واعلم أن مسألة الصوم قد سلم فيها أبو حنيفة. والمزني نفى القضاء، تعليلاً بما ذكره الإصطخري، واختلف سائر أصحابنا في تعليله، منهم من ساعدهم على هذا التعليل، وقال: بقية اليوم لا يسع الصوم ولا يمكن إيقاع بعضه في الليل بخلاف الصلاة يمكن إيقاع بعضها بعد خروج الوقت، ومنهم من علل بأن الصوم المأتي به صحيح واقع عن الفرض، وينبني على هاتين العلتين ما إذا بلغ وهو مفطر، فعلى التعليل الأول: لا قضاء عليه، وعلى الثاني: يجب.
وعن ابْن سريج: أنه يجب القضاء في الصوم كما في الصلاة بلغ مفطراً أو صائماً، هذا في غير الجمعة من الصلوات، أما إذا صلى الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ -والجمعة غير فائتة بعد- هل يلزمه حضورها؟ من قال في سائر الصلوات تلزم الإعادة أولى أن يقول باللزوم هاهنا، ومن نفى الإعادة في سائر الصلوات، اختلفوا هاهنا على وجهين:
أحدهما: -وبه قال ابْن الحداد-: أنه يجب عليه الجمعة لأنه لم يكن من أهل الفرض حين صلى الظهر، وقد كمل حاله بالبلوغ بخلاف سائر الصلوات؛ لأنه بالبلوغ لا ينتقل إلى فرض أكمل مما فعل هاهنا ينتقل إلى الجمعة وهو أكمل من الظهر، ألا ترى أنها تتعلق بأهل الكمال، وبخلاف المسافر والعبد إذا صليا الظهر ثم أقام المسافر، وعتق العبد، وأدركا الجمعة لا تلزمهما جمعة، لأنهما حين صليا الظهر، كانا من أهل الفرض.
والوجه الثاني: وهو الأصح أنها لا تلزم كسائر الصلوات، ومنعوا قوله: "إنه ليس من أهل الفرض"؛ لأنه مأمور بالصلاة مضروب على تركها، ولا يعاقب أحد على ترك التطوع. وعن الشيخ أبي زيد يُخَرَّج هذا الخلاف على الخلاف في أن المتعدي بترك الجمعة، هل يعتد بظهره قبل فوات الجمعة (لأن الصبي مأمور بحضور الجمعة، فإذا بلغ، ولم يصل الجمعة كان مؤدياً للظهر قبل فوات الجمعة) (١). ولا يخفى بعد حكاية هذه المذاهب، الحاجة إلى إعلام قوله: (فلا يجب إعادتها) بالحاء والميم والألف والزاي وبالواو أيضاً لما ذكره ابن سريج، والإصطخري، وكذا إعلام قوله: "وقع عن الفرض" بهذه العلامات، وكذا إعلام قوله: "وكذا يوم الجمعة" ما سوى الواو من العلامات.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَخْلُوَ أَوَّلُ الوَقْتِ، فَإذَا طَرَأَ الحَيْضُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ لَزِمَتْهَا وَلاَ يَلْزَمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَم مَا لَمْ تُدْرِكْ جَمِيعَ الوَقْتِ فِي صُورَة الطَّرَيَانِ، وَأَمَّا العَصْرُ فَلاَ يَلْزَمُ بِإدْرَاكِ أَوَّلِ الظُّهْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لاَ يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ فِي حَقِّ المَعْذُورِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ.
стр. 387
قال الرافعي: هذه الحالة الثانية عكس الأولى، وهي: أن يخلو أول الوقت عن الأعذار المذكورة، ثم يطرأ منها في آخر الوقت ما يمكن أن يطرأ منها -وهو الحيض، والنفاس، والجنون والإغماء، فأما الصِّبا فلا يتصور عروضه (والكفر) (١) وإن تصور عروضه، لكنه ردة (٢) لا تسقط القضاء- كما سيأتي، فإذا حاضت في أثناء الوقت، نظر في القدر الماضي من الوقت إن كان قدر ما يسع لتلك الصلاة استقرت في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت، لأنها أدركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض، فلا يسقط بما يطرأ بعده، كما لو هلك النصاب بعد الحول وأمكن الأداء فلا تسقط الزكاة.
وعن مالك أنه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت، وبه قال أبو حنيفة.
قال الكرخي في "مختصره": وإن كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت، فلا قضاء عليها. وخرج ابن سريج مثل ذلك على أصل الشافعي ﵁ وقال: لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت، أخذاً مما لو سافر الرجل في أثناء الوقت، يجوز له القصر، وإن مضى من الوقت ما يسع الصلاة الثانية.
واعلم أن في تلك المسألة أيضاً تخريجاً مما نحن فيه، لأنه لا يقصر، وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعاً في الكتاب في "باب صلاة المسافرين" نشرحه في موضعه -إن شاء الله تعالى- ثم على ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة، حتى لو طولت في صلاتها، فحاضت في أثنائها والماضي من الوقت يسمع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء، ولو كان الرجل مسافراً فطرأ عليه جنون أو إغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين -لزمه قضاؤها، لأنه لو قصر لأمكنه أداؤها، ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت إلا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة على الوقت كالتيمم، وطهارة المستحاضة وإن كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة- لم تلزم تلك الصلاة. وقال أبو يحيى البلخي (٣) من أصحابنا: إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء، اعتباراً لأول
стр. 388
الوقت بآخره، حكاه أبو علي صاحب "الإفصاح" فمن بعده عنه، وخطأه فيما قال؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض، فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول، وقبل إمكان الأداء، ويخالف آخر الوقت؛ لأنه إذا أدرك جزءاً من الوقت أمكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت، ثم ذكرنا في الحالة الأولى أن من الصلوات ما إذا أدرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التي قبلها معها، كالظهر يلزم بإدراك آخر وقت العصر، والمغرب يلزم بإدراك آخر وقت العشاء، وأما هاهنا فالعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر، ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافاً لأبي يحيى البلخي، حيث قال: "إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات، ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر، كما لو أدرك ذلك من وقت العصر، لزمه الصلاتان معا".
والفرق على ظاهر المذهب أن الحكم بلزوم الصلاتين إذا أدرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه، ولأن كل واحدة منهما مؤداه في وقت الأخرى، ومعلوم أن وقت الظهر إنما يكون وقتاً للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر، ألا ترى أنه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر، فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر، وأما وقت العصر فليس وقتاً للظهر على سبيل تبعية الظهر للعصر. ألا ترى أنه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر على العصر، بل هو أولى على وجه، ومتعين على وجه كما سيأتي في "باب الجمع" وكان وقت العصر وقتاً للظهر من غير التوقف على فعل العصر، فلهذا المعنى افترق الطرفان. جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فإذا طرأ الحيض، وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة" وليس المراد منه مطلق الصلاة، بل المراد أخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر، إن وجد المعنى المجوز للقصر على ما بيناه.
قوله: (لزمتها) معلم بالحاء والميم، لما قدمناه، ولا حاجَة إلى إعلامه بالواو إشارة إلى تخريج ابن سريج؛ لأن قوله بعد ذلك، وقيل: لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان، وهو ذلك التخريج.
ثمن اعلم أن الحكم بلزوم الصلاة إذا أدرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت، بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة أيضاً.
ونظيره ما إذا أفاق مجنون في أثناء الوقت، وعاد جنونه في الوقت، أو بلغ صبي ثم جن أو أفاقت مجنونة، ثم حاضت.
وقوله: "لا يلزم بأقل من ذلك" معلم بالواو للوجه المشهور عن البلخي. وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الأصحاب أيضاً، وكذلك قوله: "فأما العصر فلا يلزم بإدراك أول الظهر" وليس لفظ الأول في قوله: "بإدراك أول الظهر" لتخصيص
стр. 389
الحكم به، فإن العصر لا يلزم بإدراك آخر وقت الظهر أيضاً؛ بل بإدراك جميعه، وإنما جرى لفظ الأول في مقابلة الآخر في الحالة الأولى.
وقوله: "لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر ... " إلى آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الأول والآخر، وأراد بالمعذور هاهنا الذي يجمع لسفر أو مطر، بخلاف ما في أول الفصل، فإنه أراد بالمعذور، ثم صاحب الضرورة على ما سبق إيضاحه.
واعلم أن الأخيرة من صلاتي الجمع، وإن لم يلزم بإدراك وقت الأولى، لكن الأولى منهما قد يلزم بإدراك وقت الأخيرة، كما أنها تلزم بإدراك آخر وقتها.
مثاله: إذا أفاق المغمى عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر، والظهر جميعاً لزمتاه، فإن كان مقيماً، فالمعتبر قدر ثماني ركعات، وإن كان مسافراً يقصر كفى قدر أربع ركعات، ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعُمَّ الْعُذْرُ جَمِيعَ الوَقْتِ فَيَسْقُطَ القَضَاءُ، وَلاَ تَلْتَحِقُ الرِّدَّةُ بِالكُفْرِ بَلْ يَجِبُ (م ح) القَضَاءُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح)، والصَّبِيُّ يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينٍ، ويُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ علَيْهِ قَضَاءٌ، والإِغْمَاءُ فِي مَعْنَى الجُنُونِ (ح) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرِ أَوْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لاَ يُسْقِطُ القَضَاءَ، وَلَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ فَلاَ يَقْضِي أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لاَ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ أَيَّامِ الحَيْضِ، لِأَنَّ سُقُوطَ القَضَاءِ عَنِ المَجْنُونِ رُخْصَةٌ وَعَنِ الحَائِضِ عَزِيمَةٌ.
قال الرافعي: قوله: أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان:
أحدهما: أنه فسر العذر قبل بما يسقط القضاء، والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال: إن يعم ما يسقط القضاء فيسقط، وغير هذا أجود منه، وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء [وليس] في مثل هذا المقام كثير فائدة.
والثاني: أن قوله: "جميع الوقت" ليس المراد منه الأوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد ذكرنا أنه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر أيضاً مع أنه عم العذر جميع وقت الظهر، فإذاً المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعاً.
وغرض الفصل أن الأسباب المانعة من لزوم الصلاة -وقد عددناها من قبل- مسقطة للقضاء. أما الحيض فإنه يمنع وجوب الصلاة وجوازها، ويسقط القضاء على ما سبق في "كتاب الحيض".
стр. 390
وأما الكافر الأصلي مخاطب بالشرائع على أشهر وجهي أصحابنا في الأصول، لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) المعنى فيه أن إيجاب القضاء ينفره عن الإسلام، والردة لا تلحق بالكفر بل يجب على المرتد قضاء صلوات أيام الردّة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الردة تسقط قضاء الصلوات أيام الردة والصلوات المتروكة قبلها أيضاً.
لنا أنه التزم الفرائض بالإسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الأدميين.
فأما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ" (٢) فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعلها سوى الصبي فإنه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها إذا بلغ عشراً لما روي أنه ﷺ قال: "مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" (٣).
قال الأئمة: فيجب على الآباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السَّبْعِ، والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين:
أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالاحتلام فرُبَّمَا بلغ ولا يصدق.
والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب.
واحتج بعض أصحابنا بهذا على أنه لا يجوز أن يختن الصبي قبل العشر؛ لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصَّوْمِ أيضاً إن أطاقه كما يُؤمر بالصَّلاَةِ، وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب، وإن لم يكن فعلى الأم.
стр. 391
وهل يجوز أن تعطى الأجرة من مال الطفل على تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان (١).
وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضاً؛ للخبر، والأصل أن من لا تجب عليه العبادة لا يجب قضاؤها، وإنما خالفنا ذلك في حق النائم والناسي؛ لما روي أنه ﷺ قال: "إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (٢)، والإغماء في معنى المجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة، ولأحد حيث قال: إنه لا يسقط القضاء قَلَّ أو كثرَ.
