← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والثاني: ويحكى عن القفال: لا، وإذا كان في البلد مساجد: فإن لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عدداً من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار، وإن أمكن فوجهان. أحدهما: يجمع ويقتصر على رزق واحد نظراً لبيت المال. والثاني: يرزق الكل حتى لا تتعطل المساجد ولو لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع، وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره، وكما يجوز الرزق من بيت المال يجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه، وكذلك للواحد من الرعايا وحينئذ لا حجر، يرزق كما شاء ومتى شاء. وأما الطريق الثاني: وهو أن يستأجر على الأذان ويعطي أجرة عليه فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه لا يجوز، لأنه عمل يعود نفعه إلى الأجير، فلا يصح الاستئجار عليه كالاستئجار على القضاء لا يجوز وإن جاز أن يرزق القاضي من بيت المال، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي ﵁. وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال مالك؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فيجوز أخذ الأجرة عليه ككتبة المصاحف، وعلى هذا فهل يختص الجواز بالإمام أم يجوز لكل واحد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يختص بالإمام، أو من أذن له الإمام؛ لأنه من الشعائر والمصالح العامة، والإمام هو القوام بها فيصرف مال بيت المال إلى هذه الجهة. وأظهرهما: إنه يجوز لآحاد الناس من أهل المحلفة وغيرهم الاستئجار عليه من مالهم، كالاستئجار على الحج، وتعليم القرآن، ويحصل من هذا الترتيب ثلاثة أوجه: المنع المطلق، والجواز المطلق والفرق بين الإمام وغيره، وقد ذكرها المصنف جميعاً في باب "الإجارة" من الكتاب وإن لم يذكر في الإمام خلافاً في هذا الموضع، فلو أعلمت قوله: "وللإمام أن يستأجر" بالواو مع الحاء والألف لكان صحيحاً، والمذكور في الإجارة يشتمل على القدر المذكور هاهنا مع زيادة، فلو طرحه لما ضر، وإذا فرعنا على جواز الاستئجار فإنما يجوز للإمام الاستئجار من بيت المال حيث يجوز له الرزق منه خلافاً ووفاقاً، وذكر في "التهذيب" أنه لا يحتاج إلى بيان المدة إذا استأجر من بيت المال؛ بل يكفي أن يقول: استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا، وإن استأجر من مال نفسه أو استأجر واحد من عرض الناس ففي

стр. 422

اشتراط بيان المدة وجهان. قال: والإقامة تدخل في الاستئجار للأذان، فلا يجوز الاستئجار على الإقامة إذ لا كلفة فيها، وفي الآذان كلفة لمراعاة الوقت، وليست هذه الصورة بصافية عن الإشكال. قال الغزالي: فَرْعٌ: إِذَا كَثُرَ المُؤَذِّنُونَ فَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا، ثُمَّ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلاً فَهُوَ يُقِيمُ فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَوَقْتُ الإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْإمَامِ، وَوَقْتُ الأَذَان بِنَظَرِ المُؤَذِّنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. قال الرافعي: الفرع يشتمل على قاعدتين: أحدهما يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان كما "كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ -بِلاَلٌ وَابْنُ أَمَّ مَكْتُومٍ". ومن الفوائد فيه: أن يؤذن أحدهما لصلاة الصبح قبل الفجر والآخر بعده كما تقدم، وتجوز الزيادة لكن الأحب أن لا يزاد على أربعة، فقد اتخذ عثمان ﵁ أربعةً من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد (١)، وإذا ترشح للأذان اثنان فصاعداً فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان إذ لم يفعله مؤذنا رسول الله ﷺ ولكن ينظر إن وسع الوقت ترتبوا فإن تنازعوا في البداية أقرع بينهم، وإنضاق الوقت فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطار المسجد فإنه أبلغ في الإسماع، وإن كان صغيرًا وقفوا معاً وأذنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا أقرع بينهم، روي أنه ﷺ قال: "لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" (٢). وإذا انتهى الأمر إلى الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بالإقامة لما روى عن زياد الصدائي قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلاَلُ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ ﷺ : إِنَّ أَخَا صَدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (٣). وهذا إذا لم يكن مؤذناً راتباً أو كان السابق هو المؤذن الراتب، فأما إذا سبق غير المؤذن الراتب فأذن فهل يستحق ولاية الإقامة؟ فيه وجهان:

стр. 423

أحدهما: نعم لإطلاق الخبر. وأظهرهما: لا؛ لأنه مسيء بالتقدم، وفي القصة المروية كان بلال غائباً وزياد أذن بإذن رسول الله ﷺ . وإذا قلنا: ولاية الإقامة لمن أذن أو لا فليس ذلك على سبيل الاستحقاق، بل لو أذن واحد، وأقام غيره اعتد به روى أن عبد الله بن زيد: "لَمَّا أَلْقَى الأَذَانَ عَلَى بِلاَلٍ فَأذَّنَ قَالَ عَبْدُ اللهِ أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أرِيدُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ" (١). وحكى صاحب "التتمة" وغيره وجهاً أنه لا يعتد به تخريجاً من قول الشافعي ﵁ أنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر، فهذا إذا أذنوا على الترتيب. أما إذا أذنوا معاً فإن اتفقوا على إقامة واحد فذاك، وإلا أُقرع بينهم، ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، فإنها لاستنهاض الحاضرين، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد. وقيل: لا بأس، وبأن يقيموا معاً أيضاً إن لم يؤد إلى التشويش. ونعود إلى لفظ الكتاب قوله: (فلا يستحب أن يتراسلوا بل إن وسع الوقت ترتبوا) نفي لاستحباب التراسل مطلقاً وبيان لما يتسحب على أحد التقديرين، وهو سعة الوقت، وكان اللائق أن يبين معه حكم التقدير الثاني، فالتعرض لأحدهما والسكوت عن الثاني ترك غير مستحسن لا إيجاز. فإن قلت: تقدير للترتيب بما إذا وسع الوقت يفيد أن الحكم بخلافه فيما إذا لم يسع الوقت. قلنا: نعم، لكن لا يفيد إلاَّ أنهم يترتبون، ولا يعرف من ذلك أنهم يؤذنون جميعاً؛ لأن هاهنا قسمًا آخر وهو: أنه لا يؤذن إلا أحدهم، وبتقدير أنه يفيد أنهم يؤذنون جميعاً إما وحده أو بقرينة قوله بعد ذلك: "فإن استووا أقرع بينهم" لكنه لا يفيد أنهم يؤذنون مجتمعين أو متفرقين في نواحي المسجد، فإذا القدر المذكور لا يفيد معرفة الحكم المطلوب، وأما الإقامة فقد بين حكمها على التقديرين. وأما إذا أذنوا مرتبًا فحيث قال: "ثم من أذن أو لا فهو يقيم" وأما إذا أذنوا معاً فحيث قال: فإن استووا أقرع بينهم" والمعنى فإن استووا في الأذان وتنازعوا في الإقامة وإلا فلو سلموها لواحد فلا حاجة إلى القرعة. وقوله: "من أذن أو لا فهو يقيم" وإن كان مطلقاً لكنه محمول على ما إذا لم يكن السابق مسيئاً بمبادرة [المؤذن] (٢) الراتب كما قدمناه، ثم الحكم بأنه يقيم استحقاق أو استحباب قد ذكرناه.

стр. 424

الثانية: وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، ووقت الإقامة منوط بنظر الإمام، فإنما يقيم المؤذن عند إشارته لما: روى أنه ﷺ قال: "الْمُؤَذِّنُ أمْلَكُ بِالأَذَانِ وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ" (١). والمعنى فيه أن الإقامة سببها أن تعقبها الصلاة على الاتصال، والصلاة إلى الإمام فينبغي أن يكون عازماً على الشروع عند تمامها ولهذا لم يقولوا بترتيب الإقامة عند كثرة المؤذنين، لأن ما سوى الإقامة الأخيرة لا يتصل بها الصلاة. ونختم الباب بذكر محبوبات مما يتعلق بالأذان، أهملها المصنف. منها: أن يكون المؤذن ممن جعل رسول الله ﷺ ، أو بعض صحابته الآذان في أبائهم إذا وجد وكان عدلاً صالحًا له، وأن يصلي المؤذن ومن يسمح الأذان على رسول الله ﷺ بعد الأذان، ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ" (٢). وأن يجيب من يسمح الآذان المؤذن فيقول مثل ما يقول. وإن كان السامع جنبًا أو محدثاً، إلا في الحَيْعَلَتَيْنِ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في كلمة الإقامة فإنه يقول أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها، وإلا في التثويب، فإنه يقول: "صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ" (٣) وفي وجه يقول: "صَدَقَ رَسُول اللهِ ﷺ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم" فإن كان في قراءة أو ذكر، فيستحب أن يقطعهما ويجيب، فإن ذلك لا يفوت، ولو كان في الصلاة فالمستحب لا يجيب حتى يفرغ منها، بل يكره أن يجيب في أظهر القولين، لكن لو أجاب بما استحببناه لم تبطل صلاته، لأنها أذكار، نعم لو قال حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب بطلت صلاته؛ لأنه كلام، ولو أجاب في خلال الفاتحة استأنفها، فإن الإجابة في الصلاة غير محبوبة، ويستحب أن يقول من سمع آذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي" (٤).

стр. 425

ويستحب الدعاء بين الآذان والإقامة، وأن يتحول المؤذن، إلى موضع آخر للإقامة. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الاسْتِقْبَالِ قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي أَرْكَان ثَلاَثةِ: الأَوَّلُ الصَّلاَةُ وَيَتَعَيَّنُ الاسْتِقْبَالُ فِي فَرَائضِهَا (و) إلاَّ فِي القِتَالِ، فَلاَ تُؤَدَّى فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلاَ مَنْذُورَةٌ إنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَلاَ صَلاَةُ جَنَازَةٍ، (ح) لِأَنَّ الرُّكْنَ الأَظْهَرَ فِيهَا القِيَامُ. قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) الآية. وروي أنه ﷺ : "دَخَلَ الْبَيْتَ وَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هذِه الْقِبْلَةُ" (٢). واعلم أن الاستقبال يفتقر إلى مُسْتَقْبِل، ومُسْتَقْبَل وهو المسمى قبله، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، ومعلوم أن الاستقبال لا يجب في غير حالة الصلاة والحاجة تمس إلى الكلام في الأمور الثلاثة، فلذلك قال: "والنظر فيه في ثلاثة أركان، وهي الصلاة، والقبلة والمستقبل". أولها: الصلاة، وتنقسم إلى فرائض ونوافل: أما الفرائض: فيتعين الاستقبال فيها إلا في حالة واحدة وهي حالة شدة الخوف في القتال، فإنه يأتي بها بحسب الإمكان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣). قال: ابن عمر ﵄: "مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِ مُسْتَقْبِلِهَا". قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (٤) وقوله في الكتاب: (إلا في القتال) يعني به حالة شدة الخوف لا مطلق القتال، ثم الشرط أن يكون القتال مباحًا على ما سيأتي في "صلاة الخوف" إن شاء الله تعالى، ويلتحق بهذا الخوف ما إذا انكسرت السفينة فبقي على لوح منها وخاف الغرق لو ثبت على وجه القبلة، وكذلك سائر وجوه الخوف، فليس القتال معنياً لعينه، وإنما المعتبر الخوف.

стр. 426

وأما النوافل فكذلك يجب الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف وفي السفر على ما سيأتي، فالمستثنى في قسم الفرائض حالة واحدة، وفي قسم النوافل حالتان، والشافعي ﵁ عبر عن الفرض بعبارة أخرى من غير تقسيم الصلوات إلى الفرائض، والنوافل فقال: لا تجوز الصلاة من غير الاستقبال إلا في حالتين: إحداهما: النافلة في السفر. والثانية: شدة الخوف، فإن قيل: الاستثناء لا ينحصر في هاتين الحالتين ألا ترى أن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة ولا يطيق التوجه معذور، وكذلك المربوط على الخشبة؟ قلنا: الكلام في القادر على أن يصلي متوجهاً، فأما العاجز فلا يكلف بما ليس في وسعه، ولا حاجة إلى استثنائه من موارد إمكان التكليف. وإذا عرفت هذه المقدمة فيتفرع عليها أنه لا يجوز فعل الفريضة على الراحلة لاختلال أمر الاستقبال، وينبغي أن تعرف من قوله: فلا يؤدي فريضة على الراحلة شيئين: أحدهما: أنه ليس المراد منه الأداء الذي هو ضد القضاء، فإن الفريضة كما لا تؤدى على الراحلة لا تقضى أيضاً، وإنما المراد منه الفعل. والثاني: أنه وإن كان مطلقاً لكن الفرض ما إذا لم يلحقه خوف فأما إذا خاف الانقطاع عن الرفقة لو نزل لأداء الفريضة، أو خاف على نفسه، أو ماله من وجه آخر فله أن يصلي على الدابة؟ لكنه يعيد إذا نزل، وهل يجوز فعل المنذورة على الراحلة؟ يبني على أصل سبق ذكره، وهو أن المنذورة من العبادة عند الإطلاق يحمل على أقل واجب، ويعطي أحكام الواجبات أم لا؛ إن قلنا: لا، جاز ذلك، وإن قلنا: نعم. لم يجز، وهو الصحيح، والمحكي عن نصه في "الأم" ولك أن تعلم قوله: (ولا منذورة) بالحاء لأن أبا الحسن الكرخي حكى في مختصره أنه لا يصلي على الراحلة صلاة نذر أوجبها، وهو بالأرض فإن أوجب صلاة وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة، وأما صلاة الجنازة ففي جواز فعلها على الرَّاحلة ثلاث طرق، بيناها في "التيمم"، والظاهر: ما ذكره في الكتاب وهو المنع؛ لأن الركن الأظهر فيها القيام، وفعلها على الراحلة يمحو صورة القيام، وذكر بعضهم للمنع معنى آخر سنذكره من بعد، ويجب أن يكون قوله: (ولا صلاة جنازة) مرقوماً بالواو لما تقدم. قال الغزالي: وَلاَ تَصِحُّ فَرِيضَةٌ عَلَى بَعِيرٍ مَعْقُولٍ، وَفِي أُرْجُوحَةٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْحِبَالِ، لأَنَّهُمَا لَيْسَا لِلْقَرَارِ بِخِلاَفِ السَّفِينَةِ الجَارِيَةِ لِأنَّ الْمُسَافِرَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، وَبِخِلاَفِ الزَّوْرَقِ المَشْدُودِ عَلَى السَّاحِلِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّريرِ وَالْمَاءُ كَالأَرْضِ. قال الرافعي: فعل الفريضة على الراحلة كما يشتمل على الإخلال بأمر القيام،

