← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أن الأولى أن يقلب فرضه نفلاً ويسلم عن ركعتين أو الأولى أن يتم الفريضة، فمن صائر إلى الأول صيانة للعبادة عن الإبطال، وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين، ومن صائر إلى الثَّاني محافظة على حرمة الفريضة. والوجه الثاني: في أصل المَسْأَلَةِ أنه لا يجوز الإعراض عن الفريضة بحال؛ لأن الإعراض عن الفريضة إبطال للفريضة. والثالث: ذكره إمام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج؛ لأنه إن لم يكن في الصَّلاة تعيَّن عليه البدار حينئذ، فإذا كان فيها يمتنع الخروج، وإن لم يضيق الوقت فله الخروج؛ لأن الوجوب في أوَّل الوقت موسع والشُّروع لا يلزم شيئاً، وهذا التَّفْصِيلُ عنده لا يختص بالمتيمِّم، بل مُطَّرد في كل مصل (١). الثالث: إذا لم يخرج منها، وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه وإن كان الماء الذي ظَفَرَ به باقياً بحاله، حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التَّسليمة الثانية (٢). لأن التسليمة الأولى تمَّت الصلاة وبطل التّيمم، وإن لم يكن ذلك الماء باقياً، ولم يعرفه المصلِّي حتى فرغ، فكذلك وإن عرف فواته وهو بعد في الصلاة، فهل يبطل تيممه إذا فرغ؟ وجهان: قال صاحب "التلخيص": يبطل (٣) وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لأن التيمم يبطل بوجدان الماء، إلا في الصلاة التي هو فيها لحرمتها. وقال آخرون، منهم القَفَّال: لا يبطل، حتى يجوز له التَّنفل به؛ لأنه حين الفراغ غير واجد للماء، ولا متوهم للوجدان (٤). الرَّابع: لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة، ففي بطلانها وجهان: أصحهما: لا تبطل كالفريضة. والثاني: أنها تبطل؛ لأن حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة؛ ألا يرى أنها لا تلزم

стр. 247

بالشُّروع، والفريضة تلزم، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين -قَدَّس الله روحه- عن ابن سريج ﵀ فعلى الأولى الأصح، لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نِيَّته لم يزد على ركعتين نص عليه؛ لأن الأولى في النَّوافل أن تكون مَثْنَى مَثْنَى، فليسلم عن ركعتين، وليصل بالوضوء. وعن القاضي الحسين أن له أن يَزِيدَ ما شاء، وإن كان قد نوى رَكْعَةً أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى؛ لأنَّ الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء، ألا ترى أنه يفتقر الزِّيادة إلى قصد جديد. وعن القفال: أنه يجوز أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم، بخلاف ما لو سلم، وأراد افْتِتَاح نافلة أخرى، ولو نوى عدداً فوق الركعتين، ثم رأى الماء، فهل يستوفي ما نواه أم يجب الاقتصار على ركعتين؟ فيه وجهان: أظهرهما: أن له أن يستوفي ما نواه؛ لأن إحرامه انعقد لذلك العدد، فأشبه المكتوبة المقدرة، وعلى هذا ففي جواز الزيادة على المنوي الوجهان المذكوران، في جواز الزيادة على الركعتين إذا نواهما، وأصل هذه المسألة (١) أن المُصَلِّي مستقل من زيادة الركعات، ونقصانها في النَّوافل المطلقة كيف شاء، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصَّلاَةِ (٢)، وإن كان مطلقاً مشروط بشرطين: أحدهما: أن يكون ذلك التَّيمم غير تيمم المريض، ونحوه. والثاني: اْلا يقارن رؤية الماء مانع، يرخص في ابْتِدَاء التَّيمم على ما بيناهما. وقوله: "ولا تبطل برؤْية الماء بعد الشُّروع فيها"، مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء، وإلا فهي باطلة على الأصح، ولا بد من اسْتِثْنَاءِ الصورتين المذكورتين من قبل أيضاً. وقوله: "ولكن المصلّي إذا رأى الماء" لا يتعلق بقوله: "ويبطل بظن وجود الماء قبل الشروع" وإن كان مذكوراً عقيبه؛ بل بقوله: "لا تبطل بعد الشّروع فيها"، والوجوه الثلاثة التي ذكرها في أن الأولى ماذا، كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج، وترك الفريضة، والذي يقابله قوله: "وفي وجه يلزمه المضي، ولا يجوز الخروج"، وليس في الجمع بين هاتين العِبَارَتَيْنِ سوى الإيضاح، وقوله: "وعلى هذا لو كان في نافلة بطلت"، لأنها غير مانعة، يعني به أَنَّا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة، إنَّما نقول به لحرمة الفريضة، وليس لِلنَّافلة حرمة ما نعمة من الخروج، فتبطل.

стр. 248

وقوله: "وهو بعيد" يجوز أن يريد به هذا البِنَاء، ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضي لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب، إذا فقدنا تلك الحرمة فَأمَّا أَنْ نقول بِالبُطْلاَنِ فلم؟ وطريق توجيه البطلان أن يقال: رؤية الماء تقتضي البُطْلاَن مطلقاً، خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه، لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء، وإنما أراد استبعاد أصل الوجه، وهو بين من كلامه في "الوسيط"، واستقرب بالإضافة إليه التَّردد في زيادة الرَّكعات. قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ وَيَجمَعَ بَينَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ وَبَيْنَ فَرْضٍ وَمَنذُورَةٍ إِنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ لاَ مَسْلَكَ وَاحِبِهِ، وَبَينَ فَرْضٍ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا فَرِيضَةٌ وَيَجْمَع بَيْنَهمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِتيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا كَالتَّابعِ لَهُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَصَلاَةِ جَنَازَةٍ، وَلاَ يَقْعُدُ فِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، هَذَا نَصُّهُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إن تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَهَا حُكْمُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَهَا حُكْمُ النَّفْلِ وَلكِنَّ القُعُودَ لاَ يَحْتَمِلُ مَعَ القُدْرَةِ لأَنَّ القِيَامَ أَظْهَرُ أَرْكَانِهَا. قال الرافعي: لا يؤدِّي بِالتَّيمم الواحد، ممَّا يتوقَّف على الطَّهارة إلا فريضة واحدة، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يؤدي به ما شاء. وكذلك قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى يتيمَّم لوقت كل صلاة. لنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ ألاَّ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلاَّ مَكْتُوبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلأْخْرَى" (١). والسُّنَّةُ في كلام الصَّحابي تنصرف إلى سنَّة رسول الله ﷺ (٢)؛ لأن التَّيمُّم طَهَارة ضرورة، فلا تؤدِّي به فريضتان، ولا فرق

стр. 249

بين أَنْ يَتَّحِدَّ الجنس كصلاتين، أو طوافين، أو يختلف كصلاة، وطواف، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصَّبي، وحَكَى القاضي الروياني في الصَّبي هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؟ وجهين: والصحيح: أنه لا يجمع؛ لأنه وإن لم يكن مكلفاً لكن ما يؤذيه حكمه حكم الفرائض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة، ولا فرق في المكتوبة بين

стр. 250

الفائتة والمؤداة. وأغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجهاً أنه يجوز الجمع بين الفوائت، وبين المؤداة، ويجوز أن يجمع المتيمِّم بين فريضة ونوافل، لأن النَّوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التّيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تَنْضبط، وأيضاً فهي إتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض، ثم في الفصل مسائل: إحداها: هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة؟ فيه وجهان، وربما قيل قولان: أصحهما: لا؛ لأنها مفروضة متعينة (١) على النَّاذر فأشبهت المكتوبة. والثاني: نعم؛ لأنها وجبت بعارض، فلا يلحق بالمفروض الأصلي، وهذا الخلاف مبني على أصل [في النَّذْر، وهو أنه يسلك بالمنذور] (٢) مسلك واجب الشرع، أو مسلك جائزه وهو أقل ما يتقرب به، وفيه وجهان: فإذا نذر هَدْيًا حمل في قول على شيء من النّعم؛ لأنه الهدى الواجب شرعاً، وعلى قول له أن يقتصر على دَجَاجة وقطعة لحم؛ لأن ذلك مما يتقرب به، وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القُربات التي لا تجب حتى يجوز القعود في الصَّلاة مع القدرة على القيام، ويجوز أداؤها على الرَّاحلة، وإذا قلنا: بالأول لا يجوز، وقول الأصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الأحكام مع وجوب الأصل، وعنوا بجائز الشرع هاهنا القُرْبَاتِ التي جوز تركها، ويجري الخلاف فيما لو جمع بين منذورين. الثانية: في وجوب ركعتي الطَّواف، قولان يذكران في موضعهما: فإن لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما، وبين الطَّواف، وبينهما وبين مكتوبة، وإن أوجبناهما ففي الجمع بينهما وبين الطّواف، وجهان: أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه يجوز؛ لأنهما تابعتان للطَّواف، أو كالجزء منه، بمثابة بعض الأشواط. وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن ركعتي الطَّواف عبادة مستقلّة، ولهذا تحتاج إلى نيّة مفردة بخلاف بعض الأشواط، والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض، أما ركعتا طواف التَّطوع فتطوع، ومنهم من أجرى القولين في ركعتي طواف التَّطوع أيضاً. وقال: اتفاق الفرض والنَّفل في الشرائط لا ينكر، ألا ترى أن صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطَّهارة وستر العورة، فعلى هذا لو صلّى فريضة بتيمّم، وطاف تطوعاً، هل له أن يصلي به ركعتي الطواف؟ فيه وجهان؛ وفي جواز الجمع بين

стр. 251

الخطبة وصلاة الجمعة بالتَّيمم الواحد وجهان، كالوجهين في الجمع بين الطواف الواجب وركعتيه إذا أوجبناهما؛ لأن الخطبة تابعة للصَّلاة، كالرَّكعتين للطواف، وهذا على قولنا تشترط طهارة الحدث في الخطبة الثالثة، نص في المختصر أنه يجمع بين فريضة وصلاة جنازة، وفي موضع آخر أنه لا يقعد فيها مع القُدْرَةِ على القيام، وأنها لا تؤدى على الرَّاحلة، فهذا يقتضي إلحاقها بالفرائض، والأول يقتضي إِلْحَاقَهَا بالنَّوافل، واختلفوا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين على قولين نقلاً وتخريجاً. أحدهما: أنها مُلحَقَةٌ بالفرائض، فلا يجوز الجمع، ولا القعود ولا على الراحلة؛ لأنها فرض في الجملة، والفرض بالفرض أشبه منه بالنّفل، وإن اختلفت كيفية الافتراض. والثاني: أنها ملحقة بالنَّوَافل، فيجوز فعلها على الراحلة، والجمع والقعود؛ لأن فروض (١) الكفايات كالنَّوَافل في جواز التَّرك، وعدم الانحصار. والطريق الثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالتين حيث قال: "يجمع" أراد ما إذا لم يتعيّن عليه، وفي هذه الحالة [له أن يقعد ويؤديها على الرّاحلة، وحيث قاتل: لا يقعد أراد ما إذا تعيَّنت عليه بأن لم يحضر غيره، وفي هذه الحالة] (٢) لا يجمع. والثالث: أن حكمها حكم النَّفْل على الإطلاق إلا أنه لا يسامح بالقعود فيها؛ لأن قوامها بالقيام، إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، فإذا قعد فيها بطلت صورتها بالكليَّة، فلا تلحق في هذا الحكم بالنَّوَافل، وهذا تقرير النصين. وظاهر المذهب جواز الجمع بكل حال، ولو جمع بين صَلاتَي جنازة بتيمُّم واحد ففيه هذا الخلاف، ولو أراد أن يصلي على جنازتين صلاة واحدة، فقد قال بعضهم يبنى ذلك على الخلاف، إن اعتبرنا لكل صلاة تيمماً لم يَجُزْ ذلك، وإلا فيجوز. وقال صاحب "المعتمد": ينبغي أن يجوز ذلك بكل حال؛ لأنه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة، جاز الاقتصار على التيمم الواحد. قال الغزالي: وَمَنْ نَسِيَ صَلاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُصَلِّي خَمْسَ صَلَوَاتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ نَسِيَ صَلاَتيْنِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتِ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ، وإنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ وَأَدَّى بِالتَّيَمُّمِ الأَوَّلِ الأَرْبَعَةَ الأُولَى مِنَ الخَمْسَةِ وَبِالثَّانِي الأرْبَعَةَ الأخِيرَةَ مِنَ الخَمْسَةِ.

