استعمال الماء النَّاقص، وإلا تعيَّنت القُرْعَة وإن اتفقا على القِسْمة جاز إن قلنا: يجب استعمال الماء الناقص، وإلا لم يجز فإنه تضييع، وإذا حضر جنب ومحدث نظر، إن كان ذلك الماء كافياً للوضوء دون الغسل، فالمحدث أولى إن لم توجب استعمال الماء الناقص، وإن أوجبناه فثلاثة أوجه:
أصحها: أن المُحْدِث أولى أيضاً؛ لأنه يرتفع حدثه بكماله.
والثاني: الجنب أولى لغلظ حدثه.
والثالث: يتساويان وتفريعه على ما سبق، وإن لم يكن ذلك كافياً لواحد منهما فالجنب أولى إن أوْجَبْنَا استعمال الماء الناقص لغلظ حدثه، وإلا فهو كالمعلوم وإن كان كافياً لكلّ واحد منهما، فننظر إن فضل شيء من الوضوء به ولم يفضل من الغسل فالجنب أولى إن لم توجب استعمال الناقص، لأنه لو استعمله المحدث لضاع الباقي (١)، وإن أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه:
أصحها: أن الجنب أوْلى أيضاً؛ لغلظ حدثه.
والثائي: المحدث أولى بقدر الوضوء، والباقي للجنب مراعاة الجانبين.
والثالث: أنهما سواء، وإن فضل من كل واحد منهما شيء، أو لم يفضل من واحد منهما، فالجنب أولى لا مَحَالَة، وإن كان الماء الموجود كافياً للغُسْلِ دون الوضوء، ويتصور ذلك بأن يكون الجنب نِضْواً لخلقه، فقيد الأعضاء والمحدث ضَخْماً عظيم الأعضاء، فالجنب أولى أيضاً؛ لأنا إن لم نوجب استعمال الماء الناقص فالمحدث لا ينتفع به، وإن أوجبناه فحدث الجنب أغلظ: وإذا عرفت ما ذكرنا تبين لك أن أحوال المسألة أربع:
أن يكون الماء كافياً للوضوء دون الغسل؛ وأن يكون كافياً لكل واحد منهما؛ وأن لا يكون كافياً لواحد منهما؛ وأن يكون كافياً للغسل دون الوضوء، والظَّاهر تقديم المحدث في الحالة الأولى وتقديم الجُنُب فيما عَدَاهَا، فلذلك قال: والجُنُبُ أوْلَى من المحدث إلا أن يكون الماء قدر الوضوء فقط، وليكن المستثنى والمستثنى منه من هذا اللفظِ مُعْلَماً بالواو، لما حكيناه من التَّفْصِيل والخلاف.
وقوله: "قدر الوضوء فقط" إن كان المراد أنه قدر الوضوء دون الغُسْلِ فحسن، وإن كان المراد أنه لا يزيد على قدر الوضوء فهذا ليس بشرط في تصوير الحالة الأولى، بل إذا لم يكن كافياً للغسل وكان كافيًا للوضوء فالمحدث أولى، سواء زاد
стр. 212
على قدر الوضوء أو لم يزد عليه، فهذا شرح مسألة الوصية.
واعلم أنه إن عَيَّن المكان فقال: اصرفوا هذا الماء إلى أولى النَّاس به في هذه المَفَازَةِ، فالحكم على ما ذكرنا، ولو لم يعين بل قال: اصرفوا إلى أولى الناس به واقتصر عليه، فينبغي أن يبحث عن المُحْتَاجين في غير ذلك المكان، ألا يرى أنه لو أوصى لأعلم الناس لا يختص بأهل ذلك الموضع إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى، كالمستبعد والله أعلم.
ولو انتهى هؤلاء المُحْتَاجُون إلى مَاءٍ مُبَاحٍ واستووا في إحْرَازِهِ وإثبات اليد عليه ملكوه على السَّوَاء لاستوائهم في سبب المِلْكِ، وكل واحد أحَقُّ بملك نفسه من غيره، وإن كان ذلك الغير أحوج إلى الماء، وكان حدثه أغلظ، بل لا يجوز لكل واحد أن يبذل ما ملكه لغيره، وإن كان ناقصاً إلا إذا قلنا: لا يجب استعمال الماء الناقص عن قدر الكفاية. هذا ما أورده صاحب الكتاب، وذكره إمام الحرمين، وأورد أكثر الأصحاب هذه الصورة، وقالوا: يقدم فيها الأحوج فالأحوج كما في مسألة الوَصِيَّةِ، ولا مُنَافَاةَ بين الكلامين؛ لأن هؤلاء أرادوا التقديم على سبيل الاستحباب، وكأنهم يقولون: مجرد الانتهاء إلى الماء المباح لا يقتضي المِلْكَ، وإنما يثبت (١) الملك بالاسْتِيلاء والإحراز فيستحب لغير الأحوج ترك الإحراز والاستيلاء إيثاراً للأحوج، وهؤلاء [لا] (٢) يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا كان الأمر على ما ذكره إمام الحرمين، لكن يمكن أن ينازع هو فيما ذكروه من الاسْتِحْبَاب، ويقول: إنه متمكن من الطهارة بالماء، فلا يجوز له العدول إلى التَّيمُّم كما لو ملكه لا يجوز له بذله لغيره.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) العَجْزُ بِسَبَبِ الجَهْلِ كَمَا إِذَا نَسِيَ المَاءَ في رَحلِهِ فَتَيَمَّمَ (ح) قَضَى الصَّلاة عَلَى الجَدِيدِ، وَلَوْ أَدْرَجَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ لَمْ يَقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ لاَ تَفْرِيطَ، وَلَو أَضَلَّ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدهُ مَعَ الإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ كَمَنْ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، وَلَو أضلَّ رَحلَهُ في الرِّحَالِ فَقَوْلاَنِ، وَالأَوْلَى سُقُوطُ القَضَاءِ؛ لأَنَّ المُخَيَّمَ أَوْسَعُ مِنَ الرَّحْلِ.
قال الرافعي: لك أن تقول: الكلام هاهنا في أسباب العَجْزِ المبيح للتّيمم، والسّبب المبيح هاهنا إنّما هو الفَقْدُ في ظَنِّهِ إلاَّ أنه تبيَّن بعد ذلك أنه لم يكن فاقداً، ولا شكَّ في أن الأسباب المبيحة يكفي فيها الظن، ولا يعتبر التَّعيُّن، وإذا كان كذلك فليس
стр. 213
هذا سبباً خارجاً عما تقدمّ، وأما الكلام في أنه هل يقضي الصلاة إذا تبين أنه غير فاقد فذلك شيء آخر وراء جواز التيمم، واللاَّئِقُ ذكره في أحد موضعين، إما آخر سبب الفقد، وإما الفصل المعقود فيما يقضى من الصَّلوات المختلفة (١) ثم ذكر في هذا الفصل مسائل:
إحداها: لو نسي الماء في رَحْلِهِ، فتيمم على ظن أنه لا ماء عنده، ثم تبيَّن الحال فهل يلزمه قضاء الصلاة التي أداها به؟ نص في "المختصر" على وجوب الإعادة.
وعن أبي ثور قال: سألت أبا عبد الله عنها، فقال: لا إعادة عليه.
واختلف الأصحاب على طريقتين:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن في المَسْأَلَةِ قَولينِ:
الجديد الصحيح: وجوب الإعادة، وبه قال أحمد؛ لأن مثل هذا الشّخص إما أن يكون واجداً للماء، أو لا يكون، إن كان واجداً فقد فات شرط التّيمم، وهو أن لا يجد، وإن لم يكن واجداً فسببه تقصيره، فتجب الإعادة كما لو نسي ستر العوْرَة، أو غسل بعض أعضاء الطهارة.
والقديم: أنه لا تجب الإعادة؛ لأن النِّسيان عذر حال بينه وبين الماء، فيسقط فرضه بالتيمم، كما لو حال بينهما سَبُعٌ وشبهوا هذا القول القديم في نسيان الترتيب في الوضوء ونسيان الفاتحة، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي حنيفة لا إعادة.
والطريقة الثانية: القطع بوجوب الإعادة، وتأويل ما نقله أبو ثور يحمل أبي عبد الله على مالك، أو تنزيل ما نقله على المسألة الثّانية التي نذكرها.
ولو علم المسافر أن في موضع نزوله بِئْراً فنسيها، وتيمم، وصلى، ثم تذكر، فعلى الطريقتين: ولو كان الماء يباع فنسي الثمن، وتيمم وصلى، ثم تذكر قال القاضي أبو قاسم بن كج: يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء، ويحتمل غيره، والأوّل أظهر.
المسألة الثانية: لو أدرج الماء في رَحْلِهِ من غير شعوره به، فتيمم على اعتقاد أن لا ماء عنده، وصلَّى ثم تبيَّن الحال، ففي المسألة طريقتان:
إحداهما: طرد قول النسيان (٢) فيه، لكن الأصح هاهنا نفي الإعادة.
стр. 214
والثانية: القَطْعُ بنفي الإعادة لعدم التقصير هاهنا بخلاف سورة النسيان، فإنه كان عالماً بالماء ثم ذهل عنه.
ولو تبين أن بقربه بئراً، ولم يكن علم بها أصلاً فهو نظير هذه الصورة.
وقوله في الكتاب: "لم يقض على الصحيح" يجوز أن يكون اختياراً للطريقة الثانية، والمعنى على الصحيح من الطَّريقين، ويجوز أن (١) يكون جواباً على الطريقة الأولى، والمعنى الصحيح من القولين، وطريقة القولين أظهر عند علماء الأصحاب.
الثالثة: لو كان في رَحْلِهِ ماء فاضله: فتيمم ثم وجده نظر، إن لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره، وإن أمعن حتَّى غلب على ظنه فقد الماء فقولان:
أحدهما: أنه لا إعادة عليه، لأنه لم يفرط في البحث، والطلب، فيعذر.
وأظهرهما: تجب الإعادة؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، وإنما يسقط القضاء بالأعذار العامة، والنادرة التي تتّصل وتدوم.
قال الأئمة: والقولان مُخَرَّجَان على القولين فيمن اجتهد في القِبْلَةِ، وصلى ثم تيقن الخطأ، ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان.
الرابعة: لو أضلّ رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، فإن لم يمعن في الطّلب وجبت الإعادة ولا محالة، وإن أمعن فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين في إضلال الماء في الرحل.
والثاني: القَطْعُ بنفي الإعادة والفرق من وجهين (٢):
أحدهما: ما ذكر في الكتاب أن مُخَيَّمَ الرّفْقَةِ أوسع من الرَّحْلِ ورحله أضبط للماء من المخيم للرحل، وإذا كان كذلك كان أبعد عن التّقصير هاهنا.
والثاني. أن من صلّى في رحله وفيه ماء فقد صلى بالتيمم على الماء، ومن صلّى وقد أضل رحله فقد صلّى وليس معه ماء. ومنهم من يحكي في المسألة وجهين كما ذكرنا في الصورة السابقة. وعن الحليمي (٣) وجه ثالث أنه لو وجده قريباً منه فيعيد، ولو وجده بعيداً فلا.
стр. 215
وظاهر المذهب نفي الإعادة مطلقاً، ولا ينبغي أن يفهم ذلك من قوله في الكتاب: "وأولى بسقوط القضاء" فإنهم إذا رتَّبوا صورة على صورة في الخلاف ثم قالوا: وأوْلَى بكذا، لا يَعْنُون به سوى رُجْحَان ما وصفوه بالأولويّة بالإضافة إليه في الصورة المرتب عليها، ولا يلزم من كون النّفي أو الإثباب في صورة أرجح منه في صورة أخرى كونه أرجح على مقابله، نعم إذا قيل أولى الوجهين كذا فقضيته رجحان ذلك الوجه كما إذا قيل الأظهر أو الأصح كذا.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) المَرَضُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الوُضُوءِ مَعَهُ فَوْتَ الرُّوحِ أو فَوْتَ عُضْو أَوْ مَنْفَعَةِ أَوْ مَرَضاً مَخوُفًا، وَكذَا إنْ لَمْ يَخَف إِلاَّ شِدَّةَ الضَّنَى وَبُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ شَيْنٍ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَألَّمُ فِي الحَالِ وَلاَ يَخَافُ عَاقِبَةً لَزَمَهُ الوُضُوءُ.
قال الرافعي: المرض مبيح للتَّيمم في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) نقل عن ابن عباس أن المعنى وإن كنتم مرضى فتيَّمموا (٢)، وإن كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا (٣). ثم هو على ثلاثة أقسام:
أولها: المرض الذي يخاف من الوضوء معه فَوْتُ الرُّوحِ، أو فوت عُضْوٍ أو فوت منفعة عضو فيبيح التيمم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قُروح أو جُدَري فَيُجْنِب ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم بالصّعيد (٤) وألحق بهذا النّوع ما إذا خاف مرضاً مخوفاً، وكذا لو كان به مرض لا يخاف من اسْتِعْمَال الماء معه التَّلف، لكن يخاف من استعمال الماء معه حدوث المرض المخوف. وينبغي أن يعلم قوله: "أو مرضاً مخوفاً" بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى فيه عن العراقيين طريقين:
стр. 216
أحدهما: القَطْعُ بجواز التيمم.
