والثاني: ما يخرج ورده ظاهراً كاليَاسَمِيْن، فإن خرج ورده فهو للبائع وإلا فللمشتري.
وثالثها: ما يقصد منه الثمرة، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته بارزة بلا قِشْر ولا كِمَام، كالتِّين فهو كاليَاسَمِين، وألحق العِنَب بالتِّيْن، وإن كان لكل حَبَّة منه قِشْر لطيف، يتشقَّق ويخرج منها نَوْر لطيف؛ لأن مثل ذلك موجود في ثمر النَّخل بعد التَّأْبير، ولا عبرة به.
والثاني: ما لا يكون كذلك، وهو على ضربين:
أحدهما: ما تخرج ثمرته في نَوْر، ثم يتناثر النَّوْر، فتبرز الثَّمرة بلا حائل كالمِشْمِش (١) والتُّفَّاح والكُمِّثْري وما أشبهها، فإن باع الأصل قبل انْعِقَاد الثَّمرة فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج، وإنْ باعه قبل الانعقاد، وتناثر النَّوْر فهي للبائع وإن باعه بعد الانْعِقَاد قبل تَنَاثُر النَّوْر فوجهان:
أحدهما: أنها للمشتري تنزيلاً للاستتار بِالنَّوْر منزلة اسْتِتَار ثمر النَّخْل بالكِمَام.
والثَّاني: أنها للبائع تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التَّأَبير بالقِشْر الأبيض، وهذا أرجح عند أبي القاسم الكرخي، وصاحب "التهذيب" لكن الأول هو المحكي عن نصه في البُويطي، وعن أبي إسحاق، واختاره ابن الصباغ والقاضي الروياني، والله أعلم.
والثاني: ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة، وله ضربان:
أحدهما: ما له قِشْرَة واحدة كالرُّمَّان.
فإذا بيع أصله، وقد ظهر الرُّمَّان بقشرهِ فهو للبائع، ولا اعتبار بقشرهِ لأن إبقاءه من مصلحته، وإن لم تظهر فالذي يظهر يكون للمشتري.
والثَّاني: ما له قشرتان كالجَوْز واللَّوْز والفُسْتُق والرَّانِج، فإنْ باعها قبل خروجها فإنها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد الخروج فتبقى على ملك البائع، ولا يعتبر في ذلك تشقُّق القِشْرة العليا، على أصح الوجهين.
والثاني: يعتبر، وبه قال الشيخ أبو حامد وطبقته. واعلم أن أشجار الضَّرْبين الأخيرين منها ما يخرج ثمره في قشرهِ من غَيْر نور كالجَوْز والفُسْتُق.
ومنها: ما يخرج في نَوْر ثم يَتَنَاثر عنه كالرُّمَّان واللَّوْز، وما ذكرنا من الحكم فيما
стр. 1997
إذا بيع الأصل بعد تَنَاثُر النَّوْر عنه، فإن بيع قبله عاد فيه الكلام السابق.
فرع: الكُرْسُف وهو القُطْن نوعان:
أحدهما: ما له ساقٌ تبقى سنين، وتثمر كل سنة، وهو كُرْسُف الحجاز والبصرة والشَّام، فهو كالنَّخْل إِنْ بيع أصله قبل خروج الجوزق أو بعده وقبل تَشَقُّقه، فالحاصل لِلْمُشْتري وإنْ بيع بعد التَّشقق فهو للبائع.
والثاني: ما لا يبقى أكثر من سنة فهو كالزرع، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده، وقبل تكامل القطن فلا بد من شرط القطع، ثم إن لم يتفق القطع حتى خرج الجوزق، فهو للمشتري لحدوثه من عين ملكه.
في "التهذيب": وإنْ باعه بعد تَكَامُل القطن، فإن تشقق الجوزق صح البيع مطلقاً، ودخل القطن في البيع بخلاف الثمرة المُؤَبَّرة، لا تدخل في بيع الشَّجرة، لأن الشَّجرة مقصودة لثمار سائر الأَعْوام، ولا مقصودها هنا سوى الثَّمرة المَوْجُودة، وإن لم يَتَشَقَّق لم يجز البيع في أصح الوَجْهَين؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجَوْز واللَّوْز في القِشْرة السُّفلى.
الأمر الثاني: لا يشترط لبقاء الثَّمرة على ملك البَائِع التَّأْبير في كل كِمَام وعُنْقُود لما في تتبع ذلك من العسر بل إذا باع نخلة أبو بعض طَلْعها بقي الكُل للبائع، وجعل غير المُؤَبّر تابعاً للمؤبر، وذلك أَوْلى من أن يعكس، فيجعل المؤبر تابعاً لغير المُؤَبّر؛ لأن المُؤَبَّر ظاهر وإتباع الباطن الظاهر أولى، كما أنّ باطن الصُّبْرَة تبع لظاهرها في الرؤية، ولأن الباطن سائر إلى الظهور بخلاف العكس.
ولو باع نخلات طلع بعضها مُؤِبَّر وطلع البعض غير مؤبر، فلها حالتان:
إحداهما: أن يكون في بُسْتَان واحد، فينظر إن اتَّحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فالحكم كما في النَّخْلَة الواحدة، إذا أبَّر بعض ثمرها دون بعض، وإن أفرد ما لم يؤبر طلعه فوجهان:
أحدهما: أنه يبقى للبائع، وأيضاً لدخول وقت التأبير، والاكتفاء به عن نفس التأبير.
وأصحهما: أنه يكون للمشتري، لأنه ليس في المبيع شيء مُؤَبَّر، حتى يجعل غير المؤبر تبعاً له، فيبقى تبعاً للأصل، وإن اختلف النوع فوجهان:
أحدهما، وبه قال ابن خيران: أن غير المُؤَبَّر يكون للمشتري والمؤبر للبائع؛ لأن لاختلاف النوع تأثيراً بينا، في اختلاف الأيدي وقت التأبير. وأصحهما: أنّ الكل يبقى للبائع كما لو اتحد النوع دفعاً لضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.
стр. 1998
الحالة الثانية: أن يكون في بستانين فحيث قلنا في البستان الواحد، إن كل واحد من المُؤَبَّر وغير المؤبر يفرد بحكمه فهاهنا أَوْلى، وحيث قلنا بأن غير المؤبر يتبع المؤبر فهاهنا وجهان:
أصحهما: أن كل بستان يفرد بحكمه، والفرق أن لاختلاف البِقَاع تأثيراً في وقت التَّأبير، وأيضاً فإنه يلزم في البُسْتان الواحد ضَرَرُ اختلاف الأيدي، وسوء المُشَاركة، ولأن للخطة الواحدة من التَّأثِير في الجمع ما ليس للخُطَّتَين، أَلاَ تَرَى أن خطة المسجد تجمع بين [الإمام والمأموم] (١)، وإن اختلف البناء وتباعدت المَسَافة بينهما، ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين.
فروع:
أحدهما: إذا باع نخلة وبقيت الثمرة له، ثم خرج طَلْع آخر من تلك النَّخْلة أو من نخلة أخرى، حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحال ففيه وجهان:
أصحهما: أن الطَّلْع الجديد للبائع أيضاً، لأنه من ثمرة العام.
وقال ابن أبي هريرة: إنه للمشتري، لأنه حدث من ملكه بعد البيع.
الثاني: لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها، كما لو جمع بين نوعين من الإناث.
الثَّالث: قال في "التهذيب": تشقق بعض الجَوْزَق من الكُرْسُف كتشقق الكل وما تشقق من الورد يبقى للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإنْ كانا على شجرة واحدة ولا يتبع البعض البعض، بخلاف ثمر النخل، لأن المتشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يُجْتَنى ولا يترك إلى تشقُّق الباقي، وذكر أيضاً أن التِّين والعِنَب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف، والله أعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وغير المؤبر يندرج) يحتاج إلى قيد آخر، وهو أن لا يتشقق بنفسه إذ لو تشقق لما اندرج، وإن لم يؤبّر على أنّ بعضهم، فسر التَّأَبير بما يدخل فيه التشقيق والتشقق، فعلى ذلك الاصطلاح يستمر الكلام على ظاهره.
وقوله: (كل ثمرة بارزة ظهرت للناظرين) أي إما في ابتداء الوجود كالتِّين، أَو بالتَّفتح كالوَرْد، أو بالخروج من النَّوْر على التفصيل السابق.
وقوله: (نظراً إلى وقت التأبير) هذا التوجيه يقتضي أن يكون أحد البستانين تابعاً
стр. 1999
للآخر لدخول وقت التأبير، لكن الظاهر خلافهُ على ما مَرَّ، فهو إذاً محمول على نخيل البُسْتَان الواحد، وفي قوله: (هذا إذا اتحد النوع، وشملت الصفقة) مثل هذا الكلام المعني وإن اتَّحد البستان، إلاَّ أن يجاب بالوجه الآخر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِمُشْتَرِي الأَشْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَ قَطْعَ الثِّمَارِ، بَلْ لَهُ (ح) الإِبْقَاءُ إِلَى أَوَانِ القِطَافِ لِلعُرّفِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ الأشجار إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ، وإنْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ فَأيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ؟، فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أصَحُّهَا: أَنَّ المُشْتَرِيَ أَوْلَى إِذَا الْتَزَمَ البَائِعُ سَلاَمَةَ الأشجار لَهُ، وفِي الثَّالث: يَتَسَاوَيَانِ فَيُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعذُّرِ الإِمْضَاءِ إِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَمَهْمَا لَمْ يَتَضَرَّرِ الثِّمَارُ بِالسَّقْي وَتَضَرَّرَ الشَّجَرُ بِتَرْكِ السَّقْي فَعَلَى البَائِعِ السَّقْيُ أَو القَطْعُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور:
إحداها: إذا باع الشَّجرة، وبقيت الثَّمرة للبائع، فإن شرط القَطْع في الحال لزمه القطع، وإنْ أطلق فليس للمشتري أنْ يكلفه القطع في الحال، بل له الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ في النَّخل، والقِطَاف في العنب، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: يلزمه القطع في الحال، ولو شرط الإبقاء فسد. لنا: أن مطلق العقد محمول على المعتاد، والمعتاد في الثمار الإبقاء، حتى لو كانت الثمرة من نوع يعتاد قطعها قبل النضج يكلف القطع، وإذا جاء وقت الجُذَاذ لا يمكن من أنْ يأخذها على التَّدْريج، ولا يؤخر إلى نِهَاية النُّضْج. واعلم: أنه حكي اختلاف القول في جواز إبقاء الثَّمَار في صورتين:
إحداهما: لو تعذر السَّقْى لانقطاع الماء، وعظم ضرر النَّخِيل بإبقاء الثمار، ففيه قولان منقولان عن "الأم". قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه له الإبقاء دفعاً للضَّرر عن المشتري. الثانية: لو أصاب الثَّمَار آفة، ولم يكن في إبقائها فائدة، هل له الإبقاء؟ عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولان:
الصورة الثانية: سقي الثّمار عند الحاجة على البائع، وعلى المشتري تَمْكينه من دخول البُسْتَان ليسقي فإن لم يأتمنه نَصَّب الحاكم أميناً للسَّقي، ومُؤْنَته على البائع، وإذا كان السَّقْي ينفع الثِّمَار والأشجار معاً، فلكل واحد من البَائِع والمشتري السَّقْى، وليس للآخر منعه، وإن كان بضربهما معاً فليس لأحدهما السَّقي، إلاَّ يرضا الآخر (١)، وإن أضر بالثمار ونفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي، ونازعه البائع فوجهان:
стр. 2000
قال ابن أبي هريرة: للمشتري السَّقي، ولا يبالي برضا البائع، لأنه قد رضي به حين أقدم على هذا العقد، وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد لتعذر إمضائه إلاَّ بإضرار أحدهما، فإن سامح أحدهما الآخر أقر، وهذا أظهر، وإن أضر بالأشجار ونفع الثمار، وتنازعا جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة للبائع السَّقي.
وقول أبي إسحاق لا يختلف فهذا ما نقله الجمهور، واقتصروا عليه.
وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجاب المشتري إلى مطلوبه، لأنه التزم سَلاَمَة الأشجار للبائع.
وثانيها: أن يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان، وترجيح الوجه الأول مما لم أرَه إلا لصاحب الكتاب.
ولو كان السَّقْي يضر بأحدهما، وترك السَّقْي يمنع حصول زيادة في جانب الثاني، ففي الْتِحاقه بتقابل الضَّرر احتمالان عند الإمام.
الصورة الثالثة: لو لم يسق البائع، وتضرَّر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الأشجار، أجبر على السقي أو القطع فإن تعذَّر السقي لانقطاع الماء فيه القولان السابقان (١).
قال الغزالي: اللَّفْظُ السَّادِسُ: بَيْعُ الثِّمَارِ وَمُوجِبُ إِطْلاَقِهِ اسْتِحْقَاقُ الإبْقاءِ إِلَى القِطَاف، فَإنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ صَحَّ بِكُلِّ حَالٍ، وَمُوجِبُ الإِطْلاَقِ التَّبِعِيَّةُ (ح)، وَإنْ كَانَ قَبْلَهُ بَطُلَ (ح) إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ؛ لأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلعَاهَاتِ فَلاَ يُوثَقُ بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَى القِطَاف، وَقَدْ نَهِى ﵇ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَةِ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا صَاحِبُ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَجِبُ شَرْطُ القَطْعِ (و)، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ وَبَقِيَتِ الثِّمَارُ لَهُ لَمْ يَجِبْ شَرْطُ القَطْعِ؛ لأَنَّ المَبِيع هُوَ الشَّجَرُ وَلاَ خَوْفَ فِيهِ، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ مَعَ الثَّمَرَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ القَطْعُ لِفَقْدِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وَلَوِ اطَّرَدَ عُرْفُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الثِّمَارِ فَفِي إِلْحَاقِ العُرْف الخَاصِّ بِالعَامِّ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد ذكرنا في اللفظ الخامس حكم بيع الأشجار دون التعرض للثمار، والغرض الآن الكلام في بيع الثمار دون التَّعرض للأشجار، وهي إمَّا أنْ تباع بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، أو قبله.
стр. 2001
الحالة الأولى: إذا بيعت بعد بُدُوّ الصَّلاح جاز مطلقاً، وبشرط إبقائها إلى وقت الجُذَاذ، وبشرط القَطْع سواء كانت الأصول للبائع أو للمشتري أو لغيرهما.
