أحمد: أنه لا يكفي فيه التَّخلية، بل لا بد من النَّقْل والتَّحْويل.
وقال مالك وأبو حنيفة: إنه يكفي التَّخلية كما في العَقَار، وعن رواية حرملة قول مثله، وفيه وجه آخر: أنَّ التَّخلية كافية لنقل الضَّمان إلى المشتري غير كافية للتَّسلط على التصرف؛ لأن البائع أتى بما عليه والمقصر المشتري حيث لم ينقل، فليثبت ما هو حق البائع. وجه ظاهر المذهب ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "كُنَّا نَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جُزَافاً، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَبيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانه" (١).
وأيضاً فإن العادة في قبض المنقول النقل، فعلى هذا يأمر العبد بالانتقال من موضعه، ويسوق الدابة أو يقودها (٢).
وإذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كَمَوات ومسجد وشارع، أو في موضع يختص بالمشتري، فالنقل من حَيِّز إلى حَيِّز كافٍ. وإن كان في دار البائع أو في بقعة مخصوصة به، فالنقل من زاوية إلى زاوية، أو من بيت إلى داره أو من دار إلى بيت آخر بدون إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف، ولكن يكفي لدخوله في ضمانه، وإن نقل بإذنه حصل القبض، وكأنه استعار ما نقل إليه المال. ولو اشترى الدَّار صَحَ أمتعة فيها صفقة واحدة، فخلَّى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار، وفي الأمتعة وجهان:
أصحهما: أنه لا بد فيها من النقل أما لو بيعت وحدها.
والثاني: أن القبض يحصل فيها أيضاً تبعاً، وبهذا أجاب الماوردي، وزاد فقال: لو اشترى صُبْرَة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض الَّتي عليها الصُّبْرة، وخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الصبرة (٣).
ولو لم يتفقا على القبض، ولكن جاء البائع بالمبيع وامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه عنه، كلما لو كان غائباً (٤).
ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري: ضعه، فوضعه بين يديه حصل القبض،
стр. 1962
وإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئاً أو قال: لا أريده، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحصل القبض، كما لا يحصل به الإيداع.
وأصحهما: يحصل لوجوب التَّسليم، كما لو وضع الغَاصِب المغصوب بين يدي المَالك يبرأ عن الضمان، فعلى هذا للمشتري التَّصرف فيه، ولو تلف فهو من ضمانه، لكن لو خرج مستحقّاً، ولم يجر إلاَّ وضعه بين يديه، فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان؛ لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب.
ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحق الدين، ففي حصول التسليم خلاف مرتب على البيع، وهذه الصورة أولى بعدم الحصول لعدم تعيّن الملك.
وهل للمشتري الاستقلال بنقل المبيع؟ إنْ كان قد وفَّي الثمن، أوْ كان الثمن مؤجَّلاً فنعم، كما أنَّ للمرأة قبض الصَّداق بدون إذن الزوج إذا سلمت نفسها، وإلاَّ فلا وعليه الرد؛ لأن البائع مستحق الحبس لاسْتيفاء الثمن ولا ينفذ تصرفه فيه، لكن يدخل في ضمانه.
فرع: دفع ظرفاً إلى البائع، وقال: اجعل المبيع فيه ففعل لا يحصل التسليم، إذ لم يوجد من المشتري ما هو قبض والظَّرف غير مضمون عليه، لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه، وفي مثله في السَّلم يكون الظرف مضموناً على المسلم إليه؛ لأنه استعمله في مِلْك نفسه.
ولو قال للبائع: أَعِرني ظرفك، واجعل المبيع فيه ففعل، لا يصير المشتري قابضاً أيضاً.
الحالة الثانية: أن يباع الشيء مع اعتبار تقدير فيه كما إذا اشترى ثوباً، أو أرضاً مُذَارعة، أومتاعاً موازنة، أو صُبْرَة حِنْطَة مُكَايلة، أَوْ معدوداً بالعَدَد فلا يكفي للقبض ما مر في الحالة الأولى، بل لا بُدَّ مع ذلك من الذَّرع أو الوزن أو الكيل أو العد؛ وكذا لو أسلم في آصع أو إِنَاء من طعام، لا بد في قبضه من الكيل أو الوزن، فلو قبض جُزَافاً ما اشتراه مُكَايلة دخل المقبوض في ضمانه، وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه، فإن باع الكل لم يصح؛ لأنه قد يزيد على القدر المستحق.
وإنْ باع ما يستيقن أنه له، فوجهان عن أبي إسحاق: أنه يصح.
وقال ابن أبي هريرة، وساعده الجمهور: لا يصح لعدم القبض المستحق بالعقد.
وقبض ما اشتراه كيلاً بالوزن ووزناً بالكيل كقبضه جُزافاً.
ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقاً له، فالقبض فَاسد أيضاً حتى يجري اكتيال صحيح، فإن زاد رد الزيادة، وإن نقص أخذ الباقي.
стр. 1963
ولو تلف المقبوض، فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر؛ وزعم المدفوع إليه أنه كان دون حقه أو قدره، فالقول: قوله.
قال الشيخ أبو حامد وغيره: ومعنى التصديق المذكور في صورة المسألة أنْ يحمل خبره على الصدق، ويأخذه بناء عليه، فأما إذا أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه، وفسر إمام الحرمينْ البيع مُكَايلة، بأن يقول: بِعْتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، وهو من صورها.
ومنها: أن يقول: بعتكها على أنها عشرة آصع.
ومنها: أن يقول: بعتك عشرة آصع منها، وهما يعلمان صيعانها أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك.
وإذا اعتبر في المبيع كيل أو وزن، فليس على البائع الرِّضا بكيل المشتري، وعلى المشتري الرِّضَا بكيل البائع، بل يتفقان على كيال، فإن لم يتراضيا نصب الحاكم أميناً يتولاه ذكره في "الحاوي".
ولو كان لزيد طعام على رجل سلماً، ولآخر مثله على زيد، فأراد زيد أن يوفي ما عليه مما له على الآخر، فقال: اذهب إلى فلان، واقبض لنفسك مما لي عليه، فقبضه فهو فاسد، وكذا لو قال: احضر معي لأقبضه وأكتاله لك وفعل، لما روي عن النبي ﷺ مرسلاً ومسنداً أنه: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، يَعْنِي صَاعَ البَائِعِ وَصَاعَ الْمُشْتَرِي" (١).
وعلى هذا الخبر بناء مسائل الباب.
وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على الآخذ، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق زيد؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهما مبنيان على القولين، فيما إذا باع نجوم الكتابة وقبضها المشتري، هل يعتق المكاتب؟
فإن قلنا: لا يبرأ، فعلى القابض رد المقبوض إلى الدافع.
ولو قال زيد: اذهب إليه واقبضه لي، ثم اقبضه منى لنفسك بذلك الكيل، أو قال: احضر معي لأقبضه لنفسي، ثم تأخذه أنت بذلك الكيل ففعل، فقبضه لزيد في المسألة الأولى، وقبض زيد لنفسه في الصورة الثانية صحيح، وتبرأ ذمة الدافع عن حقه، والقبض الآخر فاسد، والمقبوض مضمون عليه، وفي قبضه لنفسه في الصورة
стр. 1964
الأولى وجه آخر: أنه صحيح، وسنذكره في نظائره، ويؤيده أنه لو كان المبيع في يد المشتري عند البيع صح قبضه لنفسه على تفصيل سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "الرهن" فإن حجة الإسلام ذكر طرفاً منه هناك.
ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه، ثم كاله على مشتريه وأقبضه، فقد جرى الصَّاعَان وصح القبضان، ثم إن كان وقع في الكَيْل الثَّاني زيادة أو نقصان، ينظر إن كان قدر ما يتفق بين الكيلين، فالزيادة لزيد والنقصان عليه ولا رجوع له، وإن كان كثيراً تبيّن أن في الكيل الأول غلطاً أو تغليطاً فيرد زيد الزيادة، ويرجع بالنقصان.
ولو أن زيداً لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلّمه كذلك إلى مشتريه فوجهان:
أحدهما: أنه لا يصح القبض الثَّاني، حتى يخرجه ويبتدئ كيلاً.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن استدامته في المكيال كابتداء الكيل، وهذه الصورة كما تجري في دَيْني السلم تجري أيضاً فيما إذا كان أحدهما مستحقاً بالسلم، والآخر بِقَرْض أو إتلاف.
ونختم شرح الفصل بكلامين في شرح لفظ الكتاب:
أحدهما: قوله: "فتمام القبض فيه بالنقل والكيل"، لفظ التمام إنما كان يحسن أن لو اقتصر على ذكر الكيل ليكون ذلك إشارة إلى النقل الكافي، فما سبق غير كافٍ هاهنا، بل لا بد من تتمة له وهو الكيل، أما إذا وقع التعرض للأمرين جميعاً، فلفظ التمام مستغنى عنه.
والثاني: قوله: "فلو اشترى مكايلة وباع مكايلة"، يمكن تنزيله على صورة السلم، ويمكن أن يكون شراء المعين وبيعه مراداً، ولكن البيع حينئذ يقع بعد ما اكتاله لنفسه، وإلاَّ فهو باطل لكونه قبل القبض، وظاهر قوله: "فلا بد من كيل جديد"، يوافق الوجه الذاهب إلى أن استدامته في المكيال غير كافية.
وقوله: "ولا تكفي التخلية"، يجوز إعلامه بالحاء والميم والواو لما رواه حرملة.
وقوله: "يحصل انتقال الضمان بالتخلية" بالألف.
فرع: مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع، كمؤنة إحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثمن على المشتري لتوقف التسليم عليه، ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أو المشتري، وحكى صاحب "الحاوي" فيه وجهين (١).
стр. 1965
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ (و) أَنْ يَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، إلاَّ الوَالِدَ يَقْبِضُ لِوَلدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلنَفْسِهِ مِنْ وَلَدِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ في طَرَفَي البَيْعِ.
قال الرافعي: للمشتري أن يوكل بالقبض، كما له أن يوكل بالعقد، وكذا للبائع أن يوكل بالإقباض، ويعتبر في ذلك أمران:
أحدهما: أن لا يوكل المشتري من يده يد البائع كعبده ومُسْتَولدته ولا بأس بتوكيل ابنه وأبيه ومُكَاتبه، وفي توكيل عبده المأذون في التِّجارة وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز.
ولو قال للبائع: وَكِّل من يقبض لي منك ففعل جاز، ويكون وكيل المشتري، وكذا لو وكل البائع بأن يأمر من يشتري منه للموكل.
والثاني: ألاَّ يكون القابض والمُقْبِض واحداً، فلا يجوز أن يوكل البائع رجلاً بالإقْباض وَبِوِكالة المشتري بالقبض كما لا يجوز أن يوكله هذا بالبيع، وذاك بالشراء ليتولى الطرفين.
ولو كان عليه طعام أو غيره من سلم أو غيره، فدفع إلى المستحق دراهم، وقال: أشتر بها مثل ما تستحقه واقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، ففعل صَحَّ الشراء والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبض، وامتناع كونه وكيلاً لغيره في حق نفسه، هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي وجهاً: أنه يصح قبضه لنفسه، وإنما المُمْتنع أن يقبض من نفسه لغيره، ولو قال: اشتر بهذه الدَّراهم لي واقبضه لنفسك، ففعل صحَّ الشراء ولم يصح قبضه لنفسه؛ لأن حق الإنسان لا يتمكن الغير من قبضه لنفسه، ويكون المقبوض مضموناً عليه، وهل تبرأ ذمة الدافع عن حق الموكل، فيه ما مر من الوجهين.
ولو قال: اشتر لنفسك، فالتوكيل فاسد، إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه، وتكون الدراهم أمانة في يده؛ لأنه لم يقبضها ليمتلكها، فإن اشترى نظر إن اشترى في الذِّمة وقع عنه، وأذى الثمن من ماله، وإن اشترى بعينها فهو باطل، وذكر ابن سُرَيْجٍ وجهاً: أنه صحيح. ولو أذن لمستحق الحِنْطة أن يكتال من الصُّبْرة حقه، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن الكيل أحد رُكْني القبض، وقد صار نائباً فيه من جهة البائع متأصلاً لنفسه.
والثانى: يجوز؛ لأن المقصود منه معرفة المقدار والمقبض هو البائع.
ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الأب لابنه الصغير من مال نفسه، أو
стр. 1966
لنفسه من مال ابنه الصغير، فإنه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع، وهل يحتاج إلى النقل والتَّحويل في المنقول؟ روى القاضي الماوردي فيه وجهين:
والأظهر: اعتباره كما يعتبر الكيل إذا باع بالكيل.
وقوله في الكتاب: "وليس لأحد أن يقبض لنفسه" يجوز إعلامه بالواو لما رواه المسعودي، ثم هذا اللفظ غير مُجْرى على إطلاقه لما ستعرفه -إن شاء الله تعالى- فيما إذا كان المبيع في يد المشتري.
وقوله: "إلاَّ الوالد يقبض لولده من نفسه، استثناء منقطع، وإلاَّ فهو غير داخل في قبض الإنسان لنفسه من نفسه، هذا تمام الكلام في صورة القبض.
وينبغي أن نتذكر الآن مَا مَرَّ أن إِتْلاف المشتري المبيع (١) قبض، وإنْ لم توجد فيه هذه الصورة.
وقبض الجزء الشَّائع إنما يحصل بتسليم الجَمِيع، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده (٢)، ولو طلب القسمة قبل القبض.
قال في "التتمة": يجاب إليه.
أما إذا جعلنا القِسْمَة إفرازاً فظاهر.