والثاني: أن فيه قولين، وقد توجه المنع بالقدرة على استعمال الماء، وقصور الضرر فيه عما تقدم من المضّار، فظاهر المذهب القطع بالجواز، لأنه إذا خاف المرض الذي يخاف منه التّلف فقد خاف التلف، وهذا قضية كلامه في "المختصر"، وهو الَّذِي ذكره المسعودي وغيره في الشروح: على أن في تشبيه الإمام الطريقين في هذه الصورة شبهة قوية فإن الَّذي يلغي في كتبهم حكاية الطريقتين في صورة بُطْءِ البُرْء وأخواتها كما سيأتي، لا في هذه الصورة بل الَّذي يدل عليه كلامهم تجويز التيمُّم هاهنا من غير تردُّد، والله أعلم.
وثانيها: المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه شدة الضَّنى أو زيادة العِلَّة أو بطء البرء وبقاء الشّين القَبِيحِ، ولنفصل هذه الصور وأحكامها: أما زيادة العلّة وبطء البُرْءِ فقد حكوا فيهما ثلاثة طرق:
أظهرها: أن في جواز التيمم للخوف منها قولين:
أحدهما: المنع؛ لأن إباحة التَّيمم لمريض مأخوذة من الآية وقد روينا عن تفسير ابن عباس اعتبار خوف التّلف فيه.
وأظهرهما: الجواز، وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنا لا نوجب شراء الماء بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لما فيه من الضَّرر، ومعلوم أن الضَّرر هاهنا أشد؛ ولأن ترك الصوم وترك القيام في الصَّلاة لا يعتبر فيه خوف التّلف، بل يلغى فيه هذا النوع من المرض فكذلك هاهنا.
والطريق الثاني: القطع بالجواز وتأويل قول المنع على ما إذا لم يلحقه إلاَّ مُجَرَّد الألم والمشقَّة.
والثالث: القطع بالمنع وتأويل الجواز على ما إذا كان المخوف التَّلف.
فإن قلت: وما الفرق بين زيادة العِلَّة وبطء البرء؟
فالجواب أن المراد من زيادة العلة إفراط الألم وكثرة المقدار وإن لم تمتد المُدَّة، ومن بُطْءِ البرء امتداد المدّة وإن لم يزد القدر ثم قد يجتمع الأمران، وأما شدَّة الضَّنى ففي جواز التيَّمم بها الطريقان الأوليان، والظاهر عود الطريقة الثالثة أيضاً، والمراد من الضَّنى المرض المُدْنف الذي يجعله ضمناً، وكأنه نوع من المرض خاص.
وأما إذا خاف من استعمال الماء بقاء الشين على بدنه فننظر إن خاف شيئاً قبيحاً على عضو ظاهر كالسَّوَاد الكثير في الوجه ففيه ثلاث طرق أيضاً:
أحدها: الجزم بالجواز، لأنه يشوِّه الخِلْقَة ويدوم ضرره فأشبه تلف العضو ويحكى ذلك عن ابن سريج والإصطخري.
стр. 217
والثاني: الجزم بالمنع إذ ليس فيه بطلان عضو ولا منفعته وإنما هو فوات جمال.
والثالث: أنه على القولين المقدمين، وإن خاف شيئاً يسيراً كأثر الجُدَرِي والسَّوَاد القليل فلا عبرة به، وكذلك لو خاف شيئاً قبيحاً على غير الأعضاء الظَّاهرة، والمراد من الظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.
وأما تعبيره عن الخلاف في هذه المسائل بالوجهين فإنما اتّبع فيه إمام الحرمين، والمشهور في طرق الأصحاب أن فيها قولين على طريقة إثبات الخلاف كما حكيناه.
وثالثها: المرض الذي لا يخاف من استعمال الماء معه محظوراً في العاقبة، فلا يرخَّص في التّيمم وإن كان يتألم في الحال لجراحة أو حَرٍّ أو بَرْدٍ، لأنه واجد للماء، قادر على استعماله من غير ضرر شديد.
واعلم أن المرض المرخص لا يفترق الحال فيه بين أن يعرف كونه بحيث يرخص بنفسه، وبين أن يخبره طبيب حَاذِقٌ بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً، وفي وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق والفاسق أيضاً، ولا فرق بين الحُرِّ والعَبْدِ، والذكر والأنثى؛ لأن طريقة الخبر وأخبارهم مقبولة ولا يشترط فيه العدد. وحكى أبو عاصم العبادي (١) فيه وجهين، وهذا كله فيما إذا منعت العقة استعمال الماء أصلاً لعموم العذر جميع موضع الطهارة وضوءًا كان أو غسلاً، فإن تمكَّنت العلة من بعض أعضاء الطَّهارة دون بعض غسل الصحيح بقدر الإمكان، وما الَّذِي يفعل العليل؟ نذكره بعد هذا (٢) والله أعلم.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِلْقَاءُ الجَبِيرَةِ بِانْخِلاعَ العَضْوِ فَيَجِبُ غُسْلُ مَا صَحَّ مِنَ الأَعْضَاءِ وَالمَسْحُ عَلَى الجَبِيرَةِ بِالمَاءِ، وَفي نُزُولهِ مَنْزِلَةَ مَسَحْ الخُفِّ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ وَسقُوطِ الاسْتِيعَابِ وَجْهَانِ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ مَعَ الغُسْلِ وَالَمسْحِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ
стр. 218
يَمْسَحُ الجَبِيرَةَ بِالتُّرَابِ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ التُّرَابَ ضَعِيفٌ، وَفِي تَقْدِيمِ الغُسْلِ عَلَى التَّيَمُّمِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ: الأَعْدَلُ هُوَ الثَّالِثُ، وَهُوَ أنَّهُ لاَ يَنْتَقِلُ عن عُضْوٍ مَا لَمْ يَتِمَّ تَطْهِيرُ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَوْ كَانَتِ الجِرَاحَةُ عَلَى يَدِهِ تَيَمَّمَ قبْلَ مَسْحِ الرَّأْسِ.
قال الرافعي: لو جعل المرض سبباً واحداً من أسباب العَجْزِ ثم قسمه إلى ما لا يحوج إلى إلقاء الجَبِيرَةِ ولا لصوق عليه، وإلى ما يحوج إليه وحذف السَّبب السَّادس والسَّابع لكان أحسن وأولى، فإن الانخلاع والجراحة نوعان خاصان من العِلَلِ والأمراض، ولو عددنا كل مرض سبباً على حده لطال الأمر وكثرت الأسباب.
فإن قلت: اسم المرض لا يقع على انْخِلاَعِ العُضْوِ والجراحة.
قلنا: نحن لا نعني بالمرض سوى العلّة العارضة التي يخاف معها من استعمال الماء على أن ابن عباس ﵁ فسر المريض بالجريح كما تقدم، فدلّ على أن اسم المرض يقع على الجراحة، ثم الكسر والانخلاع له حالتان:
إحداهما: أن يحوج إلى إلقاء الجَبَائِرِ على موضعه وهي الألواح التي تهيأ لذلك.
والئانية: أن لا يحوج إليه، والمعتبر في حاجة الإلقاء أن يخاف شيئاً من المضار السابقة لو لم يلقها عليه.
الحالة الأولى: أن يحتاج إلى إلقائها عليه، والغالب في مثلها أن يكون ذلك المَوْضِع بحيث لا يخاف من إيصَالِ الماء إليه، وإنما يقصد بإلقائها الانْجِبَارُ، فإذا ألقاها على موضع فلا يخلو إما أن يقدر على نزعها عند الطّهارة من غير أنَ يخاف شيئاً من المَضَارِّ السابقة، أو لا يقدر عليه، فإن لم يقدر لم يكلف النزع، ويراعي في الطَّهارة أموراً:
أحدها: غسل الصّحيح، وفي وجوبه عليه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين، في قول: يجب، وفي قول: لا، بل يكفيه التيمم، وهما عند أصحاب هذا الطريق مخرجان من القولين فيما إذا وجد من الماء ما يكفي لبعض الأعضاء، هل يقتصر على التيمم أم يستعمله مع التَّيمم؟ ووجه الشبه أنه في الصُّورتين تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض، وغسل البعض لا يكفي مطهراً، والتَّيمم يكفي مطهراً.
والطَّريق الثَّاني -وهو الأصح-: القَطْع بوجوب غسل الصحيح، لأن اعتلال بعض الأعضاء لا يزيد على فقدانه، ولو كان مقطوع بعض الأطراف لم يسقط عنه غسل الباقي فهنا أولى بخلاف ما إذا وجد بعض الماء، فإنَّ الخلل ثم في الآلة التي تتأدَّى بها
стр. 219
العبادة، فأشبه ما إذا وجد بعض الرَّقبَة، فإن قلنا بالصحيح وهو وجوب غسل الصحيح فيجب ذلك بحسب الإمكان حتى لو قدر على غسل ما تحت أطراف الجَبِيْرَةِ من الصَّحيح الذي أخذته الجبيرة، وجب ذلك بأن يضع خِرْقَةً مَبْلُولَةً عليه ويعصرها؛ لتنغسل تلك المواضع بالتَّقَاطُرِ منها.
والثاني: يجب المسح على الجُبَيْرَةِ بِالمَاءِ لما روي "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِر" (١) وحكى أبو عبد الله الحناطي قولاً: أنه لا يمسح ويكفيه التَّيمم.
وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: عندي يكفيه التَّيمم وغسل الصحيح، والأول هو الصَّحيح المشهور، وعليه تتفرع مسائل:
إحداها: إن كان جنباً مسح الجَبِيرَةَ متى شاء، وإن كان محدثاً والجبيرة على بعض أعضاء الوضوء مسحها إذا وصل إلى غسل العضو الذي عليه الجَبِيرَة، فإنَّ التَّرتيبُ رُكْنٌ في الوضوء.
الثانية: هل تتقدّر مدّة هذا المسح فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه مسح على حائل فأشبه المسح على الخف، فيتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن.
وأصحهما: وبه قطع الصَّيدلاني. لا؛ لأن التقدير إنما يعرف بنقل أو توقيف، ولم يرد، بل له الاستدامة إلى الاندمال.
قال إمام الحرمين: وهذا الاختلاف فيما إذا كان (٢) يتأتى الرّفع بعد إنقضاء كل يوم وليلة من غير ضرر، فإن لم يمكن فلا خلاف في جواز استدامته، وإن كان يتأتى ذلك في كل طهارة لم يجز المسح ووجب النزع والغسل (٣) لا محالة.
الثالثة: هل يجب تعميم الجبيرة بالمسح؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يكفيه (٤) ما يقع عليه الإسم؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس والخُفّ.
стр. 220
وأصحهما: أنه يجب؛ لأنه مسح أبيح لضرورة العجز عن الأصل، فيجب فيه التَّعْمِيم كالمسح في التَّيمم، بخلاف مسح الخُفِّ، فإنه بني على التَّخفيف والتَّرخُّص، وهاتان المسألتان هما اللَّتان أشار إليهما بقوله: "وفي نزوله منزلة المسح على الخف في تقدير مدة وسقوط الاستيعاب وجهان"، وينبغي أن يكون قوله: "فيجب غسل ما صح من الأعضاء والمسح على الجَبِيرَةِ" معلماً بالواو؛ لما سبق حكايته في الغسل والمسح جميعاً.
والثالث: التَّيمم على الوجه واليدين، وفي وجوبه مع الغسل والمسح طريقان:
أظهرهما: أن فيه قولين:
أحدهما: لا يجب؛ لأن المسح على الجَبِيرَةِ ناب عما تحتها فلا حاجة إلى بدل آخر كالمسح على الخُفِّ.
وأصحهما: أنه يجب؛ لحديث جابر ﵁ في المَشْجُوجِ الذي احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات أن النَّبي ﷺ قال: "إنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى رَأسِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" (١).
والطَّريق الثاني: أن ما تحت الجَبِيرَةِ إنْ كان معلوماً بحيث لا يمكن غسله وإن كان بادياً وجب التَّيمم، كالجريح الذي ليس على جرحه شيء، فإنه يتيمم وإن كان يمكن غسله لو كان بادياً فلا حاجة إلى التَّيمم كالمسح على الخُفِّ، واعلم أن المشهور عند أصحاب الطريقة الأولى أن المسألة على قولين وحكوهما جميعاً عن البويطي، ورووا عن "الأم" أنه يتيمم، وعن القديم أنه لا يتيمم، وصاحب الكتاب عبر عن الخلاف بوجهين تقليداً بإمام الحرمين، فإنه كذلك روي فإن قلنا: يتيمَّم تفرع عليه مسألتان:
إحداهما: لو كانت الجَبِيْرَة على موضع التيمم فهل يمسح بالتراب في تيممه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم محاولة لإتمام التيمم بالمسح (٢) بالتُّراب كما يحاول إتمام الوضوء بالمسح بالماء.
وأصحهما: لا، لأنَّ التُّراب ضعيف فلا يؤثر من وراء حَائِلٍ، بخلاف الماء فإن تأثيره من وراء الحَائِلِ معهود في المسح على الخُفِّ.
