فرع: إذَا قبض المبيع في زمان الخِيَار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده، كَمَا لَوْ تلف في يد الَمشتري حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع ينفسخ البيع، ويسترد المشتري الثمن ويغرم القيمة، حكاه الإمام عن الصيدلاني؛ ثم أبدى في وجوب القيمة احتمالاً لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك.
واعلم: أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار، ولو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، وله استرداد المدفوع وقيل ليس لَهُ اسْترداده، وله أخذ ما عند صاحبه دون رضاه، كما لو كان التسليم بعد لزوم المبيع.
الرابع: لو اشترى زوجته بشرط الخِيَار ثم خاطبها بالطَّلاق في زمان الخيار؛ فإن تم العقد بينهما وقلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق، وإن قلنا: إنه للبائع وقع.
وإن فسخ وقلنا: إنه للبائع أو موقوف وقع.
وإن قلنا: للمشترى فوجهان (١) عن رواية الصَّيْمَرِي، وليس له الوَطْء في زمان الخِيَار، لأنه لا يدري أَيَطَأُ بالملك أو بالزوجية؟ هكذا حكى عن نصه، وفيه وجه آخر.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: "فالمبيع باق على ملكه معلَّم بالألف".
وقوله: "على الأصح" يمكن أن يريد به الأصح من الطريقين ويمكن أن يريد به الأصَحّ من الأقوال، وعلى التقدير الثاني يجوز إِعلامه بالواو للطريقة النافية للخلاف.
وقوله: "فالملك منتقل إليه" مُعلّم بالحاء والميم، والواو.
وقوله: "فثلاثة أقوال" بالواو.
وقوله: "موقوف" بالحاء والميم والألف، ووجه ذلك كله ما مر.
وقوله: "فينتظر آخر الأمر ... " إلى آخره عبارة أجراها على قول الوقف، ومعناها أن ما يستقر عليه العقد آخراً من الفسخ والإمضاء يقدر وجوده في الابتداء، فإن فسخ قدرنا أنه لم يجر بينهما عقداً، وإنْ أمضى قدرناه من الابتداء، هذا ما ينطبق اللفظ عليه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيَحْصُلُ الفَسْخُ بِوَطْءِ البَائِعِ (و) وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ القَبْضِ وَإِنْ
стр. 1857
كَانَ مِنْ وَلَدِهِ، وَلاَ تَحْصُلُ الإجَازَةُ (و) بسُكُوتِهِ علَى وَطْءِ المُشْتَرِي، وَمَا جَعَلْنَاهُ فَسْخاً مِنَ البَائِعِ فَهُوَ إِجَازَةٌ (و) مِنَ المُشْتَرِي إِنْ وُجِدَ، وَكَذَا الإِجَارَة وَالتَّزْوِيجُ في مَعْنَى البَيْعِ (و) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالعَرْضُ عَلَى البَيْعِ وَالإِذْنُ فِيهِ لاَ يَقْطَعُ خِيَار البَائِعِ.
قال الرافعي: لا يخفى فيما تحصل به الإجازة من الألفاظ، وما لا يحصل به الفسخ، كقول البائع: فسخت البيع، واسترجعت المبيع، ورددت الثمن.
وعن الصيمري: أن قول البائع في زمان الخيار: لا أبيع حتى يزيد في الثمن، وقول المشتري: لا أفعل اختياراً للفسخ، وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى تنقص لي من الثمن، وقول البائع: لا أفعل، وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، ثم في الفصل صور.
أحدها: إذا كان للبائع خيار فوطئه في زمان الخيار فسخ لإشعاره باختياره الإمساك ويخالف الرَّجْعَة لا تحصل بالوطء؛ لأن الرَّجْعَة لتدارك النِّكاح، وابتداء النكاح لا يحصل بالفعل، فكذا تداركه، والفسخ هاهنا لتدارك مِلْك اليمين، وابتداؤه يحصل تارة بالقول، وأخرى بالفعل، وهو السَّبْي فكذا تَدَارُكه جاز أنْ يحصل بالفعل.
وحكى الإمَامُ عَنْ بَعضِ الخلافيين وجهاً: أن وطء البائع ليس بفسخ تخريجاً من الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً للمملوكة والمنكوحة عند إبهام العتق والطَّلاَق؟
وروى القاضي ابن كج وجهاً: أنه إنما يكون فسخاً إذا نوى به الفسخ، وعلى المذهب لو قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفَرْج بِشَهْوة هل يكون فسخاً؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: نعم، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وبمثله أجاب في الاستخدام وركوب الدابة. لكن الأظهر في المذهب: أنهما لا يتضمَّنان الفسخ.
الثانية: إعتاق البَائع إن كان له الخيار فسخ بلا خلاف، وفي بيعه وجهان:
أحدهما: ليس بفسخ لأن الأصل بقاء العَقْد فيستصحب إلى أن يوجد الفَسْخ صريحاً وإنما جعلنا العِتْق فسخاً لقوته.
وأصحهما: أنه فسخ؛ لدلاته على ظهور النَّدم، وعلى هذا ففي صِحَّة البيع المأتي به وجهان: أصحهما: صحّته كالعتق.
والثاني: المنع؛ لأن الشيء الواحد لا يحصل به الفسخ. والعقد جميعاً، كما أن التكبيرة الثانية في الصلاة بنية الشروع يخرج بها من الصلاة فلا يشرع بها في الصلاة، ويجري هذا الخلاف في الإجارة والتزويج وكذا في الرَّهْن والهِبَة إن اتَّصَل بهما القبض، ولا فرق بين أنْ يهب ممن لا يتمكَّن من الرُّجُوع في هبته، وَبَيْنَ أَنْ يهب ممن يتمكن
стр. 1858
كما لَوْ وهب مِنْ ولده؛ لأن الملك في الصورتين زائل، والرجوع إعادة لما زال، وإن تجرَّدَ الرَّهْن والهِبَة عَنِ القَبْض فالحكم فيه كما في العرض على البيع وسيأتي -إن شاء الله تعالى-. الثَّالِثَةُ: إذا علم البائع أن المشتري يطأ الجارية وسكت عليه هل يكون مجيزاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم لإشعاره بالرِّضَا، وأيد ذلك بقوله في "المختصر": ولو عجل المشتري فوطئها وأحبلها قبل التفرق في غفلة من البائع، فاختار البائع الفسخ كان على المشتري مَهْر مثلها قيد بما إذا وطئ في غفلة من البائع.
وأصحهما: لا كما لو سكت على بيعه وإجارته، وكما لو سكت على وطء أمته لا يسقط به المهر، وهذا هو المذكور في الكتاب.
ولو وطئ بالإذن حصلت الإِجَازة، ولم يجب على المشتري مهر ولا قيمة ولد، وثبت الاسْتِيلاد بلا خلاف، وما مر في الفصل السابق مفروض فيما إذا باع ولم يأذن له البائع في الوطء ولا علم به.
الرابعة: وطء المشتري هل يكون إجازة منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل له الفسخ بعد ذلك، كما له الرد بالعيب بعد الوطء.
وأصحهما: وبه أجاب في الكتاب: نعم؛ لأن وطء البائع اختيار للمبيع، فكذا وطء المشتري، ويخالف الرد بالعيب لأنه عند الوطء جاهل بالحال، حتى لو كان عالماً يسقط الخيار. ولو أعتق المشتري نظر إن أعتق بإذن البائع نفذ، وحصلت الإجَازَة من الطَّرَفَيْن، وإن أعتق بغير إذنه ففي نفوذه ما سبق، فإن نفذ حصلت الإجَازة، وإلاَّ فوجهان حكاهما الإمام.