لما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" (١).
والحكم بعد الغاية، يخالف الحُكْم قبلها.
ثم عند الإِطْلاق يجوز الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ للعرف، وشرط التبعية تصريح بما هو من مقتضياتَ العقد، وساعدنا مالك وأحمد على ما ذكرناه.
وعند أبي حنيفة لا يجوز البيع بشرط الإبقاء، ويلزم القطع في الحال في صورة الإطلاق، ولا يجوز أن يبيع الثمار بعد بدون الصلاح مع ما يحدث بعدها خلافاً لمالك.
الحالة الثانية: إذا بيعت قبل بُدُوِّ صلاحها فإما أن تُباع مفردة عن الأشجار أو معها.
الحالة الأولى: أن تباع مفردة عن الأشجار، فالأشجار تصور على وجهين:
أحدهما: أن تكون للبائع أو لغير المتعاقدين، فلا يجوز بَيْع الثمار مطلقاً ولا بشرط الإبقاء، ويجوز بشرط القَطْع.
أما الجواز بشرط القطع فمجمع عليه، وأما إنه لا يجوز مطلقاً وبشرط الإبقاء، فلما سبق من الخير، فإن ظاهره يمنع من مطلق البيع، المَشْرُوط بالقَطْع إجماعاً فيعمل به فيما عداه، والمعنى الفارق بين ما بعد بُدُوِّ الصلاح وقبله، أنَّ الثمار بعد بدو الصَّلاَح تَأْمَنُ من العَاهَاتِ والجَوَائِح غالباً لكبرها وغلظ نَوَاها وقبل بدو الصَّلاح تسرع إليها العَاهَات لضعفها، فإذا تلفتَ لم يَبْقَ شيء في مقابلة الثمن، وكان ذلك من قبل أَكْل المال بالبَاطِل وإلى هذا المعنى أشار باللَّفظ المروي في الكتاب، وهو أنه ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ" (٢).
وروي أنه ﷺ قال: "أرأيت إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيه" (٣).
فأما إذا شرط القطع، فيتبين أن غرضه هو الحصْرم والبَلَح وأنه حاصل، هذا هو المعنى المشهور، وحكى الإمام مع ذلك معنى آخر عن بعض الأصحاب، وهو أن الثمار قبل بُدُوِّ الصَّلاَح تَكْبُرُ أجزاؤها كبراً ظاهراً، وتلك الأجزاء من أجزاء الشجرة
стр. 2002
امتصاصها رطوبتها، فيتعذر الإبقاء لذلك، كما يتعذر البيع بشرط أن يأكل العبد المبيع من مال البائع، وساعدنا مالك وأحمد على قولنا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح البيع بشرط الإبقاء ويصح مطلقاً، ويؤمر بقطعهِ في الحال وهذا ذهاب إلى أن مقتضى الإطلاق القطع، إذ به يحصل التَّسليم.
وعندنا مقتضى الإطلاق الإبقاء بناء على العادة العامة، كما تنزل الدَّرَاهم المطلقة في العقد على النَّقْد الغالب، فالإِجارة المطلقة على المَنَازِل المَعْهُودَة في الطَّرِيق، والتَّسْليم يجب بحسب العَادَة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع داراً فيها أمتعة كثيرة لا يلزمه نقلها في جنح الليل، ولا أن يجمع كل حمال في البلد لتعجيل التَّسليم، ولكن ينقل على العادة.
ثم هاهنا فروع:
أحدها: وقد ذكره في الكتاب لو كان في البلاد الشديدة البرد كُرُوم لا تنتهي ثمارها إلى الحَلاَوة، واعتاد أهلها قطع الحصرم ففي بيعها وجهان عن القفال: أنه يصح من غير شرط القطع تنزيلاً لعادتهم الخاصة منزل العادات العامة، وقد ذكرنا أن العَقْد المطلق محمول على المعتاد، فيكون القَطْع المعهود كالمشروط، وامتنع الأكثرون من ذلك، ولم يروا تواطؤ قوم مخصوصين بمثابة العادات العامة، وهذا الخلاف يجري فيما لو جرت عادة قوم بِانْتِفَاع المرتهن بالمرهون، حتى تنزل عَادتهم على رأي منزلة شرط الانْتِفاع، ويحكم بفساد الرهن، وأشار إِمام الحَرَمين ﵀ إلى تخريج ذلك على مسألة السِّر والعَلاَنية.
الثّاني: إذا باع بشرط القَطْع وجب الوفاء به، ولو تَرَاضيا على التّرك فلا بأس، وكان بدو الصلاح ككبر العبد الصَّغير، وعن أحمد أنه يبطل البيع وتعود الثمرة إلى البائع.
الثَّالث: قال في "التتمة": إنما يجوز البَيْع بشرط القطع (١) إذا كان المقطوع منتفعاً به كالحِصْرِم واللَّوْز ونحوهما.
فأما ما لا منفعة فيه كالجَوْز والكُمثري، فلا يجوز بيعه بِشَرْط القطع.
الوجه الثاني: أن تكون الأشْجَار للمشتري، مثل أنْ يبيع الشَّجرة من إنسان بعد ظهور الثَّمرة، وتبقى الثمرة له على ما مر، ثم يبيع الثمرة من مالك الشجرة، أو يوصي بالثمرة لإنسان، ثم يبيع المُوصي له الثَّمَرة من الوَارِث، فهل يشترط القطع؟ فيه وجهان:
стр. 2003
أصحهما عند الجمهور: نعم لشمول الخبر والمعنى، فإن المبيع هو الثمرة، ولو تلفت لم يَبْقَ في مقابلة الثمر شيء، ولكن يجوز له الإبقاء، ولا يلزمه الوفاء بالشرط هاهنا إذ لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره.
والثاني: وهو الذي أورده في الكتاب أنه لا حاجة إلى شَرْط القطع، لأنه يجمعها ملك مالك واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معاً، وسيأتي ذلك، ولو باع الشجرة وعليها ثمرة مؤبرة فبقيت للبائع، فلا حاجة إلى شرط القَطْع لأن المبيع هو الشَّجرة، وهي غير متعرّضة للعَاهَات، والثمار مملوكة له بحكم الدوام، ولو كانت الثمرة غير مؤبّرة فاستثناها لنفسه، فهل يجب القطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الثمار والحالة هذه مندرجة لولا الاستثناء، فكان كملك مبتدأ.
وأصحهما: أنه لا يجب لأنه في الحقيقة استدامة ملك، فعلى هذا له الإبقاء إلى وقت الجُذَاذ، ولو صرح بشرط الإِبْقَاء جاز، وعلى الأول لا يجوز (١).
الحالة الثانية: أن تباع الثمار مع الأشجار، فيجوز من غير شرط القَطْع، بل لا يجوز شرط القطع فيه (٢)، أما إنه يجوز من غير شرط القَطْع فلما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ".
جواز شرط الثَّمرة للمبتاع مع الأصل مطلقاً.
والمعنى فيه أن الثمرة هاهنا تتبع الأصل، والأصل غير متعرّض للعاهة، وقد يحتمل في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يحتمل فيه إذا أفرد بالتَّصرف، كالحمل في البطن واللَّبن في الضَّرْع، وأما إنه لا يجوز شرط القطع فيه فَلِمَا فيه من الحجر عليه في ملكه.
стр. 2004
ثم نتكلم في عبارات الكتاب. وقوله: "بكل حال" معلّم بالحاء؛ لأنه يتناول البيع بشرط التَّبعية، وقد سبق أن أبا حنيفة لا يجوزه.
قوله: (وموجب الإطلاق التبعية) مستغنى عنه لأن في قوله: (وموجب إطلاقه استحقاق الإبقاء على القطَاف) ما يغني عنه، ثم هو مُعَلَّم بالحاء، وكذا قوله: (بطل إلاَّ بشرط القطع) لما مر. وقوله: "لأنها تتعرض للعاهات، فلا يوثق بالقدرة على التسليم إلى القطاف)، أراد به أن تمام التسليم إنما يحصل بالقطَف، وهو يعرض الجَوَائح والآفات قبل ذلك، فالقدرة على التسليم إذًا غير موثوق بها لكن في كون الأمر كذلك مزيد كلام ستعرفه في مسألة الجوائح، وما بعدها إن شاء الله تعالى.
وقوله: (لفقد العلة المذكورة) أراد به أن تمام التَّسْليم هاهنا يحصل بالتَّخلية، ولا يتوقف على القطَاف لكون الأُصول مملوكة له.
وقوله: (ففي إلحاق العرف الخامس بالعام خلاف) ليس فيه تصريح بحكم المسألة، لكن فيه إشارة إلى مأخذها، معناه في الاستغناء عن شرط القَطْع، خلاف وجه الاستغناء حمل المطلق على القطع المعهود، كما يحمل المطلق على الإبقاء المعهود، ذهاباً إلى أن المعهود بالعرف الخَاصّ كالمعهود العام.
قال الغزالي: ثُمَّ اتَّفَقُوا علَى أَنَّ وَقْتَ بُدُوِّ الصَّلاحَ كَافٍ (ح) كَمَا فِي التَّأبِيرِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الجِنْسِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغي أَنْ يَتَّحِدَ النَّوْعُ وَالبُسْتَانُ وَالمِلْكُ، وَالصَّفْقَةُ، فَلَوِ اخْتَلَفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَصَلاحُ الثِّمَارِ بِأَنْ يَطِيبَ أَكْلُهَا وَيَأْخُذَ النَّاسُ فِي الأَكْلِ وَذَلِكَ بِظُهُورِ مَبَادِي الحَلاَوَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل قَاعِدَتَان لا بد من معرفتهما في الباب:
الأولى: لا يشترط للاستغناء عن شرط القطع بُدُوِّ الصلاح في كل عنقود، بل إذا باع ثمار شجرة بَدَا الصَّلاح في بعضها صح من غير شرط القطع، ولو باع ثمار أشجار بدا الصَّلاحَ في بعضها، نظر إن اختلف الجنس لم يعتبر بدو الصَّلاحَ في أحد الجِنْسَين حكم الجنس الآخر، حتى لو باع الرطب والعنب صفقة واحدة، ولم يَبْدُ الصَّلاح في أحدهما وجب شرط القَطْع فيه، وإن اتَّحد الجِنْس فالنَّظر في اتِّحاد النوع واختلافه، وبتقدير الاتِّحاد فالنظر في اتحاد البُسْتَان وتعدده، وبتقدير الاتحاد فالنظر في بيعها صفقة واحدة، وإفراد ما لم يَبْدُ الصَّلاحَ فيه بالبَيْع وحكم الأَقْسَام على ما مر في البَابَيْن بلا فلاق حتى أن الأصح أنه لا يبيعه عند الإِفْرَاد، وأنه لا أثر لاختلاف النوع، وأنه لا يتبع بُسْتان بستاناً، وبهذا قال أحمد، وعن مالك أنَّ البُسْتَان يتبع البستان إذا تجاورا، وربما نقل عنه الضَّبط ببساتين البلدة الواحدة، هذه إحدى القاعدتين.
стр. 2005
بقي قوله: "والملك" اعلم أن المصنف ﵀ حكى خلافاً في اشتراط اتِّحَاد المِلْك، ورُبَّما يشير إليه كلام الإمام ولا بُدَّ من البَحْث عن موضعه وكيفيته، فنقول: إذا بَدَا الصَّلاحَ في ملك غيره، ولم يبد في ملكه لم يخل: إما أن يكونا في بستان واحد، أو في بستانين.
فإن كانا في بستان واحد، وباع ملكه فقد ذكرنا وجهين، فيما لو كان الكل ملكه، وأفرد ما لم يبد في الصَّلاحَ بالبيع وهل يعطى له حكم ما بَدَا فيه الصَّلاحَ حتى يستغنى فيه عن شَرْط القَطْع أم لا؟ وهو المراد من الخلاف في اعتبار اتِّحَاد الصَّفقة، فإن ثبت الخِلاَف في اعتبار اتِّحَاد الملك والحالة هذه، فسبيله أن يقال: أحد الوجهين أن الحكم، كما لو كان ما بدا فيه الصلاح ملكه، فيطرد الوجهان.
والثاني: القطع بالمنع، وإن كانا في بُسْتَانين فقد نقل الإمام القطع بأنه لا عِبْرَة به، ولا نظر إلى بُدُوِّ الصلاح في بستان غير البائع، لكنا إذا لم نفرق فيما بدا فيه الصَّلاحَ من ذلك البُسْتَان، ولم يدخل في البَيْع بين أنْ يكون ملك البائع أو ملك غيره، فقياسه أن لا يفرق فيما بدا فيه الصَّلاَح في بستان آخر أيضاً إذا لم يشترط اتحاد البستان، والله أعلم.
ثم حيث ثبت الخلاف في اعتبار اتِّحاد الملك هاهنا فهو جائز في التَّأْبير أيضاً، وإن لم يجر ذكره ثم، والظاهر أنه غير معتبر في الموضعين.
والثانية: بُدُوِّ الصلاح في الثمار بظهور النِّضْج ومبادئ الحلاوة، وزوال (١) العُفُوصَة أو الحُمُوضة المُفْرَطين، وذلك فيما لا يتلون بأن يتمَوَّه ويلين وفيما يتلوّن بأن يحمر أو يصفر أو يسود. "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهَى، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا تَزْهَى؟ قال: حتى تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ" (٢).
واعلم أن هذه الأوصاف، وإن كان يعرف بها بُدُوِّ الصلاح في الثِّمَار، لكنها ليست ولا واحد منها بشرط في تفسير بُدُوِّ الصلاح، لأن القِثَّاء لا يفرض فيه نُضْجٌ ولا حَلاَوَة، وليس فيه عُفُوصَة ولا حُمُوضَة حتى تزول، بل يُسْتَطاب أكله في الصغر كما يستطاب في الكِبَر، ولذلك قال في الكتاب: "بأن يطيب أكلها ويأخذ الناس في الأكل"، فاعتبر مع طيب الأكل أخذ الناس فيه، وذلك في القِثَّاء بأن يكبر بحيث يجتنى في الغالب ويؤكل، وفي الصغر تؤكل على سبيل النُّدُور، وأيضاً فإن بُدُوّ الصَّلاح في الزرع يحصل عند اشْتِدَاد الحَب، ولا يفرض فيه عَفُوصة ولا حموضة، ولا نُضْج وحلاوة على أن اعتبار الأكل غير معتبر في تفسير مطلق بُدُوِّ الصَّلاح أيضاً، لأن صاحب
стр. 2006
"التهذيب" ذكر أن بيع أوراق الفِرْصَاد، قبل تناهيها لا يجوز إلاَّ أنْ يشترط القطع وبعده يجوز مطلقاً، ويشترط القطع، فجعل تناهي الورق صلاحاً له وأنه غير مأكول.