أما إذا جعلناها بيعاً، فإن الرِّضا غير معتبر فيه؛ لأن الشَّرِيك يجبر عليه، وإذا لم يعتبر الرِّضا جاز أن لا يعتبر القبض كما في الشّفْعة. -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا وُجُوبُ التَّسْلِيم يَعُمُّ الطَّرَفَيْنِ وَالبَدَاءَةُ بِالبَائِعِ (ح م) فِي قَوْلٍ، وَبِالمُشْتَرِي في قَوْلٍ، وَيَتَسَاوَيَانِ (م ح) فِي أَعْدَلِ الأَقْوَالِ فمنِ ابْتَدَأَ أَجْبَرَ صَاحِبَهُ، فَإِنْ سَلَّم البَائِعُ طَالَبَ المُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِباً أَشْهَدَ عَلَى وَقْفِ مَالِهِ أَيْ حَجَرَ عَلَيْهِ (و)، فَإِنْ وَفَّى أَطْلَقَ الوَقْفَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَهُوَ مُفْلِسٌ، وَالبَائِعُ أَحَقُّ (ح) بِمَتَاعهِ هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَهَذَا حَجْرٌ سَبَبُهُ مَسِيسُ الحَاجَةِ إِلَيْهِ خِيفَةَ فَوَاتِ أَمْوَالِهِ بَتصَرُّفِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الفَسْخُ بالفَلْسِ، وَقِيلَ بِإنْكارِ الحَجْرِ لَكنَّهُ خِلاَفُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁.
стр. 1967
قال الرافعي: الأمر الثالث: وجوب لتسليم. لا شك أن على كل واحد من المُتَبايعين تَسْليم العوض الذي استحقه الآخر، لكن لو اختلفا فقال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: لا أؤدي الثَّمن حتى أقبض المبيع، ففيه أربعة أقوال:
أحدها: أن الحاكم يجبرهما على التَّسْليم، فيأمر كل واحد منهما بإحضار ما عليه فإذا أحضرا سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري لا يضره بأيهما بدأ ويأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك، ووجهه أن كل واحد منهما يستحق قبض ما عند الآخر، فلا سبيل إلى تكليف الإِبْقَاء، فيؤمر بِإبْقَائه كما لو كان لكل واحد منهما وَدِيْعَة عند الآخر وتنازعا هكذا.
والثاني: أنه لا يجبر واحداً منهما، ولكن يمنعهما من التَّخاصم، فإذا سلم أحدهما ما عليه أجبر الآخر، ووجهه أن على كل واحد إيفاء واسْتِيفاء، ولا سبيل إلى تكليف الإيفاء قبل الاستيفاء.
والثالث، وبه قال مالك وأبو حنيفة: أنه يجبر المشتري على تسليم الثمن أَوَّلا؛ لأن حقه متعين في المبيع، وحق البائع غير متعين في الثمن، فيؤمر بِالتَّعيين.
والرابع: وبه قال أحمد، وهو الأصح: يُجْبر البائع على تسليم المَبِيع أولاً؛ لأنه لا يخاف هلاك الثمن، فملكه مستقر فيه وتصرفه فيه بالحِوَالة والاعْتِياض نافذ، وملك المشتري في المبيع غير مستقر، فعلى البائع التَّسْليم ليستقر.
وفي المسألة طريقة أخرى وهي: القَطْع بالقول الرَّابع، وحمل الأول والثَّاني على حكاية مذهب الغير، وما روي عن نصِّه في "الأم" واستغربه.
وأما الثَّالث: فهو من تخريج بعضهم، وليس منصوصاً عليه.
واختار الشَّيْخ أبو حامد هذه الطَّريقة، ومنقول المزني في "المختصر" يمكن تنزيله على القول الرابع، وبه قال الأكثرون، ويمكن تنزيله على الأَوَّل وبه قال المسعودي، وهذا كله فيما إذا كان الثَّمن في الذِّمة. فإن كان معيناً سقط القول الثَّالث.
سقط القول الثالث (١) وإن تبايعا عرضا بعرض سقط القول الرَّابع أيضاً.
стр. 1968
وبقي قولان:
أحدهما: أنهما يُجْبران.
والثاني: لا يُجْبران، ويشبه أن يكون الأول أظهر، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في "الشامل".
التفريع: إن قلنا: يجبر البائع على تسليم المبيع أولاً، أو قلنا: لا يجبر، ولكنه تبرع وابتدأ بالتَّسليم أجبر المشتري على تسليم الثَّمن في الحال، إن كان حاضراً في المجلس، وإلاَّ فللمشتري حالتان:
إحداهما: أن يكون مُوسِرًا فإن كان ماله في البَلَد يُحجر عليه، إلى أن يسلم الثَّمن (١) كيلا يتصرّف في أملاكه بما يفوت حق البائع، وحكى صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" وجهاً: أنه لا يحجر عليه، ويمهل إلى أن يأتي بالثمن، ولم أر لغيره نقل هذا الوجه على هذا الإطلاق. فإن قلنا بالمذهب المشهور، ففيم يحجر عليه؟ قال عامة الأصحاب: يحجر عليه في المبيع وفي سائر أمواله.
ومنهم من قال: لا يحجر عليه في سائر أمواله إن كان ماله وافياً بديونه، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وعلى هذا فهل يدخل المبيع في الاحتساب؟ فيه وجهان:
стр. 1969
أشبههما: أنه يدخل (١).
وإن كان ماله غائباً عن البلد، فينظر إن كان على مسافة القَصْر، فلا يكلف البائع الصّبر إلى إحضاره، وفيما يفعل؟ وجهان:
أحدهما: أنه يباع في حقه، ويؤدي من ثمنه.
والأظهر عند الأكثرين: أن له أن يفسخ البيع لتعذُّر تحصيل الثمن كما لو أفلس المشتري بالثمن، فإن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار فالحجر على ما سبق.
وحكى الإمام عن ابن سُرَيجٍ: أنه لا فسخ، ولكن يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري ويمهل إلى الإحضار، وادعى في "الوسيط": أنه الصحيح.
وإن كان دون مسافة القَصْر، فهو كما لو كان في البلد، أو كما لو كان على مسافة القَصْر فيه وجهان (٢).
الحالة الثانية: أن يكون معسراً، فهو مفلس والبائع أحق (٣) بمتاعه [هذا هو الصحيح المنصوص].
وفيه وجه: أنه لا فسخ ولكن تباع السِّلْعة ويوفى من ثمنها حق البائع، فإن فضل شيء فهو للمشتري، والمنصوص الأول.
وأما لفظ الكتاب: فقوله: "والبداءة بالبائع" معلّم بالميم والحاء، وكذا قوله: "ويتساويان"، وقوله: "وبالمشتري" بالألف، ويجوز أن يعلّم لفظ "الأقوال" بالواو إشْعَاراً بالطريقة النافية للخلاف. وقوله: "هذا لفظ الشافعي" ﵁ ليس هو هو لكنه قريب منه، ولفظه في "المختصر"؛ فإن غاب ماله أشهد على وقف ماله، وأضهد على وقف السلعة، فإذا دفع أطلق عنه الوقف، فإن لم يكن له مال فهو مفلس والبائع أحق بسلعته.
واعلم: أن هذا النص ظاهر في أنه إذا حجر عليه يحجر في السِّلْعة المبيعة، وفي
стр. 1970
سائر الأموال سواء كانت وافية بالدُّيون أو لم تكن، ويمكن الاحتجاج به لما نقله الإمام عن ابن سريج، وهو أنه لا فسخ عند الغيبة، فإنه لم يثبت في الغَيْبة إلا الحجر، وخص أحقيته بالمتاع بحالة الإفلاس.
وقوله: "وذلك عند امتناع الفسخ بالفلس"، أراد به أنَّه لا حَجْر عند إمكان الفسخ بالفلس، وادعى في "الوسيط" الوفاق فيه، لكن ذكرنا أن من أثبت الفسخ عند الغيبة قال: إن اختار الصَّبر إلى الإحضار يحجر عليه، وجميع ما ذكرنا من الأقوال، والتفريع جار فيما إذا اختلف المكرى والمكتري في البَدَاءَة بالتسليم بلا فرق، ثم هاهنا أَمْرٌ مُهِمٌ لا بد من ذكره، وهو: أن طّائفة توهَّمت أن الخلاف في البَدَاءة بالتسليم خلاف في أن البائع هل له حق الحبس أم لا؟
إن قلنا: البداءة بالبائع، فليس له حبس المبيع إلى اسْتِيفَاء الثمن وإلا فله ذلك، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: هذا الخلاف مفروض فيما إذا كان نزاعهما في مجرد البَدَاءَة، وكان كل واحد منهما يبذل ما عليه ولا يخاف فوت ما عند صاحبه، فأما إذا لم يبذل البائع المبيع، وأراد حبسه خوفاَ من تعذر تحصيل الثمن فله ذلك بِلاَ خِلاف، وكذلك للمشتري حق حبس الثمن خوفاً من تعذُّر تحصيل المثمن، نص على ذلك الشيخ أبو حامد، وأقضى القضاة الماوردي -رحمهما الله-. والمُثْبِتُون من المتأخرين قالوا: إنما يحبس البائع المبيع إذا كان الثمن حالاً، أما المؤجل فليس له حبسه لاستيفائه لرضاه بتأخيره، ولو لم يتفق التسليم حتى حلّ الأجل فلا حبس أيضاً، ولو تبرع بالتسليم لم يكن له رده إلى حبسه، وكذا لَوْ أعاره من المُشْتَري في أَصَحِّ الوجهين (١)، ولو أودعه إياه فله ذلك، ولو صالح من الثمن على مال، لم يسقط حقّ الحَبْس لاستيفاء العوض. ولو اشترى بوكالة اثنين شيئاً، ووفى نصف الثمن عن أحدهما لم يجب على البائع تسليم النصف بناءً على أن الاعتبار بالعاقد.
ولو باع بوكالة اثنين، فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن فعليه تسليم النصف، هكذا ذكره في "التهذيب"، وفيه كلامان:
أحدهما: أن العبد المشترك بين الرجلين إذا باعه مالكاه، ففي انفراد أحدهما يأخذ نصيبه من الثمن وجهان، وكان أخذ الوكيل لأحدهما مبنياً على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما.
الثاني: أنا إذا قلنا: إن الاعتبار في تعدد الصَّفْقة واتحادها بالعاقد، فينبغي أن
стр. 1971
يكون تَسْليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن، هل عليه تسليم قسطه من المبيع؟ وفيه وجهان ذكرناهما في "باب التفريق"، -والله أعلم-.
هذا وليعلم المُطَّلع على هذا السِّفْر الجليل أنه ضاق المُقَام في هذا الجزء عن أن ندون به باقْي كتاب البيوع من شرح العزيز على متن "الوجيز" للإمام الأمجد والعلامة الأوحد الإمام الرافعي ﵀ رحمة واسعة ولقد ألجأتنا الضَّرورة حتى وقفنا على موقف كان لا يحسن الوقوف عليه، فإلى هنا نختم هذا الجزء، ونفتتح الجزء التالي -إن شاء الله تعالى- بقول المصنف: النظر الرابع في موجب ألفاظ الكتاب المطلقة، وتأثيرها باقتران العرف -والله ولي التوفيق-.
стр. 1972
[النظر الرابع]
قال الغزالي: النَّظْرُ الرَّابعُ مِنَ الكِتَابِ فِي مُوجِبِ الأَلْفَاظِ المُطْلَقَةِ وَتَأثِيرِهَا بِاقْتِرَانِ العُرْفِ ، وَهِيَ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: مَا يُطْلَقُ فِي العَقْدِ، فَمَن اشْترَى شَيْئاً بِمَائَةٍ فَقَالَ لِغَيْرِهِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا العَقْدَ انْتقلَ اَنتَقَلَ المِلْكُ إِلَيْهِ بِالمَائَةِ، وَسَلَّمَ الزَّوَائِدَ للأَوَّلِ (و)، وَتَتَجَدَّدُ الشُّفْعَةُ بِجَرَيَانِ هَذَا البَيْعِ (و)، وَلَوْ حَطَّ عَنِ المِائَةِ لَحِقَ الحَطُّ (و) المُشْتَرِيَ الثَّانِي؛ لأَنَّهُ فِي حَقِّ الثَّمَنِ كَالبِنَاءِ.
قال الرافعي: عرفت في أول البيع أن كلام هذا النظر فيما يقع والألفاظ المتأثرة بالقرائن المنضمة إليها تنقسم إلى: راجعة إلى مطلق العقد، وإلى راجعة إلى الثمن خاصة.
أما القسم الأول فمقصوده بيان لفظين يشتمل الفصل على أحدهما، وهي التولية (١).
والتولية: أن يشتري شيئاً ثم يقول لغيره: ولَّيتك هذا العقد فيجوز، ويشترط قبوله في المجلس على قاعدة التَّخَاطب بأن يقول: قبلت أو تَولَّيت، ويلزمه مثل الثمن الأول جنساً وقدراً ووصفاً، ولا يشترط ذكره إذا علماه؛ فإنْ لم يعلمه المشتري أعلمه أولاً ثم ولاه العقد، وهذا العَقْد بيع يشترط فيه القدرة على التَّسليم والتقابض إذا كان صرفاً، وسائر الشروط، ولا يجوز قبل قبض المبيع على ما مر في النَّظَر الثَّالث.
والزوائد المُنْفَصِلة قبل التَّوْلِيَة، تبقى للمولِّي، ولو كان المبيع شِقْصاً مَشْفُوعاً، وعفى الشَّفيع، تجددت الشُّفْعة بالتَّوْليَة.
ولو حظ البائع بعد التَّولية بعض الثَّمن، انحط عن المولَّى أيضاً، ولو حط (٢) الكل فكذلك؛ لأنه وإن كان بيعاً جديداً فخاصيَّته وفائدته التنزيل على الثمن الأول.
وعن القاضي حسين: أن الوجه التردد في جميع هذه الأحكام فعلى رأي يجعل
стр. 1973
المولي نائباً عن المولى فتكون الزوائد للمولِّي، ولا تتجدد الشُّفْعة ويلحق الحط المولى وعلى رأي تعكس هذه الأَحْكَام، وتقول: هي بيع جديد، وظاهر المَذْهب الفرق بين الزَّوائد والشّفْعَة وبين الحَطّ، وعلى هذا لو حط البعض قبل التَّوْلية لم تَجُز التَّولية إلاَّ بالباقي، ولو حط الكُل لم تصح التَّوْلية.