أظهرهما: الحصول أيضاً لدلالته على اختيار الملك.
قال: ويتوجه أن يقال: إن أعتق وهو يعلم عدم نفوذه لم يَكُنْ إجازة بلا خلاف.
ولو باع أو وقف أو وهب أو قبض بغير إذن البائع لم ينفذ، ولا يجئ فبها الخلاف المذكور في العِتْق لاختصاصه بمزيد القُوَّة والغلبة، وهل يكون إجازة؟
قال أبو إسحاق: لا؛ لأن الإجازة لو حصلت لحصلت ضمناً للتصرف فإذا لغا التَّصرف فلا إجازة
وقال الإصْطَخْري: نعم لدلالته على الرِّضَا والاختيار، وهذا أصَحُّ عند الأصحاب. ولو باشر هذه التَّصرفات بإذن البائع أو باع من البائع نفسه صح التصرف على أصح الوجهين.
стр. 1859
قال في "الشامل": وعلى الوجهين جميعاً يلزم البيع، ويسقط الخيار، ولكن قياس ما مر أن يكون سقوط الخيار، إن قلنا: بعدم نفاذها على الوجهين، ولو أذن له البائع في طَحْن الحِنْطة المبيعة فطحنها كان مجيزاً، ومجرد الإذن في هذه التَّصرفات لا يكون إجازة من البائع، حتى لو رجع قبل التصرف كان على خياره، ذكره الصيدلاني وغيره.
الخامسة: في العرض على البيع والإذن والتوكيل فيه وجهان، وكذا في الرهن والهبة دون القبض.
أحدهما: أن هذه التصرفات فسخ من جهة البائع، وإجازة من جهة المشتري لدلالتها على الاسْتِئْثَار بالبيع، ولهذا يحصل بها الرُّجوع عن الوَصِيّة.
وأظهرهما، وهو المذكور في الكتاب: أنها ليست بفسخ ولا إجازة، فإنها لا تقتضي إزالة مِلْك وليست بعقود لازمة، ومن المحتمل صدورها عن تردده في الفَسْخ والإجازة (١).
ولو باع المبيع في زمان الخِيَار بشرط الخِيَار.
قال إمام الحرمين: إن قلنا: لا يزول ملك البائع فهو قريب من الهبة الخالية عن القبض، وإن قلنا: يزول ففيه احتمال أيضاً؛ لأنه أبقى لنفسه مستدركاً.
وقوله في الكتاب: "لا يقطع خيار البائع" لا معنى للتخصيص بالبائع فإنه كما لا
стр. 1860
يقطع خيار البائع لا يقطع خيار المشتري، ولو أبدل لفظ البائع بالبيع لم يكن به بأس، والمواضع المُحْتَاجة إلى الإعلام من لفظ الكتاب بَيِّنة مِمَّا أوردناه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَى عَبْداً بِجَارِيةٍ وَأَعْتَقَهُمَا مَعاً تَعَيَّنَ العِتْقُ في العَبْدِ عَلَى الأَصَحِّ (ح) تَقْدِيماً لِلإجَازَةِ عَلَى الفَسْخِ.
قال الرافعي: إذا اشترى عبداً بجاربة ثم أعتقهما معاً، نظر إن كان الخيار لهما عتقت الجارية، بناء على ما مر أن إعتاق البائع نافذ متضمّن للفسخ، ولا يعتق العبد المشتري، وإن جعلنا الملك فيه لمشتريه لما فيه من إبطال حق صاحبه على الأصح، وعلى الوجه الذي قلنا بنفاذ إعتاق المشتري تفريعاً على أن الملك للمشتري؛ يعتق العبد ولا تعتق الجارية. وإن كان الخِيَار لمشتري العبد وهو المراد من مسألة الكتاب لم يحكم بعتقهما معاً، وعن أبي حنيفة: أنهما يعتقان.
لنا: أنه لا ينفذ إعتاقهما على التعاقب فكذلك دفعة واحدة، وفيمن يعتق منهما وجهان: أحدهما، وهو ما أورده ابن الصباغ: أنه يعتق الجارية؛ لأن تنفيذ العتق فيها فسخ وفي العبد إجازة، والفسخ والإجازة إذا اجتمعا نفذ الفسخ، ولهذا لو فسخ أحد المتبايعين وأجاز الآخر قدم الفسخ.
وأصحهما، وبه أجاب ابن الحداد: أنه يعتق العبد؛ لأن الإجازة إبقاء للعقد، والأصل فيه الاستمرار. قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أن الملك في زمان الخيار للبائع أو المشتري.
إن قلنا بالأول فالعبد غير مملوك لمشتريه، وإنما ملكه الجارية فينفذ العتق فيها.
وإن قلنا بالثاني فملكه العبد فينفذ العتق فيه، ثم حكى وجهاً ثالثاً وهو: أنه لا يعتق واحد منهما؛ لأن عِتْقَ كل واحد منهما يمنع عتق الآخر، وليس أحدهما أولى من الآخر فيتدافعان. وإن كان الخِيَار لبائع العَبْد وحده فالمعتق بالإِضَافة إلى العَبْد مشترٍ، والخيار لصاحبه، وبالإضافة إلى الجَارِية بائع والخيار لصاحبه، وقد سبق الخلاف في إعتاقهما والصورة هذه، والذي يخرج منه الفتوى: أنه لا حكم بنفوذ العِتْق في واحد منهما في الحال، فإن فسخ صاحبه البيع فهو نافذ في الجارية، وإلاَّ ففي العبد.
ولو كانت المسألة بحالها وأعتقهما مشتري الجارية، فقس الحكم بما ذكرنا.
وقيل: إن كان الخِيَار لهما عتق دون الجَارِيَة على الأصَحّ، وإن كان الخِيَار للمعتق وحده فعلى الوجوه الثلاثة في الأول يعتق العبد، وفي الثاني: تعتق الجارية، ولا يخفى الثالث.
قال الغزالي: (القِسْمُ الثَّانِي خِيَارُ النَّقِيصَةِ) وَهُوَ مَا يَثْبُتُ بِفَوَاتِ أَمْرٍ مَظْنُونٍ نَشأ الظَّنُ
стр. 1861
فِيهِ مِن الْتِزَام شَرْطِيٍّ، أَوْ قَضَاءٍ عُرْفِيٍّ، أَوْ تَغْرِيرٍ فِعْلِيٍّ أَمَّا الالْتِزَامُ الشَّرْطِيُّ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُ بِشَرْطِ أنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ أَوْ مُتَجَعِّدُ الشَّعرِ فَإنْ فُقِدَ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ، وَكَذَلِك كُلُّ وَصْفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ أَوْ مَالِيَّةٌ.
قال الرافعي: لما فرغ عن الأول من قسمي الخيار، وهو خيار التَّرَوِيّ شرع في الثاني، وهو خيار النَّقِيصَة المنوط بفوات شيء في المعقود عليه كأن يتوقع ويظن حصوله، وذلك الظَّن على ما ذكره ينشأ من أحد ثلاثة أمور:
أولها: أن يشرط العاقد كَوْنَ المعقود عليه بتلك الصِّفة.
وثانيها: اطِّراد العُرْف بحصولها فيه.
وثالثها: أنْ يفعل العاقد ما يووث ظَنّ حصولها فالأول مثل قوله: بِعْتُ هذا العبد بشرط أنه كاتب أو خباز.