стр. 427

والاستقبال ففيه شيء آخر، وهو إقامة الفريضة على ما لا يصلح للقرار، وفي اشتراط إقامتها على ما يصلح للقرار كلام، فأراد المصنف أن (يبين أن) (١) امتناع فعل الفريضة على الراحلة ليس لاختلال أمر الاستقبال فحسب، بل من شرط الفريضة فعلها على ما هو للقرار، وهذا الشرط فأئت إذا أقيمت على الراحلة. وفقه الفصل أن استقرار المصلي في نفسه شرط، فليس له أن يصلي الفريضة وهو سائر ماشٍ؛ لأن المشي يشتمل على الحركات والأصل أنه لا يحتمل أصلاً فخالفنا في النوافل في السفر لما سيأتي، وهل يجوز فعلها على الدَّابَةِ؟ نظر إن أخل فعلها بالقيام، أو الاستقبال فلا يجوز، وإن أمكنه إتمام أركان الصلاة بأن كان في هودج، أو على سرير موضوع على الدابة، فالذي ذكره المصنف أن الفريضة لا تصح، وإن كانت الدابة واقفة معقولة، واتبع فيه إمام الحرمين حيث فقال: لا تقام الفريضة على الراحلة وإن كان المصلي قادراً على المحافظة على الأركان كلها مستقبلاً، وكان البعير معقولاً، لأنه مأمور بأداء الفرائض متمكناً على الأرض، أو ما في معناها، وليست الدابة للاستقرار عليها، وكذلك القول في الأرجوحة المشدودة بالحبال فإنها لا تعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار، وهذا بخلاف السفينة حيث تصح الصلاة فيها وإن كانت تجري وتتحرك بمن فيها، كالدواب تتحرك بالراكبين؛ لأن ذلك إنما يجوز لمسيس الحاجة إلى ركوب البحر، وتعذر العدول في أوقات الصلاة عنه، فجعل الماء علي الأرض كالأرض، وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة على الأرض، وألحق بالسفينة الجارية الزورق المشدود على الساحل، تنزيلاً له منزلة السرير، والماء منزلة الأرض، وتحركه تسفلاً وتصعداً كتحرك السرير ونحوه على وجه الأرض فلا يمنع صحة الفريضة. وأما الزورق البخاري، فهل للمقيم في "بغداد" وغيره إقامة الفريضة فيه مع تمام الأركان والأفعال. قال إمام الحرمين: فيه احتمال وتردد ظاهر، فإن الأفعال تكثر بجريان الزوارق، وهو قادر على دخول الشط وإقامة الصلاة قال: وإن احتمل رجال سريراً وعليه إنسان لم يصح عليه الفرض فإن محمول الناس كمحمول البهائم، هذا كلامهما، ولا يخفى أن من حكم بالمنع والدابة معقولة فلأن يحكم به وهي سائرة أولى، وأورد أكثر أصحابنا -منهم صاحب "المعتمد" والحسين الفراء، وأبو سعيد المتولي، والقاضي الروياني، وغيرهم- أنه يجوز فعل الفريضة على الدابة مع إتمام الأفعال والأركان بأن كان في

стр. 428

هودج أو على سرير ونحوهما إذا كانت الدابة واقفة ولم يذكروا خلافاً فيه، وإن كانت سائرة ففيه وجهان: أحدهما: الجواز، كما لو صلى في سفينة جارية، ومنهم من قاسة على ما لو صلى على سرير يحمله جماعة كأنهم اتخذوا هذه الصورة متفقاً عليها. وأصحهما: وهو المحكي عن نصه في "الإملاء" أنه لا يجوز؛ لأن سير الدابة منسوب إليه، ولهذا يجوز الطواف عليها، وسير السفينة بخلافه فإنها بمثابة الدار في البر، وأيضاً فإن البهيمة لها اختيار في السير، ء فلا يكاد تثبت على حالة (١) واحدة، والسفينة كما يسير تسير، إذ لا اختيار لها. وإذا وقفت على ما حكيته تبين لك أنه يجب أن يكون قوله: (ولا تصح الفريضة على بعير) معلماً بالواو، بل الظاهر الجواز، إذا كانت الدابة واقفة على خلاف ما في الكتاب نقلاً عن المذهب في معنى. أما النقل فقد بيناه. وأما المعنى فلأن المصنف وإمام الحرمين لم يريدا في التوجيه على أن المصلي في الفريضة مأمور بالاستقرار على الأرض، أو غيرها. مما يصلح للقرار، وهذا لا يسلمه أصحاب الطريقة الأخرى، إنما المسلم عندهم أنه مأمور بالاستقرار في نفسه، ثم هو مشكل بالزورق المشدود على الشط، فإنه لا تتعلق به الحاجة المفروضة في السفينة والزورق الجاريين وهو قادر على الخروج إلى الساحل، والاستقرار على الأرض، فلم كان الزورق المشدود كالسرير على الأرض، ولم تكن الدابة المعقولة كعدل أو متاع ساقط على الأرض؟ فإن حاولت رفع الخلاف، وقلت: الفارقون بين أن تكون الدابة واقفة أو سائرة صوروا المسألة فيما إذا كان في هودج، أو سرير على الدابة، وليس في الكتاب تعرض لذلك، فلعل مسألة الكتاب فيما إذا وقف على ظهر الدابة من غير سرير ونحوه، وحينئذ لا يتنافى الكلامان؛ لتغاير الصورتين، نعم. يجب طلب الفرق فالجواب أن هذا فاسد من وجوه ثلاثة: أحدها: أن الدابة الواقفة إذا لم تصلح للقرار فالمحمول عليها من السرير ونحوه أولى ألا يصلح للقرار، فمحال أن يمنع من الوقوف عليها، ولا يمنع من الوقوف على ما عليها. والثاني: أن الفارقين بأسرهم ما صوروا المسألة في الهودج، والسرير، بل منهم من تعرض لذلك إيضاحاً؛ لأن إتمام الأركان والأفعال حينئذ يتيسر، ومنهم من فصل بين وقوف الدابة وسيرها من غير تعرض للسرير، هذا الشيخ إبراهيم المروزي ذكره فيما علق عنه إن أمكنه القيام والاستقبال في جميع الفريضة على الدابة نظر، إن كانت واقفة

стр. 429

جاز، وإن كانت تسير فيه فوجهان، ولم يشترط أن يكون عليها سرير ونحوه. والثالث: أنا حكينا عن إمام الحرمين أنه ألحق ما إذا احتمل السرير رجال فصلى عليه بما إذا صلى على ظهر الدابة، وذلك يوضح أنه لا فرق بين أن يكون على الدابة سرير أم لا -والله أعلم-. قال الغزالي: أَمَّا النَّوَافِلُ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَفِي السَّفَرِ القَصِيرِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَجُوزُ (و) فِي الحَضَرِ. قال الرافعي: تكلمنا في حكم إقامة الفرائض على الرواحل. وأما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل عند السير راكباً، أو ماشياً، متوجهاً طريقه؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَت بهِ" (١). وخالف أبو حنيفة في الماشي، ويحكي مثله عن أحمد، فليكن قوله: (وماشيًا) معلماً برقميهما. لنا أن الإنسان قد يكون له أوراد، ووظائف، ويحتاج إلى السفر لمعاشه، فلو منع من التنفل في سيره لفاته أحد أمرين، إما أوراده، أو مصالح معاشه، ولا فرق في ذلك بين الراكب والماشي. وهل يختص ذلك بالسفر الطويل؟ فيه قولان: أحدهما: -وبه قال مالك-: نعم، كالقصر والفطر. وأصحهما: لا؛ لإطلاق الخبر الذي رويناه، وروي مثله عن جابر (٢)، ولأن الحاجة كما تمس إلى الأسفار الطويلة تمس إلى الأسفار القصيرة، أو هي أغلب، ومنهم من قطع بالجواز في السفر القصير وامتنع من إثبات خلاف فيه [فيجوز] (٣) لك أن تعلم بالواو لفظ القولين من قوله: (وفي السفر القصير قولان) وأما في الحضر فظاهر المذهب أنه لا يجوز ترك استقبال القبلة في النوافل، وهي والفرائض سواء في أمر القيام، وذلك لأن الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار. وقال أبو سعيد الإصْطَخري: يجوز للحاضر ترك الاستقبال فيها، والتنقل متوجهاً إلى مقصده في الترددات؛ لأن المقيم أيضاً محتاج إلى التردد في دار إقامته، وعلى هذا فالراكب والراجل سواء، وذكر في "التتمة" أن هذا اختيار القفال، ولم يحكه غيره عن اختياره على هذا الإطلاق، لكن الشيخ أبا محمد ذكر أنه اختار الجواز بشرط أن يكون

стр. 430

مستقبلاً في جميع صلاته. فليكن قوله: (ولا يجوز في الحضر) معلماً بالواو لمكان هذا الوجه. ثم يتعلق بلفظ الكتاب في الفصل مباحثتان: إحداهما: أنه قال: (أما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل) ولفظ النوافل تدخل فيه الرواتب وغيرها، فما ليس بفرض، فهل يشمل الجواز الكل أم لا، والجواب أن طائفة من أصحابنا منهم القاضي ابن كج ذكروا أنه لا تقام صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء على الراحلة، وإنما تقام الرواتب وصلاة الضحى، وما يكثر ويتكرر، وأما هذه الصلوات فهي نادرة فأشبهت صلاة الجنازة، وبهذه العلة منع بعضهم صلاة الجنازة على الراحلة، وهذه العلة والتي قدمناها من نحو صورة القيام ينبغي أن تختلفا في التفريع إذا صلاهما على الراحلة قائماً. وقضية هذه العلة المنع، وقضية تلك العلة الجواز، وبه أجاب إمام الحرمين ﵀، وقضية لفظ الكتاب توافق إطلاق القول في النوافل بالجواز، وهو الظاهر عند الأكثرين، ولذلك قالوا في ركعتي الطواف، إن قلنا: بالافتراض فلا تؤدي على الراحلة، وإلا فتؤدي، ولم يبالوا بالندرة وقال في "التهذيب" يستوي فيه الرواتب وغيرها مما ليس بفرض. والثانية: أنه قال: (راكبًا وماشيًا) والركوب كما يستعمل في الدابة يستعمل في السفينة، فيقال: ركب السفينة أو الدابة وركب البحر، فهل يجوز أن يتنفل في السفينة حيث ما توجهت كما يجوز على الدابة؟ والجواب لا؛ حكى ذلك عن نص الشافعي ﵁ ذلك، لأنه متمكن من الاستقبال، ولهذا تقول لو كان في هودج على الدابة يتمكن فيه من الاستقبال يلزمه ذلك على الصحيح كما سيأتي، واستثنى في العدة عن راكبي السفينة الملاح الذي يسيرها فله أن يتنفل إلى حيث توجه؛ لأن تكليفه الاستقبال يقطعه عن النافلة أو عن عمله وسيره. قال الغزالي: وَلاَ يَضُرُّ انْحِرَافُ الدَّابَّةِ عَنِ القِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الاسْتِقْبَالُ عِنْدَ التَّحَرمِ (و)، وَقِيلَ: لاَ يَجبُ إلاَّ إِذَا كَانَ العِنَانُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوْبُ الطَّرِيقِ بَدَلٌ عَنِ القِبْلَةِ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ، وَلاَ يُصَلِّي رَاكِبُ التَّعَاسِيفِ إِذْ لَيْسَ لَهُ صَوْبٌ مُعَيَّنٌ، وَإنْ حَرَّفَ الدَّابَّةَ عَمْدًا عَنْ صَوْبَ الطَّرِيقِ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وإنْ كَانَ نَاسِياَ لَمْ تَبْطُلْ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ لَكِنْ يَسْجُدُ لِلْسَّهْوِ، وَإِنْ طَالَ فَفِي البُطْلاَنِ خِلاَفٌ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي الاسْتِدْبَارِ نَاسِيًا، وإنْ كَانَ بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ بَطُلَ إنْ طَالَ الزَّمَانُ، وَإِنْ قَصُرَ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ عَلَى الرَّاكِبِ أَنْ يُومِئَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودَ، وَيَجْعَلَ السُّجُودَ (ح) أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وإنْ كَانَ فِي مَرْقِدٍ أتَمَّ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ.

