← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، ثم إن قلنا بالتَّساقط فكان لا بينة، وإلاَّ توفقنا إلى ظهور الحال، وإنْ لم يكن لواحد منهما بينة فيتحالفان، لأن كل واحد منهما مدّع ومدعى عليه في تمليك السلعة فالبائع مدع زيادة الثمن، ومدعى عليه في تمليك السّلعة بالأقل، والمشتري بالعكس، فإذا لم يكن بَيّنة حلف كل واحد منهما، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن تكون السلعة قائمة، أو هالكة. وقال أبو حنيفة: إنما يتحالفان عند قِيَام السّلْعَة، أما إذَا هَلَكَت، فالقول قول المُشْتَرِي مع يمينه. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وعن مالك مثل ذلك، ورواية ثالثة عن ابن المنذر هي أنه إن كان قبل القَبْض تحالفا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، لنا ما سبق من إطلاق الأخبار، وقياس حالة الهلاك على حالة البقاء، لا فرق أيضاً بين أنْ يقع الاخْتِلاَف بين المُتَبَايعين، أو ورثتهما بعدهما. وقال أبو حنيفة: إنْ كان المَبِيع مَقْبُوض تحالفا، وإلاَّ فالقَوْل قول ورثة المبتاع. ولو اختلفا في جنس الثمن، أو بعض صفاته، فهو كالخِلاَف في القدر، وكذا الاختلاف في قدر المَبيْع بأن يقول البائع: بعتك هذا العبد، ويقول المشتري: هذا العبد، وهذا الثوب والاَختلاف في قدر المبيع، والثمن بأن يقول البائع: بِعْتُك هذا العبد بألف، ويقول المشتري: بعتنيه وهذه الجارية بألفين، ولو قال البائع: بعتك هذا العبد، فقال المشتري: بِعْتني هذه الجارية ولم يختلفا في الثمن، نظر إنْ كان الثمن معيناً تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن، وإنْ كان الثمن في الذمة، فوجهان: أحدهما: أنهما يتحالفان أيضاً كما لو كان معيناً، وبهذا أجاب ابن الحَدَّاد، واختاره القاضي أبو الطَّيب، وابن الصباغ ﵏. والثَّاني: أنه لا تحالف؛ لأن المبيع مختلف فيه، والثمن ليس بمعيّن حتى يربط به العقد، ويحكى هذا عن الشيخ أبي حامد، واختاره الإمام وصاحب "التتمة"، ونظير المسألة من الصَّدَاق أن يقول الزوج: أصْدَقتك أباك فقالت: بل أمي، وقد أوردها صاحب الكتاب في آخر "كتاب الصَّدَاق" ورأى الأصح التحالف، فإن قلنا: لا تَحَالُف حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ولم يجمع أحدهما في اليَمِين بين النفي والإثبات، ولا يتعلق بينهما فَسْخٌ ولا انفساخ، ولو كانت المَسْألة بحالها، وأقام كل واحد منهما بَيِّنة على ما ذكره سلمت الجارية للمشتري، وأما العبد فقد أقر البائع بيعه، وقامت البَيِّنة عليه، أو لم تقم فإن كان في يد المشتري أقر عنده، وإن كان في يد البائع، فوجهان: أحدهما: أنه يسلم إلى المشتري ويجبر على قبوله.

стр. 2032

والثَّاني: لا يجبر لأنه ينكر ملكه فيه، فعلى هذا يقبضه الحاكم وينفق عليه من كَسْبه، فإنْ لم يَكُنْ له كسب، ورأْى الحَظَّ في بيعه وحفظ ثمنه فعل، ولو أنفقا على المبيع والثمن، واختلفا في شرط الخيار أو قدره أو شرط الرهن بالثمن أو الكفيل أو شرط الأجل أو قدره، جرى التحالف أيضاً، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: الاختلاف في شروط العقد لا يقتضي التَّحَالف، ولكن القول قول من منعها (١). لنا إطلاق الأخبار السَّابقة، والرِّوَاية المذكورة في الكتاب، ولا تخفى المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب. قال الغزالي: وَيَجْرِي فِي كُلِّ مُعَاوَضَة، كَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ العَمْدِ، وَالخُلْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالإِجَارَةِ، وَالمُسَاقَاةِ، وَالقِرَاضِ، وَالجَعَالَةِ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ فِي بَدَلِ الدَّمِ وَالبُضْعِ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِ المِثْلِ لاَ فَسْخُ الخُلْعِ وَالنِّكَاح، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُ هَذَا مِنِّي فَقَال: لاَ بَلْ بِعْتُهُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ مَا وَهَبَ، وَلَمْ يَتَحَالَفَاَ إِذْ لَمْ يتَّفِقَا عَلى عَقْدٍ. قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: أن التَّحَالف لا يختص بِالمُبَايعات، بل يجري في سائر عقود المُعَاوضات من السّلم والإِجَارة والمُسَاقَاة والقِرَاض والجَعَالَة والصلح عن الدم والخُلْع والصَّداق والكتابة طرداً للمعنى، ثم في البيع ونحوه يُفسخ العقد بعد التحالف، أو ينفسخ ويترادَّان كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفي الصُّلْح عن الدَّمِ لا يعود استحقاق، بل إنَّ التحالف في الرجوع إلى الدِّيَة، فكذلك لا يرتدّ البُضع، ولكن في النكاح ترجع المرأة إلى مهر المثل، وفي الخُلْع يرجع إليه الزوج، وسيعود ذكر هذا الكلام في كتابيهما، ثم ذكر الإمام -قدس الله روحه- في هذا الموضع إشكالاً. فقال: أي معنى للتحالف في القِرَاض مع أنه جائز، وكل واحد منهما بسَبِيْل من فسخه بكل حال، وأيد ذلك بأن القاضي الحسين منع من التحَالف في البَيعَ في زمان الخِيَار ومكانه لإمكان الفسخ بسبب الخيار، وأجاب بأن التَّحَالف ما وُضع للفسخ، ولكن عُرضت الأَيْمَان رجاء أن ينكل الكاذب، فيقرر العَقْد بيمين الصَّادق، فإذا لم يتفق ذلك وأصرَّا فُسخ العقد لِلضَّرورة، ونازع القاضي فيما ذكره لإِشْكَالاَت قررها، ثم مال بالآخرة إلى موافقته، ورأى في القِرَاض أن يفصَّل، فيقال: التحالف قبل الخوض في العمل لا معنى له، وأما بعده فالنزاع يؤول إلى مقصود لا خيرة فيه من ربح أو أجر مثل، فيتحالفان والجَعَالَةُ كالقِرَاضِ.

стр. 2033

الثانية: لو قال: بِعْتُك هذا بالألْف، فقال: بل وَهَبْتنيه، فلا تحالف إذ لم يتفقا على عقد، ولكن يحلف كل واحد منهما على نفي ما يَدَّعيه صاحبه، فإذا حلفا فعلى مدعي الهِبَة رده بزوائده، هذا هو المَشْهُور ووراءه شيئان. أحدهما: عن صاحب "التقريب" رواية قول أن القول قول مدعي الهِبَة، لأنه مالك باتفاقهما وصاحبه يدعي عليه، والأصل براءة ذمته عنه. والثَّانِي: أطلق في "التتمة" وَجْهًا أنهما يتحالفان، وادَّعى أنه الصحيح، ولو قال: بعتك هذا بِألْف فقال بل وَهَبْتنيه حلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه، ورد الألف واسترد العَين، ولو قال: رهنتكه بألف استقرضته، فقال: بل بعتنيه بألف، فالقول قول المالك مع يمينه وترد الألف، ولا يمين على الآخر، ولا يكون رهناً؛ لأنه لا يدعيه قاله في "التهذيب". قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَا في شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَكَذَلِكَ، وَالأَصَحُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الشَّرْطَ الفَاسِدَ، وَلَو رَدَّ المَبِيعَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ مَا قَبَضْتَهُ مِنِّي فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي المُسَلَّمِ فِيهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقَبْضٍ صحِيحٍ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَضِيَ بِهِ لَوَقَعَ عَنْ جِهَةِ الاسْتِحْقَاقِ لِرُجوعِ التَّفَاوُتِ إِلَى الصِّفَةِ فَهُوَ كالمَبِيعِ؛ لأَنَّ القَبْضَ صَحِيحٌ فِيهِ لَوْ رَضِيَ بِهِ. قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثَّاني: أن يختلفا من غير الاتِّفَاق على عقد صحيح بأن يدّعي أحدهما صحة العَقْد، والآخر فساده كما إذا قال: بعتك بألف، فقال المشتري: بل بألف وزِقّ خمر أو قال أحدهما: شرطنا في العقد شرطاً مفسداً، وأنكر الآخر فلا تحالف، وفيمن القول قوله وجهان: أصحهما عند صاحب "التهذيب": أَن القول قول من يدعي الفساد مع يمينه" لأن الأصل عدم العقد الصَّحِيح، وبقاء الملك للمالك، وصار كما لو اختلفا في أصل البيع. وأصحهما عند المصنف، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أن القول قول من يدعي الصِّحة؛ لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصِّحة، واحتج لهذا الوَجْه بنصه في البُويطيّ فيمن أسلم إلى رجل في طعام واختلفا فادعى المُسَلّم إليه أنه شرط فيه الخيار، وأنكره المسلم أن القول قول المسلم مع يمينه، وأيضاً فلو قال: هذا الذي يعتنيه حر الأصل، وقال البائع: بل هو مملوك، فالقول قول البائع وذكر الأئمة تخريج الوجهين على أصلين: أحدهما عن القاضي أبي الطيب: أن أصل الوَجْهَين قولان للشَّافعي ﵁ فيمن تكفَّل برجل ثم اختلفا، فقال تَكَفَّلت على أن الخِيَار ثلاثاً، وأنكر المكفول

стр. 2034

له أن القول قول الكفيل أو المكفول له. والثَّاني عن القَفَّال أن أصلهما القولان فيمن قال لفلان: عليَّ ألف من ثمن الخمر، هل يوآخذ بأول كلامه أم يقبل قوله من ثمن الخمر؟ إن قلنا بالثاني، فالقول قول من يدّعي الفَسَاد. وَإن قلنا بالأول، فالقول قول من يدعي الصِّحة، ولمخرج أن يخرج الوجهين على قولي تقابل الأصل والظاهر، ولو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمر أو بثمن مجهول. ففي "التهذيب" نقل طريقين. أظهرهما: طَرْدُ الوَجْهَيْن. والثاني: القطع بالفساد؛ لأنه لم يقر بشيء ملزم، وإذا فرعنا علي أن القول قول من يدّعي الصِّحة، فلو قال: بعتك بألف، فقال: بل بخمسمائة وزِقّ خمر، وحلف البائع على نفي سبب الفساد صدق فيه وبقي التنازع في قدر الثمن فيتحالفان. ثم الفصل يشتمل على مسألة أخرى في اخْتلاف المُتَبَايعين من وجه آخر، وهي أن يشتري عبداَ مثلاً ثم يجيء بِعَبْد ويريد ردَّه بعيب فيه فيقول البائع: ليس هذا ما ابتعته وقبضته مِنِّي، فالقول قول البَائع لأن الرَّادَّ يريد الفسخ، والأصل مُضِيُّه على السَّلامة، ولو فرض ذلك في التسلم، أو قال: ليس هذا على الوصف الذي أسلمت إليك فيه، ففيه وجهان: أحدهما: أن القول قول المُسَلم إليه مع يمينه، كما أن القول قول البائع، وبهذا أجاب في "التتمة". وأصحهما: أن القول قول المسلم، لأن اشتغال ذمّته بمال السلم معلوم، والبراءة غير مَعْلُومة، ويفارق صورة البيع؛ لأنهما اتفقا على قبض ما ورد عليه الشِّرَاء، وتنازعا في سَبَبِ الفسخ، والأصل استمرار العقد، والوجهان جاريان في الثمن في الذمة أن القول قول القابض أو الدافع، وعن ابن سُرَيْجٍ وجه ثالث: وهو أنه يفرق بين ما يمنع صحّة القبض وبين العيب الذي يمنعها، فإذا كان الثمن دراهم في الذمة وفرض هذا النزاع، وكان ما أراد البائع رده زُيوفاً ولم يكن وَرِقاً، فالقول قول البائع لإنكار أصل القبض الصحيح، وإن كانت وَرِقاً لكنها رَدِيئةٌ النوع لخشونة أو اضطراب سَكة، فالقول قول المشتري، لأن أصل القبض قد تحقق، ولو رضي به لوقع المقبوض عن الاستحقاق، ولا يخفى التفصيل في المُسَلّم فيه، ولك أنْ تقول: المعنى الفارق في المُسَلَّم فيه ظاهر، فإن الاعتياض عنه غير جائز، ولكن في الثمن لو رضي بالمقبوض لوقع عَنِ الاسْتِحْقَاق، وإن لم يكن ورقاً متى كانت لو قيمة؛ لأن الاستبدال عن الثمن جائز على الصَّحيح.