واعلم: أن الصِّفَات الملتزمة بالشرط قسمان:
أحدهما: الصِّفَات الَّتِي تتعلّق بها زيادة مالية فيصح التزامها، والخلف فيها يثبت الخيار كالعَيْب.
والثَّاني: الصِّفَات الَّتِي لا تتعلّق بها زيادة مالية وهي قسمان:
أحدهما: التي يتعلق بها غرض معقول والخلف فيها يثبت الخيار أيضاً وفاقاً أو على اختلاف فيه وذلك بحسب قوة الغَرَض وضعفه.
والثاني: التي لا يتعلق بها غرض معقول، فاشتراطها يَلْغُو ولا خِيَار بفقدها، ولنقض الصور على هذه الأقسام:
فإذا شرط كون العبد خَبَّازاً أو كاتباً أو صائغاً فهو من القسم الأول، ويكفي أن يوجد من الصفة المشروطة ما ينطلق عليه الاسم، ولا تشترط النهاية فيها ولو شرط إسلام العبد فَبَانَ كافراً، فله الرد لفوات فضيلة الإسلام، وكذا لو شرط تهوّد الجارية أو تنصُّرها فَبَانَت مجوسية، ولو شرط كفر الرَّقيق فَبَانَ مسلماً ثبت الخيار على المذهب، وبه قال أحمد لا لنقيصة ظهرت، ولكن لأن الكافر يشتريه المسلم والكافر، والمسلم لا يشتريه إلاَّ المسلم فقط فتقل فيه الرغبات.
وقيل: إن كان قريباً من بلاد الكفر أو في ناحية أغلب أهلها الذِّميون ثبت الخيار وإلا فلا. وقال أبو حنيفة والمزني: لا خيار أصلاً.
ولو شرط بكَارة الجارية فَبَانَت ثَيِّباً فله الرد، ولا فرق بين أن تكون الجارية المُشْتَراة بهذا الشرط مزوَّجة أو غير مزوجة.
стр. 1862
وعن أبي الحسن: أن أبا إسحاق قال: لا خيار إذا كانت مزوَّجة؛ لأنها وإن كانت بِكْراً فالافتضاض مستحقّ للزوج ولا غرض للمشتري في بكارتها، والمذهب الأول؛ لأن الزوج قد يطلقها فتخلص له، ولو شرط ثِيَابتَها فَبَانَت بِكْراً فوجهان:
أحدهما: أنه يثبت الخيار؛ لأنه قد يضعف عن مباشرة البِكْر فيريد الثَّيِّب.
وأصحهما: أنه لا خيار؛ لأن البِكْر أفضل وأكثر قيمة فصار كما لو شرط كون العبد أمّياً فَبَانَ كاتباً، أو فاسقاَ فَبَانَ عفيفاً، ولو شرط السُّبُوطَة في الشعر فَبَانَ جَعْداً، فعلى هذين الوجهين؛ لأن السَّبْط قد يكون أشهى إلى بعض الناس، ولو شرط الجُعُودة فَبَانَ سَبْطًا ثبت الخيار.
فإن قلت: ذَكَرْتُمُ في بَيْع الأَمَةِ أنَّ رؤية الشعر معتبرة على أصح الوجهين والشعر إذا رؤي عرفت جُعُودته وسَبُوُطَته فكيف تصورون المسألة؟
فالجواب: أن خرجوها على تجويز بيع الغائب وعلى أن رؤية الشَّعر غير معتبرة واضح. وأما على الأصح فإن الشعر قد يرى ولا تعرف جُعُودته وَسُبُوطته لعروض ما يستوي الحالتان عنده من الابْتِلاَل وقرب العهد بالتَّسْريح ونحوهما.
ولو لبس تَجْعيد السّبط أو بالعكس فسيأتي ذلك -إن شاء الله تعالى- ولو شرط كون العبد خَصِيّاً فَبَانَ فَحْلاً، أو بالعكس ثبت الرَّد؛ لشدة اختلاف الأغراض.
وذكر أبو الحسن العبادي: أنه لا رد في الصورة الأولى؛ لأن الفُحُولة فضيلة ولو شرط كونه مَخْتُوناً فَبَانَ أَقْلَف فله الرد وبالعكس لا يرد.
قال في "التتَّمة": إِلاَّ أنْ يكون العبد مَجُوسياً وثَمَّ مجوسيون يشترون الأَقْلفَ بزيادة فله الرد.
ولو شرط كونه أحمق أو ناقص الخِلْقَة فهو لغو.
واعلم: أن خيار الخلق على الفور، ويبطل بالتأخير على ما سنذكر في المعيب -إن شاء الله تعالى- ولو تعذر الرَّد بهلاك وغيره فله الأَرْش، كما في العيب، ومسائل الفَصْل بأسرها مبنية على أن الخلف في الشرط لا يوجب فساد البيع.
وحكى الحَنَّاطِي قولاً غريباً أنه يوجبه -والله أعلم-.
قال الغزالي: (وَأَمَّا القَضَاء العُرْفِيُّ) فَهُوَ السَّلاَمَةُ عَنِ العُيُوبِ المَذْمُومَةِ فَمَهْمَا فَاتَتْ ثَبَتَ الخِيَارُ، وَذَلِكَ بِكُلِّ عَيْبٍ يُنْقِصُ القِيمَةَ، وَالخَصِيُّ مَعِيبٌ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَاعْتِيَادُ الزِّنَا والسَّرِقَةِ وَالِإبَاقِ وَالبَوْلِ في الفِرَاشِ (ح) عَيْبٌ، وَالبَخَر والصُّنَانُ (ح) الَّذِي لاَ يَقْبَلُ المُعَالَجَةَ وَيُخَالِفُ العَادَةَ عَيْبٌ في العَبِيدِ وَالإِمَاءِ، وَكَوْنُ الضَّيْعَةِ مَنْزِلَ الجُنُود، وَثِقَلُ الخَرَاجِ عَيْبٌ.
стр. 1863
قال الرافعي: الثَّاني من أسباب الظَّن اطِّراد العرف فَمَنْ دخل في العَقْد لتحصيل مال كان ظَانّاً صفة السلامة فيه، لأن سلامة الأَشْخَاص والأَعْيان عن العيوب المَذْمُومة هي الغَالبة، والغلبة من موجبات الظن، وحينئذ يكون بذله المال في مقابلة السليم، فإذا تبين العيب وجب أنْ يتمكن من التَّدارك، والأصل فيه من جهة النَّقْل ما روي عن عائشة ﵂: "أَنَّ رَجُلاً اشْتَرَى غُلاَماً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ الله تعالى ثم رَدَّهُ مِنْ عَيْبٍ وَجَدُهُ" (١). ومن باع عيناً وهو يعلم بها عيباً وجب عليه أن يبينه (٢) روي أنه- ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا" (٣).
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النّبي ﷺ قال: "الْمُسْلِمُ أَخُ الْمُسْلِم لاَ يَحِلُّ لِمَنْ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا يَعْلَمُ فِيهِ عَيْباً إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ" (٤).
إذا تقرر ذلك ففي الفصل ذكر عيوب (٥) معدودة:
стр. 1864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1867
منها: لو اشترى عبداً فوجده خَصِيّاً (١) أو مَجْبُوباً فله الرد؛ لأن الفَحْلَ يصلح لما لا يصلح- له الخَصِيّ، وقد دخل في العقد على ظن الفُحُولة؛ لأن الغالب سلامة الأعضاء، فإذا فات ما هو متعلّق الغرض وجب ثبوت الرَّد، وإن زادت القيمة باعتبار آخر.