стр. 431

قال الرافعي: المتنفل في سيره إما راكب أو ماشٍ، ولا بد في الحالتين من النظر في الاستقبال وكيفية الأفعال، فبدأ بالكلام في الراكب ثم تكلم في الماشي، [أما الراكب] (١) فإما أن يكون على سرج ونحوه، ولا يمكنه إتمام السجود والركوع والاستقبال في جميع صلاته، وإما أن يكون في مرقد يمكنه ذلك، فأما في الحالة الأولى فلا يمنع من الصلاة بتعذر الاستقبال في جميعها، ولكن هل يجب عليه أن يستقبل القبلة عند التحرم؟ فيه وجوه: أحدها: لا كما في دوام الصلاة؛ لأن تكليف الاستقبال يشق عليه ويشوش عليه سيره. والثاني: نعم ليكون ابتداء الصلاة على صفة الكمال، ثم يخفف الأمر في الدوام كما أن النية يشترط اقترانها بالتكبير، ولا يشترط في دوام الصلاة فعلى، هذا الوجه لو تعذر الاستقبال في تلك الحالة لم تصح الصلاة أصلاً. والثالث: أنه إن سهل عليه الاستقبال عند التحرم وجب وإلا فلا، فلو كانت الدابة واقفة وأمكنه الانحراف عليها إلى القبلة لو أدارها إليها أو كانت سائرة والزمام في يده ولا حران بها، فالاستقبال سهل، وإن كانت مقطرة أو صعبة الإدارة لحرانها فهو عسير. أما الاشتراط عند السهولة، فلما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ "كَانَ إذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ بِنَاقَتِهِ، وَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ" (٢). وأما عدم الاشتراط عند الصعوبة، فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، ولهذا رخصنا في ترك الاستقبال في دوام الصلاة، وهذه الوجوه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب. واعلم أن الأكثرين سكتوا عن الوجه الثاني، واقتصروا على إيراد الأول والثالث، لكن حكاه الصيدلاني وتابعه إمام الحرمين، والمصنف على نقله، ثم إيراد الكتاب يقتضي أن يكون عدم الاشتراط مطلقاً أظهر؛ لأنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ثم ذكر الوجهين الآخرين، والمذهبيون إذا أطلقوا الحكم، ثم قالوا: وقيل: كذا كأنه إشارةً منهم إلى ترجيح الأول إلا إذا نصوا على خلافه، لكن الذي رجحه معظم الأئمة إنما هو الوجه الثالث، وفيه جمع بين الخير والمعنى كما تقدم، ثم ظاهر لفظه في حكاية الوجه الثالث يقتضي الإيجاب فيما إذا كان العنان بيده ونفيه في غير هذه

стр. 432

الحالة، لكن لو كانت الدابة واقفة وسهل الانحراف عليها يلزمه ذلك على هذا الوجه وإن لم يكن العنان بيده فكأنه جعل هذا مثالاً لصورة سهولة الاستقبال، ليلحق به ما هو في معناه، ويمكن أن يكون الذي حكاه ثانياً وجهاً مغايراً للوجه الثالث الذي قدمنا روايته، فإن الصيدلاني وغيره نقلوه كما نقله المصنف لكن الأول أقرب، فإن الفرق بين ما إذا كان العنان بيده وبين سائر صور السهولة بعيد. وفي لفظ الكتاب شيء آخر يحتاج إلى تأويله وذلك أنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ومعلوم أنه لا اعتبار بانحراف الدابة واستقبالها، وإنما الاعتبار بحال الراكب، حتى لو استقبل الركب عند التحرم حصل الغرض وارتفع الخلاف وإن كانت الدابة منحرفة واقفة كانت أو سائرة فإذا المعنى ولا يضر انحرافه على الدابة أو لانحراف الدابة وما أشبه ذلك. وفي المسألة وجه رابع: وهو: أنه لو كانت الدابة متوجهة به عند افتتاح الصلاة، إما إلى القبلة أو إلى طريقه تحرم بالصلاة كما هو، ولو كانت منحرفة به إلى غيرها لم يجز التحرم إلا إلى القبلة، لأن تكليف صرف الدابة عن صوب الطريق إذا كانت متوجهة إليه قد يعسر، أما عند الانحراف إلى غير القبلة والطريق فلا بد من صرفها فليصرفها لهم القبلة أولاً ثم إلى الطريق فليس فيه كثير عسر، وإذا شرطنا الاستقبال عند التحرم ففي اشتراطه عند السلام وجهان: أحدهما: يشترط: لأنه أحد طرفي الصلاة، ولهذا اعتبرنا نية الخروج على رأي اعتباراً بالطرف الأول. وأصحهما: لا يشترط كما في سائر الأركان وهذا قضية نظم الكتاب، لأنه قال: "لا يضر الانحراف" ولم يستثن على بعض الوجوه سوى حالة التحرم. وإذا عرفت الخلاف في التحرم والتحلل، فاعرف أن فيما عداهما من أركان الصلاة يجعل صوب الطريق بدلاً عن القبلة، وكذلك عند التحرم والتحلل إذا لم يشترط فيهما الاستقبال، وإنما كان كذلك؛ لِأن المصلي لا بد وأن يستمر على جهة واحدة ليجتمع همه ولا يتوزع فكره، وجعلت تلك الجهة جهة الكعبة لشرفها، فإذا عدل عنها لحاجة السير فليلزم الجهة التي قصدها؛ محافظةَ على المعنى المقتضي للاستمرار على الجهة الواحدة، ثم الطريق في الغالب لا يستد؛ بل يشتمل على معاطف يلقاها السالك يمنة ويسرة، فيتبعه كيف ما كان لحاجة السير، وإنما قال: "صوب الطريق" لأنه لا يشترط أن يكون سلوكه في نفس الطريق المعبد، فقد يعدل المسافر عنه لزحمه ودفع غبار أو نحوهما، فالمعتبر الصوب دون نفس الطريق. ويتعلق بهذه القاعدة مسائل:

стр. 433

إحداها: ليس لراكب التعاسيف (١) ترك الاستقبال في شيء من صلاته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له صوب ومقصد معين. وقوله: "ولا يصلي راكب التعاسيف" معناه أنه لا يتنفل متوجهاً إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلاً، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلاً في جميع صلاته أجزأه، ولو كان له مقصد معلوم، لكن لم يسر في طريق معين، فهل يتنفل مستقبلاً صوبه، فيه قولان: أظهرهما: نعم؛ لأن له مقصداً معلوماً. والثاني: لا: إذ لم يسلك طريقًا مضبوطًا، وقد لا يؤدي سيره إلى مقصده. الثانية: لو انحرف [المصلي] (٢) عن صوب الطريق أو انحرفت الدابة عنه، فيبني ذلك على ما لو انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، وينظر فيه إن استدبر القبلة في صلاته أو تحول إلى جهة أخرى عمداً بطلت صلاته، وإن فعله ناسيًا للصلاة فإن تذكر على القرب وعاد إلى الاستقبال لم تبطل صلاته؛ كما لو تكلم في صلاته ناسيًا بكلام قليل، وإن طال الفصل ففي البطلان وجهان -كما لو تكلم ناسيًا بكلام كثير-: أصحهما: البطلان وهو الذي ذكره الصيدلاني، وصاحب "التهذيب"، لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، ولأن ذلك مما يندر. والثاني: الصحة كما لو قصر الزمان للعذر، وهو الذي ذكره أبو حامد وطبقته، ولو أماله إنسان عن جهة القبلة قهرًا وطال الزمان بطلت صلاته، فإن عاد إلى الاستقبال على قرب فوجهان: أصحهما: البطلان. والفرق بين النسيان وقهر الغير إياه أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر، ولهذا المعنى نقول: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف النسيان. جئنا إلى الانحراف عن صوب الطريق، أو تحريف الدابة عنه، فلو فعل ذلك عمداً فقد قال في الكتاب: بطلت صلاته، وهذا غير مجرى على إطلاقه، لأنه لو

стр. 434

انحرف إلى جهة القبلة لا تبطل صلاته، وكيف تبطل وقد توجه إلى الجهة التي هي الأصل، فإذا المراد ما إذا حرف الدابة عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة، أو انحرف عليها وهكذا قيده سائر الأئمة، وإنما حكمنا بالبطلان لما ذكرنا من كون هذه الجهة قائمة مقام جهة القبلة، وإن حرف الدابة أو انحرف عليها إلى غير القبلة ناسيًا؛ فإن تذكر وعاد على قرب لم تبطل صلاته، وإن طال الزمان فوجهان كما ذكرنا في استدبار المصلي على وجه الأرض ناسيًا، والأصح البطلان. ولو أخطأ وظن أن الذي توجه إليه طريقه فهو كما لو انحرف ناسيًا للصلاة، ولو انحرف إلى غير القبلة لجماح الدابة فهذه الصورة تشبه ما لو أماله غيره قهرًا، فإن طال الزمان بطلت صلاته، وذكر الشيخ أبو حامد، أنها لا تبطل، كما ذكر في النسيان: فقوله: (بطل) معلم بالواو كذلك (وإن قصر) فقد حكى في الكتاب: فيه وجهين، كما رويناه في سورة الإمالة ولم يأت إمام الحرمين بحكاية الخلاف في الجماح، لكن قال: قد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافاً فيمن يصرف عن القبلة، والظاهر هاهنا أن الصلاة لا تبطل؛ لأن جماح الدابة مما يعم به البلوى، بخلاف صرف الرجل فهو نادر لا يعهد، وإن أراد أن الظاهر القطع بهذا والامتناع من تخريجه على الخلاف في سورة الصرف؛ لأنه قال -بعد الفرق بين الصورتين-: ولهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمن قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب فالأمر على ما ذكرناه، فإذا بحثت وجدت كتب الأصحاب متفقة على أن الصلاة، لا تبطل في سورة جماح الدابة، إذا ردها على القرب، على أن الأكثرين سووا بين صورة النسيان وصورة الجماح، سواء منهم الحاكم بالصحة عند طول الزمان والحاكم بالبطلان، ويتبين من هذا أن المصنف كالمنفرد برواية الوجهين في بطلان الصلاة عند قصر المدة في سورة الجماح، فاعلم ذلك. الثالثة: إذا لم يحكم بالبطلان في النسيان والجماح فهل يسجد للسهو؟ أما عند النسيان فقد ذكر في الكتاب أنه يسجد للسهو عند قصر الزمان، وهكذا حكى الصيدلاني، والإمام وصاحب "التهذيب" ووجهه: أن [الانحراف] (١) عمداً مبطل للصلاة، فإذا اتفق سهوًا اقتضى سجود السهو، لكن الشيخ أبا حامد في طائفة حكوا عن نص الشافعي ﵁ أنه لا يسجد للسهو إذا عاد عن قريب، فإن طال الزمان فحينئذ يسجد، فليكن قوله: (يسجد للسهو) معلماً بالواو، لذلك، وأما عند الجماح فمنهم من قال: لا يسجد إذا لم نحكم ببطلان الصلاة، لأنه لم يوجد منه ترك مأمور ولا فعل منهي، والذي وجد فعل الدابة، ومنهم من قال: -وهو الأظهر- يسجد، وفعل الدابة كفعله، وطريقة الشيخ

стр. 435

أبي حامد هاهنا كما في النسيان، فالحاصل في الجماح ثلاثة أوجه: الأول: يسجد. الثاني: لا يسجد. الثالث: يفرق بين أن يطول الزمان أو يقصر، وفي النسيان لا يحصل إلا وجهان، وهذا كله متفرع على ظاهر المذهب وهو أن السهو في النافلة يقتضي السجود كما في الفريضة، وحكى قول: أنه لا مدخل لسجود السهو في النافلة بحال، هذا تمام الكلام في استقبال الراكب على السرج ونحوه. وأما كيفية إقامة الأركان فليس عليه وضع الجبهة على عُرف الدابة، ولا على السرج، والإكاف لما فيه من المشقة وخوف الضرر من نزقات الدابة، ولكن ينحني للركوع والسجود إلى الطريق، ويجعل السجود أخفض من الركوع. قال إمام الحرمين: والفصل بينهما عند التمكن محتوم، والظاهر أنه لا يجب مع ذلك أن تبلغ غاية وسعه في الانحناء، وأما كيفية سائر الأركان، فبينة. الحالة الثانية: أن يكون الراكب في مرقد ونحوه يسهل عليه الاستقبال وإتمام الأركان، فعليه الاستقبال في جميع الصلاة كراكب السفينة، إذ لا مشقة عليه في ذلك، وينبغي أن يتم الركوع والسجود أيضاً، فلو اقتصر على الإيماء كان بمثابة المتمكن على الأرض إذا تنفل مضطجعاً مقتصراً على الإيماء، وفي جوازه وجهان مذكوران في موضعهما، وحكى القاضي ابن كج عن نص الشافعي ﵁ أنه لا يلزم الاستقبال ولا إتمام الركوع والسجود في المحمل الواسع، كما لا يجب على راكب السرج ذلك، وفرق بينه وبين راكب السفينة، بأن حركة راكب السفينة لا تؤثر فيها، وحركة راكب الدابة تؤثر في المحمل فيخاف الضرر، فإذاً قوله: (أتم الركوع والسجود) ينبغي أن يعلم بالواو لما رواه ابن كج أو للوجه الصائر إلى تجويز التنفل مومياً مضطجعاً، ألاَّ يريدَ بقوله: (أتم) أنه يلزم ذلك؛ بل يريد أنه الأحسن والأولى، والظاهر إرادة اللزوم. قال الغزالي: وَأَمَّا المَاشِي فَاسْتِقْبَالُهُ كَمَنْ بِيَدِهِ زِمَامُ نَاقَتِهِ وَيرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيقْعُدُ لاَبثًا فِي هَذِهِ الأَرْكَانِ، وَلاَ يَمْشِي إِلاَّ فِي حَالِ القيامِ، وَفيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يُوْمِيءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في استقبال الراكب وكيفية إقامته الأركان، اشتغل بالكلام فيهما في حق الماشي، وقد حكى الأصحاب على طبقاتهم عن نصِّ الشافعي ﵁ أن الماشي يركع ويسجد على الأرض ولا يقتصر على الإيماء، لسهولة الأمر عليه، بخلاف الراكب فإن إتمامهما عسير عليه، أو متعذر، والنزول لهما أعسر وأشق، وزاد الشيخ أبو محمد فحكي ذلك عن نصه أنه يقعد في موضع التشهد أيضاً، ويسلم، ولا يمشي إلا في حال القيام، وتابعه إمام الحرمين