стр. 2035

وقوله في الكتاب: "الرجوع التفاوت إلى الصفة"، أراد صفات الجَوْدَة والرَّدَاوَة، فإن أخذ الرَّدِيء عن الجَيِّدِ جائز، وإنَّما المانع من الأخذ تَغَايُر الجنس، ولو كان الثمن مَعِيباً فهو كالمبيع، فإذا وقع فيه هذا الاختلاف فالقول قول المُشْتري مع يمينه. قال في "التهذيب": لو كان المعين نحاساً لا قيمة له فالقول قول الرَّاد، لأنه يدّعي بقاء مِلْكه وفساد العقد، ولك أنْ تقول ينبغي أن يكون هذا على الخلاف فيما إذا ادَّعى أحدهما صحة العقد والآخر فساده، ولو اشترى طعاماً كيلاً وقبضه بالكيل أو وزناً وقبضه بالوزن، أو أسلم فيه وقبضه، ثم جاء وادعى نقصانًا فيه نظر إِنْ كان قدر ما يقع مثله في الكيل والوزن قُبِلَ، وإلاَّ فقولان عن رواية الربيع. أحدهما: أن القول قول القَابِض مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء حقه، ويحكى هذا عن أبي حنيفة ورجحه صاحب "التهذيب". والثَّاني ويحكى عن مالك: أن القول قول الدَّافع مع يمينه؛ لأنهما اتَّفَقا على القبض والقابض يدّعي الخطأ فيه، فيحتاج إلى البَيِّنَة كما لو اقتسما، ثم جاء أحدهما وادَّعى الخطأ فيه، يحتاج إلى البَيِّنة وهذا أصح عند القاضي أبي الطيب وغيره، ولو اختلف المتبايعان في القَبْض، فالقول قول المُشْتَري ولو باع عَصِيراً وحصل القَبْض فوجد خَمْراً. فقال البائع: تخمر في يدك، وقال المشتري: بل سلمته خمراً، والقبض فاسد وأمكن الأَمْران جميعاً، فقولان: أحدهما: أن القول قول البائع لأن الأصل بقاء الحَلاَوة. والثاني: أنَّ القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض الصحيح. ولو قال أحدهما: أنه كان خمراً عند البيع، فهذا يدّعي فساد العقد والآخر يدعي صحته وقد سبق حكمه، وبهذا يقاس ما لو باعه لبناً فأخذه المُشْتري في ظرف ثم وجدت فيه فَأْرة، وتنازعا في نَجَاسته عند القبض وعند البيع. ولو قال المشتري: بعت العبد بشرط أنه كاتب، وأنكره البائع فوجهان: أحدهما: أن القول قول البائع كما لو اختلفا في العيْب. والثاني: أنهما يتخالفان كما لو اختلفا في الأجل أو الخيار. قال في "التتمة": وهذا أصح، ولو كان الثمن مؤجلاً، واختلفا في انقضاء الأجل فالأصل بقاؤه. قال الغزالي: أَمَّا كَيْفِيَّةُ اليَمِينِ فَالبَدَاءَةُ (ح) بِالبَائِعِ، وَفِي السَّلَمِ بِالمُسَلَّمِ إِلَيْهِ، وَفِي الكِتَابَةِ بِالسَّيِّدِ؛ لأَنَّهُمَا في رُتْبَةِ البَائِعِ، وَفِي الصَّدَاقِ بِالزَّوْجِ؛ لأَنَّهُ فِي رُتْبَةِ بِائِعِ الصَّدَاقِ،

стр. 2036

وَأَثَر التَّحَالُفِ يَظْهَرُ فِيهِ لاَ فِي البُضْعِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُبْدَأُ بِالمُشْتَرِي وَهُوَ مُخَرَّجٌ، وَقِيلَ: يَتَسَاوَيَانِ فَيُقَدَّمُ بِالقُرْعَةِ أَوْ بَرَأْيِ القَاضِي، ثُمَّ يَحْلِفُ البَائع يَمِيناً وَاحِداً وَيَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإثْبَاتِ، وَيُقَدِّمُ (و) النَّفْيَ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا بِعْتُهُ بِألْفٍ بَلْ بِعْتُهُ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ البَائِعُ عَلَيْهِمَا وَنَكَلَ المُشْتَرِي عن أَحَدِهِمَا قَضِيَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لاَ يَجْمَعُ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ بَلْ يَحْلِفُ البَائِعُ عَلَى النَّفْيِ ثُمَّ المُشْتَرِي عَلَى النَّفْيِ، ثُمَّ البَائِعُ عَلى الإِثْبَاتِ ثُمَّ المُشْتَرِي عَلَى الإِثْبَاتِ فَيَتعَدَّدُ اليَمِينُ. قال الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني في كيفية التَّحَالف: وقاعدته أن يحلف كل واحد من المُتَعَاقدين على إثبات ما يقوله، ونفي ما يقوله صاحبه. ثم فيه مسألتان: إحداهما: فيمن يبدأ به من المتعاقدين، وقد نَصَّ في البيع أنه يبدأُ بالبائع، وفي المسلم أنه يبدأ بالمسلم إليه، وفي الكتابة بالسَّيد وهذه النُّصوص متوافقة وفي الصَّدَّاق أنه يبدأ بِالزَّوْج، وظاهره يخالف سائر النُّصُوص؛ لأن الزَّوج شَبِيهٌ بالمشتري، ونَصَّ في الدَّعَاوَى، أنه إن بدأ بيمِين البائع خير المشتري، وإن بدأ بيمين المشتري خير البائع وهذا يشعر بالتَّسوية والتَّخيير، وللأصحاب طريقان: أظهرهما: أن المَسْأَلة على ثلاثة أقوال: أظهرهما: أن البِدَاية بالبائع، وبه قال أحمد، واحتجوا له بأن جانبه أقوى؛ لأن مِلْكه على الثمن يتم بالعقد، ومِلْك المشتري على المبيع لا يتم بالعقد، ولأن المبيع يعود إليه بعد التَّحَالف. والثَّاني: أن البداية بالمشتري، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن البائع يدّعي عليه زيادة الثَّمن، والأصل براءة ذمَّته عنها فيقوى بذلك جانبه. والثالث: أنه لا بداية بل يَتَسَاويان؛ لأن كل واحد منهما مدع عليه فلا ترجيح. وعن الشيخ أبي حامد أنَّ هذا أقيس، وإن كان الأول ظاهر المذهب وعلى هذا فوجهان: أظهرهما: أن الحاكم مخير في ذلك يبدأ بمن اتَّفق. والثَّاني: أنه يقرع بينهما كما يقرع بين المُتَسَاويين إلى مجلسه. والطريق الثاني: القطع بأن البِدَاية بالبائع، ومن قال بهذا قطع بأن البداية في اختلاف الزوجين بالزوج على ما نصّ عليه وقرره من وجهين:

стр. 2037

أحدهما: أنَّ أثر تحالف الزوجين، إنما يظهر في الصَّدَاق دون البُضع، والزوج هو الذي ينزل عن الصداق فكان كالبائع له. والثاني: أن تقديم البائع إنما كان لقوة جانبه بحُصُول المبيع له بعد التحالف وفي النِّكَاح يبقى البُضْعُ للزوج. وأما نصه في "كتاب الدَّعَاوَى" فستعرف تأويله إن شاء الله تعالى. إذا قلنا بطريقة إثبات الخلاف، فإن قدمنا البائع لم يخف من ينزل منزلته في سائر العُقُود وفي الصَّدَاق يأتي وجهان: أحدهما: أن البداية بالمرأة لِمَا مَرَّ وَإِنْ قدمنا المشتري، نقله صاحب "التهذيب" وغيره. وأوفقهما للنص: أن البداية بالزوج لِمَا مَرّ، وإنْ قدمنا المشتري فالقِيَاسُ انْعكاس الوجهين والله أعلم. ثم هاهنا أمران: أحدهما: أن جميع ما ذكرناه في الاسْتِحْباب دون الإيجاب، والاشتراط نص عليه الشَّيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب" و"التتمة"، وهو أحد ما حمل عليه نصه في الدَّعَاوى. والثَّاني: أنَّ تقديم أحد الجَانِبَيْن مخصوص بِمَّا إذا بَاعَ عرضاً بثمن في الذّمة. فأما إذا تَبادلا عرضاً بعرض فلا تتجه إلاَّ التسوية ذكره الإمام، وينبغي أنْ يخرج ذلك على أنَّ الثَّمَن ماذا؟ وقد سبق الخِلاَف فيه. المسألة الثَّانِية في تعدد اليمين وصفتها: ظاهر نَصّ الشَّافعي ﵁ الاكتفاء بِيَمين واحدة من كل واحد من المُتَعَاقدين يجميع فيها بين النَّفْي والإِثْبات، فيقول البائع: ما بعت بخمسمائة وإنما بعت بألف، ويقول المشتري: ما اشتريت بألف وإنَّمَا اشتريتُ بخمسمائة، ولو كان في يد رجلين دَارٌ فادَّعى كل واحد منهما أن جميعها له فالنص أن كل واحد منهما يحلف على مجرد نفي استحقاق صاحبه ما في يده، فلو حلف أحدهما ونكل الآخر فالحالف يحلف يميناً أخرى لِلإِثْبَات، وللأصحاب فيهما طريقان: أصحهما: تقريرُ النَّصَّين، والفرق أن منفي كل واحد منهما في ضِمْن مثبته، لأن العقد واحد بالاتِّفَاق والتَّنَازع في صِفَتِه فكأن الدعوى واحدة فجاز التَّعرض في اليمين الوأحدة للنفي والإثبات، وفي مسألة الدَّار منفى كل واحد منهما ممتاز عن مثبته، فلا معنى لِيَمِيْنِهِ على الإِثْبَات قبل نكول صَاحِبِه. والثاني: التصرف بتخريج قول من مسألة الدار، فيما نحن فيه.

стр. 2038

ووجهه الجري على قياس الخصومات، فإنَّ يمين الإثبات لاَ يُبْدأ بها في غير القسَامة، وهل يتصرف بتخريج قول ما نحن فيه في مسألة الدار أيضاً؟ قال الأكثرون: نعم، حتى يكون قولان بالنقل والتخريج. وقال الشيخ أبو حامد والإمام: لا، وهو الحق لأن كل واحد منهما لا يحتاج فيما في يده إلى الإثبات، واليمين على الإِثبات يَمين الرد، فكيف يحْلِف الأول يمين الرد وصاحبه لم ينكل بعد، وكيف يَحْلِفُهاَ الثاني وقد حَلَفَ صاحبه. التفريع: إن اكتفينا بيمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات، فإذا حلف أحدهما ونكل عن الثَّاني، قضى لِلْحَالف سواء نكل عن النَّفْي والإِثْبَات جميعاً، أو عن أحدهما، والنكول عن البعض كهو عن الكل وينبغي أن يقدم النَّفي على الإِثبات؛ لأن النفي هو الأصل في الأَيْمَان. وعن الإِصْطَخريّ: أنَّ الإثبات مقدم؛ لأنه المقصود وهذا الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق. والأظهر: الأول، ونقل الإمام الثّاني. وإن قلنا: يَحْلِف أَوَّلاً على مجرد النفي، فلو أضاف إليه الإثبات كان لَغْواً، وإذا حَلَفَ مَنْ وقعت البداية به على النَّفي عرضت اليمين على الثاني، فإن نكل حلف الأول على الإثْبَات وقضى له، وإنْ نكل عن الإثبات لم يقض له لاحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه فيما يدعيه. ثم عن الشيخ أبي محمد أنه كما لو تَحَالفا، لأن المَرْدُودة عليه عن يمين الرِّدِّ نازلة في الدَّعَاوَى منزلة حلف النَّاكِلِ أَوَّلاً، ولو نكل الأول عن اليمين حلف الآخر على النَّفْي والإِثْبات وقَضَى له ولو حلفا على النَّفْي فوجهان: أصحهما وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه يكفي ذلك، ولا حاجة بعده إلى يمين الإِثبات؛ لأن المُحوْج إلى الفسخ جَهَالة الثَّمَن وقد حصلت. والثَّاني: أنه تعرض يمين الإِثْبَات عليهما، فإن حلفا تمَّ التَّحالف، وإن نكل أحدهما قضى للحالف، والقول في أنه يقدم يمين النَّفْي أو الإثبات بما ذكرنا على تقدير الاكْتِفَاء بيمين واحدة، ولو عرضت اليَميْنُ عليهما فنكلا جميعاً فيه وجهان للإمام: أحدهما: أن تَنَاكُلهما كتحالفهما، كما أنه إذا تداعى رجلان مولوداً كان ذلك كتحالفهما. والثاني: أنه يوقف الأمر وكأنهما تركا الخصومة (١). قوله في الكتاب في المسألة الأولى: (وقيل: إنه يَبْدَأ بالمشتري وهو مخرج) إنما

стр. 2039

ذكر ذلك؛ لأنه مأخوذ من نَصِّه في الصَّدَاق، يجوز إعلام قوله، وقيل في الموضعين بالواو للطريق القاطعة بأن البداية بالبائع. وقوله: (فالبداءة بالبائع) مُعَلّم بالحاء. وقوله: (يبدأ بالمشتري) بالألف. قوله: (يتساويان) بهما. وقوله: (فيتقدم بالقُرعة أو برأي القاضي) ليس لِلتَّخْيير، وإنما أراد به الوجهين اللَّذَيْن قدمناهما. وقوله: (ويقدم النَّفي) في المَسْألة الثانية معلّم بالواو. وقوله: (بل يحلف البائع على النفي) إلى آخره مفرع على أن البداية بالبائع. قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّحَالُفِ فَهُوَ إِنْشَاءُ الفَسْخِ إِذَا اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرّجٌ أنَّهُ يَنْفَسِخُ، ثُمَّ القَاضِي يَفْسَخُ، أَوْ مَنْ (و) أَرَادَ مِنَ المُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ وَجْهَانِ. قال الرَّافِعِيُّ: الفصل الثالث في حكم التَّحالف وثمرته إذا تحالف المتعاقدان، ففي العقد وجهان: أحدهما: أنه يَنْفسخ كما يَنْفَسخ النِّكَاح بتحالف المُتَلاَعنين؛ ولأن التَّحَالف يحقق ما قالاه، ولو قال البائع: بعت بألف، فقال المشتري: اشتريت بخمسمائة لم ينعقد، فكذلك هاهنا. وأصحهما وهو المنصوص: أنه لا ينفسخ؛ لأن البَينة أقوى من اليمين، ولو أقام كل واحد منهما بينة على ما يقوله لا ينفسخ العقد، فباليمين أَوْلى أن لا ينفسخ. التفريع: إنْ قُلْنَا بالأول فلو تصادقا على أخذ الثمن لم يعد نافذاً، بل لا بد من تجديد عَقْدٍ، وهل يَنْفَسخ في الحال أو نتبين ارتفاعه من أصله؟ فيه وجهان: أظهرهما: أولهما لنفوذ تَصَرُّفَات المُشْتري قبل الاختلاف. ويحكى الثَّاني عن أبي بكر الفارسي. وإن قلنا بالأصح، فالحُكْم يدعوهما بعد التَّحَالف إلى المُوَافَقَة، فينظر هل يعطى المشتري ما يقوله البائع من الثمن؟ فإنْ فعل أجبر البائع عليه وإلاَّ نظر هل يَقنع البائع بما يقوله المشتري؟ فإنْ فعل فذاك وإلاَّ فيحينئذٍ يحتاج إلى فسخ العقد، وَمَنِ الذي يفسخه؟ فيها وجهان: أحدهما: الحاكم الفسخ بالعُنَّة، لأنه فسخ مجتهد فيه. وأظهرهما: أن للمتعاقدين أيضاً أنْ يفسخا، ولأحدهما أن ينفرد به كالفسخ بالعيب. قال الإمام: وإذا قلنا: الحاكم هو الَّذِي يفسخ فذاك إذا استمرَّا على النّزاع ولم يفسخا أو التمسا الفسخ فأمَّا إذا أعرضنا عن الخُصُومة ولم يتوافقا على شيء ولا فسخا ففيه تردد، ثم إذا فسخ العَقْد ارتفع في الظَّاهر، وهل يرتفع في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا؛ لأن سبب الفَسْخ تعذُّر إمضائه لعدم الوقوف على الثمن، وإنه أمر