إذا تقرر ذلك، فلو قال قائل: بدو الصَّلاحَ في هذه الأشياء صَيْرُورَتها إلى الصِّفَة الَّتِي تطلب غالباً لكونها على تلك الصِّفَة لكان قد ذكر عبارة شاملة، والله أعلم.
قال الغزالي: وَبَيْعُ البطِّيخِ إِنْ كَانَ مَعَ الأُصُولِ يَتَقَيَّدُ (و) بِشَرْطِ القَطْعِ قَبْلَ الصَّلاَحِ إِلاَّ إِذَا بِيعَ مَع الأَرْضِ، وَبَيْعُ أُصُولِ البَقْلِ لاَ يُتَقَيَّدُ بِهِ إِذْ لاَ يتعَرَّضُ لِلآفَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع البطيخ قبل بُدُوِّ صلاحه لا يجوز من غير شَرْط القَطْع، وإنْ بدا الصلاح في كله أو بعضه نظر: إنْ كان يخاف خروج غيره، فلا بد من شَرْط القَطْعِ أيضاً؛ لأنه إذا وجب شرطه خوفاً من الجَائِحَة الَّتِي الغالب فيها العدم، فلأن يجب خوفاً من الاختلاط الذي الغالب فيه الوجود كان أولى، فإن شرط القَطْع ثم لم يتفق حتى خرج غيره، واختلط المبيع بغير المبيع ففي انفساخ البيع قولان نذكرهما في نظائرهما.
وإن كان لا يخاف خروج غيره جاز بيعه من غير شرط القَطْع، هذا إذا أفرد البَطِّيخ بالبيع ووراءه حالتان:
إحداهما: لو أفرد أصوله بالبيع، ذكر العراقيون وغيرهم أنه يَجُوزُ ولا حاجة إلى شرط القَطْع إذا لم يخف الاختلاط كبيع الزَّرْع الَّذِي اشتاد حَبُّه ثم الحمل الموجود يبقى للبائع، وما يحدث بعده يكون للمشتري، وإن خِيفَ اختلاط الحملين فلا بد من شرط القطع، فإن شرط ولم يتفق القطع حتى وقع الاخْتلاط، ففيه طريقان سنذكرهما في نَظِيْرِهما. ولو باع قبل خروج الحمل، فلا بد من شرط القَطْع أو القَلْع كالزَّرع الأخضر، وإذَا اشترطه ثم اتفق بقاؤه حتى خرج الحمل، فهو للمشتري.
الثَّانية: لو باع البَطِّيخ مع أصوله، فجواب الإمام وصاحب الكتاب أنه لا بُدَّ من شرط القَطْع بخلاف ما إذا باع الثَّمرة مع الشَّجرة؛ لأن الشجرة غير متعرّضة للجَائِحَة، والبطيخ مع أصولها متعرّضة لها، فلو باعها مع الأرض استغنى عن شرط القطع، وكأن الأرض هاهنا كالأشجار ثم. وقضية ما نقلناه فِي بَيْع الأُصُول وحدها، إذا لم يَخْف الاختلاط أنه لا حاجة إلى شرط القطع، فليعلّم قوله: (يتقيد (و) بشرط القطع) بالواو لذلك، وقوله: (وبيع أصول البقل) إلى آخره منازع فيه أيضاً، وساذكره في الفصل التالي لهذا والبَاذِنْجَان، وشجرة كالبَطِّيخ في الأحوال الثلاث.
فرع لابن الحَدَّاد: لو باع نِصْفَ الثِّمَار على رُؤوس الأَشْجَار مَشَاعاً قبل بُدُوِّ الصلاح، لم يصح وعَلَّلوه بأنَّ البيع والحالة هذه يفتقر إلى شرط القطع، ولا يمكن قطع النّصف إلاَّ بقطع الكُلِّ فتضرر البائع بِنُقْصان غير المبيع أشبه ما إذا باع نصفاً معيناً من
стр. 2007
سيف، وما ذكروه من أن قطع النصف لا يمكن إلاَّ بقطع الكُلِّ إنما يَسْتمر بتقدير دوام الإشَاعَة وامتناع القسمة، أما إذا جَوَّزنا قِسْمَة الثِّمَار في حال الرُّطُوبة بناء على أنها إفراز فيَمكن قطع النِّصف من غير قطع الكل، بأن يقسم أو لا فليكن منع البيع بناءاً على القول بامتناع القسمة لا مطلقاً، وعلى هذا يدل كلام ابْنِ الحَدَّاد.
قال القَاضي أبو الطَّيب وهو الصَّحيح: ولو باع نصفها مع نصف النَّخل صح، وكانت الثمار تابعة، ولو كانت الشجرة لواحد، والثَّمرة لآخر فباع صاحب الثَّمَرة نصفها من صاحب الشجرة فوجهان بناء على الخلاف في اشتراط القَطْع هاهنا ولو كانت الثِّمَار والأشجار مشتركة بين رجلين، فاشترى أحدهما نصيب [صاحبه من الثمرة لم يجز، ولو اشترى نصيب] (١) صاحبه من الثمرة بنصيبه من الشجرة لم يَجُزْ مطلقاً، ويجوز بشرط القَطْع، لأن جملة الثمار تفسير لمشتري الثمرة، وجملة الأشجار للآخر، وعلى مشتري الثمرة قطع الكل؛ لأنه بهذه المُعَاملة التزم قطع النصف المُشْتَرى بِالشَّرط، والتزم تَفْريغ الأَشجار لصاحبه، وبيع الشجرة على أن يفرغها للمشتري جائز، وكذا لو كانت الأَشْجَار لأحدهما والثمرة بينهما، فاشترى صاحب الشجرة نصيب صاحبه من الثمرة بنصف الشجرة على شرط القطع جاز.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ الاحْتِيَاطِ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ بَادِيَةً إلاَّ عَلَى قَوْلِ تَجْوِيزِ بَيْعِ الغَائِبِ، أَوْ فِيمَا صَلاَحُهُ فِي إبْقَائِهِ فِي الكِمَامِ كَالرُّمَّانِ، وَفي اسْتِتَارِ الحِنْطَةِ بِالسُّنْبُلَةِ وَالأُرْزَة بِالقِشْرَةِ وَالبَقِلاَّءِ وَالجَوْزِ بالقِشْرَةِ العُلْيَا خِلاَفٌ (م ح) مَنْشَؤُهُ أَنَّ الصَّلاَحَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِبَقائِهِ فِيها؟
قال الرَّافِعِيُّ: لا يجوز بَيْعُ الزَّرْع الأَخْضَر إلاَّ بشرط القَطْع (٢) لما سبق في الثِّمَار، فإنْ باعه مع الأرض جاز تبعاً، وكذا لا يجوز بيع البُقُول في الأرض دون الأرض إلاَّ بشرط القَطْع أو القَلْع سواء كان مما يُجَزُّ مراراً أَوْ لاَ. يجزّ إلاَّ مرة واحدة، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وهو خلاف قوله في الكتاب: (وبيع أصول البَقل لا يتقيد به) فاعلمه وأعلمه. ولو باع الزرع بعد اشتداد الحَبِّ، فهو كما لو باع الثِّمار بعد بدو
стр. 2008
الصلاح، فلا حاجة إلى شرط القطع، ولكن يشترط ظهور المَقْصُود، فلو باع ثمرة لا كمَام (١) لَهُمَا كالتِّيْن والعِنَب والكُمثري جاز، سواء باعها على الشَّجرة أو على وجه الأرض، ولو باع الشَّعِير أو السُّلْت مع السَّنَابِل جاز بعد الحَصَاد وقبله، لأن الحَيَّات ظاهرة في السُّنْبُلة، ولو كان للثمرة أو كِمَام، لا يزال إلاَّ عند الأكل كالرُّمَّان والعَلَس فكمثل، ما له كِمَامَان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل، كالجَوْز واللَّوْز، والرَّانج يجوز بيعه في القِشْرَة السُّفْلَى، ولا يجوز في العُلْيَا لا على رأس الشجر، ولا على وجه الأرض لتستر المقصود بما ليس من صلاحه، وفيه قول أنه يجوز ما دام رطباً (٢) في القشرة العليا، وبه قال ابن القَاص والاصْطَخْري لتعلّق الصلاح به من حيث أنه يَصُون القِشْرَة السُّفْلى ويحفظ رُطُوبَة اللُّبِّ، وبيع البَاقِلاّء في القشرة العليا على هذا الخلاف، وادعى الإمام أن الأظهر فيه الصِّحة؛ لأن الشّافعي ﵁ أمر بعض أعوانه بأنْ يشتري له البَاقِلاّء الرّطب (٣).
وما لا ترى حَبّاته في السُّنْبُلة كالحِنْطة والعَدَسِ والسِّمْسِم لا يجوز بَيْعُه في السُّنْبُلَة دون السُّنْبُلَة ومعها قولان:
والقديم: الجواز لما روي أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" وقد اشتد.
والجديد: لتستر المقصود بما لا يتعلق به الصلاح كبيع تراب الصَّاغَة والكُدْس بعد الدِّبَاسَة وقبل التَّنْقِية والأُرْز كالشَّعِير يباع في السَّنَابل -لأنه يدخر في قِشْره وبهذا قال ابن القَاص وأبو علي الطَّبَرِي، ومنهم من قال: هو كالحِنْطَة.
стр. 2009
ولا يجوز بيع الجَزر والثَّوم والبَصَل والفِجْل والسَّلْق في الأرض لتستر المقصود، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القَطْع، وبيع القَنَّبِيْط في الأرض لظهوره، وكذا نوع من السَّلْجَم، يكون ظاهراً ويجوز بيع اللَّوْز في القِشْرَة العُلْيا قبل انعقاد السُّفلى؛ لأنه مأكول كله كالتُّفَّاح، وهو القول بالمَنْعِ في صور الفَصْل مقطوع به أمْ هو مفرج على قول مَنْعِ بيع الغائب. ذكر الإمام أنه مفرع عليه أما إذا جوَّزنا بيع الغائب صَحَّ البَيْعُ فيها جميعاً، وعلى هذا جرى في الكتاب، حيث قال: (إلاَّ على قول تجويز بَيْع الغَائِب) وفي "التهذيب": أن المنع في بيع الجَزَر وما معناه في الأرض ليس مبنياً على بيع الغائب؛ لأنه في بيع الغَائِب يمكن رد المبيع بعد رؤيته بصفته، وهاهنا لا يمكن (١)، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يصح البيع في جميع صورة الفَصْل.
وإذا قلنا بالمنع فلو باع الجَوْزَ مثلاً في القِشْرَة العُلْيَا مع الشجرة أو باع الحِنْطَة في سنبلها مع الأرض فطريقان:
أحدهما: أن البيع باطل في الجَوْز والحب، وفي الشجرة والأرض قَوْلاً تفريق الصَّفْقة.
وأصحهما: القَطْع بالمنع في الكل للجهل بأحد المَقْصُودين وتعذر التوزيع.
ولو باع أرضاً مبذورة مع البذر، فقد قيل: يصحُّ البَيْع في البذر تبعاً للأرض، والمذهب بطلان البيع فيه، ثم في الأرض الطريقان، ومن قال بالصحة في الأَرْض لا يذهب إلى التوزيع بل يوجب جميع الثمن بناء على أحد القولين، فيما لو باع ماله ومال غيره، وصححنا البيع في ماله وخيرناه فإنه إذا أجاز يجيز بجميع الثمن، والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّانِي أَن يَحْذَرَ مِنَ الرِّبَا فلَوْ بَاعَ الحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ فَهِيَ المُحَاقَلَةُ (٣) (م) المَنْهِيُّ عَنْهَا وَهِيَ رِباً إِذْ لاَ يُمْكِنُ الكَيْلُ فِي السَّنَابِلِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ أَيْضًا فَهِيَ المُزَابَنَةُ المَنْهِي عَنْهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: "نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ". (٢)
فالمُحَاقَلَةُ هي بيع الحِنْطَة في سُنْبلها بالحِنْطَة الصَّافية على وجه الأرض.
والمُزَابَنَة: هي بَيْع الرطب على رأس النَّخْل بالتَّمْر على وجه الأرض.
روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ "نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَة".
стр. 2010
فالمُحَاقَلَةُ: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحِنْطة.
والمُزَابَنَة أن يبيع التمر على رُؤوس النَّخل بما به فرق من تمر فهذا التَّفْسير إن كان من النبي ﷺ فذاك، وإن كان من الرَّاوي فهو أعرف بتفسير ما رواه (١).
والمُحَاقَلَة: مأخوذة من الحَقْل، وهي السَّاحَة الَّتي تزرع، سميت مُحَاقَلَة لتعلّقها بزرع في حَقْل. والمُزَابَنَة مأخوذة من الزَّبْن، وهو الدَّفع سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التَّخْمِين؛ والغَبْن فيها ممَّا يكثر فيريد المَغْبُون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان والمعنى أَنَّ كل واحد منهما يبيع مال الرِّبا بجنسه من غير تَحْقيق المساواة في المِعْيَار الشَّرْعي؛ لأن المعيار فيهما الكيل، ولا يمكن كيل الحِنْطة في السَّنَابل، ولا كيل الرّطب على رؤوس النَّخل، والتخمين بالخَوْص لا يغني، كما لو كان كل واحد منهما على وجه الأرض، وفي المُحَاقَلَة شيئان آخران:
أحدهما: أنه يبيع الحِنْطة والتَّبْن بالحِنْطة.
والثاني: أن المقصود مُسْتَتر بما ليس من صلاحه، ولو باع الشَّعير في سُنْبُله بالحِنْطَة على وجه الأَرْض، أو الرّطب على رأس النَّخْل بجنس آخر من الثِّمَار على الشجر، أو على وجه الأرض فلا بأس لكن يتقايضان بالتَّسْليم فيما على وجه الأرض، وبالتخلية فيما على الشَّجر، ولو باع الزرع قبل ظُهور الحَبّ بالحب فلا بأس أيضاً، لأن الحَشِيش غير مَطْعُوم.
