قال الغزالي: وَأَمَّا ما يَقْبَلُ الوَصْفَ لَكِنْ يُفْضِي الإِطْنَابُ فِيهِ إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ كَالَّلآلئِ الكِبَارِ، وَاليَوَاقِيتِ، وَالجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ مَعَ وَلَدِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِب عُسْراً في التَّسْلِيمِ فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن السَّلم فيما يندر وجوده لا يجوز؛ لأنه عقد غرر فلا يحتمل إلاَّ فيما يوثق بتسليمه، ثم الشَّيء قد يكون نادر الوُجُود من حيث جنسه كلحم الصَّيْد في موضع العِزّة وقد لا يكون كذلك؛ إلاَّ أنه بحيث إذا ذكرت أوْصافه التي بيّنا أنه يجب التَّعرض لها عز وجوده لندرة اجْتماعها، وفي هذا القسم صورتان:
إحْدَاهما: لا يجوز السَّلَم في الَّلالِئ الكِبار واليَوَاقِيت والزَّبَرْجَد والمُرْجَان؛ لأنه لا بد فيها من التَّعرض لِلْحَجْم والشَّكْل والوَزْن والصّفَاء؛ لعظم تَفَاوت القيمة باخْتِلاَف هذه الأوصاف، واجتماع المَذْكُور فيها نادر، ويجوز في الَّلآلِئ الصّغَار إذا عم وجودها كَيْلاً ووزناً (١).
وبم يضبط النَّوعين قال قائلون: ما يطلب لِلتَّدَاوي فهو صغير، وما يطلب للتَّزَيُّن فهو كبير.
وعن الشَّيْخ أبي محمد أن ما وزنه سدس دينار يجوز السَّلم فيه، وإنْ كان يطلب منه التَّزين لعموم وجوده، والوجه أن يكون اعتبار السُّدس بالتقريب.
الثانية: لو أَسْلَم في جارية وولدها، أو جارية وأختها، أو عَمَّتها، أو شاة وسَخْلَتِها لم يَجُز؛ لأن اجتماع الجَارِيَة المَوْصُوفة بالصِّفَات المشروطة نادر، هكذا أطلقه الشافعي ﵁، وعامة الأصحاب ﵃ (٢).
وفصّل الإمام فقال: لا يمتنع ذلك في الزِّنْجيّة التي لا تكثر صفاتها، ويمتنع في السّرِيّة التي تكثر صفاتها، إلى هذا التَّفْصيل أشار في الكتاب بقوله: (والجَارِية الحسناء)، وهذا مفرع على أن الصفات التي يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجَواري، ولم تفصل الآية القول فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى لكن في موضع السَّلَم إشكال على الإطلاق؛ لأنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العَبْد كاتباً أَوْ
стр. 2067
الجَارِيةَ مَاشِطَة جاز، وَلمدعٍ أنْ يدّعي نُدْرة اجتماع صفة الكِتابة والمَشْط مع الصّفات التي يجب التَّعرض لها، بل قضية ما أَطْلَقُوه تَجْوِيز السَّلَم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتباً وتلك مَاشِطَة، وكما يندر كون أحد الرَّقِيقين ولدا للآخر مع اجتماع الصِّفَات المشروطة فيهما، فكذا يَنْدُرْ كَوْن أحدهما كاتباً والآخر ماشطاً مع اجتماع تلك الصفات، فَلْنُسَوِّي بين الصورتين في المنع والتَّجويز.
ولو أسلم في جارية وشرط كونها حاملاً فطريقان:
أظهرهما: المنع؛ وعللوه بأن اجتماع الحَمْل مع الصفات المشروطة نادر، وهذا يؤيد الإِشْكَال الذي أوردناه.
والثاني وبه قال أبو إسحاق وأبو علي الطَّبَرِي وابن القَطَّان: أنه على قولين بناء على أن الحمل هل له حكم أم لا؟
إن قلنا: نعم، جاز، وإلاَّ فلا، لأنه لا يعرف حصوله، وهما كالقولين في الشِّرَاء بهذا الشرط، ولو شرط كون الشَّاة المُسَلّم فيها لَبُوناً فقولان مَنْصُوصَان، وقد ذهب الشَّيْخ أَبُو حَامِدٍ إلى تَرْجيح قول الجَوَاز كما مر في شراء الجارية بشرط أنها لَبُون، لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحَمْل تقتضي ترجيح المنع هاهنا أيضاً، وبه أجاب صاحب "التهذيب".
قال الغزالي: وَيجُوز السَّلَمُ فِي الحَيَوَان (ح) لِلأَخْبَارِ وَالآثَارِ فِيهِ فَيُتَعَرَّض لِلنَّوْعِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَة، وَالأُنُوثَةِ وَالسِّنِّ فَيَقُولُ عَبْدٌ تُرْكِيٌّ أَسْمَرُ ابنُ سَبْعٍ طَوِيلْ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعٌ، ثُمَّ يَنْزِلُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى أَقَلِّ الدَّرجَاتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ وَصْفُ آحَادِ الأَعْضَاءِ إِذْ يُفْضِي اجْتِمَاعُهَا إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ، وَفي الكُحْلِ وَالدَّعَجِ وَتكَلْثُمِ الوَجْهِ وَالسِّمَنِ فِي الجَارَيةِ، وَمَا لاَ يَعِزُّ وُجودُهُ وَلَكِنْ قَد يُعَدُّ اسْتِقْصَاءً فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَكَذا في ذِكْرِ المَلاَحَةِ وَيقُولُ في البَعِيرِ: ثَنِيٌّ أَحْمَرُ مِنْ نَعَمِ بَنِي فُلاَنٍ غَيْرُ مَوْدُونٍ أَيْ غَيْرُ نَاقِصِ الخِلْقَةِ، وَيتَعَرَّضُ فِي الخَيْلِ لِلَّوْنِ، وَالسِّنِّ، وَالنَّوْعِ، وَلاَ يَجِبُ التَّعَرّضُ لِلشِّيَاتِ كَالأَغَرِّ وَاللَّطِيمِ، وُيتَعَرَّضُ فِي الطُّيُورِ لِلنَّوْعِ، وَالكبَرِ، وَالصِّغَرِ مِنْ حَيْثُ الجُثَّةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: يجوز السَّلَم في الحيوان، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَينِ إِلَى أَجَلٍ" (١).
стр. 2068
وعن علي ﵁: "أَنَّهُ بَاعَ بَعِيراً لَهُ بِعِشْرِينَ بَعِيراً إِلَى أَجَلٍ" (١).
وعن ابن عمر ﵄: "أَنَّهُ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ يُوَفِّيهَا صَاحِبُها بِالرَّبَذَةِ" (٢). وهذه ونحوها هي الأخبار والآثار التي أجمل ذكرها في الكتاب.
ثم الحيوان أنواع: فمنها الرَّقِيق فإذا أسلم فيه وجب التَّعَرض لأمور:
أحدها: النوع، فيبين أنه تُرْكيّ أو رُومِي أو هِنْدِي، وهل يجب التعرض لصنف النوع إنْ كان فيه اختلاف؟ فيه قولان:
أظهرهما: الوجوب.
والثاني: اللَّون. فيبين أنه أبيض أو أسود، ويصف البَيَاض بالسُّمْرة أو الصُّفْرة، والسَّواد بالصَّفاء أو الكُدُورة، وهذا إذا اختلف لون الصنف المذكور، فإنْ لم يقع فيه اختلاف أغنى ذكره عن اللون.
والثالث: الذُّكُورة والأُنُوثة.
والرابع: السِّن فيقول: محتلم أو ابن ست أو سبع، ثم الأمر في السِّن على التقريب، حتى لو شرط كونه ابن سبع مثلاً بلا زيادة ولا نُقْصان، لم يجز لِنُدْرة الظّفر به، والرجوع في الاحتلام إلى قول العبد، وفي السِّن يُعْتَمد قوله إن كان بالغاً، وقول السيد: إن ولد في الإسلام وإلاَّ فالرجوع إلى النَّخَّاسين (٣) فتعتبر طنونهم.
والخامس: القَدُّ (٤)، فبين أنه طويل أو قصير أو رَبْع (٥)؛ لأن القيمة تتفاوت بها تفاوتاً ظاهراً.
وأعلم قوله في الكتاب: (طويل أو قصير) بالواو؛ لأن الإمام نقل عن العِرَاقيين أنه لا يعتبر ذكر القَدّ، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط".
لكن كتب العراقيين مَشْحُونة بأنه يجب ذكره، ولم يتعرّضوا لخلاف فيه، والله أعلم.
стр. 2069
واعتبروا التعرض لأمرٍ سَادِسٍ، وهو الجَوْدَة، وهذا لا يختص بالرقيق ولا بالحيوان، وستعرف حكمه من بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ثم ينزل كل شيء على أقل الدرجات) معناه: أنه إذا أتى بما يقع عليه اسم الوصف المشروط كفى ووجب القبول؛ لأن الرتب لا نهاية لها، وهذا كما ذكرنا فيما إذا باع العبد بشرط أنه كاتب أو خبَّاز، والمسألة لا اختصاص لها بهذا الموضع، بل تعمّ كل مسلم فيه، ولا يشترط وصف كل عضو على حِيَاله بأوصافه المقصودة، وإن تفاوت بها الغرض والقيمة؟ لأن ذلك يورث عزة المَوْصُوف، لكن في التعرّض للأوصاف الَّتي يعتني بها أهل البصر وترغب بها في الأَرقّاء كالكُحْل والدَّعَج (١) وتَكَلْثُم الوجه وسمن الجارية وما أشبهها وجهان: أحدهما وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه يجب؛ لأنها مقصودة ولا يورث ذكرها العزة.
وأظهرهما؟ أنه لا يجب؛ لأن الناس يتسامحون بإهمالها، ويعدون ذكرها استقصاء. وعن القَفَّال: تردد رأي في المَلاَحَة بناء على أنها من جملة المعاني، أو المرجع بها إلى ما يميل إليه طبع كل أحد.
والأظهر: أنه لا يعتبر.
واعلم أن الشافعي ﵁ ذكر في السَّلَم في العبد أنه يقول: خماسي أو سداسي وأنه بيصف سنه، واختلفوا في التفسير فمنهم من قال: أراد بالخماسي والسداسي التعرض للقَدّ يعني خمسة أَشْبَار أو ستة أشبار.
ومنهم من قال: أراد به السن، يعني ابن خمس أو ست فمن قال بالأول حمل قوله: "يصف سنه" على المعنى الثاني، ومن قال بالثاني حمل قوله: "يصف سنه" على الأسنان المعروفة، وأنه يذكر أنه مُفَلّج الأسنان أو غيره، وذلك من طريق الأولى دون الاشتراط، كالتّعرض لجُعُودَةِ الشَّعر أو سُبُوطَتِهِ. وحكى المسعودي أي الخُمَاسي والسُّدَاسي صنفان من عبيد النوبة معروفان عندهم. فرع: ذكر الشيخ أبو حامد في آخرين: أنه لا يجب ذكر الثّيَابة والبَكَارة في الجارية. وعن الصَّيْمَرِيّ: أنه يجب، وبه أجاب صاحب "المهذب" وهو الأولى. آخر: لو شرط كون العبد يهودياً أو نصرانياً جاز كشرط كونه خبازاً، ولو شرط كونه ذا زوجة، وكون الجارية ذات زوج، فعن الصَّيْمَرِي: أنه جائز (٢)، وزعم أن ذلك مما لا يندر، وعنه أنه لو شرط كونه سارقاً أو
стр. 2070
زانياً أو قاذفاً جاز أيضاً، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو قوادة، وفرق بأنها صناعة محظورة، وتلك أمور تحدث كالعَمَى والعَوَر وقطع اليد، وهذا فرق لا يقبله ذهنك (١).
ثالث: لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة فعن أبي إِسْحَاقَ: أنه لا يجوز؛ لأنها قد تكبر وهي بالصِّفَة المَشْرُوطة فيسلمها بعد أن يَطَأها، فتكون في معنى اسْتِقْرَاض الجَواري.
والصحيح: الجواز، كإسلام صِغَار الإبل في كبارها، وهل يتمكن من تسلمها عما عليه؟ فيه وجهان لاتحاد الثمن والمثمن (٢):
إن قلنا: يتمكّن، فلا مبالاة بالوَطْء كوطء الشيب وردها بالعيب.
ومن أنواع الحيوان الإبل، ولا بد من التعرض فيها لأمور:
أحدها: الذكورة والأنوثة.
وثانيها: السِّن، فيقول ابن مَخَاص أو ابن لَبُون أو ثَنِي.
وثالثها: اللّون، فيقول أحمر أو أسود أو أزرق.