لنا القياس على المجنون، ولا يلحق بالجنون زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر، أو دواء مزيل للعقل، بل يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا شرب المسكر وهو عالم (٣) أنه مسكر، أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل، وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء، ولو عرف أن جنسه مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر لقلته فليس ذلك بعذر. ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه، وإن فعله عبثًا قضى، ثم في الفصل فرعان:
أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظاً على المرتد. ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التي ينتهي إليها السكر لا محالة. وهل يقضي صلوات أيام المجنون؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد، وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقضي أيام المجنون.
والفرق أن من جن في ردته مرتد في جنونه حكماً، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعاً.
الثاني: لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرت فلا تقضي أيام الحيض، ولا فرق بين اتصالها بالرّدة واتصالها بالسكر، بخلاف المجنون، حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر.
стр. 392
والفرق أن سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتخفيفات بل هو عزيمة، فإنها مكلفة بترك الصلاة، والمجنون ليس مخاطباً بترك الصلاة، كما ليس مخاطباً بفعلها، وإنما أسقط القضاء عنه تخفيفاً، فإذا كان مرتدًّا لم يستحق التخفيف، ومما يوضح الفرق أنها لو شربت دواء حتى حاضت لا يلزمها القضاء، بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل، وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست، لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمة. فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفاً. ومن أمر بالترك فامتثل الأمر، لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء (١)، وهذا يشكل لفصل الصوم، فإن الحائض مأمورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء؛ إلا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعاً للنص. والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة، والذي لا بأس بذكره قوله: "ولو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون" ينبغي أن يعلم: قوله: "قضى" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا قضاء في الرّدة فكيف يؤثر في إيجاب قضاء أيام المجنون؟
الفَصْلُ الثَّالِثُ
في الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ
قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ، بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الطُّلُوعِ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ قُرْصُ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الاسْتِوَاءِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ تَمَامِ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة خمسة: وقتان: تعلق النهي فيهما بالفعل، وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمْسُ.
روي عن رسول الله ﷺ قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" (٢) ووجه تعلق النهي فيهما بالفعل أن صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح (٣) والعصر دون من لم يصلهما، ومن صلاهما، فإن عجلهما في أول الوقت طال في حقه وقت الكراهية، وإن أخرهما قصر.
وثلاثة أوقات: يتعلق النهي فيهما بالزمان:
стр. 393
[الأول]: وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويستولي سلطانها بظهور شعاعها، فإن الشعاع يكون ضعيفاً في الإبتداء.
[الثاني]: وعند استواء الشمس حتى تزول.
[الثالث]: عند اصفرار الشمس حتى يتم غروبها؛ لما روي: "أَنَّهُ ﷺ قالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإذَا ارْتَفَعَت فَارَقَهَا، ثُمَّ اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوب قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى عَنِ الصَّلاَةِ فِي هذِهِ الأَوْقَاتِ". وقوله: "ومعها قَرن الشيطان"، قيل: معناه قوم الشيطان وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات، نهى عن الصلاة فيها لذلك.
وقيل: معناه أن الشيطان يقرب رأسه من الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجد للشمس ساجدًا له، ولك أن تُعَلِّم قول المصنف "إلى أن يرتفع قرص الشمس" بالواو؛ لأن من الأصحاب من قال: يخرج وقت الكراهية بطلوع القرصة بتمامها، ولم يعتبر الارتفاع. وإيراده في "الوسيط" يشعر بترجيح هذا الوجه، وظاهر المذهب الوجه الأول، ويدل عليه قوله ﷺ : "فَإذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا" (١).
واعلم أن حالة الاصفرار داخلة في الوقت الثاني، وهو ما بعد العصر حتى تغرب الشمس، لكن في حق من صَلَّى العصر -وحالة الطلوع إلى الارتفاع- متصلة بما بعد الصبح في حق من صلى الصبح، وذكر بعضهم في العبارة عن الوقت الأول من أوقات الكراهية أنه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وعلى هذا فتنقص أوقات الكراهية عن الخمسة، وربما انقسم الواحد منها إلى متعلق بالفعل، وإلى متعلق بالزمان.
قال الغزالي: وَذَلِكَ في كُلِّ صَلاَةٍ لاَ سَبَبَ لَهَا بِخِلاَفِ الفَائِتَةِ وَصَلاة الجَنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلاَوَةِ وَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَفِي الاسْتِسْقَاءِ تَرَدُّدٌ، وَرَكْعَتَا الإحْرَامِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأخِّرٌ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة لا ينهى فيها عن الصلاة على الإطلاق، بل عن بعض أنواعها، وما ورد فيها من النهي المطلق محمول على ذلك البعض، فالغرض من هذا الفصل بيان ما ينهى عنه من الصلوات في هذه الأوقات وما لا ينهى عنه. وقوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها" أي النهي والكراهة.
وقول الأصحاب في هذا المقام: صلاة لا سبب لها، وصلاة لها سبب، ما أرادوا
стр. 394
به مطلق السبب. إذ ما من صلاة إلا ولها سبب، ولكن أرادوا بقولهم: "صلاة لها سبب" أن لها سبباً متقدماً على هذه الأوقات أو مقارناً لها، وبقولهم: صلاة لا سبب لها أي ليس لها سبب متقدم ولا مقارن، فعبروا بالمُطْلَقِ عن المُقَيَّدِ، وقد يفسر قولهم: "لا سبب لها" بأن الشارع لم يخصها بوضع وشرعية، بل هي التي يأتي بها الإنسان ابتداء وهي النوافل المطلقة، وعلى هذا التفسير فكل ما لا سبب له مكروه ولكن كل ما له سبب ليس بجائز. ألا ترى أن ركعتي الإحرام لهما سبب بهذا التفسير. وهما مكروهتان كما سنذكر إن شاء الله، ولفظ الكتاب يوافق التفسير الأول؛ لأنه خص النهي والكراهة بما لا سبب له من الصلوات، ثم إنه عد أنواعاً من الصلوات التي لها سبب، فمنها الفائتة فلا تكره في هذه الأوقات، لعموم قوله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ، أَوْ نَسِيَهَا، فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا لاَ وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ" (١).
ويستوي في الجواز قضاء الفرائض والسُّنَنِ والنوافل التي اتخذها وِرْداً له.
ومنها صلاة الجنازة. روي أنه ﷺ قال: "يَا عَلِيُّ لاَ تُؤَخِرْ أَرْبَعَاً" (٢). وذكر منها: الجنازة إذا حضرت. ومنها: سجود التلاوة. فلا يكره في هذه الأوقات؛ لأن سبب سجدة التلاوة قراءة القرآن، وهي مقارنة لهذه الأوقات، فلا يؤخر عن وقتها، وفي معناه سجود الشكر، فإن سببه السرور الحادث فليس ذكرهما في هذا الموضع، لكونهما من أنواع الصلاة، لكن لأنهما كالصلاة في الشرائط والأحكام. ومنها تحية المسجد، فإن اتفق دخوله في هذه الأوقات -لغرض في الدخول- كاعتكاف، ودرس علم، وقراءة فيه لم تكره التحية بما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (٣)، ولأن سبب التحية هو الدخول في المسجد، وقد اقترن بهذه الأوقات، ولو دخل في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة في الدخول فهل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لما سبق، وأقيسهما نعم، كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات، ويدل عليه ما روي أنه ﷺ قال: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
стр. 395
وَغُرُوبِهَا" (١)، ومنهم من لا يفصل ويجعل في التحية وجهين على الإطلاق، وينسب القول بالكراهية إلى عبد الله الزبيري ﵁ وليكن قوله: وتحية المسجد" معلماً بالواو، لما حكيناه. ومنها: ركعتا الطواف فلا يكرهان في هذه الأوقات؛ لأنهما يؤديان بعد الطواف، فسببهما موجود في هذه الأوقات. ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان: عبر عنهما المصنف بالتردد.
أحدهما: إنما يكره؛ لأن الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير، فأشبهت صلاة الاستخارة، وهذا هو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وآخرون.
وأظهرهما: لا تكره؛ لأن الحاجة الداعية إليها موجودة في الوقت، ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضاً، ومن هذه الصلوات صلاة الخسوف فإنها لو أخرت عن هذه الأوقات فربما انجلت الشمس، وفاتت الصلاة.
ومنها: إذا تطهر في هذه الأوقات جاز له أن يصلي ركعتين، لما روي أنه ﷺ قال لبلال: "حَدَّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي إلا أَنِّي لَمْ أَتَطَّهَّرَ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلاَّ صَلَّيْتُ بِذلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِيَ أَنْ أُصَلِّي" (٢). وهل يلحق ركعتا الإحرام بهذه الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لحاجته إلى الإحرام في هذه الأوقات بالحج أو العمرة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا؛ لأن سببهما الإحرام وهو متأخر عنهما، وقد يتفق بعدهما، وقد يعوق دونه عائق؛ ولك أن تعلم قوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها"، بالحاء؛ لأنه يقتضي حصر النهي في الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات الخمسة جميعاً.
وعند أبي حنيفة: الوقتان اللذان يتعلق النهي فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض، ولا بأس بأن يصلي فيهما على الجنازة، ويقضي فوائت الفرائض، ويسجد للتلاوة والسهو، ولكن لا يصلي المنذورة ولا ركعتي الطواف والتطوعات.
وأما في الأوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما إلاَّ عصر اليوم عند غروب الشمس، فلو دخل في تطوع قال: يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور به، فلو مضى فيه أساء وأجزأه، وإن صلى فيها فرضاً أو واجباً أعاد إلا عصر يومه، وصلاة الجنازة، وسجدة
стр. 396
التلاوة، ولك أن تعلمه بالميم والألف أيضاً؛ لأنه روي عن مالك: أنه يقضي الفرائض في الأوقات الخمسة، ولا يصلي فيها النافلة، سواء كان لها سبب أو لم يكن، وبه قال أحمد، واستثنى على مذهبه ركعتا الطواف وصلاة الجماعة مع إمام الحي، وأبو حنيفة يكره إعادتها في الجماعة.
لنا ما تقدم، وأيضاً ما روي أنه ﷺ "دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" (١).
وروي أنه ﷺ "رَأَى قَيْسَ بنَ فَهْدٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ" (٢) ويتبين مما نقلناه أنه لو علم الفائتة وما بعدها بالحاء لجاز.
قال الغزالي: وَقَدْ وَرَدَ الخَبَرُ بِاسْتِثْنَاءِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَن الكَرَاهِيَةِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذلِكَ بِمَنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ عِنْدَ حُضُورِ الجُمُعَةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا بِاسْتِثْنَاءِ مَكَّةَ فَلاَ يُكْرَهُ فِيهَا صَلاَةٌ وَلاَ طَوَافٌ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ. فَرْعٌ: لَوْ تَحْرَّمَ بِالصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الكَرَاهِيَةِ انْعَقَدَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَالصَّلاَةِ فِي الحَمَّامِ.
قال الرافعي: الصلاة المنهى عنها في الأوقات الخمسة على التفصيل الذي وضح، لا ينهى عنها على الإطلاق عندنا بل يستثنى عنها زمان ومكان.
أما الزمان فهو يوم الجمعة، فيسثنى وقت الاستواء يوم الجمعة، ولا تكره فيها التطوعات خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
لنا ما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنْ صَلاَةٍ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وهل يستثنى باقي الأوقات الخمسة يوم الجمعة فيه وجهان:
أحدهما: نعم كوقت الاستواء، تخصيصاً للجمعة وتفضيلاً وقد روي: "إِنَّ جَهَنَّمَ لاَ تُسَجَّرُ (٣) يَوْمَ الْجُمُعَةِ".