стр. 252

قال الرافعي: إذا نسي صلاة من صلوات نظر إن كانت متفقة كما إذا نَسِيَ ظهراً من إسبوع فلا يلزمه إلا ظهر واحدة، ولا أثر للتردُّد في اليوم الذي فاتت منه، ولا يخفى أن يفردها بتيمم، وإن لم تكن متّفقة كما إذا نسي صلاةً من الصَّلَوَات الخمس فيلزمه أن يأتي بالخمس ليخرج عن العهدة بيقين، وعن المزني: أنه يكفيه أربع ركعات، يَنْوِي فيها فائِتَته، ويجلس في الثَّلاث الأخيرة، ويسجد للسهو ويسلم. وهل يكفيه تيمُّم [واحد للجميع أم يفتقر لكل واحدة إلى تيمم (١)؟] فيه وجهان: أحدهما: ويحكى أن ابن (٢) سريج: أنه يفتقر لكل صلاة إلى تيمم؛ لأن كل واحدة منها واجبة عليه بعينها فأشبهت الفَائِتَتَيْن، وهذا اختيار الخضري وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن القاصّ (٣)، وابن الحدّاد أنه يكفيه تيمّم واحد للجميع، لأنها وإن كانت واجبة الفعل، فالمقصود منها واحدة، وما عداها كالوسيلة إليها. قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أنه لا يجب تعيين الفريضة المقصودة بالتيمم، فإن أوجبنا التَّعْيين، وجب لكل واحدة تيمم لا محالة (٤) ولك أن تقول إنَّما يجب التَّعْيين إذا كانت الفَرِيضةُ مُعَيَّنَة معلومة فأما إذا لم تكن، فيجوز أن يقال: ينوي بتيمُّمهِ ما عليه، ويحتمل منه التردُّد والإبهام، كما يحتمل في كل واحدة من الصَّلَوات، ينوي أنها فائتته، وهو متردد في ذلك، ويجوز أن يعلم قوله: "يصلي خمس صلوات" بالزاي؛ لأن عنده يكفيه صلاة واحدة بالضفة التي تقدمت. وإن نسي صلاتين من صلوات، نظر إن كانتا مختلفتين، وهي الحالة المرادة في مسألة الكتاب، كما إذا نسي صلاتين من الوَظَائِفِ الخمس، فيجب الإتيان بالخمس لا محالة، وحكم التيمم يبنى

стр. 253

على ما إذا كانت المَنْسِيَّةُ واحدة. فإن قلنا: يجب ثم خمس تيممات فكذلك هاهنا. وإن قلنا: ثم يكفي تيمم واحد، فما الَّذي يفعل هاهنا. قال ابن القاص: يتيمَّم لكل واحدة منها، ويقتصر عليها. وقال ابن الحداد: يقتصر على تيممين ويزيد في عدد الصلوات فيصلي بالتيمم الأول الفجر والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عن العهدة بيقين؛ لأنه صلّى الظهر والعصر والمغرب مرتين بتيممين، فإن كانت الفائتتان من هذه الثلاث فقد تأدت كل واحدة بتيمم، وإن كانت الفائتتان الفجر والعشاء، فقد تأدّت الفجر بالتيمم الأول، والعشاء بالثاني، وإن كانت الفائتتين إحدى الثلاث، وأخرى الفجر والعشاء، فكذلك ولا شك أن ما ذكره ابن القاص جائز عند ابن الحداد، فيخرج عن العهدة. والذي ذكره ابن الحداد هل يجوز عند ابن القاص، ظاهر كلامه في "التلخيص" أنه لا يجوز. وقال الصيدلاني وغيره من الأئمة: لا خلاف بينهما، وكل واحد منهما يجيز ما قاله الآخر، فإن كان الأول التقى كلام ابن القاص، والخضري في هذه الصورة ونظائرها، وإذا كان الثاني انتظم أن يقال: هو مُخَيَّرٌ إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا، كما ذكره في الكتاب، ويجوز أن يعلم قوله: "إن شاء"، "وإن شاء" بالواو، لظاهر كلامه في التَّلْخِيصِ، وبالزَّاي؛ لأن قياس قوله: "أن لا يلزمه واحد من الأمرين، بل يكفيه صلاتان كما ذكرنا بتيمُّمين، وحكى وجه آخر أنه يتيمم مرتين، ويصلي بكل واحد منهم الصلوات الخمس؛ لأنه للفائتة الواحدة يقضي الخمس بتيمم فَلِلْفَائِتَتَيْنِ يلزمه ضعف ذلك، وهذا أبعد الوجوه عند مشايخ الأصحاب من جهة أنه إذا صلى الأربع بالتيم الأول، فقد علم سقوط إحدى الفَائِتَتَيْنِ عنه، ففعل الخامسة عبث لأنه لا يتأدَّى فرضان بتيمُّم واحد، والمستحسن عندهم ما ذكره ابن الحداد، ولا بد فيه من زيادة في عدد الصَّلَوات، فيجب معرفة ضابط القدر الزّائد، وما يشترط في كيفية أدائها ليخرج عن العهدة، أما الضّابط فهو أن يزيد في عدد المنسي فيه عدداً لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم المجموع صحيحاً على المنسي بيانه في الصُّورَةِ المذكورة المنسي صلاتان، والمنسي فيه خمس يزيد عليه ثلاثة؛ لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين، بل يساويه، والمجموع هو ثمانية، ينقسم على الاثنين صحيحاً، ولو أنه أتى بعشر صلوات يجزئه عما ذكرنا في الوجه الآخر، لأنه زاد ما لا ينقص عن الباقي من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم مع الأصل صحيحاً عليه، وأول عدد يزيد عليه ووجد فيه الوصفان المذكوران حصل به الفرض، فإن تكلف عليه زيادة، فاولى أن يجزئه، وأما ما يشترط في كيفية الأداء، فإنه يبتدئ من المنسي

стр. 254

فيه بأية صلاة شاء، ويصلّي بكل تيمم ما تقتضيه القسمة، لكن شرط خروجه عن العهدة بالعدد المذكور أن يترك في كل مرة ما ابتدأ به في المرة التي قبلها، ويأتي في المرة الأخيرة بما بقي من الصَّلَوَات، فلو صلَّى في المثال الذي سبق بالتيمم الأول الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبالثاني الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، فقد أخل بهذا الشرط إذا لم يترك في المرّة الثانية ما ابتدأ به في المرة الأولى، وإنما ترك ما ختم به في المرّة الأولى فلا يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون ما عليه الظّهر، أو العصر، أو المغرب مع العشاء، فبالتيمم الأول صحّت تلك الصلاة، ولم تصح العشاء، وبالتيمم الثاني لم يُصَلِّ العشاء، فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني، خرج عن العهدة، وقد أشار إلى هذا الشَّرط في الكتاب بقوله: "وأدى بالأول الأربع الأولى من الخمس، وبالثاني الأربع الأخيرة". ولو نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، ولم يعرف عينها فعلى طريقة صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيمُّمات، ويصلِّي الخمس، وعلى الوجه الآخر يتيمم ثلاث مرات، ويصلي بكل واحدة منها الخمس، وعلى قول ابن الحداد يقتصر على ثلاث تيممات، ويزيد في عدد الصلوات فيضم إلى الخمس أربعاّ؛ لأن الأربعة لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الثلاثة، بل يزيد عليه، وينقسم المجموع، وهو تسعة صحيحاً على الثلاثة، ولو ضممنا إلى الخمسة اثنين، أو ثلاثة، لما انقسم، ثم يصلّي بالتيمُّم الأوّل الصبح، والظهر، والعصر، وبالثَّاني الظهر، والعصر، والمغرب، وبالثالث العصر، والمغرب، والعشاء، وله غير هذا الترتيب إذا حافظ على الشَّرط المذكور، فلو أَخَلَّ به كما إذا صلّى بالتّيمم الأول العصر، ثم الظهر، ثم الصبح، وبالثاني المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، وبالثالث العشاء، ثم المغرب، ثم العصر، لم يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون التي عليه الصّبح، والعشاء، وثالثهما الظهر، أو العصر، فيتأدَّى بالتيمُّم الأول الظهر، أو العصر، ويتأدى بالثالث العشاء، ويبقى الصبح عليه فيحتاج إلى تيمم رابع للصبح، وقس على هذا نظائره، هذا كله فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين، أو أكثر. أما إذا نسي صلاتين متفقتين من صلوات يومين فصاعداً، فعليه أن يأتي بعشر صلوات صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشائين، ليخرج عن العهدة بيقين، ويجب لها عشر تيمُّمَات على الوجه المنسوب إلى الخضري، وعند معظم الأصحاب يكفيه تيممان يصلي بكل واحد منهما الصلوات الخمس، ولا يكني هاهنا ثمان صلوات بتيممين، بخلاف ما إذا كانتا مختلفتين؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يأت بالصُّبح إلا مرة واحدة بالتَّيمم الأوَّل، ولا بالعشاء إلا مرة واحدة بالتيمم الثَّاني، ويجوز أن يكون ما عليه صبحين أو عشائين، ولو لم يعلم أن فَائِتَتَيْهِ متِّفِقَتَان، أو مختلفتان أخذ بالأسوأ، وهو أن تكونا متفقتين، فيحتاج إلى عشر صلوات بتيممين، ولا يكفيه الاقتصار على

стр. 255

الثمان، والوجه الذي هو اختيار الخضري لا يخفى -والله أعلم-. وإن اشتبه الحال على حاج، فلم يدر أترك صلاة فرض أم طواف فرض، أتى بالطَّواف وبالصلوات الخمس بتيمُّم واحد، وعلى وجه الخضري يحتاج إلى ستة تيمُّمات، ولو صلّى منفرداً بتيمم، ثم أدرك جماعة، وأراد إعادتها معهم فإن قلنا: المعادة سنة له أن يعيدها بذلك التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهل يجوز فعله بذلك التيمم؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا نسي صلاة من الخمس، هل يكفيه لها تيمم واحد؟ والصحيح أنه يَكْفِي ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه يحتاج إلى قضائه، كالمربوط على الخشبة، ونحوه، وأراد القضاء بالتيمم فينبني على أن الفرض المعاد، أو الأول أو كلاهما أو أحدهما لا بعينه إن قلنا: الفرض المعاد أو كلاهما افتقر إلى تيمم آخر، وإن قلنا: الفرض الأول، فلا حاجة إلى إعادة التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهو على الوجهين السابقين. قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ (ح) وَقْتِهَا، وَوَقْتُ صَلاَةِ الخُسُوفِ بِالخُسُوفِ، وَوَقْتُ الاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ المَيِّتِ بِغُسْلِ المَيِّتِ وَالفَائِتَةِ بِتذكّرِها، وَالنَّوافِل الرَّوَاتِبُ لاَ يَتَأَقَّتُ تَيَمَمُّهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةَ النَّهَارِ فَلَم يُؤَدِّ بِهِ إِلاَّ ظُهْراً بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهرِ ثُم تَذَكَّرَ فَائِتَةً فَأَدَّاهَا بِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحَّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ ضَحْوَةَ وَقُلْنَا: يُسْتَبَاحُ بِهِ الفَرِيضَةُ فَأَدَّى الظُّهْرِ بِهِ فَعَلَى هَذَا الْخِلاَفُ. قال الرافعي: لا يتيمَّم لصلاة قبل دخول وقتها خلافاً لأبي حنيفة، لنا أنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت، فلو تيمّم لفريضة قبل دخول وقتها لم يصح للفرض، وهل يصح للنَّفل؟ حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أن من أحرم بالظّهر قبل الزوال، هل تنعقد صلاته نفلاً؟ وظاهر المذهب أنه لا يصح تيممه لا للفرض ولا للنفل، وهذا الأصل يطلق إطلاقاً، إلا أنه لا بد من استثناء صورة عنه، وهي ما إذا كان يجمع بين صلاتي الجمع بالتَّيمّم، فإن ظاهر المذهب أن الجمع بين الصَّلاتَيْنِ [بتيممين] (١)، جائز وحينئذ إذا قدم الأخيرة فقد تيمَّم لها قبل وقتها الأصلي، ولو تيمم وصلى الظهر، ثم تيمَّم فيضم إليها العصر، فدخل وقت العصر قبل أن يشرع فيها فيبطل الجمع، ولا يصلي بذلك التَّيمم العصر لوقوعه قبل وقتها، وانحلال رابطة الجمع، وكما لا يقدم التَّيمم للمؤداة على