стр. 2040

يتعلق بالظَّاهر. والثاني: نعم؛ كالفَسْخِ يتعلّق بالعيب. والثالث: إنْ كان البائع صَادِقاً فنعم لتعذر وصوله إلى حَقّه كما لو فسخ بإفلاس المشتري، وإن كان كاذباً فلا تمكنه من الوصول إلى ما ثبت له، وهل يجري مثل هذا الخلاف إذا فرعنا على انفساخ العقد بنفس التَّحَالف، أم يجزم بالارتفاع باطناً أيضاً؟ اختلفوا فيه، وإذا قلنا بالارتفاع باطناً ترادّا وتصرف كل واحد منهما فيما عاد إليه، وإن منعناه لم يجز لهما التَّصرف، لكن لو كان البائع صادقاً فقد ظَفَرَ بمال من ظلمه لما استرد المبيع فله بيعه، إما بالحاكم في أحد الوجهين أو بنفسه في أصحهما واستيفاء حقه من ثمنه. واعلم أَنَّ جميع ما ذكرناه مفرغ في قالب واحد، وهو أن يكون اختلافهما في قدر الثمن، وللإمام عِبَارة نحو هذه الصُّورة، وسائر صور الاخْتِلاَف، وهي أن الفَسْخ إنْ صدر من المحق فالوجه تنفيذه باطناً، وإن صدر من المبطل فالوجه منعه، وإن صدر منهما جميعاً فَلاَ شَكَّ في الانْفِسَاخ باطناً، وليس ذلك موضع الخِلاَف. قال المصنف في "الوسيط": كما لو تَقَايلا، وإذا صدر من المبطل ولم ينفذه باطناً فطريق الصادق إنشاء الفسخ، وإن أراد الملك فيما عاد إليه، وإِنْ صدر من القاضي فالظَّاهر الانْفِسَاخ باطنًا لينتفع به المحق. قال الغزالي: ثُمَّ يَرُدُّ عَيْنَ المَبِيعِ عِنْدَ التَّفَاسُخِ إِنْ كَانَ قَائِماً وإِلاَّ فَقِيمَتُهُ عِنْدَ التَّلَفِ اعْتِبَاراً بِقيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَف عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرَ يَوْمُ القَبْضِ، وَلَوْ كَانَ المَبيعُ عَبْدَيْنِ وَتَلَفَ أَحَدُهُمَا ضُمَّ قِيمَةُ التَّالِفِ إِلَى القَائِمِ، وَلَو كَانَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ضُمَّ أَرْشُ العَيْبِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ آَبِقًا أَوْ مُكَاتَبَ أَوْ مَرْهُوناً أَوْ مُكْرى غُرِّمَ القِيْمَةَ، وَإذَا ارْتَفَعتِ المَوَانِعُ فَفِي رَدِّ العَيْنِ وَاسْتِردَادِ القِيمَة خِلاَفٌ. قال الرَّافِعِيُّ: إذا انفسخ البيع بالتَّحَالُف أو فسخ، فعلى المشتري رد المبيع إن كان قائماً بحالة. لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا" (١) ويسلم له الولد والثّمرة والكسب والمَهْر، وإن كان تالفاً فعليه قيمته، سواء كانت أكثر من الثمن الذي يَدَّعيه البائع أو أقل، وفي القمية المعتبرة وجوه. وقال الإمام أقوال:

стр. 2041

أصحَّها: عند المصنف: أن الاعتبار بقيمة يوم التلف؛ لأن مورد الفَسْخ العَيْن لو بقيت، والقيمة خلف عنها، فإذا فات الأصل، فحينئذٍ ينظر إليها. والثَّاني: أنه يعتبر قيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضَمَانه، ثم ما يعرض من زيادة أو نُقْصان فهو في ملكه، ولم يذكر في الكتاب سوى هذين. والثَّالث: أنه يعتبر أقل القيمتين؛ لأنها إنْ كانت يوم العقد أقل فالزِّيَادة حدثت في ملك المشتري، وإنْ كانت يوم القَبْض أقل فهو يوم دخوله في ضمانه، وقد ذكرنا نَظِيرَ هذه الثَّلاثة في القيمة التي نعتبرها لمعرفة الأَرْش. والرابع وقد أورده مع الأول في "التهذيب": أنَّ الاعتبار بأقصى القيم من يوم القَبْض إلى يوم التَّلف؛ لأن يده يد ضَمَان فتعتبر أعلى القيم. قال الشيخ أبو علي: هذا الخلاف ناظر إلى أن العقد يرتفع من أَصْله أو من حينه. إن قلنا بالأول فالواجب أقصى القيم. وإن قلنا بالثاني اعتبرنا قيمة يوم التلف. ولو اشترى عبدين وتلف أحدهما، ثم اختلفا وتحالفا، هل يرد العبد الباقي؟ فيه الخلاف المذكور في مثله، وإذا وجد الباقي معيباً، إن قلنا: يرد، فيضم قيمة التالف إليه، وفي القمية المعتبرة الأوجه، ولعل باحثاً يقول: لم كان الأصح هاهنا غير الأصح في القيمة المعتبرة لمعرفة الأرش؟ والجواب: يجوز أن يكون السَّبَب فيه ما أشار إليه الإمام، وهو أن النظر إلى القيمة ثَمَّ ليس ليغرم ولكن ليعرف منها الأَرْش الَّذي هو جزء من الثَّمن، وكذلك العِوَض فيما إذا تلف أحد العَبْدَين ووجد عيباً بِالبَاقي وجوزنا إفراده بالرَّد، يوزع الثمن على قيمة التَّالِف والباقي، وهاهنا المغرم القيمة فكان النَّظر إلى حالة الإِتلاف أَلْيق، وإن كان المَبِيع قائماً إلاَّ أنه قد تعيب رده مع الأَرْش، وهو قدر ما نقص من القيمة؛ لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فيكون البعض مَضْمُوناً ببعض القِيْمَة، بخلاف ما لو تَعَيَّب المبيع في يد البَائِع وأفضى الأمر إلى الأَرْش يجب جزء مِنَ الثّمن؛ لأن الكل مَضْمُون على البائع بالثمن، فكذلك البعض. قال الشَّيخ أبو علي: وهذا أصل مُطّرد في المَسَائل أن كل موضع لو تلف الكُلّ كان مضموناً على الشَّخْص بالقيمة، فإذا تلف البَعْض كان مضموناً عليه ببعض القيمة كالمغصوب وغيره، إلاَّ في صورة: وهي أنه إذا عجل زكاة ماله، ثم تلف ماله قبل الحول وكان ما عجله تالفاً يغرم المسكين القيمة، ولو كان معيباً ففي الأَرْشِ وجهان، وهذه المسألة قد بيناها في

стр. 2042

موضعها، وميل الشيخ إلى طرد الأصل فيها. ثم التلف قد يكون حقيقياً، وقد يكون حكمياً؛ كما لو كان المشتري قد وقف المبيع، أو أعتقه، أو باعه، أو وهبه وأقبضه فتجب القيمة، وهذه التصرفات ماضية على الصِّحة. وعن أبي بكر الفارسي: أنه يَتَبيّن بجريان التَّحَالف فسادها وتردّ العَيْن. والتَّعيُّب أيضاً قد يكون حقيقياً، وقد يكون حكمياً، كما لو زوج الجَارِية المبيعة أو العبد المبيع، فعليه ما بين قيمتها مزوجة وخلية، وتعود إلى البائع والنكاح بحاله، وعن الفارسي: أنه يبطل النكاح أيضاً، ومَهْما اختلفا في قدر القيمة. والأَرْش فالقول قول المشتري؛ لأنه الغارم ولو كان العبد المبيع قد أبق من يد المُشْتَري حين تَحَالفا لم يمتنع الفسخ، لأن الإِبَاق لا يزيد على التَّلف، ويغرم المشتري قيمته لتعذّر الوصول إليه، وكذا لو كاتبه كتابة صحيحة، ولو رهنه فالبائع بالخيار بين أخذ القيمة وبين الصَّبر إلى انفكاك الرهن، ولو أجره فيبني على أن بيع المستأجر هل يجوز؟ إن قلنا: لا، فهو كما لو رهنه. وإن قلنا: نعم، فللبائع أخذه لكنه يترك عند المستأجر إلى انقضاء المدة، والأجرة المُسَمَّاة للمشتري، وعليه للبائع أجرة المِثْل للمدة الباقية. وإن كان قد آجره من البائع فله أخذة لا مَحَالَة، وفي انفساخ الإِجَارَة وجهان كما لو باع الدار المُكْرَاة من المُكْتري. إن قلنا: لا ينفسخ، فعلى البائع المُسَمّى للمشْتري، وعلى المشتري أُجْرَة مثل المدة الباقية للبائع، وإذا غَرَمَ القيمة في هذه الصورة، ثم ارتفع السَّبَبَ الحائل وأمكن الرد، هل تسترد القيمة وترد العين؟ يبنى ذلك على أنه قبل ارتفاع الحائل ملك من؟ أما الآبق ففيه وجهان: أحدهما: أنه يبقى للمشتري والفسخ لا يرد على الآبق كالمبيع، وإنما هو وارد على القيمة. وأصحهما: أنه في إِبَاقِهِ ملك للبائع، والفَسْخ وارد عليه، وإنما وجبت القيمة للحيلولة. وأما المرهون والمكاتب ففيهما طريقان: أحدهما: طرد الوجهين. وأظهرهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: القَطْع ببقاء الملك للمشتري، كما أنَّ المشتري إذا أفلس بالثَّمن والعبد آبق يجوز للبائع الفسخ والرجوع إليه، ولو كان مرهوناً أو مُكَاتباً له ذلك، وأما المكري إذا منعنا بيعه فهو كالمرهون، والمكاتب والآبق؛ لأن حق المكري يتعلّق بمورد البَيْع والفسخ، وهو فيه احتمالان للإمام: فإذا قلنا ببقاء الملك للمشتري فالفَسْخُ وارد على القيمة، كما في صورة التَّلَف فلا رد ولا اسْتِرْدَاد، وإن قلنا بانقلابه إلى البائع، ثبت الرد والاسترداد عند ارتفاع الحيلولة، والله أعلم. وتختم الباب بفروع:

стр. 2043

أحدها: لو اختلف المُتَبَايِعان، ثم حلف كل واحد منهما بعد التحالف أو قبله بحريّة العبد المبيع إن لم يكن الأمر كما قال، فلا يعتق العبد في الحال؛ لأنه ملك المشتري، وهو صادق بزعمه، ثم إن فسخ العقد أو عاد العبد إلى البائع بسبب آخر عتق عليه، لأن المشتري كاذب بزعمه، والعبد قد عتق عليه، فهو كمن أقرَّ بحريّة العبد ثم اشتراه، ولا يعتّق في الباطن إنْ كان البائع كاذباً، ويعتق على المشتري إن كان صادقاً، وولاء هذا العبد موقوف لا يدعيه البائع ولا المشتري. ولو صدق المشتري البائع حكم يعتقه عليه، ويرد الفسخ إن تفاسخا، كما لورد العبد بعيب، ثم قال: كنت أعتقته يرد الفسخ ويحكم بِعْتِقه، ولو صدق البائع المشتري، نظر إن حلف البائع بالحُرِيّة أوَّلاً ثم المشتري، فإذا صدقه البائع عقب يمينه، ثم عاد العبد إليه لم يعتق؛ لأنه لم يكذب المشتري بعد ما حلف بالحُرِيّة حتى يجعل مقرّاً بعتقه، وإنْ حلف المشتري بحريته أوَّلاً ثم حلف البائع، ثم صدقه عتق إذا عاد إليه، لأن حلفه بعد حلف المشتري تكذيب له وإقرار بالحُرِية عليه. ولو كانت المَسْألة بحالها لكن المبيع بعض العبد، فإذا عاد إِلَى مِلْك البائع عتق ذلك القدر عليه ولم يقوَّم عليه الباقي؛ لأنه لم يحصل العِتْق بمباشرته، بل بإقرار على غيره، فصار كما لو خلف اثنين وعبداً فقال أحدهما: أعتق أبي هذا العبد وأنكره الآخر، يعتق نصيب المُقر ولا يقوّم عليه الباقي، وهذا الفرع من مولدات ابْن الحَدَّاد ﵀. الثاني: إذا جَرَى البيع بين وكيلين واخْتَلَفا، ففي تحالفهما وجهان: وجه المنع: أن غرض اليمين ليخاف الظالم فيقر، وإقرار الوَكِيل على موكله غير مقبول (١). الثالث: لو كان المبيع جارية ووطئها المشتري ثم اختلفا وتحالفا، إن كانت ثيباً فلا شيء عليه مع ردّها، وإن كانت بِكْراً ردها مع أَرْش البكارة؛ لأنه نقصان جزء، وإذا ترافع المتنازعان إلى مجلس الحكم، ولم يتحالفا بعد فهل للمشتري وطء الجارية؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لبقاء ملكه، وبعد التحالف وقبل الفسخ وجهان مرتبان، وأولى بالتحريم لإشرافه على الزوال.

стр. 2044

الرابع: لو تقايلا المتبايعان، أورد المشتري المبيع بِعَيْبٍ بعد قبض البائع الثمن، واختلفا في قدر الثمن، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن العقد قد ارتفع، والمشتري يدعي زيادة، والأصل عدمها (١).

стр. 2045

كِتَابُ السَّلَم (١) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِ الأَوَّلُ، فِي شَرَائِطِهِ قال الغزالي: وَالمُتَّفَقُ عَلَيهِ مِنْهَا خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: تَسْلِيمُ رَأْسِ المَالِ فِي المَجْلِسِ جَبْراً لِلغَرَرِ فِي الجَانِبِ الآخَرِ، وَلَوْ كانَ فِي الذِّمَّةِ فَعَيَّنَ فِي المَجْلِسِ فَهُوَ كالتَّعْيِينِ في العَقْدِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّرْفِ، وَفي مِثْلِ ذَلِكَ فِي بَيْعَ الطَّعَامِ خِلاَفٌ، وَمَهْمَا فُسِخَ السَّلَمُ اسْتُرِدَّ عَيْنُ رَأْسِ المَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عُيّنَ بَعْدَ العَقْدِ عَلَى الأَصَحِّ. قال الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية. (٢) وعن ابن عباس ﵄ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ السَّلَم (٣). وروي أن النبي ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَرُبَّمَا قَالَ: وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومِ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٤). وجمع في هذا الكتاب بين السَّلَم والقَرْض لتقاربهما واشتراكهما لفظًا ومعنى. أما اللفظ فلأن كل واحد منهما يسمى سَلَفا. وأما المعنى فلأن كل واحد منهما إثبات مال في الذِّمَّة مبذول في الحال.