стр. 221
الثانية: هل يجب تقديم غسل الصحيح على التيمم أم لا؟ أما في حق الجنب فوجهان:
أحدهما: أنه يجب، لأن الغسل أصل والتَّيمم بَدَلٌ فيقدم الأصل كما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يستعمله ثم يتيمم، وأصحهما أنه يتخيَّرُ إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لأنه إنَّما يتيمم لما به من العلّة، وهي مستمرة بخلاف تلك المسألة، فإنه إنما يتيمَّم لعدم الماء، فلا بد من استِعْمَال الموجود أولاً ليصير عادماً، وأما المحدث ففيه ثلاثة أوجه أشار إليها في الكتاب:
أحدها: يجب تقديم غسل المقدور عليه من أعضاء الوضوء كلها كما ذكرنا في الجنب.
والثَّاني: أنه يتخير إن شاء قدم الغسل، وإن شاء آخره عن التَّيمم، وإن شاء أدخله في خلال المغسول، ولا نظر إلى أن الترتيب مرعي في الوضوء؛ لأنَّ التيمم فرض مستقل بنفسه، والترتيب إنما يراعى في العبادة الواحدة، وهدا اختيار الشيخ أبي علي.
والثالث: وهو الصحيح عند المعظم أن التيمم بدل عن موضع العذر فلا يجوز أن ينتقل عن العضو المعلول قبل أن يتمِّم ولا يجوز أن يقدمه عليه إذا لم يكن المعلول أول أعضاء الوضوء، وذلك لأن الترتيب شرط في الوضوء، فلا يعدل من عضو إلى عضو، ما لم يتم تَطْهِير الأوّل أصلاً، وبدلاً وقول الأوّل: إن التَّيمم فرض مستقلُّ بنفسه ممنوع، بل هو وصف تابع في طهارة المَعْلُول، وكونه مستقلاً في بعض الموانع لا ينافي كونه تابعاً هاهنا، فعلى هذا لو كانت الجَبِيْرَةُ على الوجه وجب تقديم التّيمم على غسل اليدين، ويتخيّر في تقديمه على غسل الصّحيح من الوجه، وتأخيره عنه فإن العضو الواحد لا ترتيب فيه، وإن كانت على اليدين وجب أن يكون التّيمم مؤخراً عن غسل الوجه، مقدّماً على مسح الرَّأس، وعلى هذا القياس، ولو كان له على عضوين فصاعداً جبائر، فَلاَ بُدَّ من تعديد التَّيمم على هذا الوجه الثالث.
نظيره كانت على الوجه جَبيرة، وعلى اليد أخرى يغسل الصحيح من وجهه، ويتيمم للمعلول منه ثم يغسل الصحيح من يديه، ويتيمم للمعلول منهما، ثم يمسح يرأسه، ويغسل رجليه.
وعلى الوجه الأول والثاني يكفي التيمم الواحد، وإن تعدّدت الجراحات. وإنما يجوز الاقْتِصَار على غسل الصحيح، والمسح على الجَبَائِر مع التيمم أو دونه على الخلاف المتقدم (١) بشرطين:
стр. 222
أحدهما: ألا يأخذ من الصحيح تحت الجَبِيرَةِ إلاَّ القدر الذي لا بد منه للاسْتِمْسَاك.
والثاني: أن يضع الجَبِيرة على طهر، كالخُفِّ لا بُدَّ وأن يلبس على الطهارة، ليجوز المسح عليه، هذا ظاهر المذهب، وفي وجه لا يشترط الوضع على الطَّهارة، ثم ليس معنى اشتراط الطهارة تَعَذُّر المسح أصلاً، ورأساً لو وضع الجبيرة على الحَدَثِ، ولكنَّ المراد أنه يلزم النَّزع وتقديم الطَّهارة إن أمكن النزع، وإلا فيجب القضاء بعد البُرء، وفي سقوط الفرض بالتَّيمم بإلقاء الجَبِيرَة خلاف يأتي ذكره في الباب الثَّالث من الكِتَاب إنْ شاء الله تعالى.
فهذا إذا لم يقدر على نَزْع الجَبِيْرَةِ عند الطَّهَارة، فإن قدر على النَّزع وأحل من غير ضرر فعليه النَّزع عند الطَّهَارة، وغسل ذلك الموضع إن أمكن، والمسح بالتُّراب إن كان على موضع التَّيمم، ولم يمكن الغسل (١).
هذا كمال الحالة الأولى، وهي أن يحوجه الكَسْرُ إلى إلقاء الجبيرة عليه.
الحالة الثانية: ألا يحتاج إليه، ويخاف من إيصال الماء إليه، فيغسل الصحيح بقدر الإمكان، ويتلطَّف إذا خاف سَيَلاَن الماء إلى موضع العِلَّةِ بوضع خِرْقَةٍ مبلولة بالقرب منه، ويتحامل عليها لينغسل بالمتقاطر منها ما حَوَالَيْهِ من غير أن يسيل إليه، ويلزمه ذلك، سواء قدر عليه بنفسه، أو بغيره، فإن لم يطعه الغير إلا بأجره لزمته، كالأقْطَعِ الذي يحتاج إلى من يوضِّئه، وهل يحتاج إلى ضم التيمم إليه.
فيه الخلاف الذي قدَّمناه في الحالة الأولى، ولا يجب مسح موضع العِلَّةِ بالماء، وإن كان لا يخاف من المسح، فإن الواجب الغسل، فإذا تعذَّر ذلك فلا فائدة في المسح بخلاف المَسْحِ على الجَبِيْرَةِ، فإنه مسح على حائل كالخُفِّ، وقد ورد الخبر به، هكذا ذكره الأئمَّة ﵃، وللشَّافعي ﵁ نص [مساقه] (٢) وجوب
стр. 223
المسح، وليس هذا موضع ذكره، وإذا فرعنا على أنه يتيمَّم، فلو كانت العلَّة على محلّ التيمم، أمر التراب على موضعها، فإنه لا ضرر، ولا خوف في إمرار التراب عليه، بخلاف إمرار الماء، وكذا لو كانت للجراحة أفواه مفتحة، وأمكن إمرار التُّراب عليها لزم؛ لأنها صارت ظاهرة (١) فهذا شرح هذا الفصل.
وينبغي أن يعلم قوله: "ثم يتيمَّم مع الغسل، والمسح" بالحاء، لأن أبا حنيفة ﵀ لا يقول بوجوب الغسل على الإطلاق، ولا بوجوب التيمم على الإطلاق، بل قال: إن كان أكثر بدنه صحيحاً اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحاً اقتصر على التيمم.
قال الغزالي: (السَّابعُ) الجِرَاحَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا لُصُوقٌ فَلاَ يَمْسَحُ عَلَى مَحَلِّ الجُرْحَ وَإِنْ كَانَ فَهِيَ كَالجَبِيرَةِ، وَفِي لُزُومِ إلْقَاءِ اللُّصُوقِ عَنْدَ إمْكَانِهِ تَرَدُّدٌ كَالتَّرَدُّد في لُزُومِ لُبْس الخُفِّ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الخُفِّ.
قال الرافعي: الجراحة قد تحتاج في معالجتها إلى إلصاق لصوق بها من خِرْقة، وقطنة، ونحوهما، كما يحتاج في معالجته الانْخِلاَعَ والانْكِسَارَ إلى إلقاء الجَبَائِرِ، وحكم الجراحة وما عليها من اللُّصُوقِ حكم الانكسار، وما على موضعه من الجبائر فيعود فيه جميع ما سبق، وإذا لم يكن على الجِرَاحَةِ لصوق فلا يجب المسع على محل الجرح كما ذكرنا في الانكسار إذا لم يكن عليه جبيرة، وهل يجب إلقاء اللُّصُوق عليه عند إمكانه، وكذا إلقاء الجَبِيْرَة؟ فيه وجهان:
قال الشيخ أبو محمد: يجب؛ لأنه لو ألقى الحائل لمسح عليه بدلاً عن الغسل، فليتسبب إليه تكميلاً للطَّهارة بقدر الإمكان، واستبعد إمام الحرمين ذلك، وقال: إنه لا نظير له في الرُّخَصِ، وليس للقياس مجال فيها، ولو اتَّبَعَ القياس لكان أقرب شيء أن يمسح على محل الجرح عند الإمكان، فإذا لم يَجِبْ ذلك فهذا أولى.
قال: ولم أر القول بالوجوب لأحد من الأصحاب، ثم رتَّب عليه ما إذا كان الشَّخص على طهارة كاملة، وقد أرهقه حدث، ووجد من الماء ما يكفي لوجهه ويديه ورأسه، ويقصر عن رجليه، ولو لبس الخُف لأمكنه أن يمسح على خفيه، فهل يجب عليه أن يلبس الخف، ثم يمسح بعد الحدث عليه؟ قال: قياس ما ذكره شيخي إيجاب ذلك، وهو بعيد عندي والله أعلم.
стр. 224
وإذا عرفت ذلك لم يَخْفَ عليك أن المراد من التردُّد في قول صاحب الكتاب، وفي لزوم إلقاء اللصوق عند إمكانه تردد، وهو الوجهان اللذان حكيناهما، ما صار إليه الشيخ أبو محمد، وما عليه الأكثرون.
وأما ما أشار إليه من التردُّد في مسألة وجوب اللبس، فسياق كلامه يشعر بإثبات وجهين في المسألة، لكن إمام الحرمين لم يذكرهما نَقْلاً عن شيخه، وإنما قال: قياس ما ذكره وجوب اللبس، ولا يصح إثبات الخلاف إذا لم يكن نقل إلا إذا انتفى الفارق، وقد وجد الفرق بين المسألتين، وبينه الإمام فقال: لشيخي أن ينفصل عما ذكرته في المسح على الخف، بأنه رخصة مَحْضَة، فلا يليق بها إيجاب لبس الخف، وما نحن فيه من مسالك الضَّرُوريات، فيجب فيه الإتْيَان بالممكن، وإلقاء خِرْقة يمسح عليها ممكن.
واعلم أن ظاهر المذهب اشتراط الطهارة عند إلقاء الجَبِيرَةِ، واللّصوق ليجوز المسح عليه، كما يشترط ذلك عند لبس الخف، وقد بيناه من قبل، وإذا كان كذلك فمن يقول بوجوب الإلقاء عند الإمكان، يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه إذا تَطَهّر بعد الحدث كما في مسألة اللبس، ويضعف المصير إلى الوجوب في الصورتين بشيء، وهو أن الشخص إذا كان متطهِّرًا، فلا يخلو إما أن يكون أدَّى وظيفة الوقت، أو لم يؤدها، فإن لم يؤدها فهو متمكن من أدائها بهذه الطّهارة، فلا يكلف، والحالة هذه بطهارة أخرى، والطَّهارة التي لا يكلف بها لا يكلف بإعداد أسبابها، ألا ترى أنه لا يؤمر بإمساك الماء ليتوضأ به للصّلاة الَّتي لم يدخل وقتها، ولو صبه هزلاً واحتاج إلى الصلاة بالتَّيمم لم يلزمه القضاء، وإن أدَّى وظيفة الوقت فليس عليه طهارة أخرى حتى يدخل وقت الصَّلاة الأخرى، ولا يكلف لإعداد أسباب الطهارة التي لم يلزم بعد.
قال الغزالي: ثمَّ مَهْمَا تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَعَادَهُ لِكُلِّ صَلاَةٍ وَلَمْ يَعِدِ الوُضُوءَ وَلاَ المَسْحَ.
قال الرافعي: الأصل في المسألة أن التَّيمم لا يؤدي به فريضتان، بل تفتقر كل فريضة إلى تيمم، وكذلك وضوء المُسْتَحَاضَةِ، وسنذكره في موضعه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: من غسل الصحيح، وتيمم لمكان عذر المرض، أو الانْخِلاَعِ، أو الجراحة، إما مع المسح على الحائل، أو دونه إذا لم يكن حائل وصلّى فريضة بطهارته فله أن يصلي بها من النَّوافل ما شاء، ولا بد من إعادة التَّيمم للفريضة الأخرى، وإن لم يحدث، وهل يحتاج إلى إعادة الوضوء مع التيمم المعادِ؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين، كما لو نزع الماسح على الخُفِّ أو انقضت مدة المسح،
стр. 225
هل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل الرجلين؟ فيه قولان، ووجه الشبه أن الطَّهارة في الصورتين كملت من جنسين أصل وبدل، فإذا بطل حكم البدل، هل يبطل الأصل حتى يؤمر بالاستئناف فيه خلافه
والطريق الثاني: القَطْعُ بنفي الاستئناف؛ لأن التَّيمم طهارة مستقلَّة في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمها انتقاض طهارة أخرى، وإن كانت بعضاً منها كما في هذه الصورة، كما لو اغتسل الجُنُب، ثم أحدث يلزمه الوضوء، ولا ينتقض غسله، وإن كان أعضاء الوضوء بعض المغسول في الجَنَابَةِ، لأن الوضوء طَهَارَةٌ مستقلّة في الجملة، ويخرج عليه (١) المسح على الخُفِّ، فإنه غير مستقل أصلاً، وهذا الخلاف جار في الجنب إذا غسل الصحيح من بدنه، وتيمم للعليل، وصلى، هل يفتقر للفريضة الثانية إلى استئناف الغسل مع التيمم؟ وإذا فرعنا على الصَّحيح، وهو أنه لا يجب استئناف الوضوء والغسل، فهل يجب إعادة شيء منهما مع التَّيمم؟ أما في الغُسْل فلا، وأما في الوضوء فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن الحداد: لا، لأن الوُضُوءَ الكامل لا يجب إعادته لكل فريضة، فكذلك غسل الصحيح الذي هو بعضه، وإنما التَّيمم هو الذي يعاد لكل فريضة.