стр. 256

وقتها، لا يقدم التَّيمم للفائتة على وقتها، ووقتها يدخل بتذكرها. قال ﷺ : "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" (١). وإذا تيمَّم للفريضة في أوَّل الوقت وأخَّرها [إلَى آخِرِ الوقت] (٢) جاز، نص عليه؛ لأنه تيمَّم في وقت الحاجة، ولو تيمَّم لفائتة ضحوة النهار، ولم يؤدها حتى زالت الشمس، فأراد أن يصلي به الظهر، هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وبه قال ابن الحداد: يَجُوز؛ لأن التَّيمم قد صح لما قصده وإذا صحَّ التَّيمم لفريضة، جاز له أن يعدل عنها إلى غيرها، كما إذا كانت عليه فائتتان فتيمم لإحداهما، له أن يصلي الأخرى به دون التي تيمم لها. والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو زيد، والخضري، لأنه يقدم على وقت الظهر، فلا يؤدي به كما إذا تيمَّم لها قبل وقتها، ولو تيمم للظُّهْرِ في وقتها، ثم تذكر فائتة (٣) فأراد أَدَاءَهَا به، فيه طريقان: أحدهما: طرد الوجهين. والثاني: القطع بالجواز، والفرق أنه إذا تيمَّم لقضاء الفائتة ضحوة فقد تيمّم، والظهر غير واجبة عليه، فلا يصلح تَيمُّمه لها، وهاهنا تيمَّم للظُّهر والفائتة واجبة عليه، لكنه لم يكن عارفاً بوجوبها، وقد سلم الجواز هنا أبو زيد، والخضري. وقوله في الكتاب في الصُّورة الأولى: "على الأصح" يعني من الوجهين، وفي الصُّورَةِ الثَّانية يجوز أن يريد الأصح من الوجهين جرياً على طريقة طرد الوجهين، وسكوتاً عن الأخرى، ويجوز أن يريد الأصح من الطريقين، وهو قضية كلامه في "الوسيط"، لكن طريقة طرد الخلاف أظهر من جهة النقل، وكل هذا تفريع على أن تعيين الفريضة التي يتيمم لها ليس بشرط، فإن شرطناه لم يصلح التّيمم لغير ما عينه، وجملة ما ذكرناه فيما إذا كانت الصلاة التي يتيمم لها فريضة، أما النافلة فتنقسم إلى مؤقتة، وإلى غيرها، أما المؤقتة فكالرَّواتب التَّابعة للفرائض، وصلاتي العيد، والكسوف، وأَوْقاتها مذكورة في مواضعها، ومنها صلاة الاسْتِسْقَاء، ووقتها اجتماع الناس لها في الصَّحْرَاء، ومنها صلاة الجَنَازَةِ، وبم يدخل وقتها؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يدخل بغسل الميت، فإنها حينئذ تباح، وتجزئ.

стр. 257

والثاني: وبه أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى: أن يدخل بالموت، فإنه السَّبب المحوج إلى الصلاة، فإن قدم التيمم لهذه النوافل على أوقاتها فالمشهور أنه لا يصح كما في الفرائض؛ لأنه مستغن عن التيمم لها قبل وقتها، وحكى إمام الحرمين فيه وجهين، والفرق أنَّ أَمَرَ النَّوَافِلِ أوسع، ولهذا جاز أداء نوافل كثيرة بتيمم واحد، فصاحب الكتاب ذكر هذا الخلاف في الرَّوَاتب، وهو غير مخصوص بها، وإن تيمَّم لهذه النوافل في أوقاتها جاز له أن يصلِّي النَّافلة التي تيمم لها، وغيرها، وهَلْ تَجُوزُ الفريضة؟ يبنى على القولين اللذين قدمناهما في أنه إذا تيمَّم للنافلة هل يصلِّي به الفريضة؟. إن قلنا: لا، فلا يجوز، وإن قلنا: نعم، فله ذلك، إن تيمّم للنافلة في وقت تلك الفريضة، ولو تيمم لنافلة ضحوة، ثم دخل وقت الظهر فهل له أن يصلي الظهر به على هذا القول. فيه الوجهان المذكوران، فيما إذا تيمم لفائتة قبل الزوال، هل يصلي الظهر به. وقوله: "فيه هذا الخلاف" يعني الوجهين المذكورين دون الطريقين، وإن كان مذكوراً بعد مسألة الطَّريقين، وما ذكرنا من المسائل فيما إذا تيمم للنافلة وحدها، مبني على ظاهر المذهب، وهو أن التيمم لمجرد النافلة صحيح، وفيه وجه قدمناه، وأما غير المؤقتة من النوافل فيتيمم لها متى شاء، إلا في أوقات الكراهية في أظهر الوجهين (١) وأعلم أن الشَّرْح قد يقتضي تغيير مسائل الكتاب عن نَظْمِهَا، وترتيبها وهذا الفصل من ذاك. قال الغزالي: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) فِيمَا يُقْضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ المُخْتَلَّةِ، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا كانَ بِعُذْرٍ (ح) إِذَا وَقَعَ دَامَ فَلاَ قَضَاءَ فِيهِ كَصَلاَةِ المُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ البَوْلِ وَصَلاَةِ المَرِيضِ قَاعِداً وَمُضْطَجِعاً وَصَلاَةِ المُسَافِرِ بِتَيَمُّمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ العُذْرُ فِيهِ دَائِمًا نَظَرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ وَجَبَ (و) القَضَاءُ كَمَنْ لاَ يَجِدُ مَاءً وَلاَ تُرَابًا فَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَالمَصْلُوبُ إِذَا صَلَّى بِالإيمَاءِ أَوْ مَنْ عَلَى جُرْحِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَيسْتَثْنَى عَنْهُ صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ، فَإنَّهَا رُخْصَةُ وَإِنْ كانَ لَهَا بَدَلٌ كتَيَمُّمِ المُقِيمِ (و) أَوِ التَيَّمُّمِ لإِلْقَاءِ الجَبِيرَةِ أَوْ تَيَمُّمِ المُسَافِرِ لِشِدَّةِ (ح) البَرْدِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ.

стр. 258

قال الرافعي: التَّيمم قد يكون بحيث يغنى الصلاة المؤداة به عن القضاء، وقد يكون بحيث لا يغنى، والغرض الأعظم في هذا الموضع بيان ذلك، ثم اختلط به القول في الصَّلوات المشتملة على غير ذلك من وجوه الخَلَلِ ما الَّتي تقضى وما التي لا تقضى لاندراج الكُلِّ تحت ضابط واحد، قال الأصحاب الأَعْذَارُ ضربان: عام، ونادر. فأما العام: فيسقط القضاء، لأن إيجابه مع عموم العذر يفضي إلى عموم المَشَقَّة. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، ولهذا المعنى جعلنا الحَيْضَ مسقطاً للقضاء، وعدواً في هذا القسم صوراً. منها: صلاة المسافر بالتيمم لعدم الماء، فلا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، ولا قضاء إذا وجده بعده "روي أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءُ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيَّباً وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءُ وَالصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ﷺ ، فَذَكَرَا لَهُ ذلِكَ فَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الأَجرُ مَرَّتَيْنِ، وَلِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتكَ صَلاَتُكَ" (٢). والمعنى فيه أن فَقدَ الماء في الأسفار عذر عام، وسنبين من بعد أن الحكم غير منوط بالسفر، بل الموضع الذي يغلب فيه فقد الماء، وإنما لا يقضي المسافر بشرط ألا يكون سفره سفر معصية، أمَّا لو كان سفر معصية وتيمم وصلَّى، ففي القضاء وجهان: أحدهما: لا يقضي، لأنَّا إذا أوجبنا عليه التّيمم، فقد صار عزيمة في حقه بخلاف القصر، والفطر، ونحوهما، فإنها لا تجب. وأظهرهما: أنه يجب، لأنه وإن كان واجباً فسقوط الفرض به رخصة، فلا يناط بسفر المعصية. وحكى الحناطي مع هذا الخلاف وجهاً آخر، أنه لا يتيمم أصلاً، وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السَّفر طويلاً، فيه قولان: أصحهما: لا، والقصير كالطويل في هذا الحكم. لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٣) الآية، واسم السفر يقع على

стр. 259

الطَّويل والقصير، وعن ابن عمر ﵄:"أنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْجَرْفِ (١): فَلَمَّا بَلَغَ المَرْبَدَ تَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يُعِدْ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ". والثَّانِي: أنه يقضي في السَّفر القصير، لأنه يلحق بالحضر، في امتناع القصر والفطر، فكذلك في حكم القضاء، ومنهم من قطع بالأول، ولم يثبت الثاني قولاً للشَّافعي ﵁ قال إمام الحرمين ﵁: وفي هذه الصورة مزيد مع عموم العذر، وهو أنه وإن اختل الوضوء فقد أثبت الشرع عنه بدلاً، وهو التَّيمم فقام مقام المبدل وهذا المعنى يسقط القضاء على قول، وإن كان العُذْرُ نادراً على ما سنذكره من بعد، ولا فرق في نفي القضاء بين أن يكون تيممه عن جنابة، أو عن حدث، ولو كان مع المسافر ماء، لكنه يحتاج إليه للشُّرب، أو عجز عن تناول الماء للخوف من سبُع، أو ظالم، أو لفقدان آلة الاسْتِقَاء، فتيمم وصلى، فكذلك لا إعادة عليه. ومنها: ما إذا تيمَّم لمرض مانع من استعمال الماء. ومنها: المرض المُحْوِجُ إلى القعود، أو الاضطجاع في الصلاة، فإن المرض على الجملة من الأعذار العامة، فيسقط القضاء. وأما العذر النَّادر فعلى ضربين: نادر إذا وقع دام غالباً، ونادر إذا وقع لم يدم غالباً. أما الذي يدوم غالباً، فيسقط القضاء أيضاً لما يلحق صاحبه من المشقة الشديدة، وذلك كالاسْتَحَاضَةِ، وسلس البول، والمَذْي، والجُرْح السائل، واسترخاء المَقْعَدَةِ، دوام خروج الحدث منه، ولا فرق في هذا القسم بين أن يكون عن الصفة لِفَائِتَةٍ بدل، أو لا يكون، فإن المستحاضة وإن كانت تتوضَّأ لكل صلاة فريضة، لكن ليس للنَّجَاسات الدَّائمة إزالة، ولا بدل عنها. وأما الذي لا يدوم غالباً، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مع الخَلَلِ الحاصل بدل مشروع عن الفائت. والثاني: ألا يكون معه بدل، فإن لم يكن معه بدل، وجب القضاء لِنُذُور العُذْرِ، وفوات الصفة المطلوبة، لا إلى بدل، وذكر في الكتاب لهذا القسم صوراً. منها: ما إذا لم يجد ماء، ولا ترابًا، فصلى، وقد يفرض فقدهما جميعاً في حق المحبوس في موضع لا يجد واحداً منهما، أو في موضع لا يجد إلا تراباً نجساً، أو فيما إذا كانت الأرض متوحِّلة، ولم يقدر على تَجْفيف الطين، فإذا (٢) اتفق ذلك ببعض هذه الأسباب، أو غيرها، فهل يجب عليه الصلاة؟. قال في القديم: لا تجب، لأنه لا يجب عليه الإعادة، وإن صلى فلو أوجبناه

стр. 260

لالزمناه ظهرين. وقد روى أنه ﷺ قال: "لاَ ظُهْرَانِ فِي يَوْمٍ" (١) نعم، يستحب ذلك لحرمة الوقت، والجديد: الصحيح أنه تجب عليه الصلاة في الوقت، لأنه استطاع الإتيان بأفعال الصَّلاة، وإن عجز عن الطَّهارة. وقد قال ﷺ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" (٢)، وصار كما إذا عجز عن ستر العُوْرَة، لا يترك الصَّلاة بسببه. ومنهم من نقل القول القديم في الحرمة. وقال: يحرم عليه أن يصلي كالحائض، وبه قال أبو حنيفة، وإذا صلّى في الوقت امْتِثَالاً لما أمرناه به وجوباً، أو ندياً فظاهر المذهب وجوب الإعادة؛ لأن هذا عذر نادر لا دوام له. وحكى بعض الأصحاب فيه قولين، وهذا العادم وإن أمر بالصلاة، والحالة هذه لا يجوز له حمل المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنبًا، وإن كانت حائضًا فليس للزَّوج غِشْيَانُهَا، ولو قدر على أحد الطّهورين في خلال الصَّلاة بطلت صلاته. ومنها المربوط على الخشبة، ومن شد وثاقه على الأرض يُصَلِّي على حسب حاله بالإِيمَاءِ، ثم يعيد لأنه عذر نادر، بخلاف المريض يصلي بالإِيماء، ولا يعيد؛ لأن عذر المَرض يعم. وقال الصيدلاني: إن كان مستقبل القِبْلَة فلا إعادة عليه، كالمريض يصلي بالإيماء وعلى جنب، وإن لم يكن يلزمه الإعادة قال: وكذا الغريق يتعلق بعُودٍ، ويصلي بالإيماء، ويعيد إذا كان إلى غير القبلة، وذكر في "التهذيب" نحواً من هذا في مسألة الغريق (٣) فقال: لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالايماء، وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان: أحدهما: لا يعيد أيضاً، كما لو صلى بالإيماء إلى القبلة. وأصحهما: أنه يعيد بخلاف ما لو صلى بالإيماء، لأن حكم الإيماء أخفُّ، من ترك القبلة، ألا ترى أن المريض يصلي بالإيماء ولا يعيد، وإذا لم يجد من يُحَوِّلُه إلى القبلة يصلي إلى غيرها ويعيد. أما مسألة المربوط فلم يذكر فيها هذا التَّفصيل، وحكم بوجوب الإعادة، وبه قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-. ومنها: إذا كان على بَدَنِهِ