стр. 397
وأصحهما: لا؛ لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء فيبقى الباقي على عموم النهي. فإن قلنا بالوجه الأول جاز التنقل في وقت الاستواء وغيره، وإن قلنا بالثاني فهل يجوز ذلك لكل واحد. فيه وجهان:
أحدهما: نعم لمطلق قوله: "إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وإيراد المصنف يقتضي ترجيح هذا الوجه، لأنه حكم بالاستثناء.
ثم رُوي عن بعضهم تخصيص الاستثناء بمن يغشاه النعاس، وبترجيحه قال صاحب "التهذيب" وغيره.
واحتجوا عليه أيضاً بما روي أنه ﷺ "كَرِهَ الصَّلاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: "إنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (١).
والوجه الثاني: أنه لا يجوز التنفل لكل أحد؛ لأن المعنى المرخص لا يشمل الكل، وذكروا في الترخيص معنيين.
أحدهما: أن الناس عند الاجتماع يوم الجمعة يشق عليهم مراعاة الشَّمْسِ والتمييز بين حالة الاستواء وما قبلها وما بعدها، فخفف الأمر عليهم بتعميم الترخيص.
والثاني: أن الناس يبتكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون إلى طرد النعاس بالتنفل كيلا يبطل وضوءهم فيفتقرون في إعادة الوضوء إلى تخطي رقاب الناس، فعلى هذين المعنيين جميعاً المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفل فيه، وأما الذي حضر الجمعة، فقضية المعنى الأول تجويز التنفل له مطلقاً، وقضية المعنى الثاني تخصيص الجواز بالذي يبتكر إليها ثم يغلبه النعاس، أما الذي لم يبتكر ولم يُؤْذِهِ النعاس فلا يجوز له ذلك، وقول صاحب الكتاب: "وقيل: يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة" يوافق المعنى الثاني من جهة اعتبار غشيان النعاس، ولكن قضية تجويز التنفل بمن يغشاه النعاس وإن لم يبتكر إليها، وفي كلام غيره ما يقتضي اعتبار التبكير وكون غلبة النعاس لطول الانتظار.
واعلم أن قوله: "وقد ورد الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية" ظاهره يقتضي استثناء جميع الأوقات الخمسة كما حكيناه وجهاً عن بعض الأصحاب، ولكن قوله: "وهل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس؟ " يبين أنه أراد بالأول وقت الاستواء لا غير، وفيه اشتهر الخبر وهو الأصح في المذهب، وأما المكان فقد روي عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاةَ
стр. 398
الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ" (١).
واختلف الأصحاب في هذا الاستثناء ومنهم من قال: مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف، فإن له أن يطوف متى شاء وإذا طاف بالبيت يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب، والأصح وهو المذكور في الكتاب أن مكَّة، تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة لفضيلة الصلاة فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال ويدل عليه ما روي أنه ﷺ قال: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَليَ مِنْكُمْ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شيَئاً فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أَوْ صَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" (٢).
وليكن قوله: "فلا يكره فيها صلاة" معلماً بالواو للوجه الأول وبالحاء والميم، لأن عندهما لا فرق بين مكة وسائر البلاد، ثم ليس المراد من مكة نفس البلد بل جميع الحرم للإستواء في الفضيلة.
وفي وجه: يختص بالاستثناء المسجد الحرام، وما عداه كسائر البلاد، والمشهور الصحيح الأول، ومتى ثبت النهي والكراهة فلو تحرم بالصلاة في الأوقات (٣) المنهية هل ينعقد، أم لا؟ هذا هو الذي رسمه فرعاً في الكتاب، وفيه وجهان:
أحدهما: نعم كالصلاة في الحمام، لا خلاف في انعقادها مع ورود النهي.
وأظهرهما: لا كما لو صام يوم العيد لا يصح، وعلى هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في الأوقات المنهية، إن قلنا: تصح الصلاة فيها، يصح النذر، وإن قلنا: لا تصح فلا يصح النذر كما لو نذر صوم يوم العيد: فإن صححنا النذر فالأولى أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحي شاة بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب. وأما إذا نذر صلاة مطلقاً فله أن يفعلها في الأوقات المكروهة فإنها من الصلوات التي لها سبب كالفائتة، وتختم الفصل بشيئين:
أحدهما: أن قوله في أول الفصل: "في الأوقات المكروهة وهي خمسة" يقتضي العصر في الخمسة المذكورة، وهو المشهور، والحصر في الخمسة حكم بإثبات الخمسة ونفي الزائد لكن في كلام الأصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا؟
стр. 399
أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ" (١).
والثاني: لا، وبه قال مالك؛ لقوله ﷺ : "لاَ صَلاةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٢). والمفهوم من صلاة الصبح هو الفريضة، فالتخصيص بالفريضة يدل على عدم الكراهة قبلها.
والوجه الثاني: هو الذي يوافق كلام معظم الأصحاب حيث قالوا بأن النهي في الوقتين يتعلق بالفعل، وإلا فإذا ثبتت الكراهة من طلوع الفجر لم يختلف زمان الكراهة بتقديم الصبح وتأخيرها طولاً وقصرًا، وهذا استدلال بين على ترجيح هذا الوجه، وصرح به الشيخ أبو محمد وغيره. لكن ذكر صاحب "الشامل" أن ظاهر المذهب هو الوجه الأول، ولم يورد في "التتمة" سواه، وإن قلنا: به دخل وقت الكراهية بطلوع الفجر، فإن عد ما قبل صلاة الصبح وقتاً بانفراده -زاد الأوقات المكروهة على خمسة، وإن جعل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتاً واحداً، وأدرجنا وقت الاصفرار فيما بعد صلاة العصر- كما سبق، عادت الأوقات المكروهة إلى أربعة وأن نضم حالة الطلوع إليه فتعود الأوقات المكروهة إلى ثلاثة، والشيخ أبو إسحاق الشَّيرَازِيُّ في آخرين ما أطلقوا الوجهين في الكراهة، من حين طلوع الفجر لكن نقلوا الوجهين في كراهة التنفل بعد ركعتي الفجر، وذلك يقتضي الجزم بنفي الكراهة قبل أن يصلي ركعتي الفجر. وما يتعلق بالحصر على بينته، لا يختلف بالطريقتين:
الثاني: إذا فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وِرْداً فقد ذكرنا أنه يجوز أن يقضيها في أوقات الكراهة ويدل عليه ما سبق من حديث أم سلمة.
ثم إذا فعل ذلك، فهل له أن يداوم على تلك الصلاة في وقت الكراهة فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن في حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ : "دَاوِمْ عَلَىَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ" (٣). وعليه حمل ما روي عن عائشة ﵂ قالت:
стр. 400
"مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (١).
وأصحهما: أنه لا يجوز لعموم الأخبار الناهية وما فعله رسول الله ﷺ كان مخصوصاً به فإنه كان يداوم على عمل، وقد روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : "كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَينْهِي عَنْهَا" (٢).
فإن قلنا: بالأول فهذه الحالة، مما تستثنى عن عموم إخبار النهي.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الأَذَانِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ سُنَّةٌ عَلَى أَظْهَرِ الرَّأْيَيْنِ فِي الجَمَاعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَفْرُوضَةِ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي المَسْجِدِ المَطْرُوقِ قَوْلاَنِ، وَفِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ أَنَّهَا تُقِيمُ وَلاَ تُؤَذِّنُ وَلاَ تَرْفَعُ الصَّوْتَ بِحَالٍ، وَفِي المُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ إِذَا انْتَظَرَ حُضُورَ جَمْعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُؤَذِّنُ فَفِي إِقَامَتِهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ فَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلاَ أَذَانَ فِي غَيْرِ مَفرُوضَةٍ كَصَلاَةِ الخُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةِ الجَنَازَةِ وَالعِيدَينِ، بَل يُنَادِي لَهَا الصَّلاة جَامِعَةً، وَفِي الصَّلاَةِ الفَائِتَةِ المَفْرُوضَةِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُقِيمُ وَلاَ يُؤَذِّنُ (ح) وَلَو قَدَّمَ العَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ أَخَّرَ الظُّهْرِ إلَى العَصْرِ يُؤَدِّيهِمَا بِإقَامَتَيْنِ (ح) بِلاَ أَذَانٍ (و) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظُّهْرَ كَالفَائِتَةِ فَلاَ يُؤَذَّنُ لَهَا.
قال الرافعي: لا شك أن الأذان دعاء إلى الصلاة إعلام للوقت، ولكن لا يدعى به
стр. 401
إلى كل صلاة، بل إلى بعض الصلوات، وليس دعاء على أي وجه اتفق بل له كيفية مخصوصة، ولا يدعو به كل أحد بل بعض الناس، فتمس الحاجة إلى بيان الصلاة التي هي محل الأذان، وبيان كيفية الأذان وصفات المؤذن؛ فتكلم في هذه الأمور في ثلاثة فصولها وافتتح القول في الأول يذكر الخلاف في أنه سنة أم فرض كفاية؟ ولو قدم هذه المسألة على الفصول أجمع، وقصر كلام الفصل الأول على بيان الصلوات التي تشرع فيها الأذان سُّنة كان أم فرضا كان أليق بترجمة الفصل، وكذلك فعل في "الوسيط"؛ واختلفوا في الأذان والإقامة أهما سنتان أم فرضاً كفاية؟ على ثلاثة أوجه:
أصحهما: أنهما سنتان لأنهما للإعلام، والدعاء إلى الصلاة، فصار كقوله: "الصلاة جامعة" في العيدين ونحوهما، ولأَنَّهُ ﷺ : "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَأَسْقَطَ الأَذَانَ مِنَ الثَّانِيَةِ" (١). والجمع سنة، فلو كان الأذان واجباً لما تركه لسنة.
والوجه الثاني: أنهما فرضا كفاية لما روي أنه ﷺ قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإذَا حَضُرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ" (٢).
وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية، وهذان الوجهان هما اللذان أرادهما المصنف بالرأيين.
والثالث: أنهما مسنونتان في غير الجمعة، وفرضا كفاية في الجمعة؛ لأنها اختصت بوجوب الجماعة فيها فاختصت بوجوب الدعاء إليها، وبالوجه الثالث قال ابن خيران، ونسبه القاضي ابن كج والشيخ أبو حامد إلى أبي سعيد الإصطخري، ونسب آخرون إلى أبي سعيد الوجه الثاني دون الثالث، فإن قلنا: هما سُّنة فلو اتفق أهل بلدٍ على تركها، هل يقاتلون عليه فيه وجهان:
أصحهما: لا، كسائر السنن.
والثاني: نعم ينسب إلى أبي إسحاق المروزي، لأنه من شعائر الإسلام فلا يمكن من تركه، وإن قلنا: هما فرضا كفاية فإنما يسقط الحرج بإظهارهما في البلدة أو القرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا؛ ففي القرية الصغيرة يؤذن في موضع واحد، والبلدة الكبيرة لا بد منه في مواضع ومحال، فلو امتنع قوم منها قوتلوا، ومن قال: بافتراضهما في صلاة بالجمعة خاصة فقد اختلفوا؛ منهم من قال: الأذان الواجب هو الذي يقام بين يدي الخطيب فإنه الذي يختص الجمعة فلا يبعد إيجابه كالجماعة والخطبة وغيرهما، وهذا ما حكاه الشيخ أبو محمد عن أحمد بن سيار من
стр. 402
أصحابنا (١)؛ قال الشيخ: ووجدت لفظ الوجوب في هذا الأذان لفظا للشافعي ﵁ فلعله أراد توكيد أمره. ومنهم من قال: يسقط الوجوب بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب. ولك أن تعلم قوله: "مشروع سنة" بالألف؛ لأن بعض أصحاب أحمد ذكر: أن الأذان والإقامة فرضان على الكفاية عندهم وبالميم؛ لأن في تعاليق الشيخ أبي حامد أن مالكاً يقول بوجوب الأذان، ويلزم الإعادة ما بقي من الوقت، فإن ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز.