стр. 2046

وذكروا في تفسير السَّلَم عبارات متقاربة: منها: أنه عقد على موصوف في الذِّمَّة ببدل يعطى عاجلاً. ومنها: أنه اسلاف عوض حاضر في عوض موصوف في الذِّمَّة. ومنها: أنه تسليم عَاجِل في عوض لا يجب تعجيله. واعلم أن السَّلَم بيع على ما مر، وقد سبق القَوْل فيما يعتبر لصِحّة البيع. والسَّلَم يختّصُ بأمور، عقد الباب الأول لبيانها، وإنما قال: والمتفق عليه منها خمسة، لأن معظم الأئمة جعلوا شرائط السَّلَم سبعاً، وضمّوا إلى الخمس العِلْم بقدر رأس المال، وبيان موضع التسليم، وفيهما اختلاف قول كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد أدرجهما حُجّة الإسلام في أثناء الكلام لكن لم يفردهما بالتَّرْجمة، وقد تعمد أكثر من السَّبع، وحقيقة الأمر في مثل ذلك لا تختلف. الشَّرْط الأول: تسليم رأس المَالِ في مَجْلس العقد (١)، واحتج لاشتراطه بأن المُسَلّم فيه دَيْن في الذِّمة، فلو أخَّر تسليم رأس المال عن المجلس لكان ذلك في معنى بيع الكَالِي بالكَالِي (٢)؛ لأن تأخير التسليم نازل منزِلة الدَّيْنيّة في الصَّرف وغيره. وقوله في الكتاب: (جبراً للغَرر في الجانب الآخر) أراد به أن الغَرَر في المُسَلم فيه احتمل للحاجة، فجبر ذلك بتأكيد العِوَض الثاني بالتعجيل كيلا يعظم الغَرَر في الطرفين. إذا تقرر ذلك فلو تفرقا قبل قبض رأس المال بطل العقد، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: إن تأخر التَّسليم مدة يسيرة كاليوم واليومين لم يضر، وإن تأخَّر مدة طويلة بطل العقد، ولو تَفَرَّقا قبل تَسْليم بعضه بطل العَقْد فيما لم يقبض، وسقط بقسطه من المُسَلّم فيه، والحكم في المقبوض كما لو اشترى شَيْئَين فتلف أحدهما قبل القبض (٣). ويجوز أن يجعل رأس المال مَنْفَعة عبد أو دار مدة معلومة وتسليمها بِتَسْليم العَيْن. ولا يشترط تَعْيين رأس المال عند العقد. ولو قال: أسلمت إليك ديناراً في ذمتي في كذا ثم عَيّن وسَلَّم في المجلس جاز،

стр. 2047

وكذلك في الصَّرْف، ولو باع ديناراَ بدينار أو بدراهم في الذمة ثم عين وسلم في المجلس جاز. ولو باع طعاماً بطعام في الذمة ثم عين وسلم في المجلس فوجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الوصف فيه يطول بخلاف الصَّرْف، فإِنَّ الأمر في النُّقُود أهون؛ ولهذا يكفي فيها الإطلاق ولا يكفي في العروض. والثاني: الجواز، ويصفه كما يصف السلم فيه، والأشبه بكلام الشيخ أبي علي والأئمة أن هذا أظهر، وظَنِّي أنه تقدم ذكر هذا الخلاف أو نظيره، ولو قبض رأس المال ثم أوْدَعه المُسلم إليه قبل التفرق جاز. ولو رده عليه بِدَيْن كان له عليه. قال أبو العباس الرُّوِيانيُّ: لا يصح؛ لأنه تصرف منه قبل انْبِرام مِلْكِه عليه، فإذا تفرقا، فمن بعض الأصحاب أنه يصح السَّلَم بحصول القبض، وانْبِرَام المِلْك ويستأنف إقباضه للدَّين، ولو كان له في ذِمَّة الغَيْرِ دَرَاهم فقال: أسلمت إليك الدراهم الَّتِي في ذمتك في كذا، نظر إن شرط الأجل فيه فهو باطل؛ لأنه بيع الدَّين بالدَّيْن، وإن كان حالاَ ولم يسلم المسلم فيه قبل التفرق فكمثل، وإن أحضره وسلمه فوجهان: أحدهما: يصح، كما لو صالح من تلك الدراهم على دنانير وسلّمها في المجلس. وأظهرهما: المنع؛ لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط وإن كان السلم حالاً فلو وجد لكان متبرعاً به، وأحكام البيع لا تُبْنَى على التَّبرعات، أَلاَ تَرَى أنه لو باع طعاماً بطعام إلى أجل ثم تبرعا بالإحضار لم يجز. وأطلق صاحب "التتمة" الوجهين في أن تسليم المُسَلم فيه في المجلس وهو حال هل يغني عن تسليم رأس المال؟ والأظهر: المنع. ولا يجوز أن يحيل المسلم برأس المال على غيره، وإن قبضه المسلم إليه من المحال عليه في المجالس؛ لأن بالحِوَالَة يتحوَّل الحق إلى ذمة المُحَال عليه، فهو يؤديه من جهة نفسه لا من جهة المُسَلم ولو قبضه المُسَلم وسلمه إلى المسلم إليه جاز، ولو قال للمحال عليه: سلّمته إليه، ففعل لم يَكْفِ لصحة المسلم؛ لأن الإنسان في إزالة ملكه لا يصير وَكِيلاً للغير، لكن يجعل المسلم إليه وكيلاً عن المسلم في قبض ذلك، ثم السَّلَم يقتضي قبضاً ولا يمكنه أن يقبض من نفسه، ولو أحال المسلم إليه برأْس المال الَّذِي على المسلم فتفرقا قبل التسليم فالعقد باطل، وإن جعلنا بالحِوَالة قبضاً؛ لأن المعتبر في السَّلَم القبض الحقيقي، ولو أحضر رأس المال، فقال المسلم إليه: سلمه إليه ففعل صح، ويكون المحتال

стр. 2048

وكيلاً عن المسلم إليه في القبض (١). ولو كان رَأَسُ المَالِ دراهم في الذِّمَّة فصالح عنها على مال لم يصح، وإنْ قبض ما صالح عليه، ولو كان عبداً فأعتقه المسلم إليه قبل القبض لم يصح، إن لم نصحّح إعتاق المُشْتري قبل القبض، وإن صححناه فوجهان: وجه الفرق: أنه لو نفذ لصار قابضاً من طريق الحكم، وأنه غير كافِ في السَّلَم بدليل الحِوَالة، فعلى (٢) هذا إن تفرقا قبل قَبْضه بطل العَقْد، وإن تَفَرَّقا بعده صَحَّ، وفي نفوذ العِتْق وجهان. ومتى فسخ السَّلَم بسبب يقتضيه (٣) وكأن رأس المال معيناً في ابتداء العَقْد وهو باق رجع المسلم إليه، وإن كان تَالِفَاً رجع إلى بَدَله، وهو المِثْل أو القِيمَة، وإن كان رأس المال موصوفاً في الذمة، ثم عجل في المجلس وهو باقٍ فهل له المُطَالبة بعينه أم للمسلم إليه الإتيان ببدله؟ فيه وجهان: الوجه الثَّاني: أن العقد لم يتناول ملك العَيْن ووجه الأول وهو الأصح: أن المُعَيَّن في المجلس كالمُعَيَّن في العقد. فرع: وإذا وجدنا رأس المال في يد المسلم إليه واختلفا، فقال المسلم: أقبضتكه بعد التَّفرق، وقال المسلم إليه: بل قبله وأقام كل واحد منها بَيّنة على ما قاله، فَبَيّنة المُسَلم إليه أَوْلى؛ لأنها نافلة، يحكى ذلك عن ابن سُرَيجٍ. قال الغزالي: وَأصَحُّ القَوْلَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ المزَنِيِّ أَنَّ رَأَسَ المَالِ إِذَا كَانَ جُزَافَاً غَيْرَ مُقَدَّرٍ جَازَ العَقْدُ (ح) كَمَّا يَجُوزُ فِي البَيْعِ وَكمَا يَجُوزُ مَعَ الجَهْلِ بِقِيمَتِهِ. قال الرَّافِعِيُّ: عرفت أن رأس المال يجوز أن يكون في الذِّمة ثم يسلم في المجلس، ويجوز أنْ يكون مُعَيَّناً في العقد، فعلى التَّقْدير الأول لا بُدَّ من معرفة قدره وذكر صفاته إذا كان عوضاً وعلى التقدير الثَّاني هل تكفي معاينته؟ فيه قولان: أحدهما: لا، بل لا بد من بيان صِفَاته ومعرفة مقداره بالكَيْلِ في المَكِيلات، والوَزْن في المَوْزُونات، والزَّرع في المزروعات؛ لأنه أحد العوضين في السلم، فلا يجوز أن يكون جُزَافًا كالعِرَض الثاني، وأيضاً فإن السَّلَم لا يتم في الحال، وإنما هو

стр. 2049

عقد منتظر تمامه بتسليم المسلم فيه، وربما ينقطع ويكون رأس المال تالفاً، فلا يدري إلى ماذا يقع الرجوع، وبهذا القول قال مالك وأحمد، واختاره أبو إسحاق. وأصحهما وبه قال المزني: أن المُعَايَنَة كافية كما في البيع واحتمال الفَسْخِ ثابت في البيع كما في السَّلَم، هذا في المِثْلِيّات. ولو كان رأس المال متقوماً وضبطت صفاته بالمُعَايَنَة، ففي اشتراط معرفة قيمته طريقان، منهم مَنْ طرد القولين. والأكثرون قطعوا بصحّة السَّلَم، ولا فرق على القولين بين السَّلم الحال والمؤجل. ومنهم من خصص القولين بالسَّلَم المُؤَجّل، وقطع في الحال بأن المُعَاينة كافية كما في البيع، ثم موضع القولين ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة. أما إذا علما ثم تفرقا، فلا خلاف في الصِّحَّة، وبنى كثير من الأصحاب على هذين القولين أنه هَلْ يجوز أَنْ يجعل رأس مال السَّلَم ما لا يجوز السلم فيه؟ إن قلنا بالأصح فيجوز، وإلاَّ فلا. قال الإمام: وليس ذلك على هذا الإطلاق، بل الدُّرَّة الثَّمِينة إذا عرفا قيمتها، وبالغا في وَصْفِها، وجب أن يجوز جعلها رأس مال؛ لأن منع السَّلَم فيها من الإعزار في الوصف يشبه عَزَّة الوجود، ولا معنى لاشتراط عموم الوُجُود في رأس المال، وإذا جَوَّزْنا السَّلَم ورأس المال جُزَافٌ ثم اتفق الفسخ وتنازعا في قدره فالقول قول المُسَلّم إليه لأنه غارم (١) وقوله في الكتاب: (وأصح القولين) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن السلم إما حال أو مؤجل. أما الحال ففيه طريقة قاطعة بالصِّحَّة، وأما المؤجل ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ طريقة قاطعة بالمنع. وقوله: (جاز العقد) مُعَلّم بالميم والأَلف، ويجوز إعلامه بالحاء أيضاً؛ لأن عنده إنْ كان رأس المال مَكِيْلاً أو موزوناً وجب ضبط صفاته، وإن كان مذروعاً أو مَعْدُوداً فلا يجب. قوله: (وكما يجوز مع الجَهْل بقيمته) جواب على طريقة الأكثرين. قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ المُسَلَّمُ فِيهِ دَيْناً، فَلاَ يَنْعَقِدُ فِي عَيْن؛ لأَنَّ لَفْظَ السَّلَم لِلدَّيْنِ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ بَيْعاً؟ فيه قَوْلاَن، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِعْتُ بِلاَ ثَمَنٍ هَلْ يَنْعَقِدُ هِبَةَ؟ وَالأَصَحُّ الإِبْطَالُ لِتَهَافُتِ اللَّفْظِ، وَلَوْ أَسْلَمَ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ انْعَقَدَ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ سَلَمًا لِيَجِبَ تَسْلِيمُ رأَسِ المَالِ فِي المَجْلِس؟ فَعلَى وَجْهَيْنِ، مَنْشَؤْهُمَا تَقَابُلُ النَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ وَالمَعْنَى.

стр. 2050

قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في المسلم فيه أن يكون دَيْناً؟ لأن لفظ السَّلَف والسَّلَم موضوع لِلدَّيْن (١)، ولو استعمل لفظ السَّلَم في العَيْن فقال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد فليس ما جاء به سَلَما (٢)، وفي انعقاده بيعاً قولان: أحدهما: ينعقد نظراً إلى المعنى. وأظهرهما: لا؛ لاختلال اللَّفظ، ولو قال: بعت هذا بلا ثمن أو على أن لا ثمن لي عليك فقال: اشتريت وقبضه، هل يكون هبة؟ فيه مثل هذين القولين عن رواية القاضي. وهل يكون المقبوض مضموناً على القابض؟ فيه وجهان، ولو قال: بعت هذا ولم يتعرض للثمن أصلاً لم يكن ذلك تمليكاً والمقبوض مضمون، ومنهم من طرد فيه الوَجْهَيْن، ولو أسلم بلفظ الشِّرَاء فقال: اشتريت منك ثوباً أو طعاماً صفته كذا بهذه الدراهم، فقال: بعته منك انعقد؛ لأن كل سلم بيع، فإذا استعمل لفظ البيع فيه فقد استعمله في موضعه، بخلاف اسْتِعْمَال لفظ السَّلَم في البيع، إِذ لَيْس كل بيع بسَلم، وإذا انعقد فهو سَلَم اعتباراَ بالمعنى، أو بيع اعتباراً باللفظ، فيه وجهان: الأصح على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: أن الاعتبار باللَّفظ، فعلى هذا لا يجب تسليم الدراهم في المجلس. ويثبت فيه خيار الشَّرط، وهل يجوز الاعتياض عن الثوب؟ فيه قولان كما في الثمن. ومنهم من قطع بالمنع؛ لأنه مَقْصُود الجِنْس كالمَبِيع، وفي الأثمان الغالب قصد المَالِيّة لا قصد الجِنْس. وإن قلنا: الاعتبار بالمعنى (٣) وهو الصحيح عند ابن الصَّبَّاغ، فهو سَلَم حتى يجب