وأظهرهما: أنه يجب أن يعيد مع التيمم غسل كل عضو يترتب على العضو المجروح رعاية للترتيب، فإنه إذا تيمّم بدلاً عن محلّ العذر، فإذا وجب إعادته خرج ذلك العضو عن أن يكون طهارته تامّة، فإذا أتمَّها (٢)، وجب إعادة غسل ما بعد ذلك العضو، كما لو أغفل لُمْعَةً من وَجْهِهِ وتنبَّهَ له بعد الفراغ من الوضوء يغسلها، وما بعد الوجه من الأعضاء.
ثم نعود إلى لفظه في الكتاب ونقول، لا يخفى أن قوله: "لم يعد الوضوء (٣) لكل صلاة" أراد الفريضة لا مطلق الصَّلاة، وهكذا هو في بعض النّسخ، وينبغي أن يعلم قوله: "لم يعد الوضوء" بالواو لما حكينا من الخلاف، ثم لك أن تقول قوله: "ولم يعد الوضوء"؟ إما أن يعني به أنه لا يعيد الوضوء بكماله، أي لا يستأنف، أو يعني به أنه لا يعيد شيئًا منه.
والأول صحيح، وجواب على الطَّريقة الثانية، إلا أن كلامه في "الوسيط" يبين أنه ما أراده، وإنما أراد المعنى الثَّاني؛ لأنه قال يجب إعادة التّيمم عند كل صلاة، ولا
стр. 226
يجب إعادة الغسل، ولا إعادة مسح الجَبِيْرَةِ، فنفى إعادة مطلق الغسل، لكن إرادة المعنى الثاني لا تحسن من وجهين:
أحدهما: أن يكون جواباً بالوجه الأول، الذي ذهب إليه ابن الحداد، وظاهر المذهب إنما هو الثاني.
والثاني: أن الشيخ أبا علي، والمعتبرين، قالوا: الخلاف في أنه هل يعيد شيئاً من الوضوء، أم لا؟ مبني على الخلاف الذي سبق في أن التَّيمم المضموم إلى الوضوء، هل يعتبر فيه التَّرتيب أم لا؟ فإن أوجبنا الترتيب أعاد هاهنا مع التَّيمم، غسل الأعضاء المترتِّبة على العضو المعلول، وإلا فلا، وإذا كان كذلك فصاحب الكتاب قد اختار، ثم وجه اعتبار الترتيب، وعبر عنه بالأعدل فلا يلائمه أن يقول هاهنا لا يعيد شيئاً من الوضوء أصلاً. والله أعلم.
ولو تطهر المعلول كما ذكرنا، ثم برأ، وهو على طهارته غسل موضع العُذْر جنبًا كان، أو محدثاً، ويغسل المحدث ما بعد العضو المعلول، أيضاً بلا خلاف رعاية للترتيب، وهل يجب استئناف الوضوء والغسل؟ فيه القولان كما في نزع الخف، فلو تحقق الانْدِمَالُ والبُرْءُ بعد الطهارة هو كما لو وجد العادم الماء بعد التَّيمم، فيبطل تيمُّمه، وغسل ذلك الموضع والاستئناف على ما ذكرنا، ولو توهَّمَ الانْدِمَال فرفع اللّصوق فإذا هو لم يندمل، لم يبطل تيمُّمه على أصح الوجهين بخلاف ما إذا توهَّمَ وجود الماء، يبطل تيمُّمه، وإن بان خلاف ما توهمه، لأن توهم الماء يوجب الطَّلب، وتوهم الانْدِمَال لا يوجب (١) البحث والطلب عنه، وإذا وجب الطلب بطل التّيمم، لأن التّيمم طهارة ضرورة، فلا صحة له إلا حيث يتمكن من الصَّلاَة وإذا وجب الطَّلب لم يتمكن من الصَّلاة، وتوقف إمام الحرمين في قول الأصحاب لا يجب الطلب عند توهُّم الانْدِمَال.
قال الغزالي:
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّة التَّيَمُّم
وَلَهُ سَبعَةُ أَركَان: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ) نَقْلُ التُّرَابِ إِلَى الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ فَلاَ يَكْفِي ضَرْبُ (ح) اليَدِ عَلَى حَجَرٍ صَلْدٍ، ثُمَّ لْيَكُن المَنْقُولُ تُرَابًا طَاهِراً خَالِصًا مُطْلَقاً فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ
стр. 227
بالأَعْفَرِ وَالأَسْوَدِ وَالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ وَالأَبْيَضِ وَهُوَ المَأْكُولُ وَالسَّبخ والبَطْحَاءِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ تُرَابٌ، وَلاَ يَجُوز الزَّرْنيخُ (ح) وَالِجَصُّ (ح) وَالنُّورَةُ (ح) والمَعَادنُ إذْ لاَ يُسَمَّي تُرَابًا وَلاَ يَجْوزُ التُّرَابُ النَّجِسُ وَالمَشُوبُ بِالزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً وَلاَ التُّرَابُ المُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ سُحَاقَةُ الخَزَفِ، وَفِي الطِّينِ المَشْوِيِّ المَأكُولِ تَرَدُّدٌ، وَيَجُوزُ بِالرَّمْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ.
قال الرافعي: جعل للتيمم سبعة أركان:
أحدها: نقل التراب إلى الوجه واليدين، وغرضه في هذا الفصل الكلام في التراب وما يعتبر فيه من الأوصاف، فأما الكلام في النقل وفي الوجه، واليدين، فهو مذكور فيما بعد من الأركان، وجملة ما اعتبره فيما يتيمم به أربعة أمور أن يكون ترابًا طاهراً خالصاً مطلقاً، أما كونه تراباً فلا بد منه، وبه قال أبو يوسف وأحمد؛ فلا يكفي ضرب اليد على حجر صَلْدٍ، لا غبار عليه، خلافاً لأبي حنيفة، ومحمد، حيث قالا: يجوز بكل ما هو من جنس الأرض، كالتراب، والرمل، والحجر، والزَّرْنيخِ، والكُحْلِ، ولا يشترط أن يكون على الحجر المضروب عليه غبار، ولمالك حيث قال: بمثل قولهما، وزاد يجوز بكل متصل بالأرض أيضاً، كالأشجار والزروع لنا قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، عن ابن عمر، وابن عباس (٢) ﵄:"أي تراباً طاهراً" وعن حذيفة ﵁ أن النَّبي ﷺ قال: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ، جعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا طَهُوراً" (٣) عدل إلى ذكر التراب بعد ذكر الأرض، ولولا اخْتِصَاص الطَّهورية بالتراب لقال: جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، ثم اسم التراب لا يختص ببعض الألوان، والأنواع، ويدخل فيه الأصفر وهو ما لا يخلص بياضه، والأصفر والأسود، ومنه طِيْنُ الدّواة والأحمر، ومنه طين الأرْمني الذي يؤكل تَدَاوِياً، والأبيض ومنه الذي يؤكل سَفَهًا، ويقال: إنه الخراساني، وَالسَّبخ وهو الذي لا ينبت دون الذي يعلوه مِلْحٌ، فإن الملح ليس بتراب، والبَطْحَاءُ وهو التُّراب الليل في سيل الماء، وكل ذلك يقع عليه اسم التراب كما يقع اسم الماء على المِلْحِ،
стр. 228
والعَذْب، والكَدَرِ، والصَفِيِّ، وسائر الأنواع، "وَقَد تَيَمَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتُرَابِ الْمَدِينَةِ، وَأَرضُها سَبْخَة" (١).
وقد روي أن الشَّافعي ﵁ قال في بعض المواضع في بيان ما لا يتيمم به: "ولا السَّبخُ ولا البَطْحَاءُ"، وليس ذلك باختلاف قول منه باتفاق الأصحاب، وإنما أراد به ما إذا كانا صَلْبَيْنِ لا غُبَار عليهما، فهما إذًا كالحجر الصّلب، ولو ضرب اليد على ثوب أو جدار، ونحوهما وارتفع غبار كفى فإنَّه تيمّم بالتراب.
وسئل القَاضِي الحُسَيْن (٢) عن تراب الأرضة (٣)، فقال: "ما أخرجته من الخَشَبِ لم يَجُزِ التيمم به، فإنه ليس بتراب، وإن أشبهه، وإن أخرجته من مَدَر جاز، ولا بأس باختلاطه بلعابها كالتُّراب المَعْجُونِ بالخَلِّ إذا جَفَّ يتيمَّم به، ولا يدخل تحت اسم التراب الزَّرْنيخِ، والنّورة، والجصّ، وسائر المعادن، فلا يجوز التَّيمُّم بها، وأغرب أبو
стр. 229
عبد الله الحناطي من أصحابنا، فحكى في جواز التيمم بالذّريرةِ، والنُّورَةِ، والزَّرْنِيخِ، قولين: وكذا في الأَحْجَارِ المدفوقة، والقوارير المَسْحُوقَةِ، وأشباهها، وأما الرَّمْل، فقد حكى عن نصه في "القديم" و"الإملاء" جواز التيمم به، وعن "الأم"، المنع واختلفوا فيه على طريقين:
أحدهما: قال صاحب "التلخيص"، أنه على قولين:
أحدهما: المنع كالحِجَارَةِ المدفوقة (١).
والثَّاني: الجواز، لأنه من جِنْسِ التراب، وعلى طبعه.
والثانية: هي الصحيحة، أنه ليس فيه اختلاف قول، والنَّصَّان محمولان على حالتين إن كان خَشِنًا لا يرتفع منه غبار، لم يكف ضرب اليد عليه، وهو المراد بالمنع، وإن كان يرتفع منه غبار يَعْلَقُ باليد، يجوز التيمم به، فإن ذلك المرتفع غبار، وهو المراد بالجواز، وأما كون المتيمم به طاهراً، فلا بد منه فلا يجوز التَّيمم بالتراب النجس، كما لا يجوز الوضوء بالماء النَّجس، والتُّراب النجس هو الذي أصابه مائع نجس، أما إذا اختلط به جامد نجس كأجْزَاء الرَّوْثِ، فلا مؤثر في أجزائه بالنَّجَاسة، لكن لا يجوز التَّيمم به أيضاً، لأنه إذا استعمله كان الواصل إلى بعض أجزائه تُراباً، وإلى بعضها رَوْثاً، والنجس لا يطهر، ولو تيمَّم بتراب المقابر التي عم فيها النَّبش، وغلب اختلاطُ صَدِيدِ المَوْتَى به، ففي جوازه قولاً (٢) تقابل الأصل، والغالب والظاهر (٣) كما تقدم.
وإن ضرب يده على ظهر كلب عليه تراب، فإن عرف إلتصاقه به في حالة الجَفَافِ جاز، وإن عرف إلتصاقه به في حال الرُّطُوبَةِ، أو علم أنه أصابه عرق (٤)، فلا، وإن تردد فيه فعلى القولين (٥)، وأما كونه خالصاً، فيخرج عن المَشُوب بالزَّعْفَران، والدَّقيق، ونحوهما، فإن كان الخَلِيطُ كَثيراً، لم يَجُزِ التيمم به، بلا خلاف، فإن الخليط الكثير يسلب طهورية الماء، مع قوته، فأولى أن يسلب هاهنا، وإن كان قليلاً فوجهان عن أبي إسحاق، وصاحب "التقريب" أنه لا يضرّ، كما في الماء، إلحاقاً (٦) بالمعدوم، وقال الأكثرون أنه يسلب طهوريته كالكثير بخلاف الماء، فإنه لطيف (٧) لا يمنعه الخليط عن السَّيلاَنَ، فيزيل جزء الدقيق في صَوْبِ جريانه، ويجري على مَوْضِعِهِ، وليس للتّرَاب
стр. 230
هذه القوة لكثافتِهِ، فالموضع الذي علق به الدقيق لا يصل إليه التراب، ثم بماذا نعتبر القلة والكثرة [ذكر إمام الحرمين أن المرعى أن يطهر الشيء الخليط ويرى فإن طهر لم يجز التيمم به، وإلا فيه الوجهان، ولم أر لغيره تعرضاً لذلك، بل اقتصروا على ذكر القلة والكثرة] (١) ولو اعتبرت الأوصاف الثلاثة كما في الماء لكان مسلكاً وأما كونه مطلقاً فقد قال إمام الحرمين: يتعلق به شيئان.