ونعود بعد هذا إلى بيان محل الأذان وقد ضبطه المصنف فقال: "محله الجماعة الأولى من صلاة الرجال في كل مفروضة مؤداة" وفيه خمسة قيود: أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في العصر هل يؤذن؟ الجديد: أنه يؤذن لما روي أن رسول الله ﷺ قال لأبي سعيد الخدري ﵁: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَكَ حَجَرٌ وَلاَ شَجَرٌ وَلاَ مَدَرٌ إِلاَّ شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
وحكى عن القديم: أنه لا يؤذن، لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، وقال بعض أصحابنا: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية.
هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين، فأما إذا بلغه بالخلاف فيه مرتب على هذا فالخلاف، وأولى بأن لا يؤذن كآحاد الجمع، فإن قلنا: لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان:
أحدهما: لا كالأذان، وأصحهما نعم؛ لأنها للحاضرين فيقيم لنفسه، وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع الصوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لحديث أبي سعيد.
والثاني: إن انتظر حضور جمع رَفَع، وإلا فلا، ولا شك في أنه إذا أذن يقيم.
واعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام إمام الحرمين وهذا الذي اقتبسه منه
стр. 403
المصنف إلا أنه جعل الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر قولاً، وأْطلق في المسألة ثلاثة أقوال، والإمام لم يروه إلا عن بعض الأصحاب، والجمهور اقتصروا على ذكر المذهب المنسوب إلى الجديد ولم يتعرضوا لخلاف، نعم حكى القول القديم في "التتمة" ولكن إذا كان المنفرد يصلي في العصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء. وقوله في الكتاب: (وفي المنفرد في بيته) تخصيص البيت بالذكر يمكن أن يحمل على موافقة ما رواه في "التتمة" ولكنه لم يرد ذلك بل طرد الخلاف في السفر والحضر، وفي "الوسيط". وأما الفرق بين أن يرجو حضور جمع أو لا يرجو فسنبيّن في الأذان للفائتة أنه من أين أخذ، وليكن قوله: (وإن قلنا: يؤذن فيستحب رفع الصوت) مَرْ قُوماً بالواو لما قدمناه.
ويدل على استحباب الأذان للمنفرد وعلى أن الإقامة أولى بالرعاية ما روي أن النبي ﷺ قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ بأَرْضٍ فَلاَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى بِصَلاَتِهِ مَلَكَاهُ وإنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وإقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ صَفٌّ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ أَوَّلُهُمْ بِالْمَشْرِقِ وَآخِرُهُمْ بِالْمَغْرِبِ" (١).
ويستثنى مما ذكرنا من أن المنفرد يرفع صوته بالأذان صورة وهي: ما إذا صلى في مسجد أقيمت الجماعة فيه وانصرفوا، فهاهنا لا يرفع الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى سيما في يوم الغيم.
وثانيهما: كونها جماعة أولى ومهما أقيمت الجماعة في مسجد ثم حضر قوم فإن لم يكن له إمام راتب لم يكره لهم إقامة الجماعة فيه، وإن كان ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يكره، وبه قال أبو حنيفة.
وإذا أقاموا جماعة ثانية مكروهة كانت أو غير مكروهة فهل يُسن لهم الأذان؟ حكى إمام الحرمين عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولين:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهم مدعوّ بالأذان الأول وقد أجاب بالحضور، فصاروا كالحاضرين في الجماعة الأولى بعد الأذان.
والثاني: نعم؛ لأن الأذان الأول قد انتهى حكمه بإقامة الجماعة الأولى، لكن الأذان الثاني لا يرفع فيه الصوت كيلا يلتبس الأمر على الناس، وهذا أظهر، والأول مذهب أبي حنيفة. قال الكرخي في "مختصره"، ولا يؤذن في مسجد له إمام معروف
стр. 404
مرتين. وأما ذكر المصنف للمطروق في صورة المسألة فليس للتقييد؛ لأن رواية صاحب "التقريب" مطلقة ولعله إنما ذكره؛ لأن إقامة الجماعة بعد الجماعة إنما تتفق غالباً في المساجد المطروقة -والله أعلم-.
وثالثهما: صلاة الرجال، ففي جماعة النساء ثلاثة أقوال حكاها في النهاية.
أصحها: وهو نصه في "الأم" و"المختصر": أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان، أما أن الأذان لا يستحب، فلأن الأذان للإبلاغ والاعلام، ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع النساء الصوت خوف الافتتان، وقد روى عن ابن عمر ﵄، أنه قال: "لَيْس عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ" (١) وأما أن الإقامة تستحب فلأنها لاستفتاح الصلاة واستنهاض الحاضرين فيستوي فيها الرجال والنساء، فلو أذنت على هذا القول من غير رفع الصوت لم يكره، وكان ذكراً لله تعالى.
والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة، أما الأذان، فلما سبق، وأما الإقامة فلأنها تبع الأذان.
والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روى عن عائشة ﵂: "أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ" (٢).
ثم لا يختص هذا الخلاف بما إذا صَلَّيْنَ جماعة بل هو جار في المرأة المنفردة، ولكن بالترتيب على الرجل، إن قلنا: لا يؤذن الرجل المنفرد فالمرأة أولى، وإن قلنا يؤذن ففي المرأة هذا الخلاف.
وقوله: "ولا يرفع الصوت بحال" أي: لا ترفع المؤَذِّنَةُ صوتها فوق ما تسمع صواحبها، ويحرم عليها أن تزيد على ذلك.
قال: "في النهاية" وحيث قلنا: في أذان الجماعة الثانية في المسجد الدم أقيم فيه الجماعة الأولى والأذان الراتب: إنه لا يرفع الصوت فلا يعني به [أنه يحرم الرفع، بل يعني به الأولى أن لا يرفع، وإذا قلنا إن المنفرد لا يرفع صوته به ولا يعني به] (٣) أن الأولى أن لا يرفع فإن الرفع أولى في حقه، ولكن يعني به أنه يعتد بأذانه دون الرافع.
ورابعهما: المفروضة، فليس في غير المفروضة أذان ولا إقامة، سواء فيه الصلاة
стр. 405
التي يسن له الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء، والتي لا يسن كصلاة الضحى، لأنه لم ينقل الأمر به عن الرسول ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ﵃ ولكن ينادي لصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء "الصَّلاةَ جَامِعَةٌ" (١) وكذلك لصلاة التراويح إذا أقيمت جماعة، واختلف الناقلون في صلاة الجنازة فعدها المصنف من جملة ما يستحب فيه هذا النداء، وكذلك نقله القاضي ابن كج وآخرون.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وطبقته: لا يستحب لها الأذان والإقامة ولا هذا النداء، ووافقهم صاحب "التهذيب" فلا بأس لإعلام قوله: "بل ينادي لها "الصلاة جامعة"" لهذا السبب.
وخامسها: المؤداة، ففي الفائتة ثلاثة أقوال:
الجديد: أنه لا يؤذن لها؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "حُبِسْنَا عَنْ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِب هَوَيَا مِنَ اللَّيْلِ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلاَلاً فَأَقَامَ لِلْظُّهْرِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَاَ ثُمَّ أَقَامَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَشَاءِ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا مَعَ الإقَامَةِ" (٢).
والقديم: أنه يؤذن لها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه ﷺ كان في سفر فقال: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا" (٣) يعني ركعتي الفجر فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هيبة، ثم نزلوا فتوضأوا، وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر، وركبوا. وقال في "الإملاء": إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن، وإلا فلا.
قال الأئمة: الأذان في "الجديد" حق الوقت، وفي "القديم" حق الفريضة، وفي "الإملاء" حق الجماعة. وهذا الخلاف في الأذان.
أما الإقامة فنأتي بها على الأقوال كلها، ثم استفيد من هذا الخلاف شيئان:
أحدهما: أن الفرق في المنفرديين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر مخرج من قول "الإملاء" مصيراً إلى أن الأذان حق الجماعة، حكى تخريجه منه عن أبي إسحاق المرْوزي.
والثاني: ظهور القول بأن المنفرد في المؤداة [يؤذن، ولولاه لما خض الفائتة في هذه الأقوال بالتنصيص عليها، ومتى استثنى الخلاف في المنفرد بالمؤداة هل] (٤) يؤذن
стр. 406
لها؟ وجب أن يرتب فنقول: إن قلنا: المؤداة لا يؤذن لها فالفائتة أولى، وإن قلنا: يؤذن ففي الفائتة خلاف. ولو أقيمت الفائتة جماعة فلا جريان للقول الثالث.
واعلم بعد هذا أن قول المصنف: (في صلاة الفائتة المفروضة ثلاثة أقوال) لفظ (المفروضة) مستغني عنها فإنا عرفنا بالتقييد سابقاً أن غير المفروضة لا أذان لها إذا كانت مؤداة فكيف يتوهم لها الأذان إذا كانت مؤداة فائتة ثم قوله: (فيه ثلاثة أقوال: في الثالث يقيم ولا يؤذن) يقتضي أن يكون أحد الأقوال أنه يؤذن لها.
والثاني: أنه لا يؤذن لها ولا يقيم.
والثالث: ما ذكره، وتكون هذه الأقوال حينئذ على مثال ما قدمته في جماعة النِّسَاء لكنه سهو هاهنا بلا شك، فقد أطبقت النقلة على أن الفائتة يقيم لها وإنما الأقوال في الأذان، وأن ثالثها الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظره، وقد نقلها المصنف على الصحة في "الوسيط" فقال في "الجديد": يقيم ولا يؤذن، وفي "القديم": يقيم ويؤذن، وفي "الإملاء" إن انتظر حضور جمع أذن، إلا اقتصر على الإقامة، وهي متفقة على أنه يقيم لها، وهذا كله في الفائتة الواحدة، فإن كانت عليه فوائت وقضاها على التوالي ففي الأذان للأولى هذه الأقوال، ولا يؤذن لما عداها بلا خلاف، ويقيم لكل واحدة منها الأولى وغيرها. وعند أبي حنيفة: يتخير فيما بعد الأولى إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة. ولو وإلى بين فريضة وقت وفائتة فإن قدم فريضة الوقت أذن وأقام لها واقتصر على الإقامة للفائتة، وإن قدم الفائتة أقام لها، وفي الأذان الأقوال. وأما فريضة الوقت فقد قال في "النهاية": إن قلنا: يؤذن للفائتة فلا يؤذن للمؤداة بعدها كيلا يتوالى الأذانان، وإن قلنا: يقتصر للفائتة على الإقامة فيؤذن للأداء بعدها ويقيم.
والأظهر: أنه يقتصر لصلاة الوقت بعد الفائتة على الإقامة بكل حال؛ لحديث أبي سعيد الخدري، فإنه لم يأمر للعشاء بالأذان، وإن جمع بين صلاتي جمع لِسَفَرٍ أو مطر فإن قدم الأخيرة إلى وقت الأولى كتقديم العصر إلى الظهر فيؤذن ويقيم للأولى، ويقتصر للثانية على الإقامة، لما روى أنَّه ﷺ : "جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانٍ وَإقَامَتَيْنِ" (١)، وأيضاً فإنه لو أذن للثانية (٢) لأخلَّ بالموالاة وهي مرعية عند التقديم لا محالة، وإن أخر الأولى إلى وقت الثانية كتأخير الظهر إلى العصر أقام لكل واحدة منهما، ولم يؤذن للعصر محافظة على الموالاة.
стр. 407
وأما الظهر فتجري فيه أقوال الفائتة؛ لأنها تشبهها من جهة أنها خارجة عن وقتها الأصلي، والأصح: أنه لا يؤذن لها أيضاً؛ لأن النبي ﷺ : "جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِإِقَامَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ".