стр. 261

جراحة عليها دم، وخاف من غسله التَّلف، صلى وأعاد، وإن كانت على أعضاء الوضوء تيمم، وصلى وأعاد، فإن هذا الخَلَلَ ليس له بدل، والعذر نادر غير دائم. وفي القديم: قول أنه لا يعيد، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وكذلك الخلاف فيما إذا كان محبوساً في مكان نجس، وصلى على النجاسة، هل يعيد أم لا؟ والقول القديم مطرد في كل صلاة، وجبت في الوقت، وإن كانت مختلة وهو اختيار المزني. والضرب الثاني أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع يعدل إليه، ففي وجوب القضاء خلاف نفصله في صور هذا القسم. منها المقيم إذا تيمّم لعدم الماء فصلى (١)، فظاهر المذهب أنه يجب عليه القضاء؛ لأن عدم الماء في موضع الإقامة (٢) نادر، وإذا اتفق لا يدوم غالباً، فإن أهل ذلك الموضع يتبادرون إلى الإصلاح، والإثباط، فلا يصلح عذراً دافعاً لِلْقَضَاء، والبدل المعدول إليه يقام مقام الأصل في جواز الإتيان بالصلاة، حتى لا يخلو الوَقْت عن وظيفته. وفي القديم، وهو اختيار المزني، أنه لا إعادة عليه؛ لأنه بالمقدور. عليه. واعلم أن وجوب القضاء على المقيم إذا قلنا: بظاهر المذهب ليس لعلة الإقامة، بل لأن فقد الماء في موضع الإقامة نادر، وكذلك عدم الوجوب في السفر ليس لأنه مسافر، بل لأن الفقد في السفر مما يعم، ويغلب حتى لو أقام الرجل في مَفَازَةٍ، أو موضع يعدم فيه الماء غالباً، وطالت إقامته فيه يتيمَّم، ويصلّي، ولا يعيد. وفي مثله قال رسول الله ﷺ لأبي ذر، وكان يقيم بالرَّبَذَةِ (٣)، ويفقد الماء أياماً: فسأل رسول الله ﷺ (٤) فقال: التُّرَابُ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ" (٥). ولو دخل المسافر في طريقه بلد، أو قرية، وعدم الماء، وتيمم، وصلى أعاد على أظهر الوجهين، فإن كان حكم السفر باقياً، نظر إلى ندرة العدم في ذلك الموضع، وإذا عرفت ذلك فقول الأصحاب: المقيم يقضي، والمسافر لا يقضي، جار على الغالب من حال السَّفر، والإقامة، والحقيقة وما بينا. ومنها: التَّيمم لإلقاء الجبِيْرَة، وجملته أنه إذا كان به عذر يمنع من استعمال الماء في بعض محل الطهارة دون بعض فغسل المقدور عليه، وتيمّم وصلّى، هل يجزئه ذلك أم يلزمه القضاء عند زوال العذر؟ ننظر إن لم يكن على محل العذر ساتر من جبيرة، أو لصوق فيجزئه، ولا قضاء عليه؛ لأنه لو وجد

стр. 262

تجرّد التيمم لشيء من العلل، والأمراض لما كان عليه إعادة، فإذا انضم إلى التيمم غسل بعض الأعضاء كان أولى، أن لا تجبل عليه الإعادة، وإن كان على محل الأعضاء ساتر، فنظر إن ألقاه على الطهارة، ففي القضاء قولان: أحدهما: يجب لأنه عذر نادر غير دائم. وأظهرهما: أنه لا يجب، لحديث جابر في الشّجوج، كما تقدم، ولم يأمره النّبي ﷺ بالإعادة مع الحاجة إلى البيان؛ ولأن المسح على الخف يغني عن الإعادة مع أنه لا ضرورة إليه، فالمسح على الجَبيرَةِ أولى لمكان الضرورة، وإن إلقاه لا على غير الطهارة، فعليه النزع، إن أمكن، ولا يجوز المسح عليه كما سبق، وإن تعذر النَّزع، مسح وصلى للضرورة، وهل يعيد؟ فيه طريقان: أظهرهما: نعم، لفوات شرط الوضع على الطَّهارة. والثاني: طرد القولين فيه، وذكر بعضهم أنه إنْ وضع على الطَّهارة فلا يعيد في القديم قولاً واحداً، وفي الجديد: قولان: وإن لم يضع على الطهارة فيعيد في الجديد قولاً واحداً، وفي القديم: قولان، ولا فرق في جَرَيَانِ الخلاف في الإعادة بين أن نقول بوجوب التّيمم مع غسل المقدور عليه، وبين أن لا نوجب التيمم، ويجوز الاقْتِصَار على الغسل، وقد بينا الخلاف فيه في موضعه. وعن أبي حفص ابن الوكيل (١) أن الخلاف في الإعادة على قولنا: إنه لا يتيمم، أما إذا قلنا: بوجوب التيمم فلا إعادة بلا خلاف، وهذا كله فيما إذا كانت الجَبِيرَة، أو اللَّصُوقُ على غير محل التيمم، فأما إذا كان على محل التيمم وجبت الإعادة لا محالة، لنقصان البدل والمبدل جميعاً كذلك ذكره ابن الصباغ في "الشامل"، وأبو سعيد المتولي في "التتمة". ومنها التيمم لشدة البرد، فإن اتفق ذلك في السّفر، ففي إعادة الصَّلاة المؤداة به قولان: أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن عمرو بن العاص تيمّم بسبب البرد في غزوة "ذات السَّلاَسل"، وصلى وحكى ذلك لرسول الله ﷺ فلم يأمره بالإعادة. وأصحهما: أنها تجب؛ لأن البرد وإن لم يكن شيئاً نادراً، لكن العجز عما يسخن به الماء، وعن ثياب يدفأ بها مع ذلك نادر، وإن اتفق فإنه لا يدوم، فلا يسقط الإعادة وإن اتَّفَقَ في الحضر، فالمشهور وجوب الإعادة.

стр. 263

وعن أبي الحسن بن القطّان أنه يبنى ذلك على السفر، إن قلنا: يعيد في السَّفر ففي الحضر أولى، وإن قلنا: لا يعيد، ثم ففي الحضر قولان، ونعود إلى ما يتعلق من هذه المسائل بألفاظ الكتاب، ونظمه خاصة. اعلم أنه أهمل التقسيم الأول الذي حكيناه عن الأصحاب، حيث قالوا: "العذر ينقسم إلى عام ونادر"، ثم قالوا: النَّادر ينقسم إلى دائم، وغير دائم، واقتصر على تقسيم العذر إلى دائم إذا وقع، وإلى غير دائم، ويدخل العام، والنادر في كل واحد من هذين القسمين، إلا أن دوام الوقوع ليس بشرط في قسم العام، بل هو مسقط للقضاء دَام، أو لم يدم، أَلاَ ترى أن حاجة المسافر إلى ما عنده من الماء لِلشُّرْبِ مُسْقِطٌ للقضاء؛ لأنه يعم، ولا يظهر فيها الدوام، والاستمرار بل عدم الماء في السَّفَر ممَّا لا يدوم أيضاً غالباً، فإنه إنْ فقد الماء في مرحلة وجده في المرحلة الأخرى، وإذا كان كذلك فِلِمُضَايق أن يضايق في عدة صلاة المسافر بالتيمم على موجب التقسيم الذي ذكره من القسم الأول، وللمضايقة وجوه أخر، لا نطول بذكرها. وأما قوله: "فان لم يكن لها بدل، وجب القضاء"، ينبغي أن يعلم بالواو والزاي، لما ذكرنا من القول الذي اختاره المزني. وقوله: "فصلى فيمن لم يجد ماء، ولا تراباً" بالحاء والواو لمذهب أبي حنيفة، والقول الموافق له كما سبق. وقوله: "والمصلوب إذا صلى بالايماء" المراد منه المربوط على الخشبة، وليعلم بالواو لما ذكرنا في شَرْحِ المَسْألَةِ. بقي أن يقال: لم عدّها من قسم ما لا بدل له؟ وهلا جعل الإيماء بدلاً عن الركوع، والسجود؟. والجواب أن المعنى بالبدل في هذا المقام الشيء المضبوط الذي يعدل إليه العاجزون كلهم، كالتَّيمم مع الوضوء، والإيماء ليس كذلك، بل يختلف بالأحوال، والأشخاص، وله درجات متفاوتة ينتقل المعذور من كل واحدة إلى ما يليها، بحسب الإمكان. وأما قوله: "ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف" فليس المراد الاستثناء من الصورة الأخيرة، هي ما إذا صلّى، وعلى جرحه نجاسة وجدها، بل المراد الاستثناء من أصل هذا القسم، وهو ندور العذر، وعدم البدل، وذلك في الصلاة حالة المسابقة اختلالاً ظاهراً في الأفعال، والأركان، ويحتمل أيضاً كثرة الأفعال، وتلطُّخ السلاح بالدّم، على تفصيل يأتي في موضعه، وليس لها بدل، وإنما احتمل ذلك رخصة بالنص. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، ونازع إمام الحَرَمَيْنِ -قدس الله روحه- في كون القتال والنَّجَاسة من الأعذار النادرة، وقال: هو كثير الوقوع في حق

стр. 264

المقاتلة، فعلى هذا صلاة شدّة الخوف غير مستثناة عن هذا القسم. وقوله: "أو التيمم لإلقاء الجَبِيرَةِ" مطلق لم يفرق بين أن يكون الوضع، والإلقاء على الطّهارة، أولاً [فإن كان على الطهارة فهو] (١) جواب على طريقة ترك القولين في الحالتين، وفي عدّه مسألة الجبيرة من الأعذار التي لا تدوم كلام. فإن القاضي أبا المحاسن الروياني قال: هي ملحقة بالنادر الذي يدوم، وذكر كثيرون من الأصحاب أن الكثير من جملة الأعذار العامة، وعلى هذا فلا اعتبار بكونه دائماً، أو غير دائم، ولا يستبعدن قولهم: إنه عام فإنه لا يعني بالعموم في هذا الباب، سوى الكثرة، والكَسْرِ؟ والانخلاع كثير ليس بنادر. وأما قوله: أو تيمم المسافر لشدّة البرد" فَالتَّخصيص بالمسافر يشير إلى أنه لو كان مقيماً وتيمّم لشدة البرد قضى بلا خلاف، وهو الظَّاهر كما تقدم. قال الغزالي: وَالعَاجِزُ عَنِ السُّتْرَةِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلاِتهِ ثَلاَثةُ أوْجُهٍ، فِي وَجْهٍ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بَلْ يُومِئُ حَذَراً مِنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَفِي وَجْهِ يُتِمُّ، وَفِي وَجْهٍ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُتِمُّ فَيَقْضِي لِنُدُورِ العُذْرِ وَعَدَمِ البَدَلِ وَإنْ قُلْنَا: يُتِمُّ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقْضِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَ السَّتْرِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلاَةِ. قال الرافعي: العاجز عن ستر العورة إذا صلّى عارياً، هل يقضي؟ يبنى ذلك على أنه كيف يصلي، وفيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: أنه يصلى قاعداً ليكون أقرب إلى التستر، وأبعد عن الهيئة المستنكرة في الصَّلاة، وعلى هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر على الإيماء وإدنا الجبهة من الأرض؟ فيه قولان: وأصحهما: أنه يصلّي قائماً، ويتم الركوع والسجود، فإن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، كيف والقيام والرُّكوع والسُّجود أركان للصلاة، وستر العورة من الشرائط، وإنما اعتبرت الشرائط زينة وكمالاً للأركان، فلا يجوز ترك الأركان لها، هذا نقل المعظم، وهو الظاهر. وحكى إمام الحرمين بدل القولين، وجهين، ووجهاً ثالثاً، أنه يتخير لتعارض الأمرين، ولزوم أحد الاختلالين، وصاحب الكتاب تابع الإمام فحكى في المسألة ثلاثة أوجه، والمَرْوِيُّ عن أبي حنيفة، وأحمد التَّخْيِيرُ، كما ذكر في الوجه الثالث، فليكن