стр. 2051

َتسليم الدَّراهم في المَجْلِس، ولا يثبت فيه خِيَار الشَّرْط، ولا يجوز الاعْتِياض عن الثوب، ولو قال: اشتريت ثوباً صفته كذا في ذمتك بعشرة دراهم في ذمتي، فإن جعلناه سلما وجب تَعْيين الدراهم وتسليمها في المجلس، وإن جعلناه بيعاً لم يجب (١). قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) فِي المُسْلَمِ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلاً، وَيَصِحُّ سَلَمُ الحَالِّ (ح م) وَلَكِنْ يُصَرِّحُ بِالحُلُولِ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الأجَلِ لاقْتِضَاءِ العَادةِ الأَجَلَ، فَإِنْ أَطْلَقَ ثُمَّ ذَكَرَ الأَجَلَ قَبْلَ التَّفرُّقِ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ. قال الرَّافِعِيُّ: السَّلَم الحَال صحيح خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد. لنا أن في الأجل ضرب من الغَرَر؛ لأنه رُبَّما يقدر في الحال، ويعجز عند المحل، فإذا جاز مؤجلاً فهو حالاً أجوز، وعن الغرر أبعد، إذا عرف ذلك فلو صرح بالحُلُول أو التَّأْجيل فذاك، وإن أطلق فوجهان، وقيل: قولان: أحدهما: أن العقد يبطل؛ لأن مطلق العقود يجمل على المعتاد، والمعتاد في السَّلَم التأجيل، وإذا كان كذلك فيفسد، ويكون كما لو ذكر أجلاً مجهولاً. والثَّاني: يَصحّ ويكون حالاً كالثَّمَن في البَيْعِ المطلق وَبالوجه الأول أجاب صاحب الكِتَاب، لكن الأصح عند الجمهور هو الثَّاني، وبه قال في "الوسيط"، وفي بعض نُسَخ الكتاب بدل قوله: "فهو مجهول على النص" فهو محمول على الأجل، وهما متقاربان في الغرض، وأما النَّص فيمكن تنزيله على ما حكي عن الشَّافِعَي ﵁ أنه قال: ويذكره حالاً أو مؤجلاً فاعتبر ذكر الحُلُول كالتَّأْجيل، ولو أطلقا العَقْد ثم ألْحَقَا به أَجلاً في مَجْلس العقد، فالنص لُحُوقه وهو المذهب، ويجيء فيه الخلاف الذي تَقَدَّم في سائر الإِلْحاقات، ولو صرَّحَا بالتَّأْجيل في مَتْن العقد، ثم أسقطاه في المَجْلِس سقط، وصار العقد حالاً، ذكره المسعودي وغيره. واعلم أن في نصه على لحوق الأجل الملحق في المجلس دليلاً ظاهراً على صحة العقد عند الإطلاق، وإلاَّ فالعقد الفاسد كيف ينقلب صحيحاً وكيف يعتبر مجلسه؟ وهذا أصل بني عليه مسألة وهي: أن الشرط الفَاسِد للعقد إذا حذفاه في المجلس هل ينحذف وينقلب العقد صحيحاً أم لا؟

стр. 2052

ظاهر المذهب أنه لا ينحذف ولا ينقلب العقد صحيحاً، وقد ذكرناه من قَبل. وعن صاحب "التقريب" وجهاً: أنهما لو حذفا الأجل المجهول في المجلس انحذف وصار العقد صحيحاً، واختلفوا في جريان هذا الوجه في سائر المُفْسدات كالخيار والرهن الفاسدين وغيرهما، فمنهم من أجراه. قال الإمام: والأصح: تخصيصه بالأجل؛ لأن بين الأجل والمَجْلس مناسبة لا توجد في سَائِرِ الأمور، وفي أنَّ البائع لا يَمْلك مطالبة المُشْتري بالثمن في المجلس، كما لا يملكها في مُدَّة الأجل، فلم يبعد إصلاح الأجل في المجلس، واختلفوا أيضاً في أن زمان الخِيَار المَشْروط هل يلحق بالمجلس في حذف الأجل المجهول تفريعاً على هذا الوجه؟ والأظهر: أنه لا يلحق به. قال الغزالي: ثُمَّ لاَ يَجُوزُ تَأَقِيتُ الأَجَلِ بِالحَصَادِ وَالدِّيَاسِ (م) وَمَا يُخْتَلَفُ وَقْتُهُ، وَيَجُوزُ (وح) بِالنَّيْرُوزِ وَالمَهْرَجَانِ، وَكَذَا بِفصْحِ (و) النَّصَارَى وَفِطْر اليَهُودِ (و) إِنْ كَانَ يَعْلَمُ دُونَ مُرَاجَعَتِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: إِلَى نَفَرِ الحَجِيجِ، أَوْ إِلَى جُمَادَى وَجْهَانِ: وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَالتَّنْزِيلُ عَلَى الأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَى ثَلاَثةِ أَشْهُر احْتَسَبَ بِالأَهِلَّةِ (ح) إِلاَّ شَهْراً وَاحِداً انْكَسَرَ فِي الابْتِدَاءِ فَيُكْمَلُ ثَلاَثينَ، وَلَوْ قَالَ: إِلَى الجُمْعَةِ أَوْ رَمَضَانَ جَلَّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَو قَالَ: فِي الجُمُعَةِ أَوْ في رَمَضَانَ فَهُوَ مَجْهُولٌ لأَنَّهُ جَعَلَهُ ظَرْفاً، وَلَوْ قَالَ: إِلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ إِلَى آخِرِه فَالمَشْهُورُ البُطْلاَنُ لأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّصْفِ الأَوَّلِ وَالنِّصْفِ الأَخِيرِ. قال الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل: أنهما إذا ذكرا أجلاً في السَّلَم وجب أنْ يكون معلوماً. قال: "إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" وفيه صور: إحداها: لا يجوز تَأْقيته بما يختلف وقته كالحَصَاد والدِّياس (١) وقدوم الحاج، خلافاً لمالك. لنا أن ذلك يتقدم تَارَةً ويتأخَّر أخرى، فأشبه مجيء المطر. ولو قال: إلى العطاء لم يَجُز إن أراد وصوله، وإن أَرَادَ وقت خروجهن وقد عَيّن

стр. 2053

السلطان له وقتاً جاز بخلاف ما إذا قال: إلى وقت الحصاد، إذ ليس له وقت مُعَيّنْ. ولو قال إلى الصَّيف أو إلى الشتاء لم يجز، إلاَّ أن يريد الوقت، ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (وما يختلف وقته) بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم ابن كَجٍّ ذكر أن ابن خُزَيْمَةَ يجوز التَّأْقِيت بالميسرة. لما روي أن النبي ﷺ "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيِّ شَيْئاً إِلَى الْمَيْسَرَةِ" (١). الثانية: التَّأْقِيت بشهور الفُرْس والرُّوم جائز كالتَّأَقِيتِ بشهور العَرَب؛ لأنها معلومة (٢) مضبوطة، وكذا التَّأْقِيت بالنَّيْرُوز (٣) والمِهْرَجَان (٤)؛ لأنهما يومان معلومان كالعِيد وعرفة وعاشوراء. وفي "النهاية" نقل وجه: أنه لا يجوز التأقيت بهما، ووجهه الإمام بأن النَّيْرُوزَ والمِهْرَجَانَ يطلقان على الوقتين الذين تنتهي الشَّمْس فيهما إلى أوائل بُرْجَي الحَمَل والمِيْزَان، وقد يَتَّفق ذلك لَيْلاً ثم ينجس مَسِيْرُ الشَّمْس كل سنة بمقدار رُبْع يوم وليلة، ولو وقتا بفُصْح النَّصَارى، نص الشافعي ﵁ على أنه لا يجوز، فأخذ بعض الأصحاب بإطلاقه اجتناباً عن التأقيت بمواقيت الكفار، وعامتهم فَصَلُوا فقالوا: إِنِ اختص بمعرفة وقته الكفار فالجواب ما ذكره، لأنه لا اعتماد على قولهم، وإن عرفه المسلمون أيضاً جاز كالنَّيْرُوز والمِهْرَجَان، ثم اعتبر معتبرون فيهما جميعاً معرفة المُتَعَاقدين، والأكثرون اكتفوا بمعرفة الناس، وسواء اعتبر معرفتهما أم لا، فلو عرفا كفى، وفيه وجه: أنه لا بد من معرفة عدلين من المُسْلِمِين سواهما؛ لأنهما قد يختلفان، فلا بد من مَرْجِع، وفي معنى الفُصْحِ (٥) سائر أعياد أهل المِلَل، كفِطْر اليَهُود ونحوه.

стр. 2054

الثَّالثة: لو وقتا بنَفْرِ الحَجِيج (١) وقيَّدوا بالأول أو الثاني جاز، وإن أطلقا فوجهان: أحدهما: أن الأجل فاسد؛ لتردد المحل بين النَّفرين. وأصحهما، ويحكى عن نصه: أنه صحيح، ويحمل على النَّفْر الأول؛ لتحقق الاسْم به، وعلى هذا الخِلاَف التَّوقيت بشهر ربيع أو جُمَادى أو بالعِيد. ولا يحتاج إلى تَعْيين السنة إذا حملنا المذكور على الأول، وحكي عن "الحاوي" أن التوقيت بالنَّفْر الأول أو الثاني لأهل مَكَّة جائز؛ لأنه معروف عندهم ولغيرهم وَجْهَان، وأنّ في التَّوْقيت بيوم القرِّ لأهل مَكَّةَ وجهين أيْضاً؛ لأنه لا يعرفه إِلا خواصهم، وهذا غير فقيه؛ لأنا إن اعتبرنا علم المتعاقدين فلا فرق، وإلاَّ فهي مشهورة في كل ناحية عند الفُقَهَاء وغيرهم (٢). الرَّابعة: لو أجَّلا إلى سنة أو سنين فمطلقه محمول على السِّنِين الهِلاَلِيّة، فإنْ قَيَّدا بالفَارِسِيّة أو الرُّومِيّة أو الشَّمْسِيّة تقيد بالمذكور. ولو قال بالعدد فهي ثلاثمائة وستون يوماً، وكذا مطلق الأَشْهر محمول على المشهور الهِلاَلية، ثم ينظر إنْ جرى العقد في أول الشهر اعتبر الجميع بالأَهِلّة تامة كانت أو ناقصة، وإن جرى بعد مُضِيّ بعض الشَّهر عد الباقي منه بالأيام واعتبرت الشُّهور بعده بالأَهِلَّة ثم يتم المُنْكَسِر بالعدد ثَلاَثِين، وأَنَّمَا كان كذلك لأن الشَّهر الشَّرْعي هو ما بين الهِلاَلَيْن؛ إلاَّ أنَّ فِي الشَّهْر المنكسر لا بد من الرُّجُوع إِلَى العدد كيلا يتأخّر ابتداء الأجل عن العَقْد، وفيه وجه: أنه إذا انْكَسَر الجميع، فيعتبر الكُل بالعدد، ويحكى هذا عن أبي حنيفة، والمَذْهب الأول. وضرب الإمام مثلاً للتّأجيل بثلاثة أَشْهر مع فرض الانْكِسَار فقال: عقدا وقد بقي من صفر، ونقص الرَّبيعان وجُمَادى، فيحسب الرَّبِيعَان بالأَهِلّة ويضم جُمَادى إلى اللَّحظة الباقية من صفر، ويكملان بيوم من جُمَادى الآخرة سوى لَحْظَة، ثم قال: كنت أودُّ في هذه الصُّورة أنْ يكتفي بالأشهر الثّلاثة، فإنها جَرَتْ عَرِبية كَوَامل، وما تمناه هو الذي نقله أبو سعد المُتَوِلِّي وغيره، وقطعوا بحلول الأجَل بانْسِلاخ جُمَادى في الصُّورة

стр. 2055

المذكورة، وأن العدد أَنَّما يُرَاعى فيما إذا جرى العقد في غير اليوم الأخير وهو الصواب، والله أعلم. الخامسة: لو قال: إلى الجُمُعَة أو إلى رَمَضَان حلّ بأول جزء منه؛ لتحقق الاسم به، وربما يقال انتهاء يوم الجمعة، وانتهاء شَعْبان والمقصود واحد، ولو قال: محله في الجمعة أوْ فِي رمضان فوجهان عن ابن أبي هريرة: أنه يجوز، ويحمل على الأول، كما لو قال: أنت طالق في يوم كذا. وأصحهما: المنع؛ لأنه جعل اليَوْم أوِ الشهر ظرفاً، فكأنه قال: محله وقت من أَوْقَات يوم كذا (١)، وفرقوا بَيْنَه وبَينَ الطَّلاَق، بأن الطلاق يجوز تَعْلِيقُه بالمَجَاهِيل والأَغْرَار، بخلاف السَّلم. قال ابن الصَّبَّاغ نعم، لكن لو كان هذا من ذلك القَبِيْل لوقع في الجزء الأخير دون الأوَّل وهذا أحسن، والفَرْق مُشْكل. ولو قال: إِلَى أول شهر كذا أو أخره، فعن عامة الأصحاب: بُطْلاَنه؛ لأن اسم الأول يقع على جميع النصف فلا بد من البَيَن، وإلاَّ فهو مجهول. وقال الإمام وصاحب "التهذيب": وجب أنْ يصحّ ويحمل على الجزء الأول من كل نصف على قياس مسألة النَّفر، وأيضاً فإنه إذا أجل إلى يوم حمل على أوله وإن كان اسم اليوم عبارة عن جميع الأجزاء، وأيضاً فإن الأمر في الطَّلاَق على ما ذكراه، وأيضاً فإنه لو قال: إلى شهر كذا حمل على أول جزء منه. وقوله: إلى أول شَهْر كذا أقرب إِلَى هذا المَعْنَى ممّا إذا أطلق ذكر الشهر قال الإمام: وقد يحمل النصف الأول على الجزء الأول، والآخر على الجزء الآخر، وسينتهي إلى وجه كما أشار إليه في "الطلاق". فرع: لَوْ أسلم في جِنْس واحد إلى أَجلين أو آجال دفعة واحدة كما لو أسلم في وَقْر حِنْطَة يسلمه بِنَجْمين، أو أسلم في جِنْسَين إلى أجل كما لو أسلم في حِنْطَة وشعير إلى شهر، ففي الصورتين قولان: أحدهما: البطلان؛ لأنه ربما يتعذَّر تسليم بعض النُّجُوم أو بعض الأَجْنَاس، فيرتفع العقد فيه، ويتعدّى إِلَى البَاقي فيصير التَّنْجيم شَرْطاً متضمناً رفع العقد.