ومن شرط التولية: أن يكون الثمن مثلياً ليأخذ المولى مثل ما بذل، فلو اشتراه بعرض لم يجز فيه التولية.
قال في "التتمة": إلاَّ إذا انتقل ذلك العرض من البائع إلى إنسان فولاّه العقد. قال: ولو اشتراه بعرض وقال: قال عليَّ بكذا وقد ولَّيتك العقد بما قام عليَّ، أو أرادت المرأة عقد التَّولية على صَدَاقها بلفظ القيام، أو أراد الرجل التولية على ما أخذه من عوض الخُلُع، ففي جميع ذلك وجهان.
ولو أخبر المولِّي عَمَّا اشترى به وكذب، فمنهم من قال: هو كالكذب في عقد المُرَابَحَة (١) وسيأتي إن شاء الله ومنهم من قال: يُحطّ قدر الخِيَانة قولاً واحداً.
قال الغزالي: ولَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُكَ فِي هَذَا العَقْدِ علَى المُنَاصَفَةِ كَانَ توليةً فِي نِصْفِ المَبِيعِ، وَلَو لَمْ يَذْكُرِ المُنَاصَفَةَ فَالأَصَحُّ التَّنْزِيلُ علَى الشَّطْرِ.
قال الرافعي: اللفظة الثَّانية: الاشتراك وهو أَنْ يشتري شيئاً ثم يشرك غيره فيه ليصير بعضه له بقسطه من الثَّمَن، ثم إن نص على المُنَاصَفَة أو غيرها فذاك، وإنْ أطلق الاشتراك فوجهان:
أحدهما: أنه يفسد العقد للجهل بمقدار العوض كما لو قال: بعتك بمائة ذهباً أو فضة.
والثَّاني: يصح ويحمل على المُنَاصَفَة كما لو أقر بشيء لزيد وعمرو يحمل على المناصفة.
والأول: هو الذي أورده في "التهذيب" والثاني: أصح عند صاحب الكتاب وهو ما أورده في "التتمة" والإشراك في البعض كالتولية في الكُلِّ في الأحكام التي ذكرناها (٢).
стр. 1974
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مَا يُطْلَقُ في الثَّمَن مِنْ أَلْفَاظِ المُرَابَحَةِ، فَإذَا قَالَ: بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَربح ده يازده وَكَانَ قَدْ اشْتَرَى بِمَائَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةً وَعَشَرَةً، وَلَوْ قَال بحط ده يازده وَكَانَ قَدِ اشتَرَى بِمَائَةٍ وَعَشَرَةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةٌ (و).
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابَحَة جائز من غير كراهة، وهو عقد يبنى الثمن فيه على ثمن المبيع الأول مع زيادة مثل أن يشتري شيئاً بمائة، ثم يقول لغيره: بِعْت هذا بما اشتريته وربح ده يازده أو بربح درهم لكل عشرة، أو في كل عشرة ويجوز أن يَضمَّ إلى رأس المال شيئاً ثم يبيعه مُرَابحة، مثل أن يقول: اشتريته بمائة، وقد بعتكه بمائتين وربح ده يازده وكأنه قال: بعت بمائتين وعشرين.
وكما يجوز البيع مرابحة يجوز مُحَاطة مثل أن يقول: بعت ما اشتريت بحطّ ده يازده وفي القدر المَحْطُوط وجهان:
أحدهما: أنه يحطّ من كل عشرة واحد [كما زيد في المُرَابحة على كل عشرة واحد] (١).
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يحط من كل أحد عشر واحد؛ لأن الربح في المُرَابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحَطّ في المُحَاطة وليس في حط واحد من العشرة رعاية لنسبة ده يازده.
فإذا كان قد اشترى بماءة فالثمن على الوجه الأول تسعون، وعلى الثَّاني تسعون وعشرة أجزاء في أحد عشر جزءاً من درهم حطّا لتسعة من تسعة وتسعين ولجزء من أحد عشر جزءاً من الدرهم الباقي.
ولو كان قد اشترى بمائة وعشرة فالثمن الآن على الوجه الأول تسعة وتسعون، وعلى الثَّاني مائة وعلى هذا القِيَاس، وصوَّر كثير من العراقيين وغيرهم المسألة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت بحط درهم من كل عشرة وأوردوا فيها الوجهين.
قال إمام الحرمين: وهو غلط فإن في هذه الصّيغة تصريحاً بحطّ واحد من كل عشرة فلا مَعْنَى للتَّردد فيه وإنما موضع التردد لفظ ده يازده وهذا اعتراض بَيِّنٌ.
وذكر القاضي الماوردي وغيره: أنه إذا قال بحط درهم من كل عشرة فالمَحْطُوط واحد من عشرة، ولو قال بحط درهم لكل عشرة فالمحطوط واحد من أحد عشر.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ اسْتَحَقَّ مَعَ الثَّمَنِ مَا بَذَلَهُ مِنْ أُجْرَةِ
стр. 1975
الدَّلاَّلِ وَالكَّيَّالِ وَكِرَاءِ البَيْتِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ مَا أَنْفَقَهُ في عَلَفِ الدَّابَّةِ، وَلاَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ البَيْتُ مِلْكَهُ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَرْجِ التِّجَارَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع المُرَابحة يفرض بعبارات أكثرها دوراناً على الألسن ثلاث:
إحداها: بعت بما اشتريت، أو بما بذلت من الثمن، وربح كذا.
والثانية: بعت بما قام عليّ وربح كذا، ويختلف حكم العبارتين في الدَّاخل تحتهما، وفيما يجب الإخبار عنه كما سنفصله من بعد، فإذا قال: بعت بما اشتريت لم يدخل فيه سوى الثمن، وإذا قال: بما قام عليّ، دخل فيه مع الثمن أجرة الكَيّال والدَّلاَّل والجَمَّال والحارس والقَصّار والدّفاء والصَّبَّاغ وقيمة الصَّيغ وأُجْرة الختَان وتَطْبِين الدَّار، وسائر المؤونات التي تلتزم للاسترباح وأُلْحِقَ بها كِرَاءُ البيت الذي فيه المتاع.
قال الإمام: لأن التَّربص ركن في التَّخاير وانتظار الأَسْعار.
وأما المؤونات التي يقصد بها اسْتبْقاء الملك دون الاسْتِرْباح كنفقة العبد وكسوته وعَلَف الدَّابة فلا تدخل فيه، ويقع في ذلك مقابلة المَنَافِع والفوائد المُسْتَوْفاة من المبيع.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنها تدخل أيضاً، والمشهور الأول، نعم العلف الزائد للتَّسمين يدخل فيه ذكره القاضي حسين وغيره، وأُجْرة الطَّبيب إن اشتراه مريضاً كأُجرة القَصَّار ونحوها لزياد قيمته بزوال المرض، فإن حدث المرض في يده فهي كالنَّفقة وفي مُؤْنة السَّائس تردد عند الإمام.
والأظهر: إلحاقها بالعَلَف.
ولو قصر الثوب بنفسه أو كَالَ أو حَمَلَ أو طَيَّن الدار بنفسه لم تدخل الأُجرة فيه؛ لأن السّلْعة لا تعد قَائمة عليه إلاَّ بما بذل، وكذا لو كان البَيْت ملكه، وكذا لو تطوَّع متطوع بالعمل أو بإعارة البيت فإن أراد استدراك ذلك فسبيله أَنْ يقول: اشتريت، أو قام علي بكذا، وعملت فيه ما أجرته كذا، وقد بعتك بهما وربح كذا.
والعبارة الثالثة: أن يقول: بعتك برأس المال وربح كذا، فالمذهب الظَّاهر أنه كما لو قال بما اشتريت، لأن السَّابق إلى الأفهام مِنْ رأس المال الثَّمن، وعن القاضي أبي الطَّيب أنه كما لو قال بعت بما قام عليّ وهو اختيار ابن الصَّبّاغ.
وذكر صاحب "التتمة" أن المَكْس (١) الذي يأخذه السّلطان يدخل في لفظة القيام، وإن في دخول الفداء إذا جنى العبد ففداه وجهين.
стр. 1976
والذي أورده الأكثرون: أنه لا يدخل فداء الجناية، ولا مَا أَعطاه واسترد به المَغْصُوب في شيء من الألفاظ والعبارات الثَّلاث (١) تجري في المُحَاطة جريانها في المُرَابحة.
قال الغزالي: فَلَوْ كَانَ مِقْدَارُ مَا اشْتَرَى بِهِ أَوْ قَامَ عَلَيْهِ مَجْهُولاً للمُشْتَرِي الثَّانى عِنْدَ العَقْدِ بَطُلَ (و) عَقْدُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ينبغي أن يكون رأس المال أو ما قامت به السِّلعة عليه معلوماً عند المتبايعين في بيع المُرَابحة، فإن تبايعا وأحدهما جاهل به، ففي صحة العقد (٢) وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يصحُّ للجهل بالثَّمن كما في غير المُرَابحة، وعلى هذا فلو أزيلت الجهالة في المجلس لم ينقلب العقد صحيحاً، وفيه وجه أنه ينقلب صحيحاً، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه يصحّ؛ لأن الثَّمن فيه مبني على الثَّمَن في العقد الأول، والرجوع إليه سهل فصار كالشَّفِيع بطلب الشُّفعة قبل الإحَاطة بمبلغ الثَّمَن يجوز لسهولة معرفته، وعلى هذا ففي اشْتراط إزالة الجَهَالة في المجلس وجهان.
ومهما كان الثمن دراهم مُعَينة غير معلومة الوزن، ففي جواز بيعه مرابعة الخلاف المذكور.
والأصح: المنع حتى يعرف.
وإذا تأملت ما ذكرنا تبيَّن لك أن قوله للمشتري الثاني ليس لتخصيص الحكم بالمشتري، بل لو كان مجهولاً للبائع لكان الحكم كذلك.
قال الغزالي: وَيَجِبُ (ح) عَلَى البَائِعِ حِفْظُ الأَمَانَةِ بِالصِّدْقِ فِي قَدْرِ مَا اشْتَرِى بِهِ وَبالإخْبَارِ عَمَّا طَرَأَ فِي يَدِهِ مِن عَيْبٍ مُنْقِصٍ أَوْ جِنَايَةٍ (ح)، وَلاَ يَلْزمُ الإِخْبَارُ عَنِ الغَبْنِ (و) فِي العَقْدِ، وَلاَ عَنِ البَائِعِ وَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ (ح و)، وَيَجِبُ ذِكْرُ تَأَجِيلِ الثَّمَنِ.
قال الرَّافعِيُّ: بيع المُرَابَحَة مبني على الأمانة لاعتماد المُشْترى نظر البائع
стр. 1977
واسْتِقْصَاه ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة يَبْذلها، فعلى البائع الصّدق في الإخبار عما اشترى به وعما قام به عليه إن كان يبيع بلفظ القيام.
ولو اشترى بمائة وخرج عن مِلْكه، ثم اشتراه بخمسين فرأس ماله خمسون، ولا يجوز ضَمّ الثمن الأول إليه. ولو اشتراه بمائة وباعه بخمسين، ثم اشتراه ثانياً بمائة فرأس ماله مائة، ولا يجوز أنْ يخبر بمائة وخمسين من قبل خسارته خمسين.
ولو اشتراه بمائة وباعه بمائة وخمسين، ثم اشتراه بمائة فإنْ كان يبيعه مُرابحة بلفظ رأس المال، وبلفظ ما اشتريت أخبر بمائة، ولا يلزمه أن يحطّ منه ربح البيع الأول، كما لم يجز في الصورة الأولى ضم الخُسْران إلى المائة، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يجب حط ربح البَيْع الأول، وإن باعه بلفظ "قام عَلَيَّ" فوجهان:
أحدهما ويحكى عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يخبر إلا بخمسين، فإنَّ أهل العرف يعدون السِّلعة والحالة هذه قائمة عليه بذلك.
وأصحهما: أنه يخبر بمائة، لأن المِلْك الأخير قائم عليه بمائة.
ويكره أن يواطئ وكيله ببيع ما اشتراه منه، ثم يشتريه بأكثر ليخبر به في المُرَابَحَة ولو فعل. قال ابن الصَّبّاغ: يثبت للمشتري الخيار وخالفه غيره.
ولو اشترى سلعة ثم قبل لزوم العقد ألحقا بالثمن زيادة أو نُقْصاناً، وصححناه، فالثمن ما استقر عليه العقد، وإن حطّ عنه بعض الثَّمن بعد لزوم العقد وباع بلفظ "ما اشتريت" لم يلزمه حط المحطوط عنه، خلافاً لأبي حنيفة، وإنْ باعه بلفظ "قام عليّ" لم يخبر إلاَّ بالباقي. فإن حط الكل، لم يجز بَيْعه مُرَابَحَة بهذا اللفظ، ولو حط عنه بعض الثمن بعد جريان المُرَابحة لم يلحق الحَطَّ المشترى منه.
وعن الشيخ أبي محمد وجه: أنه يلحق كما في التَّوْلِيَة والإِشْرَاك.
ولو اشترى شيئاً بعرض وباعه مُرَابَحَة بلفظ الشراء أو بلفظ القيام، ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد البائع بالنَّقْد.
ولو اشتراه بدين على البائع، فإن كان مليئاً غير مماطل لم يجب الإخبار عنه وإن كان مماطلاً وجب لأنه يشتريه بالزيادة للتَّخلُّص من التَّقَاضي.
ويجوز أن يبيع مُرَابَحَة بعض الشيء الَّذي اشتراه ويذكر قسطه من الثمن، وكذا لو اشترى قَفِيزي حِنْطة ونحوها، وباع إحداهما مُرَابَحَة.
ولو اشترى عبدين أو ثوبين وأراد بيع أحدهما مُرَابَحة، فسبيله أن يعرف قيمة كل واحد منهما يوم الشراء، ويوزع الثمن على القيمتين، ثم يبيعه بحصَّته من الثمن.