стр. 436

والمصنف، فقال: ويركع ويسجد ويقعد لابثاً في هذه الأركان إلى آخره، ونفى الشيخ أبو حامد والعراقيون من أصحابنا هذه الزيادة، وقالوا: لا يجب القعود، بل يمشي في حال التشهد كما في حال القيام، وهو ظاهر المذهب، لطول زمان التشهد كالقيام، وهذا ما أورده الشيخ الحسين وأبو سعيد المتولي، ثم ذكر إمام الحرمين أن ابن سريج خرج قولاً [ثالثًا] (١) أنه لا يلبث ولا يضع جبهته على الأرض بل يومئ راكعًا وساجداً كالراكب، لأن كثرة اللبث قد يفضي إلى الانقطاع عن الرفقة ويشوش عليه أمر السفر، وعلى هَذا فيجعل السجود أخفض من الركوع كالرَّاكِبِ، ولا يقعد في التشهد، وحكى الشيخ أبو محمد هذا القول المنسوب إلى ابن سريج عن القفال، وأنه أوَّلَ نص الشافعي ﵁ على الاستحباب. قال الشيخ: ثم وجدت ما ذكره القفال منصوصاً للشافعي ﵁ فحصل في الأركان المذكورة، هل يتمها الماشي لابثاً أم لا؟ قولان منصوص ومخرج على ما ذكره في الكتاب، أو منصوصان على ما رواه الشيخ، ويترتب على ما ذكرناه القول في استقبال القبلة، أما إذا قلنا: إنه يركع ويسجد ويقعد لابثاً فيها فلا شك في أنه يستقبل القبلة فيها، ويتحلل عن صلاته وهو مستقبل، وإذا لزم الاستقبال في هذه الأحوال فهو عند التحرم ألزم، فإن الراكب يستقبل عند التحرم على الأظهر، وإن لم يستقبل في سائر الأفعال والأركان، وإن استثنينا حالة التشهد عن النص وقلنا: لا يقعد فيها بل يمشي، ففي وجوب الاستقبال عند السلام وجهان، كما قدمناهما في الراكب، وأما إذا قلنا: بالاقتصار على الإيماء فلا يجب الاستقبال في الركوع والسجود ولا في التشهد، وحكمه التحرم حكم الراكب الذي بيده زمام دابته. والحاصل من الخلاف الذي سبق في هذا الراكب وجهان: أظهرهما: لزوم الاستقبال، فكذلك في الماشي. وإذا عرفتِ هذا فلك في عبارة الكتاب -أعني- قوله: (أما الماشي فاستقباله كمن بيده زمام دابته) نظران: أحدهما: أنه أطلق الكلام إطلاقًا ولم يقيد بحالة التحرم، ومعلوم أن استقبال الماشي ليس كاستقبال من بيده زمام دابته على الإطلاق، فإن الراكب لا يؤمر بالاستقبال في الركوع والسجود وإن كان بيده زمام دابته، والماشي يؤمر به على الأظهر. والثاني: أنه قيد بحالة التحرم، لكن هذا الكلام إما أن يكون موصولاً بما بعده،

стр. 437

أو يكون منقطعًا عنه مستقلاً بنفسه، فإن كان موصولاً بما بعده على معنى أنه مقول على قولنا: أنه يركع ويسجد ويقعد لابثاً، فيكون هذا إثباتًا للخلاف في الاستقبال مع الحكم بإتمام هذه الأركانِ، لأن استقبال [هذا] (١) الراكب الذي بيده زمام دابته مختلف في وجوبه، ولا خلاف في وجوب الاستقبال عند التحرم على هذا المذهب، كذلك ذكره إمام الحرمين وغيره، وهو المعقول. وإن كان مستقلاً بنفسه منقطعًا عما بعده كان هذا إثباتاً للخلاف في أنه، هل يلزمه الاستقبال عند التحرم على الإطلاق؟ والظاهر القطع، بأنه يلزمه ذلك؛ لأن الظاهر أنه يتم الركوع والسجود، وحينئذ لا خلاف فيه على ما ذكرناه، وإنما الخلاف فيه على القول المخرج، فكان ينبغي أن يرتبت قوله: (استقبال الماشي كمن بيده زمام دابته) على القول المخرج كما نقله الإمام. وقوله في حكاية القول المخرج: أنه يومئ في ذلك كله ويرجع إلى الركوع والسجود دون القعود، وإن عمم اللفظ فإنه لا إيماء إلى القعود، بل يعتدل قائماً بعد الإيماء بالسجود ويتشهد فيقع قيامه بدلاً عن القعود كما يقع القعود بدلاً عن القيام في حق العاجز عن القيام ثم صوب الطريق، حيث لا يجب استقبال القبلة، يكون بدلاً عن القبلة في حق الماشي كما ذكرناه في الراكب ويعود فيه إلى المسائل السابقة. قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ مَشَى فِي نجاسَةٍ قَصْداً بَطُلَتْ صَلاتُهُ بخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَ فَرَسُهُ نَجَاسَةٌ، وَلاَ يَلْزَمُهُ المُبَالَغَةُ في التَّحَفُّظ عِنْدَ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ فِي الطَّرِيقِ. قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي الراكب وثيابه طاهراً من السرج وغيره. ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة لم يضر، لأن تلك النجاسة لا تلاقي بدنه وثيابه، ولا هو حامل لها، بل لو كان السرج نجساً فألقى عليه ثوباً طاهراً وصلى عليه جاز، أما لو أوطأ الدابة نجاسة فالذي ذكره في الكتاب أن ذلك لا يضر، كما لو وطئت بنفسها، وكذلك أورده صاحب "النهاية" لكن قال في "التتمة": لو سيرها على النجاسة عمداً بطلت صلاته لإمكان التحرز عنها، فليكن قوله: (بخلاف ما لو أوطئ فرسه نجاسة) معلماً بالواو، وأما الماشي فلا كلام في أنه لو مشى على نجاسة قصداً فسدت صلاته؛ لأنه يصير ملاقياً لها بخفة الملبوس، ولا يجب عليه التحفظ والاحتياط في المشي؛ لأن النجاسات تكثر في الطرق وتكليفه التحفظ يشوش عليه غرض السير، ولو انتهى إلى نجاسة ولم يجد معدلاً عنها فقد قال إمام الحرمين: وهذا فيه احتمال: قال: ولا شك أنها لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته وإن كان عن غير

стр. 438

قصد؛ لأنه يصير حاملاً للنجاسة وما سبق في النجاسة اليابسة. وأعلم أنه يشترط في جواز التنفل راكبًا وماشيًا دوام السفر والسير؛ فلو بلغ المنزل في خلال الصلاة وجب إتمام الصلاة متمكناً متوجهًا إلى القبلة، وينزل إن كان راكباً. ولو دخل بلد إقامته فعليه النزول أول ما دخل البنيان وإتمام الصلاة مستقبلاً إلا إذا جوزنا للمقيم التنفل على الراحلة، وكذلك لو نوى الإقامة ببلدة أو قرية. ولو مر ببلدة مجتازاً فله إتمام الصلاة راكبًا، وإن كان له بها أهل فهل يصير مقيمًا بدخولها؟ قولان: إن قلنا: نعم وجب النزول والإتمام، وحيث أمرناه بالنزول فذلك عند تعذر البناء على الدابة، فلو لم يتعذر بأن أمكنه الاستقبال وإتمام الأفعال عليها وهي واقفة جاز، ويشترط أيضاً الاحتراز عن الأفعال التي لا يحتاج إليها، فلو ركض الدابة للحاجة إليه فلا بأس، ولو أعارها بغير عذر أو كان ماشيًا فعدا قصداً بغير عذر بطلت صلاته في أصح الوجهين. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الْقِبْلَةُ: وَمَوَاقِفُ المُسْتَقْبِلِ مُخْتَلِفَةٌ، فَالمُصَلِّي في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَسْتَقبِلُ أَيَّ جِدَارٍ شَاءَ، وَيَسْتَقْبِلُ البَابَ وَهُوَ مَردُودٌ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَالعَتَبَةُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْرَ مُؤَخَّرَةِ الرَّجُلِ جَازَ، وَلَو انْهَدَمَتِ الكَعْبَةُ وَالعِيَاذُ باللهِ صَحَّتْ صَلاتُهُ خَارِجَ العَرْصَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا كَمَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَالكَعْبَةُ تَحْتَهُ، وإنْ صَلَّى فِيهَا لَمْ يَجُزْ (ح م) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ بَقِيَّةُ حَائِطٍ، وَالوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ كَالوَاقِفِ فِي العَرْصَةِ، فَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيهِ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ، وَلَوْ غَرَزَ خَشَبَةٌ فَوَجْهَانِ. القول في استقبال القبلة على الأرض: قال الرافعي: مسائل الركن مبنية على النظر في موقف المصلي، وهو إما أن لا يكون وراء الكعبة، أو يكون وراءها وإن كان وراءها فإما أن يكون في المسجد الحرام أو وراءه، وإن كان وراءه فإما أن يكون بمكة أو المدينة أو غيرهما، والفصل يشتمل على القسم الأول وهو أن لا يكون وراء الكعبة وحينئذ له ثلاثة أحوال؛ لأنها إما أن تكون على هيئتها مبنية، أو تنهدم -والعياذ بالله- فيقف في عرصتها؛ وإذا كانت على هيئتها مبنية فإما أن يقف في جوفها أو على سطحها. الحالة الأولى: أن يقف في جوفها فتصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لمالك وأحمد في الفريضة. لنا أنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة، وكما لو توجه

стр. 439

إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدارٍ شاء؛ لأنها أجزاء البيت، ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، فإن باب البناء معدود من أجزائه، ألا ترى أنه يدخل في بيعه، وإن كان مفتوحاً نظر في العتبة إن كانت قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته، وإن كانت دونها فلا، ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً (١). قال إمام الحرمين: وكأن الأئمة راعوا في اعتبار هذا القدر أن يكون في جلوسه يسامت بمعظم بدنه الشاخص ولكنه يكون في القيام خارجاً بمعظم بدنه عن المسامتة، فليخرج على الخلاف فيما إذا وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة، وليكون قوله: (والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل) معلماً بالواو؛ لأنه مذكور قيداً في الجواز وقد حكى في "البيان" عن الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أنه يكفي للجواز أن تكون العتبة شاخصة بأي قدر كان وإن قل؛ لأنه استقبل جزءاً من البيت، وكذا قوله (جاز) لأن إمام الحرمين حكى وجهاً آخر أنه لا يكفي أن يكون الشاخص قدر المؤخرة بل يجب أن يكون بقدر قامة المصلي طولاً وعرضاً ليكون مستقبل بجميع بدنه الكعبة، والعتبة لا تبلغ هذا الحد غالباً فلا تصح الصلاة إليها على الوجه. الحالة الثانية: أن تنهدم الكعبة -حاشاها- ويبقى وضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز؛ لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه يسمى مستقبلاً، وصار كمن صلى على جبل أبي (٢) قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت، ولو صلى فيها فالحكم فيه كالحكم في الحالة الثالثة وهو: أن يقف على سطحها، فينظر إن لم يكن بين يديه شيء شاخص من نفس الكعبة ففيه وجهان: أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وابن سريج- يجوز كما لو وقف خارج العرصة متوجهاً إلى هواء البيت. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجزئه، لما روي أنه ﷺ "نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ" (٣)، ولأنه والحالة هذه مصل على البيت لا إلى البيت وخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السَّطح، لكن قال إمام الحرمين: لا شك أنه يجزئه في ظهر الكعبة وصرح في "التهذيب" بنقل الجواز عنه في الواقف