ويجوز أن يُعَلّم قوله: فهي المحاقلة وقوله: فهي المزابنة بالميم لأن عن مالك أن المُحَاقَلَة هي إِكْتراء الأرْض ببعض ما يخرج منها من الثُّلث أو الربع أو غيرهما.
والمُزَابَنَة هي ضَمَان الصُّبْرَة بقدر معلوم، بأن يقول أَضْمن لك صُيْرَتك بكذا صَاعاً، إن زاد فلي وإن نقص فعلي، ويستثّنى عن المُزَابَنَة ما نذكره على الأَثَر.
قال الغزالي: وَلاَ خَبَرَ فِي التَّخْمِينِ بِالخَرْصِ، إِلاَّ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ (ح) إِذَا بَاعَهَا خَرْصاً بِمَا تَعُوْدُ إِلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ الجَفَافِ وَهِيَ العَرَايَا (م ح) الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا، وَالأَظْهَرُ: الجَوَازُ فِي قَدْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَمَيْلُ المُزَنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَخْصِيصِ الجَوَازِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ لِتَرَدُّدِ الرَّاوِي فِيهِ، فَلَوْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي صَفَقَاتٍ جَازَ (ح)، وَكَذَا إِذَا تَعَدَّدَ المُشْتَرِي وَاتَّحدَ البَائِعُ، وَلَوِ اتَّحَدَ المُشْتَرِي وَتَعدَّدَ البَائِعُ فَفِيهِ
стр. 2011
خِلاَفٌ، وَوَجْهُ الفَرْقِ النَّظَرُ إلَى جَانِب مَنْ حَصَّلَ الرُّطَبَ فِي مِلْكِهِ؛ لأَنَّ الرُّطَبَ مَحَلُّ الخَرْصِ الَّذِي هُوَ خِلاَفُ القِيَاسِ، هَذَا فِي الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَأَمَّا فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي غَيْرِ المَحَاويج إِذَا تَعَاطَوا (ح) العَرَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: عن جابر ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرُيَّةِ" (١).
بيع العَرَايا (٢) جائز، وهو أن يبيع رطب نخلة أو نَخْلَتَيْن باعتبار الخَرص بقدر كيله من التَّمْر سميت عَرِيّة؛ لأنه عرى أي أفرد نخله أو نخلتين ببيع رطبها (٣)، وذهب مالك وأبو حَنِيفة إلى أنَّ العَرِيّة أن يفرد نَخْلة أو نخلتين، فيهب ثمرتها لرجل حتى تجتنى كل يوم ثُم تَنْثَرم بدخوله حائطه فعند مالك يشتريها منه بخَرْصِها تَمْراً، ولا يجوز ذلك لغير رَبِّ البُسْتَان، وعند أَبِي حَنِيفَة له أن يستردها منه، ولَه أن يُعْطيه بِخَرْصِهَا تمراً، وساعدنا أحمد على تفسير العَرِيّة إِلاَّ أن عنه رواية أن الرّطب يباع بمثله تمراً.
لنا ما روي عن بن أبي حثمة ﵁ "أَنَّه ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْراً يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَباً" (٤).
ولا تجوز العَرَايَا من غير خَرْصٍ، وسبيل الخَرْص ما ذكرناه في الزَّكَاة، ويجب التَّقَابُضُ في المَجْلس بتسليم التَّمْر إلى البائع بالكَيْل، وتَخْلِيَة البائع بينه وبين النَّخْلَة، وإن كان التَّمر غائباً عنهما أو كانا غائبين عن النَّخْل فأحضراه أو حضر عندها جاز، ثم إن لم يظهر تَفَاوت بين التَّمْر المجعول عوضاً وبين ما في الرطب من التمر بأن أكيل الرطب في الحال فذاك، وإن ظهر تفاوت، نظر إن كان قدر ما يقع بين الكَيْلَين لم يضر وإن كان أكثر فالعَقْد باطل، وفيه وجه أن يَصحّ في الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار إذا لم يسلم له الجَمِيع، ويجوز بيع العَرَايا في العِنَب، كما يجوز في الرُّطب وفي سائر الثِّمار قولان:
أصحهما: المنع، لأنها متفرقة مستورة بالأوراق، فلا يتأتَّى الخَرْص فيها، وثمرة
стр. 2012
النَّخيل والكُروم متدلّية ظاهرة، ثم في الفصل ثلاث مسائلٍ:
إحداها: في القدر الذي يجوز فيه بيع العَرَايا، ويجوز بيع العَرَايا فيما دون خمسة أَوْسُق من التمر، ولا يجوز فيما زاد عليها، وفي الخمسة قولان: أحدهما: وهو منقول المزني أنه يجوز لإِطْلاق خبر سهل بن أبي حثمة (١) ﵁.
والثَّاني، وهو مختار المزني: المنع؛ لأن النهي عن المُزَابَنَة معلوم مُحَقَّق، والرُّخْصَة في قدر الخمسة مشكوك فيها، وذلك لأن الشافعي ﵁ روي عن مالك عِن داود بن الحُصَين عن أبي سفيان مَوْلَى بن أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁ "أَنَّ رسول الله ﷺ أَرْخَصَ فِي بَيْع الْعَرَايَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ -الشَّكُ مِنْ دَاوُدَ (٢) - فيستصحب المعلوم المحقق، والقول الأول أظهر عند صاحب الكتاب.
والثَّاني أظهر عند صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّوياني وغيرهما، وهو مذهب أحمد، والقدر الذي يمنع من بيع العَرَايَا فيه، إنما يمنع في الصَّفْقَة الواحدة.
أما لو باع قدراً كبيراً في صفقات فلا منع، وكذا لو باع صفقة واحدة من رجلين، ما يخص كل واحد منهما القدر الجائز خلافاً لأحمد في المسألتين، ولو باع رجلان من واحد فوجهان:
أصحهما: أن الحكم كما لو باع واحد من رجلين؛ لأن تعدد الصَّفقة بتعدد البائع أظهر من تعددها بتعدد المشتري، كما ذكرنا في الرد بالعيب.
والثاني، وبه قال صاحب "التلخيص": لا يجوز الزِّيَادة على خمسة أَوْسُقٍ نظراً إلى مشتري الرطب، لأنه محل الخَرْصِ الَّذِي هو خلاف قياس الرَّبويات، فلا ينبغي أن يدخل في مِلْكِهِ أكثر من القدر المحتمل دفعة واحدة، ولو باع رجلان من رجلين صَفْقَةً واحدة لم يجز في أكثر من عشرة أوسق، ويجوز فيما دونها وفي العشرة قولان:
الثانية: جميع ما ذكرناه في بيع الرُّطب بالتمر، أما لو باع الرطب على النخل وبالرطب على النخيل] (٣) خَرْصاً فيهما، أو بالرطب على وجه الأرض كيلاً فيه ففي جوازه أوجه:
أصحها، وبه قال الإِصْطَخْري: لا يجوز؛ لأن الرُّخْصَة إنما تثبت للحاجة إلى
стр. 2013
تحصيل الرطب، ومالك الرطب مستغنى عنه أو حاجته إليه أدنى فلا يلحق بصورة الرخصة.
والثاني وبه قال ابن خَيْرَان: أنه يجوز لأنه ربما يَشْتَهي ما عند غيره.
والثالث: أنه إن اختلف النوعان جاز، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وحكى الشيخ أبو حامد وآخرون عنه تخصيص هذا التَّفصيل بما إذا كان على النخيل، والمنع فيما إذا كان أحدهما على وجه الأرض، والفرق أنه قد يزيد النَّوْع الذي عند صاحبه ويريد أن يأكله رطباً على التدريج، وما على وجه الأرض لا يمكن أن يؤكل رطباً على التَّدْريج، لأنه يفسد أو يجف، ولو باع الرّطب على وجه الأرض بالرّطب على وجه الأرض لم يَجُز؛ لأنه ليس في معنى صورة الرّخْصة من حيث إنّ أحد المعاني فيها أنْ يأكله طريّاً على التَّدْريج، وهذا لا يتحقّق فيما على وجه الأرض، وذكر القَفَّال في شرح "التلخيص": أنه على الخلاف؛ لأنه إذا جاز البيع، وأحدهما أو كلاهما على رأس النَّخْل خَرْصاً، واحتملت الجَهَالة فلأن يجوز مع تحقّق الكيل في الجانبين كان أولى.
الثالثة: فيمن يجوز له بيع العَرَايَا، ويجوز ذلك لِمَحَاوِيج الناس، وفي أغنيائهم قولان:
أصحهما: الجواز لإطلاق الألفاظ التي رويناها.
والثَّاني: لا يجوز ذكره في اختلاف الحديث، وبه قال أحمد والمزني، لما روي عن زَيْدِ بْنِ ثابت ﵁ "أَنَّهُ سَمَّى رجَالاً مُحْتَاجِينَ مِنَ الأَنْصَارِ شَكَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلاَ نَقْدَ بأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَباً يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُم فَضُولُ قُوتِهِمْ مِنَ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ" (١).
ومن قال بالأول قال: هذه حكمة شرعية، ثم قال: يعم الحكم كما في الرَّمل والاضْطِياع في الطَّوَاف ونظائرهما، ومنهم من بني الخلاف في هذه المَسَائل على أن الخَرْص أصل بنفسه يقام مقام الكيل أو ليس كذلك، ويتبع مورد النص والله أعلم.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَاحَتِ الآفَةُ الثِّمَارَ قَبْلَ القِطَافِ وَبَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَمَيْلُ الجَدِيدِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ (م)، وَمَا فَاتَ بآفَةِ السَّرِقَةِ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَيَجِبُ عَلَى البَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ الأَشْجَارَ لِتَرْبيَةِ الثِّمَارِ، فَإِنْ
стр. 2014
تَرَكَ السَّقْيَ فَفَسَدَتِ الثِّمَارُ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْسَد بَلْ فَاتَتْ فَفي انْفِسَاخِ العَقْدِ خِلاَفٌ، كَمَا في مَوْتِ العَبْدِ المَقْبُوضِ بِمَرَضٍ تَقَدَّمَ عَلَى القَبْضِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكلام من هذا الموضع إلى رأس النَّظر الخامس في أحكام الثمار المبيعة على رأس الأشجار، وما يعرض لها من العوارض الجَوَائح، كالحَرّ والجَرَاد والحَرِيق ونحوها وقد قدم إمام الحرمين على بيان حكمها أصلين لا غنى عن معرفتهما، وينفعان في أَثْنَاء المسألة.
أحدهما: أنَّه إِذا بَاعَ الثِّمَار بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، يلزمه سَقْي الأشجار قبل التَّخْلِية وبعدها قدر ما يَنْمُو به الثمار ويسلم عن التَّلَف والفساد (١). واحتج له بأن التَّسْليم واجب عليه، والسَّقْي من تَتِمّة التَّسْليم كالكَيْل في المَكِيْلاَت والوزن في المَوْزُونات، فيكون على البائع فلو شرط كونه على المشتري بطل العقد؛ لأنه على خلاف قضيته.
والثَّاني: أنَّ المشتري يَتَسلَّط على التَّصَرُّف في الثِّمَار بَعْد جريان التَّخْلية من كل وجه.
إذا تقرر ذلك فَلِلْجَوَائِح حالتان:
أحدهما: أن تعرض قبل التَّخْلية فهي مِنْ ضمان البائع فإن تلف جميع الثِّمار انْفسخ العقد، ولو تلف بعضها انفسخ فيه، وفي الباقي قَوْلا التفريق.
والثَّانية: أن تعرض بعد التَّخْلية، فينظر إن باعها بعد بدُوِّ الصلاح، ففيه طرق، وأحدها فيه قولان:
أحدهما: أن الجَوَائِحَ من ضمان البائع، وبه قال أحمد لما روي أن النبي ﷺ "أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ" (٢).
وأصحهما وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها من ضَمَان المشتري؛ لأن القَبْض حصل بالتَّخلية، فصار كما لو هلك بعد القِطَاف، والخبر مَحْمُول على الاسْتِحْبَاب، ويشعر به ما روي "أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ ثَمَرَةً فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ أَنْ لاَ يَفْعَلَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَأَلَّى أن لا يفعل خيراً، فَأُخْبِرَ الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمَحَ بِهِ لِلْمُبْتَاعِ" (٣).
стр. 2015
وتأيد القول الأول بالأصل الأول، والثَّاني بالثاني، ولا فرق على القولين بين أن يقُلّ أو يكثر. وقال مالك: يوضع الثُّلث فَصَاعِداً، ولا يوضع ما دونه. وإن باع الثِّمَار قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع، ولم يقطعها حتى أضاعتها الجائحة، ففيه ثلاثة طرق:
أظهرها: أنه على القولين.
والثاني: أنها من ضَمَان المُشْتَري قولاً واحداً لتفريطه بترك القطع، وأيضاً فلأنه لا علقة بينهما إذ لا يجب السَّقْي على البَائِع، والحالة هذه، ويحكى هذا عن القَفَّال.
والثالث: أنها من ضمان البائع قولاً واحداً؛ لأنه إذا شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل. ويتفرَّع على كونها من ضَمَان البَائِع أمور:
الأول: أن المحكوم بكونه من ضَمَان البائع ما تلف قبل أوان الجُذَاذ، أما ما تلف بعد أوان الجُذاذ وإمكان النقل ففيه قولان: ويقال وجهان:
أحدهما: أَنَّها من ضمان المُشْتَري لتقصيره بالترك.
والثاني: من ضمان البائع أيضاً، لأن التَّسليم لا يتم ما دامت الثِّمَار متصلة بملك البائع، ويشبه أن يكون الأول أرجح. قال الإمام: وموضع الخلاف ما إذا لم يَكُن التأخير بحيث يعد تقصيراً وتضييعاً كاليوم، واليومين، فإن كان كذلك فلا مَسَاغَ للخلاف.
الثاني: لو تلف بعض الثِّمَار فالحكم على هذا القول كما لو تلف قبل التَّخْلية، ولو عابت الثمار بالجَوَائِح ولم تتلف ثبت الخِيَار على هذا القول كما لو عابت قبل التخلية، وعلى الجديد لا يثبت.
الثالث: لو ضاعت الثمار بِغَصْب أو سرقة فوجهان:
أحدهما: أنها من ضمان البائع أيضاً بناء علي أن التسليم لا يتم إلاَّ بالتَّخْلية.