ورابعها: النوع، مثل أن يقول: من نَعَم بني فلان ونتَاجهم، وهذا فيما إذا كثر عددهم وعرف بهم نِتَاج كَطَيْئ وبني قَيْس، فأما النسبة إلى الطائفة القليلة فهو كتعيين البُسْتَان في الثمار. ولو اختلف نتاج بني فلان، وكان فيها أَرْحَبِيَّة ومُهَرِيّة ومَجِيْدِيّة فأظهر القولين: أنه لا بد من التَّعيين. وأما قوله: غير (مودون) فإن الشافعي ﵁ ذكر في "المختصر" أنه يقول في السلم في البعير غير مودون نفي من العيوب سِبْط الخلق، مُحَفّر الجَنْبَيْن، والمودون: غير ناقص الخِلقة، والسّبْطُ: المَدِيدُ القامة، الوافر الأعضاء، ومحفر الجنبين عظيمها وواسعها، واتفق الأصحاب على أن ذكر هذه الأمور ليست بشرط، وإنما هو ضرب من التأكيد.
стр. 2071
ومنها: الخَيْل، فيجب التعرض فيها لما يجب التعرض له في الإِبل، ولو ذكر معه الشِيات (١) كالأغرّ والمُحَجَّل واللَّطِيم (٢) كان أولى، ولو أهملهما جاز، وحمل قوله: "أَشْقَر أو أَدْهَم" على البهيم، وكذا القول في البِغَال والحَمِير والبقر والغنم، وما لا يتبيّن نوعه بالإضافة إلى قوم يتبيّن بالإضافة إلى بلد وغيره.
ومنها: الطيور، ويجوز السَّلَم فيها كالنَّعَم وغيرها.
وقال في "المهذب": لا يجوز؛ لأنه لا يضبط سنها ولا يعرف قدرها بالذراع، فعلى المشهور يوصف منها النَّوع والصِّغَر والكِبَر من حيث الجُثّة، ولا يكاد يعرف سنها، فإن عرف وصف به، ويجوز السَّلَم في السَّمك والجَرَاد حيّاً وميتاً عند عموم الوُجود، ويوصف كل جنس من الحيوان بما يَلِيق به.
قال الغزالي: وَيَقُولُ فِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ أَوْ غَنَمِ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى خَصِيِّ أَوْ غَيْرِ خَصِيِّ رَضِيعٍ أَوْ فَطِيمٍ مَعْلُوفَةٍ أَوْ رَاعِيَةٍ مِنَ الفَخَذِ أَوْ مِنَ الجَنْبِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ نَزْعُ العَظْمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السّلمُ في اللحم جائز خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنه يمكن ضبط صفاته فأشبه الثِّمَار، ويجب فيه بيان أمور:
أحدها: الجنس، فيقول: لحم إبل أو بقر أو غنم.
والثاني: النوع، فيقول: لحم بقر أهْلِيّ أو جَوَامِيْس، ولحم ضَأْن أو مَعِز.
الثالث: الذُّكورة والأُنُوثة، وإذا بيّن الذكورة فليبيّن أنه خَصِيٌّ أو غير خَصِيّ.
والرابع: السن، فيقول: صَغِير أو كبير، ومن الصغير رَضيع أو فَطِيم، ومن الكَبير جَذَعٌ أو ثَنِيّ.
والخامس: يبين أنه من رَاعِيَة أو مَعْلُوفة؛ لأن كل واحد من النوعين مطلوب من وجه. قال الإمام: ولا اكتفاء بالعَلَف بالمخرَّة والمَرَّات حتى ينتهي إلى مبلغ مؤثر في اللحم. فإن قلت: أطلق الأصحاب قولهم باعتبار هذا الأمر ولفظ الشافعي ﵁ في "المختصر"، ويقول في لحم البعير خاصة بغير رَاعٍ فكيف الجمع؟
فالجواب: أن النَّص محمول على عادتهم، فإنهم كانوا لا يَعْلفون إلاَّ الإبل، فلم
стр. 2072
يفتقروا إلى التَّقييد في غير الإبل، فأما حيث جرت العادة بِعَلَف غيره فَلاَ بُدَّ من بيانه.
والسادس: يبين موضعه أَهُوَ من الفَخِذ أو الجَنْب أو الكَتِف لاختلاف الأغراض؟
وفي كتب العراقيين اعتبار أمر شائع، وهو بيان السّمن والهُزَال، ولا يجوز شرط الأَعْجَف؛ لأن العَجَف هُزَالٌ عن علة، وشرط العَيْب مفسد على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ويجوز في اللحم المُمَلَّح والقُدِيد إذا لم يكن عليه عين الملح، فإن كان فقد مر الخلاف في نظيره، ثم إذا أطلق السَّلَم في اللحم وجب قبول ما فيه من العَظْم على العادة، وإن شرط نزع العَظْم جاز ولم يجب قبوله، ويجوز السَّلَم في الشَّحْم والأَلْبَة والكَبِد والطّحال والكُلْية والرِّئَة.
وإذا أسلم في لَحْم الصَّيد ذكر ما يجب ذكره في سائر اللحوم، لكن الصيد الذكر لا يكون إلاَّ فَحْلاً وراعياً، فلا حاجة إلى التَّعرض للأمرين.
قال الشيخ أبو محمد والمقتدون به: ويبين أنه صيد بأُحْبُولة أو بسَهْم أو بجَارحة، ويبين أنها كلب أو فخذ؛ لأن صيد الكلب أطيب لطيب نَكْهَته، وفي لحم الطير والسَّمك يبين الجنس والنوع والصغر والكبر من حيث الجُثَّة، ولا حاجة إلى ذكر الذُّكُورة والأُنُوثة إلاَّ إذا أمكن التَّمييز وتعلّق به الغرض، ويبين موضع اللّحم إذا كان الطَّير والسَّمك كثيرين، ولا يلزم قبول الرَّأس والرجل من الطير، والذَّنَب من السمك.
قال الغزالي: وَلاَ يُسْلَمُ في المَطْبُوخِ وَالمَشْوِيِّ إذَا كَانَ لاَ يُعرَفُ قَدْرُ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ بِالعَادَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا يجوز السَّلَم في اللَّحم المَطْبوخ والمَشْوي لاختلاف الغرض باختلاف تأثير النَّار فيه وتعذر الضّبط، وفي السَّلَم في الخبز وجهان ذكرناهما في فصل المختلطات.
وجه الجواز: أن لتأثير النار فيه نهاية مضبوطة كالسَّمن والدّبْس والسُّكَّر والفَانِيْذ كالخبز (١) فيجري في مثلها الوجهان، وأشار الإمام إلى طريقة قاطعة بجواز السَّلم في السُّكَّر والفَانِيذ وفي اللّباء الوجهان:
стр. 2073
اختيار الشيخ أبي حامد: المنع. واختيار القاضي أبي الطَّيب: الجواز.
فأما ما جفف ولم يطبخ فيجوز السَّلَم فيه بلا خلاف، ويقرب من صور الخلاف تردد صاحب "التقريب" في السَّلَم في الماء، ورُدَّ لاختلاف تأثير النار فيما يتصعّد ويُقَطر، واستبعد إمام الحرمين وجه المنع فيها جميعاً، ولا عبرة بتأثير الشمس بل يجوز السَّلَم في العَسَل المُصَفّى بالشمس، وفي العسل المُصَفَّى بالنار والوجهان في الدَّبْسِ ونحوه، ومما يوجه به المنع أن النار تعيبه وتسرع الفساد إليه.
قال الغزالي: وَفي السَّلَمِ في الحَيَوَانَاتِ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ مِنَ الشُّعُورِ قَوْلاَنِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الحَيَوَانَاتِ وَالمَعْدُودَاتِ، وَالأَصَحُّ في الأَكَارعِ الجَوَازُ لِقِلَّةِ الاخْتِلاَفِ في أَجْزَائِهِا.
قال الرَّافِعِيُّ: في السَّلم في رُؤوس الحيوانات المأكولة قولان:
أحدهما: الجواز، وبه قال مالك وأحمد، كالسَّلم في جملة الحيوان، وكالسَّلَم في لحم الفَخِذ وسائر الأعضاء.
وأظهرهما: المنع.
وبه قال أبو حنيفة؛ لاشتمالها على أَبْعَاض مختلفة كالمَنَاخِرِ والمَشَافِرِ وغيرها، وتعذّر ضبطها، ويخالف السَّلَم في الحيوان، فإن المقصود جملة الحيوان من غير تَجْرِيد النظر إلى آحَادِ الأعضاء، ويخالف السَّلَم في لحوم سائر الأعضاء، فإنَّ لحم سائر الأعضاء أكثر من عظمها والرَّأس على العكس، والأَكارع كالرؤوس (١).
ورأى صاحب الكتاب، الجواز فيها أصح لأنها أقرب إلى الضَّبط، لكن الجمهور على الأول بل عن القاضي أبي الطَّيب الرمز إلى القطع بالمنع فيها.
فإن قلنا: بالجواز فيهما فذلك بشروط:
أحدها: أن تكون مُنَقَّاة من الصوف والشَّعر، فأما السَّلَم فيها من غير تنقية فلا يجوز لتستر المقصود بما ليس بمقصود.
والثاني: أن توزن، فأما بالعدد فلا لاختلافها في الصغر والكبر.
والثالث: أن تكون نَيَّة، فأما المَطْبُوخة والمَشْوِية فلا سَلَم فيها بحال، وفي كتاب القاضي ابن كج اعتبار شرط آخر: وهو أن تكون المَشَافِر والمَنَاخِر مُنَحَّاة عنها، وهذا لا اعتماد عليه.
وقوله في الكتاب: (لترددها بين الحيوانات والمعدودات) إشارة إلى توجيه
стр. 2074
القولين، فوجه الجواز الشبه بالحيوانات، ووجه المنع أن الوَزْن لا يكفي فيها لكون الكبر مقصوداً منها، فتلحق بالمعدودات، ولا يجوز السَّلَم فيها بالعَدِّ كما سبق، وفي لفظ "المختصر" إِيْمَاء إلى هذا الكلام، فإنه قال: وأرى الناس تركوا وزن الرُّؤوس؛ لما فيها من الصُّوف وأطراف المَشَافِر والمَنَاخِر وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يؤكل.
قال الغزالي: وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ، والَسَّمْنِ، وَالزُّبْدِ، وَالمَخِيضِ وَالوَبَرِ، وَالصُّوفِ، وَالقُطْنِ، والإِبْرَيْسَم، وَالغَزْلِ المَصْبُوغِ وَغَيْرِ المَصْبُوغِ، وَكَذا فِي الثِّيَابِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّوْعِ وَالدِّقَّةِ وَالغِلَظِ وَالطُّولِ وَالعَرْضِ، وَكَذا في الحَطَبِ والخَشَبِ، وَالحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَسَائِرِ أَصْنَافِ الأَمْوَالِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذَكْرَنَاهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور:
إحداها: يجوز السلم في اللَّبن، ويبين فيه ما يبين في اللحم، سوى الأمر الثَّالث والسَّادس، ويبين نوع العلف لاختلاف الغَرض بذلك، ولا حاجة إلى ذكر اللون ولا إلى ذكر الحلاوة، فإن أطلق ينصرف إلى الحُلو، بل لو أْسلم في اللَّبن والحامض لم يجز؛ لأن الحموضة عيب فيه، ولو أسلم في لبن يومين أو ثلاثة فإنما يجوز ذلك إذا بقي حُلواً في تلك المدة، وفي السَّلَم في السمن ما يبين في اللبن، ويذكر أنه أبيض أو أصفر.
وهل يحتاج إلى التعرض للحديث والعتيق؟
قال الشيخ أبو حامد: لا، بل العَتيْق معيب لا يصح السَّلم فيه.
وقال القاضي أبو الطيب: العَتِيق المتغير هو المعيب لا كل عتيق فيجب البيان، وفي الزُّبْد يذكر مثل ما في السَّمن، ويذكر أنه زبد يومه أو أمسه، ويجوز السلم في اللبن كيلاً ووزناً، لكن لا يكال حتى تسكن الرَّغْوة، ويوزن قبل سكونها، وكذا السَّمْن يكال ويوزن، إلاَّ إذا كان جامداً يتجافى في المكيال فيتعين الوزن، وليس في الزُّبْد إلاَّ الوزن، وكذا في اللّباء المجفف، وقبل الجفاف هو كاللبن، وإذا جوزنا السَّلَم في الجبن وجب بيان نوعه وبلده وأنه رطب أو يابس.