стр. 2056

وأصحهما: الصحة، كما لو باع بثمن منجم أو بجنسين، والخلاف ناظر إلى أن الصَّفْقة هل تفرق؟ واعلم أن الكلام في أن التَّأْجيل ليس بشرط في السَّلَم، وفي أَنَّ شرط الأجل ماذا؟ لا اختصاص له بهذا الموضع، وربما كان ذكره بعد الفراغ من الشروط كلها أليق والله أعلم. قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ المُسْلَمُ فِيهِ مَقْدُوراً عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي مُنْقَطَعِ لَدَى المَحَلِّ، وَلاَ يَضُرُّ الانْقِطَاعُ قَبْلَهُ (ح) وَلاَ بَعْدَهُ، وَلاَ يَكْفِي الوَجُودُ فِي قُطْرٍ آخَرَ لاَ يَعْتَاد نَقْلَهُ إِلَيْهِ فِي غَرَضِ المعَامَلَةِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي وَقْتِ البَاكُورَةِ فِي قَدْرٍ كَثِيير يَعْسُرُ تَحْصِيلُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ طَرَأَ الانْقِطَاعُ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّلَمِ فَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ أنَّهُ لاَ يَنْفَسخُ، بَلْ لَهُ الخِيَارُ كَمَا فِي إبَاقِ العَبْدِ المَبِيعِ، وَلَوْ تَبَيَّنَ العَجْزُ قَبلَ المَحَلِّ فَفِي تَنْجِيزِ الخِيَارِ أَوْ تَأَخُّرِهِ إِلَى المَحلِّ قَوْلاَنِ. قال الرَّافِعِيُّ: هذا الشَّرْط ليس من خَوَاص السَّلَم بل يعم كل بيع على ما مر، وإنما تُعْتَبر القُدْرَة على التسليم عند وجوب التسليم، وذلك في البيع والسَّلَم، الحال في الحال وفي السَّلَم المؤجل عند المحل (١) فلو أسلم في منقطع لدى المحل كما لو جعل محل الرُّطب الشتاء لم يصح، وكذا لو أسلم فيما يندر وجوده كَلَحْم الصَّيْد، حيث يعز فيه الصَّيْد، وإن كان يَغْلب على الظَّن وجوده، لكن لا يتوصل إلى تحصيله إلاَّ بمشقة عظيمة كالقدر الكثير من البَاكُوْرَة، ففيه وجهان: أقربهما إلى كلام الأكثرين: البطلان؛ لأنه عقد غرر، فلا يتحمل فيه مُعَاناة المَشَاق العظيمة. وأقيسمهما عند الإمام: الصِّحة؛ لأن التحصيل ممكن، وقد التزمه المُسَلّم إليه، ولو أسلم في شيء ببلد لا يُوجَد مثله فيه ويوجد في غيره. قال في "النهاية": إن كان قريباً منه صح، وإن كان بعيداً لم يصح، قال: ولا تعتبر مَسَافَة القصر هاهنا، وإنما التَّقْريب فيه أَنْ يقال: إن كان يعتاد نقله إليه في غوض المُعَامَلَة لا في معرض لا للتحف والمُصَادَرَات صَحَّ السَّلم، وإلاَّ فلا، ويجيء في آخر الفصل ما ينازع في الإعراض عن مسافة القصر. ولو كان المسلم فيه عام الوجود عند المحل فلا بأس بانقطاعه قبله أو بعده.

стр. 2057

وعند أبي حنيفة: يشترط عموم الوجود من وقت العَقْد إلى المحل. واحتج الشَّافعي ﵁ بالحديث المذكور في أول الباب، (وهو أنهم كانوا يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَار السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ) والثمار لا تبقى هذه المدة بل تنقطع، وإذا أْسلم فيما يعم وجوده، ثم انقطع عند المحل لِجَائِحَة فقولان: أحدهما: أنه يَنْفَسِخ العقد، كما لو تلف البَيْع قبل القَبْض. وأصحهما وبه قال أَبُو حنيفة: لا يَنْفَسِخ؛ لأن المسلم فيه يتعلّق بالذِّمَّة، فأشبه ما إذا أفلس المُشْتَري بالثمن، لا ينفسخ العَقْد ولكن للبائع الخيار، ولأن هذا العقد ورد على مَقْدُور في الظاهر، فعروض الانقطاع كإباق العبد المبيع، وذلك لا يقتضي إلاَّ الخِيَار، فكذلك هاهنا المسلم يتخيَّر بين أنْ يفسخ العقد، أو يصبر إلى وجود المُسَلم فيه. ولا فرق في جَرَيَان القولين بين ألا يوجد المسلم فيه عند المحل أصلاً، وبين أَنْ يكون مَوْجُوداً، فَيُسَوِّف المسلم إليه حتى ينقطع. وعن بعض الأصحاب أن القولين في الحَالَة الأولى. أما في الثَّانية: فلا يَنْفَسِخ العقد بحَال لوجود المُسَلم فيه، وحصول القدرة، فإن أجاز ثم بَدَالَهُ مُكِّن من الفسخ كزوجة المولى إذا رضيت بالمَقَام، ثم ندمت (١). ووجهه الإمام بأن هذه الإجازة إنظار والإنظار تأجيل، والأجل لا يلحق العقد بعد لزومه، وقد يتوقف النَّاظِرُ في كونها إنْظَاراً، ويميل إلى أنها إسقاط حق ورضا بما عرض، كإجازة زوجة العِنِّيْنِ، ويجوز أن يقدر فيه وجهان؛ لأن الإمام حكى وجهين في أنه لو صرح بإسقاط حق الفسخ هل يسقط؟ قال: والصحيح أنه لا يسقط. ولو قال المسلم إليه للمسلم: لا تصبر وَخُذْ رأس مالك، فللمسلم أنْ لا يجيبه. وفيه وجه. ولو حل الأجل بموت المسلم إليه في أثناء المدة والمسلم فيه منقطع جرى القولان، ذكره في "التتمة"، قال: وكذا لو كان موجوداً عند المحل وتأخَّر التَّسْليم لغيبة أحَدِ المُتَعَاقدين، ثم حضر والمُسَلم فيه منقطع، ولو انقطع بعض المُسَلّم فيه فقد ذكرنا حكمه في "تفريق الصَّفْقة"، ولو أسلم في شيء عام الوجود عند المحل ثم عرضت آفة علم بها انقطاع الجِنْس لدى المَحل، فيتنجّز حكم الانقطاع في الحال، أو يتأخر إلى المحل، فيه وجهان: أحدهما: يَتَنَجَّز حتى يَنْفَسخ العقد على قول، ويثبت الخِيَار على الثَّاني لتحقق العَجْز في الحال.

стр. 2058

وأظهرهما: لا؛ لأنه لم يَجِئْ وقت وجوب التسليم، وهذا الخلاف مأخوذ من الخِلاَف فيما إذا حلف ليأكلن هذا الطَّعَام غدا، فتلف قبل الغَدِ أنه يَحْنَث في الحال أو يتأخَّر الحنث إلى الغد؟ قوله في الكتاب: "ففي تَنْجِيزِ الخِيَار أو تأخيره" تفريع على أن الثابت بالانقطاع الخيار دون الانْفِسَاخ، وعلى القول الآخر يَتَنَجز الانِفْسَاخ، واللَّفظ العام ما سبق، وإطلاقه القولين في المَسْأَلَة اتباع للإمام، والوجه الحمل على القولين المخرجين، وحينئذٍ لا يبقى بينهما وبين الوجهين كثير فرق. فإن قيل: فيم يحصل الانقطاع؟ قيل: إن لم يوجد المسلم فيه أصلاً، بأنْ كان ذلك الشيء يَنْشَأ في تلك البلدة، وقد اْصابته جَائِحَة مستأصلة، فهذا انقطاع حقيقي، وفي معناه ما لو كان يُوجد في غير تلك البلدة، ولكن لو نقل إليها لفسد، وما إذا لم يوجد إلاَّ عند قوم مَحْصُورين، وامتنعوا من بيعه، ولو كانوا يبيعونه بثمن غَالٍ وجب تحصيله ولم يكن ذلك انقطاعاً، وإنْ أمْكَنَ نقل المسلم فيه من غير تلك البلدة إليها وجب نقله إن كان في حَدّ القرب، وبم يضبط؟ أما صاحب "التهذيب" في آخرين فإنهم نقلوا وجهين: أقربهما: أنه يجب نقله مما دون مَسَافَة القصر. والثاني: من مَسَافة لو خرج إليها بُكْرَة أمكنه الرجوع إلى أهله لَيْلاً. وأما الإمام فإنه جرى على الإعْراض عن مسافة القَصْر، وقال: إن أمْكَن النَّقْل عسر، فالأصح: أنَّ السَّلم لا ينفسخَ قطعاً، ومنهم من طرد فيه القولين. قال الغزالي: وَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَكَانِ التَّسْلِيمِ، بَلْ يَنْزِلُ المُطْلَقُ عَلَى مَكانِ العَقْدِ. قال الرَّافِعِيُّ: السَّلَم إما مؤجل أو حال: أما المُؤَجَّل فقد حكي عن نص الشَّافعي ﵁ اختلاف في أنه، هل يجب تعيين مكان التسليم؟ وانقسم الأصحاب إلى نُفَاةٍ للخلاف ومُثْبِتِين. أما النُفَاة: فعن أبي إسحاق المَرُوزِيّ: أنه إن جرى العقد في موضع يصلح للتسليم فلا حاجة إلى التَّعيين، وإنْ جرى في مَوْضِعٍ غير صالح فلا بد من التعيين، وحمل النصين على الحالين. وعن ابْنِ القَاصِ: أنَّ المسلم فيه إن كان لحمله مُؤنَة، وجب التَّعيين، وإلاَّ فلا، وحمل النصين على الحالين، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو اختيار القاضي أبي الطَّيب فهذان طريقان.

стр. 2059

وأما المُثْبِتُون فلهم طرق: أحدها وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي أبو حامد: أنَّ المسألة على قولين مطلقاً. والثَّاني: أنه إنْ لَمْ يَكُنْ الموضع صالحاً وجب التَّعيين لا محالة، وإنْ كان صالحاً فقولان. والثالث: إنْ لم يكن لحمله مُؤَنة فلا حاجة إلَى التَّعيين، وإن كان له مُؤنة فقولان. وهذا أصح عند الإمام. ويروى عن اختيار القَفَّال: ووجه اشتراط التعيين أن الأغراض تتفاوت بتفاوت الأمكنة، فلا بد من التعيين قَطْعاً للنزاع، كما لو باع بِدَرَاهِمَ وفي البلد نقود مختلفة، ووجه عدم الاشتراط وبه قال أحمد: القِيَاس على البيع، فإنه لا حاجة فيه إلى تَعْيين مكان التسليم، ووجه الفرق بين الموضع الصالح وغير الصالح اطِّراد العُرْف بالتَّسْليم في الموضع الصالح، واختلاف الأَغْرَاض في غيره، ووجه الفرق بين مَا لحملهَ مُؤنَة وغيره قريب من ذلك. والفتوى من هذا كله على وجوب التعيين إذا لم يكن الموضع صالحاً، أوْ كان لِحَمْله مُؤنَة، وعدم الاشْتِرَاط فِي غَيْرها تبيّن الحَالتين، ومتى شرطنا التَّعْيين فلو لم يعيّن فسد العقد، وإن لم نشرطه فإن عين تعيّن. وعن أحمد رواية: أنَّ هذا الشرط يفسد السَّلَم، وإن لم يعيّن حمل على مكان العقد. وفي "التتمة": أنه إذا لم يكن لحمله مُؤنَة سلمه في أي موضع صالح شاء، وذكر وجهاً فيما إذا لم يصلح المَوْضع لِلتَّسْلِيم: أنه يحمل على أقرب موضع صالح، ولو عين موضعاً لتسليم، ففيه ثلاثة أوجه ذكرها القاضي ابن كَجٍّ: أحدها: أنه يتعين ذلك الموضع. والثاني: لا، وللمسلم الخِيَار. والثالث: يتعين أقرب موضع صالح. وأما السَّلم الحال فلا حاجة فيه إلى تَعْيِين مكان التَّسْليم كالبيع، ويتعيّن مكان العقد، لكن لو عينا موضعًا آخر جاز بخلاف البيع؛ لأن السَّلَم يقبل التَّأْجيل، فيقبل شَرْطاً يتضمن تأخير التسليم بالإحصار، والأعيان لا تحتمل التَّأجيل، فلا تحتمل شرطاً يتضمن تَأْخِيرِ التَّسْليم، وحكم الثمن في الذِّمة حكم المسلم فيه، وإن كان معيناً فهو كالمبيع قال في "التهذيب": ولا نعني بمكان العَقْد ذلك الموضع بعينه، بل تلك المحلة والله أعلم (١).

стр. 2060

قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابعُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ المِقْدَارِا "بِالوَزْنِ أَوِ الكَيْلِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ": مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْل مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَلاَ يَكْفِي العَدُّ فِي المَعْدُودَاتِ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْر الوَزْنِ فِي البطِّيخِ وَالبَيْضِ، وَالبَاذِنْجَانِ، وَالرُّمَّانِ، وَكذَا الجَوْزُ، وَاللَّوْزُ إِنْ عُرِفَ نَوْعٌ لاَ يَتَفَاوَتُ فِي القُشُورِ غَالِباً، وَيُجْمَع في اللَّبَنِ بَيْنَ العَدِّ وَالوَزْنِ. قال الرَّافِعِيُّ: يشترط أنْ يكون المسلم فيه معلوم القدر للخبر (١)، والإعلام تارة تكون بالكيل، وأخرى بالوَزْن أو العَدَد أو النَّوع. وقوله في الحديث: "في كيل معلوم ووزن معلوم" ينبغي أن يعرف فيه شيئان: أحدهما: أنه ليس أمراً بالجمع بين الكَيْل والوزن، بل الجمع قد يكون مُبْطلاً، كما لو أسلم في ثَوْبٍ ووصفه وقال: وزنه كذا أو أسلم في مائة صَاع حِنْطة على أن يكون وزنها كذا، لا يصح لأنه يورث عزة الوجود. قال الشيخ أبو حامد: لكن لو ذكر وزن الخشب مع الصِّفات المشروطة جاز؛ لأنه لو كان زائداً أمكن نَحْتُه حتى يعود إلى القَدْرِ المَشْرُوط. إذا تقرَّر ذلك فالمُرَادُ من الخبر الأمر بالكَيْلِ في المَكِيلات، والوَزْن في الموزونات. الثَّاني: هذا الأمر ورد على العَادَة الغَالِبَة في النَّوْعين لا لِلتَّعْيِين، فيجوز ذكر الوزن في المَكِيْلات، والكَيْل في الموزونات، الَّتي يتَأتَّى فيها الكَيْل بخلاف الرَّبَوِيَّات؛ لأن المقصود هاهنا معرفة المِقْدَار، وكل واحد منهما مَعْرُوف، وثم نص الشَّارع على طريق المماثلة فوجب الاتِّباع. وعن أبي الحسين ابن القَطَّان: أن بعض الأَصْحَاب منع من السَّلَم كَيْلاً في الموزونات والمَشْهور الأول، لكن إمام الحَرَمَيْن حمل ما أطلقه الأصحاب على ما يعتاد الكَيْل في مثله ضابطاً. أما لو أسلم في فُتَات المِسْك والعَنْبَرِ ونحوهما كيلاً لم يصح؛ لأن للقدر اليَسِير منه مالية كبيرة، والكَيْل لا يعد ضابطاً فيه. ثم في الفصل صورتان: إحداهما: السَّلَم في البَطِّيخ والقِثَّاء والرُّمّان والسَّفَرْجَل، والبَاذِنْجَان والبَيْض جائز، والمعتبر فيها الوَزْن دون الكيل؛ لأنها تَتَجَافَى في المِكْيَال، ودون العدد لكثرة

