فلا ربا -والله أعلم-. الْبَابُ الثَّالِثُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَةِ النَّهْي قال الغزالي: وَالمَنَاهِي قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ العَقْدِ وَذَلِكَ كَنَهْيهِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوَانِ (ح) وَبَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَانُ، وَبيْعِ الكَاليءِ بالكَاليءِ، وَبَيْعِ الغَرَرِ، وَبَيْعِ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، وَبَيْعِ عَسَبِ الفَحْلِ وَهُوَ نُطْفَتُهُ. قال الرافعي: مقصود الباب عدد البياعات التي ورد فيها نهي خاص، والتَّرجمة تقتضي انقسام الفساد إلى ما يكون للنهي وإلى ما يكون لغيره، لكن يمكن أن يقال: لإفساد إلا للنَّهي، فإن الربا الذي أفرده بالذّكر منهى عنه أيضاً، وكذا تفريق الصَّفقة إذا منعنا عنه، وكل فاسد منهى عنه إِمَّا نهي خاص وإما نهي عام. ثم ما ورد فيه النهي من البيوع قد يحكم بفساده قضية للنهي وهو الأغلب وقد لا يحكم، وهو حيث يقارن البيع ما يعرف عود النهي إليه كالمنع عن البيع حالة النّدَاء، فإنا نعلم أن المنع غير متوجّه نحو خصوص البيع، وإنما هو متوجّه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب المنهي، ولو باع في غير تلك الحالة لم يُصَادِفْه نَهْي. القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد وهو أنواع: فمنها: بيع اللَّحم بالحَيَوان وقد مر. ومنها: بيع ما لم يقبض وبيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان، وبيع الكَالئ بالكالئ وسنشرحها من بعد -إن شاء الله تعالى-. ومنها: بيع الغَرَر (١). فمنه بيع ما لم يقدرعلى تسليمه وقد سبق. ومنه أن يبيع مال الغير. "ومنْهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، رُوِي أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهَى عَنْهُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ" (٢). وله تفسيران: أحدهما: أن يبيع ما هو غائب عنه.
следующие страницы →