وأما قوله: (والمَخِيض) فاعلم أن المَخِيض الذي فيه ماء لا يجوز السلم فيه، نص عليه الشافعي -رضي الله- عنه- وقد أدرجناه في أثناء المُخْتَلطات، فالذي ذكره محمول على ما إذا مخض اللبن من غير ماء وحينئذٍ فوصفه بالحُمُوضة لا يضر؛ لأن الحموضة مقصودة فيه.
الثانية: إذا أسلم في الصوف قال: صومه بلد كذا لاختلاف الغَرَض به ويبين لونه وطوله وقصره، وأنه خَرِيفي أو ربيعي، فالخريفي أنظف، وأنه من ذكور أو إناث فصوف الإناث أشد نُعُومة واستغنوا بذلك عن ذكر اللين والخشونة، ولا يقبل إلا نَقِيّاً من الشوك
стр. 2075
والبعر، وإن شرط كونه مغسولاً جاز إلاَّ أن يعيبه الغسل والوَبَر والشعر كالصوف والطريق فيهما الوزن.
الثَّالثة: يبين في القُطْن بلده ولونه (١)، وكثرة لحمه وقلّته، والخُشُونة والنُّعُومة، وكونه عتيقاً أو حديثاً إن اختلف الغرض به، والمطلق يحمل على الجَاف وعلى ما فيه الحب، ويجوز في الحَلِيْج وفي حبّ القُطْن، ولا يجوز في القطن في الجوزق قبل التشقق، وأما بعده ففي "التهذيب": أنه يجوز.
وقال في "التَّتمة": ظاهر المذهب أنه لا يجوز لاستتار المقصود بما لا مصلحة فيه، وهذا ما أطلق العراقيون حكاية عن النص.
الرابعة: يبين في الاِبْرَ سيم بلده ولونه ودقّته وغلظه، ولا حاجة إلى ذكر الخُشُونة والنعومة، ولا يجوز السلم في القَزّ وفيه الدُّود حية كانت أو ميتة؛ لأنها تمنع معرفة وزن القَزّ بعد خروج الدُّود.
وإذا أسلم في الغَزْل ذكر ما ذكر في القُطْن، ويذكر الدّقة والغلظ أيضاً، ويجوز السَّلَم في غزل الكِتَّان أيضاً، ويجوز شرط كونه مَصْبُوغاً، ولا بد من بيان الصَّبْغ.
الخامسة: إذا أسلم في الثِّيَاب بين الجنس أنه من إِبْرَيْسم أو كِتّان أو قطن، والنوع والبلد الذي ينسج فيه إن اختلف به الغرض، وقد يغني ذكر النوع عنه، وعن الجنس أيضاً ويبين الطول والعرض والغلظ والدقة والصفاء فيه والرقة والنعومة والخشونة، ويجوز في المقصور والمطلق محمول على الخام، ولا يجوز في اللبيس لأنه لا ينضبط، ويجوز فيما صبغ غزله قبل النّسج، كالبُرُود، والمشهور في كتب الأصحاب أنه لا يجوز في المَصْبُوغ بعد النَّسْج، ووجهوه بشيئين:
أحدهما: أن الصّبغ عين مرئية وهو مجهول المقدار، والغرض يختلف باختلاف أَقْدَاره.
والثَّاني: أنه يمنع معرفة النُّعُومة والخشونة وسائر صفات الثوب.
وحكى الإمام عن طائفة منهم شيخه أنه يجوز، وبه قال صاحب "الحاوي" وهو
стр. 2076
القياس، ولو صحِ التوجيهان لما جاز السَّلَم في المنسوج بعد الصبغ أيضاً، وفي الغزل المصبوغ (١) أيضاً.
وعن الصيمري تجويز السَّلم في القميص والسَّرَاويلات، إذا ضبطت طولاً وعرضاً وضِيْقاً وسِعَة (٢).
السادس: الخشب أنواع منها: الحَطَب، فإذا أسلم فيه ذكر نوعه وغلظه ودقته وأنه من نفس الشجر أو أغصانه ووزنه، ولا يجب التَّعرض للرطوبة والجَفَاف، والمطلق محمول على الجاف، ويجب قبول المُعْوَج والمستقيم.
ومنها: ما يطلب للبناء، كالجُذُوع فيبين فيها النوع والطول والغلظ والدقة، ولا حاجة إلى ذكر الوزن خلافاً للشيخ أبي محمد، ولو ذكر جاز بخلاف الثياب.
قال الشيخ أبو حامد: لأنه يمكن أن ينحت منها عنه ما يزيد على القدر المشروط، ولا يجوز السَّلَم في المَخْرُوط لاختلاف أعلاه وأسفله (٣).
ومنها: ما يطلب ليغرس فيسلم فيه بالعدد، ويذكر النوع والطول والغلظ.
ومنها ما يطلب ليتخذ منه القِسِيّ والسِّهَام، فيذكر فيها النَّوْع والدِّقة والغلظ، وزاد بعضهم التَّعرض لكونه سَهْلِيّاً أو جَبَليّاً؛ لأن الجبلي أصلح لها، ومنهم من اعتبر التَّعرض للوزن أيضاً فيه وفي خشب البناء.
السابعة: إذا أسلم في الحديد ذكر نوعه، وأنه ذكر أو أنثى ولونه وخشونته ولينه وفي الرّصَاص يذكر نوعه من قلعي وغيره، وفي الصغر من شبه وغيره ولونهما وخشونتهما ولينهما، ولا بد من الوزن في جميع ذلك، وكل شيء لا يتأتى وزنه بالقَبَّان لكبره يوزن بالعرض على الماء، هذا شرح الصور التي نص عليها صاحب الكتاب، وترد فيها بصور على الاخْتصار، فنقول:
العلم في المنافع كتعليم القرآن وغيره جائز، ذكره الروياني، ويجوز السلم في الدراهم والدنانير، على أصح الوجهين؛ لأنه مال يسهل ضبطه.
стр. 2077
والثَّاني وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز، وعلى الأول يشترط أن يكون رأس المال غير الدَّرَاهم والدنانير (١).
ويجوز السَّلَم في أنواع العطر العامة الوجود والكافُور ويذكر وزنها ونوعها، فيقول: عَنْبَر أَشْهَب أو غيره، قطاع أو فتات.
ويجوز السَّلَم في الزجاج والطين والجِصّ والنُّورة، وحجارة الأرحية والأَبْنية والأواني، ويذكر نوعها وطولها وعرضها وغلظها، ولا حاجة إلى ذكر الوزن (٢).
ولا يجوز في البِرَام (٣) المعمولة، ولا في الكِيْزَان الحِباب والطوتِ والمَنَائر والقَمَاقِم والطَّنَاجر (٤) لندرة اجتماع الوزن مع الصِّفات المشروطة، ولتعذّر ضبطها، نعم ما يصب منها في القَالب يجوز السَّلَم فيه؛ لأنه لا يختلف، وكذا في الأَسْطَال المربعة، كما يجوز في مربعات الصّرم وقطع الجلُود وزناً، ولا يجوز في الجلود على هيئتها لتفاوتها دقَّة وغلظا وتعذر ضَبْطَها.
ويجوز السَّلَم في الكَاغدِ عدداً ويبين فيه النوع والطول والعرض.
وفي اللبن والآجُرّ، وفي الآجُرّ، وجه لتأثير النار فيه، ولا يجوز السَّلَم في العَقَار؛ لأنه يحتاج فيه إلى بيان المَكَان، وإذا بين تعين. ولا يجوز في العَلَس والأرز لاستتارهما بالكِمَام، ويجوز في الدقيق.
وعن الدَّارِكِي: أنه لا يجوز، وإذا أسلم في التَّمر بين النوع، فيقول مَعْقليّ أو بَرْنِيّ، والبلد، فيقول: بَغْدَادي أو بَصْرِي، واللون، وصغر الحَبّات وكبرها، وكونه حديثاً أو عتيقاً، ولا يجب تقدير المدة التي مضت عليه، والحِنْطَة وسائر الحبوب كالتمر، وفي الرطب يبين جميع ذلك سوى الحديث والعَتِيق.
وفي "الوسيط": أنه يجب التعرض لذلك في الرطب، ولا حاجة إليه في البُرّ والحبوب، وهو خلاف النَّصِّ وما عليه عامة الأصحاب، وفي العَسَل يبين أنه جَبَلِي أو
стр. 2078
بَلَدِي، صيفي أو خريفي، أبيض أو أصفر، ولا حاجة إلى ذكر الحديث والعتيق؛ لأنه لا يختلف الغرض به، ويقبل مَا رَقَّ بسبب الجَزّ ولا يقبل مَا رَقّ رقة عيب، والله أعلم.
وهذا باب لا ينحصر فاغتن بالمذكور عن المتروك.
قال الغزالي: فإن شَرَطَ الجَوْدَة جَازَ، وَنَزَلَ عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ، وَإِنْ شَرَطَ الأَجْوَدَ لَمْ يَجُزْ إِذْ لاَ يُعْرَفُ أَقْصَاهُ، وَإِنْ شَرَطَ الرَّدَاءَةَ فَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فَإِنْ شَرَطَ الأرْدَأَ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّ طَلَبَ الأَرْدَإِ عِنَادٌ مَحْضٌ فَلا يَثُورُ بِهِ نِزَاعٌ، وَالوَصْفُ الَّذِي بِهِ التَّعْرِيفُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلْغَة يَعْرُفِهَا غَيْرُ المُتَعَاقِدَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مضمون الفصل مسألتان:
إحداهما: ذهب العراقيون من مشايخنا إلى اشتراط التَّعرض للجودة أو لِلرَّداءة، في كل ما يسلم فيه، وعللوه بأن القيمة، والأغراض تختلف بهما وظاهر النص يوافق ما ذكروه، وقال غيرهم: لا حاجة إلى غيره، ويحمل المُطْلق على الجَيْد، وهو الأظهر (١)، وإيراد الكتاب يوافقه.
وسواء قلنا بالاشتراط أو لم نقل، فإذا شرط الجَوْدة نزل على أقل الدرجات، كما إذا شرط صِفَة أخرى، ولو شرط الأَجْود لم يَجُز؛ لأن أقصاه غير معلوم، فكأنه شرط شيئاً مجهولاً، وأيضاً فإنه ما مِنْ جيد (٢) يأتي به إلاَّ والمُسَلم يطالبه بما هو أجود منه تمسُّكاً باللفظ فيدوم النِّزَاع بينهما، وإنْ شرط الرَّدَاءة فقد أطلق في الكتاب أنه لا يجوز، وفصّل كثيرون فقالوا: شرط رداءة النوع يجوز لانضباطه، وشرط رداءة العَيْب والصفة لا يجوز؛ لأنها لا تَنْضَبط، وَمَا مِنْ رديء إلاَّ وهناك خير منه، وإنْ كان رديئاً فيفضي إلى النزاع (٣). واعلم أن المُسَلم فيه لا بُدَّ من التعرض له على ما سبق، وإن لم ينص على النوع، وتعرض للرديء تعريفاً للنوع فذلك محتمل لا محالة، وإن نص على النوع فذكر الرداءة حشو. وأما رداءة الصِّفَة فَالَّذي حكيناه عن العِرَاقيين يقتضي تَجْويز اشتراطه؛ لأنهم ذكروها في مُقَابلة الجودة، ولا شك أنهم لم يريدوا بها جَوْدَة النَّوع، ولهم أن يعترضوا فيقولوا: هب أن رداءة الصفة لا تنضبط، لكن الجودة أيضاً كذلك، وقد نزلناها على أقل الدَّرجات، فلم لا تفعل في الرداءة مثله، وإن شرط الأردأ ففيه قولان، ويقال
стр. 2079
وجهان: أحدهما، وهو المنصوص في "المختصر": أنه لا يجوز؛ لأنه لا يوقف على أقصاه كما في الأَجْوَد.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه إذا أتى برديء لم يطالبه المسلم بما هو أردأ منه، وإنْ طالبه به فكان معانداً فيمنع منه، ويجبر على قبوله.
ولك أن تُعَلّم قوله في الكتاب: (وإن شرط الجودة لم يجز) بالواو؛ لأن في تعليق الشيخ أبي حامد أن من أصحابنا من خرج قولاً أنه جائز، وكذلك قوله: (فكذلك لا يجوز) لما قدمناه والله أعلم.
الثانية: صفات المسلم فيه المذكورة في العقد تنقسم إلى مشهورة عِنْدَ النَّاس وإلى غير مشهورة، وذلك قد يكون لدقة معرفتها كما في الأدوية والعقاقير، وقد يكون لغرابة الألفاظ المستعملة فيها، فلا بد من معرفة المتعاقدين بها، فلو جهلاها أو أحدهما لم يصح العقد، وهل يكفي معرفتها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، وهو المنصوص، بل لا بد من أن يعرفها غيرهما ليرجع إليه عند تنازعهما.