ومنها: الزّنا (٢) والسَّرقة عيبان لتأثيرهما في نقصان القيمة.
وقال أبو حنيفة: الزِّنَا عيب في الإمَاء دون العَبِيْد، نعم لو ثبت زنا العبد عند الحاكم ولم يقم عليه الحَدّ بعد ثبت الرد.
ومنها: الإِبَاق وهو من أَفْحَش عيوب المماليك (٣). ومنها: البَوْل في الفِراش عيب في العَبِيد والإِمَاء إذا كان في غير أوانه، أما في الصغر فلا. وقدره في "التهذيب" بما دون سبع سنين.
стр. 1868
وقال أبو حنيفة: إنه عيب في الإماء دون العبيد.
ومنها: البَخَرُ والصّنَان عيبان، خلافاً (١) لأبي حنيفة في العَبِيد.
لنا أنهما يؤذيان عند الخِدْمة والمُكَالمة وينقصان القيمة، والبَخَرُ الذي نجعله عيباً هو الناشئ من تغيُّر المَعِدَة، دون ما يكون لفَلْجِ (٢) الأَسْنان، فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، والصُّنَان الذي نجعله عيباً هو المستحكم الذي يخالف العادة، دون ما يكون لعارض عرق أو حركة عنيفة أو اجتماع وَسَخٍ.
ومنها: كون الضَّيْعَة أو الدَّار منزل الجنود عيب؛ لأنه يقلل الرَّغبات.
قال القاضي حسين في "فتاويه": وهذا إذا اختصت- من بين ما حواليها بذلك.
فَأمَّا إذا كان ما حواليها من الدُّور بمثابتها فلا رد به، وكونها ثقيلة الخَرَاج عيب أيضاً (٣)، وإن كُنَّا لا نرى أصل الخراج في تلك البلاد؛ لتفاوت القيمة والرغبات، ونعني بثقل الخراج أن يكون فوق المعتاد في أمثالها، وعن حكاية أبي عاصم العبادي وجه: أنه لا رد بثقل الخراج ولا بكونها منزل الجنود لأنه خلل في نفس المبيع.
وألحق في "التتمة" بهاتين الصورتين ما إذا اشترى داراً فوجد بقربها قَصَّارين يؤذون بصوت الدَّق ويزعزعون الأبنية، أو أرْضاً فوجد بقربها خَنَازِير تفسد الزرع.
ولو اشترى أرضاً وهو يتوهم ألاَّ خراج عليها فَبَانَ خلافه، نظر إن لم يكن على مثلها خراج فله الرد، وإن كان على مثلها ذلك القدر فلا رد.
стр. 1869
وَأَمَّا لفظ الكتاب فقوله: "فمهما فاتت" يعني السَّلامة.
وقوله: "وذلك" أي فواتها. وقوله: "بكل عيب ينقص القيمة" لا يصلح للضبط، لمسألة الخَصِيِّ، وريما يذكر في آخر الفصل ما يصلح له. وقوله: "واعتياد الزنا ... " إلى آخره يشعر باعتبار الاعتياد في الأمور المذكورة وليس كذلك.
أما في الزِّنا فقد نصوا على أنه لو زنا مَرَّة في يد البائع فللمشتري الرَّد وإنْ تاب وحسنت حاله؛ لأن تهمة الزِّنَا لا تزول عنه أَلاَ ترى أن الحُرَّ إذا زنا لا يجد قاذفه وإن تاب. وأمّا الإِبَاق فعن أبي علي الزّجاجي: "أنه لو أبق في يد البائع فللمشتري الرد به. وإن لم يأبق في يده. وهذا ما اختاره القَاضِي حسين وقال: الفعلة الواحدة في الإباق يجوز أن تعد عيباً أبدياً"، كالوطء في إبطال الحَصَانة، والسرقة قريبة من هذين.
وأما البول في الفراش فالأظهر اعتبار الاعتياد فيه، -والله أعلم-. وقوله: "الصُّنَان الذي لا يقبل العلاج" هذا القيد لا حاجة إليه، كما في سائر العلل والأمراض، والإمام لم يذكره هكذا.
وإنما قال: إذا كان لا يندفع إلا بعلاج يخالف المعتاد وهو مستقيم، هذا ما يتعلق بفقه الكتاب ولفظه، ونعد بعده عيوباً.
فمنها: كون الرَّقيق مجنوناً أو مُخْبلاً أو أبْلَهَ أو أَبْرَص أو مَجْذُوماً أو أشَلّ أَوْ أَقْرَع، أو أَصَمَّ أو أَعْمَى أو أعور أو أخْفَشَ أو أجْهَر أو أغشَى أو أخْشَم أو أبْكَم أو أرثْ لا يفهم، أو فقيد حَاسّة الذوق، أو فقيد إِصْبُع أو أنْمُلَة، أو فقيد الظِّفر والشّعر، كذا قاله في "التتمة". ومنها: كونه ذا إصْبُع زائدة، أو سنّ شَاغِبَة، أو مَقْلُوع بعض الأَسْنان، أو أدْرَدا، وكون البهيمة دَرْدَاء، إلا في السِّن المعتاد، وكونه ذا قُرُوح أو ثَآلِيل كثيرة، أو بَهَق (١) قاله الصيمري، وكونه مريضاً مرضاً مخوفاً، وكذا في سائر الحيوانات، كذا قاله في "التتمة"، وكونه أبيض الشعر في غير أوانه، ولا بأس بحمرته، وكونه (٢) تَماماً أو
стр. 1870
سَاحِراً أو قاذفاً للمحصنات، وكونه مقامراً أو تاركاً للصلاة أو شارباً للخَمْر (١). وفي "الرقم" للعبادي: أنه لا يَرَدّ بالشرب وترك الصلاة.
وكونه خُنْثَى مشكلاً أو غير مشكل، وعن بعض المتأخرين: أنه إنْ كان رجلاً وكان يبول من فرج الرجال فلا رد، وكون العبد مخنثاً أو ممكناً من نفسه، وكون الجارية رَتْقَاء أو قَرْنَاء أو مُسْتَحَاضة أو مُعْتَدَّة أو محرمة، أو مُتَزَوّجة، وكون العبد متزوجاً. وفي "البيان" حكاية وجه في التزوج (٢). وتعلق الدَّين برقبتهما، ولا رد بما يتعلق بالذمة.
وكونهما مُرْتدين. ولو كانا كافرين أصليين فمنهم من قال: لا رد في العَبِيد، ولا في الإماء، سواء كان ذلك الكفر مانعاً من الاستمتاع، كالتَمَجُّس والتنصر والتَّوثُّن، أو لم يكن كالتهوُّد والتنصُّر، هذا ما أورده في "التتمة".
والأظهر، وهو المنقول في "التهذيب": أنه لو وجد الجارية مجوسية أو وثنية، فله الرد، ولو وجدها كتابية أو وجد العبد كافراً، أي [كُفْر كان]، فلا رد إن كان قريباً من بلاد الكفر بحيث لا تقل فيه الرغبات، وإنْ كان في بلاد الإسلام بحيث تقل الرَّغبات في الكافر، وتنقص قيمته فله الرَّد، ولو وجد الجَارِية لا تَحِيض وهي صغيرة أوْ آيسة فلا رَدُّ، وإِنْ كانت في سنٍّ تحيض النِّسَاء في مثلها غالباً فله الرد، وكذا إذا تطاول طهرها وجاوز العادات الغالبة فله الرد يكون الجارية حاملاً، ولا رد به في سائر الحيوانات. وقال في "التهذيب": يثبت به الرد.