قال إمام الحرمين -قدس الله روحه- وينقدح أن يقول: يؤذن قبل الظهر (١)، وإن قلنا الفائتة لا يؤذن لها إما لأنها مؤداة ووقت الثانية وقت الأولى عند العذر، وإما لأن إخلاء صلاة العصر عن (الأذان وهي واقعة في وقتها فيعيد) (٢) الأذان الواقع قبل صلاة الظهر للعصر، وقد يؤذن الإنسان لصلاة ويأتي بعده بتطوع وغيرها إلى أن تتفق الإقامة وتخلله لا يقدح في كون الأذان لتلك الصلاة.
وعند أبي حنيفة يصلي للمغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة، ولا يقيم للعشاء ويجوز أن يعلم بالواو قوله: "بلا أذان" وكذا قوله في حالة التقديم: "فيؤذن للظهر" لأنه لتخصيص الأذان بالظهر، وقد حكى القاضي أبو القاسم بن كج أن أبا الحسن بن القطان خرج وجهاً أنه يؤذن لكل واحدة من صلاتي الجمعة قدم أو أخر وقوله: (بناء على أن الظهر كالفائتة فلا يؤذن لها) هذا وحده لا يوجب نفي الأذان فيهما لكنه يفيد نفي الأذان للظهر، وأما العصر فإنما لا يؤذن لها لمعنى الموالاة، ويلزم من مجموع الأمرين أن يكون أداؤهما بلا أذان، وقد نجد في بعض النسخ التعرض بسبب نفي الأذان للعصر أيضاً -والله أعلم-.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن القيود الخمسة مختلف فيها كلها سوى القيد الرابع؛ فإن الظاهر عدم اعتبار الأول والثاني واعتبار الثالث والخامس.
فرع: لا يشرع الأذان في الصلاة المنذورة كذلك رواه صاحبُ التهذيب وغيره، ويخرج عن الضابط بقيد الجماعة فإن الجماعة لا يشرع فيها.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الأَذَانِ
قال الغزالي: وَهُوَ مَثْنًى مَثْنًى، وَالإِقَامَةُ فُرَادَى (ح) مَعَ الإِدْرَاجِ، وَالتَّرْجِيعُ (ح).
стр. 408
مَأْمُورٌ بِهِ وَكَذَا التَّثْوِيبُ (ح) فِي أَذَانِ الصُّبْحِ عَلَى القَدِيمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالقِيَامُ وَالاسْتِقْبَالُ شَرْطٌ لِلْصِّحَّةِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الحَيَّعَلَتَيْنِ يَمِيناً وَشِمالاً، وألا يُحَوِّلُ (م ح) صَدْرَهُ عَنِ القِبْلَةِ.
القول في صفة الأذان:
قال الرافعي: الفصل ينتظم مسائل:
أحدها: الأذان مثنى والإقامة فرادى خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "والإقامة كالأذان، إلا أنه يزاد فيها كلمة الإقامة".
لنا: ما روى عن ابن عمر ﵁ قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَثْنَى وَالإقَامَةِ فُرَادَى إِلاَّ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ مَرَّتَيْنِ" (١).
ثم قولنا: (الأذان مثنى) ليس المراد منه أن جميع كلماته مثناه؛ لأن كلمة: "لا إله إلا الله" في آخره لا يؤتى بها إلا مرة واحدة فكلمة التكبير يؤتى بها في أوله أربع مرات خلافاً لمالك حيث قال: "لا يؤتى بالتكبير في أوله إلا مرتين".
لنا: "أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ (٢) كَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ تَلْقِين رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهُ" وكذلك هو في قصة رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وهي مشهورة (٣).
وقولنا: (الإقامة فرادى) لا نعني به أن جميع كلماتها موحدة، بل كلمة التكبير مثناه في الابتداء والانتهاء، وكذلك كلمة الإقامة، هذا قوله في "الجديد" وفي "القديم" لا يقول هذه الكلمات أيضاً إلا مرة، وبه قال مالك: لما روى: "أَنَّهُ أَمَرَ بِلاَلاً أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرِ الإقَامَةَ" (٤). وهذا يقتضي إيتار جميع الكلمات، وحجة الجديد ما قدمنا من خبر ابن عمر ﵄ ومنهم من يقتصر في حكاية القديم على إفراد كلمة الإقامة دون التكبير، ويجوز أن يعلم قوله: (والإقامة فرادى) مع الحاء بالواو؛ لأن
стр. 409
محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا قال: إن رجع في الأذان ثنى الإقامة وإلا أفردها جمعاً بين الأخبار في الباب، وذكر في "التهذيب" أنه قول الشافعي ﵁، لما روي عن أبي محذورة أن النبي ﷺ : "عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَ كَلِمَةً" (١).
الثانية: المستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة، والترتيل: أن يأتي بكلماتها مبينة من غير تمطيط يجاوز الحد. والإدراج أن يأتي بالكلمات حدراً من غير فصل، لما روى عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال لبلال: "إِذَا أَذنت فَتَرَسَّلْ وإِذَا أَقَمْتَ فَأحْدِرْ" (٢)، والترسل: هو الترتيل.
الثالثة: ينبغي أن يرجِّع في أذانه خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، والترجيع هو أن يأتي بالشهادة مرتين مرتين بصوت خفيق ثم يمد صوته فيأتي بكل واحدة منهما مرتين آخريين بالصوت الذي افتتح الأذان به.
لنا: ما روي عن أبي محذورة قال: "أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّأْذِينَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: قُلْ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجعْ فَمُدَّ صَوْتَكَ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ" وذكر باقي الأذان (٣) ووافقنا مالك على أنه يرجع، لكن الصيدلاني روى من مذهبه: أنه لا يزيد في كلمات الأذان بل الترجيع أن يقول مرة: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم مرة أشهد أن محمداً رسول الله ثم يرجع فيمد صوته ويعيد الكلمتين مرة مرة بصوتٍ عالٍ، ثم إن المصنف لم يزد في الكتاب على كون الترجيع مأموراً به، والأمرُ به يشمل المستحق والمستحب فمن أي القسمين هو؟ الأصح أنه مستحب، ولو تركه لم يضر كالتثويب، ولأن المقصودَ الإعلامُ والإبلاغُ والذي يأتي به بصوت خفيض لا يسمعه إلا من حوله فلا يتعلق به إبلاغ. وفيه وجه آخر: أنه مستحق
стр. 410
فيه كسائر الكلمات المأمور بها، ومنهم من يحكيه قولاً:
الرابعة: "التَّثْوِيبُ فِي أَذَانِ الصُّبْح وَرَدَ الْخَبَرُ بِهِ (١)، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ الْنَّوْمِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَأتِي بِبَاقِي الأَذَانِ".
وسمى تثويباً من قولهم ثاب إلى الشيء أي عاد، والمؤذن يعود به إلى الدعاء إلى الصَّلاة بعد ما دعى إليها بالحيعلتين. وفيه طريقان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن فيه قولين:
القديم: أنه يثوب. والجديد: أنه لا يثوب.
والثاني: القطع بأنه يثوب، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي عن بلال ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلاَّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ" (٢). وبهذه الطريقة قال أبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ والشَّيْخُ أبو حامد والقاضي ابن كج، وحكاها الصيدلاني واعتمدها، قال هؤلاء: وإنما كرهه في الجديد معللاً بأن أبا محذورة لم يحكه، وقد ثبت عن أبي محذورة أنه قال: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ الأَذَانَ وَقَالَ: "إذَا كُنْتَ فِي أَذَانِ الصُّبْح فَقُلْتَ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ فَقُلِ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ" (٣). فيحتمل: أنه لم يبلغه عن أبي محذورة، وبنى التثويب في القديم على رواية غيره، ويحتمل أنه بلغه في "القديم" ونسبه في "الجديد"، وعلى كل حال فاعتماده في الجديد على خبر أبي محذورة وروايته فكأنه قال: مذهبي ما ثبت في حديثه، ومن أثبت القولين قال المسألة مما يفتى فيها على "القديم". وأما أبو حنيفة فقد روي عنه مثل مذهبنا، وروي أنه يمكث بعد الأذان بقدر عشرين آية ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين، وقال: إنه التثويب، ثم المشهور في التثويب القطع بأنه ليس بركن في الأذان. وقال إمام الحرمين: فيه احتمال عندي من جهة أنه يضاهي كلمات الأذان في شرع (٤). رفع الصوت به فكان أولى بالخلاف من الترجيع.
стр. 411
وقوله: "وكذا التثويب في أذان الصبح" مطلق يشمل الأذان الأول والثاني للصبح لكن ذكر في "التهذيب" أنه إذا أذن مرتين وَثَّوَب في الأول لا يثوب في الثاني على أصح الوجهين:
الخامسة: ينبغي أن يؤذن ويقيم قائماً: "لَأَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ فِي الْمَنَام أَذَّنَ قَائِماً (١) وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِلاَلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤَذِّنِي رَسُولِ الله ﷺ " ولأنه أبلغ في الإعلام، فلو ترك القيام مع القدرة ففيه وجهان:
أصحهما: أن الأذان والإقامة صحيحان لحصول أصل الإبلاغ والإعلام؛ ولأنه يجوز ترك القيام في صلاة النفل ففي الأذان أولى إلا أنه يكره ذلك إلا إذا كان مسافراً فلا بأس بأن يؤذن راكباً قاعداً.
والثاني: أنه لا يعتد بأذانه وإقامته كما لو ترك القيام في الخطبة، وهذا لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه، وينبغي أن يستقبل فيهما القبلة بمثل ما قدمنا، ولو تركه وأذن مستديراً ففيه الخلاف المذكور في ترك القيام (٢). ويستحب الالتفات في الحَيْعَلَتَيْنِ يميناً وشمالاً وذلك بأن يلوي رأسه وعنقه من غير أن يحول صدره عن القبلة أو يزيل قدميه عن مكانهما، لما روي عن أبي جحيفة قال: "رَأَيْتُ بلاَلاً خَرَجَ إلَى الأَبْطَح فَأذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينَاً وَشِمَالاً وَلَمْ يَسْتَدبِرْ" (٣).
وكيفيته: أن يلتفت يميناً فيقول: حي على الصَّلاَة مرتين، ثم يلتفت شمالاً فيقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا هو الأصح وعليه العمل، وبه قال أبو حنيفة.
وعن القفال، أنه يقسم كل حيعلة على الجهتين فيقول: حي على الصلاة مرة عن يمينه ومرة عن يساره، وكذلك قوله: حي على الفلاح، ولفظ الكتاب يصلح لهذا الوجه بأن يكون المعنى أن يلتفت في كل حيعلة يميناً وشمالاً ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد الهيئة المشهورة، والمعنى مستحب أن يلتفت في الحيعلتين يميناً في الأُولى وشمالاً في الثانية، ثم حكى صاحب "البيان" على الوجه الأول وجهين. فيما يفعل إلى إتمام كل واحدة من الحَيْعَلَتَيْن.
أحدهما: أنه يلتفت يميناً ويقول: حي على الصّلاة مرتين، ثم يرد وجهه إلى
стр. 412
القبلة ثم يلتفت شمالاً ويقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا ما عليه العمل.
والثاني: يلتفت يميناً ويقول: حي على الصلاة مرة، ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلتفت يميناً، ويقول: حي على الصلاة مرة أخرى وكذلك يفعل بالجهة الثانية، وإنما اختصت الحيعلتان بالالتفات دون سائر الأذان؛ لأن سائر الأذان ذكر الله تعالى وهنا خطاب الآدمي فلا يعدل عن القبلة فيما ليس بخطاب الآدمي، وهذا كالسلام في الصلاة ويلتفت فيه، ولا يلتفت في سائر الأذكار، وإنما لم يستحب في الخطبة أن يلتفت يميناً وشمالاً، لأن ألفاظها تختلف، والغرض منها الوعظ والإفهام فلا يخص بعض الناس بشيء منها كيلاَ يختل الفهم بذهاب بعض الكلام عن السماع، وهاهنا الغرض الإعلام بالصوت، وذلك يحصل بكل حال، وفي الالتفات إسماع النواحي، وهل يستحب الالتفات في الإقامة؟ فيه وجهان:
أشهرهما: نعم كما في الأذان.