والثاني: أنه يكفي معرفتهما، والنَّص محمول على الاحتياط، فإن قلنا بالأول فهذا شرط آخر للسَّلَم، وهل تعتبر فيها الاستفاضة أم يكفي معرفة عَدْلين سواهما؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الثَّاني.
ويجري الوجهان فيما إذا لم يعرف المِكْيال إلاَّ عدلان.
واعلم أن جميع ما ذكرناه الآن من معرفة المتعاقدين وغيرهما يخالف ما قدمنا في مسألة فُصْح النَّصَارى من بعض الوجوه، ولعل الفرق أن الجهالة هناك راجعة إلى الأجل، وهاهنا راجعة إلى المعقود عليه فجاز أن يحتمل من نيل الجهالة ما لا يحتمل من هذه، والله تعالى أعلم.
البَابُ الثَّانِي فِي أَدَاءِ المُسَلَّمِ فِيهِ وَالقَرْضِ
قال الغزالي: أَمَّا المُسَلّمُ فِيهِ فَالنَّظَرُ فِي صِفَتِهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ (أَمَّا صِفَتُهُ) فَإِنْ أَتَى بِغَيْرِ جِنسِهِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ اعْتِبَاضٌ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزِ في المُسَلَّمِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَكِنَّهُ أَجْوَدُ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَ أَرْدَأَ مِنْهُ جَازَ قَبُولُهُ وَلَمْ يَجِبْ، وَإن أَتَى بِنَوْعٍ آخَرَ
стр. 2080
أَسْلَمَ فِي الزَّبِيبِ الأَبْيَضِ فَجَاء بالأَسْوَد، فَفِي جَوَازِ القَبُولِ وَجْهَانِ إِذْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَاضاً.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "والقرض" معطوف على "الأداء" على المسلم فيه، لأنه لم يقصر الكلام في القرض على أدائه، بل تكلم في فصول منها الأداء.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الاعتياض عن المُسَلّم فيه قبل القبض غير جائز لما مَرّ في النَّظَر الثالث من "كتاب البيع"، فلا يجوز أن يستبدل عنه غير جنسه، وإن لم يختلف الجنسس، فإما أن لا يختلف.
الحالة الأولى: أن لا يختلف، فينظر إنْ أتى بالمسلم فيه على الصفة المشروطة وجب قبوله، وإن أتى به على صفة أجود مما شرط جاز قبوله، وفي الوجوب وجهان:
أحدهما: لا يجب لما فيه من المِنّة.
وأصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنه يجب، لأن إتيانه به يشعر بأنه لا يجد سبيلاً إلى إبراء ذمته بغيره، وذلك يهون أمر المنة، وإن أتى به أردأ مِمَّا شرط جاز القبول ولم يجب.
الحالة الثانية: أن يختلف كما لو أسلم في التَّمر المَعْقليّ، فجاء بالبَرْنِيّ، أو في الزَّبيب الأبيض فجاء بالأسود، أو في الثوب الهرَوِيّ فجاء بالمَرْوِيّ، فلا يجب على المسَّلم قبوله لاختلاف الأغراض باختلاف الأنواع.
ومنهم من حكى وجهاً آخر: أنه تمسكاً بقول الشافعي ﵁ وأصل ما يلزم السَّلَف قبوله ما سلف فيه أن يأتيه به من جنسه.
فإن قلنا بالأول فهل يجوز قبوله؟ فيه وجهان:
أظهرهما وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لأنه يشبه الاعتياض، كما لو اختلف الجنس.
والثاني: نعم، كما لو اختلفت الصِّفة، وذكروا خلافاً في أن التَّفَاوت بين التَّرْكِيّ والهِنْدِيّ من العبيد تفاوت جنس أو تفاوت نوع.
والصحيح: الثاني، وفي أن التفاوت بين الرطب أو التمر، وبين ما يسقى بماء السماء، وما يسقى بغيره تفاوت نوع أو صفة والأشبه الأول.
فرع: ما أسلم فيه كيلاً لا يجوز قبضه وزناً وبالعكس، وعند الكيل لا يزلزل المكيال ولا يوضع الكف على جوانبه.
آخر: إذا أسلم في الحِنْطة وجب تسليمها نقية من الزّوَان والمَدَر والتُّرَاب، فإن
стр. 2081
كان فيها شيء قليل من ذلك، وقد أسلم كيلاً جاز، وإن أسلم وزناً لم يجز (١).
ويجب تسليم التمر جافَّاً (٢)، والرطب صحيح غير مشدَّخ (٣).
قال الغزالي: (أَمَّا الزَّمَانُ) فَلاَ يُطَالَبُ بِهِ قَبلَ المَحَلِّ وَلَكِنْ إِنْ جَاءَ بِهِ قَبْلَهُ وَلَه فِي التَّعْجِيلِ غَرَضٌ بِأَنْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ كَانَ يَظْهَرُ (و) خَوْفُ الانْقِطَاع وَجَبَ القَبُولُ، كَمَا يَجِب قَبُولُ النُّجُومِ مِنَ المُكَاتَبِ قَبْلَ المَحَلِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ سِوَى البَرَاءَةِ نُظِرَ فَإنْ كَانَ لِلْمُمْتَنِعِ غرَضٌ بِأَنْ كَانَ فِي زَمَانِ نَهْبٍ أَوْ غَارَةٍ أَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ يَحْذَرُ مِنْ عَلْفِهَا فلاَ يُجْبَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الجَانبيْنِ غرَضٌ فَقَوْلاَنِ في الإِجْبَارِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السلم إما مؤجل أو حال، فإن كان مؤجلاً فلا يخفى أنه لا يطالبه بالمُسَلّم فيه قبل المحل، وإلاَّ لبطل فائدة التأجيل، ولو أتى المُسَلَّم إليه به قبل المَحل، وامتنع المُسَلّم من قبوله، فترتيب صاحب الكتاب يُخالف ترتيب الجُمْهور، فنذكر ما ذكروه ثم نعود إلى ما أورده.
قال الجمهور: إنْ كان له في الامْتِنَاع غرض كما إذا كان وقت نهب، أو كان المُسَلم فيه حَيَوَاناً يحذر من علفه، أو ثمرة أو لحماً يريد أكله عند المحل طريّاً، أو كان مما يَحْتَاج إلى مكان مُؤنَة كالحِنْطَة والقُطْن الكثيرين، فلا يجبر على القبول لتضرره، وإنْ لم يكن به غرض في الامتناع، فإنْ كان للمؤدي غرض في التَّعجيل سوى براءة الذمة كما لو كان به رهن يريد فِكَاكه، أو ضامن يريد براءته يجبر على القبول، كالمُكَاتَب يعجل النُّجُوم ليعتق يجبر السيد على قبولها، وهل يلتحق بهذه الأعذار خوفه من انقطاع الجنس قبل الحلول ففيه وجهان:
المذكور منهما في الكتاب: أنه يلحق لما في التأخير من خطر انفساخ العقد، أو ثبوت حق الفسخ، وإن لم يكن للمؤدي غرض سوى البراءة ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجبر المستحق على القبول؛ لأن التَّعْجيل كالتَّبرع بمزيد، فلا يكلف تقلّد المنة.
стр. 2082
وأصحهما وهو المنصوص في "المختصر": أنه يجبر؛ لأن براءة الذمة غرض ظاهر، وليس للمستحق غرض في الامتناع فيمنع من التَّعَنت، وإن تقابل غرض المُمْتنع والمؤدي، فقد حكى الإمام فيه طريقين:
أحدهما: أنهما يَتَسَاقَطَان.
وأصحهما: أن المَرْعِيّ جانب المستحق، وحكى أيضاً عن بعضهم طرد القولين فيما إذا كان للمعجل غرض في التَّعْجيل، ولم يكن للمتنع غرض في الامتناع، وهو غريب. وأما صاحب الكتاب فإنه راعى جانب المؤدي أولاً فقال: "إن كان له غرض في التَّعجيل يجبر الممتنع على القبول، وإلاَّ فإنْ كان له غرض في الامتناع فلا يجبر، وإلاَّ فقولان"، ولا يخفي مخالفته لطريقة الجمهور، فإن ذكره عن ثبت فهو منفرد بما نقل، وإلا فقد الْتَبَس الأمر عليه. والله أعلم.
وحكم سائر الديون المؤجلة فيما ذكرنا حكم المُسَلّم فيه.
وأما السَّلَم الحال فالمطالبة فيه متوجّهة في الحال، ولو أتى المسلم إليه بالمسلم فيه، وأبى المسلم قبوله، نظر إنْ كان للمعجل غرض سوى البراءة أجبر على القبول، وإلاَّ فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين وجه عدم الإجبار أنه يقول: الحق لي فلي أنْ أؤخره إلى أن أشاء.
وأصحهما: أنه يجبر على القبول أو الإبراء، وحيث ثبت الإجبار فلو أصر على الامتناع أخذه الحاكم، فروي أن أنساً ﵁ كاتب عبداً له على مال، فجاء العبد بالمال، ولم يقبله أنس فأتى العبد عمر ﵁ فأخذ المال منه، ووضعه في بيوت المال (١).
قال الغزالي: (أَمَّا المَكَانُ) فَمَكَانُ العَقْدِ فَلَوْ ظَفِرَ بِهِ في غَيْرِهِ وَكانَ في النَّقْلِ مُؤْنَةٌ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ، وَلَكِنْ يُطَالَبُ (و) بِالْقِيمَة لِلْحَيْلُولَةِ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ عِوَضاً إِذْ يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مؤنةً طَالَبَ بِهِ، وَفِي مُطَالَبَةِ الغَاصب بالمِثْلِ في مَوْضِعٍ آخرَ مَعَ لُزُومِ المُؤْنَةِ خِلاَفٌ تَغْلِيظاً عَلَيْهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا عيّن في السَّلَم مكان التسليم، أو لم يعين وقلنا: يتعين وجب التسليم فيه، فلو ظفر المسلم به في غير ذلك المكان نظر: إن كان لنقله مُؤْنة لم يطالب
стр. 2083
به، وهل يطالب بالقيمة لِلْحَيْلُولة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن أخذ العوض عن المسلم فيه قبل القبض غير جائز.
والثاني: نعم؛ لوقوع الحيلولة بينه وبين حقه، وهذا ما أورده صاحب الكتاب في هذا الموضع، لكنه أعاد المسألة في "باب الغَصْب"، وذكر فيها الخلاف.
والأصح في المذهب هو الوجه الأول، ولم يورد العراقيون، وصاحب "التهذيب" سواه، وإذا فرعنا عليه فللمسلم الفسخ واسترداد رأس المال، كما لو انقطع المسلم فيه، وإن لم يكن لنقله مؤنة كالدراهم والدنانير فله مطالبته به، وأشار الإمام إلى خلاف فيه، ولو ظفر المالك بالغاصب في غير مكان الغصب أو الإتلاف فهل يطالبه بالمثل؟
حكلي فيه خلافاً هاهنا، وذكر في "الغَصْب" أنه لا يطالب إلاَّ بالقيمة، وهو الأظهر. ولنشرح المسألة ثمّ إنْ شاء الله تعالى.
وقوله في أول الفصل: (أما المكان فمكان العقد) محمول على ما إذا عينا مكان العقد، أو أطلقا ولم يشترط تعيين المكان. وقوله: (ثم لا يكون عوضاً إذ يبقى استحقاق الدَّين) أراد به أن القيمة المأخوذة لا تكون عوضاً عن المسلم فيه، بل يبقى استحقاق المسلم فيه بحاله حتى إذا عاد إلى مكان التَّسليم يطالبه به، ويرد القيمة، ولمن نصر ظاهر المذهب أن يقول: لو صح هذا الكلام لوجب أن يحكم بمثله في انقطاع المسلم فيه. ولو أتى المسلم إليه بالمسلم فيه في غير مكان التسليم، وأبى المستحق قبوله، فإن كان لنقله مُؤْنة أو كان الموضع مخوفاً لم يجبر، وإلاَّ فوجهان بناء على القولين في التَّعْجيل قبل المحل، فإن رضي وأخذه لم يكن له أن يكلفه مُؤْنَة النقل (١).