ومنها: كون الدَّابة جَمُوحاً (٣) أو عضوضاً أو رموحاً (٤)، وكون الماء المشتري مشمساً، قاله الرُّويَانِيُّ في "التجربة".
стр. 1871
والرَّمل تحت الأرض إن كانت مما تطلب للبناء، والأحجار، وإن كانت مما تطلب للزرع والغرس، ولا رد يكون الرقيق رطب الكلام أو غليظ الصَّوت أو سيء الأدب، أو ولد الزنا أو مغنياً، أو حَجَّاما أو أَكُولاً أو زَهِيداً، وتردّ الدّابة بالزّهَادة، ولا بكون الأمة ثَيّباً، إلاَّ إذا كانت صغيرة، وكان المعهود في مثلها البَكَارة ولا بكونها عقيماً، وكون العبد عِنِّيناً، وعن الصيمري إثبات الرد بالعُنَّة، وهو الأظهر عند الإمام ولا يكون الأمة مَخْتُونة أو غير مختونة، وكون العبد مختوناً أو غير مختون، إلاَّ إذا كان كبيراً يخاف عليه من الخِتَان.
وقيل: لا تستثنى هذه الحالة أيضاً، ولا يكون الرقيق ممن يعتق على المشتري، ولا بكون الأمة أخته من الرِّضَاع أو النَّسَب أو موطوءة أبيه، أو ابنه، بخلاف المحرمة والمعتدة؛ لأن التحريم ثم علم يقلّل الرغبات، وهاهنا يختص التحريم به.
ورأى القاضي ابن كَجٍّ: إلحاق ما نحن فيه بالمحرمة والمعتدة، ولا أثر لكونها صائمة وفيه وجه ضعيف.
ولو اشترى شيئاً ثم بَانَ له أن بائعه باعه بوكالة أو وِصَاية أو وِلاَية أو أمانة (١) فهل له الرد لخطر فساد النيابة؟
حكى القاضي المَاوِرْدِي فيه وجهين (٢)، ونقل وجهين أيضاً فيما لو بَانَ كون العبد مبيعاً في جناية عمد وقد تاب عنها، وإن لم يتب فهو عيب، والجناية خطأ ليست بعيب، إلاَّ أنْ تكثر.
ومن العيوب: كون المبيع نجساً إذا كان مما ينقص بالغسل، وخشونة مشي الدَّابة بحيث يخاف منها السقوط، وأضرب البهيمة لبن نفسها. وذكر القاضي أبو سعد بن أحمد في "شرح أدب القاضي" لأبي عاصم العبادي فصلاً في عيوب العَبِيد والجَوَاري.
ومنها: اصْطِكَاك الكَفَّيْن، وانقلاب القَدَمَيْن (٣) إلى الوَحْشي والخَبَلاَن الكثيرة، وآثار الشّجَاج والقُرُوح والكَيّ، وسواد الأَسْنَان، وذِهَاب الأَشْفَار، والكَلْفُ المُغَيِّر للبَشَرة، وكون إحدى يدي الجارية أكبر من الأخرى، والحُفَر في الأسنان، وهو تراكم الوسخ الفاحش في أصولهما (٤)، هذا ما حضر ذكره من العيوب، ولا مطمع في استيعابها، لكن إن أردت ضبطاً فأشدُّ العبارات تلخيصاً ما أشار إليه الإمام ﵀
стр. 1872
تعالى-، وهو أن يقال: يثبت الرد بكل ما في المعقود عليه من منقص للقيمة أو العَيْن نقصاناً يفوت به غرض صحيح، بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه (١).
وإنما اعتبرنا نقصان العَيْن لمسألة الخَصِيّ، وإنما لم نكتف بنقصان العَيْن بل شرطنا فوات غرض صحيح به، لأنه لو بَانَ قطع فَلْقة يسيرة من فخذه أو ساقه لا تورث شيئاً ولا تفوِّت غرضاً لا يثبت الرد، ولهذا قال صاحب "التقريب": لو قطع من أذن الشَّاة ما يمنع التَّضحية ثبت الرد وإلاَّ فلا، وإنما اعتبرنا الشرط المذكور؛ لأن الثِّيَابة مثلاً في الإمَاء، معنى ينقص القيمة، لكن لا ردّ بها؛ لأنه لا يمكننا أن نقول: الغالب فيهن عدم الثِّيَابَة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَكُلُّ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ القَبْضِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ، وَالرَّدُّ يَثْبُتُ بِهِ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ فَلاَ خِيَارَ بِهِ (م). وَإنْ اسْتَنَدَ إلَى سَابِقٍ كَالقَطْعِ بِسَرقَةٍ سَابِقَةٍ وَالقَتْلِ بردَّةٍ سَابِقَةٍ وَالافْتِرَاعِ بِنِكَاحٍ سَابِقٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: العيب ينقسم إلى ما كان موجوداً قبل البيع فيثبت به الرد، وإلى ما حدث بعده، فينظر إن حدث قبل القبض فكمثل؛ لأن المبيع قبل القبض من ضمان البائع، وإن حدث (٢) بعده فله حالتان:
стр. 1873
إحداهما: أنْ لا يستند إلى سبب سابق على القبض فلا رد به.
وقال مالك: عهدة الرَّقيق ثلاثة أيام إلاَّ في المجنون والجُذَام والبرص، فإنها إذا ظهرت إلى سنة ثبت الخيار.
لنا القياس على ما بعد الثلاثة.
والحالة الثانية: أَنْ يستند إلى سبب سابق على القبض وفيها صور:
إحداها: بيع العبد المرتد صحيح على المذهب كبيع العبد المريض المشرف على الهلاك.
وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنه لا يصح تخريجاً من الخلاف في العبد الذي قتل في المُحَاربة، إن تاب قبل الظّفَر به فبيعه كبيع العبد الجاني لسقوط العقوبة المُتَحَتِّمة، وكذا إن تاب بعد الظَّفَر وقلنا بسقوط العقوبة وإلا فثلاثة طرق:
أظهرها: عند كثير من الأئمة: أن بيعه كبيع المرتد.
والثاني: وهو اختيار أبي حامد وطائفة القطع بمنع بيعه إذ لا منفعة فيه لاستحقاق قتله بخلاف المرتد فإنه ربما يسلم.
والثالث: وبه قال القاضي أبو الطيب: أنه كبيع الجاني.
إذا عرفت ذلك فإن صححنا البيع في هذه الصور فقتل العبد المرتد أو المُحَارب أو الجاني جناية توجب القِصَاص، نظر إن كان ذلك قبل القبض انفسخ البيع، وإن كان بعده وكان المشتري جاهلاً بحاله ففيه وجهان:
أحدهما، وبه قال أحمد وابن سُرَيجٍ وابن أبي هريرة والقاضي أبو الطَّيب: أنه من ضمان المشتري؛ لأن القبض سلطة على التَّصَرُّف فيدخل المَبِيع في ضمانه أيضاً، لكن تعلّق القتل برقبته كعيب من العيوب، فإذا هلك رجع على الباَئع بالأَرْش، وهو نسبة ما بين قيمته مستحق القتل، وغير مستحق القتل من الثمن.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة وابن الحَدَّاد وأبو إسحاق: أنه من ضمان البائع؛ لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما لو باع عبداً مغصوباً فأخذه المستحق منه، فعلى هذا يرجع المشتري عليه بجميع الثمن، ويخرج على الوجهين مؤنة تجهيزه من الكفن والدَّفن وغيرهما، ففي الأول هي على المشتري، وفي الثانية على البائع.