أحدهما: الكلام في التراب المستعمل، ونحن نذكر حكم المستعمل، ثم تعود إلى ما ذكر من التَّعلق بوصف الأطلاق واختلفوا في أن التراب المستعمل في التيمم، هل يجوز استعماله فيه ثانياً وثالثًا؟ على وجهين:
أصحهما: لا كما في الماء؛ لأنه تأدت به العبادة، واستبيح به الصلاة.
والثاني: نعم بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث، والتّراب لا يرفع، فلا يتأثر بالأستعمال، ثم الكلام في أن الملتصق من التراب بالوجه واليدين مستعمل حتى لا يجوز على الأصح أن يضرب الإنسان يده على وجه المتيمم ويده ليتيمّم بالغبار المأخوذ منه، وأما المتناثر فهل هو مستعمل حتى يعود فيه الخلاف المذكور؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن التراب كَثِيفٌ إذا علقت منه صفحة بالمَحلِّ، منعت التصاق غيرها به، وإذا لم يلتصق بالمحل فلا يؤثر، ولا يتأثر، بخلاف الماء، فإن صفحاته رقيقة لطيفة، فيلاقى المحل بجميعها.
وأصحهما: أنه مستعمل، كالمُتَقَاطر من الماء، لأن الملتصق والسَّاتر (٢) ما دام يمسح بتردّد من الموضع إلى الموضع، وَالفرض يسقط بالجميع، فهذا هو حكم المستعمل، والذي ذكره الإمام من تعلقة بوصف الإطلاق، فليس له وجه بين، لأن التّراب المستعمل موصوف بوصف الإطلاق، كما أنه موصوف بوصف الخَلُوص، وسائر الأوصاف التي هي معتبرة في المتيمم به، ألا ترى أن الإمام الغزالي -قدَّس الله روحه- استثنى الماء المستعمل من الماء المطلق في أول الكتاب، ولولا كون المستعمل مطلقاً لما انتظم الاستثناء، نعم من قال: لا يجوز التيمم بالمستعمل، اعتبر سوى الأوصاف الأربعة شرطاً آخر، وهو أَلاَّ يكون مستعملاً، ومن جوز التيمم به اكتفى بالأوصاف الأربعة، ومعلوم أن هذا الكلام لا اختصاص له بقيد الإطلاق.
الثاني: قال: إن سحَاقَةِ الخَزَفِ أصلها تراب، ولكنها لا تسمى تراباً مطلقاً، فلا يجوز التيمم بها، وتابعه صاحب الكتاب، فجعل وصف الإطلاق احترازًا عن السّحَاقَةِ، وذكره في "الوسيط" ولك أن تقول التراب المطلق وغير المطلق يشتركان في مسمَّى
стр. 231
التّراب، وسحَاقَة الخَزَفِ لا تسمى ترابًا أصلاً، لا مطلقاً، ولا غير مطلق، فهي خارجة عن اسم التراب، ولا حاجة إلى هذا القيد، يوضح ذلك أنه حكى عن نص الشافعي ﵁ في الأم أنه قال: إن دق الخزف ناعماً، لم يَجُزِ التَّيمم به، لأن الطَّبخ أحاله عن أن يقع عليه اسم التراب، ولو أحرق التراب حتى صار رماداً، فكذلك لا يجوز التَّيمم ولو شوى الطّين المأكول، وسحقه، ففي جواز التيمم به وجهان:
أحدهما: لا يجوز كالخزف والآجِرِ المَسْحُوقَيْنِ.
والثاني: يجوز [وهو الأظهر] (١) لأن اسم التراب لا يبطل بمجرد الشيء، بخلاف طبخ الخَزَفِ والآجر، فإنه يسلب اسم التراب، ويجعله جنساً آخر، ولو أصاب التراب ناراً، فاسود ولم يحرق، بحيث يسمى رَمَاداً، فعلى هذين الوجهين.
ونختم الفصل بالتَّنْصِيصِ على المواضع المستحقّة من لفظ الكتاب المرقوم المشيرة إلى ما حكينا من الاختلافات.
فنقول ينبغي أن يعلم قوله: "فلا يكفي ضرب اليدين على حجر صَلْدٍ" بالحاء والميم، وكذا لفظ: "التراب" في قوله: "ليكن المنقول ترابًا طاهراً" أو قوله: "ولا يجوز الزرنيخ" إلى آخره بهما بالواو، لما رواه الحناطي، وقوله: "وإن كان قليلاً" بالواو [وكذا "سحَاقَةُ الخزف" لما رواه الحناطي، وقوله: "ويجوز بالرَّمل" بالواو.
قال الغزالي: (الثَّاني) القَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ فَلَوْ تَعَرَّضَ لِمَهَابَّ الرِّيَاحِ لَمْ يَكْفِ، وَلَوْ يَمَمَّهُ غَيْرُه بِإِذْنِهِ وَهوَ عَاجِزٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَادِراً فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: القصد إلى التراب معتبر، واحتجوا عليه بقّوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ (٢) أمرنا بالتيمم، والمَسْح، والتيمم هو القصد، فلو وقف في مَهَبِّ الريح فسفت عليه التراب فأمر اليد عليه، نظر إن وقف غيرنا، وثم لما حصل التراب عليه نوى التيمم لم يصح تيممه، وإن وقف قاصداً بوقوفه التيمم حتى أصابه التراب فمسحه بيده، فظاهر نص الشّافعي ﵁، وقول أكثر الأصحاب أنه لا يصح تيممه؛ لأنه لم يقصد التراب، وإنما التراب أتاه.
وعن أبي حامد المروروذي (٣) -قدس الله روحه- أنه لا يصح، كما لو جلس في
стр. 232
الوضوء تحت المِيْزَابِ، أو برز لِلْمَطَرِ، وذكره صاحب "التقريب"، وبه قال الحليمي، والقاضي أبو الطيب، وحكاه القاضي أبو القاسم بن كج، عن نص الشافعي ﵁، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن لفظ الكتاب في المسألة يجوز أن يراد به الصورة الأولى ويجوز أن يراد به الثانية، أو المشترك بينهما، وعلى هذا يكون نفي الجواز جواباً على أظهر الوجهين، والظاهر الاحتمال الثاني؛ لأنه حكى الخلاف في "الوسيط"، ولا خلاف في الصورة الأولى، وإذا كان كذلك فليكن قوله: "لم يكف" مُعْلَمًا بالواو.
ولو يممه (١) غيره نظر إن كان بغير إذنه فهو كالتَّعرض لمهب الريح، وإن كان بإذنه نظر إن كان عاجزاً عن المُبَاشَرَةِ بنفسه لقطع أو مرض جاز، بل يجب عليه ذلك، إذا وجد غيره، وإن كان قادراً فوجهان:
قال صاحب "التلخيص": لا يجوز كما في مسألة الريح؛ لأنه مأمور بقصد التراب، ولم يقصد.
والأظهر الجواز إقامة لفعل نائبه مقام فعله، ويحكى ذلك عن نصه في الأم.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) النَّقْلُ فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ ترَابٌ فَرَدَّدَهُ بِالْمَسْحِ لَمْ يَجُزْ إِذْ لاَ نَقْلَ فَإِنْ نَقَلَ مِنْ سَائِرِ أَعْضَائِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ، وَإِنْ نَقَلَ مِنْ يَدِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ مَعَكَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: نقل التراب الممسوح به إلى العضو ركن في التَّيمم، واحتجوا عليه بأن الله تعالى أمر بالتَّيمم، وهو القصد، وإنَّما يكون قاصداً إذا نقل التراب إلى المحلّ الممسوح، وغير هذا الاستدلال أوضح منه، وجملة المذهب في النقل أن التراب المسوح به (٢) إما أن [يكون على العضو] (٣) الممسوح، أو يُنْقَل إليه من غيره، فإن كان عليه بأن كانت الريح قد سَفَتْه عليه من غير قصد منه إلى التيمم، أو بسبب آخر فردده عليه من جانب إلى جانب، ومسحه لم يَجُزْ؛ لأنه لم ينقل، ولو أخذ (٤) منه ورده إليه ومسحه به جاز على أصح الوجهين؛ لأنه بالانفصال انقطع حكم ذلك العضو عنه، وإن
стр. 233
نقله إلى العضو الممسوح من غيره، نظر إن نقله من عضو ليس هو محل التّيمم (١)، فيجوز، كما لو نقله من الأرض، أو من بدن غيره، وهذا ما أراد بقوله: "وإن نقله من سائر أعضائه" وإن نقله من يده إلى وجهه أو بالعكس، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه منقول من محل الفرض فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، أو من الساعد إلى الكتف.
وأظهرهما: يجوز (٢)، لأنه منقول من غير العضو الممسوح به فصار كالمنقول من الرَّأسِ والظَّهر، وهذا في غير تُرَاب التَّيمم، فأما لو مسح وجهه بتُرَاب كثير، ثم أخذه ليمسح به اليد زاد النَّظر في استعمال المستعمل وقد سبق ذلك، وَلو تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه بهذا الطريق، نظر إن كان معذوراً جاز نص عليه، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التّيمم إنما نقل العضو إليه، وادعى المسعودي أن هذا ظاهر المذهب.
وأصحهما: عند الأكثرين الجواز، لأن القَصْدَ إلى التراب قد تحقق بهذا الطريق، وهو المطلوب، ولو سَفَتِ الريح تراباً على كمه، فمسح به وجهه جاز على أصح الوجهين، وكذا لو أخذ التّراب من الهواء للمسح (٣) حالة إثارة الرِّيح إياه.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ فَلَوْ نُوَي رَفْعَ الحَدَثِ لَمْ يَجُزْ، وَأَكْمَلُهُ أنْ يَنْوِيَ استِبَاحَةَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعًا أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مُطْلقًا فَتَكْفِيهِ (و) فَلَوْ نَويَ اسْتِبَاحَةَ الفَرْضِ جَازَ النَّقْلَ أَيضًا بالتَّبَعَيِة عَلىَ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي جَوَازِهِ عدَ وَقْتِ تِلْكَ الفَرِيضَةِ أَوْ قَبْلَ فِعْلِهَا خِلاَفٌ مَشْهُورٌ، وَلَوْ نَوَى النَّفْلَ فَفِي جَوَازِ الفَرْضِ بِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ مُنِعَ فَفِي جَوَازِ النَّفْلِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلِ كَالتَّابعِ فَلاَ يُفْرَدُ، وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِفَرْضِ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: النِّيَّةُ واجبة في التيمُّمِ، قال ﷺ : "لَيْسَ لِلمَرْءِ مِنْ عَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ" (٤)، وقد ذكرناه في صحَّة الوضوء إذا نوى أحد أمور ثلاثة، فبين في التيمُّم حكمها الأول رفع الحدث، وهل يجوز التيمم بهذه النية؟ فيه وجهان:
стр. 234
أحدهما: نعم؛ لأن التَّيمم يرفع الحدث في حقِّ الفريضة الواحدة، والنوافل؛ لأنها مستباحة به، وقد قال ﷺ : "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" (١) ولأن رفع الحدث يتضمن اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةَ، فقصد رفع الحدث يتضمن قصد الاستباحة، ويحكى هذا الوجه عن ابن سريح، وجعله ابن خيران قولاً للشافعي ﵁، وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يجوز؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنه ﷺ قال لعمرو بن العاص وقد تيمم للجنابة من شدة البرد: "يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقَالَ عَمرُو: إِنِّي سَمِعْتُ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (٢)﴾ ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ شَيْئاً" (٤) سمَّاه جنباً بعد التَّيمُّم؛ ولأنه لو رفع الحدث (٥) لما بطل، إلا بعروض الحدث، ولما تأثر برؤية الماء، وإذا لم يرفع الحدث لم يجز التّيمم بصحة بنية رفعه، كما لو قصد شيئاً آخر لا يفيده التّيمم، ولو تيمم الجنب بنية رفع الجنابة، فهو على هذا الخلاف.
الثاني: استباحة الصلاة وغيرها مما لا يباح إلا بالطَّهارة، وإذا تيمم بنية استباحة الصلاة مثلاً، فله أربعة أحوال:
أحدها: أن يقصد استباحة نوعيها الفرض والنفل، وأخطرهما بالبال فيصح تيممه، لأنه قد تعرض لمقصود التّيمم، وتباح له الفريضة بهذا التّيمم، وكذلك النافلة قبل الفريضة وبعدها، حكى عن نصه في رواية البويطي، وفي وجه ليس له التنفل بعد خروج وقت الفريضة، وإنما يخرج هذا الوجه إذا كانت الفريضة المَنْوِيِّة معينة، وهل يشترط تعينها بصفاتها أم يكفي نية مطلق الفريضة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يشترط، ويروى ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة (٦)، وبه قال أبو القاسم الصيمري، واختاره الشيخ أبو علي؛ لأنه لا بد من نية الفريضة ليستبيحها، فلا بد من تعيُّنِهَا، ألا ترى أن في نيَّةِ الصلاة لما وجب التَّعرض للفريضة وجب تعينها.
стр. 235
وأصحهما: عند الأكثرين أنه لا يشترط؛ لأنه لا يحتاج (في الطهارة) إلى تعيين الحدث الذي ينوي رفعه فكذلك لا يحتاج إلى تعين ما ينوى استباحته، وعلى هذا إذا أطلق صلّى أية فريضة شاء، ولو عين واحدة جاز له أن يصلِّي غيرها.