" باب القَرض "
قال الغزالي: أَمَّا القَرْضُ فَأدَاؤهُ كالمُسَلَّمِ فِيهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ الاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَيَجِبُ المِثْلُ فِي المِثْلِيَّاتِ، وَفِي ذَوَاتِ القِيَمِ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا بِالحَدِيثِ أَنَّ الوَاجِبَ المِثْلُ، اسْتَقْرَضَ رَسُولُ الله ﷺ بَكْراً وَرَدَّ بَازلاً (٣) وَالقِيَاسُ القِيمَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإِقراض مندوب (٢) إليه فيه من الإِعَانة على البِر وكشف كُرْبَة
стр. 2084
المُسْلم، وفي الفصل مسائل: إحداها: أداء القَرْض في الصفة والزمان والمكان، كما ذكرنا في المسلم فيه، نعم لو ظَفَر بالمستقرض في غير مكان الإقراض، وكان المال مما لنقله مؤنة، فلا خلاف في جواز مطالبته بالقيمة، ثم لو إذا أخذها واجتمع في مكان الإِقْرَاض فهل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وهل للمستقرض مطالبته برد القيمة؟
فيه وجهان، والقيمة التي يطالبه بها هي قيمة بلد الإقراض يوم المطالبة، وكذا في السَّلْم يطالب بقيمة بلد العقد عند من جوز المطالبة بالقيمة.
الثانية: يجوز الاعتياض عن المقرض، وقد ذكر هذه المسألة مَرَّة.
الثالثة: ستعرف في "الغَصْب" أن المال ينقسم إلى مِثْلي وإلى مُتَقوم، فإذا استقرض مِثْلياً رد مثله، وإذا استقرض مُتَقّوماً، فوجهان.
أقيسهما، واختاره الشيخ أبو حامد: أنه يرد القيمة كما لو أتلف متقوماً على إنسان تلزمه القيمة.
وأظهرهما: أنه يرد المثل من حيث الصورة، واختاره الأكثرون؛ لما روي أَنَّ النبي ﷺ "اسْتَقْرَضَ بَكْراً وَرَدَّ بَازِلاً" (١) والبَكْر الفَتِيّ من الإبل والبَازِل الذي له ثمان سنين.
وروي أنه ﷺ "اسْتَسْلَفَ بَكْراً فَأَمَرَ بِرَدِّ مِثْلِهِ" (٢).
فإن قلنا بالأول: فالاعتبار بقيمة يوم القَبْض إن قلنا: يملك القرض في القبض.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فبالأكثر من يوم القبض إلى يوم التصرف.
وفيه وجه: أن الاعتبار بيوم القبض، وإذا اختلفا في قَدْر القيمة أو في صِفَة المِثْل فالقول قول المستقرض.
قال الغزالي: ثُمَّ النَّظَرُ فِي رُكْنِ القَرْضِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ (أَمَّا رُكْنُهُ) فَمِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ صِيغَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ كَقَوْلهِ: أَقْرَضْتُكَ، وَفِي اشْتِرَاطِ القَبُولِ وَجْهَانِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّ هَذِهِ إِبَاحَةُ إِتْلاَف بِعِوَضٍ وَهِيَ مُكْرَمَةٌ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ (م) عَنْهُ في الحَال، وَلاَ يَجُوزُ (م) شَرْطُ الأَجَلِ فِيهِ، وَأَمَّا المُقْرَضُ فَكُلُّ مَا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ جَازَ قَرْضُهُ إِلاَّ الجَوَارِي فَفِيهَا قَوْلاَنِ
стр. 2085
مَنْصُوصَانِ، وَالقِيَاسُ الجَوَازُ، وَمَا لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَرُدُّ فِي المُتَقَوَّمَاتِ القِيمَةَ فَيَصِحُّ أَيْضاً إِقْرَاضُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: عد حجة الإسلام -رحمه الله تعالى- أركان القرض ثلاثة كما فعل في "البيع"، وهي الصِّيغة، والمُقْرض، والمقرَض، لكن أهمل هاهنا ذكر المقترض لوضوح حاله، والعلم بأنه لا يصح الإقراض إلاَّ من جائز التَّصرف، ويعتبر فيه أهْلِيّة التَّبرع؛ لأن القرض تبرع أو فيه شَائِبَة التَّبرع، (١) أَلاَ تَرَى أنه لا يقرض الولي مال اليتيم (٢) إلاَّ لضرورة؟ ولذلك لا يجوز شرط الأجل؛ لأن المتبرع ينبغي أن يكون بالخيار في تبرعه، وإنما يلزم الأَجل في المُعَاوضات.
وأما الصيغة فالإيجاب لا بد منه (٣)، وهو أن يقول: أَقْرَضتك أو أسلفتك، أو خذه بمثله، أو خذه واصرفه في حَوَائجك ورد بدله، أو ملكتك على أن تردَّ بدله، ولو اقتصر على قوله: "املَّكتكه" كان هبة، فإن اختلفا في ذكر البَدَل فالقول قول المخاطب (٤).
وأما القبول ففي اشتراطه وجهان:
أصحهما، ولم يورد المعظم سواه: أنه يشترط كما في البَيْع وسائر التَّمْليكات.
والثاني: لا يشترط؛ لأن القرض إِباحة إِتْلاَف على شرط الضَّمَان فلا يستدعي القبول، وادَّعى الإمام أن هذا أظهر (٥).
وقرب هذا الخلاف من الخلاف في أن القرض لم يملك بالقبض أو بالتصرف.
стр. 2086
وقوله في الكتاب: "وهي مكرمة" أراد به أن سبيله سبيل الميراث والتبرعات، لا سبيل المعارضات والمعاملات، أو فيه شَائِبَة من هذه وشائبة من هذه، ولهذا لم يجب التقايض فيه إذا كان المقرض ربوياً.
واحتج في الكتاب لهذا الأصل بشيئين:
أحدهما: أن للمقرض الرجوع عنه في الحال، وهذا سنذكره من بعد.
والثاني: أنه لا يجوز شرط الأجل فيه ولا يلزم بحال.
وقال مالك: يثبت الأجل في القرض ابْتَداء وانتهاء.
إما ابتداء: فبأن يقرضه مؤجلاً.
لماما انتهاء: فبأن يقرضه حالاً ثم يؤجله.
وأما المُقْرَض فالأموال ضربان:
أحدهما: ما يجوز السَّلم فيه، فيجوز إقراضه حيواناً كان أو غيره، نعم في إقراض الجواري قولان:
أحدهما، ويحكى عن المزني: أنه جائز، وهو القياس عند الإمام وصاحب الكتاب إلحاقًا للجواري بالعبيد.
وأظهرهما: المنع، لنهي السَّلَف عن إقراض الولائد.
قال الأصحاب: وهما مبنيان على الخلاف في أن القرض بما يملك، وفي كيفية البناء طريقان.
قال قائلون: إن قلنا: يملك بالقبض جاز إقراضها، وإلاَّ فلا، لما في إثبات اليد من غير المالك من خوف الوقوع في الوطء.
وعن الشيخ أبي علي أما إن قلنا: يملك بالقبض لم يجز إقراضها؛ لأنه إذا ملكها فربما يطؤها، ثم يستردها المُقْرِض فيكون ذلك في صورة إعارة الجواري للوطء، وإن قلنا: لا يملك بالقبض فيجوز؛ لأنه إذا لم يملكها لم يطأها، وفيما حكي عن نصه في الجديد رمز إلى هذه الطريقة.
وقوله: في الكتاب "قولان منصوصان" اقتدى فيه بالإمام، وكلام غيرهما لا يتعرض لكونهما منصوصين، بل العراقيون رووا عن نصه قديماً وجديداً المنع، ونقلوا الجواز عن بعض الأصحاب نقل الوجوه، ويشبه أن يكون مخرجاً على الأصل المذكور، وكيف ما كان فالخلاف مخصوص بالجارية التي تحل للمستقرض.
стр. 2087
فأما المحرمة بنَسَبٍ أو رِضَاع أو مُصَاهَرَة فلا خلاف في جواز إقراضها منه (١).
الضَّرب الثاني: ما لا يجوز السَّلم فيه، كالَّلالئ الكبار وغيرها، فجواز إقراضه مبني على أن الواجب في المتقوّمات المِثْل أو القيمة.
إن قلنا بالأول لم يجز، لتعذر ضبطه حتى يوجد مثله.
وإن قلنا بالثاني جاز، وفي إقراض الخبز وجهان كما في السلم فيه:
أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز؛ به قال أحمد للحاجة العامة، وإطباق الناس عليه، وهذا ما اختاره ابن الصَّبَّاغ وغيره، ولا بأس لو رتب فقيل: إن جوزنا السلم فيه جاز إقراضه، وإلاَّ فوجهان للحاجة وقد أشار صاحب "البيان" إلى هذا الترتيب، ثم ذكر إنْ جوزنا قرضه وجب رد مثله وزناً، إن قلنا: يجب في المتقومات المِثْل من حيث الصُّورة، وإن قلنا: يجب فيها القيمة فالواجب القيمة، فإن شرطنا رد المثل ففي جوازه وجهان (٢).
ويجب أَنْ يكون المقرض معلوم القدر ليتاتى قضاؤه، ويجوز إقراض المكيل وزناً، والموزون كيلاً كما في السَّلم.
وعن القفال: أنه لا يجوز إقراض المكيل بالوزن، بخلاف السَّلَم فإنه لا يسوي بين رأس المال والمسلم فيه، وزاد فقال: لو أتلف مائة مَنٍ مِنْ الحِنْطة ضمنها بالكيل، ولو باع شِقْصاً مَشْفُوعاً بمثله بمائة من الحِنْطة، ينظر كما هي بالكيل فيأخذه الشفيع بمثلها كيلاً، والأصح في الكل الجَوَاز هذا إتمام الكلام في أركان القرض.
قال الغزالي: أَمَّا شَرْطُهُ فَهُوَ أَنْ لاَ يَجُرَّ القَرْضُ مَنْفَعَةٌ، فلَوْ شَرَطَ زِيادَةَ قَدْرٍ أَوْ صِفَةٍ فَسَدَ وَلَمْ يُفِدْ جَوَازُ التَّصَرُّف، وَلَوْ شَرَطَ رَدَّ المُكَسَّر عَنِ الصَّحِيح، أَوْ تَأَخِيرَ القَضَاءِ (م) لَغَا شَرْطُهُ وَصَحَّ القَرْضُ عَلَى الأَصَحِّ لإِنَّهُ عَلَيْهِ لاَ لَهُ، وَلَوْ شَرَطَ رَهْناً أَوْ كفِيلاً بِهِ جَازَ فَإِنَّهُ إِحْكَامُ عَيْنِهِ، وَلَوْ شَرّطَ رَهْناً بِدَيْنٍ آخَرَ فَسَدَ، وَلَوْ قالَ: أَقْرَضْتُكَ بِشَرْطِ أَنْ
стр. 2088
أُقْرِضَكَ غَيْرَهُ صَحَّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الوَعْدُ، بِخَلاَفِ البَيْعِ فَإنَّهُ يَفْسَدُ بِمِثْلِهِ إِذْ يَصِيرُ ذَلِكَ القَرْضُ جُزْءاً مِنَ العِوَض المَقْصُودِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عن رسول الله ﷺ "أنَّه نَهَى عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً".
وروي أنه قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِباً" (١).
فلا يجوز أن يقرضه بشرط أن يرد الصَّحيح عن المكسر أو الجيد عن الرديء، ولو شرط زيادة في القدر فكذلك إن كان المال ربوياً، وإلاَّ فوجهان:
أحدهما: يجوز لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أجَهِّزَ جَيْشاً فَنَفَذَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آحُذَ بَعِيراً بِبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَلٍ".
وأصحهما: المنع لما سبق، وهذا الحديث محمول على السَّلَم، أَلاَ ترى أنه قال: إلى أجل، والقرض لا يقبل الأجل. ولو شرط رده ببلد آخر لم يجز لما فيه من دفع خطر الطريق. وإذا جرى القرض بشيء من هذه الشروط كان فاسداً للخبر، وكما لو باع بشرط فاسد. وفي "البيان" نقل وجه أنه لا يفيد، لأنه عقد مُسَامحة وإرفاق، ولو أقرض من غير شرط ورد المستقرض ببلد آخر وأجود أو أكثر جاز.
قال رسول الله ﷺ : "خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
ولا فرق بين الربويات وغيرها، ولا فرق بين أن يكون الرجل مشهوراً برد الزيادة أو لا يكون. وفيه وجه: أنه لا يجوز رد الزيادة في الربويات؛ ووجه: أنه لا يجوز إقراض المشهور برد الزيادة تنزيلاً للمعتاد منزلة المشروطة، ثم في الفصل صور:
إحداها: لو اقرضه بشرط أن يرد عليه أرداء أو يرد المكسر عن الصحيح، لَغَا الشرط، وهل يفسد العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه على خلاف قضية العقد كشرط الزيادة.