стр. 265

الوجهان الأولان معلمين بعلامتهما، والخلاف في هذه المسألة يجري في صور. منها: إذا كان محبوساً في موضع نجس، ولو سجد لسجد على نجاسة، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء؟ وإذا وجد ثوباً طاهراً لو فرشه لبقي عارياً، ولو لبسه لصلى على نجاسة، ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوباً نجساً، هل يصلي فيه أم يصلي عارياً؟ فيه الخلاف، وإذا عرف ذلك فإن قلنا، في مسألة العاري: إنه لا تتم الأركان، فيقضي على ظاهر المذهب، لندور العذر، وعدم البدل، كمن لم يجد ماء ولا تراباً، فصلى، وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها. وإن قلنا: تتم الأركان، فهل يقضي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن العذر نادر، وليس له دوام ولا بدل. وأظهرهما: لا، ووجهوه بشيئين: أحدهما: أن وجوب السِّتر لا يختص بالصّلاة، فاختلاله لا يقتضي وجوب الإعادة، لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء، وإن ترك السّتر مع القدرة كالاحتراز عن المكث في العَرصة (١) المَغْصُوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء، وإن صلى فيه عمداً، وهذا مذهب مالك. والثاني: أن العري عذر عام، أو نادر إذا اتفق دام فلا توجب القضاء، والطبع لا ينقاد لكونه العري بهذه الصفة، وأطلق قوم من شيوخ الأصحاب كصاحب "التقريب" القول ينفي الإعادة، وهو جواب منهم على ظاهر المذهب، ولا فرق في نفي الإعادة بين أن يكون العاري في الحضر، أو في السّفر، بخلاف المتيمم، لعدم الماء، والفرق أن الثوب في مظنة الضّنّة (٢) فقد لا يبذل، وإن كان في الحضر والماء بخلافه، وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العُري في ناحية لا يعتاد أهلها العُري، فأما إذا صلى عارياً في قوم يعتادون العري، فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسى، لعموم العذر، وشيوعه عندهم، لذلك فصل الشيخ أبو محمد. وذكر إمام الحرمين أنه ساعده عليه كثير من الأصحاب، وهو الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" قال إمام الحرمين: والوجه اقطع بأن الذين يعتادون العُرى يتمُّون الركوع والسّجود، فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة، فيصلون كذلك، ولا يقضون وجهاً

стр. 266

واحداً، واعلم أنَّ هذا التَّفصيل إنما ينتظم على قول من يعدّ العُرْيَ من الأعذار النادرة، ليصير باعتيادهم ذلك عاماً، فأما من عَدَّهُ من الأعذار العامة على الإطلاق يتجه أن لا يفرق بينهم، وبين غيرهم، -والله أعلم- (١). بَابُ المَسْحِ عَلَى الْخَفَّيْنِ قال الغزالي: (وَالنَّظَرُ فِي شُرُوطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ)، وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَلْبَسَ الخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ كَامِلَةٍ قَوِيَّةٍ، فَلَوْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يَصِحَّ لُبْسُهُ حَتَّى يَغْسِلَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَبْتَدِئَ اللُّبْسَ، وَكَذَا لَو صَبَّ المَاءَ فِي الخُفِّ (ح) بَعْدَ لُبْسِهِ عَلَى الحَدَثِ،

стр. 267

قال الرافعي: عن أبي بكرة أَنَّ رسول الله ﷺ رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْهِ أن يمسح عليهما (١). وعن صفوان بن عَسَّال قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين أو سفراً، ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جَنَابَةٍ لكن من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ (٢)، والأحاديث في باب المسح كثيرة، ومن شرط المسح على الخفِّ أن يلبسه، وهو متطهِّر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقديم الطَّهَارة على اللّبس، وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة. لنا حديث أبي بكرة، وعن المغيرة بن شعبة قال: "سَكَبْتُ الوضوء لرسول الله ﷺ فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال: دع الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" (٣)، علل جواز المسح بطهارتهما عند اللّبس، وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن التَّرتيب واجب، وغسل الرجل آخر الأركان، ويترتب على هذا الأصل، ما لو غسل إحدى الرجلين، وأدخلها الخُفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف، لم يجز المسح عليهما، إذا أحدث؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطَّهَارة، وإذا كانت الطّهارة شرطاً للبس، يجب تقدمها بكمالها على اللبس، كلما يشترط تقدمها على الصلاة، فلو نزع ما لبسه أولاً، وأعاد اللّبس، وهو على طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد، والآخر ملبوس على كمال الطَّهارة، فقد تحقَّق الشَّرْط فيهما جميعاً. وعن ابن سريج أنه إذا نزع الأول، وجب نزع الثاني أيضاً، ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح؛ لأن حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر، أَلاَ ترى أن نزع أحدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني، ولو لبس الخُفَّين قبل أن يغسل رجليه، ثم صبّ فيهما الماء حتى انغسلتا، لم يجز له المسح، وإن تم وضوءه بما فعل؛ لأنه لبسهما قبل كمال الطَّهارة فإن نزعهما ثم لبسهما فله المسح، إذا أحدث، وعند أبي حنيفة، والمزني له المسح في الصورتين، ولا حاجة إلى النَّزْع.

стр. 268

واعلم أنَّ الاعتبار فيما ذكرنا بحالة استقرار القَدَمَيْنِ في مقرّهما من الخُف، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما، وغسلهما في الساق، ثم أدخلهما موضع القدم جاز له المسح؛ لأنه حين استقرتا في مقرّهما على كمال الطهارة، ولو ابتدأ اللّبس، وهو متطهر، ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف، لم يَجُزِ المسح، نص عليه في الأم، وذكر فيه أنه إذا مسح على الخُفَّيْنِ بشرطه، ثم أزال قدمه من مقرها، ولم يظهر من محل الفرض شيء، فلا يبطل المسح، وقياس الأول أن يبطل، لكن الفرق إن الأصل عدم المسح، فلا يباح إلا باللّبس التَّام، وإذا مسح فالأصل استمرار الجواز، ولا يبطل إلا بالنَّزع التام. ونقل القاضي أبو حامد، أنه يبطل المسح في الصورة الثانية، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، كما أنه في الابتداء لا يمسح، وفي الصورة الأولى إيضاحه، أنه يجوز المسح إذا ابتدأ اللبس على طهارة، ثم أحدث قبل أن تستقر الرجلان في موضعهما. وفرض القاضي حسين المسألة، فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدمه في مقرها، والباقي في ساق الخف. وقال: اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء، في أن حكم البعض هل هو حكم الكل أم لا. وقوله في الكتاب: "على طهارة تامة قوية" لفظ التامة معلم بالحاء والزاي، لما حكيناه، واحترز به عما إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم الثانية، وأدخلها الخُفِّ، وعما إذا لبسهما ثم صب الماء في الخف حتى انغسلتا ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى قيد التمام، لأن من لم يغسل رجليه، أو إحداهما ينتظم أن يقال: إنه ليس على الطَّهارة، وأما قيد "القوة" فالغرض منه الاحتراز عن طهارة المستحاضة، وما في معناها. قال الغزالي: وَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا لَبِسَتْ عَلَى وُضُوئِهَا لَمْ تَمْسَحْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ طَهَارَتِهَا، وَوُضُوءُ المَجْرُوحِ إِذَا تَيَمَّمِ لِأَجْلِ الجِرَاحَةِ كَوُضُوءِ المُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلاَ تَسْتَفِيدُ بِطَهَارَةِ المَسْحِ إلاَّ مَا كانَ يَحِلُّ لَهَا لَوْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا الأُوْلَى، وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ وَنَوَافِلُ. قال الرافعي: إذا توضَّأَتِ المُسْتَحَاضة، ولبست الخفين، ثم أحدثت حدثًا غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف؟ فيه وجهان، نسبهما الشيخ أبو علي إلى تخريج ابن سريج: أحدهما: لا، لأن وضوءها ضعيف ناقص (١)، وإنما يجوز المسح بعد طهارة

стр. 269

قوية؛ لأنه ضعيف، فلا يحتمل انضمام ضعف إلى ضعف. وأصحهما: الجواز، ويروى أن أبا بكر الفارسي حكاه عن نص الشافعي ﵁ في عيون المسائل، ووجهه أنها تحتاج إلى اللبس والارتفاق (١) به كغيرها، وأيضاً فإنها تستفيد الصَّلاة بطهارتها، وتستفيد المسح أيضاً، وموضع الوجهين ما إذا لم يقطع دمها قبل أن تمسح، فأما إذا انقطع دمها قبل المَسْحِ، وشفيت نزعت، وأَتَتْ بطهارة كاملة بلا خلاف؛ لأن الطهارة التي ترتب المسح عليها قد زالت بالشّفاء الطارئ، فيمتنح ترتيب المسح عليها، وطرد بعضهم الوجهين هاهنا أيضاً، وجعل انقطاع دمها بمثابة الحدث الطارئ، والمشهور الأول، ثم إذا جوزنا المسح، نظر إن أحدثت قبل أن تصلّي فريضة بطهارتها، مسحت وصلت فريضة، ونوافل، وإن أحدثت بعد ما صلّت فريضة مسحت، ولم تصل به إلاّ النوافل، لأن ما تستفيد بطهارتها فريضة ونوافل، فلا تستفيد بالمسح المترتِّب عليها أكثر من ذلك، ولا يجوز لها استيفاء مدة المسح، بل إذا مسحت وصلت فريضة ونوافل، أو نوافل على اختلاف الحالتين، ثم أرادت قضاء فائته، أو دخل وقت فريضة أخرى، وجب نزع الخف، والوضوء الكامل لتلك الفريضة، وكذلك لو أحدثت حدثاً غير حدث الاستِحَاضة بعد أَنْ صلَّت فريضة ونوافل بالمسح. وحكى عن تعليق أبي حامد أن لها أن تستوفي مدة المسح، إما يوماً وليلة، وإما ثلاثة أيام ولياليهن، لكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطَّهَارة، وتمسح على الخف. وقال إمام الحرمين في كلامه إلى هذا من جهة المعنى، وقطع بنفيه نقلاً، وفي معنى طهارة المستحاضة، طهارة سلس البول، وكل من به حدث دائم، وكذلك الوضوء المضموم إليه التَّيمم بسبب جراحة، أو انكسار، فيجري فيها الخلاف المذكور في المستحاضة بالاتفاق (٢)، وإما محض التَّيمم، فهل يستفاد به جواز المسح؟ ننظر إن كان سببه إعْوَاز الماء [فلا، بل إذا وجد الماء] (٣) لزمه النزع والوضوء الكامل. وعن ابن سريج أنه يجوز المسح لفريضة ونوافل، كما ذكرنا في المُسْتَحَاضَة؛ لأن التيمم يبيح الصَّلاة أيضاً فيبيح المسح. والصحيح: الأول بخلاف طهارة المُسْتَحَاضة؛ لأن التَّيمم طهارة تفيد وتبيح عند الضرورة، ولا ضرورة بعد وِجْدان الماء، فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه، وطهارة المستحاضة لا تتأثر بوجدان الماء، كطهارة غيرها، وإن كان سبب التّيمم شيئاً آخر سوى إعواز الماء، فهو كطهارة المُسْتَحَاضة في جواز ترتيب المسح عليه، فإنه لا يتأثَّر بوجدان

стр. 270

الماء، لكنه ضعيف لا يرفع الحدث كطهارتها، ولا يخفى بعد هذا الشَّرْحِ معنى قوله: "إن جوزنا فلا تستفيد بالمسح إلا ما كان يحل لها" إلى آخره، لكن ظاهر لفظه لا يتناول إلا ما إذا أحدثت قبل أن تُصلِّي الفريضة بطهارتها، فإنها حينئذ تَحِلُّ لها فريضة ونوافل، لو بقيت طهارتها الأولى، أما إذا أحدثت بعد أن تصلي الفريضة، فلا يحل لها، لو بقيت تلك الطهارة إلا النّوافل، والوافي بحكم الحَالَتَيْنِ على النظم الذي ذكره أن يقال في آخره، وهو فريضة واحدة، ونوافل أو نوافل. قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ المَلْبُوسُ سَاِترًا قَوِيًّا حَلاَلاً فَإِنْ تَخَرَّقَ أَوْ كَانَ دُونَ الكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا وَالمَشْقُوقُ القَدَمِ الَّذِي يُشَدُّ مَحَلُّ الشَّقِّ مِنْهُ بِشَرَجٍ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالقَوِيُّ مَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فِي المَنَازِل، لاَ كَالجَوْرَبِ وَاللِّفَافِ وَجَوْرَبِ الصُّوفِيَّةِ، وَالمَغضُوبُ (و) لاَ يَجُوزُ الَمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المَسْحَ لِحَاجَةِ الاسْتِدَامَةِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِالنَّزْعِ. قال الرافعي: اعتبر في الملبوس ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون ساترًا لمحل فَرْضِ الغسل من الرِّجْلَيْنِ، فلو كان دون الكعبين لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن فرض الظاهر الغسل، وفرض المستور المسح، ولا صائر إلى الجمع بينهما، فيغلب حكم الغسل، فإنه الأصل، ولهذا لو لبس أحد الخُفَّيْنِ لم يَجُزِ المسح له، ولو كان الخُفُّ مُتَخَرِّقًا. ففيه قولان: القديمِ وبه قال مالك: إنه يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش الخرق، لأنه مما يغلب في الأسْفَارِ، حيث يتعذَّر الإصلاح، والخرز فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يسامح، وعلى هذا فما حد الفاحش منه. قال الأكثرون: ما دام يتماسك في الرجل، ويتأتى المشي عليه، فهو ليس بفاحش، وقال في "الإفصاح": حده ألا يبطل اسم الخُفِّ، والقول الجديد: أنه لا يجوز المسح عليه قليلاً كان التَخَرُّق، أو كثيراً، لأن بعض محل الفرض غير مستور، ومواضع الخرز التي تَنْسَدُّ بالخيوط أو ينضم لا عبرة بها، فإن لم تكن كذلك، وظهر منها شيء لم يَجُزِ المسح أيضاً، ولو تخرقت الظّهارة (١) وحدها، أو البِطَانَة وحدها جاز المسح؛ إن كان ما بقي صَفِيقاً، وإلا فلا يجوز في أظهر الوجهين، وعلى هذا يقاس ما إذا تخرَّقَ من الظّهارة موضع، ومن البطانة موضع لا يحاذيه، والخف المشقوق القدم إذا شد منه محل الشق بالشَّرج إن كان يظهر منه شيء، مع الشد فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يظهر منه شيء فَوَجْهَان:

стр. 271

أحدهما: لا يجوز أيضاً، كما لو لف قطعة أدم على القدم وشَدَّها، لا يجوز المسح عليها. وأظهرهما: ونقله الشيخ أبو محمد عن نصّه، أنه يجوز لحصول الستر به، وارتفاق المشي فيه، فلو فتح الشرج بطل المسح، وإن لم يظهر شيء؛ لأنه إذا مشى فيه ظهر. وليكن قوله في الكتاب: "فلو تخرّق" معلماً بالواو والميم، لما ذكرنا، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان الخرق بحيث يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل، لم يَجُزِ المسح عليه، وإن كان أقل جاز. الثاني: أن يكون قوياً، والمراد منه كونه بحيث يمكن متابعة المشي عليه، لا فرسخاً ولا مرحلة؛ بل قدر ما يحتاج المسافر إليه من التردّد في حَوَائِجِهِ، عند الحطّ والتّرحال، فلا يجوز المسح على اللَّفائف، والجَوَارب المُتَّخذة من الصُّوف، واللّبد (١)؛ لأنه لا يمكن المشي عليها، ويسهل نزعها، ولبسها بلا حاجة إلى إدامتها في الرّجل؛ ولأنها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل، ولا بُدَّ من شيء مانع على الأصح، كما سيأتي، وكذلك الجوارب المُتَّخذة من الجلد التي تلبس مع الكعب، وهي جورب الصُّوفية، لا يجوز المسح عليها، حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، وتمنع نفوذ الماء، إن اعتبرنا ذلك، إما لصفاقتها، أو لتجليد القدمين، والنعل على الأسفل أو الإلصاق بالكعب، وحكى بعضهم أنها وإن كانت صفيقة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان: وعند أبي حنيفة لا يجوز المسح على الجوربين، وإن كانا صفيقين حتى يكونا مجلدين أو منعلين وخالفه صاحباه فهذا إذا تَعَذَّر المَشْيُ فيه لضعف الملبوس في نفسه. ولو تعذر المشي فيه لِسِعَتِهِ المُفرطة أو لثقله أو لِضِيْقِه ففي جواز المسح عليه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه في نفسه صالح للمشي عليه ألا ترى أنه لو لبسه غيره لارتفق به. وأصحهما: لا يجوز، لأنه لا حاجة له في إِدَامَةِ مثل هذا الخف في الرِّجل ولا فائدة له فيه، ولو تعذَّر المشي فيه لثقله أو غلظه كما إذا اتخذ خفاً من خَشَبٍ أو حديد وهو بحيث لا يمكن المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه، كما لو تعذَّر المشي فيه لضعفه وكذلك لو كان المتخذ من الخشب محدد الرأس لا يثبت مستقراً على الأرض ولو كان المتخذ من الخشب والحديد لطيفاً يتأتى المشي فيه جاز المسح عليه.

стр. 272

هذا قضية ما ذكره الجمهور تصريحاً وتلويحاً. وذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وإن عسر المشي فيه، فإن ذلك ليس لضعف الملبوس وإنما هو لضعف اللابس ولا نظر إلى أحوال اللابسين فإنه لا ينضبط. الثالث: أن يكون حلالاً فالخف المغصوب والمسروق في جواز المسح عليه وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز، لأن المسح عليه لحاجة الاستدامة وهو مأمور بالنزع والرَّفْض ولأن لبسه معصية والمسح رخصة والرُّخْصُ لا تُنَاطُ بالمعاصي. وقال أبو علي الطبري: والأكثرون يجوز كالوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب. ولو اتخذ من الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ خفًّا فجواز المسح عليه على أحد (١) الوجهين، وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بالمنع جزماً والأول أقرب ولعلك تقول أول كلام صاحب الكتاب يقتضي اشتراط الحل جزماً حيث. قال: الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساتراً قوياً حلالاً وبالآخرة (٢) ذكر وجهين في المسح على الخُفّ المغصوب ثم الأظهر منهما في المذهب جواز المسح عليه فينحذف القيد الثالث عن درجة الاعتبار ولا يلائم آخر الكلام أوله، فاعلم أن الضَّوابط في المَذْهَب تذكر كالتَّرَاجم لما قيل باعتباره وفاقاً أو خلاقاً، والاعتماد على ما يذكر من التفصيل آخرًا وكثيرًا ما ينحذف بعض القيود على الأظهر إلا أنه يذكر لمعرفة الخلاف، لكن هاهنا صورة أخرى تقتضي التَّعرض لهذا القيد واعتباره، وإن جوَّزنا المسح على الخف المغصوب والمسروق وهي ما إذا اتَّخذ خُفًّا من جلد الكَلْبِ أو جلد الميتة قبل الدِّبَاغ فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين، وقد نص في الأمِّ على أنه لا يجوز المسح عليه، لأنه لا يمكن الصَّلاَة فيه، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصَّلاَة إلا أن المقصود الأصلي الصَّلاة وما عداها فالتَّابع لها وأيضاً فإن الخُفَّ بدل عن الرجل ولو كانت الرجل نجسة لم تغسل عن الوضوء ما لم تطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين ولا يعود الخلاف في هذه الصورة. واعلم أنه يعتبر في الملبوس وراء الصفات الثلاث المذكورة في الكتاب صفات أخر: إحداها: أَنْ لا يتعذَّر المشي عليه بسبب السّعة المفرطة أو الضّيق المفرط أو بسبب الثقل أو الاحتداد كما سبق.

стр. 273

والثانية: ذكر الشَّيخ أبو محمد أنه ينبغي أن يقع عليه اسم الخف حتى لو لف على قدمه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه؛ لأن اللَّف لا يقوى، ولا يتأتَّى التردُّد ومتابعة المشي عليه فإن فُرِضَ ربط قوى فمثل ذلك يعسر إزالته وإعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الارْتِفَاق المقصود بالمسح، فيتبع مورد النّص وهو الخُفّ. الثالثة: أن يمنع نَشَفُ الماء ووصوله إلى الرّجل فلو لم يمنع الخف المَنْسُوخ والذي لا صَفَاقَة له فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، لأن الغالب من الخِفاف أن تمنع النّفوذ فينصرف إليها نصوص المسح ويبقى الغسل واجباً فيما عداها. والثاني: يجوز كما لو تخرَّقت ظهارة الخف وبطانته من موضعين غير متوازيين يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء واختار إمام الحرمين هذا الوجه وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" ولذلك حذف هذا الشرط من أصله هاهنا لكن ظاهر المذهب الأول (١). قال الغزالي: فَرْعٌ الْجُرْمُوقُ الضَّعِيفُ فَوْقَ الخُفِّ لاَ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجُزِ (م ح) المَسْحُ عَلَيْهِ أَيْضاً فِي الْجَدِيد بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُدخِلَ اليَدَ بَيْنَهُمَا فَيَمْسَحَ عَلَى الأسْفَلِ. قال الرافعي: الجُرْمُوق هو الذي يلبس فوق الخف وإنما يلبس غالباً لشدّة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخُفَّين أو خفين فوق الخفين (٢) فلا يخلو من أربع أحوال: إحداها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه [لضعف أو تخرق والأعلى بحيث يمرح عليه] (٣) فالمسح على الأعلى والأسفل والحالة هذه كالجَوْرَبِ واللّفافة. والثانية: أن يكون الأمر بالعكس من ذلك فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه كخرقة تُلَفُّ على الخف فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إلى الأسفل فإن قصد المسح على الأسفل جاز وكذا لو قصد المسح عليهما جاز، وبلغوا قصد المسح على الأعلى. وفيه وجه أنه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح، وإن قصد المسح على الأعلى الضَّعيف لم يجزه، وإن لم يقصد شيئاً بل كان على نِيَّته الأولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان: أظهرهما: الجواز؛ لأنه قصد إسقاط فرض الرجل بالمسح، وقد وصل الماء إليه فكفى.

стр. 274

الحالة الثالثة: ألا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح. الرابعة: أن يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان: قال: في "القديم" و"الإملاء" يجوز وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني؛ لأن المسح على الخُفِّ جوز رفقاً وتخفيفاً، وهذا المعنى موجود في الجرموق فإن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء. وقال في الجديد: لا يجوز (١) وهو أشهر الروايتين عن مالك؛ لأن الأصل غسل الرّجلين والمسح رخصة وردت في الخُفِّ والحاجة إلى لبسه أهم وأعم فلا يلحق به الجرموق، فإن فرعنا على القديم وجوزنا المسح على الجرموق فكيف السبيل في ذلك: ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان: أظهرها: أن الجُرْمُوق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل؛ لأنه يستر الخف ستر الخف للرجل ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فأقيم مقامه. وثانيها: أن الأسفل كاللفافة والخف هو الأعلى. لأنا إذا جوزنا المسح عليه فقد جعلناه أصلاً في رخصة المسح. وثالثها: أن الأعلى والأسفل معاً بمثابة خف واحد فالأعلى كالظّهارة والأسفل كالبطانة ويتفرع على هذه المعاني مسائل. منها: لو لبسهما جميعاً وهو على كمال الطَّهارة، له أن يمسح على الأعلى على هذا القول، وهل له أن يمسح على الأسفل (٢) بأن يخل اليد بينهما؟ فيه وجهان: إن قلنا: الأعلى بدل الأسفل، يجوز، كما لو غسل الرجل في الخف، وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، أو هما كطاقتي خف واحد، فلا. ومنها: لو لبس الأسفل على كمال الطّهارة، ولبس الأغلى على الحدث، ففي جواز المسح على الأعلى وجهان: إن قلنا: بالمعنى الأول، أو الثاني، فلا، يجوز؛ لأنه مقصود بالمسح، وقد لبسه محدثاً، فلا يمسح عليه كالخف الواحد. وإن قلنا: بالمعنى الثَّالث، فيجوز، كما لو لبس الخف على الطهارة، ثم أحدث وألصق به طاقة أخرى. وفي المسألة طريقة أخرى: أنه لا يجوز المسح عليه جزماً، ولو لبس الأسفل كذلك وأحدث ومسح عليه، ثم لبس الجُرْمُوق، فهل يمسح عليه؟ منهم من بناه على