стр. 440

على ظهر الكعبة فلا فرق، وإن كان بين يديه شاخص من نفس الكعبة فإن كان قدر مؤخرة الرَّحْل جاز، وإلا فلا كما ذكرناه في العتبة، ويجري الوجهان الآخران المذكوران في العتبة فيما نحن فيه. أحدهما: اشتراط كون الشاخص بقدر قامة المصلي. والثاني: الاكتفاء بأي قدر كان. ولذا عرفت ذلك فلو وضع بين يديه متاعاً لم يكفه، وإن استقبل بقية حائط أو شجرة نبتت في العرصة جاز، وكذا لو جمع ترابها واستقبله، أو حفر حفرة ووقف فيها، وكذا لو وقف في آخر السطح، أو العرصة وتوجه إلى الجانب الآخر وكان الجانب الذي وقف فيه أخفض من الجانب الذي استقبله يجوز، ولو نبتت حشيشة وعلت قال في "النهاية": لا حكم لها في الاستقبال، وألحق صاحب "التهذيب" الزرع بالشجرة، وما ذكره الإمام أظهر، ولو غرز عصا أو خشبة فوجهان: أحدهما: يكفي لحصول الاتصال بالغرز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار وتدخل في البيح. وأصحهما: لا كما لو وضع متاعاً بين يديه، ومطلق الغرز لا يوجب كون المغروز من البناء، والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من المصالح فقد تعد من البناء لذلك، والوجهان في الغرز المجرد، أما لو كانت مثبتة أو مسمرة كفت للاستقبال، نعم قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة. قال الغزالي: وَالوَاقِفُ فِي المَسْجِدِ لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفٍ وَنصْفُ بَدَنِهِ فِي مُحَاذَاةِ رُكْنٍ، فَفِي صِحَّةِ صَلاَتِهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ امْتَدَّ صَفٌّ مُسْتَطِيلٌ قَرِيبٌ مِنَ البَيْتِ، فَالخَارجُ عَنْ سَمْتِ البَيْتِ لاَ صَلاةَ لَهُ، وَهَؤُلاَءِ قَد يُفْرَضُ تَرَاخِيهِمْ عَنْ أُخْرَيَاتِ المَسْجِدِ، فَتَصِحُّ صَلاتُهُمْ لِحُصُولِ اسْمِ الاسْتِقْبَالِ. قال الرافعي: سنذكر اختلاف قول في أن المطلوب في الاستقبال عين الكعبة أو جهتها، وذلك الخلاف في حق البعيد عن الكعبة، أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه، وقد روينا أنه ﷺ "دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَقبَلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هذِهِ الْقِبْلَةُ" (١) أشار إلى عين الكعبة

стр. 441

وحصر القبلة فيها. وإذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث صور: إحداها: لو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة ركن والباقي خارج ففي صحة صلاته وجهان: أحدهما: تصح؛ لأنه توجه إلى الكعبة بوجه وحصل أصل الاستقبال، وأصحهما لا تصح؛ لأنه يصدق أن يقال ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه. الثانية: الإمام يقف خلف المقام والقوم يقفون مستدبرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مستقبلين، وذكر صاحب "التهذيب" وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يصحح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة، لأن الجهة كافية عندها وعلم لهذا قوله في الكتاب: (والخارج عن سمت البيت لا صلاة له) بالحاء، لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فَصَّلوا وقالوا: الفرض على المصلي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقاً. الثالثة: لو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم؛ لأن المتبع اسم الاستقبال وهو يختلف بالقرب والبعد، ولهذا يزول اسم الاستقبال عن القريب بانحراف يسير، ولا يزول عن البعيد بمثلة، والمعنى فيه أن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه بعداً ازدادوا له محاذاة كغرض الرماة وغيره. قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِمَكَّةَ خَارجَ المَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ مِحْرَابَهُ بَنَاءً عَلَى عِيَانِ الكَعْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا. قال الرافعي: المصلي بمكة خارج المسجد إن كان يعاين الكعبة كمن هو على جبل "أبي قبيس" صلى إليها بالمعاينة، ولو سوى محرابه بناء على العيان صلى إليه أبداً؛ لأنه يستيقن الإصابة، ولا حاجة في كل صلاة إلى معاينة الكعبة، وفي معنى المعاين المكي الذي نشأ بمكة وتيقن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حين يصلي، وأما إذا لم يعاين الكعبة ولا تيقن الإصابة فيستدل بما أمكنه ويسوي محرابه بناء على الأدلة، هذا ما ذكره في الكتاب، وحكاه في "النهاية" عن العراقيين، وأنهم قالوا: لا يكلف الرقي إلى سطح الدّار مع إمكان العيان، واعتمدوا فيه ما صادفوا أهل مكة عليه في جميع الأعصار. قال: وفيه نظر عندي فإن اعتماد الاجتهاد بمكة مع إمكان البناء على العيان بعيد، وسنذكر في الركن الثالث -إن شاء الله تعالى- ما يزداد به هذا الفصل وضوحاً. قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِالمَدِينَةِ يُنَزِّلُ مِحْرَابَ رَسُولِ الله ﷺ فِي حَقّهِ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ

стр. 442

فَلَيْسَ لَهُ الاجْتِهَادُ فِيه بالتَّيَامُنِ والتَّيَاسُرِ، وَهَلْ لَه ذلِكَ فِي سَائِرِ البِلاَدِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. قال الرافعي: محراب الرسول ﷺ بالمدينة نازل منزلة الكعبة؛ لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً، وإذا كان كذلك فمن يعاينه يستقبله، ويسوي محرابه عليه، إما بناء على العيان أو استدلالاً كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه إلى جهة أخرى بالاجتهاد بحال، وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله ﷺ إذا ضبط المحراب، وكذلك المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها، ولا يجوز الاجتهاد معها، وكذلك في القرية الصغيرة إذا نشأ فيها قرون من المسلمين، ولا اعتماد على العلامة المنصوبة في الطريق الذي يندر مرور الناس بها، أو يستوي فيه مرور المسلمين والكفار، وفي القرية الخربة التي لا يدري أنها من بناء المسلمين أو الكفار، ولا بد من الاجتهاد في هذه المواضع، وإذا منعنا من الاجتهاد في الجهة فهل يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر؟ أما في محراب الرسول ﷺ فلا، ولو تخيل عارف بأدلة القبلة أن الصواب فيه يتبامن أو يتياسر فليس له ذلك، وخياله باطل. وأما في سائر البلاد فعلى وجهين أصحهما: -ولم يذكر الأكثرون- سواه أنه يجوز؛ لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع، لكن الخطأ في الانحراف يمنة ويسرة مما لا يبعد، ويقال إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: "تياسروا يا أهل مرو". والثاني: أنه لا يجوز احتمال إصابة الخلق الكثير أقرب وأظهر من احتمال إصابة الواحد، وهذا يستوي فيه الجهة والانحراف يمنة ويسرة، وفصل القاضي الرُّويَاني وغيره بين البلاد بعد المدينة، فجعلوا قبلة "الكوفة" صواباً يقيناً كقبلة المدينة؛ لأنه صلى إليها الصحابة، ولم يجعلوا قبلة البصرة يقيناً، وقضية هذا الكلام جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة، وفيما علق عن ابن يونس القزويني (١) مثل هذا الفرق فإنه قال: قبلة الكوفة قد صلى إليها عليٌّ -كرم الله وجهه- مع عامة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، ولا اجتهاد مع إجماع الصحابة ﵃. قال: واختلف أصحابنا: في قبلة البصرة، فمنهم من قال: هي صواب أيضاً كقبلة الكوفة ومنهم من جوز فيها الاجتهاد وفرق بأن قبلة الكوفة نصبها علي ﵁ وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان، والصواب في فعل علي ﵁ أقرب، ثم حكى في قبلة سائر البلاد وجهين، وجعل أصحهما جواز الاجتهاد فيها، وهذا إن عني به الاجتهاد في الجهة من أصلها فهو بعيد بمرة، بل الذي قطع به معظم الأصحاب منع

стр. 443

ذلك في جميع البلاد في المحاريب المتفق عليها بين أهلها، وإن عني به الاجتهاد في التيامن والتياسر فالفرق بين الكوفة والبصرة كما نقله الروياني وهو بعيد أيضاً؛ لأن كل واحدة منهما قد دخلها الصحابة وسكنوها وصلوا إليها، فإن كان ذلك مما يفيد اليقين وجب استواؤهما فيه، وإن لم يفد اليقين فكذلك والله أعلم. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي المُسْتَقْبِلِ: فَالقَادِرُ عَلَى مَعْرِفةِ القِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهادُ، والقَادِرُ عَلَى الاجْتِهَادِ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَالأَعْمَى العَاجِزُ يُقَلِّدُ شَخْصاً مُكَلَّفًا مُسْلِماً عَارِفاً بِأدِلَّةِ القِبْلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّد غَيْرَهُ، وَإِنْ تَحَيَّرَ فِي الحَالِ فِي نَظَرِهِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَقَضَى، وَقِيلَ: يُقَلِّدُ وَيَقْضِي، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقَلِّدُ وَلاَ يَقْضِي، أَمَّا البَصِيرُ الجَاهِلُ بِالأَدِلَّةِ إنْ قَلَّدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ إلاَّ إذَا قُلْنَا: لاَ يَجِبُ تَعَلُّمْ أَدِلَّة القِبْلَةِ عَلَى كُلِّ بَصِيرٍ، فَعِنْدَ ذلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَعْمى. قال الرافعي: المصلي إما أن يقدر على معرفة القبلة يقيناً أو لا يقدر عليها، فإن قدر على اليقين فليس له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الاجتهاد، وحكى القاضي الروياني وجهين فيما إذا استقبل المصلي حجر الكعبة وحده بناء على هذا الأصل. وقال: الأصح المنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه، فلا يجوز العدول عن اليقين إليه. ثم المعرفة يقيناً قد تحصل بالمعاينة، وقد تحصل بغير المعاينة كالناشئ بمكة يعرف القبلة بأمارات تفيده اليقين وإن لم يعاين كما سبق، وكما لا يجوز للقادر على اليقين الاجتهاد لا يجوز له الرجوع إلى قول الغير أيضاً، وإن لم يقدر على درك اليقين فلا يخلو: إما أن يجد من يخبره عن القبلة عن علم وكان المخبر ممن يعتمد قوله أَوْ لاَ يجد فإن وجد رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء، ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد. وفي وجه لا تشترط العدالة بل يقبل خبر الفاسق؛ لأنه لا يتهم في مثل ذلك، والمذهب الأول، ولا يقبل خبر الكافر بحال، وفي الصبي بعد التمييز وجهان كما في رواية إخبار الرسول ﷺ . والأكثرون على أنه لا يقبل. ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة. أما الصريح فلا يخفى. وأما الدلالة فنصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها كما سبق في التفصيل، ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد

стр. 444

وبين أن لا يكون، حتى إن الأعمى يعتمد بالمحراب إذا عرفه باللمس حيث يعتمد البصير بالرؤية، وكذا البصير إذا دخل المسجد في ظلمة الليل اعتمد المحراب باللمس، هكذا ذكر صاحب "التهذيب" وغيره، وقال في "العد" إنما يعتمد الأعمى على المس إذا شاهد محراب المسجد قبل العمى، أما لو (١) لم يشاهد فلا يعتمد عليه. ولو اشتبهت عليه طيقان المسجد فلا شك أنه يصبر حتى يخبره غيره صريحاً، وإن خاف فوات الوقت صلى على حسب الحال وأعاد، هذا إذا وجد من يخبره عن علم وكان ممن يعتمد قوله، أما إذا لم يجد فلا يخلو: إما أن يكون قادراً على الاجتهاد أو لا يكون، فإن قدر على الاجتهاد لزمه الاجتهاد والتوجه إلى الجهة التي يظنها جهة القبلة، ولا تحصل القدرة على الاجتهاد إلا بمعرفة أدلة القبلة وهي كثيرة صنفوا لذكرها كتبًا مفردة، وأضعفها الرياح، لأنها تختلف وأقواها القطب وهو نجم صغير في نبات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مسقبلاً للقبلة، هكذا يكون بناحية الكوفة وبغداد وهمذان (٢) وقزوين (٣) والري (٤) وطبرستان وجرجان (٥)، وما والاها إلى نهر الشاش، وليس على القادر على الاجتهاد أن يقلد غيره فيعمل باجتهاده كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء، ولا فرق بين أن يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد أو أتمه وبين أن لا يخاف في أنه لا يقلد، لكن عند ضيق الوقت يصلي لِحَقِّ الوقت كيفما كان ثم يجتهد ويقضي. وقال ابن سريج: يقلد عند خوف الفوات. وقال في "النهاية": لو كان في نظره وعلمه أن وقت الصلاة ينتهي قبل انتهاء نظره فيقلد ويصلي في الوقت أم يتمادى إلى إتمام الاجتهاد في نظره؟ وهذا كما لو تناوب جمع على بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، وقد ذكرنا خلافاً في أنه هل يصبر أو يتيمم ويصلي في الوقت؟ فتحصل من هذا الكلام وجه ثالث أنه يصبر إلى إتمام