وأصحهما: لا، لأن المنهي عنه جَرَّ المقرض النَّفع إلى نفسه، وهاهنا لا نفع له في الشرط، وإنما النفع للمستقرض، وكأنه زاد في المسامحة ووعده وعداً حسناً، وإيراد بعضهم يشعر بالخلاف في صحة الشرط، ولو شرط تأخير القضاء وضرب له أجلاً، نظر إن لم يكن للمقرض فيه غرض، فهو كشرط ردّ المكسر عن الصَّحيح، وإنْ كان له فيه
стр. 2089
غرض بأنْ كان زمان نهب والمقرض مليء، فهو كالتَّأْجيل لغير غرض، أو كشرط رد الصحيح عن المكسر، فيه وجهان:
أظهرهما: الثاني.
الثانية: يجوز أن يقرضه بشرط الرَّهْن أو الكفيل وكذا بشرط أن يشهد أو يُقرّ بِهِ عند الحاكم؛ لأن هذه التوثيقات لأحكام عين القرض، لا أنها منافع زائدة، ولو شرط رهناً بدين آخر فهو كشرط زيادة الصِّفة، وستعود هذه الصورة مفصلة إن شاء الله تعالى في "كتاب الرهن".
الثالثة: لو أقرضه بشرط أن يقرضه مالاً آخر صح ولم يلزمه ما شرط، بل هو وعد وعده، وكذا لو وهب منه ثوباً بشرط أن يهب منه غيره، ويخالف ما إذا باع بشرط قرض أو هبة أو بيع آخر بحيث يفسد البيع، لأنهما جعلا رفق القرض أو الهِبَة أو البيع الآخر مع الشروط المذكورة مثلاً ثمناً، والشرط لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثمن ويصير الباقي مجهولاً، وقد روي أن النبي ﷺ "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ" (١) وفسروه بأن يبيع شيئاً بشرط أن يقرضه المشتري، وفي المسألة وجه: أن الإقراض كالبَيْع بشرط الإقراض. وقوله في الكتاب: (فلو شرط زيادة قَدْر أو صفة فسد) يجوز أن يريد به فسد الشرط، ولم يفسد القرض جواز التَّصرف، ويجوز أنْ يريد به فسد القرض ولم يفسد جواز التصرف. وعلى التقديرين: يجوز أنْ يكون مُعَلَّماً بالواو.
أما على التقدير الأول فلأنه أطلق الكلام إطلاقاً، وقد حكينا وجهاً في جواز شَرْطِ زيادة القدر في غير الرّبويات. وأما على التَّقدير الثَّاني فللوجه المنقول عن "البَيَان".
وقوله: (أو تأخير القضاء لغا شرطه) شَرط تأَخير القضاء هو التأجيل، وقد ذكر مرة أنه لا يجوز شرط الأَجَل فيه إلاَّ أنه أعاده مع نظيره ليقين أنَّ فسادهما لا يفسد القرض. وقوله: "صَحِّ القرض" معلّم بالواو ولما نقلناه آخراً.
قال الغزالي: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ التَّمَلُّكَ وَلَكِنْ بِالقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ قَوْلاَنِ: أَقْيَسُهُمَا: أنَّهُ بِالقَبْضِ؛ لأَنَّهُ لاَ يتَقَاعَدُ عَنِ الهِبَةِ، وَللْعِوَضِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَعلَى هَذَا الأَصَحُّ أنَّهُ لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِهِ جَازَ، لأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَقِّهِ مِنْ بَدَلِهِ، وَلَهُ المُطَالَبَةُ بِبدَلِهِ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بالتَّصرُّفِ فَقِيلَ: إِنَّهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ يُزِيلُ المِلْكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الرَّهْنُ وَالتَّزْوِيجُ، وَقِيلَ: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ الإِجَارَةُ، وَقِيل: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَسْتَدْعِي نُفُوذُهُ المِلْكَ فَيَخَرجُ عَنْهُ الرهْنُ إِذْ رَهْنُ المُسْتعَارِ جَائِزٌ.
стр. 2090
قال الرَّافِعِيُّ: لا شك أن المستقرض يتملك ما استقرضه، ولكن فيما يملك به قولان متفرعان من كلام الشافعي ﵄.
أصحهما: أنه يملك بالقبض؛ لأنه إذا قبضه ملك التَّصرف فيه من جميع الوجوه؛ ولو لم يملكه لما ملك التَّصرف فيه؛ ولأن الملك في الهِبَة يحصل بالقبض، ففي القرض أولى؛ لأنَّ للعوض مدخلاً فيه.
والثاني: أنه يملك بالتَّصرف؛ لأنه ليس بتبرع محض، إذ يجب فيه البَدَل، وليس على حقائق المُعَاوَضَات كما سبق، فوجب أن يكون تملكه بعد استقرار بدله.
التفريع: إن قلنا: يملك بالقبض فهل للمقرض أنْ يرجع فيه ما دام باقياً في يد المستقرض بحاله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا صيانة لملكه، وله أن يؤدي حقه من موضع آخر، وهذا ما ذكره في "التهذيب".
وأظهرهما عند الأكثرين: أن له ذلك؛ لأنه يتمكن من تغريمه بدل حَقه عند الفوات، فلأن يتمكن من مطالبته بعينه كان أولى، ولا يبعد أن يرجع فيما ملكه غيره، كما يرجع الواهب في الهبة.
وقوله في الكتاب: "وله المطالبة ببدله للخبر" ليس مسألة أخرى، بل المعنى أن له المطالبة ببدل ملكه عند فواته جبراً لحقه، فأولى أن يكون له المطالبة بما كان عين ملكه، وكثيراً ما يقرأون قوله للجبر للخبر، وظني القريب من اليقين أنه خطأ؛ لأنه ليس في كتب المصنف، ولا في كتب غيره ذكر خبر يستدل به على أن للمقرض المطالبة ببدل القرض مع بقاء عينه.
وأما للجبر فهو مناسب للمعنى المذكور، وهو الَّذِي أورده الإمام، والمصنف في "الوسيط" وغيره. وعن مالك أنه ليس للمقرِض الرجوع فيما أقرضه حتى يقضي المستقرض وطره منه، أو يمضي مدة زمان يسع لذلك.
ولو رد المستقرض عين ما أخذه فعلى المقرض القبول لا محالة.
وإن قلنا: إنه يملك بالتصرف فمعناه أنه إذا تصرف تبين لنا ثبوت المِلْك قبله، ثم في ذلك التَّصرف وجوه:
أظهرها: أنه كل تصرف يزيل الملك.
والثاني: كل تصرف يتعلق بالرقبة.
والثالث: كل تصرف يستدعي الملك، فعلى الوجوه يكفي البيع والهبة والإعتاق
стр. 2091
والإِتْلاَف ولا يكفي الرهن والتزويج والإجارة وطحن الحِنْطة وخبز الدقيق، وذبح الشاة على الوجه الأول (١). ويكفي ما سوى الإجارة على الثاني، وما سوى الرهن على الثالث، لأنه يجوز أنْ يستعير للرهن شيئاً ليرهنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٢).
وقوله: "رهن المُسْتَعَار جائز" يعني: المُسْتَعار للرهن لا مطلق المُسْتَعار.
وعن الشيخ أبي حامد عبارة أخرى، وهي أن التصرف الذي يملك به القَرْض هو الذي يقطع رجوع الواهب، والبائع عند إفلاس المشتري.
وإذا فرعنا على الوجه الأول فهل يكفي البيع بشرط الخيار؟
إن قلنا: أنه لا يزيل الملك فلا.
وإن قلنا: إنه يزيله فوجهان؛ لأنه لا يزيل صفة اللّزوم.
ومن فروع القولين أنه إذا كان المقرض حيواناً وقلنا: إنه يملك بالقبض فنفقته على المستقرض.
وإن قلنا: يملك بالتصرف فهي على المقرض إلى أن يتصرف المستقرض، ولو استقرض مَنْ يعتق عليه عتق عليه إذا قبضه على القول الأول، ولم يعتق على الثاني.
قال صاحب "التهذيب": ويجوز أن يقال: يعتق، ويحكم بالملك قُبَيله (٣).
ووجه إدراج حجة الإسلام رحمه الله تعالى كلام الكتاب في الأبواب الأربعة. أن الرَّهن إمَّا صحيح أو فاسد، والصحيح منها إما جائز، أو لازم وكيفما كان فقد يتفق المتعاقدان على كيفية العقد البخاري بينهما، وقد يتنازعان فيه.
فالباب الأول: فيما يعتبر في صحته.
والثاني: في الرهن الجائز وأحكامه.
والثالث: في اللازم وأحكامه.
والرابع: في التنازع.
وقد عد أركان الرهن أربعة: الراهن، والمرهون به، والصيغة، والعاقد.
ولو جمع بين المرهون والمرهون به، وجعل ما يتعلق بالعقد ركناً كما فعل في البيع، وكما جعل من يصدر منه العقد ركناً لجاز، ولو فصل الثمن عن البيع كما فعل هاهنا لجاز، ومثل هذا يرجع إلى مجرد رَسم وترتيب، والمقصود لا يختلف. الأول: المرهون وله شروط:
أحدهما: أن يكون عيناً، أما الدَّيْن ففي جواز رهنه وجهان:
أحدهما: الجواز تنزيلاً لما في الذمم منزلة الأعيان، ألا ترى أنه يجوز شراء ما في الذمة وبيعه سلماً؟
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب المنع؛ لأن الدَّيْن غير مقدور على تسليمه، ومنهم من رتب هذا الخلاف على الخلاف في بيع الدَّيْن، والرهن أولى بالمنع، لأنه لا يلزم إلاَّ بالقبض والقبض لا يصادق ما تناوله العَقْد، ولا مستحقّاً بالعقد، والقبض في البيع يصادف مستحقاً بالعقد؛ لأن البيع سبب الاسْتحقاق، ولا يشترط كون المرهون مفروزاً؛ بل يصح المرهون الشائع، سواء رهن من شريكه أو غيره، وسواء كان ذلك مما يقبل القسمة أو لا يقبلها (١)، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله تعالى وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز رهنه من غير الشريك، وفي رهنه من الشريك روايتان.
لنا: إلحاق الرهن بالبيع والشائع بالمفروز، ولو رهن نصيبه من بيت معين من الدار المشتركة بإذن الشريك صح، وبغير إذنه وجهان عن ابن سُرَيج.
أصحهما: عند الإمام أنه يصحُ كما يصح بيعه (٢).
стр. 2094
والثاني: لا؛ لأنه ربما تتفق القِسْمة ويقع هذا البيت في نصيب صاحبه، فيكون قد رَهَن ملك غيره ويخالف البيع، فإنه إذا باع زال ملكه عن البيت واسْتَحَالت المُقَاسَمَة معه، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب"، وادَّعى أن الحكم في البيع مثله.
وإذا قلنا بالوجه الأول، واتفقت القسمة كما قررناه فهو كَتَلَفِ المَرْهُون، أو يغرم قيمته فيه احتمالان للإمام أوجههما: الثَّاني إضافة للفوات إليه، وكيف ينزل منزلة الآفَة السَّمَاوية، وقد حصل له في قطر آخر من الدَّارِ مثل ما كان له في ذلك البيت، وعن الإمام محمد بن يحيى توسط بين الاحتمالين، وهو: أنه إن كان مختاراً في القسمة غرم القيمة، وإن كان مجبراً فهو كالفوات (١).
ثم القبض في الرَّهْن المشاع بتسليم الكل، فإذا حصل القبض جرت المُهَايَأة بين المُرْتَهن والشَّريك في الرهن جريانها بين الشريكين ولا بأس بِتَبْعِيض اليد بحكم الشيوع، كما لا بأس به لاسْتِيْفَاء الرَّاهن المنافع (٢) واعلم: أن لفظ العَيْن الذي ترجم به هذا الشرط يطلق بالمعنى المقابل للدين ويطلق بالمعنى المقابل بالمنفعة، وكل واحد من المعنيين معتبر في المرهون، أما بالمعنى الأول فقد عرفته.
وأما بالثاني، فقد ذكر ابن الصَّبَّاغ وغيره: أنه لو رهن بالدين سُكْنى دار مدة لم يصح؛ لأنه إن كان مؤجلاً فالمنافع إلى حلول الأجل وإن كان حالاً فبقدر ما يتأخر الدين يتلف جزء من المرهون فلا يحصل الاستيثاق.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ أَنْ لاَ يَمْتَنِعَ إِثْبَاتُ يَدِ المُرْتَهنِ عَلَيْهِ كَرَهْنِ المُصْحَفِ (ح) وَالعَبْدِ (ح) المُسْلِمِ مِنَ الكَافِرِ فِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى البَيْعِ، وَكَذَا رَهْنُ الجَارَيةِ الحَسْنَاءِ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنْ إنْ جَرَى فَالأَصَحُّ صِحَّتُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فقه الشرط صورتان:
стр. 2095
الأولى: في رهن العبد المسلم من الكافر طريقان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد أنه على القولين في بيعه منه إن صححناه جعل في يدي عدل من المسلمين (١).