стр. 1978
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع أحدهما مُرَابحة؛ لأن التَّوزيع بالقيمة تَخْمين.
ثم في الفَصْل صور:
إحداهما: يجب الإخبار عن العيوب الطَّارئة في يده (١) سواء حدث العيب بآفة سماوية أو بجنايته أو بجناية أجنبي؛ لأن المشتري يبني العقد على العقد الأول، ويتوهم بقاء المبيع على ما كان، ولا فرق بين ما ينقص العَيْن وما ينقص القيمة كما في الرد، وعن أبي حنيفة أنه لا يجب الإخبار عن العَيْب الحادث بالآفة السماوية.
ولو اطَّلع على عيب قديم واختار إمساكه ذكره في بيع المُرَابَحَة، ولو تعذَّر رده لعيب حادث وأخذ الأَرْش فإن باعه مُرَابحة بلفظ "قام عليَّ" حطّ الأرش وإنْ باعه بلفظ ما اشتريت ذكر ما جرى به العقد، ويجب أن يذكر أيضاً العيب واسترداد الأرش فإن الأَرْش المستردّ جزء من الثمن. ولو أخذ أَرْش الجناية ثم باعه، فإنْ باع بلفظ "ما اشتريت" ذكر الثمن، وأخبر بالجناية، وإن باع بلفظ "قام عليَّ" فوجهان:
أحدهما: أنه نَازِل منزلة الكسب والزيادات والمبيع قائم عليه بِتَمَام الثمن.
وأصحهما: أنه يحط الأَرْش من الثمن كَأَرْش العيب، والمراد من الأَرْش هاهنا قدر النُّقْصَان لا المأخوذ بتمامة، فإذا قطعت يد العبد وقيمته مائة، فنقص منها ثلاثون يأخذ خمسين، ويحطّ من الثمن ثلاثين لا خمسين، وحكى الإمام وجهاً آخر: أنه يحط جميع المأخوذ من الثمن. ولو نقص من القيمة أكثر من الأَرْش المقدر حط ما أخذ من الثمن، وأخبر عن قيامه عليه بالباقي، وأنه نقص من قيمته كذا.
الثانية: إذا كان قد اشتراه بَغَبْن، فهل يلزمه الإخبار عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الإمام وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يلزم؛ لأنه باع ما اشترى كما اشترى.
والثاني: يلزم، لأن المشتري منه اعتمد على نظره ويعتقد أنه لا يحتمل الغَبْن، فليخبره ليكون على بَصِيْرَة من أمره.
وقضية كلام الأكثرين ترجيح هذا الوجه لأمرين:
أحدهما: أنهم قالوا: لو اشتراه بَدِيْن من مماطل وجب الإخبار عنه، لأن الغالب
стр. 1979
أنه يشتري من مثله بالزيادة، وقد مرّ ذلك. والثَّاني: أنهم قالوا: لو اشترى من ابنه الطّفل وجب الإخبار عنه؛ لأن الغالب في مثله الزِّيادة في الثمن نظراً للطِّفل، واحترازاً عن التُّهْمة، فإذا وجب الإخبار عن ظَن الغَبْن؛ فلأنْ يجب عند تعيينه كان أولى، وإن اشتراه من ولده البالغ أَوْ من أبيه، فأصحّ الوجهين باتِّفاق الأئمة أنه لا يجب الإخبار عنه كما لو اشترى من زوجته أو مكاتبه، وفي "الشامل" ما يقتضي تردداً في المُكَاتب، وعند أبي حنيفة وأحمد إذا اشتراه من ابنه أو أبيه وجب الإخبار عنه.
الثالثة: إذا اشتراه بثمن مؤجل وجب الإخبار عنه، لِلتَّفاوت الظاهر بين المؤجّل والمعجّل في المالية، وفي البيان حكاية وجه غريب أنه لا يجب التَّعرض له.
الرَّابعة: لا يجب الإخبار عن وَطْء الثَّيِّب، ولا عن مهرها الذي تأخذه، ولا عن الزيادات المنفصلة كالولد واللبن والصّوف والثمرة، ولو كان حاملاً يوم الشراء، أوْ كان ضَرْعِها لبن أو على ظهرها صومه أو على النَّخْلة طلع فاستوفاها حط بقسطها من الثمن، وهذا في الحَمْل مَبْني على أنه يقابله قسط من الثمن.
قال الغزالي: فَإِنْ كَذَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ حَطِّ قَدْرِ التَّفَاوُتِ قَوْلاَنِ، فإن قُلْنَا: لاَ يُحَطُّ فَلَهُ الخِيَارُ لِكَوْنِهِ مَظْلُوماً بِالتَّلْبِيسِ إلاَّ إِذَا كَانَ عَالِماً بِكَذِبِهِ، وَالأَصَحُّ أَنْ لاَ خِيَارَ لِلبَائِعِ إِنْ قُلْنَا: يُحَطُّ وَلاَ لِلْمُشْتَرِي.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: اشتريته بمائة وباعه مُرَابَحَة، ثم بأن أنه اشتراه بتسعين إما وبإقراره أو بالبينة، فالبيع صحيح على المذهب، لأن غاية ما فيه التَّغْرِيرِ والتَّدْلِيس، وذاك لا يمنع صحة البيع كما لو رَوَّجَ عليه مَعِيباً، وعن رواية القاضي أبي حامد وغيره وجه: أنه لا يصح لكون الثمن مجهولاً عند العقد ويحكى هذا عن مالك.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فلا يخلو كذبه في هذا الإخبار إما أن يكون خيانة أو غَلَطاً، أما في الحالة الأولى فقولان منصوصان في اخْتلاف العراقيين.
أصحهما: وهو المنقول في "المختصر" وبه قال أحمد: أنا نحكم بانْحِطَاط الزيادة، وحصَّتُها من الربح لأنه تمليك باعتبار الثَّمَن الأول، فيحط الزَّائد عليه كما في الشّفعة (١).
والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنا لا نحكم لأنه سمي ثمناً معلوماً وعقد به العقد
стр. 1980
فليجب وإن كان مُلبساً. وأما في الحالة الثَّانية فالمنصوص القول الأول والثَّاني مخرج من مثله في الحالة الأولى.
التفريع: إنْ حكمنا بالانْحِطَاط فهل للمشتري الخيار؟
نقل المُزَنِيُّ أنه، يثبت، وقال في اختلاف العراقيين: لا يثبت، فمن الأصحاب من قال: في المسألة قولان:
أظهرهما: لأنه لا خيار له لأنه قد رضي بأكثر، فَأَوْلى أنْ يرضى بالأقل.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنه يثبت الخيار لأنه إنْ بان كذبه بالإقرار لم يؤمن كذبه ثانياً وثالثاً، وإنْ بان بالبَيِّنة فقد تخالف الظَّاهر والباطن، وأيضاً فقد يكون له غرض في الشِّرَاء بذلك المبلغ لتَحِلَّة قسم وإِنْقَاذ وَصِيّه ونحوهما، ومنهم مَنْ حمل النص الأول على ما إذا تبيَّن كذب البائع بالبَيِّنة، والثاني على ما إذا تبيَّن بإقراره، والفرق أنه إذا ظهر بالبيّنة خيانته لم تؤمن خيانته من وجه آخر، والإِقْرَار يشعر بالأمانة وبذل النُّصْح.
والطريقة الأولى أظهر.
فإن قلنا: له الخيار فأمسك بما يبقى بعد الحَطّ فهل للبائع الخِيَار فيه وجهان وقيل: قولان:
إحداهما: نعم، لأنه لم يسلم له ما سماه في العقد.
وأظهرهما: لا، إذ يبعد أن يصيرَ تَلْبِيسه أو غَلطه سباً لثبوت الخيار له.
ومنهم من خَصَّ الوجهين بصورة الخيانة، وقطع بثبوت الخيار عند الغَلَط، فإن حكمنا بعدم الانْحِطَاط فللمشتري الخيار، لأن البائع قد غَرَّه إلاَّ أنْ يكون عالماً بكذب البائع، فيكون كما لو اشترى معيباً وهو عالم بعيبه، وإذا أثبت الخيار، فلو قال البائع: لا تفسح فإني أحطّ الزيادة عنك، ففي سقوط خياره وجهان، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان المَبِيع باقياً، أما إذا ظهر الحال بعد هلاك المبيع، فإن القاضي المَاوِرْدِيّ ذكر: أنه تَنْحط الخِيَانة، وحصَّتها من الربح قولاً واحداً، والظاهر جريان القَوْلين في الانحطاط، فإنْ قلنا بالانحطاط، فلا خيار للمشتري؛ لأن البائع قد لا يزيد القيمة، فالفسخ ورد القيمة يضر به. وأما البائع فإنْ لم يثبت له الخيار عند بقاء السِّلْعة، فكذلك هاهنا، وإن أثبتناه ثم ثبت هاهنا، كما لو وجد بالعبد عيباً، والثوب الذي هو عرضه تالف.
وإن قُلْنا: بعدم الانْحِطَاط فهل للمشتري الفسخ، فيه وجهان:
أظهرهما: كما لو عرف العيب بعد تلف المبيع، ولكن يرجع بقدر التَّفَاوت وحصّته من الرِّبْح، كما يرجع بأرْش العيب، وعن أبي حنيفة أنه لا يفسخ ولا يرجع بشيء.
стр. 1981
ولو كان قد اشتراه بثمن مؤجل وحال، فلم يتبيّن كونه مؤجلاً لم يثبت الأجل في حق المشتري الثَّاني، ولكن له الخيار، وكذلك إذا ترك ذكر شيء آخر مِمَّا يجب ذكره.
وقوله في الكتاب: فإن كذب في شيء من ذلك ففي استحقاق حَطّ قدر التَّفَاوت قولان، يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا أخبر عن سلامة المبيع وكان معيباً أو عن حلول الثمن وكان مؤجلاً، كما لو أخبر عن القدر كاذباً، وقد صرح في "الوسيط" بذلك، فيما إذا لم يخبر عن العَيْب فضلاً عن أن يخبر عن السَّلامة كاذباً، ولكن لم أر لغير المُصَنَّف ﵀ تعرضاً لذلك، فإن ثبت الخلاف فَالسَّبيل على قول الحَطّ النظر إلى القيمة وتقسيط الثَّمن عليها (١) والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ كَذَبَ بِنُقْصَانِ الثَّمَنِ وَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي، فَالأصَحُّ أَنْ لاَ تَلْحَقَهُ الزِّيَادة إِذ العَقْدُ لاَ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَكِنْ لِلبَائِعِ الخِيَارُ إِنْ صَدَّقَهُ المُشْتَرِي، وَإِنْ كَذَّبُه فَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ودَعْوَاهُ لأَنَّهُ عَلَى نَقِيضِ مَا سَبَقَ مِنْهُ، وَإِنْ ذَكرَ وَجْهاً مُخيّلاً فِي الغَلَطِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى رَأَيِ لِبَعْضِ الأَصْحَابِ مُتَّجِه.
قال الرَّافِعِيُّ: تكلمنا فيما إذا كذب المُشْتَري في قدر الثَّمن بالزيادة غلطاَ أو خيانةً، أما إذا كذب بالنقصان بأن قال: كان الثمن أو رأس المال، أو ما قامت به السلعة على مائة، وباع مُرَابَحَة ثم عاد، وقال: غلطت، وإنما هو مائة وعشرة، فننظر إن صدقه المشتري، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح البيع، كما لو غلط بِالزِّيادة.
وأصحّهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يصحّ لتعذُّر إمْضَائه، فإنَّ العقد لا يحتمل الزيادة، وأما النقصان فهو معهود بدليل الأَرْش (٢).
فإن قلنا بالأول، فأصح الوجهين أن الزِّيَادة لا تثبت، ولكن للبائع الخِيار.
والثاني: أنها تثبت مع ربحها، وللمشتري الخيار.
وقوله في الكتاب: (فالأصح أن العقد لا يحتمل الزِّيادة) إلى آخره، أراد به الوجهين الأخيرين المُفرَّعين على وجه الصِّحة، وذلك جواب منه بالصحة، وهو الَّذِي أورده القَاضِي المَاوِرْدِي.
وقوله آخِراً: (إن صدقه المشتري) تَكْرار غير محتاج إليه، فإنه قد تبين ذلك في
стр. 1982
التَّصوير أولاً، وإن كذبه المشتري فهذا يفرض على وجهين:
أحدهما: أن لا يبين للغلط وجهاً محتملاً، فلا يقبل قوله، ولو أقام عليه بَيِّنة لا تسمع دعواه؛ لأن اعترافه بأن الثمن مائة يكذب قوله الثاني وبينته، فلو زعم أن المشتري عارف بصدقه، والتمس تَحْلِيفه على أنه لا يعرف ذلك، فوجهان في أنه هل يجاب؟
أحدهما: لا يجاب، كما لا تسمع بَيِّنته.
والثاني: يجاب؛ لأنه ربما يقر عند عرض الثَّمَن عليه (١) فعلى هذا إنْ نكل هل ترد اليمين على المدعي؟
فيه وجهان (٢) بناء على أن اليَمِيْن المردودة بعد نُكُول المدّعى عليه كالإقرار من جهة المدّعى عليه، أو كالبَيِّنة من جهة المدّعي، وهذا أصل يشرح في موضعه إن شاء الله تعالى. فعلى الأول يرد، وعلى الثاني لا، ثم إذا قلنا بتحليف المشتري، فإنما يحلف على نفي العلم، فإن حلف أمضى العقد على ما حلف عليه، وإن نكل ورددنا اليمين فالبائع يحلف على القطع، وإذا حلف فللمشتري الخيار بين إِمْضَاء العقد بما حلف عليه، وبين الفسخ كذا أطلقوه، وقضية تنزيله منزلة إقرار المدّعى عليه أن يعود فيه ما ذكرنا في حالة التَّصْديق.