والثاني: أنها من ضمان المشتري لتمكّنه من الاحتراز عنه بنصب الحافظين، وأيضاً فإنّ الرجوع على الجاني بالضَّمَان مُتَيسر، وهذا أصح عند صاحب الكتاب والأكثرين، فمن يقول به يقطع بأن المَغْصُوب والمسروق من ضمان المشتري، والقائل الأول يجعلهما على القولين وهو ما أورده العِرَاقيون (١).
стр. 2016
واعلم أن ما ذكرناه من القولين في الآفات السَّمَاوية الَّتِي لا نِسْبَة لها إلى البائع بحال، فأما إذا ترك السَّقي وعرضت في الثمار آفة بسبب العَطَش، فنتكلم أولاً فيما إذا تلفت به ثم فيما إذا تعيّبت، وإن كان ترتيب الكتاب عكسه.
أما: إذا تلفت ففيه طريقان:
أحدهما: أن في انفساخ البيع قولين أيضاً، يحكى هذا عن أبي علي الطَّبري.
وأصحهما: القطع بالانفساخ لاستناد هذه الآفة إلى ترك السَّقْي المستحق بالعقد قبل التَّخلية، وما يستند إلى سبب سابق على القبض، قد ينزل منزلة ما لو سَبَق بنفسه، كما ذكرنا في القتل بالردة السابقة، والقطع بالسرقة السابقة، وموت العبد من المرض المتقدم على القبض.
فإن قلنا بعدم الانفساخ فعلى البائع الضمان من القيمة والمِثْل، وإنما يجب ضمان ما تلف ولا ينظر إلى ما كان ينتهي إليه لولا العارض.
وأما إذا فسدت بالتَّعيب فللمشتري الخيار، وإن جعلنا الجَوَائِح من ضمانه.
قال الإمام: لأن الشرع ألزم البائع بتنمية الثمار بالسقي، فالتَّعيب الحادث بترك السَّقي كالعَيْب المتقدم على القبض، ولو أفضى التَّعيب إلى التَّلف، نظر، إن لم يشعر به المشتري حتى تلف عاد الخلاف في الانفساخ ولزم الضَّمان على البائع، إن قلنا بعدم الانفساخ، ولا خيار بعد التلف هكذا ذكره الإمام، وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلفت، فيغرم البائع في وجه لعدوانه ولا يغرم في آخر لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة عليه.
فرع: لو باع الثمار مع الأشجار، فتلفت الثمار بجَائِحَة قبل التَّخْلية بطل العقد فيها، وفي الأَشْجار قولان: وإن تلفت بعد التَّخْلية فهي من ضمان المشتري قولاً واحداً، لأن العلائق منقطعة هاهنا والثمرة مُتَّصلة بملك المشتري (١).
فرع: لو اشترى طعاماً مُكَايلة، وقيضه جُزَافاً فهلك في يده، ففي انْفِسَاخ العقد وجهان: لبقاء علقة الكيل بينهما (٢).
قال الغزالي: وَإِن بَاعَ القِثَّاءَ أَوْ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّلاحُقُ وَعَسُرَ التَّسْلِيمُ بَطُلَ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ نَادِراً وَاتَّفَقَ ذَلِكَ قَبْلَ القَبْضِ انْفَسَخَ العَقْدُ عَلَى قَوْلٍ، وَلَعَلَّ الأَظْهَرَ أَنَّهُ
стр. 2017
يَنْفَسِخُ، وَلَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ (و) إِنْ لَمْ يَهِبِ البَائعُ مَا تَجَدَّدَ مِنْهُ، فَإِنْ وَهَبَ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التخليةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الجَوَائِحَ مِنْ ضَمَانِهِ فَهُوَ كَمَا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ومن العوارض اختلاط الثمار المَبِيعة بغيرها لتلاحقها.
أما الاختلاط الذي يبقى معه التمييز فلا اعتبار به.
وأما غيره فإذا باع الثمرة بعد بُدُوِّ الصلاح والشجر يثمر في السّنة مرتين، فينظر إن كان ذلك مما يغلب التّلاحق فيه وعلم أن الحمل الثاني يختلط بالأول، كالتِّين والبَطِّيخ والقِثَّاء والبَاذِنْجَان لم يصح البَيْع إلاَّ بشرط أن يقطع المشتري ثمرته عند خوف الاختلاط. وفيه قول أو وجه: أنه موقوف إن سمح البائع بما حدث تبين انعقاد البيع، وإلاَّ تبين أنه لم ينعقد من أصله، والأصح الأول لما مر في بيع البَطِّيخ، ثم إذا شرط القَطْع ولم يتفق حتى حصل التَّلاحق والاختلاط، فالحكم كما لو اتفق التَّلاَحق فيما يندر فيه التَّلاَحق، فإنْ كان ما يندر فيه التلاحق، وعلم عدم الاختلاط، أو لم يعلم أنه كيف يكون الحَال فيصح البَيْع مطلقاً، وبشرط القَطْع والتَّبقية، وإن حصل الاخْتِلاط فله حالتان:
إحداهما: أنْ يحصل قبل التَّخْلية فقولان:
أحدهما: أنه ينفسخ البيع لتعذر تسليم المَبِيع قبل القَبْض.
وأظهرهما: على رأي المصنف، وهو اختيار المزني؛ أنه لا ينفسخ لبقاء عين المبيع، وإمكان إمْضَاء البيع، فعلى هذا يثبت للمشتري الخيار؛ لأنه أعظم من إِبَاقِ العبد المبيع. وعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنه لا خيار أيضاً، وأن الاختلاط قَبْلَ القبض كالاختلاط بعده، والمذهب الأول، ثم إن قال البائع: أسمح بترك الثمرة الجديدة للمشتري، ففي سقوط خياره وجهان:
أحدهما: لا يسقط لما في قوله من المِنَّة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يسقط كما سبق في الإعراض عن نَعْل الدَّابة المردودة بالعَيْب، ولو باع الثمرة قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القَطْع ثم لم يَتَّفق القَطْع حتى حصل الاخْتِلاط جرى القولان في الانفساخ، وهما جاريان فيما إذا باع حِنْطَة فانهال عليها مثلها قبل القبض، وكذا في المَائِعَات ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المَبِيْعة بأمثالها. فقد قال في "التتمة": المذهب هاهنا انفساخ البيع لأنه يورث الاشتباه وأنه مانع من صحَّة البيع لو فرض في الابتداء، وفي الحِنْطَة غاية ما يلزم الإِشَاعة، وإنها غير مانعة.
стр. 2018
وفيه وجه: أنه لا ينفسخ لإِمْكَان تسليمه بتسليم الكل ولو باع جَزَّة من القَثِّ بشرط القطع ولم يقطعها حتى طالت، وتعذر التَّمييز جرى القولان ومنهم من قطع بعدم الانفساخ هاهنا تشبيهاً لطولها بكبر الثَّمرة والشجرة وسمن الحيوان وهو ضعيف، لأن البائع يجير على تسليم الأشياء المذكورة بزيادتها، وهاهنا لا يجبر على تسليم ما زاد.
والثانية: أنْ يحصل بعد التَّخلْية، ففيه طريقان:
أحدهما، وبه قال المزني: القطع بعدم الانفساخ، كما لو كان المبيع حِنطَة فانثالت عليها حِنْطَة أخرى بعد القبض.
والثاني: أنه على القولين في الحالة الأولى بخلاف مسألة الحِنْطَة؛ لأن هناك قد تم التَّسْليم وانقطعت العَلاَئِق بينهما، وفي الثمار لم تنقطع العلائق؛ لأن البائع يدخل الحَائِط للسَّقْي، وتعهّد النَّخِيْل وغير ذلك، ويمكن بناء الطَّرِيقَيْن على ما ذكره الإمام وصاحب الكتاب، وهو أنَّ حكم المَسْأَلة مأخوذ من الخلاف في الجَوَائِح، إن جعلناها من ضمان المشتري أجبنا بالطريقة الأولى، وإنْ جعلناها من ضمان البائع أجبنا بالثانية، إلاَّ أن قضية هذا البناء أن يكون القطع بعدم الانْفِسَاخ أظهر، وعامة الأصحاب على تَرْجيح طريقة القولين. وإذا قلنا بعدم الانفساخ، فإنْ تصالحا وتوافقا على شيء فذاك، وإلاَّ فالقول قول صاحب اليد في قدر حق الآخر، ومن صاحب اليد في صورة الثمار فيه وجهان بناء على أن الجوائح من ضمان البائع والمشتري.
ووجه ثالث: وهو أنها في يدهما جميعاً، وفي صورة الحِنْطَة صاحب اليد هو المشتري، فالقول قوله في قدر حق البائع، فإن كان المشتري قد أودعه الحِنْطَة بعد القبض ثم حصل الاختلاط، فالقول قول البائع، في قدر حق المشتري، والله أعلم.
وإذا تأملت ما ذكرناه علّمت قوله في الكتاب (انفسخ البيع) بالزاي، وقوله: (للمشتري الخيار) بالواو، وكذا قوله: (سقط خياره). ثم هاهنا مسألة أخرى لا بد من ذكرها، وهي أن يبيع شجرة عليها ثمرة تبقى للبائع، وهي مما تثمر في السّنة مرتين ويغلب عليها التلاحق، فلا يصح البيع إلاَّ بشرط أن يقطع البَائِع ثمرته عند خوف الاخْتِلاط، ويجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا كان البيع الثَّمرة، ثم إذا تَبَايعا بهذا الشَّرْط، ولم يَتَّفِقِ القَطْع حتى حصل الاختلاط، أو كانت الشجرة مما يندر فيها التلاحق أو الاختلاط، فاتفق ذلك فقل المزني قولين في الانْفِسَاخ، وللأصحاب طريقان.
فعن أبي علي ابن خيْرَان والطَّبَرِي: القطع بعدم الانفساخ، وتخطئة المزني فيما نقل؛ لأن الاختلاط وتعذّر التَّسليم لم يوجد في المبيع ما إِذَا كان المَبِيْع الثِّمار، وأثبت الأكثرون القولين، ونقلوهما عن نصه في "الأم".
стр. 2019
وقالوا: الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع، لكنه وجد في المقصود بالعقد، وهو الثمرة الحادثة فإنها مقصود المشتري من الشراء، فجاز أن يجعل كالمبيع.
فإن قلنا بعدم الانفساخ، نظر إن سمح البائع بترك الثمرة القديمة أُجْبِر المشتري على القبول، [وإن رضي المُشْتري بترك الثمرة الحادثة أُجْبر البائع على القبول] (١) وأقر العقد، ويشبه أن يجيء في الإِجْبَار على القبول خلاف، وإن استمرا على النزاع، فالمثبتون للقولين قالوا: انفسخ العقد بينهما، كما لو كان المبيع الثمرة والقاطعون قالوا: لا فسخ؛ بل إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع، فالقول قوله في قدر ما يستحقه المشتري مع يمينه، وإن كانتا في يد المشتري فالقول قوله في قدر ما يستحقه البائع.
قال صاحب "التهذيب": وهذا هو القياس، لأن الفسخ لا يفيد رفع النزاع لبقاء الثمرة الحادثة للمشتري، وإن قلنا بالانفساخ استرد المشتري الثمن ورد الشجرة مع جميع الثمار ذكر صاحب "التتمة".
стр. 2020
النَّظَرُ الْخَامِسُ مِنْ كتَابِ البَيْع فِي مُدَايَنَةِ العَبِيدِ وَالتَّحالُفِ ، وَفِيهِ بَابَانِ
الأَوَّلُ فِي مُعَامَلَةِ الْعَبُيدِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ في المَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَة وَغَيْرِهِ أَمَّا المَأْذُونُ فَالنَّظَرُ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ وَفِي العُهْدَةِ وَفيمَا يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ أَمَّا مَا يَجُوزُ لَهُ فَكُلُّ مَا يَنْدَرجُ تَحْتَ اسْمِ التِّجَارَةِ أَوْ كانَ مِنْ لَوَازِمِهِ فَلا يَنْكِحُ وَلاَ يُؤاجِرُ (ح) نَفْسَهُ، وَلاَ يَتَعَدَّى (ح) النَّوْعَ الَّذِي رُسِمَ لَهُ الإِتِّجَارُ فِيهِ، وَلاَ يَأْذَنُ (ح) لِعَبِيدِهِ فِي التِّجَارَة إلاَّ بِتَوْكيل مُعَيَّنٍ، وَلاَ يَتَّخِذُ (ح) الدَّعْوَةَ لِلمُجَهَّزِينَ، وَلاَ يُعَامِلُ سَيِّدَهُ (ح)، وَلاَ يَتَصَرَّفُ (ح) فِيمَا اكْتَسَبَ بِاحْتِطَابِ وَاصْطِيَاد وَاتِّهَاب، ثُمَّ لاَ يَنْعَزِلُ (ح) بالِإبَاقِ، وَلاَ يَسْتَفِيدُ (ح) الإِذْنَ بِالسُّكُوتِ وَإذَا رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ لَمْ يَزُلْ (ح) مِلْكُ سَيِّدِهِ عَمَّا فِي يَدِهِ، وَيُقْبَل إِقْرَارُهُ (ح) بِالدِّيْنِ لأَبِيهِ وَابْنِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: أوضحنا في أول "كتاب البيع" أنَّ كلام هذا النَّظر في مُدَاينة العبيد، واختلاف المتبايعين وفيهما بابان:
الأول: في مُداينتهم والمراد من المُدَايَنَة الاسْتِقْرَاض والشراء بالنسيئة، وليس الباب مَقْصوراً على بيان ذلك، بل هو وافٍ بأحكام سائر مُعَامَلاَتِهِمْ لكنهم تَبَّركوا بترجمة الشَّافعي ﵁، والعبد إمَّا مأذون في التجارة أو غيره. القسم الأول: المأذون في التجارة، والكلام فيه يقع في ثلاثة أمور:
أحدهما: فيما يجوز له من التصرفات، وما لا يجوز.
وثانيها: في أن الطلب في الدُّيون الواجبة بمعاملاته على مَنْ تتوجه.
وثالثها: في أنها من أين تُؤَدّى.
أما الأول: فاعلم أنه يجوز للسيد أن يأذن لعبده في التِّجارة، وفي سائر التصرفات كالبيع والشراء إجماعاً (١)، ولأنه صحيح العبارة، ومنعه من التصرف لحق السيد، فإذا
стр. 2021
أمره به فقد ارتفع المانع، ويستفيد المأذون في التجارة بهذا الإذن كل ما يندرج تحت اسم التجارة، أو كان من لوازمها وتوابعها، كالنَّشْر والطَّيّ وحمل المَتَاع إلى الحَانُوت، والرد بالعيب والمُخَاصَمَة في العهدة ونحوها، ولا يستفيد به غير ذلك، وهذا القول الجملي تُقَصِّلُه صور. منها: ليس للمأذون في التجارة أن يُنكح، كما أنه لَيْسَ للمأذون في النكاح أن يتجر، لأن كل واحد منهما غير متناول باسم الآخر.