والثاني وبه قال صاحب "الإفصاح": القطع بجوازه؛ لأنه لا ملك فيه للكافر، ولا انتفاع، وإنما هو مجرد استيثاق والظاهر جوازه، أثبت الخلاف أم لا، ورهن المُصْحف منه يترتب على رَهْن العبد ورهن السلاح من الحَرْبِي يترتب على بيعه منه.
الثانية عن الشيخ أبي علي رواية قول: إن رهن الجارية الحسناء لا يجوز إلاَّ أن تكون محرماً للمرتهن، والمذهب المشهور جواز رهن الجواري مطلقاً ثم إنْ كانت صغيرة لا تشتهى بعد فهي كالعبد وإلاَّ فإن رهنت من محرم أو امرأة فذاك؛ وإنْ رهنت من رجل أجنبي فإن كان ثقة وعنده زوجته أو جاريته أو نسوة يؤمن معهن من الإلمام بها فلا بأس أيضاً، وإلاَّ فلتوضع عند محرم لها أو امرأة ثقة، أو عدل بالصفة المذكورة في المرتهن، فإن شرط وضعها عند غير من ذكرنا، فهو شرط فاسد لما فيه من الخَلْوة بالأجنبية وخوف الفتنة، وألحق الإمام بالصِّغر الحسنة الخسيسة مع دَمَامَة (٢) الصورة، لكن الفرق بينهما بيّن.
ولو كان المرهون خُنْثَى فهو كما لو كان جارية، إلاَّ أنه لا يوضع عند المرأة. وقوله في الكتاب (من ليس بعدل) يشعر بجواز الرَّهْن من العدل بلا كراهة، ولفظ "الوسيط" كالمصرح بذلك، لكن المعظم ما قنعوا بالعدالة، وشرطوا معها أن يكون ذا أهل كما سبق.
وإذا عرفت الصُّورتين عرفت أَنَّ اعتبار هذا الشرط مختلف فيه، وفي العبارة المذكورة لترجمته نظر، والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ تَكُونَ العَيْنُ قَابِلَةَ لِلْبَيعِ عِنْدَ حُلُول الأجَلِ، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ أُمِّ الوَلَدِ، وَالوَقْفَ، وَسَائِرِ أَرَاضِي العِرَاقِ مِنْ عَبَادَانَ إِلَى المَوْصِلِ طُولاً، وَمِنَ القَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضاً، فَإِنَّهُ وَقْفٌ عَلَى اعْتِقَادِ الشَّافِعِي ﵁ وَقَفَهَا عمر ﵁ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْدَ تَملُّكِهَا عَنْوَةً، وَقَال ابْنُ سُرَيجٍ: هِيَ مِلْكٌ.
стр. 2096
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الرَّهْن أو من مقاصده استفاء الحق من ثمن المرهون عند الحاجة، فيشترط قبوله للبيع، وما لا يجوز بيعه كالحُرّ، وأم الولد والمكاتب، والوقف لا يجوز رهنه (١)، وذكر الشَّافعي ﵁ والأصحاب ﵏ هاهنا طرفاً
стр. 2097
من الكلام في أرض الخراج، ولا شك أنه دخيل في الباب، وفي السير عودة إليه، فنؤخره إليه، إن شاء الله تعالى ونقتصر الآن على حط الرهن منه فنقول:
سواد العراق وقف على المسلمين على الأظهر، وكل أرض هي كذلك لا يجوز رهنها كسائر الوقوف وأبنيتها وأشجارها إنْ كانت من تربتها، وغُرُوسها التي كانت قبل الوقف فهي كالأرض، وإن أحدثت فيها من غيرها جاز رهنها، فإن رهنت مع الأرض فهو من صور تفريق الصفقة في الرهن، وكذا رهن الأرض مطلقاً.
إن قلنا: إنَّ البناء والغِرَاس يدخلان فيه، وإذا صَحّ الرهن في البناء والغِرَاس، فلا خراج على المرتهن، وإنما هو على الراهن فإنه مضروب على الأرض، فإنْ أداه المرتهن بغير إذنه فهو متبرع، وإن أداه بإذنه وبشرط الرجوع رجع، وإنْ لم يشترط الرجوع فوجهان جاريان في أداء دين الغَيْرِ بإذنه مطلقاً، وظاهر النص الرجوع.
стр. 2098
وقوله: (عند حلول الأجل) أي: إذا كان الدَّين مؤجلاً، فإن كان حالاً فالشرط أن يكون قابلاً للبيع في الحال وقوله: (وسائر أراضي العراق) أي: جميعها وقد مر نظيره.
قال الغزالي: وَيَجُوزُ رَهْنُ الأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا إِذْ لاَ تَفْرِقَةَ فِي الحَالِ، وَعِنْدَ البَيْعِ تُبَاعُ الأُمُّ دُونَ الوَلَدِ عَلَى رَأْيِ، وَيُقَالُ: هَذِهِ تَفْرِقَةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَعَلَى رَأْيِ تُبَاعُ مَعَهُ، ثُمَّ يَخْتَصُّ المُرْتَهِنُ بِقيمَةِ الأُمِّ فَتُقَوَّمُ الأُمُّ مِنْفَرِدَةً فَإذَا هِيَ مِائةٌ وَمَعَ الوَلَدِ فَهِيَ مِائةٌ وعِشْرُونَ فَنَقُولُ: حِصَّةُ الوَلَدِ سُدْسٌ كَيْفَمَا اتَّفَقَ البَيْعُ، وَقِيلَ: إِنَّ الوَلَد أَيْضاً يُقَدَّرُ قِيمَتُهُ مُفْرَداً حَتَّى تَقِلَّ قِيمَتُهُ فَتَكُونَ عَشَرَةٌ مَثَلاً فَيُقَالُ: هُوَ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءاً فَيُقَسَّمُ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: التَّفريق بين الأم وولدها الصغير ممنوع منه، وفي إِفْسَاده البيع قولان سبقا، ويصح رهن أحدهما دون الآخر.
قال الشَّافعي ﵁: لأن ذلك ليس بتفرقة بينهما.
قيل: معناه أن الرهن لا يوجب تفرقة؛ لأن الملك فيهما باقٍ للراهن والمنافع له، فيمكنه أنْ يأمرها بتعهّد الولد وحَضَانَتِهِ، وإذَا كان كذلك وجب تَصْحِيح الرَّهْن، ثم ما يتفق بعده من بَيْع وتفريق فهو من ضرورة إلجاء الرهن إليه.
وقيل: معناه أنه لا تفرقة في الحال، وإنما التفرقة تَقَعُ عند البيع، وحينئذ يحذر منها بأن يبيعهما معاً، ومن قال بالأول، لم يبال بإفراد أحدهما عن الآخر بالبيع إذا وقعت الحاجة إلى البيع.
والأصح: التَّفْسير الثاني وأنهما يباعان جميعاً، ويوزع الثمن على قيمتهما (١) وكيف يوزع قدم الإمام على بيانه مسألة هي مقصودة في نفسها فنأتم به في تقديمها، ثم نعود إلى هذه.
أما تلك المسألة فهي ما إذا رهن أرضاً بيضاء، ثم نِبت فيها نخيل.
ولها حالتان:
إحداهما: أن يرهن الأرض، ثم يدفن فيها النَّوى أو يحملها السَّيْل، أو الطَّيْر إليها
стр. 2099
فتنبت فهي للراهن، ولا يجير في الحال على قَلْعها، فلعله يؤدي الدَّيْن من موضع آخر، فإذا مست الحاجة إلى بَيْع الأرض، نظر إنْ وَفى ثمن الأرض لو بيعت وحدها بالدَّيْن بيعت وحدها، ولم تقلع النخيل، وكذا لو لم تَفِ به إلاَّ قيمة الأرض وفيها الأشجار كقيمتها بيضاء، وإن لم تف به ونقصت قيمتها بالأشجار، فللمرتهن قلعها ليبيع الأرض بيضاء، إلاَّ أن يأذن الراهن في بيعها مع الأرض، فيباعان ويوزع الثَّمن عليهما.
هذا إذا لم يكن الراهن محجوراً عليه بالإفلاس فإنْ كان كذلك، فلا قلع بحال لتعلق حق الغرماء بها، بل يباعان ويوزع الثمن عليهما فما يقابل الأرض يختص به المرتهن، وما يقابل الأشجار يقسم بين الغرماء فإن انتقصت قيمة الأرض بسبب الأشجار، حسب النقصان على الغرماء؛ لأن حق المرتهن في أَرْض فارغة، وإنما منع من القَلْع لرعاية جانبهم، فلا يهمل جانبه بالكلية.
الحالة الثَّانية: أنْ تكون النَّوَى مدفونة في الأرض يوم الرَّهْن، ثم تنبت فإن كان المُرْتَهن جاهلاً بالحال، فله الخيار في فَسْخ البيع الَّذي شرط فيه هذا الرَّهْن، فإن فسخ فذاك، وإلاَّ فهو كما لوم كان عالماً وإن كان عالماً فلا خيار.
وإذا بيعت الأرض مع النخيل وزع الثمن عليهما، والمعتبر في الحالة الأولى قيمة أرض فارغة، وفي الثانية قيمة أرض مشغولة؛ لأنها كانت كذلك يوم الرَّهْن.
وفي كيفية اعْتباره قيمة الأَشْجَار وجهان نقلهما الإمام في الحالتين:
أظهرهما: أن الأَرض تُقَوَّمُ وحدها فإذا قيل: هي مائة قومت مع الأشجار، فإذا هي مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار عشرون، وهي سدس المائة والعشرين فيراعى في ثمنها نسبة الأسداس.
والثَّاني: أنَّا كما قَوَّمنا الأرض وحدها نقوم الأشجار وحدها ثانية، فإذا قيل: هي خمسون عرفنا أن النسبة بالأثلاث.
واعلم أن في المثال المذكور لإيضاح الوجهين تكون قيمة الأرض ناقصة بسبب الاجتماع؛ لأنا فرضنا قيمتها وحدها مائة، وقيمة الأشجار وحدها ثابتة خمسين، وقيمة المجموع مائة وعشرين.
عدنا إِلَى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا معاً فأردنا التوزيع.
قال الإمام: فيه طريقان:
أحدهما: أن التوزيع عليهما كالتَّوْزيع على الأرض والأشجار فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفي الولد الوجهان.
والثاني: أن الأم لا تُقَوَّمُ وحدها بل تقوّمُ مع الولد خاصة؛ لأنها رهنت وهي ذات
стр. 2100
ولد، والأرض رهنت بلا أَشْجَار، وهذا ما أورده الأكثرون، نعم لو حدث الولد بعد الرَّهْن والتَّسليم من نكاح أو زنا، وبيعا معاً فللمرتهن قيمة جارية لا ولد لها، وصاحب الكتاب اقتصر على رواية الطريق الأول، لكن نقله الوجه الثاني هاهنا وفي "الوسيط" يخالف منقول الإمام لأنه قال: تقدر قيمة الولد أيضاً مفرداً والوجه ما نقله الإمام كما تقدر قيمة الأشجار ثابتة لا مقلوعة.
وقوله: (حتى تقل قيمته) أي: هكذا يكون لكونه ضائعاً، وتمثيله المسألة بما إذا كانت قيمة الولد عشرة، يناسب ما نقله، ومثل في "الوسيط" بما إذا كانت قيمة الولد خمسين، وليس ذلك مع كون قيمتهما مائة وعشرين على ما فرضه الإمام في الوجه الأول، فإذا كانت وحدها مائة وكانت مع الولد مائة وعشرين استحال أن يكون الولد وحده خمسين لضياعه.
قال الغزالي: وَرَهْنُ مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ بِدَيْنِ مُؤَجَّلِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ صَحِيحٌ إِنْ شَرَطَ البَيْعِ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْناً، وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَهُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَوْلانِ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ مَا يُعَرِّضُهُ لِلفَسَادِ يُبَاعُ ويُجْعَلُ بَدَلُهُ رَهْناً.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رهن شيئاً رطباً يتسارع إليه الفساد، نظر إن أمكن تجفيفه كالرطب والعنب صح رهنه وجفف (١)، وإن لم يمكن كالثمرة التي لا تجفف والمَرقَة والرّيْحَان والجَمد فرهنه، إن كان بدين حال يصح، ثم إنْ بيع في الدين أو قضى الدين من موضع آخر فذاك، وإلاَّ بيع وجعل الثمن رهناً كَيْلاً يضيع ولا تفوت الوثيقة، فلو تركه المرتهن حتى فسد.