والثاني: لا، لأن المقصود منها إعلام الحاضرين فلا حاجة إلى الإلتفات إلا أن يكبُرَ المسجد، ويحتاج إليه وليكن قوله: "ولا يحول صدره عن القبلة" معلماً بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد إن أذن على المنارة دار عليها، وإن أذن على وجه الأرض اقتصر على الالتفات.
قال الغزالي: وَرَفْعُ الصَّوْتِ في الأذان رُكْنٌ.
قال الرافعي: ينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالأذان وأن يبالغ فيه ما لم يجهده، وروي أنه ﷺ قال: "يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ" (١).
ثم الأذان ينقسم إلى ما يأتي به الإنسان لنفسه وإلى ما يأتي به للجماعة.
أما الأول: فيكفي فيه أن يسمع نفسه على المشهور؛ لأن الغرض منه الذكر، دون الإعلام. وقال الإمام: الاقتصار على إسماع النفس يمنع كون المأتي به أذاناً وإقامة، فليرد عليه قدر ما يسمع من عنده لو حضر، ثم يقر، بخلاف الذي قدمناه في أن المنفرد إذا أذن هل يرفع صوته؟ مفروض على المشهور في أنه هل يستحب الرفع؟ وعلى ما ذكره الإمام في أنه هل يعتد به دون الرفع؟ وأما الأذان للجماعة فقد ثقل عن نصه أنه لو جهر بشيء من الأذان وخافت بشيء لم يكن عليه إعادة ما خافت به كما لو أسر بالقراءة في موضع بالجهر، وللأصحاب فيه ثلاثة أوجه:
стр. 413
أحدها: أنه لا بأس بالإسرار جرياً على ظاهر النص.
وثانيها: أنه لا يجوز الإسرار بالكل، ولو أسر بكلمة أو بكلمتين فلا بأس، والنص محمول على هذه الحالة.
وأصحها: وبه قال صاحب "الإفصاح" أنه لا يجوز الإسرار بشيء منه؛ لأن ذلك مما يبطل مقصود الأذان، وهو الإبلاع والإعلام، والنص محمول على أذان المنفرد، وقد عرفت بما ذكرنا أن لفظ الكتاب محمول على أذان الجماعة، ثم هو معلم بالواو للوجهين الآخرين، وأما الإقامة فلا يكفي فيها الاقتصار على إسماع النفس كما في الأذان على الأصح، ولكن الرفع فيها دون الرفع في الأذان لأنها للحاضرين.
قال الغزالي: وَالتَّرْتِيبُ فِي كَلِمَاتِ الأذانِ شَرْطٌ فَلَوْ عَكَسَهَا لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَإن طَوَّلَ السُّكُوتَ في أَثْنَائِهَا فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ بَنَى عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَقْوَلانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْبُطْلاَنِ، وَلَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الأذَانِ بَطُلَ وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةُ تُحْبِطُ العِبَادَةَ.
قال الرافعي: لعلك تقول لم عد رفع الصوت ركناً والترتيب شرطاً فاعلم أنه ليس في هذا كبير شيء، وكلاهما مما لا بد منه، ولو عد الترتيب ركناً في الأذان كما فعل في الوضوء لم يبعد، لكن يمكن أن يقال: ركن الشيء ما يفوت بفواته المقصود من ذلك الشيء، والشرط زينة الشيء وتتمته، وإذا كان كذلك فرفع الصوت مما يفوت بفواته المقصود من الأذان وهو الإعلام، والترتيب زينة وهيئة للكلمات، وبهذا فرقنا بين الترتيب وسائر الأركان في الوضوء، فجعلنا النسيان عذراً فيه دون غيره على قول: إن الظن إنه ما قصد تحقيق فرق بينهما، وفي سياق كلامه في "الوسيط" ما يفهم ذلك وغرض الفصل: أنه يعتبر في الأذان شيئان:
أحدهما: الترتيب بين كلماته؛ لأن النبي ﷺ "علمه مرتباً" فيتبع، ولأنه لو لم يكن لها ترتيب خاص لأورث ذلك اختلال الإعلام والإبلاغ، فلو عكس الكلمات لم يعتد بها معكوسة، ويبني على القدر المنتظم، ولو نزل بعض الكلمات من خلاله أتى به وأعاد ما بعده.
الثاني: الموالاة؛ لأن غرض الإعلام يبطل إذا تخلل الفصل الطويل ويظن السامعون أنه لعب أو تعليم. ويتعلق بهذا الشرط مسائل:
إحداها: لو سكت في أثناء الأذان يسيراً لم يضر؛ لأن مثله يقع للنفس والاستراحة ولا ينقطع به الولاء، وإن طول السكوت فقد حكى في الكتاب فيه قولين، وبناهما الإمام على القولين في الطهارة، وهذا أولى باعتبار الموالاة فيه كيلا يلتبس الأمر على السامعين ولا يبطل غرض الإعلام، فإن أعتبرنا الموالاة بطل المأتي به بالسكوت
стр. 414
الطويل ووجب الاستئناف، وإلا فله البناء على المأتي به، وبنى بعض الأصحاب القولين على القولين في جواز البناء على الصَّلاَة، إذا سبقه الحدث.
الثانية: الكلام في خلال الأذان بمطلقه لا يبطله؛ لأنه ليس بآكد من الخطبة، وهي لا تبطل به، ولكن ينظر إن كان يسيراً لم يضر كما في الخطبة وكما في السكوت اليسير، هذا هو المشهور، وعن الشَّيْخِ أبي محمد تردد في تنزيل الكلام اليسير إذا رفع الصوت به منزلة السكوت الطويل، لأن الكلام أيقع وأشد جرًا للبس من السكوت، وإن تكلم بكلام كثير ففيه قولان مرتبان على السكوت الطويل وهو أولى بإبطال الولاء لما ذكرنا، وإذا خرج عن أهلية الأذان بغير الردة كما إذا أغمي عليه أو نام في خلال الأذان، فهو على هذا التفصيل: إن كان يسيراً أو زال على قرب لم يضر وجاز البناء عليه، وإن طال ففيه القولان، وإن خرج عن أهلية الأذان بالردة فسيأتي. واعلم أن صاحب "الإفصاح" والعراقيين قالوا: يجوز البناء في هذه الصور وإن طال الفصل، وحكوه عن نص الشافعي ﵁، لكن الأشبه وجوب الاستئناف عند تخلل الفصل الطويل؛ لأنهم اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان، وما يقتضي اشتراط الترتيب فيه هو بعينه يقتضي اشتراط الموالاة، وهذا هو الذي أورده الصيدلاني والشيخ أبو علي وتابعهما صاحب "التهذيب" وغيره، وحملوا كلام الشافعي ﵁ على الفصل اليسير، ثم في الإغماء والنوم يستحب الاستئناف وإن لم يجب إما لقصر الزمان أو على قولنا أنه لا يضر وإن طال الزمان، وكذلك يستحب الاستئناف في الكلام والسكوت الكثيرين وإن قلنا: إنهما لا يبطلان ولا يستحب الاستئناف إذا كانا يسيرين.
الثالثة: المستحب أن لا يتكلم في أذانه بشيء، فلو عطس حمد الله تعالى في نفسه وبنى، ولو سلم عليه إنسان أو عطس لم يجب ولم يشمت حتى يفرغ، ولو أجاب أو شمت أو تكلم بما فيه مصلحة لم يكره، وإن ترك المستحب، وإن رأى أعمى يكاد يقع في بئر فلا بد من إنذاره.
الرابعة: إذا لم يحكم ببطلان الأذان بالفصل المتخلل فله أن يبني على أذانه، وهل لغيره البناء عليه؟ فيه [قولان] (١) بناهما بعضهم على جواز الاستخلاف في الصلاة.
وقال: إن جوزنا صلاة واحدة بإمامين ففي الأذان أولى، وإن لم نجوز ففي الأذان قولان.
والفرق أن الأذان لا يتأثر بالكلام اليسير والإغماء بخلاف الصلاة، ومنهم من بناهما على جواز البناء على خطبة الخطيب إذا أغمي عليه في أثنائها، وهما قريبان، لأن
стр. 415
الخلاف في الخطبة أيضاً مبني على قولي الاستخلاف في الصلاة، ولذلك إذا جوزنا البناء شرطنا أن يكون الذي يبني ممن سمع الخطبة من أولها، ومنهم: من رتب بناء غيره على بنائه على أذان نفسه عند طول الفصل وهو أولى بالبطلان؛ لأن صدور الآذان من رجلين أبلغ في أثارة اللبس، وهذا الترتيب هو المذكور في الكتاب، وظاهر المذهب المنع من بناء الغير عليه.
الخامسة: لو ارتد بعد الفراغ عن أذانه ثم أسلم وأقام جاز، لكن المستحب أن لا يصلي بأذانه وإقامته بل يعيد غيره الأذان ويقيم؛ لأن ردته تورث شبهة في حاله، ولو ارتد في خلال الآذان لم يجز البناء عليه في الردة بحال، لأن أذان الكافر لا يعتد به كما سيأتي، ولو عاد إلى الإسلام فهل يجوز البناء عليه؟ منهم من يحكي فيه قولين، وكذلك فعل المصنف، ومنهم من رواهما وجهين، وهم الأكثرون، وإنما كان كذلك لأنهما ليس بمنصوصين، لكن روي عن نصه في الآذان أنه لا يبني، وفي المعتكف إذا ارتد ثم أسلم أنه يبني فخرجوهما على قولين:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز البناء؛ لأنه عبادة واحدة فتحبط بعروض الردة فيها كالصلاة وغيرها، وأصحهما الجواز، والردة إنما تمنع العبادة في الحال فلا تبطل ما مضى إلا إذا اقترن بها الموت، وتخرج عليه الصلاة ونحوها من العبادات؛ لأنها لا تقبل الفصل بحال، وقطع بعضهم بهذا الوجه الثاني، وحمل كلام الشافعي ﵁ على ما إذا أطال زمان الردة، فالحاصل في الردة طريقتان:
إحداهما: طرد الخلاف في مطلق الارتداد، طال زمانه أم قصر، وعلى هذا فللبطلان عند طول الزمان مأخذان طول الفصل، وكون الردة مبطلة للعبادة.
والطريقة الثانية: تخصيص الخلاف بما إذا طال زمان الارتداد، وتجويز البناء إذا قصر جزماً، وعلى هذا فالردة بمثابة الإغماء والكلام وغيرهما، وهل لغير المرتد البناء على أذانه؟ فيه الخلاف الذي سبق، وكذا لو مات في خلال الأذان.
وقوله: "ولو ارتد في أثناء الأذان بطل وإن قصر الزمان على أحد القولين" جرى على الطريقة الأولى وإثبات للخلاف في طول الزمان وقصره تعليلاً بأن الردة مبطلة للعبادة.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ المُؤَذِّنِ
قال الغزالي: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً عَاقِلاً ذَكَراً، فَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ كَافِرٍ وَامْرَأَةٍ وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ مُخَبطٍ، وَيصِحُّ أَذَانُ الصَّبِي المُمَيِّزِ.
стр. 416
قال الرافعي: الصفات المعتبرة في المؤذن تنقسم إلى مستحقة ومستحبة، فبدأ بالمستحقة وهي الإسلام، والعقل، والذكررة. أما الإسلام فلا يصح أذان الكافر؛ لأنه ليس من أهل العبادة، ولأنه لا يعتقد مضمون الكلمات، ولا الصلاة التي هي دعاء إليها فإتيانه به ضرب من الاستهزاء، ثم الكفار ضربان:
أحدهما: الدين يستمر كفرهم مع الإتيان بالأذان وهم العيسوية فرقة من اليهود، ويقولون: محمد رسول الله إلى العرب خاصة، فلا ينافي لفظ الأذان مقالتهم.