стр. 445

الاجتهاد ولا يصلي وإن فات الوقت لا كيفما كان ولا بالتقليد. وما ذكرناه من الاجتهاد يتصور في حق الغائب عن مكة، فأما الحاضر بمكة إذا لم يعاين الكعبة لحائل بينه وبين الكعبة نظر: إن كان الحائل أصليًا كالجبل فله الاجتهاد والاستقبال بالاستدلال، ولا يكلف صعود الجبل أو دخول المسجد لما فيه من المشقة، وإن كان الحائل حادثًا كالأبنية فوجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء إنما هو المعاينة دون الاجتهاد فلا يتغير بما طرأ من البناء. وأصحهما: الجواز كما في الحائل الأصلي لما في تكليف المعاينة من المشقة، وما ذكره في الكتاب قبل هذا الفصل أن الواقف بمكة خارج المسجد إذا لم يعاين الكعبة يستدل عليها بما يدل عليها كأنه جواب على هذا الوجه، ولو خفيت الدلائل على المجتهد إما لتغيم اليوم أو لكونه محبوسًا في ظلمة فتحير لذلك أو لتعارض الدلائل عنده ففي المسألة ثلاثة طرق: أظهرها: أن فيها قولين: أصحهما: عند الأكثرين: أنه لا يقلد لأنه قادر على الاجتهاد والتحير عارض وقد يزول عن قريب. والثاني: -وهو اختيار ابن الصباغ-: أنه يقلد؛ لأنه عجز عن استبانة الصواب بنظره فأشبه الأعمى. والطريق الثاني: القطع بالقول الأول. والثالث: القطع بالثاني، فإذا قلنا: لا يقلد فيصلي كيف اتفق ويقضي كالأعمى لا يجد من يقلده يصلي لحق الوقت ويقضي، وإن قلنا: إنه يقلد فهل يقضي؟ ذكر في "النهاية" أنه على وجهين مبنيين على القولين في لزوم القضاء إذا صلى بالتيمم لعذر نادر، لا يدوم كما سيأتي نظائره. وقضية هذا الكلام: أن يكون الأظهر وجوب القضاء على قولنا: إنه يقلد، كما أن الأظهر لزوم القضاء على من تيمم في الحضر لفقد الماء، ولكن الذي أورده الجمهور تفريعاً على قولنا: أنه يقلد أنه لا قضاء عليه كالأعمى إذا صلى بالتقليد، ثم قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-: الخلاف المذكور في تحير المجتهد موضعه ما إذا ضاق الوقت وخشي الفوات، فأما في أول الوقت ووسطه يمتنع التقليد لا محالة إذ لا حاجة إليه، ثم قال: وفي المسألة نوع احتمال وسببه الإلحاق بالتيمم في أول الوقت مع العلم بأنه ينتهي إلى الماء في آخر الوقت، وهذا آخر الكلام في القادر على الاجتهاد؛ أما

стр. 446

العاجز عنه فينقسم إلى عاجز لا يمكنه تعلم الأدلة كالأعمى وإلى عاجز يمكنه التعلم. أما الأول فالأعمى لا سبيل له إلى معرفة أدلة القبلة، لأنها تتعلق بالصبر فالواجب عليه التقليد كَالْعَاميِّ في الأحكام، وإنما يجوز تقليد المكلف المسلم العدل العارف بأدلة القبلة، يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد، وتقليد الغير هو قبول قوله المستند إلى الاجتهاد، حتى إن الأعمى لو أخبره بصير بمحل القطب منه وهو عالم بدلالته، أو قال: رأيت الخلق الكثير من المسلمين يصلون إلى هذه الجهة كان الأخذ بمقتضاه قبول خبر لا تقليد، ولو وجد مجتهدين واختلف اجتهادهما قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق والأعلم عنده. وقيل: يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده تخير. وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، وفي معنى الأعمى البصير الذي لا يعرف الأدلة وليس له أهلية معرفتها، فيقلد كالأعمى؛ لأن عدم البصيرة أشد من عدم البصر. القسم الثاني: العاجز الذي يمكنه التعلم فيبني أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل هو من فروض الأعيان أم لا، فيه وجهان: أحدهما: لا بل، هو من فروض الكفايات كالعلم بأحكام الشريعة، ولأن الحاجة إلى استعمالها نادرة فإن الاشتباه مما يندر وأصحهما أنه من فروض الأعيان كأركان الصلاة وشرائطها بخلاف تعلم الأحكام فإنه يحتاج (١) إلى زمن طويل وتحمل مشقة كبيرة. فإن قلنا لا يجب التعلم فله أن يصلي بالتقليد ولا يقضي كالأعمى. وإن قلنا: يتعين فليس له التقليد، فإن قلد قضى لتقصيره، وإذا ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير في اجتهاده وقد قدمنا الخلاف فيه. وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة فأقول. أما قوله: (فالقادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد) فاعلم: أن القادر على معرفتها وإن كان يمتنع عليه الاجتهاد لكن امتناع الاجتهاد لا يختص به، لأن من وجد عدلاً يخبره عن القبلة إخباراً يستند إلى علم في زعم المخبر يمتنع عليه الاجتهاد، ومع أن قوله لا يحصل المعرفة فإن قلت: قوله: يحصل الظن وإن لم تحصل المعرفة، والفقهاء كثيراً ما يعبرون بلفظ العلم والمعرفة عن الظن، وعن المشترك بين العلم والظن بالعلم في كونه معمولاً به في الشرعيات، فلعله أراد بالمعرفة ذلك، والجواب: أن لفظ المعرفة وإن كان يستعمل فيما ذكرت لكنه ما أراد به في هذا الموضع إلا العلم اليقيني، ألا تراه يقول في "الوسيط": فإن كان قادرًا على معرفة جهة القبلة يقينًا، لم يجز له الاجتهاد على أنه لا يمكن إرادة المشترك بين العلم والظن في هذا السياق؛ لأن الاجتهاد

стр. 447

يفيد ضربًا من الظن، فإذا كان المراد من المعرفة المشترك دخل القادر على الاجتهاد في قوله: (فالقادر على معرفة القبلة) وحينئذ لا ينتظم الحكم بأنه لا يجوز له الاجتهاد. وأما قوله: (والقادر على الاجتهاد، لا يجوز له التقليد فإنه يفيد بما يفيده. قوله بعد ذلك: (وليس للمجتهد أن يقلد غيره) فالثاني تكرار والغالب (على الظن أنه) (١) إنما أعاده تمهيداً لبناء مسألة التحير عليه، لكن المحوج إلى الإعادة لهذا الغرض توسيط حكم الأعمى بين الكلامين، فلو عقب الكلام الأول بمسألة التحير وأخر حكم الأعمى لاستغنى عن ذلك. وأما قوله: "والأعمى العاجز يقلد شخصاَ مكلفاً ... " إلى آخره، فليعلّم المكلف بالواو؛ لأن في كلام الأصحاب وجهاً أنه يجوز تقليد الصبي، وهو كالخلاف المذكور في الرجوع إلى إخباره، ثم الصفات المذكورة غير كافية في المقلد، بل يشترط فيه شيء آخر وهو العدالة وليس لفظ العاجز للتقيد، فإن كل أعمى عاجز وإنما هو وصف له، وتنبيه على المعنى المجوز للتقليد، ومسألة التحير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكيناه من قبل. وقوله: (أما البصير الجاهل بالأدلة إن قلد يلزمه القضاء) ليس مجرى على إطلاقه أيضاً؛ لأن البصير الجاهل إذا كان بحيث لا يمكنه التعلم فهو كالأعمى يقلد ولا يقضي كما تقدم. قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا صَلَّى بالاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الخَطَأ وَبَانَ جِهَةُ الصَّوَابِ وَجَبَ (ح م) عَلَيْهِ القَضَاءُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الخَطَأ وَلَمْ يَظْهَرِ الصَّوَابُ إلاَّ بالاجْتِهَادِ، فَفي القَضَاءِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ صلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِأرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ الخَطَأَ فَلاَ قَضَاءَ (و) عَلَيْهِ. قال الرافعي: المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يظهر له الخطأ قبل الشروع في الصلاة. والثانية: أن يظهر بعد الفراغ منها. والثالثة: أن يظهر في أثناءها. أما الحالة الأولى فهي غير مذكررة في الكتاب وحكمها أن ننظر: إن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عن مقتضاه وتوجه إلى الجهة التي يعلمها أو يظنها جهة الكعبة، وإن

стр. 448

ظن الخطأ في اجتهاده وظن أن الصواب (١) جهة أخرى إن كان دليل الاجتهاد الثاني أوضح عنده من الأول أعرض عن مقتضى الأول، وإن كان دليل الأول أوضح عنده جرى على مقتضاه، وإن تساويا تخير. وقيل: يصلي إلى الجهتين مرتين. وأما الحالة الثانية وهي: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فهذا الفصل مسوق لها، ولا يخلو، إما أن يظهر الخطأ يقيناً، أو ظناً، والقسمان مذكوران في الكتاب. أما القسم الأول: وهو أن يظهر الخطأ يقينًا ففي وجوب القضاء قولان: أصحهما: الوجوب، لأنه تعين له الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلا يعتد بما فعله كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه، واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا يجب القضاء، لأن مثله غير مأمون في القضاء، ويمكن أن يقال في قولنا: تعين الخطأ ما يفيد هذا الاحتراز؛ لأن الأمر ثَمَّ مبني على رؤية الهلال ولا يقين يكون الرائيين مصيبين أو على استكمال العدد، وهو مبني على الرؤية في الشهور المتقدمة والإصابة فيها مظنونة، والمبني على المظنون مظنون. والقول الثاني: أنه لا يجب القضاء؛ لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حالة المسايفة. قال الصيدلاني: ومعنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير، أو كلف التوجه إلى القبلة، فإن قلنا بالأول فلا قضاء، وإن قلنا بالثاني وجب القضاء، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني. وقوله في الكتاب: (وجب القضاء) معلم برقمهم جميعاً. وللمسألة نظائر: منها ما إذا اجتهد في وقت الصلاة فتبين بعد إنقضاء الوقت أنه أخطأ بالتقديم، أو اجتهد المحبوس في الصيام فوافق اجتهاده شعبان وتبين الحال بعد إنقضاء رمضان، ففي وجوب القضاء قولان: قال إمام الحرمين: وهذا إذا لم يتأت الوصول إلى اليقين، فإن تأتى ذلك فالوجه القطع بوجوب القضاء، وإن اجتهاده إنما يغني بشرط الإصابة. ومنها ما إذا رأوا سوادًا فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان الخطأ ففي القضاء قولان: ومنها ما إذا دفع الزكاة إلى رجل ظنه فقيراً فَبَانَ غنياً ففي الضمان قولان؛ ثم اختلفوا في موضع القولين فيما نحن فيه على طريقين.

стр. 449

قال الأكثرون: القولان جاريان فيما إذا تبين الصواب يقينًا مع يقين الخطأ وفيما إذا لم يتبين الصواب يقيناً مع يقين الخطأ ولا فرق، ومنهم من قال: القولان فيما إذا بَانَ يقين الخطأ مع يقين الصواب. أما إذا تيقن الخطأ دون الصواب فلا يجب القضاء بحال؛ لأنه لا يأمن الخطأ في القضاء أيضاً فأشبه خطأ الحجيج في الوقوف بعرفة، فإنهم لما لم يأمنوا مثله في القضاء لم يلزمهم القضاء، وهذا معنى قوله في الكتاب: (فإن تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب إلا باجتهاد ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب) ومتى رتب المذهبيون صورة على صورة في الخلاف وجعلوا الثانية أولى بالنفي أو الإثبات حصل في الصورة المرتبة طريقان: أحدهما: طرد الخلاف. والثاني: القطع بما في الصورة الأخيرة أولى به من النفي أو الإثبات. وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى مثل أن يقال: فيما نحن فيه هل يجب القضاء عند تيقن الخطأ؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: يجب. الثاني: لا يجب. الثالث: يفرق بين أن يتيقن معه الصواب فيجب وبين أن لا يتيقن فلا يجب، والأظهر طريقة طرد القولين، واعترض إمام الحرمين على التشبيه بخطأ الحجيج بأن قال: الخطأ ثَمَّ غير مأمون في السنين المستقبلة بحال، وهاهنا إن لم يأمن الخطأ في حالة الاشتباه فيمكنه الصبر حتى ينتهي إلى بقعة يستيقن فيها الصواب وما ذكرناه من الخلاف في أن المجتهد إذا بَانَ له يقين الخطأ هل يقضي بجري بعينه في حق الأعمى الذي قلده. القسم الثاني: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ظنًا وذلك لا يوجب القضاء؛ لأن الاجتهاد لا ينقصض بالاجتهاد، ألا ترى أن القاضي لو قضى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لا ينقض قضاؤه الأول، وينبني على هذا ما لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا يجب عليه قضاء واحدة منها؛ لأن كل واحدة منها مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ، هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره في الكتاب وعن صاحب "التقريب" وجهان آخران: أحدهما: إنه يجب عليه قضاء الكل؛ لأن الخطأ مستيقن في ثلاث صلوات منها، وإن لم يتعين فأشبه ما إذا فسدت عليه صلاة من صلوات، وحكي في "التتمة" هذا الوجه عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. والثاني: أنه يجب قضاء ما سوى الصلاة الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخاً

стр. 450

لما قبله، وعلى هذا الخلاف لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين أو ثلاثاً إلى ثلاث جهات باجتهادات، فعلى ظاهر المذهب لا قضاء عليه، وعلى الوجه الثاني يقضي الكل، وعلى الثالث يقضي ما سوى الأخيرة وأعلم أنا سنذكر خلافاً في أنه إذا صلى بالاجتهاد هل يجب عليه تجديد الاجتهاد للصلاة الثانية، وحكم هذه الصورة لا يختلف بين أن نوجب تجديد الاجتهاد فيجدد وبين ألا نوجب لكن اتفق له ذلك. قال الغزالي: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ اسْتَدْبَرَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَحَوَّلَ وَبَنى إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ القَضَاءُ عِنْدَ الخَطَإ، فَههُنَا أَولَى بِالإبْطَالِ كَيْلاَ يُجْمَعَ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ جِهَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الخَطَأ يَقِيناً أَوْ ظَنًّا وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَر جِهَةُ الصَّوَاب، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الدَّرْكِ بِالاجْتِهَادِ بَطُلَتْ صَلاَتهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذلِكَ عَلَى القُرْبِ، فَفِي البُطْلاَنِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَيَقُّن الصَّوَابِ، وَأَولَى بِالبُطْلاَنِ لِأَجْلِ التَّحَيُّرِ فِي الحَالِ. قال الرافعي: هذا الفصل لبيان الحالة الثالثة وهي أن يظهر الخطأ في الاجتهاد في أثناء الصلاة ولا يخلو إما أن يظهر (له الصواب مقترناً بظهور الخطأ) (١) وإما أن لا يكون كذلك. فهما ضربان: الضرب الأول: أن يظهر له الصواب مقترناً بظهور الخطأ فننظر: إن كان الخطأ مستيقناً فنبني ذلك على القولين في وجوب القضاء عند ظهور يقين الخطأ بعد الصلاة إن قلنا: يجب بطلت صلاته هاهنا ولزمه الاستئناف، وإن قلنا: لا يجب فهاهنا وجهان، وربما قيل: قولان: أحدهما: أنه يستأنف؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدي إلى جهتين، كالحادثة الواحدة لا يتصور إمضاؤها بحكمين مختلفين. وأصحهما: أنه ينحرف إلى جهة الصواب، ويبني على صلاته احتساباً لما مضى من صلاته، كما يحتسب بجميع صلاته على هذا القول إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة، ولا ننكر إقامة الصلاة الواحدة إلى جهتين، ألا ترى أن أهل قباء كذلك فعلوا، وإن كان الخطأ ظاهراً بالاجتهاد، فقد ذكرنا أنه إذا وقع ذلك بعد الصلاة لم يؤثر، فإذا اتفق في أثنائها فهو على هذين الوجهين أو القولين. وأصحهما: أنه ينحرف ويبني، لأن الأمر بالاستئناف نقض لما أدى من الصلاة، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.

стр. 451

والثاني: أنه يستأنف كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين، فعلى الوجه الأول لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا إعادة عليه كما ذكرنا في الصلاة، وخص في "التهذيب" رواية الوجهين بما إذا تغير اجتهاده وكان الدليل الثاني أوضح من الأول. فأما إذا كان الدليل الثاني مثل الأول أو دونه قال: لا يتحول بل يتم صلاته إلى تلك الجهة ولا إعادة عليه، ولك أن تقول: إن كان الدليل الثاني دون الأول فلا يتغير الاجتهاد ولا يظهر الخطأ، لأن أقوى الظنين لا يترك بأضعفهما، وإنا كانا مثلين فقضيته التوقف والتحير، وحينئذ لا يكون الصواب ظاهراً، فتكون الصورة من الضرب الثاني وسنذكر حكمه. الضرب الثاني: أن لا يظهر الصواب مع ظهور الخطأ، فإن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته إذ لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ، ولا وقوف على جهة الصّواب لينحرف وإن قدر على ذلك على القرب، فهل يبني وينحرف أم يستأنف؟ فيعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في الضرب الأول بالترتيب، وهاهنا أولى بأن يستأنف؛ لأن ثمَّ يمكن من الانحراف إلى الصواب كما ظهر الخطأ وهاهنا بخلافه، فإنه متحير في الحال. مثال هذا الضرب: عرف أن قبلته يسار المشرق [والسماء متغيمة فتوجه إلى جهة على ظن أنها يسار المشرق] (١) فانقشع الغيم بحذائه وظهر كوكب قريب من الأفق فقد علم الخطأ يقينًا إذ تبين له أنه مشرق أو مغرب، ثم قد يعرف الصواب على القرب بأن يرتفع الكوكب فيعلم أنه مشرق أو ينحظ فيعلم أنه مغرب، ويترتب على ذلك معرفة القبلة، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم، ويستمر الالتباس. ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب مما ذكرناه. واعلم: أنا قسمنا الضرب الأول قسمين: أحدهما: أن يستيقن الخطأ. والثاني: أنه لا يستيقنه فقوله: "وإن تيقن أنه استدبر" هو القسم الأول من هذا الضرب، فإن المستيقن للاستدبار عارف بالخطأ يقينًا وعارف بالصواب أيضاً مع معرفة الخطأ يقينًا، ولا فرق بعد تيقن الخطأ بين أن يظهر الصواب يقينًا أو ظناً وإن كانت الصورة المذكورة في الكتاب هو يقين الصواب مع يقين الخطأ. وقوله: (تحول وبني) جواب على قولنا أنه إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة لا يجب

стр. 452

عليه القضاء، وقد روينا وجهين على هذا القول فما ذكره جواب على أصحهما، ثم أشار إلى التفريع على القول الثاني بقوله: (إلا إذا قلنا يجب القضاء عند الخطأ) أي إذا أوجبنا القضاء عند ظهور الخطأ يقيناً بعد الصلاة فنحكم ببطلان الصلاة عند ظهوره في أثنائها، ولا يعتد بما أتى به بل البطلان هاهنا أولى كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين: وأما القسم الثاني من هذا الضرب فهو غير مذكور في الكتاب، وحكمه قريب من حكم القسم الأول؛ إنا وإن رتبنا الحكم ثم على القولين في أن تعين الخطأ بعد الصلاة هل يوجب القضاء كما سبق فلا يحصل إلا وجهان: أحدهما: أنه يبني. والثاني: أنه يستأنف، وهما جاريان في القسم الثاني على ما بينا، ولهذا قال في "الوسيط": وإن تبين بالاجتهاد أنه مستدبر فحكمه حكم المتيقن نعم يختلف التوجيه بحسب القسمين كما قدمناه. وأما قوله: "إذا ظهر الخطأ يقينًا أو ظناً ... " إلى آخره، فهو الضرب الثاني، وهاهنا صرح بالتسوية بين تيقن الخطأ وظنه. وقوله: (ففي البطلان قولان مرتبان على يقين الصواب) أي يقين الصواب مع الخطأ وهو صورة الاستدبار، وقد ذكر فيها قولين: أنه تبطل صلاته: أو يبني، وهذه مرتبة عليها والله أعلم. قال الغزالي: وَلَوْ بَانَ لَهُ الخَطَأُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، فَهَلْ هُوَ كَالخَطَأ فِي الْجِهَةِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْن يَرْجِعُ حَاصِلُهُمَا إِلَى أَنَّ بَيْنَ الْمُشْتَدِّ فِي الاسْتِقْبَالِ وَبَيْنَ الأَشَدِّ تَفَاوُتًا عِنْدَ الحَاذِقِ، فَهَلْ يَجِبُ طَلَبُ الأَشَدِّ أَمْ يَكْفِي حُصُولُ أَصْلِ الاشْتِدَادِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ. قال الرافعي: جميع ما ذكرنا من الأحوال الثلاث فيما إذا بَانَ له الخطأ في الجهة، فأما إذا كانت الجهة واحدة وبَانَ له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا يستدعي تقديم أصل وهو أن المطلوب بالاجتهاد عين الكعبة أم جهتها؛ وفيه قولان: أظهرهما: أن المطلوب عين الكعبة لظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). وقوله ﷺ في الخبر الذي تقدم ذكره مشيراً إلى العين: "هذِهِ الْقِبْلَةَ" (٢) وهما مطلقان ليس فيهما فصل بين القريب والبعيد. والثاني: أن المطلوب جهة الكعبة، لأن حرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا فيكتفي بالجهة، ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضهم خارجون عن محاذاة العين، وهذا القول يوافق المنقول عن أبي

стр. 453

حنيفة وهو: أن المشرق قبلة أهل المغرب، والمغرب قبلة أهل المشرق، والجنوب قبلة أهل الشمال، [والشمال قبلة أهل الجنوب] (١). وعن مالك أن الكعبة قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الدنيا. وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: الخطأ في التيامن والتياسر إن ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر في التيامن، والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني، ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة؛ لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين. فأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان عمداً. أما إذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقيناً، فيبنى على أن الفرض إصابة عين الكعبة، أما إصابة جهتها فإن قلنا: الفرض إصابة الجهة فلا أثر لهذا الخطأ في وجوب الإعادة إن ظهر بعد الصلاة ولا في وجوب الاستئناف إن ظهر في أثنائها. وإن قلنا: الفرض إصابة العين ففي الإعادة والاستئناف القولان المذكوران في الخطأ في الجهة؛ ثم قال صاحب "التهذيب" وغيره: لا يستيقن الخطأ في الانحراف مع بعد المسافة عن مكة وإنما يظن. أما إذا قربت المسافة فكل منهما ممكن، وهذا كالتوسط بين اختلاف أطلقه أصحابنا العراقيون في أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة بلا فرق بين قرب المسافة وبعدها. فقالوا: قال الشافعي ﵁ لا يتصور ذلك، إلا بالمعاينة. وقال بعض الأصحاب يتصور -والله أعلم- هذا شرح المسألة. وأما قوله: (يرجع حاصلهما إلى أن بين المشتد في الاستقبال ...) إلى آخره، فهو كلام نحا فيه نحو إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وذلك أنهما حكيا أن الأصحاب بنوا الخلاف في خطأ التيامن والتياسر على الخلاف في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، واعترضا على هذه العبارة فقالا: محاذاة الجهة غير كافية؛ لأن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة العين لا تصح صلاته، وإن كان مستقبلاً للجهة ومحاذاة العين لا يمكن اعتبارها، فإن البعيد عن الكعبة على مسافة شاسعة لا يمكنه إصابة العين ومسامتتها، والمحال لا يطلب. وأيضاً فالصف الطويل في آخر المسجد تصح صلاته جميعهم مع خروج بعضهم عن محاذاة العين، وإذا بطل ذلك فما موضع الخلاف؟ وما معنى العين والجهة؟ ذكرنا

стр. 454

أن الانحراف اليسير لا يسلب اسم الاستقبال عن البعيد عن الكعبة في المسجد وإن كان يسلبه عن القريب من الكعبة، وإذا لم يسلبه عن البعيد الواقف في المسجد [كان أولى] (١) أن لا يسلبه عن الواقف في أقصى المشرق والمغرب، ثم البصير بأدلة القبلة يجعل التفاوت البعيد وانحرافه على درجتين: إحداهما: الانحراف السالب لاسم الاستقبال، وهو الكثير منه وإن لم ينته إلى أن يولي الكعبة يمينه أو يساره. والثاني: الانحراف الذي لا يسلب اسم الاستقبال، وفي هذه الدرجة مواقف يظن الماهر في الأدلة أن بعضها أشد من بعض، وإن شملها أصل الشداد، فهل يجب طلب الأشد أم لا؟ فيه الخلاف، وربما أشعر كلام إمام الحرمين بإثبات ثلاثة درجات: التفات بقطع البصير بأنه يسلب اسم الاستقبال، والتفات يقطع بأنه لا يسلبه، والتفات يظن أنه لا يسلب لكنه لا يقطع به، فهل تجوز القناعة بالشداد المظنون أم يجب طلب المقطوع به؟ فيه الخلاف، هذا ما ذكراه، والجمهور على التعبير عن الخلاف بالعين والجهة، واتفق العراقيون والقفال على ترجيح القول الصائر إلى أن المطلوب العين، ولهم أن يقولوا: لا نسلم أن البعيد لا يمكنه إصابة عين الكعبة بل عليه ربط الفكر في اجتهاده بالعين دون الجهة، وأما الصف الطويل فلا نسلم خروج بعضهم عن محاذاة العين؛ وذلك لأن التباعد من الحرم الصغير يوجب زيادة محاذاة العين كما تقدم. قال الغزالي: فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ إِذَا صَلَّى الظُّهْرِ بِاجْتِهَاد، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاسْتِئْنَافُ لِلْعَصْرِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ أدَّى اجْتهَادُ رَجُلَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فَلاَ يَقْتَدِي أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ، وَإِذَا تَحَرَّمَ المُقَلِّدُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ هُوَ دُونِ مُقَلِّدِهِ أَوْ مِثْلُهُ: أَخْطَأَ بِكَ فُلاَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ فَهُوَ كَتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ البَصِيرِ فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ فِي نَفْسهِ، وَلَوْ قَطَعَ بِخَطَئِهِ وَهُوَ عَدْلٌ لَزِمَهُ القُبُولُ؛ لِأنَّ قَطْعَةُ أَرْجَحُ مِنْ ظَنِّ غيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ البَصِيرُ لِلأعْمَى: الشَّمْسُ وَرَاءَكَ وَهُوَ عَدْلٌ فَعَلَى الأعْمَى قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَحْسُوسٍ لاَ عَنِ اجْتِهَادٍ. قال الرافعي: خَتَمَ البابَ بِفروعٍ: أحدها: إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، أو أراد قضاء فائته فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للفريضة الثانية؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الأصل استمرار الظن الأول، فيجري عليه إلى أن يتبين خلافه.