والثاني: أنْ يتبيَّن للغَلَط وجهاً محتملاً مثل أن يقول ما كنت اشتريته بنفسي، وِإنما اشتراه وكيلي وأخبرني أن الثمن مائة فبان خلافه، أو ورد على كتاب منه فَبَان مزوَّراً، أو كتب يقول: راجعت جَرِيدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره فتسمع دعواه للتَّحْليف؛ لأن بيان هذه الأعذار يحرك ظَنّ صدقه، ومنهم من طرد الخلاف في التَّحْليف.
وسماع البَيِّنة يترتب على التَّحْليف إن قلنا: لا تحليف فالبينة أولى أَلاَّ تُسْمع، وإن قلنا: له التحليف ففي البينة وجهان:
والأظهر: أنها تسمع أيضاً.
وقوله في الكتاب: (فلا تسمع بَيّنته ودعواه) جواب على أنه ليس له التَّحليف، وإلاَّ فَالتَّمْكين من التَّحْليف يتضمَّن سماع البَيّنة والإصغاء إليها، وعلى مقابلته قوله: "فتسمع دعواه على رأي" يشعر بسماع البَيِّنَة وجواز التَّحليف، والله أعلم.
فرع: قوله في المرابحة: بعتك بكذا يقتضي أنْ يكون الرِّبْح من جنس الثَّمَن الأول، ولكن يجوز أن يجعل الرَّبْح من غير جنس الأصل، ولو قال: اشتريت بكذا، أو
стр. 1983
بعتك به، وربح درهم على كل عشرة، فالربح يكون من نَقْد البلد لإطْلاقه الدرهم، والأصل مثل الثمن سواء كان من نقد البلد أو غيره. فرع: لو اتّهَب بغير عوض لم يجز بيعه مرابحة، إلاَّ أن يبين القيمة ويبيع بها مُرَابَحَة، وإن اتّهب بشرط الثواب ذكره، وباع به مرابحة، وإذا أَجَّر داراً بِعَبْد أو نكحت على عبد، أو خَالَعَ زوجته عليه، أو صالح من الدَّم عليه لم يجز بيع العَبد مُرَابَحَةً بلفظ الشراء، ويجوز بلفظ قام علي ويذكر في الإجارة أجرة مثل الدار، وفي النكاح والخُلْع مَهْر المِثْل، وفي الصُّلْح عن الدم الدِّيَة.
واعلم أن الأئمة أطبقوا على تصوير المُرَابَحة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت وربح كذا، أو بما قام علي، ولم يذكروا فيه خلافاً، وفيما إذا أَوْصَى لإنسان بنصيب ابنه ذكروا وجهاً: أنه لا يصح إذا قال: بمثل نصيب ابني فَكَأَنهم اقتصروا هاهنا على إيراد ما هو الأصح، وإلاَّ فلا فرق بين البابين (١).
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ مَا يُطْلَقُ فِي المَبِيعِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ: الأَوَّلُ: لَفْظُ الأَرْضِ وَفِي مَعْنَاهَا العَرْصَةُ وَالسَّاحَةُ وَالبُقْعَةُ، وَلاَ تَنْدَرجُ تَحْتَهَا الأَشْجَارُ وَالبِنَاءُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، إِلا إِذَا قَالَ: بعْتُ الأَرْضَ (و) بِمَا فِيهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر في هذا القسم ألفاظاً تمس الحاجة إلى معرفة ما يندرج فيها، وما لا يَنْدرج منها: الأرض والعَرْصَة والسَّاحَة والبُقْعَة، فإذا قال: بعتك هذه الأرض، وكان فيها أبنية وأشجار نظر، إن قال: دون ما فيها من البناء والشجر لم تدخل هي في البيع، وإن قال: بعتكها بما فيها دخلت الأبنية والأشجار، وكذا لو قال: بِعْتُكها بحقوقها على المشهور وحكى الإمام وجهاً: أنها لا تدخل وحقوق الأرض الممر، ومجرى الماء وما أشبههما، وإن أطلق فنصه هاهناه: أنها تدخل، ونص فيما لو رهن الأرض، وأطلق أنها لا تدخل، وللأصحاب فيها طرق:
أحدها: أن فيهما قولين بالنَّقْل والتَّخريج:
وجه الدخول: أنها للدوام والثبات في الأرض فأشبهت أجزاء الأرض، ولهذا يلحق بها في الأخذ بالشفعة. ووجه المنع: خروجها عن مُسَمى الأرض.
والثاني: تقرير النصيبين، والفرق أن البيع قوي لإزالة الملك، فيستتبع الشجر والبناء، والرهن بخلافه، ولهذا يكون النَّمَاء الحادث مِنْ أصل المبيع للمشتري، ولم يكن النَّمَاء الحادث من أصل المَرْهُون مرهوناً، والثالث: ويحكى عن ابن سريج: القطع
стр. 1984
بعدم الدّخُول في البَيْع والرهن جميعاً، ونصه هاهنا محمول على ما إذا قال بحقوقها، وكذا الحكم في الرهن ولو قال بحقوقها، وما الأظهر من هذا الخلاف.
ذكر صاحب الكتاب أن الأصح منها أنها لا تدخل اقتداء بإمام الحرمين، ولا شك أنه أوضح في المعنى؛ لكن عامة الأصحاب ﵏ على أن ظاهر المذهب دخولها، ورأوا أصح الطرق تقرير النصين، والله أعلم.
قال الغزالي: وَأُصُولُ البُقُولِ كَالأَشْجَارِ، وَالزُّرُوعِ لاَ تَنْدَرج قُطَعْاً، وَلاَ البَذْرُ وَإِنْ كَانَ كَامِناً، وَالأَصَحُّ أَنَّها لاَ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ الأَرْضِ كَمَا لَوْ باَع دَاراً مَشْحُونَةَ بِأَمْتِعةٍ، نَعَمْ إِنْ جَهِلَ المُشْتَرِي فَلَهُ الخيَارُ لِتَضَرُّرِهِ بِتَعْطِيلِ المَنْفَعَةِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِي (ح) وَيَدِهِ بِالتَّسْلِيم إِلَيْهِ وإنْ تَعَذَّر انْتِفَاعُهُ سَبَب الزَّرْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: الزرع ضربان: الأول: ما لا تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى، وإنما يؤخذ دفعة واحدة كالحِنْطة والشعير، فلا يدخل في مطلق بيع الأرض؛ لأنه ليس للثبات والدوام، وكان كنقولات الدار، ويصح بيع الأرض، وإن كانت مزروعة على أصح الطريقين كما لو باع داراً مَشْحُونة بأمتعة، ولا يخرج على الخلاف في بيع الدار المستأجرة؛ لأن يد المستأجر حائلة ثم. ومنهم من خَرَّجه على القولين.
قال الجمهور: لو كان في معنى تلك الصُّورة لوجب أن يقطع بالفساد، لأن مدة بقاء الزَّرْع مجهولة، وإذا قلنا بالصحيح فللمشتري الخيار، إن كان جاهلاً بالحال بأن كانت رؤية الأرض سابقة على البيع، وإن كان عالماً فلا خيار له، وهل نحكم بِصَيْرُورة الأرض في يد المشتري، ودخولها في ضمانه إذا خلّى البائع بينه وبينها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها مشغولة بملك البائع كما ذكرنا فيما إذا كانت الدَّار المبيعة مَشْحُونة بأمتعة البائع فيما قبل.
وأظهرهما: نعم، لحصول التسليم في الرَّقبة وهي المبيعة، ويخالف صورة الاستشهاد؛ لأن التفريغ ثم فنأت في الحال، على أنَّ الإمام أورد في تلك الصورة وجهاً أيضاً، وادّعى أنه ظاهر المذهب.
وإذا كان في الأرض جَزَر أو فِجْل أو سَلقٌ أو ثَوْم ولو لم يدخل في بيع الأرض، كالحِنْطة والشَّعير، وكل زرع لا يدخل في البيع لا يدخل، وإن قال: بِعْت الأرض بحقوقها، يحكى ذلك عن الشيخ أبي حامد، ورأيته لمنصور التَّميمي في المُسْتعمل
стр. 1985
أيضاً، ولا يؤمر البائع بقطع الزرع الذي يَبْقَى له في الحال بل له إبقاؤه إلى أَوَانِ الحَصَاد خلافاً لأبي حنيفة، وعند وقت الحصاد يؤمر بالقَطْع والتفريغ، وعليه تَسْوية الأرض وقلع العروق التي يضر بقاؤها بالأرض كعروق الذُّرة تشبيهاً بما إذا كان في الدَّار أمتعة لا يتسع لها باب الدار ينقض، وعلى البائع ضمانه.
الضَّرْب الثَّاني: ما تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى في سنتين أَو أكثر، كالكُرْسُف الحِجَازِيّ والنَّرْجس والبَنَفْسَج، فالظَّاهر من ثمارها عند بيع الأرض يبقى للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف الذي سبق في الأشجار، وفي النَّرْجس والبَنَفْسَج وجه: أنهما من الضرب الأول.
وما يُجَزّ مراراً كالقَتِّ والقَصَبِ والهِنْدِبَاءِ (١) وَالنِّعْنَاع والكَرَفْسِ والطَّرْخُونِ (٢)، تبقى جزّتها الظَّاهرة عند البيع للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف.
وعن الشيخ أبي محمد القطع بأنها تدخل في بيع الأرض؛ لأنها كَامِنة فيها نازلة منزلة أجزائها بخلاف الأشجار، فيجوز أن نعلّم لذلك قوله في الكتاب: "وأصول البقول كالأشجار" بالواو، وإذا قلنا بدخولها فليشترط على البائع قَطع الجَزّة الظاهرة؛ لأنها تزيد ويشتبه المبيع يغيره ولا فرق بين أن يكون ما ظهر بالغًا أَوَان الجَزّ أو لا يكون.
قال في "التتمة": إِلاَّ القَصَبَ فإنه لا يكلف بقطعه، إلاَّ أن يكون ما ظهر قدراً ينتفع به، ولو كان في الأرض أشجار، حلاف ما يقطع من وجه الأرض فهي كالقَصَبِ.
الثانية: لو كانت الأرض المبيعة مَبْذُورة، ففي البذر الكامل مثل التَّفْصِيل المذكور في الزروع فالبَذْر الذي لا ثَبَات لنباته، ويؤخذ دفعة واحدة لا يدخل في بيع الأَرْض، ويبقى إلى أَوَانِ الحَصَاد، وللمشتري الخِيار أن كان جاهلاً به، فإن تركه البائع له سقط خياره، وعليه القبول، ولو قال: آخذه وأفرغ الأرض سقط خياره أيضاً، إنْ أمكن ذلك في زمان يسير.
والبذْر الذي يدوم نباته كَنَوَى النَّخْل والجَوْز واللَّوْز وبذر الكُرَّات، ونحوه من البقول حَكمه في الدخول تحت بيع الأرض حكم الأشجار، وجميع ما ذكرنا في المسألتين مفروض فيما إذا أطلق بيع الأرض، فأما إذا باعها مع الزرع، أو البذر فإنا نورده في خلال اللفظ السادس، إن شاء الله تعالى.
стр. 1986
قال الغزالي: وَالحِجَارَةُ إنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةَ فِي الأَرْضِ انْدَرَجَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْفُونَةً فَلاَ، وعَلَى البَائِعِ النَّقْلُ وَالتَّفْرِيغُ وَتَسْوِيَةُ الحَفْرِ، فَإِنْ كَانَتْ تتعيب بِهِ الأَرْضُ أَوْ تَتَعَطَّلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ في مُدَّةِ النَّقْلِ فَلَهُ الخِيَارُ عِنْدَ الجَهْلِ، فَإِنْ أَجَازَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ طَلَبَ أُجْرَةِ المنفعةِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ، وَفِي مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ، وَكَذَلِكَ لَهُ طَلَبُ أَرْشِ التَّعَيُّبِ، فَإِنْ تَرَكَ البَائِعُ الحِجَارَةَ بَطُلَ خِيَارُ المُشْتَرِي، لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَضَرِّرِ بِالبَقَاءِ، ثُمَّ لاَ يِمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الأِعْرَاضِ (و) إِلاَّ إِذَا جَرَى لَفْظُ الهِبَةِ وَشَرْطُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: الحِجَارة إن كانت مخلوقة في الأَرْض، أو مثبتة دخلت في بيع الأرض. وإن كانت تضر بالزَّرع والغَرْس، فقد ذكرنا في عِدَاد العيوب أنه عيب إذا كانت الأرض مما تقصد لذلك وفيه وجه: أنه ليس بعيب، وإنما هو فَوَات فَضِيلة، وإن كانت مدفونة فيها لم تدخل في البيع كالكنوز والأقمشة في الدار، ثم لا يخلو.
إما: أن يكون المشتري عالماً بالحال، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً فلا خيار له في فسخ العقد، وإنْ تضرَّر بقلع البائع، وله إجبار البائع على القلع والنقل تفريغاً لملكه بخلاف الزَّرْع فإن له أمداً ينتظر، ولا أُجْرة للمشتري في مدة القَلْع والنَّقل، وإن طالت كما لو اشترى داراً فيها أَقْمشة، وهو عالم بها لا أُجْرَة له في مدة النَّقْل والتَّفريغ، ويجب على البائع إذا نقل تسوية الأرض.
وإن كان جاهلاً فللحجارة مع الأرض أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن لا يكون في قَلْعها ولا في تركها ضرر فأن لم يحوج النَّقل وتسوية الأرض إلى مدّة لمثلها أجرة، ولم تنقص الأرض بها فللبائع النقل، وعليه تسوية الأرض، ولا خيار للمشتري، وله إجبار البَائع على النَّقْل، وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجبر والخِيَرَة للبائع، والمذهب الأول.
الحالة الثانية: أن لا يكون في قَلْعِها ضرر ويكون في تركها ضرر، فيؤمر البائع بالنقل، ولا خيار للمشتري كما لو اشترى دارًا فلحق سَقْفها خلل يسير يمكن تداركه في الحال، أو كانت مُنْسدّة البَالُوعَة فقال البائع: أنا أصلحه وأتقنها فلا خيار للمشتري.