وإن كان المشتري عالماً بالحال عند الشِّراء أو تبيِّن له بعد الشراء ولم يردّ، فعلى الوجه الأول: لا يرجع بشيء كما في سائر العيوب.
وعلى الثاني: فيه وجهان:
стр. 1874
أحدهما، ويحكى عن أبي إسحاق وهو اختيار أبي حامد: أنه يرجع بجميع الثمن إتماماً لِلتَّشْبيه بالاستحقاق.
وأصحهما عند الجمهور وهو قول ابن الحداد: أنه لا يرجع بشيء لدخوله في العقد على بصيرة أو إمساكه مع العلم بحاله (١)، وليس هو كظهور الاستحقاق من كل وجه، ولو كان كذلك لمَا صح بيعه أصلاً.
الثانية: بيع العبد الذي وجب عليه القطع قصاصاً أو بسرقة صحيح بلا خلاف، فلو قُطع في يد المشتري عاد التَّفْصيل المذكور في الصورة السابقة، فإن كان جاهلاً بحاله حتى قطع، فعلى قول ابن سريج ومن ساعده: ليس له الرد؛ لأن القطع من ضَمَانه ولكن يرجع على البائع بالأَرْش، وهو ما بين قيمته مستحق القَطْع وغير مستحقه من الثمن. وعلى الأصح: له الرد واسترجاع جميع الثمن، كما لو قطع في يد البائع، فلو تعذر الرد بسبب، فالنظر في الأَرْش على هذا الوجه إلى التفاوت بين العبد السَّليم والأقطع، وإن كان المشتري عالماً فليس له الرد ولا الأَرْش.
قال الشيخ أبو علي: ولا يجيء هاهنا الوجه المحكي عن أبي إسحاق في القتل؛ لأنه لا يبقى ثم شيء ينصرف العقد إليه وهاهنا بخلافه -والله أعلم-.
الثالثة: لو اشترى جارية مزوجة، ولم يعلم بحالها حتى وطئها الزَّوْج بعد القبض، فإن كانت ثيباً فله الرد، وإن كانت بكراً فنقصت بالاقتضاض، فهو من ضمان البائع أو المشتري؟ فيه الوجهان.
стр. 1875
إن جعلناه من ضمان البائع فللمشتري الرد بكونها مزوجة، فإن تعذر الرد بسبب رجع بالأَرْش، وهو ما بين قيمتها بِكْراً غير مزوجة ومزوجة مفتضة من الثمن.
وإن جعلناه من ضمان المشتري فلا رد له وله الأرْش، وهو ما بين قيمتها بكراً غير مزوجة وبكراً مزوجة من الثمن. وإن كان عالماً بكونها مزوجة، أو علم ورضي فلا رد له، فإن وجد بها عيباً قديماً بعدما اقتضت في يده فله الرد، إن جعلناه من ضمان البائع وإلاَّ يرجع بالأَرْش، وهو ما بين قيمتها مزوجة ثيباً سليمة ومثلها معيبة (١).
الرابعة: اشترى عبداً مريضاً وتمادى المرض إلى أن مات في يد المشتري، فعن الشيخ أبي محمد فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف المذكور في الصورة السابقة، ويحكى هذا عن الحَلِيميّ.
وأظهرهما وأشهرهما: القطع بأنه من ضمان المشتري؛ لأن المرض يزداد شيئاً فشيئاً إلى الموت، والرد خصلة واحدة وجدت في يد البائع، فعلى هذا إذا كان جاهلاً رجع بالأرش، وهو ما بين قيمته صحيحاً ومريضاً.
وتوسط صاحب "التَّهْذيب" بين الطريقين، فقطع فيما إذا لم يكن المرض مخوفاً بكونه من ضمان المشتري، وجعل المرض المخوف والجرح السَّاري على الوجهين.
واعلم: أن هذه الصُّورة والخلاف فيها قد ذكرها في أحكام بيع الثِّمَار وإن لَمْ تكن مذكورة في هذا الموضع، وإذا وقفت على هذا الشرح، عرفت أن الخلاف في قوله في الكتاب: "فيه خلاف" ليس منصوصاً في أنه هل يثبت خيار الرد في جميع الصور المذكورة، لأن في صورة قتل المرتد، إن جعلناه من ضمان المشتري فلا رد لهلاك المبيع، وإنْ جعلناه من ضمان البائع فينفسخ البيع، ويتبيَّن تلفه على ملك البائع، وحينئذ لا معنى لخيار الرد، فإذًا الخلاف في هذه الصورة في أنه من ضمان من؟
على ما تقرَّر في الصورتين الباقيتين يصح في خيار الرَّد بناء على هذا الأصل -والله أعلم-.
стр. 1876
قال الغزالي: (وَأَمَّا التَّغْرِيرُ الفِعْلِيُّ) فَهُوَ أَنْ يُصَرِّي ضَرْعَ الشَّاةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ وَيُخَيِّلَ غَزَارَةَ اللَّبَنِ فَمَهْمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ ثَلاثةِ أَيَّام رَدَّها (ح) وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ بَدَلاً عَنِ اللَّبَنِ الكَائِنِ في الضَّرْعِ الَّذِي تَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهِ لاخْتِلاَطِهِ بِغَيْرِ المَبِيعِ لِوُرُودِ الخَبَرِ، وَلَوْ تَحَفَّلَتِ الشَّاةُ بِنَفْسِهَا، أَوْ صُرِّيَ الأَتَانُ، أَو الجَارِيةُ أَوْ لُطِّخَ الثَّوْبُ بِالمِدَادِ مُخَيِّلاً أَنَّهُ كَاتِبٌ فَلاَ خِيَارَ لَهُ (ح و)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى النُّصُوص، وَأَحْوَطُ المَذْهَبَيْنِ أَنَّ غَيْرَ التَّمْرِ لاَ يَقُومُ مَقَامَ التَّمْرِ، وَأَنَّ قدْرَ الصَّاعِ لاَ يَنْقُصُ (و) بِقلَّةِ اللَّبَنَ وَلاَ يَزِيدُ بِكَثْرَتِهِ لْلاتِّبَاعِ.
قال الرافعي: السبب الثالث مِنْ أسباب الظَّن: الفعل المغرر، والأصل في صورة التَّصْرِية وهي أن يربط أَخْلاَف الناقة (١) أو غيرها ويترك حلابها يومين أو أكثر حتى
стр. 1877
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1884
يجتمع اللَّبن في ضَرْعها، فيتخَيَّل المُشْتَري غزارة لبنها ويزيد في الثَّمن.
واشتقاقها من قولهم: صَرّ الماء في الحوض ونحوه: أي جمعه.
وتسمى المُصَرّاة مُحَفَّلة أيضاً، وهو من الحفل، وهو الجمع أيضاً، ومنه قيل للجمع: محفل. وهذا الفعل حرام لما فيه من التَّدْلِيس (١)، ويثبت به الخيار للمشتري، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "لاَ تُصِرُّوا في الإبِلِ وَالْغَنَمِ لِلْبَيْعِ، فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ للنَّظَرَيْنِ مِنْ بَعْدِ أن يَحْلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ".
وروي: (بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا ثَلاثاً).
وقوله: بعد ذلك: أي بعد هذا النهي.
وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: "مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ لاَ سَمْرَاءَ" (٢).