الحالة الثانية: أن ينوي الفريضة، ولا تخطر له النَّافلة فتباح الفريضة له بشرط التعيين، أو دونه كما سبق، لأنه نَوَاها، وللمرء من عمله ما نواه، وحكم المَنْذُورَةِ حكم المكتوبات الخمس، وإذا استباح الفريضة بهذا التّيمم فهل له أن يتنفَّلَ به قبل فعل الفريضة، فيه قولان:
أصحهما: نعم؛ لأن النَّوافل تبع الفرائض، فإذا صلحت طهارته للفريضة التي هي الأصل فللنوافل أولى.
والثاني: لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النوافل تؤدي بالتيمم تبعاً للفرائض، فإنها طهارة ضرورة، ولا ضرورة في الإتيان بالنَّوافل، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وهل ينتفل بعد الفريضة؟ فيه طريقان:
أصحهما: القطع أنه ينتفل، لأنه إذا قدم الفريضة فقد حافظ على قضيَّة التَّبعية، وهي تقديم المتبوع وتأخير التَّابع.
والثاني: وهو اختيار القفال، وفيما حكاه الشَّيخ أبو محمد طرد القولين، ووجه المنع أنه لم يَنْوِ غير الفريضة، فلا يباح له غيرها، فإن جوَّزنا له التَّنَفُّلَ بعد الفريضة بذلك ما دام وقت الفريضة باقياً إن عينها، فإذا خرج فهل يَجُوزُ له أن يَتَنَفَّلَ بذلك التيمّم، فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، لأنه إذا جاز له التنفل وجب ألا يفترق الحال فيه بين ما قبل انقضاء الوقت، وما بعده، كما في الوضوء.
والثاني: لأنقطاع التَّبعية بانقضاء الوقت ومن قال بالطريقة الثانية في أنه هل يتنفل بعد الفريضة وطرد القولين انتظم منه أن يقول إذا تيمم للفرض، فهل له أن يتنفل؟ فيه قولان، إن قلنا: نعم، فذلك بعد فعل الفريضة، وقبل خروج وقته، أما قبل فعله، فهل له ذلك؟ قولان وبعد خروج الوقت وجهان، وكلام صاحب الكتاب إلى هذا الإيراد أقرب، فقوله: "جاز النفل أيضاً بالتبعية على الصحيح" أي من القولين وقوله: "خلاف مشهور" يعني به قولين فيما قبل فعل الفريضة، ووجهين فيما بعد وقتها، وهذا كله فيما إذا لم يقصد عدداً من الفرض، بل قصد نوع الفرض أو فريضة واحدة، أما إذا تيمم لفائتتين، أو منذورتين، فهل يصح تيممه، فيه وجهان:
أصحهما: نعم، لأنه نوى للواحدة وزاد فلغت الزيادة وعمل الأصل.
стр. 236
والثاني: لا، لأنه نوى ما لا يباح بالتيمم الواحد ففسدت نيته، وصار كما لو لم ينو أصلاً، وقرب إمام الحرمين الوجهين ههنا من الوجهين فيما إذا نوى المتوضئ استباحة صلاة دون غيرها، لأنه يقتصر النية على الصلاة الواحدة مخالف حكم الوضوء، كما أن المتيمم بنية الزيادة مخالف حكمه، وإذا عين فريضة فيشترط أن تكون عليه حتى لو تيمم لفائته ظنها عليه، ولم تكن عليه فائتة أصلاً، أو تيمم لفائتة ظهر ثم بان أن التي عليه عصر، لم يصح تيممه، لأن استباحة الفريضة لازمة، وإن لم يجب التعيين وإن عين وأخطأ لم يصح كما إذا عين الإمام في الصلاة وأخطأ بخلاف مثله في الوضوء، لأن نية الاستباحة غير لازمة في الوضوء من أصلها، فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلى اليوم وأخطأ (١).
الحالة الثالثة: أن ينوي النفل، ولم يخطر له الفرض، فهل يباح له الفرض بهذا التيمم؟ فيه قولان:
أصحهما: لا، لأن الفرض هو الأصل، والنفل تبع فلا يجعل المتبوع تابعاً.
والثاني: نعم، لأنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة، وعن أبي الحسين بن القطان أنه لا يختلف القول في أنه لا يباح الفرض به، فهذا طريق آخر جازم، فإن قلنا: يباح له الفريضة فالنافلة أولى، وإن قلنا: لا تباح الفريضة ففي النافلة وجهان:
أصحهما: أنها تباح، لأنه نواها بطهارته، والتيمم صالح للفرض إذا نواه فللنفل أولى.
والثاني: لا يباح، لأن النفل تابع، والتيمم طهارة ضرورة، فلا يجعل مقصداً به، ومن قال بهذا الوجه فقد قال بأن هذا التّيمم لا يصح أصلاً، ولو نوى بتيممه حمل المصحف، أو سجود التلاوة، أو الشكر، أو نوى الجنب الاعتكاف، وقراءة القرآن، فهو كما لو نوى بتيممه صلاة النفل، ففي جواز الفريضة له قولان، وإذا منعنا ففي جواز ما نواه وجهان، ولو تيمم لصلاة الجنازة فهو كما لو تيمم للنافلة على أظهر الوجهين؛ لأنها وإن تعيَّنت عليه فهي كالنَّافلة (٢) من حيث إنها لا تنحصر، وهي غير متوجّهة نحوه على التَّعيين، ويتصور سُقُوطها بفعل الغير بخلاف المكتوبات، ولو نوت الحائض استباحة الوطء، صح تيممها على أصح الوجهين؛ لأنه مما يفتقر إلى الطَّهَارة لكنه يكون كالتَّيمم للنَّافلة.
стр. 237
الحالة الرابعة: أن يقصد نفس الصلاة من غير تعرض للفرض والنفل، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كما لو نوى الفرض، والنَّفل جميعاً، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: أو استباحة الصَّلاَة مطلقًا فيكفيه، وهو قياس قول الحليمي فيما حكاه أبو الحسن العبادي، وقطع به إمام الحرمين ﵏؛ لأن الصَّلاةَ اسم جنس يتناول الفرض والنَّفل جميعاً، فأشبه ما لو تعرَّض لهما في نِيَّتهِ.
والثاني: أنه كما لو نوى النفل وحده؛ لأن مطلق اسم الصَّلاة محمول عليه، والفرض يحتاج إلى تخصيصه بالنية، ألا ترى أنه لو لم تحرم الصلاة مطلقاً انعقدت صلاته نفلاً، وهذا الوجه أظهر، ولم يذكر أصحابنا العراقيون غيره، وهو المنقول عن القَفَّال، فهذا تمام الأحوال الأربع، وهي بأسرها مذكورة في الكتاب (١).
الأمر الثالث: لو نوى فريضة التَّيمم، أو إقامة التَّيمم المفروض، ففيه وجهان:
أحدهما: يصح تيمّمه كما يصح الوضوء بهذه النّية.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن التَّيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يصلح مقصداً بخلاف الوضوء، ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التّيمم.
واعلم أنه كما لا يجوز أن تتأخر النية في الوضوء عن أول فعل مفروض كذلك لا يجوز في التّيمم (٢). وأوّل أفعاله المفروضة نقل التراب، ولو قارنته النّية، وعزبت قبل مسح شيء من الوجه، فهل يجوز؟ وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء، وعزبت بعده.
وأظهرهما: وهو الَّذِي ذكره في التَّهذيب، أنه لا يجوز، لأن النَّفل وإن كان واجباً إلا أنه ليس بِرُكْنٍ مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه في الوضوء، ولو تقدمت النّية على أول فعل مفروض فهو كمثله في الوضوء.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) أَنْ يَسْتَوعِبَ (ح) وَجْهَهُ بَالْمَسْحِ وَلاَ يَلْزَمُهُ إِيصالُ التُّرَابِ اِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ خَفَّتْ.
قال الرافعي: [قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)(٤)] يجب استيعاب الوجه بالمسح بالتراب خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الرُّبع، حكاه الصَّيدلاني من أصحابنا وعن أبي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه إذا مسح أكثر وجهه أَجْزَأَهُ.
стр. 238
لنا ما روي أنه ﷺ : "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" (١)، ومن لم يستوعب صح أن يقال ما مسح وجهه، إنما مسح بعض الوجه، وأيضاً فإنه عضو وهو محل الفرض في الطَّهَارتين يجب استيعابه في الوضوء، فيجب في التَّيمم، ولا يجب إيصال التراب إلى مَنَابتِ الشُّعور خفيفة كانت، أو كثيفة، عامة كانت أو نادرة، كِلِحْيَةِ المرأة؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ : "تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ" (٢)، وَبالضَّربة الواحدة لا يصل التراب إلى مَنَابِتِ الشّعور.
وفيه وجه أنه يجب إيصال التُّراب إلى ما تحت الشعور [التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاء للبدل حكم الأصل، والفرق ظاهر لِعُسْرِ إيصال التراب إلى منابت الشعور] (٣) وهل يجب مسح ظاهر المسترسل من اللّحية الخارج عن حد الوجه؟ فيه قولان، كما في الوضوء.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) مَسْحُ اليَدَيْنِ اِلَى المِرْفَقَيْنِ (م) فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِوَجْهِهِ وَلاَ يَنْزعُ خَاتَمَهُ وَلاَ يُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزغُ وَيُفَرِّجُ فِي الضَّرَبةِ الثَّانِيَةِ وَيمْسَحَ اِلَى المِرْفَقَيْنِ وَلاَ يُغْفِلُ شَيْئاً.
قال الرافعي: يجب استيعاب اليدين إلى المِرْفَقَيْنِ وبالمسح في التَّيمم، كما يجب الاستيعاب بالغسل في الوضوء لما روى أنه ﷺ : "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ" (٤) والذِّراع اسم لِلسَّاعد إلى المرفق وروى أنه ﷺ قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَربَةٌ لِلْوَجْهِ،
стр. 239
وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" (١).
وقال مالك وأحمد: يمسح يده إلى الكُوَعَيْنِ، لما روى أنه ﷺ قال لعمار: "يَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ" (٢). ونقل مثل هذا عن "القديم" للشافعي ﵁ وأنكر الشيخ أبو حامد (٣) وطائفة، ذلك، وسواء ثبت أم لا، فالمذهب الأول، واعلم أنه قد تكرر لفظ الضَّرْبَتَيْنِ في الأخبار، فجرى طائفة من الأصحاب على الظاهر وقالوا: لا يجوز أن ينقص منهما، ويجوز أن يزيد فقد لا يتأتى له الاستيعاب بالضربتين.
وقال آخرون: الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، سواء كان بضربة، أو أكثر، وهذا أصح، نعم يستحب ألاَّ يزيد، ولا ينقص، وحكى القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا أنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، والمشهور الأول (٤) وصورة الضرب غير معيَّنة، بل لو كان التراب ناعماً فوضع اليد عليه وعلق الغُبَار بيده كفى، ثم إذا أخذ التراب بدأ في مسح الوجه بأعلاه، ومسح اليدين بأن يضع أصابع يده اليسرى سوى الإبهام على ظهور الأصابع (٥) اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أَنَامِلُ اليُمْنَى عَنْ مسْبَحَةِ اليُسْرَى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغت الكُوعَ ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بَطْنِ الذِّراع، فيمرها عليه، وإبهامه منصوبة، فإذا بلغ الكوع مسح إبهامه ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع أصابع اليمنى على اليسرى، فيمسحها كذلك، وهذه الكيفية محبوبة على المشهور، وقد زعم بعضهم أنها منقولة من فعل رسول الله ﷺ ، وقال الصيدلاني: إنها غير واجبة، ولا سنة، وهو قضية كلام أكثر الشَّارحين للمختصر. قالوا: إنما ذكر الشّافعي ﵁ هذه الكيفية رداً على مالك ﵁، حيث قال: بالضَّرْبة الواحدة لا يتأتى المسح إلى المرفقين، وهذا يشعر بأنها غير محبوبة، ولا مقصودة في نفسها، وهل يفرق أصابعه في الضربتين؟.
أما في الثَّانية فنعم، وأما في الأولى فقد روى المازني التَّفريق أيضاً، واختلف
стр. 240
الأصحاب فيه، فغلطه قوم، منهم القفال. وقالوا: لا يفرق في الضربة الأولى؛ لأنها لمسح الوجه، ولا يمسح الوجه بما بين الأصابع، وما لم يمسح الوجه لا يدخل وقت مسح اليدين، حتى يقدر الاحْتِسَاب به على اليدين، فلا فائدة في التفريق.
وأما في الضربة الثانية دخل وقت مسح اليدين فيفرق حتى يستغنى عن إيصال التُّراب إليها مما على الكَفِّ، وصوّبه آخرون، وقالوا: فائدته زيادة تأثير الضرب في إثارة الغُبَارِ لاختلاف موضع الأصابع إذا كانت مفرقة، وهذا أصح، أما القائلون بالأول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يفرق في الضربة الأولى؟.