стр. 2061

التفاوت فيه، والناس يكتفون بالعدد تعويلاً على العِيَان وتسامحاً، وكذا لا يجوز السَّلَم في الجَوْز واللَّوْز عدداً ويجوز وزناً، وفي الكيل وجهان نقلهما صاحب "البيان" المذكور: منهما في "الشامل": الجواز، وكذا في الفُسْتُقِ والبندق (١). واستدرك الإمام فقال: قشور الجَوْز واللَّوْز أيضاً، وليحمل ما أطلقه الأصْحَاب على النَّوع الَّذي لا تختلف قشوره في الغالب. وعن أبي حنيفة: أنه يجوز السَّلَم عددًا في البَيْض والجَوْز، ولا يجوز السَّلَم في البُقُول جَزْمًا لاختلافهما، وإنما السلم فيها بالوزن، ولا يجوز السّلم في البَطّيخة الواحدة، والسَّفَرْجَلَة الواحدة، ولا في عدد منها؛ لأنه يحتاج إلى ذكر حجمها ووزنها، وذلك يورث عِزّة الوجود. وقوله في الكتاب: (ولا يكفي العد في المعدودات) يجوز إعلامه بالحاء لما حكيناه عنه، ثم هو غير مجري على إطلاقه؛ لأن التَّقْدير في الحَيَوَانَات إنما يكون بالعَدِّ دون الوزن والكيل. وقوله: (بل لا بد من ذكر الوزن) بعد قوله: (ولا يكفي العد) قد يوهم الحاجة إلى ذكر الوَزْن مع العد وليس كذلك، بل هو مفسد كما سبق. والمراد: أن المعتبر الوزن، ولا نظر إلى العد. الثانية: يجمع في اللَّبَن بين العَدِّ والوَزْن، فيقول: كذا لَبَنَة كل واحدة كذا؛ لأنها تضرب عن اختيار، فالجمع فيها بين العَدِّ والوَزْن لا يورث عزة، ثم الأمر فيها على التَّقرِيب دون التَّحْديد (٢). قال الغزالي: وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالاً لاَ يُعْتَادُ كَالكُوْزِ فَسَدَ العَقْدُ، وَإِنْ كَانَ يُعْتَادُ فَسَدَ الشَّرْطُ وَصَحَّ العَقْدُ عَلَى الأَصَحِّ لأَنَّهُ لَغُوٌ، وَلَوْ أسْلَم فِي ثَمرَةِ بُسْتَانِ بعيْنهِ بَطُلَ لأَنَّهُ يُنَافِي الدّينيّة، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَاحِيَةٍ كَمَعْقَلَي البَصْرَةِ جَازَ إِذ الغَرَضُ مِنْهُ الوَصْفُ.

стр. 2062

قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو عيّن للكيل مَا لاَ يَعْتَاد الكَيْل به كالكُوز (١) فسد السلم؛ لأن مِلْئَه مجهول القدر؛ ولأن فيه غَرَر لا حاجة إلى احْتماله، فإنه قد يتلف قبل المحل، وفي البيع لو قال: بعتك ملء هذا الكُوز من هذه الصُّبْرَة فوجهان بناء على المعنيين. والأصح: الصِّحَّة اعتماداً على المعنى الثاني. ولو عَيَّن في البيع أو السَّلَم مكيالاً معتاداً، فهل يفسد العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتعرضه للتلف. وأصحُّهما: لا، ويُلْغَى الشرط كسائر الشُّروط التي لا غرض فيها. والسَّلم الحال كالمُؤَجَّل، أو كالبَيْع فيه وَجْهان: جواب الشيخ أبي حامد منهما: أنه كالمؤجل؛ لأن الشافعي ﵁ قال: لو أصدقها (٢) مِلْءِ هذه الجَرَّة خلاًّ لم يصح، لأنها قد تَنْكسر فلا يمكن التسليم، كذلك هاهنا. ولو قال: أسلمت إليك في ثوب كهذا الثوب أو في مائة صَاعٍ من الحِنْطَة لهذه الحِنْطة، فقد قال العراقيون: لا يصح إِذْ ربما يتلف ذلك المحضر كماَ في مسألة الكُوز. وفي "التهذيب": أنه يصح ويقوم مقام الوَصْف. ولو أسلم في ثَوْب ووصفه ثم أسلم في ثَوب آخر بتلك الصِّفة إنْ كانا ذاكرين لتلك الأوصاف. الثَّانية: لو أسلم في حِنطَة ضَيْعَة بعينها أو ثمرة بُسْتان بِعَيْنه أو قرية صغيرة لَمْ يَجُز وعللوه بشيئين: أحدهما: أنَّ تلك البُقْعَة قد تُصيبها جَائِحَة فتنقطع ثمرته وحِنْطَته، فإذاً في التَّعْيين غَرَرٌ لا ضرورة إلى احتماله. والثَّاني وهو المذكور في الكتاب: أنَّ التَّعْيِين ينافي الدَّينية من حيث إنه يضيق مجال التَّحْصِيل، والمسلم فيه ينبغي أن يكون دَيْناً مرسلاً في الذِّمَّة؛ ليتيسر أداؤه. وإنْ أسلم في ثَمَرةِ ناحية أو قرية كبيرة، نظر إنْ أراد المسلم فيه تَنوّع المسلم فيه كَمَعْقلي البَصْرَة، فإنه مع معقلي بغداد صنف واحد.، لكن كل واحد منهما يمتاز عن

стр. 2063

الآخر بصفات وَخَواص، فالإضافة إِليها تفيد فائدة الأوْصَاف، وإنْ لم تُفِد تنويعاً فوجهان: أحدهما: أنه كَتَعْيين المُكْيال لخلوه عن الفائدة. وأصحهما: الصِّحة؛ لأنه لا ينقطع غالباً ولا يتضيَّق به المجال. قال الغزالي: الشَّرْطُ الخَامِسُ مَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ، فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ إلاَّ فِي كُلِّ مَا يَنْضَبِطُ مِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ تَخْتَلِفُ بِهِ القِيمَةُ اخْتِلاَفاً ظَاهِراً لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي السَّلَمِ، وَلاَ يصحُّ في المُخْتَلطَاتِ المَقْصُودَةِ الأَدْكَانِ كَالمَرَقِ وَالحَلاَوَي وَالمَعْجُونَاتِ، وَالخِفَافِ وَالقِسيِّ وَالنِّبَالِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَصِحُّ فِي العتابي وَالخَزِّ وَإِن اختلفت اللُّحْمَةُ وَالسَّدَى لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الجِنْسِ الوَاحِدِ كَالشَّهْدِ (و) وَاللَّبَنِ، وَكَذَلِكَ مَا لاَ يَقْصِدُ خَلْطَهُ: كَالخُبْزِ وَفِيهِ المِلْحُ، وَالجُبْنُ وَفِيهِ الإِنْفَحَةُ، وَكذَا دُهْنُ البَنَفْسَجِ وَالبَانِ، وَفِي خلِّ الزَّبِيبِ، وَالتَّمرُ وَفِيهِ المَاءُ تَرَدُّدٌ. قال الرَّافِعِيُّ: أقدم فقه الفصل ثم أتكلم في الضَّبط الَّذي حاوله. أما الفِقْه فهو أن معرفة أوصاف المسلم فيه بذكرها في العَقْد شرط، فلا يصح السَّلَم فيما لا تنضبط أوْصافه، أو تَنْضبط، وأهملا بعض ما يجب ذكره؛ لأن البيع لا يحتمل جَهَالة المعقود عليه وهو عين؛ فلأن لا يحتملها السَّلَم وهو دَيْن كان أوْلى، ولتعذُّر الضبط أسباب: منها: الاختلاط، والمُخْتَلَطَات أربعة أنواع؛ لأن الاخْتِلاَط إمَّا أن يقع بالاختبار أو خِلْقَة والأول إمَّا أنْ يتفق وجميع أخْلاَطِهَا مقصودة، أو يتفق والمقصود واحد، والأول إِمَّا أَنْ يكون بحيث يَتَعَذَّر ضبط اخْلاَطِه أو بحيث لا يَتَعَذَّر. النَّوع الأول: المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط أقدار أخلاطها وأوصافها، كالهَرَائِس ومعظم المَرَق والحَلَوى والمَعْجُونَات وَالحَوَارَشَات، والغالية المركبة من المسك والعَنْبَر والعُود والكَافُور، فلا يصح السَّلَم في شَيْءٍ منها للجهل بما هو متعلق الأغراض، وكذا الخِفَاف والنِّعَال لاشتمالها على الظِّهَارة والبِطَانَة والحَشْو؛ لأن العبارة تضيق عن الوَفاءِ بذكر أطرافها وانعطَافَاتها، وفي "البيان" أن الصَّيمري حكى عن ابن سُرَيجٍ جواز السَّلم فيها، وبه قال أبو حنيفة، وكذا القِسِيّ لا يجوز السلم فيها لاشتمالها علىَ الخَشَبِ والعظْم والعَصَبِ. وأما النّبْل فقد نقل فيه اختلاف نص، واتفقوا على أنه لا خلاف فيه، واختلاف النَّص محمول على اخْتلاف أحواله، فلا يجوز السلم فيه بعد التَّخْريط والعمل عليه.

стр. 2064

أما إذا كان عليه عَصَبٌ وَرِيشٌ ونَصْلٌ فللمعنيين: أحدهما: أنه من المُخْتَلَطَات. والثاني: اختلاف وَسَطَه وطرفيه دقَّة وغِلَظاً، وتعذّر ضبطه، وأنه من أي موضع يأخذ من الدِّقة في الغِلَظ، أو بالعكس ولم يأخذ، وأما إذا لم يكن فللمعنى الثاني، ويجوز السَّلَم قبل التَّخْرِيط والعمل عليه لتيسر ضبطه، والمَغَازِل كالنِّبَال والتِّرْيَاق المَخْلُوط كالغالية، فإن كان نَبَاتاً واحداً أو حجراً جاز السلم فيه. النوع الثَّاني: المُخْتَلَطَات المقصودة الأركان التي تَنْضبط أقدارها وصفاتها، كالثِّيابِ العتَّابِيَّةِ والخُزُوزِ المُرَكَّبة من الإِبْرَيْسِيم والوَبَر وَفي السلم، فيه وجهان: أحدهما: المنع كالسَّلَم في الغالية والمَعْجُونَات. وأصحهما عند المصنف ومعظم العراقيين: الجَوَاز؛ لأن قدر كل واحد من أَخلاَطِها ممَّا يسهل ضَبْطه، ويحكى هذا عن نص الشافعي ﵁ وبه أجاب القاضي ابن كَجٍّ، ويخرج على الوَجْهَين السَّلم في الثوب المعمول عليه بالإِبْرَة بعد النَّسِيج من غير جنس الأصل كالإِبْرَيْسيم على القِطُن أو الكِتَّان، وإن كان تركيبهَا بحيث لا تنضبط أركانها فهي كالمَعْجُونَات. النوع الثالث: المُخْتَلَطَات التي لا يقصد منها إلاَّ الخَلِيط الواحد كالخُبْز وفيه المِلْح، لكنه غير مقصود في نفسه، وإنما يراد منه إصلاح الخبز، وفي السَّلم فيه وجهان: أصحهما عند الإمام: أنه جائز، وبه قال أحمد، وهو الذي أورده في الكتاب؛ لأن المِلْح مستهلك فيه، والخبز في حكم الشَّيء الواحد. والثاني، وهو الأصح عند الأكثرين: المَنْع لوجهين: أحدهما: الاختلاط، واختلاف الغَرض بحسب كثرة المِلْح وقلته وتعذّر الضبط. والثاني: تأثير النَّارِ فيه، وفي السَّلَم في الجُبْن مثل هذين الوجهين، لكن الجُمْهور مطبقون على ترجيح وجه الجواز، كأنهم اعتمدوا في الخُبْز المعنى الثاني، ورأوا أن عمل النَّارِ في الخُبْزِ يختلف، وفي الجُبْن بخلافه، والله أعلم. والوجهان جَارِيَانِ في السَّمك الذي عليه شيء من المِلْح، وفي خَلِّ التَّمْر والزّبِيْب وجهان أيضاً: أحدهما، وإليه ميل الصَّيْمَري والإمام: منع السلم فيهما، لما فيهما من الماء كما لا يجوز السَّلَم في المَخِيض.

стр. 2065

وأظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأنه لا غنِيَّة به عن الماء، فإنَّ قَوَامَه به، بخلاف المَخِيض إذ لا مَصْلَحَة له في الماء والأَقِطُ كالجبن (١) وفي "التتمة": أن المَصْل كالمخيض؛ لما فيه من الدَّقِيق والأدهان المطيبة كدهن البَنَفْسَج والبَانِ والوَرْدِ إنْ خالطها شيء من جِزْمِ الطِّيْبِ لم يَجُزِ السَّلم فيها، وإن تَرَوَّح السِّمْسِمُ بها ثم اعتصر جاز. النوع الرابع: المُخْتَلَطَات خِلْقة، ومثلها الإمام بالشُّهْد واللَّبَن وعد الشهد من المُخْتَلَطَات أظهر من عد اللّبن منها؛ لأن في ركني الشُّهد امتيازاً ظاهراً واللَّبَن شيء واحد، إلاَّ أنه بعرض أن يحصل منه شيئان مختلفان، وفي السَّلَم. في الشُّهْد وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الشَّمْع فيه، قد يقلّ وقد يكثر، فأشبه سائر المُخْتَلطات، وهذا ما رواه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه. وأصحُّهما: الجواز؛ لأن اخْتِلاَطه خِلقي فأشبه النَّوَى في التَّمر، وكما يجوز السَّلم في الشُّهْد يجوز في كل واحد من رُكْنيه. وأما اللبن فلا خلاف في جَوَاز السَّلَم فيه. وقوله في أول الفصل: (فلا يصح السلم) إلى قوله: (لا يتغابن الناس بمثله في السَّلم) هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها ما لا يَتَغَابَن النَّاس بمثله، وهما صحيحان، ومعنى الأول: لا يحتمل الناس إهمال مِثْل ذلك الاختلاف والنُّقْصَان، ومعنى الثَّاني: أنه لا بأس بأن لا تنضبط منه الأَوْصَاف التي لا يبالي بها ويحتمل فواتها. ثم اعلم أن من الأصحاب من يقول: يجب التَّعرض للأوصاف الَّتي يختلف بها الغَرَض، ومنهم من يعتبر الأَوْصاف التي تختلف بها القيمة. ومنهم من يجمع بينهما وليس شيء منها معمولاً بِإِطْلاقه؛ لأن كون العَبْدِ ضعيفاً في العمل وقوياً وكاتباً وأميناً وما أشبه ذلك أوصاف يختلف بها الغَرَض والقيمة، ولا يجب التَّعرض لها ثَمَّ. قوله: (لا يصح السلم إلاَّ في كذا)، يقتضي صحة السلم في كذا؛ لأن الاسْتِثْنَاء من النَّفي إِثبات وليس ذلك على الإِطْلاَق، بل لو انْضَبَط منه كل وصف تختلف به القيمة ولكن كان عزيز الوجود لا يصح السَّلَم فيه.