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ مُحَفّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ لَبَنِهَا قَمْحاً" (٣) إذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسائل:
إحداها: كيف يثبت خيار التَّصرية؟ فيه وجهان:
стр. 1885
أحدهما، وبه قال أبو حامد المَرُوزي: أنه يمتد ثلاثة أيام لظاهر الخبر.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه على الفور كخيار العيب، وما ذكره في الخبر بناء على الغالب، إذ التَّصْرِية لا تتبين فيما دون الثلاثة غالباً؛ لأنه يحمل النقصان على اختلاف العلف وتبدل الأيدي وغيرهما، وللوجهين فروع:
أحدها: لو عرف التَّصْرية قبل ثلاثة أيام بإقرار البائع، أو بشهادة الشهود ثبت له الخيار على الفور في الوجه الثاني. وعلى الأول يمتد إلى آخر الثَّلاَثة، وابتداؤها من وقت العقد أو من وقت التَّفرق، يعود فيه الوجهان المذكوران في خيار الشرط.
والثاني: لو عرف التَّصْرِية في آخر الثَّلاَثة أو بعدها ذكر في "الحاوي": أن على الوجه الأول: لا خيار له لامتناع مجاوزة الثلاث كما في خيار الشرط.
وعلى الثاني يثبت، وعلى هذا فهو على الفور بلا خلاف.
والثالث: لو اشترى وهو عالم بكونها مُصُرَّاة، فعلى الأول: له الخيار أخذاً بظاهر الخبر. وعلى الثاني لا خيار كسائر العيوب.
الثانية: ظهور التَّصْرية إن كان قبل الحلب رده ولا شيء عليه، وإن كان بعده فاللَّبن إما أن يكون باقياً أو تالفاً، إن كان باقياً فلا يكلف المشتري رده مع المصراة؛ لأن ما حدث بعد البيع ملك له، وقد اختلط بالمبيع وتعذر التمييز، وإذا أمسكه كان بمثابة ما لو تلف، وإن أراد رده فهل يجب على البائع أخذه؟ فيه وجهان.
أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى استحقاقه من بدله.
وأصحهما: لا، لذهاب طَرَاوَتِه بِمُضِي الزَّمان، ولا خلاف في أنه لو حمض وتغير لم يكلَّف أخذه، وإن كان اللبن تالفاً رد مع المُصَراة صاعاً من تمر، ولا يخرج ردها على الخلاف في تفريق الصَّفقة لتلف بعض المبيع وهو اللبن اتِّباعاً للأخبار الواردة في الباب على أن اللّبن في رأي لا يقابله قسط من الثمن، وهل يتعيَّن للضم إليها جنس التمر وقدر الصَّاع؟ أما الجنس، ففيه وجهان:
أصحهما: عند الشيخ أبي محمد وغيره: أنه يتعيَّن التمر [ولا يعدل عنه، لقوله ﷺ (صاعاً مِنْ تَمْرٍ لا سَمْراء). ويحكى هذا عن أبي إسحاق، وعلى هذا لو أعوز التمر قال الماوردي: يرد قيمته بالمدينة. والثَّاني: لا يتعين، وعلى هذا فوجهان:
أصحهما: أن القائم مقامه الأقوات كما في صدقة الفطر.
قال الإمام: لكن لا يتعدى هاهنا إلى الأقط بخلاف ما في صدقة الفطر للخبر، وعلى هذا فوجهان:
стр. 1886
أحدهما: أنه يخير بين الأقوات، لأن في بعض الروايات ذكر التَّمْر، وفي بعضها ذكر القمح فأشعر بالتخيير، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة.
وأصحهما: أن الاعتبار بغالب قوت البلد كما في صدقة الفطر، ويحكى هذا عن مالك والإِصْطَخْري وتخريج ابن سريج.
والوجه الثاني حكاه الشيخ أبو محمد: أنه يقوم مقامه غير الأقوات، حتى لو عدل إلى مثل اللّبن، أو إلى قيمته عند إعواز المِثْل أجبر البائع على القبول اعتباراً بسائر المُتْلَفَات، وهذا كله فيما إذا لم يَرْضَ البائع.
فأما إذا تراضيا على غير التَّمْر من قوت أو غيره، أو على رد اللبن المحلوب عند بقائه جاز بلا خلاف، كذا قاله صاحب "التهذيب" وغيره، ورأيت القاضي ابن كج حكى وجهين في جواز إبدال التمر بالبُرّ عند اتفاقهما عليه.
وأما القدر: ففيه وجهان أيضاً:
أصحهما: أن الواجب صاع قلّ اللبن أو كثر، لظاهر الخبر، والمعنى فيه: أن اللَّبن الموجود عند البيع يختلط بالحادث بعده ويتعذر التمييز، فتولى الشَّارع تعيين بدل له قطعاً للخصومة بينهما، وهذا كإيجاب الغُرَّة في الجنين مع اختلاف الأجِنَّة ذكورة وأنوثة، والأَرْش في الموضحة مع اختلافها صغراً وكبراً.
والثاني: أن الواجب يتقدَّر بقدر اللّبن؛ لما سبق من رواية ابن عمر ﵄ وعلى هذا فقد يزداد الواجب على الصَّاع، وقد ينقص، ثم منهم من خصّ هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصَّاع على نصف قيمة الشَّاة، وقطع بوجوب الصَّاع فيما إذا نقصت عن النِّصْف، ومنهم من أطلقه إِطلاقاً، ومتى قلنا بالوجه الثاني فقد قال الإمام تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز، فإذا كان اللَّبن عشر الشَّاة مثلاً أوجبنا من الصَّاع عشر قيمة الشاة.
فرع: اشترى شاة بصاع تمر فوجدها مُصَرَّاة، فعلى الأصح يردّها ويرد صاعاً، ويسترد الصاع الذي هو ثمن وعلى الثَّاني تقوم مُصَرَّاةً وغير مصرّاة، ويجب بقدر التفاوت من الصاع.
فرع: غير المُصَرَّاة إذا حلب لبنها ثم ردها بعيب.
قال في "التهذيب": يرد بدل اللبن كما في المُصَرَّاة.
وفي تعليق أبي حامد حكاية عن نصه: أنه لا يرد؛ لأنه قليل غير معتنى بجمعه، بخلاف ما في المُصَرَّاة، ورأى الإمام تخريج ذلك على أن اللبن هل يأخذ قسطاً من الثمن أم لا؟ والصحيح الأخذ.
стр. 1887
الثالثة: لو لم يقصد البائع التَّصْرِية لكن ترك الحلاب ناسياً أو لشغل عرض، أو تحفَّلت هي بنفسها، فهل يثبت الخيار؟ وجهان:
أحدهما: لا، وبه أجاب في الكتاب لعدم التدليس.
والثاني: نعم؛ لأن ضرر المشتري لا يختلف، فصار كما لو وجد بالمبيع عيباً لم يعلمه البائع، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
الرابعة: خيار التصرية لا يختصّ بالنعم، بل يعم سائر الحيوانات المأكولة، وفي "الحاوي" ذكر وجه: أنه يختص.
ولو اشترى أَتَانا فوجدها مُصَرَّاة، فوجهان أيضاً:
أحدهما: أنه لا يرد، إذ لا مبالاة بلبنها.
وأصحهما: أنه يثبت الرد؛ لأنه مقصود لتربية الجَحْش، وعلى هذا فالمذهب: أنه لا يرد اللَّبن؛ لأنه نجس.
وقال الإصْطَخْري: يرد لذهابه إلى أنه طاهر مشروب.