والثاني: سائر الكفار، وفي الحكم بإسلامهم بكلمتي الشهادة في الأذان وجهان نقلهما صاحب "البيان":
أحدهما: لا تحكم؛ لأنه يأتي به على سبيل الحكاية.
وأصحهما: وهو المشهور في الكتب: أنه يحكم بالإسلام، كما لو تكلم بالشهادتين باستدعاء غيره، فعلى هذا لا يستمر كفر هؤلاء مع الإتيان بالأذان، ولكنه لا يعتد بأذانهم؛ لوقوع أوله في الكفر.
وأما العقل: فهو شرط، فلا يصح أذان المجنون، لأنه ليس أهلاً للعبادة، وفي أذان السكران وجهان مبنيان على الخلاف في تصرفاته واعتبار قصده.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يلحق بالمجنون تغليظاً للأمر عليه، وإنما شرط كونه مخبطاً إشارة إلى أن الذي هو في أول النشو ومبادئ النشاط يصح أذانه كسائر تصرفاته لانتظام قوله وفعله.
وأما الذكورة فلا يصح من المرأة أن تُؤَذِّنَ للرجال كما لا يجوز أن تؤمهم، وكذلك لا يعتد بأذان الخنثى المشكل، للرجال، وأما أذان المرأة لنفسها ولجماعة النساء فقد سبق حكمه.
وقوله: "ولا يصح أذان كافر وامرأة" المراد منه ما إذا أذنت للرجال، وإن كان الكلام مطلقاً، ويصح الأذان من الصبي المميز، لوجود الشرائط الثلاث وصار كإمامته للبالغين وليكن قوله: "ذكراً" وقوله: "وامرأة" مرقوماً بالحاء؛ لأن المحكي عن أبي حنيفة أنه يعتد بأذانها للرجال، وبالواو لأن صاحب التتمة روي وجهان مثل ذلك وليكن قوله: "ويصح أذان الصبي المميز" معلماً بالواو أيضاً لأن صاحب التتمة روى أنه لا يعتد بأذانه. ومأخذ الوجهين الغريبين تنزيل الأذان منزلة الإخبار، لأنه بناء عن دخول الوقت وخبر المرأة مقبول، وخبر الصبي غير مقبول.
قال الغزالي: وَتُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ في الأَذَانِ، وَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَالكَرَاهِيَةُ فِي الجُنُبِ أَشَدُّ، وَفي الإِقَامَةِ أَشَدُّ.
стр. 417
قال الرافعي: يستحب الطهارة في الأذان ولا تجب خلافاً لأحمد وبعض أصحابه. لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال: "حَقٌّ وَسَنَّةٌ أَنْ لاَ يُؤَذِّنَ الرَّجَلُ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ" (١). وهذا يقتضي الاستحباب وينفي الوجوب، وروي أنه ﷺ قال: "لاَ يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِئٌ" (٢).
وأيضاً: فإنه يدعو إلى الصلاة فينبغي أن يكون هو بصفة تمكنه أن يصلي، إلا فهو واعظ غير متعظ، فلو أذن، أو أقام جنباً، أو محدثاً فقد فعل مكروهاً، ولكن يحسب أذانه؛ لحصول مقصوده وكونه أهلاً، وأذان الجنب أشد كراهةً من أذان المحدث؛ لأن الجنابة أغلظ، وما يحتاج إليه الجنب لتمكنه الصلاة فوق ما يحتاج إليه المحدث، والإقامة مع أي واحد من المحدثين اتفقت أشد كراهة من الأذان مع ذلك الحدث؛ لأن الإقامة يتعقبها الصلاة، وتكون بعد حضور القوم فإن انتظروه ليتطهر ويعود شق عليهم، إلا ساءت الظنون فيه واتهم بالكسل في الصلاة.
قال الغزالي: وَلْيَكُنِ المُؤَذِّنُ صَيِّتاً حَسَنَ الصَّوْتِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِسَامِعِيهِ، وَلْيَكُنْ عَدْلاً ثِقَةً لِتَقَلُّدِهِ عُهْدَةَ المَوَاقِيتِ.
قال الرافعي: مما يستحب في المؤذن أن يكون صيّتاً لقوله ﷺ ، في قصة عبد الله بن زيد: "أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ، فَإنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا" (٣).
والمعنى فيه: زيادة الإبلاغ والإسماع؛ ولهذا يستحب أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه لتنسد خروق الأذنين فيكون أجمع للصوت، وأن يؤذن على موضع عالٍ من منارة وسطح ونحوهما، ومما يستحب فيه أن يكون حسن الصوت "لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ" (٤) ولأن الدعاء إلى العبادة جذب للنفوس إلى خلاف ما تقتضيه طباعها، فإذا كان الداعي حلو المقال رقت قلوب السامعين فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر، ومما يستحب فيه أن يكون عدلاً لمعنيين:
أحدهما: أن السنة أن يؤذن على موضعٍ عالٍ، وحينئذ يشرف على العورات، فإذا كان عدلاً غض البصر وأُمِنَ منه.
والثاني: أنه يتقلد عهدة المواقيت، فإذا كان فاسقاً لم يؤمن أن يؤذن قبل الوقت، وهذا المعنى الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، فإن قلت: قد قَدَّمْتُم فيما سبق خلافاً في
стр. 418
أنه هل يجوز الاعتماد على أذان المؤذن أم لا؟ فإن جاز فربما يؤذن قبل الوقت فيفطر الصائم ويصلي المبادر، فيلزم المحذور، أما إذا لم يجز فكل يعمل بعمله واجتهاده فلا يستمر هذا المعنى، قلنا الأذان قبل الوقت غير محسوب ولا يؤمن أن نقدمه على الوقت فيكون القوم مصلين بغير أذان، وكل أحد وإن اجتهد للصلاة فلا يجتهد للآذان فظهر المحذور على التقدير الثاني أيضاً.
وأما قوله: "عدلاً ثقة" فلعلك تقول: لم جمع بين اللفظين؟ فاعلم أنهما جميعاً موجودان في كلام الشافعي ﵁، واختلف الأصحاب منهم من قال: إنه تأكيد في الكلام، ومنهم من قال: أراد عدلاً في دينه ثقةً في العلم بالمواقيت، ومنهم من قال: أراد عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبدًا؛ لأن العبد لا يوصف بالعدالة لكن يوصف بالثقة والأمانة.
قال الغزالي: والإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْذِينِ عَلَى الأَصَحِّ لِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: كل واحد من الأذان والإمامة عمل فيه فضيلة، ثم لا يخلو إما أن تكون الإمامة أفضل من الأذان أو بالعكس أو لا يكون واحد منهما أفضل من الآخر، ورابع هذه الأقسام محال.
فأما القسم الثالث: وهو التسوية بينهما فهو وجه غريب لبعض الأصحاب حكاه صاحب "البيان" وغيره، وأما القسمان الأولان ففيهما وجهان مشهوران:
أحدهما: أن الإمامة أفضل؛ لأن الرسول ﷺ واظب عليها دون الأذان، وكذا الخلفاء بعده.
والثاني: أن الأذان أفضل لقوله ﷺ : "الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاء وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأرْشِدِ اللَّهُمَّ الأَئِمَّةَ واغْفِرْ لِلْمُؤذِّنِينَ" (١)، والأمين أحسن حالاً من الضمين، والدعاء بالمغفرة خيرٌ من الدعاء بالإرشاد، واعتذر الصائرون إلى هذا الوجه عن ترك الرسول ﷺ الأذان بوجوه:
أحدها: أنه إذا قال: حي على الصلاة لزم أن يتحتم حضور الجماعة؛ لأنه أمر ودعاء وإجابة النبي ﷺ واجبة، فتركه شفقة على أمته.
والثاني: إنه لو أذن لكان إما أن يقول أشهد أن محمَّدًا رسول الله وليس ذلك يجزل والقائل محمد الرسول ﷺ ، وإما أن يقول أشهد أني رسول الله وهو تغيير لنظم الآذان.
стр. 419
والثالث: أنه ما كان يفرغ للمحافظة على الآذان لاشتغاله بسائر مهمات الدِّين، وغيره والصلاة لا بد من إقامتها بكل حال فأثر الإمامة فيها، وإلى هذا الوجه أشار عمر ﵁ بقوله: "لَوْلاَ الخِلَّيْفَى لَأذَّنْتُ" (١) ولمن نصر الوجه الأول أن يقول: لا أسلم أنه لو أذن لتحتم الحضور وإنما يلغ ذلك أن لو كان الأمر والدعاء في هذا الموضع للإيجاب، ومعلوم أن الأوامر منقسمة إلى ما يكون للإيجاب، وإلى ما يكون للاستحباب (٢).
وأما الثاني فلم قلتم: أنه لو قال أشهد أن محمداً رسول الله لاختلت الجزالة ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٣) ونظائر ذلك (٤) لا تحصى، ثم ما قولكم في كلمة الشهادة في التشهد أكان يقول أشهد أن محمدًا رسول الله أو يقول أشهد أني رسول الله، فإن كان الأول فلا اختلال، وإن كان الثاني هو المنقول فلم احتمل تغيير النظم فيه، ولا يحتمل هاهنا.
وأما الثالث فلا نسلم أن الاشتغال بسائر المهمات يمنع من الأذان مع حضور الجماعة وإقامة الصلوات في أول الوقت بتقدير التسليم فلا شك أنه كان له أوقات فراغ فينبغي أن يؤذن في تلك الأوقات.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي اختاره كثيرون من أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه أن الأذان أفضل وَغلَّطُوا من صار إلى تفضيل الإمامة وبالغوا فيه وتابعهم صاحب "التهذيب" وعكس المصنف ذلك فجعل تفضيل الإمامة أصح، والذي فعله أولى وإليه ذهب صاحب "التقريب" والقفال، والشيخ أبو محمد وغيرهم. ورجحه القاضي الرّوياني أيضاً، وحكاه عن نص الشافعي ﵁ في كتاب "الإمامة" وعلل بأن الإمامة أشق فيكون الفضل فيها أكثر، وتوسط بعض علمائنا بين المذهبين، منهم أبو علي الطبري والقاضي ابن كج، والمسعودي، والقاضي الحسين، فقالوا: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وما ينوب فيهما واستجمع خصالها فالإمامة أفضل له، وإلا فالآذان
стр. 420
أفضل، وأما الجمع بين الآذان والإمامة فلا يستحب [لأنه] لم يفعله الرسول ﷺ ، ولا أمر به، ولا السلف الصالح بعده (١)، وأغرب القاضي ابن كج فقال: الأفضل لمن يصلح لهما أن يجمع بينهما، ولعله أراد الآذان لقوم والإمامة لآخرين والله أعلم.
قال الغزالي: وَللإمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الأَذَانِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَهَلْ لِآحَادِ النَّاسِ ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المؤذن يستحب له التطوع بالأذان، لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ أذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ" (٢).
فإن لم يتطوع وطمع في شيء ففيما يصرف إليه؟ طريقان:
أحدهما: إدرار رزق عليه.
والثاني: أن يعطي أجرة في إجارة، والمذكور في الكتاب هو الثاني، فأما الطريق الأول فللإمام أن يرزق المؤذن من مال المصالح وهو خمس خمس الفيء، والغنيمة المضاف إلى الله تعالى ورسوله، ولا يرزقه من أربعة أخماس خمسها؛ لأنها لأقوام مخصوصين كالزكاة، وكذا لا يرزقه من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنها للغانمين، وفي أربعة أخماس الفيء قولان يأتي ذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى، إن جعلناها للمصالح جاز أن يرزقه منها، وإلا فلا، ثم إنما يرزق عند الحاجة وعلى قدر الحاجة، فلو وجد فاسقاً يتطوع بالأذان [وأميناً لا يتطوع] فله أن يرزق أميناً لا يتطوع.