فقال الأكثرون: نعم إذ ليس فيه إلا حُصُول تراب غير مستعمل بين أصابِعِهِ فإن لم يفرق في الضَّرْبة الثَّانية كفاه هذا التُّراب لها، وإن فرق حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل بين أصابعه فيقع المجموع عن الفرض، وقال الأقلون، ومنهم القَفَّال: لا يجوز ذلك، ولا يصح تيمُّمه لو فعل؛ لأن فرض ما بين الأصابع لا يتأتى بالضَّربة الأولى، لوجوب التَّرتيب، وحصول ذلك الغُبَار، ولمنع وصول الثاني ولصوقه بالمحل.
ومن قال بالأول قال: الغبار الأول لا يمنع وصول الثاني، أو لا يمنع الوصول المعتبر، ولهذا لو غشيه غبار في تَقَلُّبهِ في السَّفَرِ، ثم تيمَّم، يصح تيممه، ولا يكلف نفض التراب أولاً، ثم إذا فرق في الضَّربتين وجوزنا ذلك، أو فرق في الضَّربة الثَّانية وحدها، فيستحب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين على الهيئة المذكورة احتياطاً، ولو لم يفرق فيهما، أو فرق في الأولى وحدها، وجب التخليل [آخرًا؛ لأن] (١) ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به، ثم يمسح بعد ذلك إحدى الرَّاحلتين بالأخرى، وهو واجب، أو مُسْتَحَبٌّ فيه خلاف مبني على أن فرض الكفين هل يتأتَّى بضربهما على التُّراب، أم لا؟ وفيه وجهان:
منهم من قال لا؛ لأنه لو تأدَّى فرضهما حينئذ لما صلح الغبار الحاصل عليهما لموضع آخر؛ لأنه يصير بالانفصال عنه مستعملاً، ومنهم من قال وهو الأصح: نعم؛ لأنه وصل الطّهور إلى محل الطَّهَارة بعد النِّيّة، ودخول وقت طهارة ذلك المحلّ، فعلى هذا المسح آخراً مستحب وعلى الأول (٢) هو واجب، هذا ما يتعلّق بهذه الهيئة.
والقدر الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، كيف ما كان، ولا يشترط أن يكون المسح باليد؛ بل لو مسح وجهه بِخِرْقَةٍ أو خشبة عليها تراب جاز، ولا يشترط الإمرار على أصح الوجهين كما ذكرنا في مسح الرأس، ولا يشترط أيضاً أَلاَّ يرفع عن العضو الممسوح حتى يستوعبه في أصح الوجهين:
стр. 241
والثَّاني: يشترط؛ لأن التراب الباقي بالفصل يصير مستعملاً، فلا يصح تيمُّمه بالمردود حتى يأخذ ترابًا جديداً، ومن قال بالأول أجاب بأنا إذا قلنا: إن المستعمل هو اللاَّصق بالعضو، والباقي غير مستعمل بحال.
وإن قلنا: إن المتنافر مستعمل قائماً يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية، وأعرض المتيمم عنه؛ لأن في إيصال التراب إلى الأعضاء عسراً سِيَّماً مع رعاية الاقْتِصَارِ على الضَّرْبَتَيْنِ، فيعذر في رفع اليد وردها، كما يعذر في التَّقَاذُفِ الَّذي يغلب في الماء، ولا يحكم باستعمال المتقاذف -والله أعلم-.
ونعود إلى لفظ الكتاب في نَزْعِ الخَاتِمِ، وَتَفْرِيجِ الأصَابع.
قال: "فيضرب ضربة واحدة لوجهه، ولا ينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، وقد يوجد في بعض النسخ: "وينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، فعلى الأول المراد أنه لا يجب نَزْعُ الخاتم؛ لأن المقصود من الضربة الأولى مسح الوجه دون اليدين، وقد ذكرنا أن المَسْحَ لو كان بخرقة، ونحوها، جاز فعليه مَسْحُ بعض الوجه بما على الخاتم، وليس المراد أنه لا يجوز النَّزْع (١)، فإنه لا صائر إليه ولا وجه له بل يستحبُّ النزع ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعاً للسّنة.
وقوله: "ولا يفرج أصابعه"، يمكن أن يراد به أنه لا يجوز التَّفرِيجُ ذهاباً إلى ما صار إليه القَفَّال، ومن وافقه، لكنه لم يرد ذلك، لأنه نقل كلام القَفَّال في "الوسيط" واستبعده، وإنما أراد أنه لا يجب التَّفريج، وأنه لا يستحب، أو أنه يستحب ألا يفرج، فإن أراد الاحتمال الأول فلا كلام فيه، وإن أراد غيره فليكن مُعْلَمًا بالواو لما ذكرنا من رواية المازني، وتصحيح الأصحاب لها، وبينا أنه ظاهر المذهب، وأما من روى في الكتاب "وينزع خاتمه"، فذلك ظاهر، والمراد الاستحباب على ما سبق.
قال الغزالي: (السَّابعُ) التَّرْتِيبُ كَمَا فِي الوُضُوءِ.
قال الرافعي: التَّرتِيبُ مُعْتَبَرٌ بين الوجه واليدين، كما في الوضوء، وتركه ناسياً حكمه على ما سبق في الوضوء، ولا يشترط الترتيب في أخذ التُّرَاب للعضوين على أصح الوجهين، حتى لو ضرب يديه على الأرض معاً وتمكن من مسح الوجه بيمينه، ومن مسح يمينه بيساره جاز؛ لأن الركن الأصلي هو المسح، وأخذ التراب ونقله وسيلة إليه، فلا يعتبر فيه ترتيب.
"خاتمتان":
стр. 242
إحداهما: قال جماعة من الأصحاب: أركان التَّيمم وفروضه خمسة، وحذفوا الركن الأول والثاني من السَّبعة التي عدها في الكتاب، والذي فعلوه أولى.
أما الركن الأول، فلأنه ما ساقه إلا للكلام في التراب المتيمم به، ولو حسن عد التُراب ركناَ في التَّيمم؛ لحسن عد الماء ركناً في الوضوء، والغسل.
وأما الركن الثاني، فلأن القصد داخل في النفل، فإنه إذا نقل التراب على الوجه الذي سبق، وقد نوى التيمم كان قاصداً إلى التُّراب لا محالة، وحذف بعضهم النفل أيضاً فاقتصر على أربعة والأكثرون عدوه ركناً، وبنوا عليه أنه لو أحدث بعد أخذ التُّرَاب، وقبل أن يمسح به الوجه يبطل ما فعله، وعليه الأخذ ثانياً، كما لو غسل في الوضوء وجهه، ثم أحدث، بخلاف ما إذا أخذ كفاً من الماء، ليغسل بها وجهه، فأحدث، ثم غسل الوجه، جاز؛ لأن القصد إلى الماء، ونقله لا يجب، وقياس ذلك أنه لا يضر عذوب النيّة بعد اقترانها بأخذ التراب، وهو وجه قدمناه.
لكن الأصح أنه لا بد من الاستصحاب إلى مسح بعض الوجه لما سبق، وإذا يممه غيره بإذنه، وهو عاجز أو قادر، وجوزناه، وأحدث أحدهما بعد الضرب، وأْخذ التراب، وقبل المسح، فقد ذكر القاضي في فتاويه أنه لا يضر ذلك؛ لأن الأذن لا يأخذ (١) حتى يبطل بحدثه، وحدث المأذون لا يؤثر في طهارة غيره، وهذا مشكل، بل ينبغي أن يبطل الأخذ بحدث الإذن، كما لو كان يتيمَّم بنفسه، ولهذا لو أحدث بعد مسح الوجه يبطل، ولا نقول إنه لم يمسح حتى يبطل بحدثه، ولو ضرب يده على بَشْرَةِ امرأة أجنبية عليها تراب، فإن كان كثيراً يمنع تلاقي البشرتين فلا بأس، وإن كان قليلاً لا يجوز، لأن اللمس حدث، والحدث إذا قارن فعل الطهارة منع الاعتداد به، وفرق في التَّتمة بين أن يضرب اليد عليها في الضَّرْبَةِ الأولى، أو في الثانية، وقال: الأخذ للوجه صحيح، فإذا ضرب اليد عليها في المرّة الثانية بطل مسح الوجه، لأنه حدث طرأ في أثناء التَّيمم، والأول هو الوجه، فإن النفل من الأركان، فمقارنة الحدث له، كمقارنته لغسل الوجه في الوضوء، وهكذا أطلق القاضي في الفتاوى، وزاد بعضهم في الأركان طلب الماء وليس ذلك من نفس التيمم، فان المريض يتيمم كالمسافر، والطلب مخصوص بالمسافر، وما يختص به بعض المتيممين لا يكون من نفس مطلق التَّيمم.
الثانية: لم يفرد في الكتاب السُّنن بالذكر كما فعل في الوضوء وللتيمم سنن منها ما صار مذكوراً في كيفية مسح الوجه واليدين، ومنها التَّسْمِية، وتقديم اليمنى على اليسرى، ومنها إمرار التُّرَابِ على العضد، ذكره في التَّهذيب وغيره أنه مستحب، ونازع
стр. 243
بعضهم فيه، ومنها المُوَالاَةَ، وفيها قولان، كما في الوضوء، ويعتبر هاهنا مدة الجَفَافِ لو كان المستعمل ماء، هذا إذا اعتبرنا، ثم الجفاف.
وحكى أبو عبد الله الحناطي هاهنا طريقة أخرى جازمة بأنها لا تشترط في التَّيمم.
وذكر القاضي ابن كج طريقة ثالثة جازمة بالاشتراط.
ومنها تخفيف التُّراب المأخوذ إذا كان كثيراً بنفض اليدين.
ومنها أَلاَّ يرفع اليد عن العضو الممسوح حتى يتم مسحه، ومنها إلاَّ يُكَرِّرَ المسح، وفيه وجه ضعيف (١).
قال الغزالي:
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أحْكَامِ التَّيَمُّمِ
وَهِيَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوع فِي الصَّلاَةِ وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ (ح ز) بَعْدَ الشُّرُوع فِيهَا وَتَبْطُلُ بِظَنِّ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَكِنَّ المُصَلِّيَ إِذَا رَأَى المَاءَ، فَالأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلاً عَلَى وَجْهٍ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وَجْهٍ، وأنْ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهٍ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الوُضُوءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلزَمُهُ المُضِيُّ وَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كانَ فِي نَافِلَةٍ بَطُلَتْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنَ الخُرُوجِ وَهُوَ بَعِيدٌ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي رَكْعَاتِ النَّافِلَةِ فَفِى جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنَّ هذا الباب مسوق لبيان فائدة التَّيمم، وهي التي تباح به، فتكلَّم في ثلاثة أمور: في أنه إلى ما أبيح؟ وفي أنه ماذا يبيح؟ وفي أن ما يبيحه إذا أتى به هل يستغني عن القضاء، أم لا؟.
стр. 244
أما الأوَّلُ فَلاَ شَكَّ في أن التَّيمم يبطل بعروض الحدث، كالوضوء، ويختصُّ هو بالبطلان بعروض القدرة على استعمال الماء، فجعل كلام الحكم الأول فيه.
واعلم أن التَّيَمُّمَ على قسمين:
أحدهما: ما يرخص فيه مع وجدان الماء، كتيمُّم المريض.
والثاني: ما يكون بسبب إِعْوَازِ الماء، أو الحاجة إليه أو الخوف من الاسْتِقَاءِ، وما أشبه ذلك.
فالأول لا يتأثر برؤية الماء، وطلوع الرَّكْبِ بحال.
وأمَّا الثَّاني: فيتأثَرُ بذلك، وجملته أن ننظر إن رأْى الماء خارج الصَّلاَةِ، يبطل تيمُّمه لما روى أنه ﷺ قال لأبي ذَرٍّ ﵁: "إِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ" (١)، وكذا لو لم يتيقّن الظّفر بالماء، لكن ظنه كما لو طلع عليه ركب، أو أَطْبَقَتْ بِالقُربِ منه غَمَامَةٌ أو توهمه كما إذا تخيَّلَ سَرَاباً ماء؛ لأنه يجب عليه الطَّلب عند حدوث هذه العَوَارِض، وقد ذكرنا أنه إذا وجب الطَّلَبُ بطل التيمم، وإنما يبطل التَّيمم في هذه الصور، بشرط أن لا يقارن هذه العوارض مانع آخر من استعمال الماء، فلو قارنها مانع لم يبطل التَّيمم، [لأنه يجوز التَّيمم] (٢) ابتداء، فأولى أن يدفع البطلان دواماً، وذلك كما إذا وجد ماء، وهو محتاج إليه لِسَقْيِهِ أو وجده في قعر بئر، وهو عند العثور عليه عالم بتعذر الاسْتِقَاءِ، أو قال إنسان أودعني فلان ماء، وهو حين يسمع يعرف غيبة المودع، وما أشبه ذلك، وإن أرى الماء في الصَّلاة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة مغنية عن القضاء، أو لا تكون فإن لم تكن مغنية عن القضاء كما إذا تيمَّم الحاضر لعدم الماء، وشرع في الصَّلاة، ثم رأى الماء في صلاته، فهل تبطل صلاته وتيممه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه شرع في الصَّلاة بطهور أمر باستعماله، فيتمها محافظة على حرمتها، ثم يتوضأ ويعيد.