ولو اشترى جارية فوجدها مُصَرَّاة، فوجهان أيضاً:
في أحدهما: لا يرد؛ لأنه لا يقصد لبنها، إلاَّ على ندور.
وفي أصحهما: يرد؛ لأن غَزارة أَلْبَان الجَوَاري مطلوبة في الحَضَانة مؤثرة في القيمة، فعلى الأول يأخذ الأَرْش، قاله في "التهذيب"، وعلى الثاني: هل يرد معها بدل اللَّبن؟ وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن لبن الآدميات لا يعتاض عنه غالباً.
الخامسة: هذا الخِيَار غير مَنُوط بخصوص التَّصرية، بل بما فيها من المعنى المشعر بالتَّلْبِيس، فيلحق بها ما يشاركها فيه حتى لو حبس ماء القَنَاة أو الرّحى ثم أرسله عند البيع أوَ الإجارة، فتخيل المشتري كثرته، ثم تبين له الحال فله الخيار، وكذا لو حمَّر وجه الجارية، أو سَوَّد شعرها أو جَعَّده، أو أرسل الزّنْبُور في وجهها حتى ظنها المشتري سَمِينة، ثم بَانَ خلاف المظنون.
ولو لطخ ثوب العبد بالمِدَاد، أو ألبسه ثوب الكَتَبَة أو الخَبَّازين، وخيل كونه كاتباً أو خبازاً فَبَانَ خلافه، فوجهان:
أحدهما: يثبت الخيار لِلتَّلْبيس.
وأصحهما: أنه لا خيار؛ لأن الإنسان قد يلبس ثوب الغير عَارِية، فالذَّنْب للمشتري حيث اغْتَرَّ بما ليس فيه كثير تغرير، ويجري الوجهان فيما لو أكثر عَلَفَ البهيمة
стр. 1888
حتى انتفخ بطنها، فتخيل المشتري كونها حاملاً، أو أرسل الزّنْبُور في ضَرْعها حتى انتفخ فظنها لَبُوناً؛ لأن الحمل لا يكاد يلتبس على الخَبِير، ومعرفة اللبن متيسرة بعَصْر الثَّدي بخلاف صورة التَّصْرِية.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ولو بعد ثلاثة أيَّام"، يجوز إعلامه بالواو للوجه الذاهب إلى أنه لو تبين التَّصْرِية بعد الثلاثة، لم يثبت الخِيَارِ.
قوله: "ردها" بالحاء.
وقوله: "بدلاً عن اللبن الكائن في الضرع" أي: عند البيع، وظاهر اللفظ يقتضي ردّ الصَّاع، وإنْ نفى اللبن وهو أصح الوجهين كما مر.
وقوله: "لورود الخبر"، تعليل لقوله: "ردها وردّ معها". وقوله: "فلا خيار" معلم بالواو وهو في صورتي الأتان والجارية، جواب على خلاف اختيار الأكثرين.
وقوله: "وأحوط المذهبين" أي: الوجهين.
وقوله:: "للاتباع"، إشارة إلى ما ذكره الأئمة من أن مأخذ الخلاف في المَسْألتين ونحوهما الاقتصار على مورد الخبر واتباعه أو رعاية المعنى.
فرع: لو بَانَت التَّصْرية، ثم درَّ اللبن علي الحد الذي شعرت به التَّصْرية واستمر كذلك، ففي ثبوت الخيار وجهان كالوجهين فيما إذا لم يعرف العيب القَدِيم إلاَّ بعد زواله، وكالقولين فيما إذا أْعتقت الأمة تحت العبد، ولم تعرف عتقها حتى عُتق الزَّوج.
فرع: رضي بإمساك المُصَرَّاة، ثم وجد بها عيباً قديماً، نص أنه يردُّها ويرد بدل اللَّبن أيضاً.
وعن رواية الشَّيخ أبي علي وجه: أنه كما لو اشترى عبدين، فتلف أحدهما وأراد رد الآخر، فتخرج على تفريق الصفقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَثُبُوتُ الخِيَارِ بالكَذِب في مَسْأَلَةِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ مِنْ بَابِ التَّغْرِيرِ، وَكَذَلِكَ خِيَارُ النَّجَشِ إِذَا كَانَ عَنِ اتِّفَاقِ مُوَاطأةِ البَائِعِ عَلَى أَقْيَسِ المَذْهَبَيْنِ، وَلاَ يَثْبُتُ (م) بِالغَبْنِ خِيَارٌ إِذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى تَغْرِير يُسَاوِي تَغْرِيرَ المُصَرَّاةِ حَتَّى لَوِ اشْتَرَى جَوْهَرَةً رَآهَا فَإذَا هِيَ زُجَاجَةٌ فَلا خِيَارَ.
قال الرافعي: الخيار في تلقي الرُّكْبَان (١) قد ذكره في المَنَاهي وشرحناه، والغرض
стр. 1889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1890
هاهنا التَّنْبيه على أن مستنده التَّغرير كما في التَّصرية، وكذا خيار النَّجَش (١) إن أثبتناه،
стр. 1891
وقد تكلمنا فيه من قبل. وأما مسألة الغَبْن (١): فاعلم: أن مجرد الغَبْن لا يثبت الخيار وإن تفاحش، خلافاً لمالك حيث قال: إن كان الغبن فوق الثلث ثبت الخيار للمغبون، ونقل بعض أصحاب أحمد مثله، وقدره بعضهم بما فوق السدس.
وفي كتب أصحابنا عنه إن كان المغبون ممن لا يعرف المبيع ولا هو ممن لو توقف لعرفه ثبت الخيار. لنا قصة حبان بن مُنْقذ ﵁ "فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ
стр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1894
يُثْبِتْ لَهُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ، وَلَكِنْ أَرْشَدَهُ إِلَى شَرْطِ الْخِيَارِ، ليَتَدَارَكَ غَبْنَهُ عَنْدَ الْحَاجَةِ" (١).
إذا تقرَّرَ ذلك فلو اشْتَرى زجاجة وهو يَتَوهّمُها جوهرة بثمن كبير فلا خيار له ولا عبرة بما لحقه من الغَبْن؛ لأن التقصِير من جهته حيث جرى على الوَهْم المجرد، ولم يراجع أهل الخبرة.
ونقل المُتَوَلِّي وجهاً: أنه كشراء الغائب، والرؤية التي لا تفيد المعرفة ولا تنفي الغرر كالمعدومة، ولك أن لا تستحسن لفظ الكتاب حيث قال: "ولو اشترى جوهرة رآها"، وتقول: ليس التصوير فيما لو اشترى جوهرة، وإنما التصوير فيما لو اشترى زجاجة توهمها جوهرة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: هَذِهِ أَسْبَابُ الخِيَارِ وَمُوجِبَاتُهُ (أَمَّا دوَافِعُهُ وَمُسْقِطَاُتُهُ) أَعْنِي في خِيَارِ النَّقْصِيَة فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ) شَرْطُ الْبَرَاءَة مِنَ العَيْبِ صحِيحٌ عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَيفْسَدُ (ح) العَقْدُ بِهِ عَلَى القَوْلِ الثَّانِي، وَيصِحُّ العَقْدُ وَيلْغُوَ الشَّرْطِ (ح) في قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَيصِحُّ في الحَيَوَانِ وَيفْسَدُ في غَيْرِهِ (ح) في قَوْلٍ رَابعٍ.
قال الرافعي: إذا باع بشرط أنه بريء من كل عيب بالمبيع، هل يصح هذا