ومنها: ليس له أن يُؤَاجِرَ نفسه؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته، فكذلك في منفعته. وعن الحليمي حكاية وجه: أنه يملك ذلك، وهو قول أبي حنيفة، وهل له إيجار أموال التجارة كالعبيد والدواب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يؤاجر نفسه.
وأصحهما: نعم؛ لأن التُّجَّار قد يعتادون ذلك؛ ولأن المنفعة من فوائد المال فيملك العقد عليها، كالصُّوف واللبن.
ومنها: لو أذن له السيد في التجارة في نوع من المال لا يصير مأذوناً في سائر الأنواع، وكذا لو أذن في التجارة شهراً أو سنة لم يكن مأذوناً بعد تلك المدة، خلافاً لأبي حنيفة فيهما، وسلم أنه لو دفع إليه ألفاً ليشتري به شيئاً لا يصير مأذوناً في التجارة، ولو دفع إليه ألفاً وقال: اتَّجر فيه فله أن يشتري بعَيْن ما دفع إليه، وبقدره في ذمته ولا يزيد عليه، ولو قال: اجعله رأس مالك وتصرَّف أَو اتجر، فله أن يشتري بأكثر من القدر المدفوع إليه. ومنها: ليس للمأذون في التجارة أن يأذن لعبده في التجارة، خلافاً لأبي حنيفة، ولو أذن له السيد في ذلك ففعل جاز، ثم ينعزل مأذون المأذون بعزل السيد، سواء انتزعه من يد المأذون أو لم ينتزعه خلافاَ لأبي حنيفة فيما إذا لَمْ ينتزعه، وهل له أن يوكْل عبده في آحَادِ التصرفات؟ فيه وجهان:
أصحهما: عند الإمام وهو الذي أورده في الكتاب نعم؛ لأنها تصدر عن نظرة، وإنما المُمْتَنِع أن يقيم غيره مَقَام نفسه.
стр. 2022
والثاني: لا؛ لأن السَّيد لم يَرْضَ بتصرف غيره، وهذا قضية ما أورده في "التهذيب" (١).
ومنها: ألاَّ يَتَّخذ الدَّعْوة للمجهزين (٢)، وَألاَّ يتصدق (٣)، ولا ينفق على نفسه من مال التجارة؛ لأنه ملك السيد، وعند أبي حنيفة له ذلك.
ومنها: لا يعامل سَيّده بيعاً وشراء، لأن تصرفه لسيده بخلاف المكاتب يتصرف لنفسه، وقال أبو حنيفة: له أنْ يعامل سيده، وربما قيد ذلك بما إذا ركبته الدُّيُون.
ومنها: ما اكْتَسَبه المَأْذُون من الاحْتِطَاب والاصْطِيَاد والاتِّهَاب وقبول الوصية، والأخذ من المعدن، هل ينضم إلي مال التجارة حتى يتصرف فيه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده الفَوْرَانِي، والإمام وصاحب الكتاب لا لأنه لم يحصل بجهة التِّجَارة، ولا سلمه السيد إليه ليكون رأس المال.
والثاني: نعم، لأنه من جملة أَكْسَابه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
ومنها: العبد المأذون لا ينعزل بالإباق، بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه، إلاَّ إذا خصَّ السَّيد الإذن بهذا البلد (٤).
وقال أبو حنيفة: يصير محجوراً عليه.
لنا: أن الإباق عصيان فلا يوجب الحَجْر، كما لو عصى السَّيد من وجه الآخر، ولو أذن لجاريته في التِّجَارة ثم اسْتَوْلَدَها ففيه هذا الخلاف، ولا خلاف في أنَّ له أن يأذن لمستولدته في التِّجَارة.
ومنها: إذَا رأى عَبْدَه يَبِيْع ويشتري فسكت عنه لم يَصِرْ مأذوناً له في التجارة، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على ما لو رآه ينكح فسكت عليه لا يكون سكوته إذناً في النِّكَاح.
стр. 2023
ومنها: إذا ركبته الدُّيُون لم يزل ملك سيده عما في يده، فلو تصرف فيه يبيع أو هِبَة أو إِعتاف بإذن المأذون والغُرَمَاء جاز، ويكون الدَّين في ذمة العبد، وإن أذن العبد دون الغُرَمَاء لم يَجُزْ وإن أذن الغُرَمَاء دون العَبْد فوجهان (١).
وعن أبي حنيفة: أنه إذا ركبته الدُّيُون يزول ملك سَيّده عما في يده، ولا يدخل في ملك الغرماء. ومنها: إقرار المأذون بين المعاملة مقبول على ما سيأتي في "باب الإِقْرَار" ولا فرق بين أن يقرّ بها لأجنبي أو لابنه أو ابنته. وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لهما، وهذا الخلاف كالخلاف في إقرار المريض لوارثه. وأما إِقْرَار المأذون لغير دين المُعَاملة، وإقرار غير المأذون فالكلام فيهما منه ما هو مذكور في الإقرار، ومنه ما هو مذكور في السَّرِقَة، وسينتهي الشرح إليهما إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: (ح) إِنِّي مَأْذُونٌ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ سَمَاعٍ مِنَ السَّيِّدِ أَو بَيِّنةٍ عَادِلَةٍ، وَيُكْتَفَى بِالشُّيُوعِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي الحَجْر.
قال الرَّافِعِيُّ: من عامل المأذون وهو لا يعرف رِقُّه فتصرفه صحيح، ولا يشترط علمه بحاله، ذكره في "النهاية"، ومن عرف رِقَّة لم يَجُز له أن يعامله حتى يعرف إذن السيد، ولا يكفي قول العبد: أنا مأذون؛ لأن الأصل عدم إذن المُسْتحق، فأشبه ما إذا زعم الراهن إذن المرتهن في بيع المرهون.
وقال أبو حنيفة: يكفي قول العَبْد كما يكفي قول الوكيل.
قال الأصحاب: ليس هما سواء؛ لأن في الوكيل لا حاجة إلى دعوى الوِكَالَة، بل يجوز معاملته بناء على ظاهر الحال، وإن لم يدع شيئاً، وهاهنا بخلافه، وإنما يعرف كونه مأذوناً إمَّا بسماع الإذن من السيد، أو بِبَيِّنَة تقوم عليه، ولو شاع في النَّاس كونه مأذوناً فوجهان:
أصحهما: أنه يكتفى به أيْضاً لأن إقامة البَيِّنَة لكل معامل ممَّا يعسر، ولو عرف كونه مأذوناً، ثم قال: حجر عليه السيد لم يعامل فإن قال السيد: لم أحجر عليه فوجهان:
أصحهما: أنه لا يعامل أيضاً؛ لأنه العاقد والعقد باطل بزعمه.
والثَّاني: وبه قال أبو حنيفة: أنه يجوز معاملته اعْتِمَاداً على قول السَّيد، ولو عامل المأذون من عرف رِقّه ولم يعرف إذنه، ثم بَانَ كونه مأذوناً فهو ملحق عند الأئمة بما إذا باع مال أبيه على ظَنّ أنه حي فإذا هو مَيّت، ويقرب منه قولان حكاهما الحليمي فيما إذا
стр. 2024
كذب مدعي الوِكَالة، ثم عامله فظهر صدقه في دعوى الوِكَالة.
فرع: لو عرف كونه مأذوناً فعامله، ثم امْتنع من التَّسْليم إلى أن يقع الإِشْهَاد على الإذْن، فله ذلك خوفاً من خَطَرِ إِنكار السَّيد، كما لو صدق مُدَّعي الوِكَالة بقبض الحق، ثم امتنع من التَّسْلِيم حتى يشهد المُوكّل على الوِكَالة.
فرع: حكي في "التتمة" قولين في جواز معاملة من لا يعرف رقّه وحريته:
أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل والغالب في الناس الحرية.
والثاني: المنع؛ لأن الأصل بقاء الحَجْر وما حكيناه عن "النهاية" في صدر الفصل، كأنه جواب على الأظهر والله تعالى أعلم.
قال الغزالي: أَما العُهْدَةُ فَهُوَ مُطَالَبٌ (و) بِدُيُونِ معَامَلَتِهِ، وَكَذَا سَيَّدُهُ عَلَى الأظْهَرِ، وَقِيلَ: السَّيِّدُ لاَ يُطَالَبُ أَصْلاً، وَقِيلَ: يُطَالَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ العَبْدِ وَفَاءٌ، وَيُطْرَدُ هَذَا الخِلاَفُ فِي عَامِلِ القِرَاضِ مَعَ رَبِّ المَالِ، وَقِيلَ بِطَرْدِهِ أَيْضاً فِي المُوَكِّلِ إِذَّا سَلَّمَ إلَى وَكِيلِهِ أَلفاً مُعَيَّنَةٌ، وَإِنْ عَتَقَ العَبْدَ طُولِبَ بِهِ، فَإِنْ غَرَّمَة فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى السَّيِّدِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القول في لفظ العُهْدة وتفسيرها موضعه غير هذا.
وأما فقه الفصل فإذا باع المأذون سِلعة وقبض الثَّمَن فاستحقّت السِّلعة، وقد تلف الثَّمَن في يد العبد فللمشتري الرُّجُوع ببدله على العبد، لأنه المباشر للعقد.
وفي وجه: لا رجوع على العبد لأن يده يد السَّيِّد، وعبارته مستعارة في "الوسيط" وفي مطالبة السيد ثلاثة أوجه رتبها الإمام:
أصحهما: أنه يطالب أيضاً؛ لأن العقد له، فكأنه البائع والقابض للثمن.
والثاني: لا يطالب لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالاً، فشرط من يعامله قصر الطمع على يده وذمته.
والثالث: أنه إنْ كان في يد العَبْد وفاء، فلا يطالب السَّيِّد لحصول غرض المشتري، وإلاَّ فيطالب.
وعن ابن سريج: أنه إنْ كان السَّيد قد دفع إليه عَيْن مال، وقال: بِعْها أو خُذْ ثمنها واتَّجر فيه، أو قال: اشْتر هذه السِّلْعَة وبعها واتَّجر في ثمنها ففعل، ثم ظهر الاستحقاق وطالبه المشتري بالثمن، فله أن يطالب السيد بقضاء الدَّين عنه؛ لأنه أوقعه في هذه الغَرَامة، وإن اشترى باختياره سلعة وباعها ثم ظهر الاستحقاق فلا، ولو اشترى المأذون شيئاً للتجارة ففي مطالبة السيد بالثمن الأوجه والوجه الأول والثاني جاريان في عامل القِرَاض مع ربِّ المال لتنزيل رَبِّ المال العهدة على المال المعيّن، ولو أن الرجل
стр. 2025
سلم إلى وكيله ألفاً، وقال: اشْتَرِ لي عبداً وَأدِّ هذا في ثمنه، فَاشْتَرى الوَكِيل ففي مطالبته الموكل بالثَّمَنِ طريقان:
أحدهما: أنه يطالب، ولا حكم لهذا التَّعْيين مع الوكيل؛ لأن الوَكِيل سفير مَحْض، والمأذون مستخدم يلزمه الامْتِثَال والتزام ما ألزمه السَّيِّد ذمته.
وأقيسهما: طَرْدُ الوَجْهَيْنِ فيه وإذا تَوَجَّهت الطَّلبة على العبد لم تندفع بِعَتْقه، لكن في رجوعه بالمَغْرُوم بعد العِتْق وجهان:
أحدهما: يرجع لانقطاع اسْتِحْقَاق السَّيِّد بِالعِتْق.
وأظهرهما: لا يرجع؛ لأن المؤدى بعد العِتْق كالمستحق بالتَّصرف السابق على الرِّق، وهذا كالخِلاَف في أنَّ السيد إذا أعتق العبد الذي آجره في أثناء مدة الإجارة هل يرجع بأجرة مثله للمدة الواقعة بعد العتق.
قال الغزالي: وَلَو سَلَّمَ إِلَى عَبْدِهِ أَلفاً لِيَتَّجِرَ بِهِ فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ شَيْئاً وَتَلَفَ الأَلْفُ انْفَسَخَ العَقْدُ، وَإِن اشْتَرَي فِي الذِّمَّةِ فَثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، الثَّالِثُ أَنَّ لِلمَالِكِ الخِيَارَ إِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ وَأَبْدَلَ الألْفَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا سلم إلى عبده ألفاً ليتّجر به فاشترى بِعَيْنه شيئاً، ثم تلف الألف في يده انفسخ العقد، كما لو تلف المبيع قبل القبض، وإن اشترى فِي الذِّمة على عزم صرف الألف إلى الثَّمن ففي المَسْألة وجهان:
أحدهما: أنه ينفسخ أيضاً؛ لأنه حصر إذنه في التَّصَرُّف في ذلك الألف، وقد فات محل الإذن.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يجب للسَّيد ألْف آخر، لأن العَقْد وقع له والثمن غير متعيّن فعليه الوفاء بإتمامه.
والثاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولكنه إنْ أخرج ألفاً آخر أمضى العَقْد، وإلاَّ فللبائع فسخ العقد، ويشبه أنْ يكون هذا أظهر، وهو اختيار الشيخ أبي محمد، وإذا ترك التَّرْتيب حصل في المَسْأَلة ثلاثة أوْجُه كما ذكر في الكتاب، ووراءها وجه رابع وهو أنَّ الثمن يكون في كسب العبد، والوجهان في الأصل كالوجهين فيما إذا دفع ألفاً قِرَاضاً إلى رجل، فاشترى شيئاً في الذمة، وتلف الألف عنده، هل على رب المال ألف آخر أو ينقلب العقد إلى العامل؟
إن قلنا بالأول فعلى السيد ألف آخر.
стр. 2026
وإن قلنا بالثاني انفسخ العقد، وإذا قلنا على السيد أَلْف آخر فهل يتصرف العبد فيه بالإذن السابق أم لا بد من إذن جديد؟
فيه وجهان وهما كالوجهين، في أنه إذا أخرج ألْفاً آخر في صورة القِرَاض فرأس المال ألْف أو ألفان.