стр. 455

وأظهرهما: نعم سعياً في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأول تأكد الظن، وإن خالفه فكذلك، لأن تغيير الاجتهاد لا يكون إلا لأمارة أقوى من الأمارة الأولى، وآكد الظنين أقرب إلى اليقين، وهذان الوجهان كالوجهين في طلب الماء في التّيمم، وكالوجهين في المفتي إذا استفتى عن واقعة واجتهد وأجاب فاستفتى مرة أخرى عن تلك الواقعة هل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ وأما النوافل فلا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها [كما لا يحتاج إلى تجديد التّيمم لها] (١) ذكره صاحب "التهذيب" وغيره فإن قلت: ذكرتم أن الوجهين في وجوب تجديد الطلب مخصوصان بما إذا لم يبرح عن مكانه، فهل الأمر كذلك هاهنا؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي تخصيص الوجهين بما إذا كان في ذلك المكان هاهنا أيضاً، لكن الفرق ظاهر؛ لأن الطلب في موضع لا يفيد معرفة العدم في موضع آخر، والأدلة المعرفة لكون الجهة جهة القبلة قد لا تختلف بالمكانين فإن أكثرها سماوية، ولا تختلف دلالتها بالمسافات القريبة. الثاني: لو أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين فكل واحد منهما يعمل باجتهاده، ولا يقتدي أحدهما بالآخر، فإن كل واحد منهما مخطئ عند الثَّانِي، فصار كما لو اختلف اجتهادهما في الإناءين والثَّوْبَيْنِ، ولو اجتهد جماعة وتوافق اجتهادهم فأمهم واحد منهم، ثم تغير اجتهاد واحد من المأمومين فعليه أن يفارقه، وينحرف إلى الجهة الثانية، وهل عليه أن يستأنف أم له البناء؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في تغيير الاجتهاد في أثناء الصلاة، وللخلاف هاهنا مأخذ آخر، وهو أنا سنذكر خلافاً في أن المأموم هل له أن يفارق الإمام أم لا، وهل يفترق الحال بين أن يفارق بعذر أو غير عذر؟ ثم منهم من قال: هذه المفارقة بعذر، ومنهم من قال: هو مقصر بترك إمعان البحث والنظر، ولو عذر ولو تغير اجتهاد الإمام فينحرف إلى الجهة الأخرى، إما بانياً أو مستأنفاً على الخلاف الذي سبق، وهم يفارقونه فلو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة [فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو الاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر] (٢)، وإلا فلا بأس. الثالث: إذا شرع المقلد في الصلاة بالتقليد ثم قال: له عدل أخطأ بك من قلدته، فلا يخلو إما أن يقول ذلك عن اجتهاد أيضاً أو عن علم ومعاينة، فهما حالتان: فأما في الحالة الأولى فننظر: إن كان قول الأول أرجح عنده وأولى بالاتباع إما لزيادة عدالته وهدايته إلى الأدلة فلا اعتبار بقول الثاني إذ الأقوى لا يرفع بالأضعف، وإن كان قول الثاني مثل قول الأول، أو لم يعرف أنهما مثلان أو أحدهما أقوى من

стр. 456

الآخر فكذلك لا أثر لقول لثاني، وإن كان قول الثاني أرجح عنده فهو كتغيير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في أنه يبني أو يستأنف كذا هو في "التهذيب" وغيره، ولو اجتهد المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة، وإن كان قول الثاني أرجح، كما لو تغير اجتهاد المجتهد بعد الفراغ. وقوله: (فقال له من هو دون مقلده أو مثله) أراد به هذه الحالة الأولى أي قال ذلك عن اجتهاد. وأما قوله: (لم يلزمه قبوله) فلعلك تقول قد عرفت أنه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب أن هذا يرتب على أن المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الآخر فهل يجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول فلا يجوز قبوله، وإن قلنا بالثاني ففيه خلاف؛ لأنه إن بني كان مصليًّا للصلاة الواحدة إلى جهتين وإن استأنف كان مبطلاً للفرض من غير ضرورة، وفي نظائر كل واحد منهما خلاف. الحالة الثانية: أن يخبره عن علم ومعاينة فيجب الرجوع إلى قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الأولى على الاجتهاد، ولا فرق هاهنا بين أن يكن قول الثاني أصدق عنده أو لا يكون، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى: أنت مستقبل للشمس أو مستدبر، والأعمى يعرف أن قبلته ليست في صوب المشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله، ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثناء الصلاة، فيلزمه الاستئناف على الصحيح، ولو قال الثاني: إنك على الخطأ قطعاً فكذلك يجب قبوله، فإن قطعه أرجح من ظن الأول، فينزل قطعه منزلة الإخبار عن محسوس، ثم القاطع بالخطأ قد يخبر عن الصواب قاطعًا به وقد يخبر عنه مجتهداً ويجب قبوله على التقديرين لبطلان تقليد الأول بقطعه، ولا يمكن أن يكون قطعه بالخطأ عن اجتهاد فإن الاجتهاد لا يفيد القطع، فلا عبرة بالعبادة الفارغة عن المعنى، وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا أخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعاً، فأما إذا أخبره عن الخطأ على وجه يجب قبوله ولم يخبره هو ولا غيره عن الصواب فهو كتغيير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة وقد سبق حكمه -والله أعلم-. فإن قلت: وعد في الكتاب بأربعة فروع ولم يذكر إلا ثلاثة قلت: المسائل المذكورة في هذا الفصل لم يعدها في "الوسيط" إلا ثلاثة فروع وجعل في أولها فرعاً آخر، هاهنا عدها أربعة من غير ذلك المضموم فيجوز أن يقال جعل حالتي الفرع الأخير فرعين ويجوز غير ذلك والأمر فيه هين.

стр. 457

الْبَابُ الرَّابعُ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ قال الغزالي: وَأَرْكَانُهَا أَحَدَ عَشَرَ: التَّكْبِيرُ وَالقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْجَمِيع، وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، وَالقُعُودُ فِيهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالسَّلاَمُ (ح)، وَالنِّيَّةُ بِالشَّرْطِ أشْبَهُ. قال الرافعي: الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من رعاية أمور أُخَر ليقع الاعتداد بتلك الأفعال وتسمى هذه الأمور شروطاً وتلك الأفعال أركانًا فجعل هذا الباب في الأركان والذي يليه في الشروط، ولا بد من معرفة الفرق بينهما. واعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق العام والخاص، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط ولا ينعكس. وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة (١)، والأركان بما تشتمل عليه الصلاة، ويرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير وِسائر المفسدات فإنها لا تتقدم على الصلاة وهي معدودة من الشروط دون الأركان، ولك أن تفرق بينهما بعبارتين: إحداهما: أن تقول يعني بالأركان المفروضات المتلاحقة النبي أولها التكبير وآخرها التسليم، ولا يلزم التروك فإنها دائمة لا تَلْحَقُ وَلاَ تُلْحَقُ، ونعني بالشروط ما عداها من المفروضات. والثانية: أن نقول يعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه. مثاله: الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنًا كان أو شرطًا، والركوع معتبر لا على هذا الوجه. إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الأفعال المسماة أركاناً وما لم يشرع فيها لا يسمى شارعاً في الصلاة وإن تطهر وستر العورة واستقبل القبلة، وهذا واضح في عرف الشرع وإطلاقاته ثم إن المصنف عد الأركان أحد عشر يعني أجناسها، ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر إما في الركعة الواحدة كالسجود، أو بحسب عدد

стр. 458

الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركاناً، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة له، وبه يشعر قوله ﷺ للأعرابي: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" (١) [ومنهم من جعلها أركانًا مستقلة] (٢) وضم صاحب "التلخيص" إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة، واستحسنه القفال وصوبه، ومن فرض نية الخروج والموالاة والصَّلاَة على آل النبي ﷺ ألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال، وهكذا أورد صاحب "التهذيب"، ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية (في تفسير الركن، وأما النية) (٢) فقد حكى الشيخ أبو حامد وغيره وجهين في أنها من قبيل الشرائط أو من الأركان. أحدهما: وهو الأشبه عند صاحب الكتاب: أنها من الشرائط؛ لأن النية تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة وإلا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى. وأظهرهما: عند الأكثرين: أنها من الأركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان، ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الأركان ويكون قول الناوي أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الأركان تعبيراً باسم الشيء عن معظمه، وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنًا، وإلا فما الفرق؟ ولك أن تعلم قوله: (وأركانها أحد عشر) بالواو لما حكينا من الاختلات على أن أكثره يرجع إلى التعبيرات وكيفية العد وحظ المعنى لا يختلف، وأبو حنيفة وسائر العلماء -رحمة الله عليهم- يخالفون في بعض الأركان المذكورة، وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فإن الغرض الآن تزاحم جملته، وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة إلى العلامات من هذا الفصل. قال الغزالي: وَالأَبْعَاضُ أَرْبَعَة: القُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ وَالقُعُودُ فِيهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَعَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذهِ الأَرْبَعُ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا عدَاهَا فَسُنَنٌ لاَ تُجْبِرُ بِالسُّجُودِ. قال الرافعي: للصلاة مفروضات ومندوبات. أما المفروضات فهي الأركان والشروط. وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والتي تقع في القسم الأول تسمى أبعاضاً، ومنهم من يخصها باسم

стр. 459

المسنونات، وتسمى التي تقع في القسم الثاني هيئات. قال إمام الحرمين: وليس في تسميتها أبعاضاً توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن دون البعض، والتي يتعلق بها السجود أقل مما لا يتعلق، ولفظ البعض في أقل قسمي الشيء أغلب إطلاقاً، فلذلك سميت هذه الأبعاض، وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود وقد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن، وبذلك القدر من التأكيد شاركت الأركان فسميت أبعاضاً تشبيهاً بالأركان التي هي أبعاض وأجزاء حقيقة، وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات، وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب، ولو لم يتعرض لها في هذا الموضع لما مر، لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن (١) من أبعاضها استحسن ذكرها في هذا الموضع أيضاً، ثم أنه عدها أربعة: أحدها: القنوت. وثانيها: التشهد الأول. وثالثها: القعود فيه. ورابعها: الصلاة على النبي ﷺ فيه، وفي استحبابها قولان يذكران من بعد، فإن قلنا بالاستحباب فهو من الأبعاض، وألحق بهذه الأربعة شيئان: أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعاً على استحباب الصلاة على الرسول ﷺ فيه، وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات، ونشرح الخلاف فيه من بعد إن شاء الله تعالى. والثاني: القيام للقنوت (٢) عد بعضاً برأسه، وقراءة القنوت بعضاً آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا والقعود له بعضاً آخر، وقد أشار إلى هذا التفصيل في القنوت إمام الحرمين -قدس الله روحه- وصرح به في "التهذيب" ثم كون القنوت بعضاً لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضاً في النصف الأخير من رمضان، وقوله: (وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والألف لما سيأتي في باب "سجود السهو". قال الغزالي: الرُّكْنُ الأَوَّلُ التَّكْبِيرُ، وَلْتَكُنِ النِّيَّة مَقْرُونَةً بِهِ بِحَيْثُ تُحْضَرُ فِي العِلْمِ صفَاتُ الصَّلاَةِ، وَيقْتَرِنُ القَصْدُ إلَى هَذا المَعْلُومِ بِأوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَيَبْقَى مُسْتَدِيمًا لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ إلَى آخِرِ التَّكْبِيرِ، فَلَ عَزُبَتْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ عَزُبَت قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ فَوَجْهَانِ.

стр. 460

قال الرافعي: لما لم يعد النية ركنًا خلط مسائلها بمسائل التكبير؛ لأن وقت النية هو التكبير، ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لو تقدمت النية على التكبير بزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية. لنا أن التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره؛ ولهذا لو تقدمت بزمانٍ طويلٍ لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من عسر مراقبة طلوع الفجر، ولهذا يحتمل فيه المتقدم بالزمان الطويل، ثم في كيفية المقارنة وجهان: أحدهما: أنه يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير. وأصحهما: أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية، وعلى تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليًا عن تمام النية المعتبرة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: (ويقترن القصد إلى هذا المعلوم بأول التكبير) ثم اختلفوا على هذا الوجه، فقال قوم منهم أبو منصور بن مهران شيخ الأودني: يجب أن تتقدم النية على التكبير ولو بشيء يسير ليأمن من تأخر أولها عن أول التكبير، واستشهد عليه بالصوم. وقال الأكثرون: لا يجب ذلك، ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم، فإن المتقدم كان لورود الشرع بالتبييت، ثم سواء قدم، أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب. وأصحهما: نعم؛ لأن النية مشروطة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ألا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه، وأما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية، ولا يضر عزوبها لما في تكليف استصحابها من العسر. وأما قوله: "بحيث تحضر في العلم صفات الصلاة ... " إلى آخره، فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه، وذلك أن النية قصد، والقصد يتعلق بمقصود، ولا بد وأن يكون المقصود معلومًا، فالناوي يحضر في ذهنه أولا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفات كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي، ثم يقصد إلى هذا المعلوم ويجعل قصده مقارناً الأول التكبير، ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير. وقوله: (ويبقى مستديماً للقصد والعلم إلى آخر التكبير) ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين:
следующие страницы →