وأصحهما: نعم، لأنَّ الحاضر تلزمه الإعادة إذا وجد الماء بعد الفراغ، فإذا وجده في أثناء الصَّلاة فليشتغل بالإعادة، وإن كانت مغنية عن القضاء، فظاهر المذهب المنصوص أنه لا يبطل تيمُّمه، ولا صلاته وأشار المزني إلى تخريج قول أنهما يبطلان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، وساعد بن سريج المزني على التخريج.
стр. 245
وقال: "المُسْتَحَاضَةُ إذا انقطع دمها في الصلاة تبطل (١) صلاتها"، فليكن المتيمِّم برؤية الماء كذلك؛ لأن الضَّرورة قد ارتفعت في الصُّورَتَيْنِ، وجعل المسألتين (٢) على قولين بالنَّقْلِ والتَّخْرِيج، وجه الأول أنه لو طلع عليه رَكْبٌ لا يبطل تيممه، فكذلك إذا رأى الماء وتيقَّن وجوده، لأنهما متلازمان، ألا ترى أنه قبل الشروع يبطل بهما، وبعد الفراغ لا يبطل، لا بهذا ولا بذاك، وأيضاً لما شرع في الصَّلاة فقد تلبَّس بالمقصود، ووجدان الأصْلِ بعد التَّلَبُّسِ بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع في الصيام، ثم وجد الرَّقَبة، وأيضاً فإنَّ إحْبَاطَ الصَّلاَة عليه أشد ضرراً من تكليفه شراء الماء بالزيادة على ثمن المثل، بقدر يسير، فإذا لم يجب ذلك، فاستعمال الماء هاهنا أولى، ألا يجب لحرمة الصَّلاَةِ.
ووجه الثاني ظاهر قوله ﷺ : "فَأَمْسِسَّهُ جِلْدَكَ" (٣) وأيضاً فإن المعتدَّة بالشُّهور لو حاضت في أثنائها تنتقل إلى الإقراء، فكذلك هاهنا والفرق بين المتيمّم والمُسْتَحَاضَة نذكره في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى، ويتعلق بالمذهب المنصوص، ويتفرع عليه أمور:
أحدها: أنه يستثنى عنه ما لو شرع في الصَّلاة، وهو مسافر، ثم نوى الإقامة فيها بعد وجدان الماء، ففي بطلان صلاته وجهان:
أصحُّهما: البطلان تغليباً لحكم الإقامة، وهما كَالوَجْهَيْنِ فيما إذا كان مقيماً، ورأى الماء في صلاته، ولو شرع المسافر في الصَّلاة بالتَّيمم، ونوى القصر، ثم وجد الماء في الصَّلاة، ونوى الإتمام بعده بطلت صلاته أيضاً في أصح الوجهين، لأن تيمَّمه صح لهذه الصلاة المقصورة، وقد التزم الآن زيادة ركعتين.
والثَّاني: لو كان في صلاة فريضة فهل يجوز له أن يخرج منها ليتوضأ؟ فيه ثلاثة أوجه:
أظهرهما: نعم، وهل هو أولى؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ليخرج من الخلاف فإن من العلماء من حرم عليه الاستمرار، ولأنه لو وجد الرَّقَبَةَ في أثناء الصيام، فالأفضل أن يعدل إلى التَّحْرير، فكذلك هاهنا.
والثاني: الأولى الاستمرار؛ لأن الخروج إبطال للعمل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعمَالَكُمْ﴾ (٤) حكى الوجهين هكذا الشيخ أو حامد، وطبقته وعن الشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين أن الخروج المطلق ليس بأولى لا محالة، لكن الخلاف في
стр. 246
أن الأولى أن يقلب فرضه نفلاً ويسلم عن ركعتين أو الأولى أن يتم الفريضة، فمن صائر إلى الأول صيانة للعبادة عن الإبطال، وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين، ومن صائر إلى الثَّاني محافظة على حرمة الفريضة.
والوجه الثاني: في أصل المَسْأَلَةِ أنه لا يجوز الإعراض عن الفريضة بحال؛ لأن الإعراض عن الفريضة إبطال للفريضة.
والثالث: ذكره إمام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج؛ لأنه إن لم يكن في الصَّلاة تعيَّن عليه البدار حينئذ، فإذا كان فيها يمتنع الخروج، وإن لم يضيق الوقت فله الخروج؛ لأن الوجوب في أوَّل الوقت موسع والشُّروع لا يلزم شيئاً، وهذا التَّفْصِيلُ عنده لا يختص بالمتيمِّم، بل مُطَّرد في كل مصل (١).
الثالث: إذا لم يخرج منها، وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه وإن كان الماء الذي ظَفَرَ به باقياً بحاله، حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التَّسليمة الثانية (٢). لأن التسليمة الأولى تمَّت الصلاة وبطل التّيمم، وإن لم يكن ذلك الماء باقياً، ولم يعرفه المصلِّي حتى فرغ، فكذلك وإن عرف فواته وهو بعد في الصلاة، فهل يبطل تيممه إذا فرغ؟ وجهان: قال صاحب "التلخيص": يبطل (٣) وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لأن التيمم يبطل بوجدان الماء، إلا في الصلاة التي هو فيها لحرمتها.
وقال آخرون، منهم القَفَّال: لا يبطل، حتى يجوز له التَّنفل به؛ لأنه حين الفراغ غير واجد للماء، ولا متوهم للوجدان (٤).
الرَّابع: لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة، ففي بطلانها وجهان:
أصحهما: لا تبطل كالفريضة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة؛ ألا يرى أنها لا تلزم
стр. 247
بالشُّروع، والفريضة تلزم، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين -قَدَّس الله روحه- عن ابن سريج ﵀ فعلى الأولى الأصح، لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نِيَّته لم يزد على ركعتين نص عليه؛ لأن الأولى في النَّوافل أن تكون مَثْنَى مَثْنَى، فليسلم عن ركعتين، وليصل بالوضوء.
وعن القاضي الحسين أن له أن يَزِيدَ ما شاء، وإن كان قد نوى رَكْعَةً أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى؛ لأنَّ الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء، ألا ترى أنه يفتقر الزِّيادة إلى قصد جديد.
وعن القفال: أنه يجوز أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم، بخلاف ما لو سلم، وأراد افْتِتَاح نافلة أخرى، ولو نوى عدداً فوق الركعتين، ثم رأى الماء، فهل يستوفي ما نواه أم يجب الاقتصار على ركعتين؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أن له أن يستوفي ما نواه؛ لأن إحرامه انعقد لذلك العدد، فأشبه المكتوبة المقدرة، وعلى هذا ففي جواز الزيادة على المنوي الوجهان المذكوران، في جواز الزيادة على الركعتين إذا نواهما، وأصل هذه المسألة (١) أن المُصَلِّي مستقل من زيادة الركعات، ونقصانها في النَّوافل المطلقة كيف شاء، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصَّلاَةِ (٢)، وإن كان مطلقاً مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون ذلك التَّيمم غير تيمم المريض، ونحوه.
والثاني: اْلا يقارن رؤية الماء مانع، يرخص في ابْتِدَاء التَّيمم على ما بيناهما.
وقوله: "ولا تبطل برؤْية الماء بعد الشُّروع فيها"، مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء، وإلا فهي باطلة على الأصح، ولا بد من اسْتِثْنَاءِ الصورتين المذكورتين من قبل أيضاً.
وقوله: "ولكن المصلّي إذا رأى الماء" لا يتعلق بقوله: "ويبطل بظن وجود الماء قبل الشروع" وإن كان مذكوراً عقيبه؛ بل بقوله: "لا تبطل بعد الشّروع فيها"، والوجوه الثلاثة التي ذكرها في أن الأولى ماذا، كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج، وترك الفريضة، والذي يقابله قوله: "وفي وجه يلزمه المضي، ولا يجوز الخروج"، وليس في الجمع بين هاتين العِبَارَتَيْنِ سوى الإيضاح، وقوله: "وعلى هذا لو كان في نافلة بطلت"، لأنها غير مانعة، يعني به أَنَّا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة، إنَّما نقول به لحرمة الفريضة، وليس لِلنَّافلة حرمة ما نعمة من الخروج، فتبطل.
стр. 248
وقوله: "وهو بعيد" يجوز أن يريد به هذا البِنَاء، ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضي لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب، إذا فقدنا تلك الحرمة فَأمَّا أَنْ نقول بِالبُطْلاَنِ فلم؟ وطريق توجيه البطلان أن يقال: رؤية الماء تقتضي البُطْلاَن مطلقاً، خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه، لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء، وإنما أراد استبعاد أصل الوجه، وهو بين من كلامه في "الوسيط"، واستقرب بالإضافة إليه التَّردد في زيادة الرَّكعات.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ وَيَجمَعَ بَينَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ وَبَيْنَ فَرْضٍ وَمَنذُورَةٍ إِنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ لاَ مَسْلَكَ وَاحِبِهِ، وَبَينَ فَرْضٍ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا فَرِيضَةٌ وَيَجْمَع بَيْنَهمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِتيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا كَالتَّابعِ لَهُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَصَلاَةِ جَنَازَةٍ، وَلاَ يَقْعُدُ فِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، هَذَا نَصُّهُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إن تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَهَا حُكْمُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَهَا حُكْمُ النَّفْلِ وَلكِنَّ القُعُودَ لاَ يَحْتَمِلُ مَعَ القُدْرَةِ لأَنَّ القِيَامَ أَظْهَرُ أَرْكَانِهَا.
قال الرافعي: لا يؤدِّي بِالتَّيمم الواحد، ممَّا يتوقَّف على الطَّهارة إلا فريضة واحدة، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يؤدي به ما شاء.
وكذلك قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى يتيمَّم لوقت كل صلاة.
لنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ ألاَّ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلاَّ مَكْتُوبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلأْخْرَى" (١). والسُّنَّةُ في كلام الصَّحابي تنصرف إلى سنَّة رسول الله ﷺ (٢)؛ لأن التَّيمُّم طَهَارة ضرورة، فلا تؤدِّي به فريضتان، ولا فرق
стр. 249
بين أَنْ يَتَّحِدَّ الجنس كصلاتين، أو طوافين، أو يختلف كصلاة، وطواف، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصَّبي، وحَكَى القاضي الروياني في الصَّبي هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؟ وجهين: والصحيح: أنه لا يجمع؛ لأنه وإن لم يكن مكلفاً لكن ما يؤذيه حكمه حكم الفرائض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة، ولا فرق في المكتوبة بين
стр. 250
الفائتة والمؤداة. وأغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجهاً أنه يجوز الجمع بين الفوائت، وبين المؤداة، ويجوز أن يجمع المتيمِّم بين فريضة ونوافل، لأن النَّوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التّيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تَنْضبط، وأيضاً فهي إتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض، ثم في الفصل مسائل:
إحداها: هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة؟ فيه وجهان، وربما قيل قولان:
أصحهما: لا؛ لأنها مفروضة متعينة (١) على النَّاذر فأشبهت المكتوبة.
والثاني: نعم؛ لأنها وجبت بعارض، فلا يلحق بالمفروض الأصلي، وهذا الخلاف مبني على أصل [في النَّذْر، وهو أنه يسلك بالمنذور] (٢) مسلك واجب الشرع، أو مسلك جائزه وهو أقل ما يتقرب به، وفيه وجهان: فإذا نذر هَدْيًا حمل في قول على شيء من النّعم؛ لأنه الهدى الواجب شرعاً، وعلى قول له أن يقتصر على دَجَاجة وقطعة لحم؛ لأن ذلك مما يتقرب به، وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القُربات التي لا تجب حتى يجوز القعود في الصَّلاة مع القدرة على القيام، ويجوز أداؤها على الرَّاحلة، وإذا قلنا: بالأول لا يجوز، وقول الأصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الأحكام مع وجوب الأصل، وعنوا بجائز الشرع هاهنا القُرْبَاتِ التي جوز تركها، ويجري الخلاف فيما لو جمع بين منذورين.
الثانية: في وجوب ركعتي الطَّواف، قولان يذكران في موضعهما: فإن لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما، وبين الطَّواف، وبينهما وبين مكتوبة، وإن أوجبناهما ففي الجمع بينهما وبين الطّواف، وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه يجوز؛ لأنهما تابعتان للطَّواف، أو كالجزء منه، بمثابة بعض الأشواط.
وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن ركعتي الطَّواف عبادة مستقلّة، ولهذا تحتاج إلى نيّة مفردة بخلاف بعض الأشواط، والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض، أما ركعتا طواف التَّطوع فتطوع، ومنهم من أجرى القولين في ركعتي طواف التَّطوع أيضاً.
وقال: اتفاق الفرض والنَّفل في الشرائط لا ينكر، ألا ترى أن صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطَّهارة وستر العورة، فعلى هذا لو صلّى فريضة بتيمّم، وطاف تطوعاً، هل له أن يصلي به ركعتي الطواف؟ فيه وجهان؛ وفي جواز الجمع بين