إن قلنا: ألف فلا بد من إذن جديد. وإن قلنا: ألفان كفى الإذن السابق قال الإمام: والألف الجديد، إنما يطالب به البائع دون العبد، ولا شك أن العبد لا يمد يده إلى ألف من مال السيد، وأنه لا يتصرف فيما تسلّمه البائع، وإنما تظهر فائدة الخِلاَف فيما إذا ارتفع العَقْد بسبب من الأسباب ورجع الألف (١)، والله أعلم.
قال الغزالي: أَمَّا قَضَاءُ دُيُونهِ فمِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، لاَ مِنْ رَقَبَتِهِ (ح)، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِاكْتِسَابِهِ مِنَ الاحْتِطَابِ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأمر الثّالث أن ديون التجارة من أين تؤدى، ولا شك أن دُيُون معاملات المأذون مُؤَدّاة مِمَّا في يده من مال التِّجارة، سواء فيه الأرباح الحاصلة بتجاراته ورأس المال، وهل يؤدّي من اكتسابه بغير طريق التجارة كالاصطياد، والاحتطاب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كسائر أموال السيد.
وأصحهما: نعم، كما يتعلق به المهر، وثبوت النِّكَاح، ثم ما فضل من ذلك يكون في ذمته إلى أن يعتق، وهل يتعلّق بما يكتسبه بعد الحجر؟ فيه وجهان:
قال في التهذيب: أصحهما: أنها لا تتعلق به ولا تتعلق برقبته ولا بِذِمّة السيد.
أما أنها لا تتعلّق برقبته، فلأنه دَين لزمه بِرِضاء من له الدَّين فوجب أنْ لا يتعلق برقبته، كما لو استقرض بغير إذن السَّيد، وخالفنا أبو حنيفة فيه.
وأما أنه لا يتعلّق بذمة السيد، فلأن ما لزمه بمُعَاوَضَة مقصودة بإذنه وجب أن تكون متعلقة بكسب العبد، كالنَّفقة في النكاح، ولو كان للمأذونة أولاد لم تتعلّق الديون بهم، خلافاً لأبي حنيفة في الَّذين ولدوا بعد الإذن في التجارة، ولو أتلف السيد ما في يد المأذون من أموال التِّجَارة فعليه ما أتلف بقدر الدَّين، ولو أنه قتل المأذون وليس في يده مال لم يلزم قضاء الدَّين.
стр. 2027
هذه مسائل الكتاب وما يناسبها، وفي المأذون فروع كثيرة، تذكر في مواضع متفرقة. والذي نورده في هذه الخاتمة أنه لو تَصَرَّف فيما في يد المأذون بِبَيْع أو هِبَة أو إِعْتَاق ولا دَيْن على العبد فهو جائز. وفي وجه: يشترط أن يقدم (١) عليه حجراً، وإن كان عليه دَيْن فقد سبق حكم تصرفه.
وإذا باع العبد أو أعتقه صار مَحْجُوراً عليه في أصحِّ الوجهين، وفي قضاء ديونه مما يكتسبه في يد المشتري الخلاف المذكور فيما يكتسبه بعد الحَجْر عليه، واعلم أن المَسَائِل الخلافية بيننا وبين أبي حنيفة في المَأْذُون يبنى أكثرها على أنه يتصرف لنفسه أو لسيده، فعنده يتصرف لنفسه وعندنا لسيده، ولذلك نقول: إنه لا يبيع نَسِيئَة ولا بدون ثمن المِثْل، ولا يسافر بمال التجارة إلاَّ بإذن السَّيد، ولا يتمكّن من عزل نفسه بخلاف الوَكِيل. فرع: لو أذن لعبده في التِّجَارة مطلقاً ولم يعين مالاً، فعن أبي طاهر الزِّيَادِيّ أنه لا يصح هذا الإذن، وعن غيره أنه يصح، وله التَّصرف في أنواع الأموال، هذا تمام القسم الأول (٢).
قال الغزالي: وَأَمَّا غَيْرُ المَأذُونِ فَلاَ يَتَصَرَّفُ بِمَا يَضُرُّ سَيِّدَهُ كَالنِّكَاحِ فَإنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ دُونَ إِذْنِهِ، وَالأَقْيَسُ جَوَازُ اتِّهابِهِ، وَقُبولهِ الْوَصِيّةَ فَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ كَمَا يَدْخُل بِاحْتِطَابِهِ، وَيَخْلَع زَوْجَتَهُ، وَلاَ يَصِحُّ (ز) ضَمَانُهُ وَشِرَاؤُهُ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الوَفَاءِ بِالمُلْتَزِمِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يصِحُّ كَمَا فِي المُفْلِسِ، وَلاَ يَمْلِكُ العَبْدُ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ (م) عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني غير المأذون في التجارة، وهو قد يكون مأذوناً في غير التجارة، وقد لا يكون مأذوناً أصلاً، والمسائل الدَّاخلة في هذا القِسْم منتشرة في الأبواب، والتي أوردها في هذا الموضع خمس: إحداها: ليس للعبد أن ينكح بغير إذن السيد، لأنه لو جاز نكاحه لكان له أن يَطَأَ متى شاء، وأنه يورث ضعف البِنْيَة ويتضرَّر به السيد، هذا حكم كل تصرف يتعلّق برقبة العبد.
стр. 2028
الثانية: الهِبَة من عبد الإنسان والوصية له هبة ووصية للسيد، وفي صحة قبوله فيهما من غير إذن السيد وجهان:
أحدهما: وبه قال الإِصْطَخْري: المنع لعدم رضاه بثبوت الملك.
وأصحهما: الصحة، لأنه اكتساب لا يعقب عوضاً، فأشبه الاحْتِطَاب والاصْطِيَاد بغير إذنه، وأيضاً فإنَّ العَبْد إذا خالع زوجته صَحَّ وثبت العوض ويدخل في ملك السَّيد قهراً، فكذلك هاهنا، وصورة الوَصِيّة قد ذكرها صاحب الكتاب في الوَصِيّة.
الثالثة: في صِحّة ضمانه بغير إذن السَّيد وجهان مُعَادان في كتاب الضَّمَان، وشرحهما بذلك الموضع أليق.
الرابعة: هل يَصِحُّ شراؤه دون إذن السَّيد؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن فيه وجهين:
أحدهما وبه قال ابن أبي هريرة: نعم؛ لأنه يعتمد الذِّمة ولا حجر على ذمَّته.
وأصحهما: لا، وبه قال أبو إسحاق والإِصْطَخري، لأنه لو صح فإما أن يثبت الملك له، وليس هو أهلا؛ لأن يملك أو لسيده وذلك إمَّا بعوض يلزمه أو بعوض يكون في ذمة العبد، والأول ما رَضِيَ به السيد.
والثاني: ممتنع لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلتزم الثاني، وبنوا الوجهين على القولين في أن المُفْلس المحجور عليه إذا اشترى شيئاً هل يصح؟
ووجه الشبه أن كل واحد منهما صحيح العبارة، وإنما حجر عليه لحق الغير.
والطريق الثاني: القطع بالبطلان، ويفارق المفلس؛ لأنه أهل لِلَّتمليك (١).
التفريع: إن صححنا شراءه، فمنهم من قال: إِنَّ المِلْك لِلسَّيد، والبَائع إن علم رِقّه لم يطالبه بشيء حتى يعتق، وإن لم يعلم فهو بالخِيَار بين الصَّبْر إلى العِتْق وبين أن يفسخ ويرجع إلى عَيْنِ ماله.
ومنهم من قال: الملك للعبد والسَّيد بالخِيَار بَيْن أن يقر عليه، وبين أنْ ينتزعه من يده، وللبائع الرُّجوع إلى عيْنِ المبيع ما دام في يد العبد لتعذُّر تحصيل الثمن كما لو أفلس المُشْتَري بالثمن، وإن تلف في يده فليس له إلاَّ الصَّبر إلى أن يعتق، وإن انتزعه السَّيد فهل للبائع الرجوع؟
فيه وجهان: الذي أورده الأكثرون أنه لا يرجع، كما لو زال يد المشتري عما
стр. 2029
اشتراه ثم أفلس بالثمن، وفي "التتمة" أن الصحيح، أنه يرجع أيضاً بناء على أن المِلْك يحصل للسيد ابتداء، لا بالانتزاع وإن أفسدنا شرائه، فللمالك استراداد العَيْن ما دامت باقية سواء كانت في يد العبد، أو في يد السيد، وإن تلفت في يد العبد تَعَلَّق الضَّمَان بذمته، وإن تلفت في يد السَّيد فللبائع مطالبته بالضَّمان، وإلاَّ ليس له مطالبة العبد بعد العتق ولا يجب على السيد الضمان بأن رآه فلم يأخذه من يد العبد ولو أَدَّى الثَّمن من مال السَّيِّد فله استرداده، والاستقراض في جميع ما ذكرناه كالشراء، وللعبد إجارة نفسه بإذن السَّيد، وكذا له بَيْع نفسه ورهنها في أصح الوجهين، ولو اشترى العبد أو باع لغيره وِكَالة بغير إذن السيد ففيه وجهان:
ذكر في التتمة أنهما مبنيان على الخلاف فيما لو اشترى لنفسه، والأصح المنع لما فيه من تعلّق العُهْدة بالوكيل.
وقوله في الكتاب: "ولا يصح ضمانه وشراؤه" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يصحح شراءه، وإيراد "الوسيط" يدل على أن المراد من قوله: (على الأصح)، الأصح من الطريقين.
وقوله في الكتاب: (وقيل: إنه يصح كما في المفلس) إشارة إلى الطَّريق الثاني. المعنى يصح في قول كما في المفلس.
وقوله: (لأنه عاجز عن الوفاء بالملتزم) وجهه في الضمان ظاهر، فإن الأداء في الحال متعذّر عليه، وأما في الشراء فهو مبني على أن للسيد أخذ المبيع منه فلا يبقى للثمن متعلّق في الحال.
الخامسة: العبد هل يملك بتمليك السَّيد فيه قولان:
القديبم: نعم، وبه قال مالك لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ أَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ" (١).
والجديد: لا، وبه قال أبو حنيفة، كما لا يملك بالإرث وتمليك غير السيد، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، وعن أحمد: روايتان كالقولين.
فإنْ قلنا بالقديم فللسيد الرجوع عنه متى شاء، وليس للعبد التصرف فيه إلاَّ بإذن السيد، وله أن يشتري الجارية التي ملكها أباه إن أذن له فيه، وعن الأستاذ أبي إسحاق: منعه لضعف الملك، وإن لم يأذن له في الشراء فليس له ذلك، وفيه وجه، ولو كان له عبدان فملك كل واحد منهما صاحبه، فالحكم لِلتَّمليك الثاني، وهو رجوع عن الأول
стр. 2030
فإنْ وقعا دفعة واحدة من وكيلين تدافعا (١) والله أعلم.
البَابُ الثَّانِي فِي التَّحالُفِ
قال الغزالي: وَالنَّظَر فِي سَبَبه وَكَيفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ، أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ التَّنَازُعُ فِي تَفْصِيلِ العَقْدِ وَكَيْفِيَّتِهِ بَعْدَ الاتَّفَاقِ عَلَى الأَصْلِ، كَالخِلاَفِ فِي قَدْرِ العِوَضِ (ح) وَجِنْسِهِ، وَقَدْرِ الأَجَلِ (ح) وَأَصْلِهِ (ح)، وَشَرْطِ الكَفِيلِ (ح) وَالخِيَارِ (ح) وَالرَّهْنِ (ح) وَغَيْرِهِ، فَمُوجِبُهُ التَّحَالُفُ سَوَاء كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ هَالِكَةً (ح م) جَرَى مَعَ العَاقِدِ، أَوْ مَعَ وَرَثَتِهِ، قَبْلَ القَبْضِ أَوْ بَعدَهُ (ح) لِقَوْلِهِ ﷺ : "إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا".
قال الرَّافِعِيُّ: الأصل في الباب ما روي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِع وَالْمُبْتَاعُ بالْخِيَار"، ومعناه أن المبتاع بالخِيَار بين إِمْسَاكه بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف عَلى ما يقوله للراوية الأخرى: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا" (٢).
وفي رواية: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَلاَ بَيِّنَةَ لأَحَدِهِمَا تَحَالَفَا" (٣).
إذا عرفت ذلك، فكلام الباب يقع في ثلاثة فصول:
أحدها: في السَّبب المحوج إلى التَّحالف، ومتى تبايع اثنان ثم وقع بينهما اختلاف، فذلك إما أن يكون مع الاتِّفَاق على عقد صحيح أولاً معه.
القسم الأول أن يختلفا مع الاتِّفَاق على عقد صحيح مثل أنْ يختلفا في قدر الثمن، فيقول البَائِع: بعتك هذا بمائة، فيقول المشتري: بخمسين، فينظر إنْ كان لأحدهما بَيِّنة قضى بها، وإن أقام كل واحد منهما بَيّنة على ما يقوله سمعتا من حيث إن
стр. 2031
كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، ثم إن قلنا بالتَّساقط فكان لا بينة، وإلاَّ توفقنا إلى ظهور الحال، وإنْ لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان، لأن كل واحد منهما مدّع ومدعى عليه في تمليك السلعة فالبائع مدع زيادة الثمن، ومدعى عليه في تمليك السّلعة بالأقل، والمشتري بالعكس، فإذا لم يكن بَيّنة حلف كل واحد منهما، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن تكون السلعة قائمة، أو هالكة.
وقال أبو حنيفة: إنما يتحالفان عند قِيَام السّلْعَة، أما إذَا هَلَكَت، فالقول قول المُشْتَرِي مع يمينه. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وعن مالك مثل ذلك، ورواية ثالثة عن ابن المنذر هي أنه إن كان قبل القَبْض تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، لنا ما سبق من إطلاق الأخبار، وقياس حالة الهلاك على حالة البقاء، لا فرق أيضاً بين أنْ يقع الاخْتِلاَف بين المُتَبَايعين، أو ورثتهما بعدهما.
وقال أبو حنيفة: إنْ كان المَبِيع مَقْبُوض تحالفا، وإلاَّ فالقَوْل قول ورثة المبتاع.