الثالثة: أنْ يكون القلع والتَّرْك جميعاً مُضِرّين، فللمشتري الخيار سواء جهل أصل الأحجار، أو كون قَلْعها مضرًا، ولا يسقط خياره بأن يترك البائع الأحجار لما في نقلها من الضَّرر وهل يسقط بأن يقول للمشتري: لا تفسخ لأغرم لك أجرة المثل لمدة النقل؟
فيه وجهان عن رواية صاحب "التقريب".
أصحهما: لا، كما لو قال البائع: لا نفسخ البيع بالعيب لأغرم لك الأرش ثم إنْ
стр. 1987
اختار المشتري البيع فعلى البائع النقل وتسوية الأرض سواء كان النقل قبل القبض أو بعده، وهل تجب أجرة المثل لمدة النقل إن كان النقل قبل القبض فيبني على أن جناية البائع قبل القبض كآفةٍ سماوية أو كجناية الأجنبي.
إن قلنا: بالأول لم تجب وإن قلنا بالثاني فهو كما لو نقل بعد القَبْض، وإن كان النَّقْل بعد القبض فوجهان.
أصحهما: عند الشيخ أبي حامد: أنها لا تجب؛ لأن إجازته رضا بتلف المَنْفَعة في مدة النَّقْل.
وأصحهما: على ما يقتضيه كلام الأكثرين وبه قال أبو إسحاق: أنها تجب كما لو جنى على المبيع بعد القبض عليه ضمانه، وقد يختصر فيقال: في وجوب الأجرة ثلاثة أوجه:
ثالثها وهو الأظهر: الفرق بين أن يكون النَّقل قبل القبض فلا تجب، أو بعده فتجب، ويجري مثل هذا الخلاف في وجوب الأَرْش، لو بقي في الأرض بعد التَّسْوية نقصان وعيب وفي مأخذ الخِلاَف في الأَرْش ولزوم التَّسْوية مزيد كلام مذكور في الغَصْب.
الرابعة: أن يكون في قَلْعها ضرر، ولا يكون في تركها ضرر، فللمشتري الخيار، فإنْ أجاز ففي الأُجْرة والأَرْش ما مرّ، ولا يسقط خِياره بأن يقول للبائع: اقْلع واغرم الأجرة، أو أرش النقص كذا قاله في "التهذيب"، ويجيء فيه مثل الخلاف المذكور في الحالة الثالثة، ولو رَضِيَ بترك الأحجار في الأرض سقط خيار المشتري إبقاء للعقد، ثم ينظر إن اقتصر على قوله: تركتها إلى المُشْتري فهو تمليك، أو مجرد إعراض لقطع الخُصُومة، فيه وجهان كالوَجْهَين في ترك النَّقْل على الدَّابة المردودة بالعيب.
أحدهما: أنه تمليك ليكون سقوط الخيار في مُقابلة ملك حاصل.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه قطع للخصومة لا غير.
فإن قلنا بالأول: فلو قلعها المشتري يوماً فهي له، ولو أراد البائع الرجوع فيها لم يكن له وإن قلنا بالثاني فهي للبائع، ولو أراد الرجوع قال الأكثرون: له ذلك ويعود خيار المشتري. وقال الإمام: لا رجوع ويلزمه الوفاء بالترك، وإن قال: وهبتها منك، فإن رآها من قبل واجتمعت شرائط الهِبَة حصل الملك، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأنه لا يَبْغي حقيقة الهبة وإنما يقصد دفع الفسخ، وإن لم تجتمع شرائط الهبة، ففي صحتها للضرورة وجهان، إن صححناها ففي إفادة المِلْك ما ذكرنا في لفظ الترك.
واعلم أن جميع ما ذكرنا فيما إذا كانت الأرض بيضاء، أما إذا كان فيها غِرَاس فينظر إن كانت حاصلة يوم البيع واشتراها مع الأرض، فنقصان الأشجار وتَعيُّبها بالإحجار، كتعيُّب الأرض في إثبات الخيار وسائر الأحكام، وإن أحدثها المشتري بعد
стр. 1988
الشراء، فينتظر إنْ أحدثها عالماً بالأحجار فللبائع قَلْعُها، وليس عليه ضمان نقصان الغِرَاس، وإن أحدثها جاهلاً، ففي ثبوت الخيار وجهان:
وجه الثبوت أنَّ الضرر ناشئ من إيداعه الأحجار في الأرض.
والأصح أنه لا يثبت لرجوع الضَّرر إلى غير المبيع، فإن كانت الأرض تنقص بالأحجار أيضاً نظر إن لم يورث الغَرْس وقلع المغروس نقصاناً في الأرض فله القلع والفسخ، وإن أورث الغراس أو القلع نقصاناً فلا خيار في الفسخ، إذ لا يجوز له رد المبيع ناقصاً ولكن يأخذ الأرض وإذا قلع البائع الأحجار فانتقص الغِراس فعليه أَرْش النقص بلا خلاف، ولو كان فوق الأحجار زرع إمَّا للبائع أو للمشتري، ففي "التهذيب" أنه يترك إلى أَوَانِ الحصاد؛ لأن له غاية منتظرة بخلاف الغِرَاس، ومنهم من سوَّى بينه وبين الغراس (١).
إذا تقرر فقه الفصل فالحاجة بعده إلى معرفة ما ذكر في الكتاب، وإحلال كل شيء محله.
أما قوله: (وعلى البائع النقل والتفريغ وتسوية الحفر) فاعلم أن الجمع بين النقل والتَّفْريغ ضرب إِيْضاح، إلا فنقل الحِجَارة عن الموضع دون التَّفريغ مُحَال، ثم الكلام مجري على إطلاقه في صورة العلم باشتمال الأرض على الأحجار المدفونة، وكذا في صورة الجهل حيث لا يثبت الخيار، وحيث ثبت فكذلك إن أجاز المشتري.
وأما إذا فسخ فلا يخفى أنه لا يكلف بالنَّقل وتسوية الحفر، ثم تكلم الإمام في أنهم لِمَ أوجبوا تسوية الحفر على البائع، وعلى الغاصب إذا حفر في الأرض المغصوبة، ولم يوجبوا على من هدم الجدار أن يعيده، وإنما أوجبوا الأَرْش.
وأجاب عنه بأن طمّ (٢) الحفيرة لا يكاد يتفاوت، وهيئات الأبنية تختلف وتتفاوت فيشبه ذلك بذوات الأمثال، وهذا بذوات القيم، حتى لو رفع لِبنَة أو لِبَنَتَيْنِ من رأس الجِدار، وأمكن الرد من غير اختلاف في الهيئة كان ذلك كَطَمّ الحُفَيرة فهذا ما ذكره، وفي وجوب الإعادة على هادم الجِدَار خلاف يذكره في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى.
وقوله: (فله الخِيَار عند الجَهْل) محمول على الحالة الثالثة والرابعة فأما في الأولى والثانية فقد عرفت أنه لا خيار.
стр. 1989
وقوله: (فالأظهر أن له طلب أجرة المنفعة في هذه المدة، وفي مدة بقاء الزرع).
أما أجرة مدة النقل فقد تكلمنا فيها، وبيَّنا أن الأظهر الفرق بين أن يكون النقل قبل القبض أو بعده، وأما في مدة بقاء الزَّرع فوجهان عن رواية صاحب "التقريب" الذي أورده المعظم: أنه لا تجب الأُجْرة، وتقع تلك المدة مُسْتَثْناة كما لو باع داراً مشحونة بأقمشة لا يستحق المشتري الأجرة لمدة التفريغ.
والثاني: وهو الأظهر عند صاحب الكتاب: أنها تجب، ولفظ المنفعة في قوله: "أجرة المنفعة" في قوله حشو لا يضر إسقاطه إذ ليس الأجرة إلاَّ عوض المنفعة.
وقوله: (فإن ترك البائع الحجارة بطل خيار المشتري) مُصور في الحالة الرابعة لا غير؛ لأنه لا خيار للمشتري في الأولى والثانية حتى يفرض سقوطه.
وأما في الثالثة، فقد ذكرنا أن ترك الحجارة لا يسقط الخيار.
وقوله: (لأنه غير متضرر بالبقاء) فيه إشارة إلى التَّصوير في الحالة المذكورة.
وقوله: (ثم لا يملكه بمجرد الإعراض معلّم بالواو).
وقوله: (إلاَّ إذا جرى لفظ الهِبَة) استثناء منقطع، ويجوز أن يعلم قوله: (وشرطها) بالواو، للوجه الذي ذكرناه في أنه لا تعتبر اجتماع الشروط.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّانِي: البَاغُ وَفِي مَعْنَاهُ البُسْتَانُ، وَهوَ مُسْتَتْبعٌ لِلأَشْجَارِ، وَلاَ يَتَنَاوَلُ البِنَاءَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَأَمَّا اسْمُ القَرَيةِ وَالدَّسْكَرَةِ (٣) يَتَنَاوَلُ البنَاءَ وَالشَّجَر.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذا الباغ والبُسْتَان دخل في البيع الأرض والأشجار والحائط، وفي دخول البناء الذي فيه ما سبق في دخوله تحت الأرض، وفي العَرِيْش الذي توضع عليه القُضْبَان تردّد للشيخ أبي محمد، والظاهر عند الإمام دخوله، وذكروا أن لفظ الكَرْم كلفظ البُسْتَان، ولكن العادة في نَواحينا إخراج الحائط عن مسمَّى الكرم، وإدخاله في مسمَّى البُسْتَان، ولا يبعد أن يكون الحكم على ما استمر الاصْطِلاح به.
ولو قال: هذه الدار بستان دخلت الأبنية والأشجار جميعاً.
ولو قال: هذا الحائط بستان، أو هذه المحطوطة دخل الحَائِط المُحِيط وما فيه من الأشجار، وفي البناء الخلاف السابق، هكذا ذكره في "التهذيب"، ولا يتّضح في لفظ المحطوة فرق بين الأبنية والأشجار فليدخلا، أو ليكونا على الخلاف.
ولو قال: بعتك هذه القرينة دخل في البيع الأبنية والسَّاحات التي تُحيط بها الصُّور، وفي الأشجار التي وسطها الخلاف، اختيار الإمام وصاحب الكتاب دخولها بخلاف اختيارهما في لفظ الأرض.
стр. 1990
وأما المزارع فلا تدخل في البيع، أَلاَ ترى أنه لو حلف لا يدخل القرية لم يَحْنَث بدخوله المزارع؟ ولو قال: بعتكها بحُقُوقها لم تدخل أيضاً، بل لا بد من نَصّ على المزارع، وفي "النهاية" أنها تدخل إذا قال: بحقوقها وهما غريبان. (١)
قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّالِثُ الدَّارُ وَلاَ يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المنْقُولاَت إلاَّ مِفْتَاحَ البَابِ اسْتَثنَاهُ صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ"، وَيَنْدَرجُ تَحْتَهُ الثَّوابِتُ وَمَا أُثْبِتَ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ لِلبَقَاء كَالأبْوَابِ وَالمَغَالِيقِ، وَفِي الأَشْجَارِ وَحَجَرِ الرَّحَا وَالأَجَانَاتِ المُثْبَتَةِ خِلاَفٌ، وَفِي مَعْنَاهَا الرُّفُوفُ، وَالسَّلاَلِيمُ المُثْبَتَة بِالمَسَامِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذه الدار دخل في المبيع الأرض والأبنية على تنوعها حتى يدخل الحَمّام المَعْدُود من مَرَافقها، وحكي عن نصه أن الحمام لا يدخل، وحملوه على حمّامات الحِجَاز، وهي بيوت من خَشَبٍ تنقل، ولو كان في وَسَطِها أشجار ففي دُخولها ما سبق في دخُولها تحت بيع الأرض، ونقل الإمام في دخولها ثلاثة أوجه:
ثالثها: الفرق بين أن يكثر بحيث يجوز تسمية الدّار بستاناً فلا يدخل في لفظ الدار وبين أن لا تكون كذلك فتدخل.
وأما الآلات في الدَّار فهي على ثلاثة أجزاء:
أحدهما: المنقو لات كالدَّلو والبَكَرة والرّشَا والمَجَارِف والسّرُر والرّفُوف الموضوعة على الأوتاد، والسَّلاَلِيم التي لم تسمّر ولم تُطَين، والأَقْفَال والكُنُوز والدّفَايِن، فلا يدخل شيء منها في البيع، نعم في مفتاح المِغْلاَق المثبت وجهان:
أحدهما: أنه كسائر المَنْقُولات.
وأصحهما: ويحكى عن صاحب "التلخيص": أنه يدخل؛ لأنه من توابع المِغْلاَق المثبت، وفي ألواح الدَّكَاكين مثل هذين الوجهين لأنها أبواب لها، وإن كانت تنقل وتردد في الفَوْقَاني من حجر الرَّحَى مثل هذين الوجهين إن أدخلنا التَّحْتَاني، والأصح: الدخول.
والثاني: ما أثبت تتمة للدار ليدوم فيها ويبقى كالسُّقُوف والأبواب المَنْصُوبة، وما عليها من المَغَالِيق والحَلَق والسَّلاَسِل والضَّبَّات تدخل في البَيْع؛ فإنها مَعْدُودة من أجزاء الدَّار.
الثَّالث: ما أثبت على غير هذا الوجه كالرُّفُوف والدّنَان والأجَانَات المُثْبتة والسَّلاَلِيم المُسَمَّرة والأَوتَاد المُثَبَّتَة في الأرض والجُدْرَان، والتَّحْتَاني من حجر الرَّحَى،
стр. 1991
وخشب القَصّار، ومَعجن الخَبَّاز، ففي جميع ذلك وجهان:
أصحهما: أنها تدخل لثباتها واتصالها.
والثَّاني: لا تدخل لأنها إنما أثبتت لِسُهُولة الارْتِفَاق بها، كي لا تَتَزَعْزَع وتتحرك عند الاستعمال. وأشار الإمام إلى القطع بدخول الحَجَرَين في بيع الطَّاحونة، وبدخول الأجَانَات المُثَبَّتَة إذا باع باسم المدبغة والمصبغة، وأنَّ الخلاف في دخولها تحت بيع الدَّار وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف، في تجويز الصلاة إلى العصا المَغْرُوزَة في سطح الكَعْبة، إن جوزنا فقد عددناها من البناء فتدخل، وإلاَّ فلا، وهذا يقتضي التَّسْوِية بين اسم الدَّار والمدبغة (١).