стр. 275

المعاني. إن قلنا: الجرموق بدل الخف، أو قلنا: إنه كالظهارة، فيجوز. وإن قلنا: إنه الخف، والأسفل كاللفافة فلا. وقيل: يبنى الجواز على هذا المعنى الثالث، على أن المسح على الخُفِّ هل يَرفع الحدث أم لا؟. إن قلنا: يرفع، فيجوز، وإلا فلا؛ لأنه لم يلبس على طهارة قوية. ومنهم من بني المسألة على هذا الأصل، وقطع النظر عن المعاني الثلاثة، وإذا جوزنا المسح في هذه المسألة على الأعلى، فقد ذكر الشيخ أبو علي: أن ابتداء المدة يكون من حين أحدث أول ما لبس، لا من وقت الحدث بعد لبس الجُرْموقين، لأن كله كاللبس الواحد، يبنى البعض على البعض، وفي جواز المسح على الأسفل الخلاف الذي سبق. ومنها: لو لبس الأسفل على الحدث، وغسله فيه، ثم لبس الأعلى وهو على طهارة كاملة، فلا يجوز المسح على الأسفل لا محالة، وهل يجوز على الأعلى؟ يبنى على المعاني. إن قلنا: الأعلى بدل البدل، فلا يجوز؛ لأن الأسفل ليس ممسوحاً عليه، إذا كان ملبوساً على الحدث فلا يصلح للبدلية، وإن قلنا: إنهما كالظهارة والبطانة فكذلك لا يجوز، كما إذا لبس الخف [على الحدث] (١) ثم ألصق به طاقة أخرى، وهو متطهِّر، وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة، فله المسح على الأعلى. ومنها: لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعاً، أو نزعهما بعد ما مسح عليه، وبقي الأسفل بحاله. فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، لم يجب نزع الأسفل؛ لأنَّ حكم الأصل لا يبطل بسقوط البدل؛ لكن لا بد من المَسْحِ على الخفين، كما إذا نزع الخف لا بد من غسل الرجلين، وهل يكفيه ذلك؟ أم يفتقر إلى اسْتِئنَاف الوضوء؟ فيه قولان، كما سنذكره في نزع الخف. وإن قلنا: إنهما كالظّهارة والبطانة، فلا شيء عليه. وإن قلنا: الأسفل كاللفافة فينزع الأسفل أيضاً، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاسْتِئْنَاف قولان، فيحصل من مجموع الاخْتِلاَفات في المسألة خمسة أقوال، لا يلزمه شيء، يلزم المسح على الأسفل، لا غير، يلزم المسح مع استئناف الوضوء [يلزم نزع الخفين وغسل الرجلين، يلزم ذلك مع استئناف الوضوء] (٢). ومنها: لو تخرق الأعلى من إحدى الرّجْلين، أو نزعه، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، فهل يلزمه نزعه من الرجل الأخرى؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، كما لو نزع أحد الخُفَّيْن يلزمه نزع الثاني، ثم إذا نزع عاد القولان في أنه يكفيه المسح على الأسفلين، أم يحتاج (٣) إلى إعادة الوضوء؟

стр. 276

والثاني: لا يلزم نزع الآخر؛ لأن كل واحدة من الرِّجلين دونها حائل، والفرض فيهما المسح، بخلاف ما إذا نزع أحد الخُفَّين، فإن فرض الرجل المكشوفة حينئذ الغسل، وعلى هذا فيما يلزمه قولان: أحدهما: المسح على الخف الذي خلع الأعلى من فوقه. والثاني: استئناف الوضوء، والمسح على ذلك الخف، وعلى الأعلى من الرجل الأخرى. وإن قلنا: الأعلى والأسفل كطاقتي خف واحد، لم يلزمه شيء. وإن قلنا: بالمعنى الثّالث نزع الأسفل من الرجل التي نزع منها الأعلى، أو تخرق، ونزعهما من الثانية، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاستئناف قولان: ومنها: لو تخرَّق الأسفل من الرجلين جميعاً لم يضر على المعاني كلها، وإن تخرق من إحداهما، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل نزع واحدة من الرْجل الأخرى أيضاً؟ كيلا يكون جامعاً بين البدل والمبدل، كذلك ذكره في التَّهْذِيب وغيره، ولك أن تقول هذا المعنى موجود فيما إذا تخرَّق الأعلى من إحدى الرجلين. وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بِطَرْدِهِمَا هاهنا ثم إذا نزع (١) فما يلزمه؟ قولان: أحدهما: الأعلى من فوقه. والثاني: استئناف الوضوء والمسح عليه وعلى الأعلى الذي تخرق الأسفل تحته، وإن قلنا بالمعنى الثاني، أو الثالث فلا شيء عليه. ومنها: لو تخرَّق الأعلى والأسفل من الرجلين جميعاً أو من إحداهما لزم نزع الكل على المعاني كلها. نعم. إن قلناهما كَطَاقتي خُفٍّ واحد وكان الخرق في موضعين غير متجازيين لم يضر على ما تقدم. ومنها: لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من الثانية فإن قلنا: إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى اسْتِئْنَاف الوضوء ماسحاً عليه وعلى الأعلى من الرجل الأخرى. فيه قولان، وإن قلنا: هما كطاقتي خف واحد لم يضر. وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة وجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرّجلين، وفي استئناف الوضوء قولان: هذا كله تفريع على القديم، وإن فرعنا على الجديد ومنعنا المسح على الجُرْمُوق والخُفّ الأعلى، فان نزع الأعلى ومسح على الأسفل فذاك، وإن أدخل اليد بينهما ومسح على الأسفل فهل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما لو غسل رجليه وهما في الخف يجوز.

стр. 277

والثاني: لا يجوز؛ لأن المسح ضعيف فلا يجوز إذا كان هناك حائل؛ لانضمام ضعف إلى ضعف، وعلى هذا القول لو تَخَرَّق الخفان تحت الجرموقين نظر، إن كان عند التخرُّق على طهارة لبس الأسفل مسح على الأعلى؛ لأنه صار أصلاً بخروج ما تحته عن أن يمسح عليه، وإن كان محدثاً في تلك الحالة لم يمسح على الأعلى كما لو ابتدأ اللبس على الحدث؛ وإن كان على طَهَارة المسح، وذلك إذا جوزنا إدخال اليد بينهما، والمسح على الأسفل منهما ففي جواز المسح على الأعلى وجهان، كما ذكرنا في التفريع على القديم -والله أعلم-. ولو لبس الجُرْمُوق في إحدى الرِّجْلين، واقتصر في الأخرى على الخف وأراد المسح على جرموق وخف، فلا شك أنه يمتنع ذلك على الجديد، وعلى القديم يبنى على المعاني الثّلاثة إن قلنا: الجرموق بدل البَدَل لم يجز ذلك؛ لأن إثبات البدل في إحدى الرجلين يمتنع كما يمتنع المسح في إحدى الرجلين والغسل في الأخرى، وقد ذكرنا أنه لو مسح على الجُرْموقين ثم نزع أحدهما لا يلزمه شيء على رأى، ويستدام حكم المسح على جُرْمُوقٍ وخف، والفرق على هذا أن الأمر في الاستدامة أقوى ألا يرى أن اعتراض العدّة والرّدّ في دوام النَكِّاح لا تبطله، بخلاف ما في الابتداء. وإن قلنا: هما كطاقتي خف يجوز له المسح على الجرموق والخف الآخر، كما لو لبس خُفَّينِ لأحدهما طاقة واحدة وللآخر طَاقَتان. فإن قلنا: الأسفل كاللّفافة فوجهان: أحدهما: لا يجوز كما لو لبس خفًّا ولف على الرجل الثَّانية لفافة. وأصحهما: الجواز، لأنه إنما ينزل منزلة اللّفافة إذا كان مستوراً، فأما إذا كان بادياً فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل بخلاف ما لو نزع أحد الجرموقين يجب نزع الكل على ذلك التقدير؛ لأنه يلبس الجرموق، والمسح عليه صار الأسفل لفافة -والله أعلم-. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ المَسْحِ وَأَقَلُّهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ مِمَّا يُوَازِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الأَسْفَلِ فَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُهُ، وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا الغُسْلُ وَالتَّكرَارُ فَمَكْرُوهَانِ، وَاسْتِيعَابُ الجَمِيعِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ. قال الرافعي: الكلام في كيفية المسح يتعلّق بالأقل والأكمل، فأما الأقل فيكفي في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح خلافاً لأبي حنيفة، حيث قدر الأقل بثلاثة أصابع من أصابع اليد. ولأحمد حيث أوجب مسح أكثر الخف. لنا أن النصوص متعرضة لمطلق المسح، وإذا أتى بما وقع عليه اسم المسح فقد

стр. 278

مسح، وهذا كما ذكرنا في مسح الرأس، ثم لا بد وأن يكون محل المسح ما يوازي محل الفرض من الرّجل، إذ المسح بدل عن الغسل، وهل جميع ذلك محل المسح؟ أم لا؟ لا كلام في أن ما يحازي غير الأَخْمُصَيْن وَالعَقِبَيْن محل له، وأما ما يحازي الأخمصين وهو أسفل الخف ففي جواز الاقْتِصَار على مسحه ثلاثة طرق: أظهرها: أن فيه قولين: أظهرهما: أنه لا يجوز؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار على الأسفل. قال أصحاب هذه الطريقة: وهذا هو المراد فيما رواه المزني في "المختصر"؛ أنه إن مسح باطن الخف وترك الظاهر، وأعاد. والثاني: وهو مخرج أنه يجوز؛ لأنه محاذ لمحل الفرض كالأعلى، وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين: والطريق الثاني: القَطْعُ بالجواز، ثم من الصَّائرين إليه من غلط المزني، وزعم أن ما رواه لا يعرف الشافعي في شيء من كتبه. ومنهم من قال: أراد بالباطن الداخل، لا الأسفل. والطريق الثالث: القطع بالمنع، وأما عقب الخف ففيه وجهان أنه ثم منهم من رتب العَقِبَ على الأسفل، وقال: العقب أولى بالجواز لأنه ظاهر يرى والأسفل لا يرى في أغلب الأحوال فأشبه الدّاخل. ومنهم من قال العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر أصلاً ومسح الأسفل مع الأعلى منقول: وإن لم ينقل الاقتصار عليه. وتنبه بعد هذا الأمور على ألفاظ الكتاب: أحدها: قوله: "فإن اقتصر على الأسفل" بعد قوله: "مما يوازي محل الفرض" كالمنقطع عنه، ولو قال، لكن لو اقتصر أو نعم لو اقتصر، وما أشبه ذلك كان أولى ليشعر باستثنائه مما يوازي محل الفرض. الثاني: قوله: "فظاهر النص منعه" جواب على طريقة القولين؛ لأن هذا الكلام إنما يطلق غالباً حيث يكون، ثم قول آخر، مخرج الثالث، ظاهر كلامه يقتضي تَجْوِيز المسح على عقب الخف؛ لأنه قال: أقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازي محل الفرض، ولم يخرج عنه إلا أسفل الخف وموضع العقب مما يوازي محل الفرض وليس هو من أسفل الخف لكن الأظهر عند الأكثرين أنه لا يجوز الاقتصار عليه، كالأسفل، وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله، خلافاً لأبي حنيفة، وأحمد حيث قالا: لا يمسح الأسفل. لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 279

مَسَح أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ" (١). والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهور الأصابع، ويمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل، واليمنى إلى الساق، تروى هذه الكيفية ابن عمر ﵄ (٢). وقوله: "إلا أن يكون على أسفله نجاسة" استثناء لم يذكره في "الوسيط"، ولا تعرض له الأكثرون، وفيه إشعار بالعفو عن النجاسة التي تكون على الخف، ولا شك أنه إن كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة فلا يمسح عليه؛ لأن المسح يزيد فيها، وأما إشعاره بالعفو والقول في أنه كيف يصلي فيه، أيتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع؟ أم يكفي دلكه بالأرض فسيأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى، وهل يستحب مسح عقب الخف؟ فيه قولان: وقيل وجهان: أصحهما: نعم، كسائر أجزاء الخف من الأعلى والأسفل. والثاني: لا؛ لأن السنة ما جاءت به؛ ولأنه موضع ثقيل، وبه قوام الخُفِّ، فإدامة المسح عليه تفسده، ومنهم من قطع بالاستحباب، ونفى الخلاف فيه، ثم مسح الأعلى والأسفل وإن كان محبوباً، لكن استيعاب الكل ليس بسنة مَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى خُفِّهِ خُطُوطاً مِنَ الْمَاءِ" (٣).