ولو اختلفا في جنس الثمن، أو بعض صفاته، فهو كالخِلاَف في القدر، وكذا الاختلاف في قدر المَبيْع بأن يقول البائع: بعتك هذا العبد، ويقول المشتري: هذا العبد، وهذا الثوب والاَختلاف في قدر المبيع، والثمن بأن يقول البائع: بِعْتُك هذا العبد بألف، ويقول المشتري: بعتنيه وهذه الجارية بألفين، ولو قال البائع: بعتك هذا العبد، فقال المشتري: بِعْتني هذه الجارية ولم يختلفا في الثمن، نظر إنْ كان الثمن معيناً تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإنْ كان الثمن في الذمة، فوجهان:
أحدهما: أنهما يتحالفان أيضاً كما لو كان معيناً، وبهذا أجاب ابن الحَدَّاد، واختاره القاضي أبو الطَّيب، وابن الصباغ ﵏.
والثَّاني: أنه لا تحالف؛ لأن المبيع مختلف فيه، والثمن ليس بمعيّن حتى يربط به العقد، ويحكى هذا عن الشيخ أبي حامد، واختاره الإمام وصاحب "التتمة"، ونظير المسألة من الصَّدَاق أن يقول الزوج: أصْدَقتك أباك فقالت: بل أمي، وقد أوردها صاحب الكتاب في آخر "كتاب الصَّدَاق" ورأى الأصح التحالف، فإن قلنا: لا تَحَالُف حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ولم يجمع أحدهما في اليَمِين بين النفي والإثبات، ولا يتعلق بينهما فَسْخٌ ولا انفساخ، ولو كانت المَسْألة بحالها، وأقام كل واحد منهما بَيِّنة على ما ذكره سلمت الجارية للمشتري، وأما العبد فقد أقر البائع بيعه، وقامت البَيِّنة عليه، أو لم تقم فإن كان في يد المشتري أقر عنده، وإن كان في يد البائع، فوجهان:
أحدهما: أنه يسلم إلى المشتري ويجبر على قبوله.
стр. 2032
والثَّاني: لا يجبر لأنه ينكر ملكه فيه، فعلى هذا يقبضه الحاكم وينفق عليه من كَسْبه، فإنْ لم يَكُنْ له كسب، ورأْى الحَظَّ في بيعه وحفظ ثمنه فعل، ولو أنفقا على المبيع والثمن، واختلفا في شرط الخيار أو قدره أو شرط الرهن بالثمن أو الكفيل أو شرط الأجل أو قدره، جرى التحالف أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: الاختلاف في شروط العقد لا يقتضي التَّحَالف، ولكن القول قول من منعها (١).
لنا إطلاق الأخبار السَّابقة، والرِّوَاية المذكورة في الكتاب، ولا تخفى المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب.
قال الغزالي: وَيَجْرِي فِي كُلِّ مُعَاوَضَة، كَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ، وَالخُلْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالإِجَارَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالقِرَاضِ، وَالجَعَالَةِ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ فِي بَدَلِ الدَّمِ وَالبُضْعِ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِ المِثْلِ لاَ فَسْخُ الخُلْعِ وَالنِّكَاح، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُ هَذَا مِنِّي فَقَال: لاَ بَلْ بِعْتُهُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ مَا وَهَبَ، وَلَمْ يَتَحَالَفَاَ إِذْ لَمْ يتَّفِقَا عَلى عَقْدٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
إحداهما: أن التَّحَالف لا يختص بِالمُبَايعات، بل يجري في سائر عقود المُعَاوضات من السّلم والإِجَارة والمُسَاقَاة والقِرَاض والجَعَالَة والصلح عن الدم والخُلْع والصَّداق والكتابة طرداً للمعنى، ثم في البيع ونحوه يُفسخ العقد بعد التحالف، أو ينفسخ ويترادَّان كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفي الصُّلْح عن الدَّمِ لا يعود استحقاق، بل إنَّ التحالف في الرجوع إلى الدِّيَة، فكذلك لا يرتدّ البُضع، ولكن في النكاح ترجع المرأة إلى مهر المثل، وفي الخُلْع يرجع إليه الزوج، وسيعود ذكر هذا الكلام في كتابيهما، ثم ذكر الإمام -قدس الله روحه- في هذا الموضع إشكالاً. فقال: أي معنى للتحالف في القِرَاض مع أنه جائز، وكل واحد منهما بسَبِيْل من فسخه بكل حال، وأيد ذلك بأن القاضي الحسين منع من التحَالف في البَيعَ في زمان الخِيَار ومكانه لإمكان الفسخ بسبب الخيار، وأجاب بأن التَّحَالف ما وُضع للفسخ، ولكن عُرضت الأَيْمَان رجاء أن ينكل الكاذب، فيقرر العَقْد بيمين الصَّادق، فإذا لم يتفق ذلك وأصرَّا فُسخ العقد لِلضَّرورة، ونازع القاضي فيما ذكره لإِشْكَالاَت قررها، ثم مال بالآخرة إلى موافقته، ورأى في القِرَاض أن يفصَّل، فيقال: التحالف قبل الخوض في العمل لا معنى له، وأما بعده فالنزاع يؤول إلى مقصود لا خيرة فيه من ربح أو أجر مثل، فيتحالفان والجَعَالَةُ كالقِرَاضِ.
стр. 2033
الثانية: لو قال: بِعْتُك هذا بالألْف، فقال: بل وَهَبْتنيه، فلا تحالف إذ لم يتفقا على عقد، ولكن يحلف كل واحد منهما على نفي ما يَدَّعيه صاحبه، فإذا حلفا فعلى مدعي الهِبَة رده بزوائده، هذا هو المَشْهُور ووراءه شيئان.
أحدهما: عن صاحب "التقريب" رواية قول أن القول قول مدعي الهِبَة، لأنه مالك باتفاقهما وصاحبه يدعي عليه، والأصل براءة ذمته عنه.
والثَّانِي: أطلق في "التتمة" وَجْهًا أنهما يتحالفان، وادَّعى أنه الصحيح، ولو قال: بعتك هذا بِألْف فقال بل وَهَبْتنيه حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ورد الألف واسترد العَين، ولو قال: رهنتكه بألف استقرضته، فقال: بل بعتنيه بألف، فالقول قول المالك مع يمينه وترد الألف، ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهناً؛ لأنه لا يدعيه قاله في "التهذيب".
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَا في شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَكَذَلِكَ، وَالأَصَحُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الشَّرْطَ الفَاسِدَ، وَلَو رَدَّ المَبِيعَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ مَا قَبَضْتَهُ مِنِّي فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي المُسَلَّمِ فِيهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقَبْضٍ صحِيحٍ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَضِيَ بِهِ لَوَقَعَ عَنْ جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ لِرُجوعِ التَّفَاوُتِ إِلَى الصِّفَةِ فَهُوَ كالمَبِيعِ؛ لأَنَّ القَبْضَ صَحِيحٌ فِيهِ لَوْ رَضِيَ بِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثَّاني: أن يختلفا من غير الاتِّفَاق على عقد صحيح بأن يدّعي أحدهما صحة العَقْد، والآخر فساده كما إذا قال: بعتك بألف، فقال المشتري: بل بألف وزِقّ خمر أو قال أحدهما: شرطنا في العقد شرطاً مفسداً، وأنكر الآخر فلا تحالف، وفيمن القول قوله وجهان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب": أَن القول قول من يدعي الفساد مع يمينه" لأن الأصل عدم العقد الصَّحِيح، وبقاء الملك للمالك، وصار كما لو اختلفا في أصل البيع.
وأصحهما عند المصنف، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أن القول قول من يدعي الصِّحة؛ لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصِّحة، واحتج لهذا الوَجْه بنصه في البُويطيّ فيمن أسلم إلى رجل في طعام واختلفا فادعى المُسَلّم إليه أنه شرط فيه الخيار، وأنكره المسلم أن القول قول المسلم مع يمينه، وأيضاً فلو قال: هذا الذي يعتنيه حر الأصل، وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع وذكر الأئمة تخريج الوجهين على أصلين:
أحدهما عن القاضي أبي الطيب: أن أصل الوَجْهَين قولان للشَّافعي ﵁ فيمن تكفَّل برجل ثم اختلفا، فقال تَكَفَّلت على أن الخِيَار ثلاثاً، وأنكر المكفول
стр. 2034
له أن القول قول الكفيل أو المكفول له. والثَّاني عن القَفَّال أن أصلهما القولان فيمن قال لفلان: عليَّ ألف من ثمن الخمر، هل يوآخذ بأول كلامه أم يقبل قوله من ثمن الخمر؟
إن قلنا بالثاني، فالقول قول من يدّعي الفَسَاد.
وَإن قلنا بالأول، فالقول قول من يدعي الصِّحة، ولمخرج أن يخرج الوجهين على قولي تقابل الأصل والظاهر، ولو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمر أو بثمن مجهول. ففي "التهذيب" نقل طريقين.
أظهرهما: طَرْدُ الوَجْهَيْن.
والثاني: القطع بالفساد؛ لأنه لم يقر بشيء ملزم، وإذا فرعنا علي أن القول قول من يدّعي الصِّحة، فلو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمسمائة وزِقّ خمر، وحلف البائع على نفي سبب الفساد صدق فيه وبقي التنازع في قدر الثمن فيتحالفان.
ثم الفصل يشتمل على مسألة أخرى في اخْتلاف المُتَبَايعين من وجه آخر، وهي أن يشتري عبداَ مثلاً ثم يجيء بِعَبْد ويريد ردَّه بعيب فيه فيقول البائع: ليس هذا ما ابتعته وقبضته مِنِّي، فالقول قول البَائع لأن الرَّادَّ يريد الفسخ، والأصل مُضِيُّه على السَّلامة، ولو فرض ذلك في التسلم، أو قال: ليس هذا على الوصف الذي أسلمت إليك فيه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول المُسَلم إليه مع يمينه، كما أن القول قول البائع، وبهذا أجاب في "التتمة".
وأصحهما: أن القول قول المسلم، لأن اشتغال ذمّته بمال السلم معلوم، والبراءة غير مَعْلُومة، ويفارق صورة البيع؛ لأنهما اتفقا على قبض ما ورد عليه الشِّرَاء، وتنازعا في سَبَبِ الفسخ، والأصل استمرار العقد، والوجهان جاريان في الثمن في الذمة أن القول قول القابض أو الدافع، وعن ابن سُرَيْجٍ وجه ثالث: وهو أنه يفرق بين ما يمنع صحّة القبض وبين العيب الذي يمنعها، فإذا كان الثمن دراهم في الذمة وفرض هذا النزاع، وكان ما أراد البائع رده زُيوفاً ولم يكن وَرِقاً، فالقول قول البائع لإنكار أصل القبض الصحيح، وإن كانت وَرِقاً لكنها رَدِيئةٌ النوع لخشونة أو اضطراب سَكة، فالقول قول المشتري، لأن أصل القبض قد تحقق، ولو رضي به لوقع المقبوض عن الاستحقاق، ولا يخفى التفصيل في المُسَلّم فيه، ولك أنْ تقول: المعنى الفارق في المُسَلَّم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عنه غير جائز، ولكن في الثمن لو رضي بالمقبوض لوقع عَنِ الاسْتِحْقَاق، وإن لم يكن ورقاً متى كانت لو قيمة؛ لأن الاستبدال عن الثمن جائز على الصَّحيح.
стр. 2035
وقوله في الكتاب: "الرجوع التفاوت إلى الصفة"، أراد صفات الجَوْدَة والرَّدَاوَة، فإن أخذ الرَّدِيء عن الجَيِّدِ جائز، وإنَّما المانع من الأخذ تَغَايُر الجنس، ولو كان الثمن مَعِيباً فهو كالمبيع، فإذا وقع فيه هذا الاختلاف فالقول قول المُشْتري مع يمينه.
قال في "التهذيب": لو كان المعين نحاساً لا قيمة له فالقول قول الرَّاد، لأنه يدّعي بقاء مِلْكه وفساد العقد، ولك أنْ تقول ينبغي أن يكون هذا على الخلاف فيما إذا ادَّعى أحدهما صحة العقد والآخر فساده، ولو اشترى طعاماً كيلاً وقبضه بالكيل أو وزناً وقبضه بالوزن، أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعى نقصانًا فيه نظر إِنْ كان قدر ما يقع مثله في الكيل والوزن قُبِلَ، وإلاَّ فقولان عن رواية الربيع.
أحدهما: أن القول قول القَابِض مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء حقه، ويحكى هذا عن أبي حنيفة ورجحه صاحب "التهذيب".
والثَّاني ويحكى عن مالك: أن القول قول الدَّافع مع يمينه؛ لأنهما اتَّفَقا على القبض والقابض يدّعي الخطأ فيه، فيحتاج إلى البَيِّنَة كما لو اقتسما، ثم جاء أحدهما وادَّعى الخطأ فيه، يحتاج إلى البَيِّنة وهذا أصح عند القاضي أبي الطيب وغيره، ولو اختلف المتبايعان في القَبْض، فالقول قول المُشْتَري ولو باع عَصِيراً وحصل القَبْض فوجد خَمْراً. فقال البائع: تخمر في يدك، وقال المشتري: بل سلمته خمراً، والقبض فاسد وأمكن الأَمْران جميعاً، فقولان:
أحدهما: أن القول قول البائع لأن الأصل بقاء الحَلاَوة.
والثاني: أنَّ القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض الصحيح.
ولو قال أحدهما: أنه كان خمراً عند البيع، فهذا يدّعي فساد العقد والآخر يدعي صحته وقد سبق حكمه، وبهذا يقاس ما لو باعه لبناً فأخذه المُشْتري في ظرف ثم وجدت فيه فَأْرة، وتنازعا في نَجَاسته عند القبض وعند البيع.
ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكره البائع فوجهان:
أحدهما: أن القول قول البائع كما لو اختلفا في العيْب.
والثاني: أنهما يتخالفان كما لو اختلفا في الأجل أو الخيار.
قال في "التتمة": وهذا أصح، ولو كان الثمن مؤجلاً، واختلفا في انقضاء الأجل فالأصل بقاؤه.
قال الغزالي: أَمَّا كَيْفِيَّةُ اليَمِينِ فَالبَدَاءَةُ (ح) بِالبَائِعِ، وَفِي السَّلَمِ بِالمُسَلَّمِ إِلَيْهِ، وَفِي الكِتَابَةِ بِالسَّيِّدِ؛ لأَنَّهُمَا في رُتْبَةِ البَائِعِ، وَفِي الصَّدَاقِ بِالزَّوْجِ؛ لأَنَّهُ فِي رُتْبَةِ بِائِعِ الصَّدَاقِ،