قوله في الكتاب: "ويندرج تحته الثوابت، وما أثبت من مرافق الدار" كأنه يعني بالثَّوَابت ما هو ثابت في نفسه من غير إثبات، أو ما هو من ضرورات الدار، وبما أثبت من المرافق ما سواها.
فروع:
أحدها: لا يدخل مَسِيل الماء في بيع الأرض، وكذا لا يدخل فيه شربها من القَنَاة، أو النَّهْر المملوكين إلاَّ أنْ يشرط أو يقول بحقوقها، وحكى أبو عاصم العبادي وجهاً: أنه يكفي ذكر الحقوق.
وإذا كان في الدَّارِ المبيعة بئر ماء دخلت في المبيع، والماء الحاصل في البئر لا يدخل، أما إذا لم نجعله مملوكاً فظاهر وأما إذا جعلناه مملوكاً فلأنه نَمَاء ظاهر، فأشبه الثمار المُؤَبَّرة، وفي "النَّهَاية" حكاية وجه: أنه يدخل إذا جعلناه مملوكاً، وينزل منزلة الثمار التي لم تؤَبَّر؛ لأنه العرف فيه، وإن شرط دخوله في البيع صَحَّ على قولنا: إنَّ الماء مملوك بل لا يصح البيع دون هذا الشرط، وإلاَّ اختلط ماء المُشْتَري بماء البائع وانفسخ البيع (٢)، وذكر الخلاف في الماء، وتفاريعه مؤخر إلى إحياء الموات.
والثاني: لو كان في الأرْض أو الدَّار معدن ظاهر، كالنّفْط والمِلْح والغَازِ والكِبْرِيت فهو كالماء وإن كان باطناً كالذَّهب والفِضَّة دخل في البيع، إلاَّ أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذَّهَب بالذهب من جهة الرِّبَا، وفي بيعه بالفضة قولان للجمع في الصَّفْقَة الواحدة بين البَيْع والصَّرف.
стр. 1992
الثالث: باع داراً في طريق غير نافذ دخل حريمها في البيع، وفي دخول الأشجار الخلاف الذي سبق، وإن كان في طريق نافذ لم يدخل الحَريم، والأَشْجَار في البيع، بل لا حريم لمثل هذه الدَّار، على ما سنذكر في إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الرَّابعُ: العَبْدُ وَلاَ يَتَنَاوَلُ مَالَ العَبْدِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَفِي ثِيَابِه الَّتي عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَنْدَرجُ سَاتِرُ العَوْرَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالوَجْهُ الصَّحِيحُ تَحْكيمُ العُرْفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: العبد إذا ملَّكَه السيّد، مالاً هل يملكه؟
فيه قولان يذكران بتوجيهما في باب معاملات العَبِيد. إذا عرف ذلك فلو ملكه سيده مالاً ثم باعه، وشرط المال ثم باعه وشرط المال لنفسَه فلا كلام وإن أطلق بيعه لم يتبعه المال أيضاً. أما إذا قلنا: إنه لا يملك فظاهر.
وأما إذا قلنا إنه يملك فلأن اللَّفظ لا يتناول المال، وهو بسبيل من الرجوع فيه، وكان ترك التَّعَرُّض للمال رجوعاً. وإن باعه مع المال.
فإن قلنا: إنه لا يملك ما ملكه اعتبر فيه شرائط المبيع حتى لو كان مجهولاً أو غائباً لم يصح البيع، وكذا لو كان ديناً، والثمن دين وكذا لو كان ذهباً، والثمن ذهباً، ولو كان ذهباً والثمن فضة أو بالعكس، فعلى قولاً الجمع بين البيع والصَّرف.
وإن قلنا: إنه يملك فقد نصّ أن المال ينتقل إلى المشتري مع العبد، وأنه لا بَأْسَ بكونه مجهولاً أو غائباً، ويحتمل ذلك عن أبي سعيد الإصْطَخْري أن المال تابع، وقد يحتمل في التابع ما لا يحتمل في الأصل أَلاَ ترى أن الجهل في الحمل واللّبن التابعين محتمل؟ وكذا الجهل بحقوق الدار.
وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق أنَّ المال ليس بمبيع لا أصلاً ولا تبعاً، ولكن شرطه للمبتاع كتبعية له على العبد كما كان فللمشتري انتزاعه عنه، كما كان للبائع الانتزاع منه فعلى هذا لو كان المال رَبَوِيًا، والثمن من جنسه فلا بأس، وعلى الأول لا يجوز ذلك ولا يحتمل الرِّبَا في التابع كما في الأصل، وأصحّ المعنيين عند الأصحاب الثاني.
هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: الثياب (١) التي على العبد، هل تدخل في بيعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: الاقتصار على اللَّفظ كما أن السَّرْج لا يدخل في بيع الدَّابة.
стр. 1993
والثاني: تدخل، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أن ما عليه من الثياب تدخل اعتباراً بالعرف، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يدخل ساتر العَوْرة دون غيره.
وقوله في الكتاب: (والوجه الصحيح تحكيم العرف) ربما يشعر بوجه رابع، لكن المنقول ليس إلاَّ الوجوه الثلاثة، فهو إذن ترجيح لوجه دخول ما عليه من الثياب، لكن صاحب "التهذيب" وغيره رجَّحوا الوجه الصَّائر إلى أن شيئاً منها لا يدخل في البيع، وكذا قالوا في عِذَارِ الدَّابة.
وأما نعلها فيدخل، وكذا بُرَةُ (١) الناقة إلا أن يكون من ذهب أو فضة (٢).
قال الغزالي: اللَّفْظُ الخَامِسُ: الشَّجَرُ وَيَنْدَرج تَحْتَهُ الأَغْصَانُ وَالأَوْرَاقُ حَتَّى وَرَقُ الفِرْصَادِ عَلَى الأَصَحِّ وَكذَا العُرُوقُ، وَيسْتَحِقُّ الإِبْقَاء مَغَرُوساً، وَلاَ يَسْتَحِقُّ المَغْرَسَ عَلَى الأَصَحِّ مِنَ القَوْلَيْن، وَلَكنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا لِلإِبْقَاءِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: أغصان الشجرة تدخل في مطلق بيعها لأنها معدودة من أجزاء الشجرة، نعم لا يدخل الغُصْن اليابس في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القَطْع كما في الثمار. قال في "التهذيب": ويحتمل أن يدخل كالصُّوف على ظهر الغَنم، وتدخل العَروق أيضاً في مطلق بيع الشَّجرة، وكذلك الأوراق إلاَّ أن شجرة الفِرْصَاد (٣) إذا بيعت في الربيع، وقد خرجت أوراقها ففي دخولها تحت البيع وجهان:
أصحهما: انها تدخل كما في غير وقت الربيع وكما في سائر الأشجار.
وقال: أبو إسحاق انها لا تدخل لأنها كثمار سائر الأَشْجار، وفي أوراق شجر النَّبق ذكر طريقين في "التتمة" أظهرهما: أنها كأوراق غيرها من الأَشْجَار.
والثاني: أنها كأوراق الفِرْصَاد، لأنها تلتقط ليغسل بها الرَّأس.
стр. 1994
الثانية: لو باع شجرة يابسة نابتة فعمى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة.
قال في "التتمة" فلو شرط إبقاءها فسد البيع، كما لو اشترى الثَّمرة بعد التَّأْبِير وشرط عدم القطع عند الجُذَاذ، ولو باعها بشرط القطع أو القلع جاز، وتدخل العُرُوَق في البيع عند شرط القلع، ولا تدخل عند شرط القطع بل تقطع عن وجه الأرض، وإن كانت الشَّجرة رطبة فباعها بشرط الإِبْقَاء أو شرط القلع اتبع الشَّرط ولو أطلق جاز الإِبْقَاء أيضاً للعادة كما لو اشترى بناء يستحق إبقاءه وهل يدخل المغرس في البيع؟ وجهان.
وقال الإمام وصاحب الكتاب رحمهما الله: قولان:
أحدهما ويحكى عن أبي حنيفة: نعم؛ لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية، وذلك لا يكون إلاَّ على سبيل المِلْك، ولا وجه لتملكه إلاّ دخوله في المبيع.
وأصحهما: لا لأن اسم الشجرة لا يتناوله، وقد يستحق غير المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جِدَاره ليضع الجذع عليه، فعلى الوجه الأول لو انْقلعت الشجرة أو قَلْعها المالك، كان له أن يَغْرس بدلها، وله أن يبيع الغرس، وعلى الثاني ليس له ذلك، ويجري الخلاف فيما لو اشترى أرضاً، وشرط البائع لنفسه شجرة منها أن المغرس يبقى له أيضاً أم لا والله أعلم.
قال الغزالي: وإنْ كَانَ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ يَنْدَرجْ تَحْتَهُ، وَغَيْرُ المُؤَبَّرَةِ تَنْدَرجُ (ح)، وَفِي مَعْنَى المُؤَبَّرَةِ كُلُّ ثَمَرَةٍ بَارِزَةٍ ظَهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ، وَإذَا تَأَبَّرَ بَعْضُ الثَّمَارِ حُكِمَ بانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ فِي الكُلِّ نَظَراً إِلَى وَقْتِ التَّأْبِيرِ لِعُسْرِ تَتَبُّعِ العَنَاقِيدِ، هَذَا إِذَا اتَّحَدَ النَّوْعُ وَشَمِلَت الصَّفْقَةُ، فَإِن اخْتَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَفَيهِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيان أن الثمرة متى تندرج في بيع الشجرة؟ ومتى لا تندرج؟ والأصل في الباب ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النّبي ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةٌ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِعِ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" (١).
وروي أن رجلاً ابتاع نخلاً من آخر، واختلفا: فقال المبتاع: أنا أبَّرته بعدما ابتعت، وقال البائع أنا أبَّرته من قبل البيع فتحاكما إلى النَّبي ﷺ فقضى بالثَّمرة لمن أبَّر منهما (٢) وأول ما يحتاج إلى معرفته تفسير التَّأْبير.
اعلم أن النخيل فُحُول وإِنَاث، ومعظم المقصود من طلع الفُحُول استصلاح الإناث بها، والذي يبدو منها أولاً أُكَمَة صغيرة، ثم تكبر وتطول حتى تصير كآذان
стр. 1995
الحُمُر، فإذا كبرت تشققت فتظهر العَنَاقِيد في أَوْسَاطها، فبذر فيها طلع الفُحُول الحاصل من رطبها أجود، فالتَّشْقيق وذرْ طلع الفُحُول فيها هو التَّأْبير، وقد يسمى تلقيحاً أيضاً، ثم الأكثرون يسمون الكِمَام الخارج أكله طَلْعاً، والإمام خصّ اسم الطَّلْع بما يظهر من النُّور على العنقود عند تشقُّق الكِمَام، ثم المتعهدون للنَّخِيل لا يؤبِّرون جميع الأَكَمَة، ولكن يكتفون بتأبير البعض، والباقي ينشق بنفسه، وينبت ريح الفُحُول إليه، وقيل قد لا يؤبّر في الحائط شيء، وتتشقق الأكمة بنفسها إذ كبرت، إلا أن رطبه لا يجيء جيداً، وكذلك الخارج من الفُحُول ينشق بنفسه ولا يشقق غالباً.
إذا تقرر ذلك، فإذا باع نخلة عليها ثمرة، وشرطاها للبائع لم تندرج في بيع النخلة، وإن شرطاها للمشتري اندرجت، وإن أطلقا وهي مسألة الكتاب نظر إنْ كانت مؤبَّرة لم تندرج في البيع، وكذا لو لم تؤبّر وتشقّقت الأَكَمة بنفسها اعتباراً لظهور المقصود، وإن لم تؤَبّر ولا تشققت هي اندرجت في البيع، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تبقى الثمار للبائع أُبِّرت أو لم تُؤَبَّر.
لنا ما سبق من الخبر، وأيضاً فإن لها حالة كُمُون وظهور بأصل الخِلْقة، فيتبع الأصل في حالة الكمون اعتباراً بحال البهيمة والجَارِية، ولو باع الفحول من النّخيل بعد تشقُّق طلعها لم يندرج الطَّلْع في البيع، وإن لم يتشقق فوجهان:
أظهرهما: الاندراج كما في طلع الإِنَاث.
والثاني: أنه لا يندرج، لأن طلع الفحل يؤكل على هَيْئَتِه، ويطلب لِتَلْقيح الإناث به، وليس له غاية مُنْتظرة بعد ذلك، فكان ظهوره كظهور ثمرة لا قِشْرَ لها، بخلاف طلع الإناث فإنه يعني بثمرته فاعتبر ظهورها.
ثم الكلام في أمرين:
أحدهما: ما عدا النخيل من الأشجار أقسام:
أولها: ما يفصل منه الورق كشجر الفِرْصَاد، وقد ذكرنا حكمه.
قال في "البيان" وشجر الحنَّاء ونحوه، يجوز أن تلحق بشجر الفِرْصَاد، ويجوز أن يقال: إذا ظهر ورقه فهي للبائع بلا خلاف؛ لأنه لا ثمرة لها سوى الورق، ولِلْفرْصَاد ثمرة مأكولة.
وثانيها: ما يقصد منه الورد، وهو على ضربين:
أحدهما: ما يخرج في كِمَام ثم ينفتح كالورد الأحمر، فإذا بيع أصله بعد خروجه وتفتحه فهو للبائع، كطَلْع النخل المتشقق، وإن بيع بعد خروجه وقبل تفتحه، فهو للمشتري كالطَّلْع قبل التشقق، وعن الشيخ أبي حامد أنه يكون للبائع أيضاً.
стр. 1996
والثاني: ما يخرج ورده ظاهراً كاليَاسَمِيْن، فإن خرج ورده فهو للبائع وإلا فللمشتري.