وفيه وجه: بعيد، ولو وُجِدَ أميناً يتطوع وثَمَّ آخر حسن صوتاً منه فهل يجوز أن يرزقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينسب إلى ابن سريج: نعم.
стр. 421
والثاني: ويحكى عن القفال: لا، وإذا كان في البلد مساجد: فإن لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عدداً من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار، وإن أمكن فوجهان.
أحدهما: يجمع ويقتصر على رزق واحد نظراً لبيت المال.
والثاني: يرزق الكل حتى لا تتعطل المساجد ولو لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع، وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره، وكما يجوز الرزق من بيت المال يجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه، وكذلك للواحد من الرعايا وحينئذ لا حجر، يرزق كما شاء ومتى شاء.
وأما الطريق الثاني: وهو أن يستأجر على الأذان ويعطي أجرة عليه فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه لا يجوز، لأنه عمل يعود نفعه إلى الأجير، فلا يصح الاستئجار عليه كالاستئجار على القضاء لا يجوز وإن جاز أن يرزق القاضي من بيت المال، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي ﵁.
وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال مالك؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فيجوز أخذ الأجرة عليه ككتبة المصاحف، وعلى هذا فهل يختص الجواز بالإمام أم يجوز لكل واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يختص بالإمام، أو من أذن له الإمام؛ لأنه من الشعائر والمصالح العامة، والإمام هو القوام بها فيصرف مال بيت المال إلى هذه الجهة.
وأظهرهما: إنه يجوز لآحاد الناس من أهل المحلفة وغيرهم الاستئجار عليه من مالهم، كالاستئجار على الحج، وتعليم القرآن، ويحصل من هذا الترتيب ثلاثة أوجه:
المنع المطلق، والجواز المطلق والفرق بين الإمام وغيره، وقد ذكرها المصنف جميعاً في باب "الإجارة" من الكتاب وإن لم يذكر في الإمام خلافاً في هذا الموضع، فلو أعلمت قوله: "وللإمام أن يستأجر" بالواو مع الحاء والألف لكان صحيحاً، والمذكور في الإجارة يشتمل على القدر المذكور هاهنا مع زيادة، فلو طرحه لما ضر، وإذا فرعنا على جواز الاستئجار فإنما يجوز للإمام الاستئجار من بيت المال حيث يجوز له الرزق منه خلافاً ووفاقاً، وذكر في "التهذيب" أنه لا يحتاج إلى بيان المدة إذا استأجر من بيت المال؛ بل يكفي أن يقول: استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا، وإن استأجر من مال نفسه أو استأجر واحد من عرض الناس ففي
стр. 422
اشتراط بيان المدة وجهان. قال: والإقامة تدخل في الاستئجار للأذان، فلا يجوز الاستئجار على الإقامة إذ لا كلفة فيها، وفي الآذان كلفة لمراعاة الوقت، وليست هذه الصورة بصافية عن الإشكال.
قال الغزالي: فَرْعٌ: إِذَا كَثُرَ المُؤَذِّنُونَ فَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا، ثُمَّ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلاً فَهُوَ يُقِيمُ فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَوَقْتُ الإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْإمَامِ، وَوَقْتُ الأَذَان بِنَظَرِ المُؤَذِّنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على قاعدتين:
أحدهما يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان كما "كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ -بِلاَلٌ وَابْنُ أَمَّ مَكْتُومٍ".
ومن الفوائد فيه: أن يؤذن أحدهما لصلاة الصبح قبل الفجر والآخر بعده كما تقدم، وتجوز الزيادة لكن الأحب أن لا يزاد على أربعة، فقد اتخذ عثمان ﵁ أربعةً من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد (١)، وإذا ترشح للأذان اثنان فصاعداً فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان إذ لم يفعله مؤذنا رسول الله ﷺ ولكن ينظر إن وسع الوقت ترتبوا فإن تنازعوا في البداية أقرع بينهم، وإنضاق الوقت فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطار المسجد فإنه أبلغ في الإسماع، وإن كان صغيرًا وقفوا معاً وأذنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا أقرع بينهم، روي أنه ﷺ قال: "لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٢).
وإذا انتهى الأمر إلى الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بالإقامة لما روى عن زياد الصدائي قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلاَلُ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ ﷺ : إِنَّ أَخَا صَدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (٣).
وهذا إذا لم يكن مؤذناً راتباً أو كان السابق هو المؤذن الراتب، فأما إذا سبق غير المؤذن الراتب فأذن فهل يستحق ولاية الإقامة؟ فيه وجهان:
стр. 423
أحدهما: نعم لإطلاق الخبر.
وأظهرهما: لا؛ لأنه مسيء بالتقدم، وفي القصة المروية كان بلال غائباً وزياد أذن بإذن رسول الله ﷺ .
وإذا قلنا: ولاية الإقامة لمن أذن أو لا فليس ذلك على سبيل الاستحقاق، بل لو أذن واحد، وأقام غيره اعتد به روى أن عبد الله بن زيد: "لَمَّا أَلْقَى الأَذَانَ عَلَى بِلاَلٍ فَأذَّنَ قَالَ عَبْدُ اللهِ أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أرِيدُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ" (١).
وحكى صاحب "التتمة" وغيره وجهاً أنه لا يعتد به تخريجاً من قول الشافعي ﵁ أنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر، فهذا إذا أذنوا على الترتيب.
أما إذا أذنوا معاً فإن اتفقوا على إقامة واحد فذاك، وإلا أُقرع بينهم، ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، فإنها لاستنهاض الحاضرين، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد.
وقيل: لا بأس، وبأن يقيموا معاً أيضاً إن لم يؤد إلى التشويش.
ونعود إلى لفظ الكتاب قوله: (فلا يستحب أن يتراسلوا بل إن وسع الوقت ترتبوا) نفي لاستحباب التراسل مطلقاً وبيان لما يتسحب على أحد التقديرين، وهو سعة الوقت، وكان اللائق أن يبين معه حكم التقدير الثاني، فالتعرض لأحدهما والسكوت عن الثاني ترك غير مستحسن لا إيجاز. فإن قلت: تقدير للترتيب بما إذا وسع الوقت يفيد أن الحكم بخلافه فيما إذا لم يسع الوقت. قلنا: نعم، لكن لا يفيد إلاَّ أنهم يترتبون، ولا يعرف من ذلك أنهم يؤذنون جميعاً؛ لأن هاهنا قسمًا آخر وهو: أنه لا يؤذن إلا أحدهم، وبتقدير أنه يفيد أنهم يؤذنون جميعاً إما وحده أو بقرينة قوله بعد ذلك: "فإن استووا أقرع بينهم" لكنه لا يفيد أنهم يؤذنون مجتمعين أو متفرقين في نواحي المسجد، فإذا القدر المذكور لا يفيد معرفة الحكم المطلوب، وأما الإقامة فقد بين حكمها على التقديرين. وأما إذا أذنوا مرتبًا فحيث قال: "ثم من أذن أو لا فهو يقيم" وأما إذا أذنوا معاً فحيث قال: فإن استووا أقرع بينهم" والمعنى فإن استووا في الأذان وتنازعوا في الإقامة وإلا فلو سلموها لواحد فلا حاجة إلى القرعة.
وقوله: "من أذن أو لا فهو يقيم" وإن كان مطلقاً لكنه محمول على ما إذا لم يكن السابق مسيئاً بمبادرة [المؤذن] (٢) الراتب كما قدمناه، ثم الحكم بأنه يقيم استحقاق أو استحباب قد ذكرناه.
стр. 424
الثانية: وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، ووقت الإقامة منوط بنظر الإمام، فإنما يقيم المؤذن عند إشارته لما: روى أنه ﷺ قال: "الْمُؤَذِّنُ أمْلَكُ بِالأَذَانِ وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ" (١). والمعنى فيه أن الإقامة سببها أن تعقبها الصلاة على الاتصال، والصلاة إلى الإمام فينبغي أن يكون عازماً على الشروع عند تمامها ولهذا لم يقولوا بترتيب الإقامة عند كثرة المؤذنين، لأن ما سوى الإقامة الأخيرة لا يتصل بها الصلاة. ونختم الباب بذكر محبوبات مما يتعلق بالأذان، أهملها المصنف.
منها: أن يكون المؤذن ممن جعل رسول الله ﷺ ، أو بعض صحابته الآذان في أبائهم إذا وجد وكان عدلاً صالحًا له، وأن يصلي المؤذن ومن يسمح الأذان على رسول الله ﷺ بعد الأذان، ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ" (٢).
وأن يجيب من يسمح الآذان المؤذن فيقول مثل ما يقول. وإن كان السامع جنبًا أو محدثاً، إلا في الحَيْعَلَتَيْنِ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في كلمة الإقامة فإنه يقول أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها، وإلا في التثويب، فإنه يقول: "صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ" (٣) وفي وجه يقول: "صَدَقَ رَسُول اللهِ ﷺ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم" فإن كان في قراءة أو ذكر، فيستحب أن يقطعهما ويجيب، فإن ذلك لا يفوت، ولو كان في الصلاة فالمستحب لا يجيب حتى يفرغ منها، بل يكره أن يجيب في أظهر القولين، لكن لو أجاب بما استحببناه لم تبطل صلاته، لأنها أذكار، نعم لو قال حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب بطلت صلاته؛ لأنه كلام، ولو أجاب في خلال الفاتحة استأنفها، فإن الإجابة في الصلاة غير محبوبة، ويستحب أن يقول من سمع آذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي" (٤).
стр. 425
ويستحب الدعاء بين الآذان والإقامة، وأن يتحول المؤذن، إلى موضع آخر للإقامة.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الاسْتِقْبَالِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي أَرْكَان ثَلاَثةِ: الأَوَّلُ الصَّلاَةُ وَيَتَعَيَّنُ الاسْتِقْبَالُ فِي فَرَائضِهَا (و) إلاَّ فِي القِتَالِ، فَلاَ تُؤَدَّى فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلاَ مَنْذُورَةٌ إنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَلاَ صَلاَةُ جَنَازَةٍ، (ح) لِأَنَّ الرُّكْنَ الأَظْهَرَ فِيهَا القِيَامُ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) الآية.
وروي أنه ﷺ : "دَخَلَ الْبَيْتَ وَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هذِه الْقِبْلَةُ" (٢).
واعلم أن الاستقبال يفتقر إلى مُسْتَقْبِل، ومُسْتَقْبَل وهو المسمى قبله، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، ومعلوم أن الاستقبال لا يجب في غير حالة الصلاة والحاجة تمس إلى الكلام في الأمور الثلاثة، فلذلك قال: "والنظر فيه في ثلاثة أركان، وهي الصلاة، والقبلة والمستقبل".
أولها: الصلاة، وتنقسم إلى فرائض ونوافل:
أما الفرائض: فيتعين الاستقبال فيها إلا في حالة واحدة وهي حالة شدة الخوف في القتال، فإنه يأتي بها بحسب الإمكان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣).
قال: ابن عمر ﵄: "مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِ مُسْتَقْبِلِهَا".
قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (٤) وقوله في الكتاب: (إلا في القتال) يعني به حالة شدة الخوف لا مطلق القتال، ثم الشرط أن يكون القتال مباحًا على ما سيأتي في "صلاة الخوف" إن شاء الله تعالى، ويلتحق بهذا الخوف ما إذا انكسرت السفينة فبقي على لوح منها وخاف الغرق لو ثبت على وجه القبلة، وكذلك سائر وجوه الخوف، فليس القتال معنياً لعينه، وإنما المعتبر الخوف.