стр. 280

وحكى عن تعليق القاضي: أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس، وأما قوله: "الغسل وَالتَّكرار مكروهان" فإنما يكره الغسل؛ لأنه تعييب للخُفِّ بلا فائدة، وكذلك التَّكرار يوجب ضعف الخف وفساده وهذا المسح رخصة مبنية على التَّخْفيف. ولك أن تعلم قوله: "فمكروهان" بالواو، وأما في الغُسْلَ، فلأن القول بالكراهة مبني على أن الغسل جائز قائم مقام المسح في صحة الوضوء، وفيه وجه: أن الغسل لا يجزئ كما ذكرنا في مسح الرَّأس إلا أنه مكروه، وأما في التَّكْرار فلأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى وجهاً أنه يستحب فيه التَّكرار ثلاثاً، كما في مسح الرَّأْس (١). قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ وَهوَ إِبَاحَةُ الصَّلاَة إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ نَزْعِ الخُفِّ، وَمُدّتُهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (م و) وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ الحَدَثِ فَلَوْ لَبِسَ المُقِيمُ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الحَدَثِ أَتَمَّ مُدَّةَ المُسَافِرِينَ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الحَضَرِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ (ح ز) ثُمَّ سافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ المُقِيمِينَ (ح) تَغْلِيباً لِلإِقَامَةِ، وَلَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ لَمْ يَزِدْ (ز) عَلَى مُدَّةِ المُقِيمِينَ وَلَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَنُقِضَت المُدَّة أَوْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ، فَالأَصْلُ وُجُوبُ الغَسْلِ وَلاَ يُتْرَكُ مَعَ الشَّكِّ. قال الرافعي: يباح بالوضوء الذي مسح فيه على الخُفَّين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطَّهارة ومد صاحب الكتاب ذلك إلى إحدى غايتين إما قضاء مدة المسح وإما نزع الخف وفي معناه تفرقه فأما الغاية الأولى وهي مضي المدة فتعرف بمعرفة مدته، وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان قال: في القديم: لا. وبه قال مالك لما روى عن خزيمة قال: "رَخَّصَ رَسُولُ الله ﷺ لِلْمُسَافِرِ أن

стр. 281

يمسح ثَلاَثَةَ أيام وَلَيَالِيهِنَّ لَوِ اسْتَزَدْنَاهُ (١) لَزَادَنَا" (٢) وعن أبي بن عمارة وكان ممن صلَّى إلى القبلتين قال: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: يَوْماً، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ، قُلْتُ: وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: نَعَمْ وَمَا شِئْتَ" (٣). وقال في الجديد: وهو المذكور في الكتاب يتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن، لحديث صفوان بن عَسّال كما سبق، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النّبي ﷺ : "جَعَلَ الْمَسْحَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ" (٤). ويتفرع على الجديد مسائل: إحداهما: يعتبر ابتداء المدة في حق المسافر والمقيم جميعاً من وقت الحدث بعد اللّبث خلافاً لأحمد حيث قال: في ما رواه أصحابنا: يعتبر من وقت المسح والذي رأيته لأصحابه أنه يعتبر من وقت الحدث كما ذكرنا ونسبوا الاعتبار من وقت المسح إلى داود. لنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصَّلاة وغيره وغاية ما يمكن فعله بالمسح من الصَّلوات المؤدَّاة على التَّوالي ست عشرة إذا لم يجمع وإن جمع فيتصور أن يؤدي به سبع عشرة صلاة وذلك في حالة عدم الجمع مثل أن يحدث بعد طلوع الفجر بقدر ما يسع صلاة الفجر وقد بقي إلى طلوع الشمس ما يسعها أيضاً فيتوضأ ويمسح على خُفَّيه ويصلّي الفجر، ويصلّي باقي صلوات اليوم والليلة بالمسح، وكذلك صلوات اليوم الثاني والثالث ويصلّي الفجر في اليوم الرابع قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول

стр. 282

فتلك ست عشرة وفي حالة الجمع مثل أن يحدث بعد الزَّوال بقدر ما يسع صلاة الظهر والعصر، وقد بقي من وقت الظهر ما يسعهما، أيضاً فصلاّهما بالمسح وكذا ما بعدهما من الصلوات إلى أن يدخل وقت الزوَال في اليوم الرابع فيصلي بالجمع الظهر والعصر قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول فيكون قد صَلَّى أربع صلوات من صلوات اليوم الأول وعشراً من صلوات اليوم الثَّاني والثَّالث ثلاث صلوات من صلوات اليوم الرابع فجملتها سبع عشرة، وغاية ما يصلّي المقيم بالمسح من صلوات الوقت ست صلوات إن لم يجمع وسبع إن جمع، بعذر مطر ولا يخفى تصويره مما ذكرنا في المسافر. الثانية: إنما يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن بشرطين: أحدهما: أن يكون سَفَرُهُ طويلاً، أما السفر القصير فهو كالإقامة. والثاني: ألا يكون سفر معصية فإن كان سفر معية لم يمسح ثلاثة أيام ولياليهن كما لا يترخَّص بالقصر والإفطار، وهل يمسح يوماً وليلة؟ فيه وجهان مذكوران في باب صلاة المسافرين في الكتاب وسنشرحهما ثم ويجريان في أن العاصي بالإقامة كالعَبْدِ المأمور بالسفر إذا أقام عل يمسح يوماً وليلة أم لا. الثالثة: لو لبس الخف في الحضر ثم سافر وأحدث في السَّفَرِ فله أن يمسح مسح المسافرين وكذلك لو أحدث في الحضر ثم سافر وابتدأ المسح في السفر خلافاً للمزني حيث قال في هذه الصورة: يمسح مسح المقيمين، لأن ابتداء المدة وقع في الحضر. لنا أن أول المسح أول العبادة، فإذا وقع في السَّفَر أقيمت العبادة كما تقدم في السفر ولا نظر إلى دخول الوقت في الحضر ألا ترى أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصَّحيح ولا فرق بين أن يخرج وقت الصلاة بعد ما أحدث في الحضر وبين ألا يكون كذلك. قال أبو إسحاق المروزي: إذا مضى الوقت في الحضر ولم يصل ثم سافر مسح مسح المقيمين، لأنه عاص بإخراج الصلاة عن الوقت ولا رخصة للعاصي. والأول: أصح، كما لو فاتتة صلاة في الحضر له أن يقضيها بالتيمم في السفر. وليكن قوله في الكتاب: "وكذا لو أحدث في الحضر" معلماً بالزّاي لمذهب المزني وبالواو للتفصيل الذي رويناه عن أبي إسحاق. ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين ولا يزيد عليه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يمسح مسح المسافرين إلا أن يتم اليوم والليلة قبل مفارقة العمران. وعن أحمد روايتان:

стр. 283

إحداهما: مثل مذهبنا. والثانية: أنه يمسح مسح المسافر. لنا أنه عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فيغلب حكم الحضر كما لو كان مقيماً في أحد طرفي صلاته لا يجوز له القصر. واعلم أن الاعتبار في المسح بتمامه حتى لو تَوَضَّأَ في الحَضَرِ، ومسح على أحد الخفين ثم سافر ومسح على الآخر، كان له أن يمسح مسح المُسَافرين؛ لأنه لم يتم المسح في الحضر (١) ولو ابتدأ المسح في السَّفَرِ ثم صار مقيماً نظر إن أقام بعد تمام يوم وليلة لم يمسح، بل ينزع ويستأنف اللبس ويجزئه ما مضى، وإن زاد على يوم وليلة وإن أقام قبل تمام يوم وليلة فله أن يتم يوماً وليلة مسح المقيمين. وقال المزني كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم وليلة في الحضر، فإن مسح يوماً وليلة في السفر ثم أقام، فله ثلثا يوم وليلة. وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلثا يوم وليلة. لنا تغليب جانب الحَضَرِ كما تقدم. الرابعة: لو شك في انقضاء مدة المسح: أما المقيم في مدة المقيمين أو المسافر في مدة المسافرين وجب عليه غسل الرجلين وتعذر المسح. قال صاحب "التلخيص": هذا مما يستثنى عن قولنا: اليقين لا يترك بالشك؟ لأن جواز المسح يقين وانقضاء المدّة مشكوك فيه، أجاب الأصحاب بأن قالوا: لا بل هذا أخذ باليقين، لأن الأصل وجوب غسل الرّجلين والمسح رخصة منوطة بشرائط فإذا شك في المدة فقد شك في بعض الشّرائط فيعود، إلى الأصل وهذا كما لو توضَّأت المستحاضة ثم شكت في انقطاع دمها. قال الشافعي ﵁: لا تُصَلِّي حتى تتوضأ ولا نقول: الأصل سَيَلاَنُ الدم بل نقول: الأصل أن من أحدث توضأ وإنما جَوَّزَ لها الصلاة للضرورة فإذا شكت في بقاء الضرورة عادت إلى الأصل. وكذلك لو دخل المسافر بعض البلاد، ولم يدر أنه البلد الذي قصده، أم غيره فلا يقصر؛ لأن الأصل وجوب الأربع وقد شَكَّ في شرط القصر وهو السَّفر.

стр. 284

ولو شك المسافر في أن ابتداء مسحه كان في الحضر أو في السّفر لا يزيد على مدة المقيمين أخذاً بالأصل المقتضي لوجوب الغسل فلو مسح في اليوم الثاني على الشَّكِّ وصلى ثم زال الشّك في اليوم الثالث وعلم أنه ابتدأ المسح في السَّفَرِ فعليه إعادة صلوات اليوم الثاني؛ لأنه صلاها على الشك ويجوز أن يصلي بالمسح في اليوم الثالث ثم إن كان على مسح اليوم الأول ولم يحدث في اليوم الثاني له أن يصلي في اليوم الثَّالث بذلك المسح، وإن كان قد أحدث في اليوم الثَّاني لكنه مسح على الشك وجب عليه إعادة المسح لصلوات اليوم الثَّاني، وفي وجوب استئناف الوضوء قولان. ويجوز له أن يعيد صلوات اليوم الثَّاني بالمسح في اليوم الثَّالث، ذكر كل ذلك في "التَّهْذِيب" وقال ابن الصباغ في الشامل: يجب إعادة الصلوات لكن يجزئه المسح مع الشك، والأول أظهر هذا تمام الكلام في إحدى الغَايَتَيْنِ. قال الغزالي: وَمَهْمَا نَزَع الخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَيَجِبُ غَسْلُ القَدَمَيْنِ، وَأَمَّا الاسْتِئْنَافُ فَلاَ يَجِبُ إِن قُلْنَا: إِن المَسْحَ لاَ يَرْفَعُ الحَدَثَ وَإِنْ قُلْنَا: يَرفَعُ وَجَبَ لِأَنَّهُ فِي عَوْدِهِ لاَ يَتَجَزَّأُ. قال الرافعي: الغاية الثّانية نزع الخفين أو أحدهما، ومهما اتّفق ذلك وهو على طهارة لزم غسل الرِّجْلَيْنِ سواء كان عند انقضاء المدة أو قبلها، وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان: أحدهما: يجب وبه قال أحمد: وأصحهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني، واختلف الأصحاب في أن القولين مستقلان بنفسهما أو هما مبنيان على أصل آخر: منهم من قال: هما مستقلان ووجه قول الاكتفاء بغسل الرّجلين بأن المسح بدل زال حكمه بظهور محل مبدله فيرجع إلى المبدل وهو الغسل كالمتيمّم يرى الماء. ووجه قول الاستئّناف بأن قال: عبادة بطل بعضها فيبطل كلها كالصَّلاة. ومنهم من قال: هما مبنيان على أصل واختلفوا فيه على ثَلاَثَةِ طرق. أحدهما: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء إن جوزنا كفى غسلهما وإلا وجب الاستئناف، ويحكى هذا عن ابن سريج وأبي إسحاق لكن زيفه الجمهور، من وجوه منها أنه لا خلاف في جواز التفريق في الوُضُوء على الجديد ونص في مواضع من الجديد على وجوب الاستئناف هاهنا، ومنها: أن قولي التَّفريق يَخْتَصَّان فالتفريق الكثير

стр. 285

فأَمَّا اليسير منه فهو جائز بلا خلاف ولا سائر إلى الفرق فيما نحن فيه، ومنها أن التَّفْرِيق بالعُذْرِ جائز والعذر موجود هاهنا. والثاني: أنهما مبنيان على أن بعض الطّهارة هل يختص بالانتقاض أم يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل؟ فيه قولان: أحدهما: يختص البعض بالانْتِقَاض؛ لأنه لو غسل بعض أعضاء طهارته يرتفع الحدث عنه، وإن لم يرتفع عن الباقي، وإذا جاز أن يَتَبَعَّضَ ارتفاعاً جاز أن بتبعض ثبوتاً فعلى هذا لا يجب الاستئناف. والثاني: لا يختص البعض بالانتقاض كالصلوات وسائر العبادات فعلى هذا يجب الاستئناف والثَّالث وهو المذكور في الكتاب، وبه قال القَفَّال والشيخ أبو حامد وأْصحابهما أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يرفع؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع به بين فرضين ولو لم يرفع الحدث لما جاز كالتَّيمم. والثاني: لا يرفع لأنه لو رفع الحدث لما تقدر بمدة ولا يمتد أثره إلى وجود الحدث فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث عن الرجل فلا يجب استئناف الوُضُوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عن سائر الأعْضَاء إِلا عن الرجلين فإذا غسلهما ارتفع عنهما أيضاً، وكفى. قال في "التَّتمَّة": وهذا إذا لم يقع تفريق كثير وإن وقع ففيه خلاف التَّفريق، وإن قلنا: إن المسح يرفع الحدث عن الرجل فيجب استئناف الوُضُوء؛ لأن وجوب غسل الرجلين عند النزع يدل على عود الحدث فيهما والحدث، لا يتجَزَّأ في عوده (١). واعلم أن هذه الطريقة والتي قبلها متقاربتان، ومن يجوز انتقاض بعض الطَّهَارة دون بعض لا يبعد أن يقول بأن الحدث يتجزَّأُ عند العود، ولا يسلم لزوم الاستئناف -والله أعلم- هذا تمام الكلام في الغايتين ولك أن تقول غاية فائدة المسح لا تنحصر في الأمرين المذكورين بل تنتهي بأمرين آخرين.
следующие страницы →