وثالثها: ما يقصد منه الثمرة، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته بارزة بلا قِشْر ولا كِمَام، كالتِّين فهو كاليَاسَمِين، وألحق العِنَب بالتِّيْن، وإن كان لكل حَبَّة منه قِشْر لطيف، يتشقَّق ويخرج منها نَوْر لطيف؛ لأن مثل ذلك موجود في ثمر النَّخل بعد التَّأْبير، ولا عبرة به.
والثاني: ما لا يكون كذلك، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته في نَوْر، ثم يتناثر النَّوْر، فتبرز الثَّمرة بلا حائل كالمِشْمِش (١) والتُّفَّاح والكُمِّثْري وما أشبهها، فإن باع الأصل قبل انْعِقَاد الثَّمرة فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج، وإنْ باعه قبل الانعقاد، وتناثر النَّوْر فهي للبائع وإن باعه بعد الانْعِقَاد قبل تَنَاثُر النَّوْر فوجهان:
أحدهما: أنها للمشتري تنزيلاً للاستتار بِالنَّوْر منزلة اسْتِتَار ثمر النَّخْل بالكِمَام.
والثَّاني: أنها للبائع تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التَّأَبير بالقِشْر الأبيض، وهذا أرجح عند أبي القاسم الكرخي، وصاحب "التهذيب" لكن الأول هو المحكي عن نصه في البُويطي، وعن أبي إسحاق، واختاره ابن الصباغ والقاضي الروياني، والله أعلم.
والثاني: ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة، وله ضربان:
أحدهما: ما له قِشْرَة واحدة كالرُّمَّان.
فإذا بيع أصله، وقد ظهر الرُّمَّان بقشرهِ فهو للبائع، ولا اعتبار بقشرهِ لأن إبقاءه من مصلحته، وإن لم تظهر فالذي يظهر يكون للمشتري.
والثَّاني: ما له قشرتان كالجَوْز واللَّوْز والفُسْتُق والرَّانِج، فإنْ باعها قبل خروجها فإنها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد الخروج فتبقى على ملك البائع، ولا يعتبر في ذلك تشقُّق القِشْرة العليا، على أصح الوجهين.
والثاني: يعتبر، وبه قال الشيخ أبو حامد وطبقته. واعلم أن أشجار الضَّرْبين الأخيرين منها ما يخرج ثمره في قشرهِ من غَيْر نور كالجَوْز والفُسْتُق.
ومنها: ما يخرج في نَوْر ثم يَتَنَاثر عنه كالرُّمَّان واللَّوْز، وما ذكرنا من الحكم فيما
стр. 1997
إذا بيع الأصل بعد تَنَاثُر النَّوْر عنه، فإن بيع قبله عاد فيه الكلام السابق.
فرع: الكُرْسُف وهو القُطْن نوعان:
أحدهما: ما له ساقٌ تبقى سنين، وتثمر كل سنة، وهو كُرْسُف الحجاز والبصرة والشَّام، فهو كالنَّخْل إِنْ بيع أصله قبل خروج الجوزق أو بعده وقبل تَشَقُّقه، فالحاصل لِلْمُشْتري وإنْ بيع بعد التَّشقق فهو للبائع.
والثاني: ما لا يبقى أكثر من سنة فهو كالزرع، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده، وقبل تكامل القطن فلا بد من شرط القطع، ثم إن لم يتفق القطع حتى خرج الجوزق، فهو للمشتري لحدوثه من عين ملكه.
في "التهذيب": وإنْ باعه بعد تَكَامُل القطن، فإن تشقق الجوزق صح البيع مطلقاً، ودخل القطن في البيع بخلاف الثمرة المُؤَبَّرة، لا تدخل في بيع الشَّجرة، لأن الشَّجرة مقصودة لثمار سائر الأَعْوام، ولا مقصودها هنا سوى الثَّمرة المَوْجُودة، وإن لم يَتَشَقَّق لم يجز البيع في أصح الوَجْهَين؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجَوْز واللَّوْز في القِشْرة السُّفلى.
الأمر الثاني: لا يشترط لبقاء الثَّمرة على ملك البَائِع التَّأْبير في كل كِمَام وعُنْقُود لما في تتبع ذلك من العسر بل إذا باع نخلة أبو بعض طَلْعها بقي الكُل للبائع، وجعل غير المُؤَبّر تابعاً للمؤبر، وذلك أَوْلى من أن يعكس، فيجعل المؤبر تابعاً لغير المُؤَبّر؛ لأن المُؤَبَّر ظاهر وإتباع الباطن الظاهر أولى، كما أنّ باطن الصُّبْرَة تبع لظاهرها في الرؤية، ولأن الباطن سائر إلى الظهور بخلاف العكس.
ولو باع نخلات طلع بعضها مُؤِبَّر وطلع البعض غير مؤبر، فلها حالتان:
إحداهما: أن يكون في بُسْتَان واحد، فينظر إن اتَّحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فالحكم كما في النَّخْلَة الواحدة، إذا أبَّر بعض ثمرها دون بعض، وإن أفرد ما لم يؤبر طلعه فوجهان:
أحدهما: أنه يبقى للبائع، وأيضاً لدخول وقت التأبير، والاكتفاء به عن نفس التأبير.
وأصحهما: أنه يكون للمشتري، لأنه ليس في المبيع شيء مُؤَبَّر، حتى يجعل غير المؤبر تبعاً له، فيبقى تبعاً للأصل، وإن اختلف النوع فوجهان:
أحدهما، وبه قال ابن خيران: أن غير المُؤَبَّر يكون للمشتري والمؤبر للبائع؛ لأن لاختلاف النوع تأثيراً بينا، في اختلاف الأيدي وقت التأبير. وأصحهما: أنّ الكل يبقى للبائع كما لو اتحد النوع دفعاً لضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.
стр. 1998
الحالة الثانية: أن يكون في بستانين فحيث قلنا في البستان الواحد، إن كل واحد من المُؤَبَّر وغير المؤبر يفرد بحكمه فهاهنا أَوْلى، وحيث قلنا بأن غير المؤبر يتبع المؤبر فهاهنا وجهان:
أصحهما: أن كل بستان يفرد بحكمه، والفرق أن لاختلاف البِقَاع تأثيراً في وقت التَّأبير، وأيضاً فإنه يلزم في البُسْتان الواحد ضَرَرُ اختلاف الأيدي، وسوء المُشَاركة، ولأن للخطة الواحدة من التَّأثِير في الجمع ما ليس للخُطَّتَين، أَلاَ تَرَى أن خطة المسجد تجمع بين [الإمام والمأموم] (١)، وإن اختلف البناء وتباعدت المَسَافة بينهما، ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين.
فروع:
أحدهما: إذا باع نخلة وبقيت الثمرة له، ثم خرج طَلْع آخر من تلك النَّخْلة أو من نخلة أخرى، حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحال ففيه وجهان:
أصحهما: أن الطَّلْع الجديد للبائع أيضاً، لأنه من ثمرة العام.
وقال ابن أبي هريرة: إنه للمشتري، لأنه حدث من ملكه بعد البيع.
الثاني: لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها، كما لو جمع بين نوعين من الإناث.
الثَّالث: قال في "التهذيب": تشقق بعض الجَوْزَق من الكُرْسُف كتشقق الكل وما تشقق من الورد يبقى للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإنْ كانا على شجرة واحدة ولا يتبع البعض البعض، بخلاف ثمر النخل، لأن المتشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يُجْتَنى ولا يترك إلى تشقُّق الباقي، وذكر أيضاً أن التِّين والعِنَب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف، والله أعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وغير المؤبر يندرج) يحتاج إلى قيد آخر، وهو أن لا يتشقق بنفسه إذ لو تشقق لما اندرج، وإن لم يؤبّر على أنّ بعضهم، فسر التَّأَبير بما يدخل فيه التشقيق والتشقق، فعلى ذلك الاصطلاح يستمر الكلام على ظاهره.
وقوله: (كل ثمرة بارزة ظهرت للناظرين) أي إما في ابتداء الوجود كالتِّين، أَو بالتَّفتح كالوَرْد، أو بالخروج من النَّوْر على التفصيل السابق.
وقوله: (نظراً إلى وقت التأبير) هذا التوجيه يقتضي أن يكون أحد البستانين تابعاً
стр. 1999
للآخر لدخول وقت التأبير، لكن الظاهر خلافهُ على ما مَرَّ، فهو إذاً محمول على نخيل البُسْتَان الواحد، وفي قوله: (هذا إذا اتحد النوع، وشملت الصفقة) مثل هذا الكلام المعني وإن اتَّحد البستان، إلاَّ أن يجاب بالوجه الآخر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِمُشْتَرِي الأَشْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَ قَطْعَ الثِّمَارِ، بَلْ لَهُ (ح) الإِبْقَاءُ إِلَى أَوَانِ القِطَافِ لِلعُرّفِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ الأشجار إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ، وإنْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ فَأيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ؟، فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أصَحُّهَا: أَنَّ المُشْتَرِيَ أَوْلَى إِذَا الْتَزَمَ البَائِعُ سَلاَمَةَ الأشجار لَهُ، وفِي الثَّالث: يَتَسَاوَيَانِ فَيُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعذُّرِ الإِمْضَاءِ إِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَمَهْمَا لَمْ يَتَضَرَّرِ الثِّمَارُ بِالسَّقْي وَتَضَرَّرَ الشَّجَرُ بِتَرْكِ السَّقْي فَعَلَى البَائِعِ السَّقْيُ أَو القَطْعُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور:
إحداها: إذا باع الشَّجرة، وبقيت الثَّمرة للبائع، فإن شرط القَطْع في الحال لزمه القطع، وإنْ أطلق فليس للمشتري أنْ يكلفه القطع في الحال، بل له الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ في النَّخل، والقِطَاف في العنب، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: يلزمه القطع في الحال، ولو شرط الإبقاء فسد. لنا: أن مطلق العقد محمول على المعتاد، والمعتاد في الثمار الإبقاء، حتى لو كانت الثمرة من نوع يعتاد قطعها قبل النضج يكلف القطع، وإذا جاء وقت الجُذَاذ لا يمكن من أنْ يأخذها على التَّدْريج، ولا يؤخر إلى نِهَاية النُّضْج. واعلم: أنه حكي اختلاف القول في جواز إبقاء الثَّمَار في صورتين:
إحداهما: لو تعذر السَّقْى لانقطاع الماء، وعظم ضرر النَّخِيل بإبقاء الثمار، ففيه قولان منقولان عن "الأم". قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه له الإبقاء دفعاً للضَّرر عن المشتري. الثانية: لو أصاب الثَّمَار آفة، ولم يكن في إبقائها فائدة، هل له الإبقاء؟ عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولان:
الصورة الثانية: سقي الثّمار عند الحاجة على البائع، وعلى المشتري تَمْكينه من دخول البُسْتَان ليسقي فإن لم يأتمنه نَصَّب الحاكم أميناً للسَّقي، ومُؤْنَته على البائع، وإذا كان السَّقْي ينفع الثِّمَار والأشجار معاً، فلكل واحد من البَائِع والمشتري السَّقْى، وليس للآخر منعه، وإن كان بضربهما معاً فليس لأحدهما السَّقي، إلاَّ يرضا الآخر (١)، وإن أضر بالثمار ونفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي، ونازعه البائع فوجهان:
стр. 2000
قال ابن أبي هريرة: للمشتري السَّقي، ولا يبالي برضا البائع، لأنه قد رضي به حين أقدم على هذا العقد، وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد لتعذر إمضائه إلاَّ بإضرار أحدهما، فإن سامح أحدهما الآخر أقر، وهذا أظهر، وإن أضر بالأشجار ونفع الثمار، وتنازعا جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة للبائع السَّقي.
وقول أبي إسحاق لا يختلف فهذا ما نقله الجمهور، واقتصروا عليه.
وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجاب المشتري إلى مطلوبه، لأنه التزم سَلاَمَة الأشجار للبائع.
وثانيها: أن يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان، وترجيح الوجه الأول مما لم أرَه إلا لصاحب الكتاب.
ولو كان السَّقْي يضر بأحدهما، وترك السَّقْي يمنع حصول زيادة في جانب الثاني، ففي الْتِحاقه بتقابل الضَّرر احتمالان عند الإمام.
الصورة الثالثة: لو لم يسق البائع، وتضرَّر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الأشجار، أجبر على السقي أو القطع فإن تعذَّر السقي لانقطاع الماء فيه القولان السابقان (١).
قال الغزالي: اللَّفْظُ السَّادِسُ: بَيْعُ الثِّمَارِ وَمُوجِبُ إِطْلاَقِهِ اسْتِحْقَاقُ الإبْقاءِ إِلَى القِطَاف، فَإنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ صَحَّ بِكُلِّ حَالٍ، وَمُوجِبُ الإِطْلاَقِ التَّبِعِيَّةُ (ح)، وَإنْ كَانَ قَبْلَهُ بَطُلَ (ح) إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ؛ لأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلعَاهَاتِ فَلاَ يُوثَقُ بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَى القِطَاف، وَقَدْ نَهِى ﵇ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَةِ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا صَاحِبُ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَجِبُ شَرْطُ القَطْعِ (و)، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ وَبَقِيَتِ الثِّمَارُ لَهُ لَمْ يَجِبْ شَرْطُ القَطْعِ؛ لأَنَّ المَبِيع هُوَ الشَّجَرُ وَلاَ خَوْفَ فِيهِ، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ مَعَ الثَّمَرَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ القَطْعُ لِفَقْدِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وَلَوِ اطَّرَدَ عُرْفُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الثِّمَارِ فَفِي إِلْحَاقِ العُرْف الخَاصِّ بِالعَامِّ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد ذكرنا في اللفظ الخامس حكم بيع الأشجار دون التعرض للثمار، والغرض الآن الكلام في بيع الثمار دون التَّعرض للأشجار، وهي إمَّا أنْ تباع بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، أو قبله.