стр. 2066

قال الغزالي: وَأَمَّا ما يَقْبَلُ الوَصْفَ لَكِنْ يُفْضِي الإِطْنَابُ فِيهِ إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ كَالَّلآلئِ الكِبَارِ، وَاليَوَاقِيتِ، وَالجَارِيَةِ الحَسْنَاءِ مَعَ وَلَدِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِب عُسْراً في التَّسْلِيمِ فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ. قال الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن السَّلم فيما يندر وجوده لا يجوز؛ لأنه عقد غرر فلا يحتمل إلاَّ فيما يوثق بتسليمه، ثم الشَّيء قد يكون نادر الوُجُود من حيث جنسه كلحم الصَّيْد في موضع العِزّة وقد لا يكون كذلك؛ إلاَّ أنه بحيث إذا ذكرت أوْصافه التي بيّنا أنه يجب التَّعرض لها عز وجوده لندرة اجْتماعها، وفي هذا القسم صورتان: إحْدَاهما: لا يجوز السَّلَم في الَّلالِئ الكِبار واليَوَاقِيت والزَّبَرْجَد والمُرْجَان؛ لأنه لا بد فيها من التَّعرض لِلْحَجْم والشَّكْل والوَزْن والصّفَاء؛ لعظم تَفَاوت القيمة باخْتِلاَف هذه الأوصاف، واجتماع المَذْكُور فيها نادر، ويجوز في الَّلآلِئ الصّغَار إذا عم وجودها كَيْلاً ووزناً (١). وبم يضبط النَّوعين قال قائلون: ما يطلب لِلتَّدَاوي فهو صغير، وما يطلب للتَّزَيُّن فهو كبير. وعن الشَّيْخ أبي محمد أن ما وزنه سدس دينار يجوز السَّلم فيه، وإنْ كان يطلب منه التَّزين لعموم وجوده، والوجه أن يكون اعتبار السُّدس بالتقريب. الثانية: لو أَسْلَم في جارية وولدها، أو جارية وأختها، أو عَمَّتها، أو شاة وسَخْلَتِها لم يَجُز؛ لأن اجتماع الجَارِيَة المَوْصُوفة بالصِّفَات المشروطة نادر، هكذا أطلقه الشافعي ﵁، وعامة الأصحاب ﵃ (٢). وفصّل الإمام فقال: لا يمتنع ذلك في الزِّنْجيّة التي لا تكثر صفاتها، ويمتنع في السّرِيّة التي تكثر صفاتها، إلى هذا التَّفْصيل أشار في الكتاب بقوله: (والجَارِية الحسناء)، وهذا مفرع على أن الصفات التي يجب التعرض لها تختلف باختلاف الجَواري، ولم تفصل الآية القول فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى لكن في موضع السَّلَم إشكال على الإطلاق؛ لأنهم حكوا عن نصه: أنه لو شرط كون العَبْد كاتباً أَوْ

стр. 2067

الجَارِيةَ مَاشِطَة جاز، وَلمدعٍ أنْ يدّعي نُدْرة اجتماع صفة الكِتابة والمَشْط مع الصّفات التي يجب التَّعرض لها، بل قضية ما أَطْلَقُوه تَجْوِيز السَّلَم في عبد وجارية بشرط كون هذا كاتباً وتلك مَاشِطَة، وكما يندر كون أحد الرَّقِيقين ولدا للآخر مع اجتماع الصِّفَات المشروطة فيهما، فكذا يَنْدُرْ كَوْن أحدهما كاتباً والآخر ماشطاً مع اجتماع تلك الصفات، فَلْنُسَوِّي بين الصورتين في المنع والتَّجويز. ولو أسلم في جارية وشرط كونها حاملاً فطريقان: أظهرهما: المنع؛ وعللوه بأن اجتماع الحَمْل مع الصفات المشروطة نادر، وهذا يؤيد الإِشْكَال الذي أوردناه. والثاني وبه قال أبو إسحاق وأبو علي الطَّبَرِي وابن القَطَّان: أنه على قولين بناء على أن الحمل هل له حكم أم لا؟ إن قلنا: نعم، جاز، وإلاَّ فلا، لأنه لا يعرف حصوله، وهما كالقولين في الشِّرَاء بهذا الشرط، ولو شرط كون الشَّاة المُسَلّم فيها لَبُوناً فقولان مَنْصُوصَان، وقد ذهب الشَّيْخ أَبُو حَامِدٍ إلى تَرْجيح قول الجَوَاز كما مر في شراء الجارية بشرط أنها لَبُون، لكن قضية توجيه أظهر الطريقين في صورة الحَمْل تقتضي ترجيح المنع هاهنا أيضاً، وبه أجاب صاحب "التهذيب". قال الغزالي: وَيجُوز السَّلَمُ فِي الحَيَوَان (ح) لِلأَخْبَارِ وَالآثَارِ فِيهِ فَيُتَعَرَّض لِلنَّوْعِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَة، وَالأُنُوثَةِ وَالسِّنِّ فَيَقُولُ عَبْدٌ تُرْكِيٌّ أَسْمَرُ ابنُ سَبْعٍ طَوِيلْ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعٌ، ثُمَّ يَنْزِلُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى أَقَلِّ الدَّرجَاتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ وَصْفُ آحَادِ الأَعْضَاءِ إِذْ يُفْضِي اجْتِمَاعُهَا إلَى عِزَّةِ الوُجُودِ، وَفي الكُحْلِ وَالدَّعَجِ وَتكَلْثُمِ الوَجْهِ وَالسِّمَنِ فِي الجَارَيةِ، وَمَا لاَ يَعِزُّ وُجودُهُ وَلَكِنْ قَد يُعَدُّ اسْتِقْصَاءً فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَكَذا في ذِكْرِ المَلاَحَةِ وَيقُولُ في البَعِيرِ: ثَنِيٌّ أَحْمَرُ مِنْ نَعَمِ بَنِي فُلاَنٍ غَيْرُ مَوْدُونٍ أَيْ غَيْرُ نَاقِصِ الخِلْقَةِ، وَيتَعَرَّضُ فِي الخَيْلِ لِلَّوْنِ، وَالسِّنِّ، وَالنَّوْعِ، وَلاَ يَجِبُ التَّعَرّضُ لِلشِّيَاتِ كَالأَغَرِّ وَاللَّطِيمِ، وُيتَعَرَّضُ فِي الطُّيُورِ لِلنَّوْعِ، وَالكبَرِ، وَالصِّغَرِ مِنْ حَيْثُ الجُثَّةُ. قال الرَّافِعِيُّ: يجوز السَّلَم في الحيوان، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَشْتَرِيَ بَعِيراً بِبَعِيرَينِ إِلَى أَجَلٍ" (١).

стр. 2068

وعن علي ﵁: "أَنَّهُ بَاعَ بَعِيراً لَهُ بِعِشْرِينَ بَعِيراً إِلَى أَجَلٍ" (١). وعن ابن عمر ﵄: "أَنَّهُ اشْتَرَى رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ يُوَفِّيهَا صَاحِبُها بِالرَّبَذَةِ" (٢). وهذه ونحوها هي الأخبار والآثار التي أجمل ذكرها في الكتاب. ثم الحيوان أنواع: فمنها الرَّقِيق فإذا أسلم فيه وجب التَّعَرض لأمور: أحدها: النوع، فيبين أنه تُرْكيّ أو رُومِي أو هِنْدِي، وهل يجب التعرض لصنف النوع إنْ كان فيه اختلاف؟ فيه قولان: أظهرهما: الوجوب. والثاني: اللَّون. فيبين أنه أبيض أو أسود، ويصف البَيَاض بالسُّمْرة أو الصُّفْرة، والسَّواد بالصَّفاء أو الكُدُورة، وهذا إذا اختلف لون الصنف المذكور، فإنْ لم يقع فيه اختلاف أغنى ذكره عن اللون. والثالث: الذُّكُورة والأُنُوثة. والرابع: السِّن فيقول: محتلم أو ابن ست أو سبع، ثم الأمر في السِّن على التقريب، حتى لو شرط كونه ابن سبع مثلاً بلا زيادة ولا نُقْصان، لم يجز لِنُدْرة الظّفر به، والرجوع في الاحتلام إلى قول العبد، وفي السِّن يُعْتَمد قوله إن كان بالغاً، وقول السيد: إن ولد في الإسلام وإلاَّ فالرجوع إلى النَّخَّاسين (٣) فتعتبر طنونهم. والخامس: القَدُّ (٤)، فبين أنه طويل أو قصير أو رَبْع (٥)؛ لأن القيمة تتفاوت بها تفاوتاً ظاهراً. وأعلم قوله في الكتاب: (طويل أو قصير) بالواو؛ لأن الإمام نقل عن العِرَاقيين أنه لا يعتبر ذكر القَدّ، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط". لكن كتب العراقيين مَشْحُونة بأنه يجب ذكره، ولم يتعرّضوا لخلاف فيه، والله أعلم.

стр. 2069

واعتبروا التعرض لأمرٍ سَادِسٍ، وهو الجَوْدَة، وهذا لا يختص بالرقيق ولا بالحيوان، وستعرف حكمه من بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: (ثم ينزل كل شيء على أقل الدرجات) معناه: أنه إذا أتى بما يقع عليه اسم الوصف المشروط كفى ووجب القبول؛ لأن الرتب لا نهاية لها، وهذا كما ذكرنا فيما إذا باع العبد بشرط أنه كاتب أو خبَّاز، والمسألة لا اختصاص لها بهذا الموضع، بل تعمّ كل مسلم فيه، ولا يشترط وصف كل عضو على حِيَاله بأوصافه المقصودة، وإن تفاوت بها الغرض والقيمة؟ لأن ذلك يورث عزة المَوْصُوف، لكن في التعرّض للأوصاف الَّتي يعتني بها أهل البصر وترغب بها في الأَرقّاء كالكُحْل والدَّعَج (١) وتَكَلْثُم الوجه وسمن الجارية وما أشبهها وجهان: أحدهما وبه قال الشيخ أبو محمد: أنه يجب؛ لأنها مقصودة ولا يورث ذكرها العزة. وأظهرهما؟ أنه لا يجب؛ لأن الناس يتسامحون بإهمالها، ويعدون ذكرها استقصاء. وعن القَفَّال: تردد رأي في المَلاَحَة بناء على أنها من جملة المعاني، أو المرجع بها إلى ما يميل إليه طبع كل أحد. والأظهر: أنه لا يعتبر. واعلم أن الشافعي ﵁ ذكر في السَّلَم في العبد أنه يقول: خماسي أو سداسي وأنه بيصف سنه، واختلفوا في التفسير فمنهم من قال: أراد بالخماسي والسداسي التعرض للقَدّ يعني خمسة أَشْبَار أو ستة أشبار. ومنهم من قال: أراد به السن، يعني ابن خمس أو ست فمن قال بالأول حمل قوله: "يصف سنه" على المعنى الثاني، ومن قال بالثاني حمل قوله: "يصف سنه" على الأسنان المعروفة، وأنه يذكر أنه مُفَلّج الأسنان أو غيره، وذلك من طريق الأولى دون الاشتراط، كالتّعرض لجُعُودَةِ الشَّعر أو سُبُوطَتِهِ. وحكى المسعودي أي الخُمَاسي والسُّدَاسي صنفان من عبيد النوبة معروفان عندهم. فرع: ذكر الشيخ أبو حامد في آخرين: أنه لا يجب ذكر الثّيَابة والبَكَارة في الجارية. وعن الصَّيْمَرِيّ: أنه يجب، وبه أجاب صاحب "المهذب" وهو الأولى. آخر: لو شرط كون العبد يهودياً أو نصرانياً جاز كشرط كونه خبازاً، ولو شرط كونه ذا زوجة، وكون الجارية ذات زوج، فعن الصَّيْمَرِي: أنه جائز (٢)، وزعم أن ذلك مما لا يندر، وعنه أنه لو شرط كونه سارقاً أو

стр. 2070

زانياً أو قاذفاً جاز أيضاً، بخلاف ما لو شرط كون الجارية مغنية أو قوادة، وفرق بأنها صناعة محظورة، وتلك أمور تحدث كالعَمَى والعَوَر وقطع اليد، وهذا فرق لا يقبله ذهنك (١). ثالث: لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة فعن أبي إِسْحَاقَ: أنه لا يجوز؛ لأنها قد تكبر وهي بالصِّفَة المَشْرُوطة فيسلمها بعد أن يَطَأها، فتكون في معنى اسْتِقْرَاض الجَواري. والصحيح: الجواز، كإسلام صِغَار الإبل في كبارها، وهل يتمكن من تسلمها عما عليه؟ فيه وجهان لاتحاد الثمن والمثمن (٢): إن قلنا: يتمكّن، فلا مبالاة بالوَطْء كوطء الشيب وردها بالعيب. ومن أنواع الحيوان الإبل، ولا بد من التعرض فيها لأمور: أحدها: الذكورة والأنوثة. وثانيها: السِّن، فيقول ابن مَخَاص أو ابن لَبُون أو ثَنِي. وثالثها: اللّون، فيقول أحمر أو أسود أو أزرق. ورابعها: النوع، مثل أن يقول: من نَعَم بني فلان ونتَاجهم، وهذا فيما إذا كثر عددهم وعرف بهم نِتَاج كَطَيْئ وبني قَيْس، فأما النسبة إلى الطائفة القليلة فهو كتعيين البُسْتَان في الثمار. ولو اختلف نتاج بني فلان، وكان فيها أَرْحَبِيَّة ومُهَرِيّة ومَجِيْدِيّة فأظهر القولين: أنه لا بد من التَّعيين. وأما قوله: غير (مودون) فإن الشافعي ﵁ ذكر في "المختصر" أنه يقول في السلم في البعير غير مودون نفي من العيوب سِبْط الخلق، مُحَفّر الجَنْبَيْن، والمودون: غير ناقص الخِلقة، والسّبْطُ: المَدِيدُ القامة، الوافر الأعضاء، ومحفر الجنبين عظيمها وواسعها، واتفق الأصحاب على أن ذكر هذه الأمور ليست بشرط، وإنما هو ضرب من التأكيد.
следующие страницы →