قال في "التهذيب": إن كان الراهن أذن له في بيعه ضمن وإلاَّ لم يضمن، ويجوز أن يقال: عليه رفع الأمر إلى القاضي ليبيعه (٢).
وإن كان رهنه بمؤجل، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يَعْلَم حلول الأجل قبل فساده فهو كرهنه بدين حال.
والثانية: أن يعلم عكسه، فإنْ شرط في الرَّهن بيعه عند الإِشْراف على الفساد،
стр. 2101
وجعل ثمنه رهناً صح، ولزم الوفاء بالشرط، وإنْ شرط إلاَّ يباع بحال قبل حلول الأجل، فهو فاسد مفسد للرهن لمناقضته مقصود الوثيقة، وإنْ لم يشترط هذا ولا ذاك فقولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: يصح الرهن ويباع عند تعرضه للفساد كما لو شرطه، لأن الظاهر أنه لا يقصد فساد ماله.
والثاني: لا يصح؛ لأنه مرهون لا يمكن استيفاء الحق منه عند المحل، والبيع قبله ليس من مقتضيات الرهن، وهذا أصح عند أصحابنا العراقيين، وميل من سواهم إلى الأول، وهو الموافق لنص الشافعي ﵁ في "المختصر" (١).
والثالثة: أن لا يعلم واحد من الأمرين وكانا محتملين، ففي جواز الرهن المطلق قولان مرتبان على القولين في القسم الثاني، والصحة هاهنا أظهر.
ولو رهن ما لا يتسارع إليه الفساد فطرأ ما عرضه للفساد قبل حلول الأَجل كما إذا ابتلّت الحِنْطة وتعذر التَّجْفيف، فلا يفسخ الرهن بحال، وإنْ منع الصحة في الابتداء على قول، كما أن إِبَاق العبد يمنع صحة العقد، وإذا طرأ لم يوجب الانفساخ، ولو طرأ ذلك قبل المرهون ففي الانفساخ وجهان، كما في عروض المجنون والموت، وإذا لم ينفسخ يباع ويجعل الثمن رهناً مكانه (٢).
قال الغزالي: وَيَجُوزُ رَهْنُ العَبْدِ (ح) المُرْتَدِّ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَرَهْنُ العَبْدِ الجَانِي يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ علَى أَنَّ رَهْنَ المُدَبّرِ بَاطِلٌ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مُنْقَاسٌ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَكَذَا رَهْنُ المُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ إِذْ لاَ يَقْوَي الرَّهْنُ عَلَى دَفْعِ عِتْقٍ جَرَى سَبَبُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل أربع صور:
إحداها: رهن العبد المرتد كبيعة وقد مرّ، والمذهب صحتهما، ثم إنْ كان المرتهن عالماً بردته، فلا خيار له في فسخ البيع المشروط فيه الرهن، وإنْ كان جاهلاً فله الخيار، فإنْ قتل قبل القبض فله فسخ البيع، وإنْ قتل بعده فهو من ضمان من؟ فيه وجهان مقرران في البيع، فإنْ جعلناه من ضَمَانِ الرَّاهِن فللمرتهن فسخ البيع، وإنْ جعلناه من ضمان المرتهن فهو كما لو مات في يده، فلا فسخ ولا
стр. 2102
أرْش (١). ورهن العبد المُحَارب كبيعه. وقوله: (ويجوز رَهْن العبد المرتد كما يجوز بيعه) مُعَلّمان بالواو لما قدمناه وبالزاي؛ لأن الموفق ابن طاهر روى عن المزني المنع منهما.
الثانية: رهن العبد الجاني مرتب على بيعه، إنْ لم يصح بيعه فرهنه. أولى، وإنْ صح ففي رهنه قولان، وفرقوا بينهما بأن الجناية العارضة في دوام الرهن تقتضي تقديم حق المجني عليه، فإذا وجدت أَوَّلاً منعت من ثبوت حق المرتهن.
التفريع: إنْ لم يصح الرهن ففداه السيد، أو أسقط المجني عليه حقه، فلا بد من استئناف رهن وإن صححناه.
فقد قال المَسْعُودي: إنه يكون مختاراً للفداء كما سبق في البيع، وبمثله أجاب الإمام، لكن ابن الصَّبَّاغ قال: لا يلزمه الفداء بخلاف ما في البيع والعتق، لأن محل الجناية باقٍ هاهنا، والجناية لا تُنَافي الرهن (٢)، أَلاَ ترى أنه لو جنى وهو مرهون تعلقت الجناية به، ولا يبطل الرهن؟
стр. 2103
وإذا صححنا الرهن والواجب القصاص، ومنعناه والواجب المال فرهن والواجب القِصَاص، ثم على المُسْتحق على مال فيبطل الرهن من أصله، أو هو كجناية تصدر من المرهون، حتى يبقى الرهن لو لم يبع في الجناية فيه وجهان:
اختار الشيخ أبو محمد أولهما، وإذا قيل به فلو كان قد حفر بئراً في محل عدوان، فَتَرَدَّى فيها بعد مَا رهن، ففي تبين الفساد وجهان، والفرق أنه في الصورة الأولى رهن وهو جان وهاهنا بخلافه.
الثالثة: قال الشَّافعي ﵁: ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخاً أي باطلاً، وللأصحاب في رهن المُدَبّر طرق:
أحدها، وبه قال ابن سُرَيج: أنه على قولين مبنيين على أنَّ التَّدْبير وصية أو تعليق عتق بصفة.
إنْ قلنا: بالأول صح الرهن.
وإن قلنا بالثاني لم يصح على الأصح، كما لو رهن المُعلق عتقه بصفة يحتمل أنْ تتقدم على المحل، ويحتمل أنْ تتأخر.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن السَّيد قَدْ يموت فَجْأَة، فيبطل مقصود الرهن، ولا يقف على موته ليبيعه قبله، ومن قال بهذا قال: التَّدْبير وإنْ جعل وصية فهو آكد من سائر الوَصَايا بدليل أنه يَتَنَجَّز بالموت، والرهن ليس بصريح في الرجوع فجاز أن يؤثر في سائر الوصايا، ولا يؤثر في التَّدْبير.
والثالث: القطع بجواز رَهْنِه كبيعه.
التفريع: إن صححنا الرهن بناء على أنه وصية، فيبطل التَّدْبِير ويكون بالرَّهْن راجعاً عنه، وهو اختيار المزني، وإن أبطلناه بناء على أنه تَعْلِيق عتق بصفة، فالتَّدْبير بَاقٍ بحاله، ولا يحصل الرجوع إلاَّ بتصرف مزيل للملك، وكذا الحكم إن قلنا بالطريقة الثانية.
وإن قلنا بالثالثة فالتَّدْبِير باقٍ أيضاً، وهو مرهون مدبر، فإن قضى الراهن الدين من غيره فذاك، وإنْ رجع في التَّدْبير وباعه في الدَّيْن بطل التدبير، وإن امتنع من الرجوع فيه ومن بيعه فإنْ كان له مال آخر أُجيرَ على قضائه منه، وإلاَّ فوجهان عن أبي إسحاق.
أصحهما: أنه يباع في الدين ويفسخ التدبير.
والثاني: أنه يحكم بفساد الرهن، ومن قال بهذا حمل قول الشافعي ﵁ وكان الرَّهن مفسوخاً عليه.
стр. 2104
بقي الكلام في أن أظهر الطرق ماذا؟ وفي أن الأظهر من صحَّة الرهن وفساده ماذا؟ أما الأول فالحق ما ذكره صاحب "الشامل"، وهو أن الطريق الأول أقرب إلى القياس.
والثاني: أقرب إلى النص.
والثالث: أبعد الثلاثة.
أما كون الأول أقرب إلى القياس فلان في كون التَّدْبير وصية، أو تعليق عِتْق بصفة قولين معروفين، وقضية كونه وَصِيّة صحة الرهن.
وأما كون الثَّاني أقرب إلى النص، فلأن كلامه في "الأم" كالصَّريح في القطع بالمنع؛ لأنه قال: "ولو دبره ثم رهنه كان الرَّهْن مفسوخاً"، ولو قال: رجعت عن التدبير، ثم رهنه فقولان، فخص القولين بما بعد الرجوع.
وأما الثَّاني فعامة الأصحاب مائلون إلى تَرْجِيح البطلان، كما نص عليه وربما وجهوه بأن العتق مستحق بالتدبير، فلا يقوى الرهن على دفعه، واختار الإمام وصاحب الكتاب ترجيح الصحة. قال الإمام: أما إذا قلنا: إنه وصية فظاهر.
وأما إذا قلنا: إنه تعليق عِتْق بصفة؛ فلأنه مع ذلك محسوب من الثلث، بخلاف العتق المعلق النازل في حياة المعلق، والدَّيْن محسوب من رأس المال.
ولو مات ولمْ يخلف إلاَّ هذا العبد، والدين مستغرق ولا رهن لصرفناه إلى الدين، ولم نبال ارتفاع العتق، فلا معنى لمنعه من الرهن لغرض العتق.
وقوله في الكتاب (وفيه قول مخرج) إنما سماه مخرجاً؛ لأن المنصوص البطلان، وهذا مخرج من أن التدبير وصية، وطريقة القولين هي التي أوردها في الكتاب، ويجوز الإعلام بالواو لغيرهما.
الرابعة: الرهن المعلق عتقه بصفة تصوره على وجوه: أحدها: أنْ يرهن بدين حال أو مؤجل يتيقن حلوله قبل وجود الصفة، فهو صحيح ويباع في الدين، فلو لم يتفق بيعه حتى وجدت الصفة، فيبنى على القولين في أنَّ أمر الاعتبار في العِتْق المعلق بحالة التعليق، أم بحالة وجود الصفة؟ من قلنا: بالأول عتق، وللمرتهن فَسْخ البيع المشروط فيه الرَّهْن إن كان جاهلاً (١).
стр. 2105
وإن قلنا بالثَّاني فهو كإِعتاق المرهون، وسيأتي.
والثاني: أن يرهن بدين مؤجل، يتيقن وجود الصِّفَة قبل حلوله، ففيه طريقان:
عن صاحب الإفصاح: أنه على القولين في رَهْن ما يتسارع إليه الفساد، فعلى قول: يباع إذا قرب أوان وجود الصفة، ويجعل ثمنه رهناً.
قال الإمام: وهذا البناء إنما ينتظم إذا قلنا بنفوذ العِتْق المعلق قَبْل الرهن عند وجود الصِّفَة حالة الرهن.
أما إذا لَمْ نقل بذلك فلا نخاف تسارع الفساد إليه، وفوات الوثيقة فيوجه الخلاف بشيء آخر، وهو أن الرهن هل يصلح دافعاً للعِتْق المستحق بالتعليق؟
فتارة نقول: نعم كالبيع وأخرى نقول: لا لضعفه.
والطريق الثاني، وهو المشهور: القطع بالمنع لفوات مقصود الرَّهْن قبل المحل، وليس ذلك كرهن ما يستارع إليه الفساد؛ لأن الظَّاهر من حال صاحب الطَّعام الرِّضا بالبيع عند خوف الفساد كيلا يضيع، والظَّاهر من حال المعلق إِمْضَاء العتق.
والثالث: أن لا يتيقن واحد من الأمرين، بل يَجُوز تقديم الصِّفَة على حلول الدَّين وبالعكس فقولان:
أصحهما: المَنْع لما فيه من الغَرَر.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه يصح؛ لأن الأصل استمرار الرق.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا مخرج من تَجْويز رهن المُدَبّر بناء على أن التَّدْبِير تعليق عتق بصفة.
وعن صاحب "الإفصاح" طريقة قاطعة بالمنع هاهنا، فهذا كلام الأصحاب في المسألة، وقد عرفت منه فتواهم بالبطلان، وإيراد صاحب الكتاب يقتضي ترجيح الصحة هاهنا، والله أعلم.
قال الغزالي: وَيَصِحُّ رَهْنُ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ أَيْضاً قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ وإنْ لَمْ يَشْتَرِطِ القَطْعَ، وَلَكِنْ عِنْدَ البَيْعِ يُشْتَرَطُ القَطْعُ، وَقِيلَ: لاَ يَجْوزُ إِلاَّ بالتَّصْرِيحِ بِالإِذْنِ فِي شَرْطِ القَطْعِ عِنْدَ البَيْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رهن الثمار على الأشجار، فأما أن يرهنها مع الأشجار، أو وحدها.
الحالة الأولى: أن يرهنها مع الأشجار، فينظر إنْ كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها