← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَعَدَّهَا آيَةَ مِنْهَا" (١). وروي أنه قال: "إِذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الْكِتَاب فَاقْرَؤُا بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَإِنَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مَنْهَا" (٢). وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة "براءة" لأصحابنا فيه طريقان: أحدهما: أن في كونها من القرآن في أول السور قولين: أصحهما: أنها من القرآن؛ لأنها مثبتة في أوائلها بخط المصحف فتكون من القرآن كما في الفاتحة، ولو لم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن. والثاني: أنها ليست من القرآن وأنما كتبت للفصل بين السورتين، لما روي عن ابن عباس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَتَيْنِ حَتى يَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" (٣). والطريقة الثانية: وهي الأصح: أنها مِن القرآن في أول سائر السور أيضاً بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية، ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آية في أول سائر السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة، ألاّ ترى أنهم اتفقوا على أنها بعض آية من "سورة النَّمْلِ" وأن "الحمد لله رب العالمين" آية تامة من الفاتحة، وهو بعض آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ﴾ (٤) فأحد القولين: أنها بعض الآية من سائر السور؛ لما روي أنه ﷺ قال: "سُوَرةٌ تَشْفَعُ لِقَارئهَا وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةٌ وَهِيَ الْمُلْكُ" (٥). وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية؛ وأصحهما: أنها آية تامة كما في أول الفاتحة. واعلم: أن جمهور أصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعاً، بل اقتصر بعضهم على نقل الثانية، والأكثرون على نقل الأولى، لكن جمع بينهما الصيدلاني، وتابعه إمام الحرمين وغيره، هذا مذهبنا. وقال مالك: ليست التسمية من القرآن إلا من سورة

стр. 492

النَّمْلِ، وهي أشهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقال بعض أصحابه: مذهبه: أنها آية في كل موضع أثبتت فيه، لكنها ليست من السورة. وإذا عرفت ذلك فعندنا يجهر المصلي بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة بعدها، خلافاً لمالك حيث قال: لا يقرأها أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية، ولأبي حنيفة حيث قال: يسر بها، وبه قال أحمد، إلا أنه يوجب ذلك في كل ركعة؛ لأن التسمية عنده من الفاتحة، وأبو حنيفة لا يأمر بها إلا استحباباً، ويقال: إنه لا يأمر بها إلا في الركعة الأولى كالتعوذ. لنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ" (١). وعن علي وابن عباس أن النبي ﷺ "كَانَ يَجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ" (٢). وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: (آية منها) معلم بالميم والحاء، وكذا قوله: (في كل سورة) ولا يخفى أن المراد ما سوى براءة. ويروى عن أحمد: أن التسمية حيث أثبتت آية وليست من السورة، ورأيت في "رءوس المسائل" لبعض أصحابه أنها ليست من الفاتحة، ولا من سائر السور، والمشهور عنه في كتب أصحابنا أنه يوافقنا في كونها من القرآن، وإنما يخالف في الجهر، فعلى المشهور لتكن الكلمتان معلمتين بالألف أيضاً. وقوله: "وهي آية من كل سورة .... " [إلى آخره، فيه كلامان: أحدهما: أن ظاهر قوله: (وهي آية من كل سورة) أنها آية] (٣) مستقلة، لأنها إذا كانت مع صدر السورة آية، فلا تكون آية وإنما تكون بعض آية، وإذا كان كذلك فلا يحسن أن يرتب عليه التردد في أنها مستقلة أم لا، فإن الشيء الذي أثبتناه لا ينتظم من التردد فيه؛ ومعنى الكلام أنها من جملة السور معدودة من القرآن، وهل هي آية مستقلة؟ فيه الخلاف. والثاني: أن لفظ الكتاب يمكن تنزيله على الطريقة الثانية بأن يجعل جازماً بأنها

стр. 493

من السورة وتردد الخلاف إلى أنها مستقلة أم لا؟ ويكون تقدير الكلام إما مع الآية الأولى على أحد القولين أو مستقلة بنفسها على أحد القولين، وهذا هو الذي أراده، ويمكن تنزيله على ذكر الخلاف الذي اشتمل عليه الطريقان جميعاً بأن يصرف قوله على أحد القولين إلى أول الكلام وهو قوله: (وهي آية من كل سورة). والقول المقابل له أنها ليست من السور، ويجعل الترديد في قوله: "إما مع الآية الأولى أو مستقلة بنفسها" إشارة إلى الخلاف المذكور في الطريقة الثانية، تفريعاً على أنها من القرآن، وإذا انتظم التردد في أنها آية على استقلالها أم لا بعد القطع بأنها من القرآن ينتظم التردد بعد إثبات الخلاف تفريعاً على أنها من القرآن. قال الغزالي: ثُمَّ كُلُّ حَرْفٍ وَتَشْدِيدٍ رُكْنٌ، وَفِي إِبْدَالِ الضَّادِ بِالظَّاءِ تَرَدُّدٌ. قال الرافعي: لا شك أن فاتحة الكتاب عبارة عن هذه الكلمات، الكلمات المنظومة، والكلمات المنظومة مركبة من الحروف المعلومة، وإذاقال الشارع ﷺ "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١) فقد وقف الصلاة على جملتها، والموقوف على أشياء مفقود عند فقد بعضها كما هو مفقود عند فقد كلها، فلو أخل بحرف منها لم تصح صلاته، ولو خفف حرفاً مشدداً فقد أخل بحرف؛ لأن المشدد حرفان مثلان، أولهما ساكن، فإذا خفف فقد أسقط أحدهما، ولو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب، وهل يستثنى إبدال الضاد في قوله: ﴿غيرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِينَ﴾ بالظاء؟ ذكروا فيه وجهين (٢).

стр. 494

أحدهما: نعم، فيحتمل ذلك لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما. وأصحهما: لا يستثنى، ولو أبدل كان كإبدال غيرهما من الحروف، وكما لا يحتمل [الإخلال بالحروف لا يحتمل] (١) اللحن المخل للمعنى كقوله: (أنعمت عليهم) (وإياك نعبد)، بل تبطل صلاته إن تعمد، ويعيد على الاستقامة إن لم يتعمد، ويسوغ القراءات السبع، وكذا القراءة الشاذة (٢) إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه. وقوله: (ثم كل حرف وتشديد ركن) يجوز أن يريد به أنه ركن [من الفاتحة، لأن ركن الشيء أحد الأمور التي يلتثم منها ذلك الشيء، ويجوز أن يريد به أنه ركن] (٣) من الصلاة؛ لأن الفاتحة من أركان الصلاة وجزء الجزء جزء، والأول أصوب، لئلا تخرج أركان الصلاة عن الضبط. قال الغزالي: ثُمَّ التَّرْتِيبُ فِيهَا شَرْطٌ، فَلَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الأخَيرَ أَوَّلاً لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ آخِرَ التَّشَهُدِ فَهُو كَقَوْلِهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، وَالمُوَلاَةُ أَيْضًا شَرْطٌ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا، فَلَوْ قَطَعَهَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ (و) وَكَذَا بِتَسْبِيحٍ يَسِيرٍ، إلاَّ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الصَّلاَةِ كَالتَّأمِينِ لِقِرَاءَةِ الإمَامِ، وَالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَاذَةِ أَوْ سُجُودِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الإمَامِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ رَحمَةٍ أَوْ عَذَاب، فَإِنَّ الوَلاَءَ لاَ يَنْقَطِعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَلَوْ تَرَكَ المُوَالاةَ نَاسِيًا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو طَوَّلَ رُكْنًا قَصِيرًا نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ. قال الرافعي: الفصل يشتمل على جملتين مشروطتين في الفاتحة: إحداهما: الترتيب فيجب رعايتها؛ لأن الإتيان بالنظم المعجز مقصودٍ، والنظم والترتيب هو مناط البلاغة والإعجاز، فلو قدم مؤخراً على متقدم نظر إن كان عامداً بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهياً عاد إلى الموضع الذي أخل منه بالترتيب فقرأ منه. قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، وعلى كل حال لا يعتد بالمؤخر الذي قدمه، وينبغي أن يحمل قوله: "فلو قدم النصف الأخير قبل الأول لم يجزه" على هذا؛

стр. 495

أي: لا يجزئه النصف الأخير، فأما النصف الأول فهل يجزئه ويبني عليه أم يلزمه الاستئناف؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه. ولو أخل بترتيب التشهد نظر إن غير تغيراً مبطلاً للمعنى، فليس ما جاء به محسوباً، وإن تعمده بطلت صلاته؛ لأنه أتى بكلام غير منظوم قصداً، وإن لم يبطل المعنى وكان كل واحد من المقدم والمؤخر مفيداً مفهوماً ففيه الطريقان المذكوران فيما إذا عكس لفظ السلام فقال: عليكم السلام، والأظهر الجواز؛ لأنه لا يتعلق بنظمة إعجاز. وقوله: (ولو قدم آخر التشهد) يعني به هذه. الحالة الثانية: وهي أن لا يغير المعنى، وإن كان اللفظ مطلقاً. واعلم أن تغيير الترتيب على وجه يبطل المعنى كما يفرض في التشهد، يفرض في الفاتحة، فوجب أن يقال: ثم أيضاً إذا غير تغييراً مبطلاً للمعنى عمداً تبطل صلاته. والثانية: الموالاة بين كلماتها، والاخلال بها على ضربين: أحدهما: أن يكون الشخص عامداً فيه، فإن سكت في أثنائها نظر؛ إن طالت مدة السكوت وذلك بأن يشعر مثل ذلك السكوت بقطعه القراءة وإعراضه عنها، إما اختياراً أو لعائق فتبطل قراءته، ويلزمه الاستئناف، لأنه ﷺ "كَانَ يُوَالِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١). وروى إمام الحرمين والمصنف في "الوسيط" وجهاً آخر عن العراقيين: إن ترك الموالاة بالسكوت الطويل عمداً لا يبطل القراءة؛ واعلم لهذا الوجه قوله: (وجب الاستئناف) بالواو، وإن قصرت مدة السكوت فلا يؤثر؛ لأن السكلوت [اليسير] (٢) قد يكون لتنفس وسعال ونحوهما، فلا يشعر بقطع القراءة، ونظيره التفريق اليسير في الوضوء لا يؤثر وإن أوجبنا الموالاة فيه، وهذا إذا لم ينو مع السكوت قطع القراءة، فإن نواه والسكوت يسير ففيه وجهان -حكيا عن الحاوي-: أحدهما: أنه لا تبطل القراءة أيضاً؛ لأن السكوت اليسير لا أثر له بمجرده، ولا للنية بمجردها، فلا يضر أنضمام أحدهما إلى الآخر. وأصحهما: -وهو الذي ذكره المعظم-: أنها تبطل، ويجب الاستئناف لاقتران الفعل بنية القطع، وقد تؤثر النية مع الفعل فيما لا يؤثر فيه أحدهما؛ ألا ترى أن نية التعدي من المودع لا توجب كون الوديعة مضمونة عليه، وكذلك مجرد النقل من موضع إلى موضع، وإذا اقترنا صارت مضمونة عليه، وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع

стр. 496

الصلاة فإنها تؤثر فيها؛ لأن النية ركن في الصلاة تجب إدامتها حكمًا إن لم تجب إدامتها حقيقة، ولا يمكن إدامتها حكماً مع نية القطع، فتبقى الأفعال بلا نية، [وقراءة الفاتحة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا يؤثر فيها نية القطع] (١) فلو أتى بتسبيح أو تهليل في أثنائها، أو قرأ آية أخرى فيها بطلت الموالاة، قل ذلك أم أكثر؛ لأن الاشتغال بغيرها يغير النظم، ويوهم الإعراض عنها، وهذا فيما لا يؤمر به في الصلاة، أما ما يؤمر به وتتعلق به مصلحة الصلاة، كما إذا أَمَّنَ الإمام والمأموم في خلال الفاتحة فأمن معه، أو قرأ الإمام آية رحمة فسألها المأموم، أو آية عذاب فاستعاذ منه، أو آية سجدة فسجد المأموم معه، أو فتح على الإمام قراءته، ففي بطلان الموالاة في جميع ذلك وجهان: أحدهما، وبه قال الشيخ أبو حامد: تبطل، كما لو فتح على غير إمامه أو أجاب المؤذن، أو عطس فحمد الله تعالى. وأصحهما، وبه قال صاحب "الإفصاح" والقاضي أبو الطيب والقفال: لا تبطل صلاته، لأنه ندب إلى هذه الأمور في الصلاة لمصلحتها، فالاشتغال بها عند عروض أسبابها لا يجعل قادحاً، وهذا مفرع على استحباب هذه الأمور للمأموم وهو المشهور. وفيه وجه آخر: لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب إليه، فإن الحمد عند العطاس مندوب إليه، وإن كان في الصلاة فهو قاطع للموالاة، ولكن في المندوبات التي تختص بالصلاة، وتعد من صلاحها. وقوله: "إلاَّ ما له سبب في الصلاة" محمول على هذا، ولما كان السكوت مبطلاً للموالاة بشرط أن يكون طويلاً، وكان التسبيح ونحوه مبطلاً من غير هذا الشرط، قيد في لفظ الكتاب السكوت بالطويل، وجعل التسبيح يوصف كونه يسيراً مبطلاً للموالاة؛ تنبيهًا على الفرق بينهما، ثم لا يخفى أن ما يبطل قليله فكثيره أولى أن يبطل. الضرب الثاني: أن يخل بالموالاة ناسياً، ونذكر أولاً مسألة وهي: أنه لو ترك الفاتحة ناسياً هل تجزئه صلاته؟ الجديد -وهو المذهب- أنه لا يعتد بتلك الركعة، بل إن تذكر بعدما ركع عاد إلى القيام وقرأ، وإن تذكر بعد القيام إلى الركعة الثانية صارت هذه الركعة أولاه ويلغي ما سبق، ووجهة الأخبار الدالة على اعتبار الفاتحة، والإلحاق بسائر الأركان. وقال في "القديم" تجزئه صلاته تقليداً لعمر ﵁ "فَإنَّهُ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْمَغْرِبِ فَقِيلَ لَه فِي ذلِكَ فَقَالَ: كَيفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسجُودُ قَالُوا: كَانَ حَسَنًا

стр. 497

قَالَ: فَلاَ بَأْسَ" (١) وقد ذكرت ما قيل في الفرق بين الفاتحة وسائر الأركان، في فصل الترتيب في الوضوء. إذا عرف ذلك فنقول: إن ترك الموالاة ناسياً، فالذي ذكره الجمهور ونقلوه عن نص الشافعي ﵁: إنه لا تنقطع الموالاة، وله أن يبني، وليس هذا تفريعاً على القول القديم في ترك الفاتحة ناسياً بل نقلوا ذلك مع القول بأنه إذا ترك الفاتحة ناسياً لم يعتد بالركعة، ومال إمام الحرمين، إلى أنه ينقطع الولاء بالنسيان إذا قلنا: النسيان ليس بعذر في ترك الفاتحة، حتى لا يجزئه ما أتى به، كما لو ترك الترتيب ناسياً، وتابعه الإمام الغزالي ﵀ فجعل المسألة على التردد، واعترض إمام الحرمين -قدس الله روحه- على كلام الجمهور فقال: ترك الولاء إذا كان مما تختل به القراءة؛ فجريانه النسيان يجب أن يكون بمثابة ترك القراءة ناسياً حتى لا يعذر به، وللجمهور أن يقولوا: سلمت في هذا الاعتراض مقدمة مطلقة وهي أن ترك الولاء مما تختل به القراءة، وعندنا لا تختل به القراءة إلا عند التعمد، فإن قال: إذا اختلت به عند التعمد وجب أن تختل به عند النسيان، كما أن ترك القراءة من أصلها لا يفترق حكمه في الحالتين، فلهم أن يقولوا في الفرق: الموالاة هيئة من الكلمات تابعة لها، فإذا ترك القراءة فقد ترك التابع والمتبوع، وإذا ترك الموالاة فقد ترك التابع دون المتبوع، فلا يبعد أن يجعل النسيان عذرًا هاهنا ولا يجعل عذراً ثَم، ونظيره غسل الأعضاء في الوضوء، لا يحتمل تركها عمداً ولا سهواً، وترك الموالاة سهوًا يحتمل على الأظهر إن أوجبنا فيه الموالاة، وأما ما ذكره من ترك الترتيب ناسياً، فقد فرق الشيخ أبو محمد بينه وبين الموالاة؛ بأن أمر الموالاة أهون؛ ألا ترى أنه لو أخل المصلي بترتيب الأركان ناسياً فقدم السجود على الركوع لم يعتد بالسجود المقدم، ولو أخل بالموالاة بأن طَوَّلَ ركنًا قصيراً من الصلاة ناسياً لم يضر، واعتد بما أتى به، وكذلك لو ترك سجدة من الركعة الأولى أقيمت السجدة المأتي بها في الركعة الثانية مقامها وإن اختلت الموالاة؛ ولهذا يحتمل غير أفعال الصلاة في خلالها إذا كانت يسيرة كالخطوة وقتل الحية ونظائرهما، مع أنها تخل بصورة الموالاة، فلا يلزم من جعل النسيان عذرًا في أضعف المعتبرين جعله عذرًا في أقواهما، وقد حكى الإمام بعض هذا الفرق عن الشيخ، ولم يعترض عليه بأزيد مما سبق، وربما وجه النص المنقول في أن ترك الموالاة لا يضر بمسائل الموالاة ناسياً في الصلاة لتطويل الركن القصير ونحوه والله أعلم. وينكشف لك من هذا الشرح ما هو السبب الداعي إلى إيراد المصنف مسألة

стр. 498

تطويل الركن القصير في خلال مسائل القراءة؟ ومن لم يعرف هذا السبب، ولم تكن فيه غباوة فإنه يتعجب من ذلك، وليس في لفظ الكتاب ما ينبه عليه، وأما تسميته كل واحد من الترتيب والموالاة شرطاً، والحروف والتشديدات أركاناً، فقد تقدم في باب الأذان ما يناظر ذلك والقول فيهما قريب. قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَلاَ يُجْزِئُهُ تَرْجَمَتُهُ (ح) بِخِلاَفِ التَّكْبِيرِ بَلْ يَأْتي بِسَبْعِ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ مُتَوَالِيَةً لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهَا عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَمُتَفَرِّقَة، فإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَيَأْتِى بِتَسْبِيحِ وَتَهْلِيل لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهُ عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ. قال الرافعي: ذكرنا أن للمصلي حالتين: إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة، وما ذكرناه إلى الآن كلام فيها. والثانية: أنه لا يقدر فيلزمه كسب القدرة عليها، إما بالتعلم أو التوصل إلى مصحف يقرأها منه، سواء قدر عليه بالشراء، أو الاستئجار، أو الاستعارة (١)، فإن كان بالليل، أو كان في ظلمة فعليه تحصيل السراج أيضاً عند الإمكان، فلو امتنع من ذلك مع الإمكان فعليه إعادة كل صلاة صلاها إلى أن قدر على قراءتها. وإذا تعذر التعلم عليه أو تأخر لضيق الوقت، أو بلادته وتعذرت القراءة من المصحف أيضاً. فكيف يصلي؟ هذا غرض الفصل؛ وجملته أنه لا تجزئه الترجمة، وخلاف أبي حنيفة يعود هاهنا بطريق الأولى، ويخالف التكبير حيث يعدل العاجز إلى ترجمته لما قدمناه: إن نظم القرآن معجز وهو المقصود، فيراعي ما هو أقرب منه، وأما لفظ التكبير فليس بمعجز، ومعظم الفرض معناه فالترجمة أقرب إليه. وإذا عرفت ذلك فينظر إن أحسن غير الفاتحة من القرآن فيجب عليه أن يقرأ سَبْعَ

стр. 499

آيات من غيرها، ولا يجوز له العدول إلى الذكر؛ لأن القرآن بالقرآن أشبه، ولا يجوز أن ينقص عدد الآيات المأتي بها عن السبع وإن كانت طويلة؛ لأن عدد الآي مَرْعيٌّ فيها، قال الله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (١) "وَعَدَّهَا رَسُول اللهِ ﷺ سَبْعَ آيَاتٍ" فيراعي هذا العدد في بدلها، وهل يشترط مع ذلك ألئلا تنقص حروفها عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ويكفي اعتبار الآيات كما لو فاته صوم يوم طويل يجوز قضاؤه في يوم قصير، ولا ينظر إلى الساعات. وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يشترط؛ لأنها معتبرة في الفاتحة، وقد أمكن اعتبارها في البدل فأشبهت الآيات. وهذان الوجهان في جملة الفاتحة مع جملة البدل، فلا يمتنع أن يجعل آيتين بدلاً عن آية. وفي وجه: يجب أن تعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة على الترتيب، وينبغي أن تكون مثلها، أو أطول منها، ويحكي هذا عن الشيخ أبي محمد، ثم إن أحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول إلى المتفرقة، فإن المتوالية أشبه بالفاتحة، وإن لم يحسنها أتى بها متفرقة. واستدرك إمام الحرمين فقال: لو كانت الآيات المفردة لا تفيد معنى منظوماً إذا قرأت وحدها، كقوله: "ثُمَّ نَظَرَ" (٢) فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآيات المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن شيئاً من القرآن أصلاً [وإن] (٣) كان ما يحسنه من القرآن دون السبع كآية أو آيتين، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب عليه أن يكرر حتى يبلغ قدر الفاتحة. وأصحهما: أنه يقرأ ما يحسنه، ويأتي بالذكر للباقي، هذا كله إذا أحسن شيئاً من القرآن (٤). أما إذا لم يحسن، فيجب عليه أن يأتي بالذكر كالتسبيح والتهليل، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يلزمه الذكر ويقف ساكتاً بقدر القراءة، ولمالك حيث قال: لا يلزمه الذكر، ولا الوقوف بقدر القراءة. لنا ما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُم إِلَى الصَّلاَةِ فَليَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَحْمَد اللهَ وَلْيُكَبِّرْهُ".

стр. 500

وروي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخَذَ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِيني فِي صَلاَتِي، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للْهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرَ، وَلاَ حَولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ " (١) ثم هل يتعين شيء من الأذكار أم يتخير فيها؟ فيه وجهان: أحدهما: أن الكلمات المذكورة في الخبر الثاني متعينة لظاهر الأمر، وعلى هذا اختلفوا: منهم من قال: تكفيه هذه الكلمات الخمس؛ لأنه قال: "علمني ما يجزيني في صلاتي" والنبي ﷺ علمه هذه الكلمات، وبهذا قال أبو علي الطبري والقاضي أبو الطيب، ومنهم من قال: يضم إليها كلمتين أخرتين حتى تصير سبعة أنواع، فيكون كل نوع بدلاً عن آية. والمراد بالكلمات هاهنا أنواع: الذكر لا الألفاظ المفردة. وأصحهما: أنه لا يتعين شيء من الأذكار، وبه قال أبو إسحاق المَرُوزي، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه أطلق فقال: فيأتي بتسبيح وتهليل، وعلى هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل، وهل يشترط أن لا تنقص حروف ما يأتى به عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان: كما ذكرنا فيما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن. أصحهما -وهو المذكور في الكتاب- أنه يشرط، ثم قال إمام الحرمين: لا يرعى هاهنا إلا الحروف بخلاف ما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن، فإنه يراعي عدد الآيات، وفي الحروف الخلاف. وقال في "التهذيب": يجب أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا أقرب تشبيهاً لمقاطع الأنواع بغايات الآيات، وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد. قال إمام الحرمين: والأشبه أن ما يتعلق بأمور الآخر، يقوم دون ما يتعلق بالدنيا، ويشترط أن لا يقصد بالذكر المأتي به شيئاً آخر سوى البلدية، كما إذا استفتح أو تعوَّذَ على قصد إقامة سنتهما، ولكن لا يشترط قصد البدلية فيهما ولا في غيرهما من الأذكار في أظهر الوجهين، وإن لم يحسن شيئاً من القرآن والأذكار فعليه أن يقوم بقدر الفاتحة، ثم يركع، وكل ما ذكرناه فيما إذا لم يحسن الفاتحة أصلاً. قال الغزالي: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ النِّصْفَ الأَوَّلَ مِنْهَا أَتَى بِالذِّكْرِ بَدَلاً عَنْهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنِّصْفِ الأَخِيرِ.

стр. 501

قال الرافعي: أصل المسألة: أن من يحسن بعض الفاتحة دون بعض يكرره، أو يأتي به ويبدل الباقي؟ فيه وجهان: وقيل: قولان: أحدهما: أنه يكرر ما يحسنه قدر الفاتحة، ولا يعدل إلى غيره؛ لأن بعضها أقرب إلى الباق من غيرها، فصار كما إذا أحسن غيرها من القرآن لا يعدل إلى الذكر. وأصحهما: أنه يأتي به، ويبدل الباقي؛ لأن الشيء الواحد لا يكون أصلاً وبدلاً، ويدل عليه "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ ذلِكَ السَّائِلَ بِالْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ"، ومنها: "الْحَمْدُ للهِ"، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة، ولم يأمره بتكريرها، وهذا الخلاف فيما إذا كان يحسن للباقي بدلاً أما إذا لم يحسن إلا ذلك البعض فيكرره بلا خلاف. إذا تقرر ذلك فلو أحسن النصف الثاني دون الأول فقد قال في الكتاب: يأتي بالذكر بدلاً عن النصف الأول، ثم يأتي بالنصف الثاني، وهذا جواب على الوجه الأصح، ويجب أن يقدم البدل للنصف الأول على قراءة النصف الثاني رعايةً للترتيب، كما يجب الترتيب في أركان الصلاة وفي كلمات الفاتحة. وحكى في "التهذيب" وجهاً أنه لا يشترط الترتيب بين البدل والأصل، وكيف ما قرأ جاز. وأما إذا فرعنا على الوجه الأول وهو أنه يكرر القدر الذي يحسنه، فلا يأتي في هذه الصورة للنصف الأول ببدل، بل يكرر النصف الأخير، وليعلم هذا الوجه قوله: (أتى بالذكر بدلاً عنه) بالواو، وكذا قوله: (ثم يأتي بالنصف الأخير)؛ لأن كلمة ثم للترتيب، وقد ذكرنا وجهاً أنه لا يجب الترتيب، ولو كان الأمر بالعكس فكأن يحسن النصف الأول دون الثاني، فعلى الوجه الأول: يكرره، وعلى الأصح، يأتي بالنصف الأول، ثم [يأتي] (١) بالذكر بدلاً عن الثاني. قال الغزالي: فَإِنْ تَعَلَّمَ قَبْلَ قِرَاءَةِ البَدَلِ لَزِمَتْهُ قِرَاءَتُهَا، وإنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلاَ، وإنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ الفَرَاغِ فَوَجْهَانِ. قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا استمر العجز عن القراءة في الصلاة، فأما إذا تعلم الفاتحة في أثنائها، أو لقنه إنسان، أو أحضر مصحف، وتمكن من القراءة منه فينظر، إن اتفق ذلك قبل الشروع في قراءة البدل، فعليه أن يقرأ الفاتحة، وإن كان في خلال قراءة البدل مثل أن أتى بنصف الأذكار ثم قدر على قراءة الفاتحة فعليه قراءة النصف الأخير، وفي الأول وجهان: أحدهما: لا يجب، كما إذا شرع في صوم الشهرين، ثم قدر على الإعتاق، لا يلزمه العدول إلى الإعتاق.

стр. 502

وأظهرهما: يجب كما إذا وجد الماء قبل تمام التيمم يبطُل تيممه وإن كان ذلك بعد قراءة البدل، وبعد الركوع فلا يجوز الركوع، وقد مضت تلك الركعة على الصحة، وإن كان بعد القراءة وقبل الركوع فوجهان: أحدهما: عليه قراءة الفاتحة؛ لأن محل القراءة باقٍ، وقد قدر عليها. وأظهرهما: لا يجب؛ لأن البدل قد تم، وتأدى الفرض به، وأشبه ما لو أتى المكفر بالبدل ثم قدر على الأصل، أو صلى بالتيمم، ثم قدر على الوضوء، ويجوز أن يعلم قوله: "لزمه قراءتها" بالواو؛ لأن قوله: "قبل قراءة البدل" يتناول ما إذا لم يشرع في البدل أصلاً ما إذا شرع، لكن لم يتمه حتى تعلم الفاتحة، وقد ذكرنا في الصورة الثانية وجهين، ويجوز أن يعلم قوله: (فوجهان) في الصورة الأخيرة أيضاً؛ لأن صاحب "البيان" ذكر طريقًا آخر أنه لا يجب قراءة الفاتحة وجهاً واحداً. قال الغزالي: ثُمَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُنَّتَانِ: (إِحْدَاهُمَا): التَّأْمِينُ مَعَ تَخْفِيفِ الميم مَمْدُودَة أَوْ مَقْصُورَةً، وَفِي جَهْرِ الإمَامِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالأظْهَرُ الجَهْرُ، وَلْيؤَمِّنِ المَأْمُومُ مَعَ تَأْمِينِ الإمَامِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ. قال الرافعي: بينا أن لركن القراءة سنتين لاحقتين، فاشتغل بذكرهما حين فرغ من أحكام الفاتحة. إحداهما: التأمين، فيستحب لكُلِّ من قرأ الفاتحة خارج الصلاة، أو في الصلاة، أن يقول عقيب الفراغ منها: "آمين". ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ومعنى الكلمة، ليكن كذلك، وفيها لغتان: القصر، والمد، والميم مخففة في الحالتين، وينبغي أن يفصل بينها وبين قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسكتة لطيفة؛ تمييزًا بين القرآن وغيره، ويستوي في اَستحبابها الإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر بها الإمام والمنفرد في صلاة الجهر تبعاً للقراءة، وقد روي عن وائل بن حُجْر قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ: آمِينَ وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ" (١). وأما المأموم فقد نقل عن القديم أنه يؤمن جهراً أيضاً، وعن الجديد أنه لا يجهر، واختلف الأصحاب فقال الأكثرون في المسألة قولان: أحدهما: أنه لا يجهر [كما لا يجهر بالتكبيرات وإن كان الإمام يجهر بها]. وأصحهما: وبه قال أحمد: أنه يجهر] (٢) لما روي عن عطاء قال: "كُنْتُ أَسْمَعُ

стр. 503

الأَئِمَّةَ، وَذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَيقُولُ مِنْ خَلْفِهِمْ: آمِينَ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَضَجّةً" (١). ويروى عن أبي هريرة قال: "كَانَ إِذَا أمَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى كَانَ لِلْمَسْجِدِ ضَجَّةٌ" (٢) ولأن المقتدي متابع للإمام في التأمين، فإنه إنما يؤمن لقراءته، فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين، ومنهم من أثبت قولين في المسألة ولكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا لم يجهر الإمام، فيجهر المأموم ليتنبه الإمام وغيره، ومنهم من حمل النصين على حالين، فحيث قال: "لا يجهر المأمومون" أراد: ما إذا قل المقتدون، أو صغر المسجد وبلغ صوت الإمام القوم فيكفي إسماعه إياهم التأمين، كأصل القراءة، وإن أكثر القوم يجهرون حتى يبلغ الصوت الكل، والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ أَمَّنَتِ المَلاَئِكَةُ، فَأمِّنُوا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٣). فإن لم يتفق ذلك أمن عقيب تأمينه. وأما لفظ الكتاب: ذلك أن تعلم قوله: (التأمين) بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنه لا يسن التأمين للمصلي أصلاً. وعنه رواية أخرى أن الإمام لا يؤمن في الجهرية. ورواية أخرى أن الإمام والمأموم يؤمنان، لكن يسران وهو مذهب أبي حنيفة، ولذلك أعلم قوله: (والأظهر الجهر) بعلامتهما، وقوله: (ممدودة، أو مقصورة) التأنيث على تقدير الكلمة، وقوله: (وفي جهر المأموم به خلاف) أي [في] (٤) الصلاة الجهرية، وأما في السرية فالمحبوب الإسرار للمأموم وغيره بلا خلاف، ثم قوله: "يجوز أن يريد به قولين" جواباً على الطريقة المشهورة، ويجوز أن يريد به طريقين: وهما الأول والثالث، فقد ذكرهما في "الوسيط"، فإن كان الأول فقوله: (الأظهر الجهر) أي: من

стр. 504

القولين، وإن كان الثاني، فالمعنى والأظهر مما قيل في المسألة أنه يجهر. قال الغزالي: (الثانِيَةُ): السُّورَةُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِلْإمَامِ وَالمُنْفَرِدِ في رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَالأَوَّليَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الثَّالِثةَ وَالرَّابِعَةِ قَوْلاَنِ مَنْصُوصَانِ الجَدِيدُ: أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ (ح) وَإنْ كَانَ العَمَلُ عَلَى القَدِيمِ، وَالمَأمُومُ لاَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الجَهْرِيةِ بَلْ يَسْتَمِعُ، فإنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الصَّوْتُ فَيِ قِرَاءَتِهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: يسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح، والأوليين من سائر الصلوات لما سيأتي، وأصل الاستحباب يتأدى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب، حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة، وروى القاضي الروياني عن أحمد: أنه يجب عنده قراءة شيء من القرآن، وهل يسن قراءة السورة [في] (١) الثالثة من المغرب، وفي الثالثة والرابعة من الرباعيات فيه قولان: "الجديد": أنها تسن، لكن تجعل السورة فيهما أقصر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ "كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ آيَةٍ وفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْن الأولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةَ، وَفِي الأخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذلِكَ" (٢) والقديم: به قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: أنها لا تسن؛ لما روي عن أبي قتادة أن النبي ﷺ "كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهرِ في الأُوْلَيَيْنِ بأُمِّ الْكِتَاب وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيةَ، وَيُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ" (٣). وهل يفضل الركعة الأولى على الثانية؟ فيه وجهان: أحدهما: أظهرهما؛ لا، ويدل عليه حديث أبي سعيد. والثاني: وبه قال الإمام السرخسي: نعم، ويدل عليه حديث أبي قتادة، ويجري الوجهان في الركعتين، الأخريين إن قلنا: تستحب فيهما السورة. وقال أبو حنيفة: يستحب تفضيل الأولى على الثانية في الفجر خاصة، ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل "الحجرات"، نعم في الركعة الأولى من صبح يوم الجمعة يستحب قراءة "ألم" السجدة، وفي الثانية "هل أتى"، ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصاره، وأما المأموم فلا يقرأ السورة في الصلاة التي يجهر بها الإمام وهو يسمع صوته بل ينبغي

стр. 505

أن ينصت ويسمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١) ولهذا يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر ما يقرأ فيه المأموم الفاتحة كيلا يفوته استماع الفاتحة ولا استماع السورة، وإن كانت الصلاة سرية أو جهرية والمأموم لا يسمع لبعد، أو صم، فوجهان: أحدهما: أنه لا يقرأ؛ لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا كُنْتُمْ خَلْفِي فَلاَ تَقْرَؤُا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢). وأصحهما: يقرأ كالمنفرد، وإنما لا يؤمر بالقراءة حيث يستمع؛ ليستمع، وأما الحديث فله سبب، "وهو أَنَّ أَعْرَابيًّا رَاسَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قِرَاءَةِ الشَّمْسِ وَضُحَاهَا فَتَعَسَّرَت القِرَاءَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا تَحَلَّلَ عَنْ صَلاَتِهِ قَالَ ذلِكَ"، ويستحب للقارئ في الصلاة وخارج الصلاة أن يسأل الرحمة إذا مر بآية رحمة، وأن يتعوذ إذا مر بآية عذاب، وأن يسبح إذا مر بآية تسبيح، وأن يتفكر إذا مر بآية مثل ذلك، وأن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (٣)، ويقول: "آمنا باللهِ" إذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) والمأمَوم يفعل ذلك لقراءة الإمام. وقوله في الكتاب: (فقولان: منصوصان) التصريح بكونهما منصوصين يعرف أنهما ليسا ولا واحد منهما مخرج، ولا يتوهم من ذلك أنه إذا أرسل ذكر القولين كان ثم تخريج، كما أن التعرض "للقديم" و"الجديد" يعرف تاريخ القولين، ولا يلزم من إرسال القولين أن يكون أحدهما قديمًا والآخر جديدًا. وقوله: (وإن كان العمل على القديم) إشارة إلى ترجيح القول القديم، وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم، ونازع الشيخ أبو حامد وطائفة فيه ورجحوا الجديد. واعلم أن مسألة جهر المأموم بالتأمين في جملة تلك المسائل، إذا أثبتنا الخلاف فيها، كما تبين في الفصل السابق. وقوله: (والمأموم لا يقرأ السورة في الجهرية ...) إلى آخره التعرض لحكم قراءته في الجهرية، وإهماله في السرية، فيه إشعار بأنه يقرأ في السرية، وهو الأظهر، كما بيناه، وإن لم يكن متفقاً عليه. قال الغزالي: الرُّكْنُ الرَّابعُ: الرُّكُوعُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ

стр. 506

وَيطْمَئِنُّ (ح) بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ هَوِيُّهُ عَنْ ارتِفَاعِهِ، وَلاَ يَجِبُ الذِّكْرُ. قال الرافعي: تكلم في أقل الركوع، ثم في أكمله، أما أقله فقد ذكر فيه شيئين لا بد منهما: أحدهما: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، يقال إنه ورد في لفظ الخبر، ومعناه: أنه يصير بحيث لو أراد أن يضع راحتيه على ركبتيه لتمكن، وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين، وفي لفظ الكتاب الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعاً، وإن صار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه؛ لأن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء. قال إمام الحرمين: ولو مزج الانحناء بهذه الهيئة، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهما جميعاً لم يعتد بما جاء به ركوعاً أيضاً، ثم إن لم يقدر على أن ينحني إلى الحد المذكور إلا بمعين، أو الاعتماد على شيء، أو بأن ينحني على شق لزمه ذلك، وإن لم يقدر انحنى القدر المقدور عليه، وإن عجز أومأ بطرفه عن قيام. واعلم أن الذي ذكره في هذا الوضع هو حد ركوع القائمين، فأما إذا كان يصلي قاعداً صار حد أقل ركوعه وأكمله مذكورًا في فصل القيام. والثاني: أن يطمئن، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تجب الطمأنينة. لنا ما روي عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاء، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقَالَ ﷺ : وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: عَلِّمنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبغ الْوُضُوء ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَ رَاكِعًا" (١). ومعنى الطمأنينة في الركوع: أن يصير حتى تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع، وينفصل هويُّه عن ارتفاعه منه، فلو جاوز حد أقل الركوع وزاد في الهَوِيِّ، ثم ارتفع والحركات متصلة فلا طمأنينة، وزيادة الهوى لا تقوم مقام الطمأنينة، فهذا بيان الأمرين اللذين لا بد منهما. وأما قوله: (ولا يجب الذكر) فالغرض من ذكره هاهنا بيان خروجه عن حد الأقل، خلافاً لأحمد، فإنه يحكى عنه إيجاب التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة، وكذلك إيجاب التكبير للركوع والسجود.

стр. 507

لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ المُسِئَ صَلاتَهُ بِالذِّكْرِ فِيهِمَا" (١) ويجوز أن يعد في حد الأقل (٢)، شيء آخر وهو أن لا يقصد بهويه غير الركوع. لأن صاحب "التهذيب" وغيره ذكروا أنه لو قرأ في صلاته آية سجدة، فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له بعد ما بلغ حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع. لأنه لم يقطع القيام لقصد الركوع. بل يجب عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع وسيأتي لهذا نظائر. ولك أن تعلم قوله: (بحيث تنال راحتاه ركبتيه) [بالحاء؛ لأن] (٣) القاضي ابن كج حكى عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر ذلك ويكتفي بأصل الانحناء. قال الغزالي: وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ، وَينْصِبَ رُكْبَتَيهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا، وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلاَ يُجَاوِزُ فِي الانْحِنَاءِ الاسْتِوَاءَ، ويقُولُ: اللهُ أكْبَرُ رَافِعًا يَدَيْهِ عِنْدَ الْهَوِيَ مَمْدُوداً عَلَى قَوْلٍ، وَمَحْذُوفاً عَلَى قَوْلٍ كَيْلاَ يُغَيَّرَ المَعْنَى بالمَدِّ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلاَثاً، وَلاَ يَزِيدُ الإمَامُ عَلَى الثَّلاَثِ. قال الرافعي: الكلام في أكمل الركوع يقع في جملتين: إحداهما: في هيئته، وهي أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، ويمدهما كالصفحة الواحدة، فلا تكون رأسه ورقبته أخفض من ظهره، ولا أعلى، يروى أن رسول الله ﷺ : "كَانَ يُسَوِّي ظَهرَهُ فِي الرُّكُوعِ بِحَيْثُ لَوْ صُبَّ المَاءُ عَلَى ظَهْرِهِ لاَسْتَمْسَكَ" (٤). وروى أنه ﷺ : "نَهَى عَنِ التَّذْبِيح فِي الصَّلاَةِ" (٥). وفي رواية: "نَهَى أَنْ يُذَبِّحَ الرَّجُلُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا يُذَبِّحُ الْحِمَارِ". والتَّذْبِيحُ: أن يبسط ظهره ويطأطئ رأسه، فتكون رأسه أشد إنحطاطاً من إليتيه، وهذا اللفظ يذكر بالدال، والذال. والأول أشهر، وينبغي للراكع أن ينصب ساقيه إلى الحقو، ولا يثني ركبتيه وهذا هو الذي أراده بقوله: (وينصب ركبتيه) ويستحب له وضع اليدين على الركبتين وأخذهما بهما، ويفرق بين أصابعه حينئذ ويوجههما نحو القبلة، روى أنه ﷺ : "كَانَ يُمْسِكُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ كَالْقَابِضِ عَلَيْهِمَا".

стр. 508

ويفرج بين أصابعه، فإن كان أقطع أو كانت إحدى يديه عليلة، فعل بالأخرى ما ذكرنا، فإن لم يمكنه وضعهما على الركبتين أرسلهما. وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ (١). والمرأة لا تجافي فإنه أستر لها، والخنثى كالمرأة. وأما قوله: (ولا يجاوز في الانحناء حد الاستواء) فالمراد منه استواء الظهر والرقبة، وفي قوله: أولاً: (وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه) ما يفيد هذا الغرض، فإنا إذا عرفنا استحباب استواء الظهر والعنق، نعرف أنه لا ينبغي أن لا يجاوز الاستواء فإعادته ثانياً، إما أن تكون تأكيداً، أو يكون الغرض الإشارة إلى أن المجاوزة مكروهة، قضيته، النهي عن التذبيح، وعلى هذا فالإعادة لا تكون [إلا] لمحض التأكيد، إذ لا يلزم من استحباب الشيء أن يكون تركه منهيًا عنه مكروهًا، وعلى كل حال، فلو ذكر قوله: (ولا يجاوز) متصلاً بالكلام الأول، لكان أحسن. الجملة الثانية في الذكر المستحب. ويستحب أن يكبر للركوع؛ لما روي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ" (٢) ويبتدئ به في ابتداء الهَوِيَّ، وهل يمده؟ فيه قولان: و"القديم": وبه قال أبو حنيفة: لا يمده بل يحذف؛ لما روي أنه ﷺ قال: "التَّكْبِيرُ جَزْمٌ" (٣) أي: لا يمد؛ ولأنه لو حاول المد لم يأمن أن يجعل المد على غير موضعه؛ فيغير المعنى مثل أن يجعله على الهمزة فيصير استفهاماً. و"الجديد": أنه يمده إلى تمام الهَوِيِّ حتى لا يخلو جزء من صلاته عن الذِّكْر، والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات، هل يمدها من الركن المنتقل عنه إلى أن يحصل في المنتقل إليه ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير؟ خلافاً لأبي حنيفة. لنا ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ، إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ " (٤). ويستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً [وذلك أدنى درجات

стр. 509

الكمال، لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم ثَلاَثاً] (١) فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، فَإذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاَثاً فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ (٢). واستحب بعضهم أن يضيف إليه "وبحمده" قال: إنه ورد في بعض الأخبار. والأفضل أن يضيف إليه: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي لِلَّهِ رب العالمين" (٣) فقد روى ذلك في الخبر، وهو أتم الكمال، وحكى عن "الحاوي" أن أتم الكمال. من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه: ثم الزائد على أدنى الكمال من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه خمس. أدنى الكمال إنما يستحب للمنفرد، أما الإمام فلا يزيد على التسبيحات الثلاث؛ كيلا يطول على القوم. وقال القاضي الروياني في "الحلية": لا يزيد على خمس تسبيحات وذكره غيره أيضاً. فليكن قوله: (ولا يزيد الإمام على الثلاث) معلماً بالواو، واستحباب التخفيف للإمام فيما إذا لم يرض القوم بالتطويل، أما إذا كان الحاضرون لا يزيدون، ورضوا بالتطويل، فيستوفئ أتم الكمال، ويكره قراءة القرآن في الركوع والسجود. قال الغزالي: ثُمَّ يَعْتَدِلُ عَنْ رُكُوعِهِ، وَيطْمَئِنُّ (ح) وَيسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْنِ إلَى المَنْكَبَيْنِ، ثُمَّ يَخْفِضُ يَدَيْهِ بَعْدَ الاعْتِدَالِ، وَيَقُولُ عِنْدَ رَفعِهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْتَوِي (ح) فِيهِ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ. قال الرافعي: الاعتدال ركن في الصلاة لكنه غير مقصود في نفسه ولذلك عد ركناً قصيراً، فمن حيث إنه ركن عده في ترجمة الأركان في أول الباب، ومن حيث إنه ليس مقصوداً في نفسه جعله هاهنا تابعاً للركوع، وأوردهما في فصل واحد، وهكذا فعل، بالجلسة بين السجدتين. وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، وله أن ينحط من الركوع ساجداً. وعن مالك روايتان:

стр. 510

إحداهما: كمذهبنا. والأخرى كمذهب أبي حنيفة. لنا ما روي أنه ﷺ قال للمسئ صلاته: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً" (١). ولو كان يصلي قاعداً لمرض فيعود إلى القعود بعد الركوع وبالجملة، فالاعتدال الواجب أن يعود بعد الركوع إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، فلو ركع عن قيام وسقط في ركوعه نظر، إن لم يطمئن في ركوعه فعليه أن يعود إلى الركوع، ويعتدل منه، وإن اطمأن فيعتدل قائماً، ويسجد منه. ولو رفع الراكع رأسه، ثم سجد، وشك في أنه هل أتم اعتداله؟ وجب عليه أن يعتدل قائماً، ويعيد السجود، وتجب الطمأنينة في الاعتدال كما تجب في الركوع. وقال في "النهاية": في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء؛ فإن النبي ﷺ في حديث المسيء صلاته ذكر الطمأنينة في الركوع، والسجود، ولم يذكرها في الاعتدال والقعدة بين السجدتين، فقال: "ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِساً" (٢). قال: وفي كلام الأصحاب ما يقتضي التردد فيها، والمنقول هو الأول ويستحب عند الاعتدال رفع اليدين إلى حذو المنكبين، فإذا اعتدل قائماً حطهما. وقال أبو حنيفة: لا يرفع. لنا ما روي عن ابنَ عمر ﵄ أن النبي ﷺ "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوع، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" (٣). ويستحب أن يقول عند الارتفاع: "سمع الله لمن حمده" ويكون ابتداؤه برفع الرأس من الركوع، ورفع اليدين، والتسميع دفعة واحدة، فإذا استوى قائماً، قال: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدَ، وروينا في خبر ابن عمر: "وَلَكَ الْحَمْدُ" (٤). والروايتان معاً صحيحتان ويستوي في الذكرين الإمام والمأموم والمنفرد، خلافاً لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: "لا يزيد الإمام على سمع الله لمن حمده، ولا المأموم على ربنا ولك الحمد". وأما المنفرد فقد روى صاحب "التهذيب" عنهما: أنه يجمع بين الذكرين، ثم روى مثل مذهبهما عن أحمد. والأشهر عن أحمد: أنه يجمع الإمام والمنفرد بينهما، ولا يزيد المأموم على:

стр. 511

ربنا ولك الحمد، ويستحب أن يزاد فيه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَملْءَ الأرْضِ، وَمَلْءَ مَا شِئْتَ مِنَ شَيْءٍ بَعْدُ" (١). وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول مع ذلك: "أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ أحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، كُلُّنَا لَكَ عَبْدُ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ" (٢). والإمام لا يأتي بهذه الزيادة الأخيرة (٣). ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب، قوله: (ثم يعتدل عن ركوعه ويطمئن، إشارة منه إلى واجب الاعتدال، ولذلك قال عقيبة: (ويستحب رفع اليدين) ليمتاز واجبه عن مسنونه. واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين، بل له واجب ثالث: وهو أن لا يقصد بالارتفاع شيئاً آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه فاعتدل؛ فزعاً منها، لم يعتد به، وواجب رابع: وهو أن لا يطوله، فلو طوله عمداً بذكر أو قراءة بطلت صلاته على الأصح؛ لأنه ركن قصير، وسيأتي الكلام فيه من بعد في باب سجود السهو. إن شاء الله تعالى. وقوله: (ويستحب رفع اليدين إلى المنكبين ويجوز أن يعلم لفظ (إلى المنكبين) بالواو؛ لأن رفع اليدين في الاعتدال، وفي الركوع مثل رفعهما في حالة التحرم، وقد سبق، ثم ذكر الخلاف في أنه يرفع إلى المنكبين، أو يزيد، فيعود ذلك الخلاف هاهنا، وقوله: (ويقول عند رفعه: سمع الله لمن حمده) ويجوز أن يكون المعنى عند رفعه رأسه من الركوع، ويجوز أن يكون المعنى عند رفع اليدين؛ لأن المستحب في الرفعين المقارنة، فما يقارن هذا يقارن ذلك، أيضاً، وظاهر الكلام يوهم أن يكون قوله: "سمع الله لمن حمده"، وقوله: "ربنا لك الحمد" عند الرفع، لكن المستحب أن يكون الأول في حال الرفع، والثاني بعد أن يعتدل قائماً، كما بيناه، ولك أن تعلم قوله: (عند الرفع)

стр. 512

بالواو؛ ولأن القاضي ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين. وقوله: (يستوي فيه الإمام والمنفرد) معلم بالحاء والميم، وعلى رواية صاحب "التهذيب" بالألف أيضاً. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ (ح) القُنُوت فِي الصُّبْحِ، وَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ وَرَأَى الإِمَامُ القُنُوتَ فِي سَائِرِ الصْلَوَاتِ فَقَوْلاَنِ، ثُمَّ الْجَهْرُ بِالقُنُوتِ مَشْرُوعٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ فَإِنْ لَمْ يُسْمَعُ صَوْتَهُ قَنَتَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ. قال الرافعي: لما كان القنوت مشروعاً في حال الاعتدال ذكره متصلاً بالكلام في الاعتدال وأذكاره. واَعلم أن القنوت يشرع في صلاتين. إحداهما: من النوافل، وهي الوتر في النصَف الأخير من رمضان، وسيأتي في "باب النوافل". والثانية: من الفرائض؛ وهي الصبح، فيستحب القنوت فيها في الركعة الثانية، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يستحب. وعن أحمد: أن القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس. لنا ما روي أن النبي ﷺ : "قَنَتَ شَهْراً، يَدْعُوَ عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ تَرَكَهُ" (١). "فَأمَّا فِي الصُّبْح فَلَمْ يَزَل يَقْنُتْ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا"، وَرُوِيَ ذلِكَ عَنْ خُلَفَائِهِ الأَرْبَعَةِ. -رضوان الله عليهم- أجمعين (٢). ومحله بعد الرفع من الركوع، خلافاً لمالك

стр. 513

حيث قال: يقنت قبل الركوع. لنا ما روي عن ابن عباس، وأبي هريرة وأنس ﵃: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ" والقنوت أن يقول: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تُقْضِي وَلاَ يَقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" (١) هذا القدر يروى عن الحسن بن علي ﵄ أن رسول الله ﷺ علمه (٢)، والإمام لا يخص نفسه، بل يذكر بلفظ الجمع، وزاد العلماء: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ" (٣) قبل: "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" وبعده: "فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٤) ولم يستحسن القاضي أبو الطيب كلمة: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"، وقال: لا تضاف العداوة إلى الله تعالى. قال سائر الأصحاب: ليس ذلك ببعيد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥). وهل يسن فيه الصلاة على النبي ﷺ ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن أخبار القنوت لم ترد بها. وأظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: نعم؛ لأنه روي في حديث الحسن: أنه قال ﷺ : "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، وَصَلَّى اللَّهَ عَلَى النَّبِيَّ وَسَلَّمْ (٦)، وأيضاً، فقد قال الله

стр. 514

تعالى: "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ" (١). قال المفسرون: أي: لا أذكر إلا وتذكر معي (٢). إذا عرفت ذلك فقوله: (ويستحب القنوت في الصبح) ينبغي أن يعلم بالحاء والألف؛ لما ذكرناه، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأن أبا الفضل ابن عبدان، حكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذ صار شعار قوم من المبتدعة، إذا الاشتغال به تعريض النفس للتهمة، وهذا غريب وضعيف. وهل تتعين كلمات القنوت؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو الذي ذكره المصنف في "الوسيط"؛ نعم كالتشهد. وأظهرهما: عند الأكثرين: لا. بخلاف التشهد؛ لأنه فرض، أو من جنس الفرض، وعلى هذا قالوا: لو قنت بما روي عن عمر ﵁ كان حسناً، وسنذكره في باب النوافل -إن شاء الله تعالى-، وأما ما عدا الصبح من الفرائض، فقال: معظم الأصحاب: إن نزلت بالمسلمين نازلة من وباء، أو قحط، فيقنت فيها أيضاً، في الاعتدال عن ركوع الركعة الأخيرة، كما فعل النبي ﷺ في حديث بئر معونة على ما سبق، وإن لم تنزل نازلة، ففيه قولان: أصحها: لا يقنت؛ لأن النبي ﷺ ترك القنوت فيها. والثاني: أنه يتخير إن شاء قنت، وإلا فلا. وعن الشيخ أبي محمد: أنه قلب هذا الترتيب، فقال: إن لم تكن نازلة فلا قنوت إلا في الصبح، وإن كانت نازلة فعلى قولين: وجه المنع القياس على سائر أركان

стр. 515

الصلاة، وركعاتها، لا يراد فيها الدعاء بنزول النوازل، وهذه الطريقة الثانية هي التي أوردها في الكتاب، فإنه خص القولين بما إذا نزلت نازلة إشعاراً بأنها إذا لم تنزل فلا قنوت في غير الصبح بحال. وينبغي أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو؛ لأن أصحاب الطريقة الأولى قالوا: يقنت عند نزول النازلة، ونفوا الخلاف فيه. وأما قوله: "ورأى الإمام القنوت في سائر الصلوات" فليس على معنى إن جواز القنوت فيها للناس موقوف على رأي الإمام وإذنه، بل من أراد القنوت جاز له ذلك، وكأنه أراد إمام القوم إذا صَلُّوا جماعة، فقال: إن رأى قنت: والقوم يتبعونه كما في الصبح، وإن أراد ترك، ولا بد للمقتدين من الترك أيضاً. وفيه إشارة إلى أنه لا يستحب القنوت في غير الصبح بحال، وإنما الكلام في الجواز، فحيث يجوز فالأمر فيه إلى اختيار المصلي، وهذا قضية كلام أكثر الأئمة، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب، -والله أعلم-. ثم الإمام في صلاة الصبح هل يجهر بالقنوت؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كالتشهد، وسائر الدعوات المشروعة في الصلاة. وأظهرهما: أنه يجهر؛ "لَأَنَّهُ رُوِيَ الْجَهْرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (١). وقوله: (على الظاهر) أي: من هذين الوجهين: وقوله: (مشروع) أي: بصفة الاستحباب، وليس المراد مجرد الجواز، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً فالوجهان في الإمام. أما المنفرد فيسر به كسائر الأذكار والدعوات، وذكره في "التهذيب"، وأما المأموم فالقول فيه مبني على الوجهين في الإمام إن قلنا لا يجهر الإمام به فيقنت المأموم، كما يقنت الإمام قياساً على سائر الأذكار، وإن قلنا: يجهر الإمام به، فإن كان المأموم يسمع صوته فوجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يؤمن، ولا يقنت، لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَقْنُتُ، وَنَحْنُ نؤَمِّنُ خَلْفَهُ". والثاني: ذكره ابن الصباغ: أنه يتخير بين أن يؤمن، وبين أن يقنت معه، فعلى الأول فيما إذا يؤمن فيه وجهان، حكاهما القاضي الروياني وغيره، أوفقهما لظاهر لفظ الكتاب أنه يُؤَمِّن في الكل.

стр. 516

وأظهرهما: أنه يُؤَمِّنُ في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه، أو يسكت وإن كان لا يسمع صوت الإمام؛ لبعد؛ وغيره. وقلنا: إنه لو سمح لأمن، فهاهنا وجهان: أحدهما: يقنت. والثاني: يُؤَمِّن كالوجهين في قراءة السورة، إذا كان لا يسمع صوت الإمام، وإنما لم يجر الخلاف على قولنا الإمام يسر بالقنوت مع جريانه في قراءة السورة في الصلاة السرية؛ لأن السورة على الجملة مجهور بها، والقنوت إذا لم ير الجهرية ينزل منزلة سائر الأذكار، فيشارك المأموم الإمام فيه لا محالة، فهذا حكم الجهر بالقنوت في الصبح، وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث (بئر معونة) يدل على أنه كان يجهر به في جميع الصلوات (١)، وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "إِذَا دَعَوْتَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحَ رَاحَتَيْكَ عَلَى وَجْهِكَ" (٢). وقد روى الرفع في القنوت عن ابن مسعود، بل عن عمر وعثمان ﵃ وهو اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط". وأظهرهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب": أنه لا يرفع لما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "لَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلاَّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ، الإسْتِسْقَاءِ، وَالإِسْتِنْصَارِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ" (٣) وهذا اختيار القفال، وإليه ميل إمام الحرمين، فَإِنْ قلنا: لا

стр. 517

يرفع فذاك، وإن قلنا: يرفع فوجهان. في أنه هل يمسح بهما وجهه؟ قال في "التهذيب". أصحهما: أنه لا يمسح. قال الغزالي: الرُّكْنُ الخَامِسُ: السُّجُودُ وَأَقَلُّهُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ مَكْشُوفَةً بِقَدْر مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَفِي وَضْعِ اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ أوْجَبْنَا وَضْعَ اليَدَيْنِ فَفِي كَشْفِهِمَا قَوْلاَنِ، وَكَشْفُ الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى طُرَّتِهِ (ح) أَوْ كُورِ عِمَامَتِهِ (ح) أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ المُتَحَرِّكِ بحَرَكتِهِ لَمْ يَجُزْ (ح)، وَالتَّنَكُّسُ وَاجِبٌ فِي السُّجُودِ، وَهُوَ اسْتِعْلاَءُ الأَسَافِلِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّنَكُّسُ لِمَرَضٍ وَجَبَ وضْعُ وِسَادَةٍ لِوَضْعِ الجَبْهَةِ علَيْهَا فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ. قال الرافعي: الكلام في السجود في الأقل والأكمل. أما الأقل فهذا الفصل يتكفل ببيانه، وفيه مسائل: أحدها: فيما يجب وضعه على مكان السجود، ولا بد من وضع الجبهة؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الجبهة والأنف يجزئ وضع كل واحد منهما عن الآخر، ولا تتعين الجبهة. لنا ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ تَنْقُرْ نَقْراً" (١). ولا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يكفي (٢) ما يقع عليه الاسم منها. وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين بن القطان حكى وجهاً أنه لا يكفي وضع البعض لظاهر خبر ابن عمر، والمذهب الأول؛ لما روى عن جابر ﵁ قال: "رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَجَدَ بِأعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ" (٣). ولا يجزئ وضع الجبين عن وضع الجبهة، وهما جانبا الجبهة، وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتَ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم

стр. 518

عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" (١) ويروى: "عَلَى سَبعَةِ آرَابٍ" (٢). وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضاً؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع (٣)، هذا هو الغالب، أو المقطوع به، ولا يجب وضع الأنف على الأرض في السجود، خلافاً لأحمد، في إحدى الروايتين، حيث قال: يجب وضعه مع الجبهة. لنا ما سبق من حديث جابر ﵁، ومعلوم أن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض. الثانية: يجب كشف الجبهة في السجود؛ لما روي عن خباب قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا، وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا (٤) -أَيْ: لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا"-. ولا يجب كشف الجميع، بل يكفي ما يقع عليه الاسم كما في الوضع، ويجب أن يكون المكشوف من الموضوع على الأرض، فلو كشف شيئاً، ووضع غيره لم يجز، وإنما يحصل الكشف إذا لم يكن بينه وبين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه، فلو سجد على طرته، أو كور عمامته لم يجز؛ لأنه لم يباشر بجبهته موضع السجود. وقال أبو حنيفة: يجوز السجود على كور العمامة وعلى الناصية، والكُمّ، وعلى اليد أيضاً إذا لم تكن مرفوعةً عن الأرض بحيث لا يبقى اسم السجود، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. واختلف نقل أصحابنا عن مالك. لنا حديث خباب، وأيضاً فقد روي أنه ﷺ قال: "الْزَقْ جَبْهَتَكَ بِالأَرْضِ". ولو سجد على طرف كُمِّهِ، أو ذيله نظر: إن كان يتحرك بحركته قياماً وقعوداً لم يجز ككور العمامة، وإن طال وكان لا يتحرك بحركته فلا بأس؛ لأنه في حكم المنفصل عنه، فأشبه ما لو سجد على ذيل غيره، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين فلا نوجب كشفهما، أما الركبتان فلأنهما من العورة أو متصلان بالعورة، فلا يليق بتعظيم الصلاة كشفهما، وأما القدمان فلأنه قد يكون ماسحاً على الخف، وفي كشفهما إبطال لطهارة

стр. 519

المسح، وتفويت تلك الرخصة، وأما اليدان إذا أوجبنا وضعهما. ففي كشفهما قولان: أحدهما: يجب لحديث خباب. وأصحهما: لا يجب؛ لأن المقصود من السجود إظهار هيئة الخضوع، وغاية التواضع، وقد حصل ذلك بكشف الجبهة، وأيضاً فلأنه قد يشق ذلك عند شدة الحر والبرد، بخلاف الجبهة فإنها بارزة بكل حال، فإن أوجبنا الكشف، كفى كشف البعض من كل واحد منهما، كما ذكرنا في الجبهة. الثالثة: إذا هوى من الاعتدال ووضع الجبهة وسائر أعضائه على الأرض، فَلِوَضْع أعالي أعضائه مع الأسافل. ثلاث هيئات: حداها: أن تكون الأعالي أعلى، كما لو وضع رأسه على شيء مرتفع، وكان رأسه أعلى من حقوه فلا يجزئه ذلك؛ لأن اسم السجود لا يقع على هذه الهيئة، فصار كما لو أكب، ومد رجليه. والثانية: أن تكون الأسافل أعلى، فهذه هيئة التنكس وهي المطلوبة، ومهما كان المكان مستوياً، فيكون الحقو أعلى لا محالة، وإن كان موضع الرأس مرتفعاً قليلاً فقد ترتفع أسافله، وتحصل هذه الهيئة أيضاً. والثالثة: أن يتساوى الأعالي والأسافل؛ لارتفاع موضع الجبهة، وعدم رفعة الأسافل ففيها تردد للشيخ أبي محمد وغيره. والأظهر: أنها غير مجزئة أيضاً؛ وهذا هو المذكور في الكتاب؛ وكذلك أورد صاحب "التهذيب" حيث قال: وحد السجود أن تكون أسافل بدنه أعلى من أعاليه، فلو تعذرت هذه الهيئة لمرض أو غيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة عليها؟ أم يكفي إنهاء الرأس إلى الحد الممكن من غير وضع الجبهة على شيء؟ فيه وجهان. وحكاهما في "النهاية". أظهرهما: عند صاحب الكتاب: أنه يجب وضع شيء؛ ليضع الجبهة عليه؛ لأن الساجد يلزمه هيئة التنكس، ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحد الأمرين يأتي بالثاني؛ محافظة على الواجب بقدر الإمكان. والثاني: أنه لا يجب ذلك؛ لأن هيئة السجود فاتته، وإن وضع الجبهة على شيء فيكفيه الانحناء بالقدر الممكن، وهذا أشبه بكلام الأكثرين، ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الأرض، وقدر على وضعها على وسادة مع رعاية هيئة التنكس يلزمه ذلك، وإن عجز عن الانحناء أشار بالرأس، ثم بالطرف كما تقدم نظيره؛ هذا شرح مسائل الكتاب: أما ما يتعلق بألفاظه.

стр. 520

فقوله: (وأقله وضع الجبهة) يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن عنده الجبهة غير متعينة، كما سبق. وقوله: (مكشوفة) كذلك؛ لأن عنده يجوز أن يسجد على كور العمامة. وقوله: (بقدر ما ينطلق عليه الاسم) يجوز أن يرجع إلى القدر الموضوع منها، ويجوز أن يرجع إلى المكشوف، وعلى التقديرين فليعلم بالواو؛ إشارةً إلى الوجه الذي حكاه ابن القطان. وقوله: (فإن أوجبنا وضع اليدين، ففي كشفهما قولان) بعد ذكر القولين فيهما. وفي الركبتين والقدمين جميعاً، ففيه تنبيه على أن كشف الركبتين والقدمين لا يجب بلا خلاف. وقوله: (وكشف الجبهة واجب) لا حاجة إليه بعد قوله: أولاً (مكشوفة). واعلم أنه يعتبر في أقل السجود وراء ما ذكره أمور. أحدها: الطمأنينة كما في الركوع، خلافاً لأبي حنيفة. وكأنه ترك ذكرها هاهنا اكتفاء بما سبق. والثاني: لا يكفي في وضع الجبهة إلامساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه، حتى تستقر جبهته وتثبت، قال ﷺ : "مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ" (١). فلو كان يسجد على قطن أو حشيش، أو على شيء محشو بهما، فعن الشيخ أبي محمد، أنه ينبغي أن يتحامل قدر ما يظهر أثره على يده لو فرضت تحته. وقال في "التهذيب": ينبغي أن يتحامل عليه حتى ينكس وتثبت جبهته عليه، فإن لم يفعل لم يجز، والكلامان متقاربان. وقال إمام الحرمين: بل يكفي عندي أن يرجي رأسه ولا يقله، ولا حاجة إلى التحامل، كيفما فرض موضع السجود؛ لأن الغرض إبداء هيئة التواضع (٢)، وذلك لا يحصل بمجرد الإمساس، فإنه ما دام يقل رأسه كان كالضنين بوضعه، فإذا أرخى حصل الغرض، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، إليه الإشارة بقول عائشة ﵂: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي سُجُودِهِ كَالْخِرْقَةِ الْبَالِيَةِ" (٣). وهذا ما أورده المصنف في "الوسيط". الثالثة: ينبغي أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو سقط على الأرض من الاعتدال قبل قصد الهَوِيذُ للسجود لم يحسب، بل يعود إلى الاعتدال ويسجد منه، ولو

стр. 521

هَوَى ليسجد فسقط على الأرض بجبهته نظر، إن وضع جبهته على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن السجود، وإن لم تحدث هذه النية يحسب لو هوى ليسجد فسقط على جنبه فانقلب وأتى بصورة السجود على قصد الاستقامة والاستداد لم يعتد به، وإن قصد السجود اعتد به -والله أعلم -. قال الغزالي: وَأَمَّا أَكْمَلُ السُّجُودِ، فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ (ح م)، وَلْيُكَبِّرْ عِنْدَ الهَوِيِّ، وَلاَ يَرْفَع اليَدَ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَضَعُ الأَنْفَ (ح) مَعَ الْجَبْهَةِ مَكْشُوفاً، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيهِ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيُقِلُّ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ التَّخْوِيَةُ، وَالمَرْأَةُ لاَ تُخَوِّي، وَيَضَعُ يَدَيْهِ بِإزَاءِ مَنْكِبَيْهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابع وَمَضْمُومَتَهَا. قال الرافعي: السنة أن تكون أول ما يقع من الساجد على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم أنفه، وجبهته خلافاً لمالك، حيث قال: يضع يديه قبل ركبتيه، وربما خيّر فيه. لنا ما روي وائل بْن حُجْر ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ" (١). ويبتدئ التكبير مع ابتداء الهَوِيّ، وهل يمد أو يحذف؟ فيه ما سبق من القولين؛ ولا يرفع اليد مع التكبير هاهنا؛ لما روي عن ابن عمر ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ "كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ" (٢). ويقول في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاَثاً"؛ لما روينا من الخبر في فصل الركوع. وذلك أدناه. والأفضل: أن يضيف إليه ما روي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (٣). وهذا أتم الكمال، وما ذكرناه في فصل الركوع، أن المستحب للإمام ماذا،

стр. 522

وللمنفرد ماذا؟ يعود كله هاهنا، ويستحب للمنفرد أن يجتهد في الدعاء في سجوده، ويضع الساجد الأنف مع الجبهة مكشوفاً؛ لما روي عن أبي حميد قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ أنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ". وبجوز أن يعلم قوله: (ويضع الأنف) بالألف؛ لأنه معدود من السنن، وقد قدمنا (١) أن إحدى الروايتين عن أحمد أن الجمع بين وضع الأنف والجبهة واجب، ويستحب له أن يفرق بين ركبتيه وبين مرفقيه وجنبيه، وبين بطنه وفخذيه. أما التفريق بين الركبتين فمنقول عن فعل رسول الله ﷺ في بعض الأخبار، وأما بين المرفقين والجنبين، فقد رواه أبو حميد كما سبق، وأما بين البطن والفخذين فقد روي عن البراء ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وهذه الجملة يعبر عنها بالتخوية (٢) وهو ترك الخواء بين الأعضاء، لما روي أنه ﷺ "كَانَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى فِي سُجُودِهِ" (٣). والمرأة لا تفعل ذلك، بل تضم بعضها إلى بعضٍ فإنه أستر لها، ويضع يديه بإزاء منكبيه؛ لما سبق من حديث أبي حميد، ولتكن الأصابع منشورة، ومضمومة مستطيلة في جهة القبلة؛ لما روي عن وائل بن حجر ﵁، أن النبي ﷺ "كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ" (٤). قال الأئمة: وسنة أصابع اليدين إذا كانت منشورة في جميع الصلاة التفريج، المقتصد، إلا في حالة السجود، وينبغي أن لا يفرش زراعيه، بل يرفعهما، وأما أصابع القدمين فيوجهها إلى القبلة، وينصب قدميه، وتوجيهها إلى القبلة إنما يحصل بالتحامل عليها، والاعتماد على بطونها. وقال في "النهاية": الذي صححه الأئمة، أنه يضع أطراف الأصابع على الأرض من غير تحامل، والأول أظهر، والله أعلم. قال الغزالي: ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا (ح) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ قرِيباً مِنْ رُكْبَتَيهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابعِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليَ واجْبُرْنِي وَعَافِني وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي. قال الرافعي: يجب أن يعتدل جالساً بين السجدتين، خلافاً لأبي حنيفة، ومالك

стр. 523

حيث قال: لا يجب، بل يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة: يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة (١): يكفي أن يرفع رأسه قدر ما يمر السيف عرضاً، بين جبهته وبين الأرض. لنا قوله ﷺ في خبر المسيء صلاته. "ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً" (٢). ويجب فيه الطمأنينة؛ لأنه قد روي في بعض الروايات: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً". وينبغي ألاّ يقصد بالارتفاع شيئاً آخر، وأن لا يطول الجلوس كما ذكرنا في الاعتدال عن الركوع، والسنة أن يرفع رأسه مكبراً؛ لما تقدم من الخبر، وكيف يجلس؟ المشهور، وهو الذي ذكره في الكتاب أنه يجلس مفترشاً؛ لما روي عن أبي حميد الساعدي ﵁ في وصفه صلاة النبي ﷺ "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأُولَى ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا" (٣)، وحكى قول آخر أنه يضجع قدميه، ويجلس على صدرهما، ويروى ذلك عن ابن عباس ﵄ فليعلم قوله: (مفترشًا) بالواو (٤) لذلك؛ وبالميم أيضاً؛ لأن أصحابنا حكوا عن مالك: أنه أمر بالتورك في جميع جلسات الصلاة، ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه منشورة الأصابع. قال في "النهاية": ولو انعطف أطرافها على الركبة فلا بأس؛ ولو تركها على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالها في القيام، ويقول في جلوسه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ، واجْبُرْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي". وقال أبو حنيفة: لا يسن فيه ذكر. لنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، ويروي: "وَارْحَمنِي" بدل قوله: "وَاجْبُرْنِي". قال الغزالي: ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى مِثْلَهَا، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيْفَةً لِلْاسْترَاحَةِ، ثُمَّ يَقُومُ مُكَبِّراً وَاضِعاً يَدَيْه علَى الأَرْضِ كَمَا يَضَعُ العَاجِنُ. مضمون الفصل مسألتان: إحداهما: أنه يسجد السجدة الثانية بعد الجلسة السجدة الأولى، في واجباتها، ومندوباتها بلا فرق.

стр. 524

الثانية: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في ركعة لا يعقبها تشهد، فما الذي يفعل؟ نص في "المختصر": أنه يستوي قاعداً، ثم ينهض، وفي "الأم": أنه يقوم من السجدة وللأصحاب فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين: أحدهما: أنه يقوم من السجدة الثانية، ولا يجلس؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن وائل ﵁ أن النبي ﷺ "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِمًا" (١). وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، ووجهة ما روي عن مالك بن الحويرث "أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً (٢)، وَوَصَفَ أَبُو حُمَيدٍ السَّاعِدِي فِي عَشْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعِينَ صَلاةَ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ هذِهِ الْجِلْسَةِ". والطريق الثاني: قال أبو إسحاق: المسألة على حالتين: إن كان بالمصلي ضعف لكبر، وغيره جلس للاستراحة، إلا فلا. فإن قلنا: لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائماً، ويعود قول الحذف (٣) كما تقدم. فإن قلنا: يجلس فمتى يبتدئ التكبير؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يرفع رأسه غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالساً، ويمده إلى أن يقوم؛ لأن الجلسة للفصل بين الركنين (٤)، فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير، كلما إذا قام إلى الركعة الثالثة (٥)، ويحكى هذا عن اختيار القفال. وأصحهما: أنه يرفع رأسه مكبراً؛ لما روي أنه ﷺ "كانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ" (٦)، فعلى هذا، فمتى يقطع؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا جلس يقطعه، ويقوم غير مكبر؛ لأنه لو مد إلى أن يقوم لطال،

стр. 525

ويتغير النظم، وبهذا قال أبو إسحاق والقاضي الطَّبَرِي. وأصحهما: أنه يمده إلى أن يقوم، ويخفف الجلسة حتى لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر؛ وهذان الوجهان الأخيران كأنهما مفرعان على أن التكبير يمد ولا يحذف، وإذا لم يميز الابتداء عن الانتهاء حصل في وقت التكبيل ثلاثة أوجه، وصاحب الكتاب أورد منها في "الوسيط": الأول: الذي اختاره القفال. والثاني: الذي قال به أبو إسحاق، ولم يورد. الثالث: الذي هو الأظهر عند جمهور الأصحاب، وكذلك فعل إمام الحرمين والصيدلاني. وقوله هاهنا: (ثم يقوم مكبراً) بعد، قوله: (ثم يجلس) جوابٌ على اختيار القفال وهو أبعد الوجوه عند الأكثرين، ويجب أن يعلم قوله: (مكبراً) بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وهو أنه يقوم عن الجلسة غير مكبر، وإلى الوجه الثالث أيضاً، فإنه عند القائلين به لا يقوم مكبرًا، إنما يقوم متمماً للتكبير، ولا خلاف في أنه لا يُكَبِّر تكبيرتين. والسُّنة في هيئة جلسة الاستراحة الافتراش، كذلك رواه أبو حميد (١)، ثم سواء قام من جلسة الاستراحة أو من السجدة، فإنه يقوم معتمداً على الأرض بيديه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يقوم معتمداً على صدور قدميه، ولا يعتمد بيديه على الأرض. لنا ما روي عن مالك بني الحويرث ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَاسْتَوى قَاعِداً قَامَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ بِيَدَيْه" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ" (٣). قال صاحب "المجمل" (العاجن) (٤) هو الذي إذا نهض اعتمد على يديه كأنه يعجن أي الخمير، ويجوز أن يكون معنى الخبر كما يضع عاجن الخمير، وهما متقاربان. قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّادِسُ: التَّشَهُّدُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالقُعُودُ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ الافْتِرَاشِ (م) لأنَّهُ مُسْتَوفِزُ لِلْحَرَكَةِ، وَالمَسْبُوقُ يَفْتَرِشُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ لاسْتِيفَازِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ هَلْ يَفْتَرِشُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالافْتِرَاشُ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلَ اليُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا وَيَنْصِبَ القَدَمَ الْيُمْنَى؛ وَيَضَعَ أَطْرَافَ الأَصَابِعِ عَلَى الأَرْضِ، وَالتَّوَرُّكُ سُنَّةٌ فِي

стр. 526

التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، (ح) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُمَكِّنُ ورْكَهُ مِنَ الأَرْضِ. قال الرافعي: أدرج في هذا الركن أركانًا ثلاثة: القعود، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، ولو فصل القعود والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ عنهما لجاز، كما فصل القيام عن القراءة، فإن القيام للقراءة كالقعود لهما، وهكذا فعل في ترجمة الأركان، وعدها ثلاثة: وفقه الفصل: أن التشهد والقعود ينقسمان إلى واقعين في آخر الصلاة، كتشهد الصبح، وتشهد الركعة الرَّابعة من الظهر إلى واقعين لا في آخر الصلاة، كالتشهد بعد الثانية من الظهر. فالأول: من القسمين مفروض. والثاني: مسنون، ثم لا يتعين للقعود هيئة متعينة فيما يرجع إلى الأجزاء، بل يجزئه القعود على أي وجه كان، لكن السُّنَّة في القعود في آخر الصلاة التورك، وفي القعود الذي لا يقع في آخرها الافتراش، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ذات تشهدين تَوَرَّكَ في الأخير وإن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه، والافتراش أن يضجع الرِّجْلَ اليسرى، بحيث يلي ظهرها الأرض، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض متوجهة إلى القبلة. والتورك: أن يخرج رجليه وهما على هيأتهما في الافتراش من جهة يمينه، وبمكن الورك من الأرض. وقال أبو حنيفة: السُّنة في القعودين الافتراش. وقال مالك: السنة فيهما التَّورُّكَ. لنا ما روي عن أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول الله ﷺ فقال: "فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مِقْعَدَتِهِ (١). والفرق من جهة المعنى أن المصلي في التشهد الأول مستوفز (٢) للحركة، يبادر إلى القيام عند تمامه، وذلك عن هيئة الافتراش أهون، وأما الجَلْسَة الأخيرة فليس بعدها عمل فيناسبها التورك الذي هو هيئة السكون والاستقرار، ويترتب على هذه القاعدة مسألتان: إحداهما: المسبوق إذا جلس مع الإمام في التشهد الأخير يفترش ولا يتورك، نص عليه؛ لأنه مستوفز يحتاج إلى القيام عند سلام الإمام، ولأنه ليس آخر صلاته،

стр. 527

والتورك إنما ورد في آخر الصلاة. وحكى الشيخ أبو محمد وجهاً عن بعض الأصحاب أنه يتورك متابعة للإمام. وذكر أبو الفرج البزاز: أن أبا طاهر الزيادي، حكى في المسألة هذين الوجهين، ووجهًا ثالثاً أنه إن كان محل تشهد المسبوق كان أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس منتصباً وإلا جلس متوركًا؛ لأن أصل الجلوس لمحض المتابعة، فيتابعه في هيئته أيضاً، والأكثرون على الوجه الأول. الثانية: إذا قعد في التشهد الأخير وعليه سجود سهو فهل يفترش أم يتورك؟ فيه وجهان: أحدهما: يتورك؛ لأنه قعود آخر الصلاة. قاله الروياني في "التلخيص" وهو ظاهر المذهب. والثاني: أنه يفترش، ذكره القفال، وساعده الأكثرون؛ لأنه يحتاج بعد هذا القعود، إلى عمل وهو السجود، فأشبه التشهد الأول، بل السجود عن هيئة التورك أعسر من القيام عنها، فكان أولى بأن لا يتورك، وأيضاً فلأنه جلوس يعقبه سجود، فأشبه الجلوس بين السجدتين، وينبغي أن يعلم قوله: (والتشهد الأول مسنون) بالألف، لأن أحمد يقول بوجوبه. لنا أنه ﷺ "قَامَ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ، فَلَمْ يُعِدْ، فَلَمَّا كَانَ آَخِرَ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ". ولو كان واجباً لعاد إليه، ولما جبره السجود، ولا تخفى سائر المواضع المستحقة للعلامات. وقوله: (ويضع أطراف الأصابع على الأرض) كذلك، أي منتصبة. وقوله في التورك: (أن يضع رجليه كذلك) أي على هيئتهما في الافتراش، فاليمنى منصوبة مرفوعة العقب، واليسرى مضجعة. قال الغزالي: ثُمَّ يَضَعُ اليَدَ الْيُسْرَى عَلَى طَرَفِ الرُّكْبَةِ مَنْشُورَةً مَعَ التَّفْرِيجِ الْمُقْتَصِدِ، وَاليَدُ اليُمْنَى يَضَعُهَا كَذلِكَ لَكِنْ يَقْبِضُ الخِنْصَرَ وَالبِنْصَرَ وَالْوُسْطَى وَيُرْسِلُ المُسَبِّحَةَ، وَفِي الإِبْهَامِ أَوْجُهٌ قِيلَ يُرْسِلُهَا وَقِيلَ: يُحَلِّقُ الإِبْهَامَ وَالوُسْطَى، وَقِيلَ يَضُمُّهَا إلَى الوُسْطَى المَقْبُوضَةِ كَالقَابِضِ ثَلاَثاً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ يَرْفعُ مُسَبِّحَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: اِلاَّ الله، وَفِي تَحْرِيكِهَا عِنْدَ الرَّفْعِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: السنة في التشهدين جميعاً، أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى؛ لما روي أنه ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ، وَضعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى" (١).

стр. 528

وينبغي أن ينشر أصابعه، ويجعلها قريبة من طرف الركبة، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، وهل يفرج بين أصابع اليسرى أو يضمها؟ الذي ذكره في الكتاب أنه يفرج تفريجًا مقتصدًا، وهذا هو الأشهر، ألا تراهم قالوا: لا يؤمر بضم الأصابع مع نشرها إلا في السجود على ما قدمناه، وحكى الكرخي وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم بعضها إلى بعض حتى الإبهام؛ ليتوجه جميعها إلى القبلة، وهكذا ذكر القاضي الروياني، فليكن قوله: (مع التفريج) معلماً بالواو، وأما كونه مقتصدًا فليس من خاصية هذا الموضع، بل لا يؤمر بالتفريج المتفاحش في موضع ما. وأما اليد اليمنى فيضعها على طرف الركبة اليمنى كما ذكرنا في اليسرى، وهو المراد من قوله: (فيضعها كذلك) ولكن لا ينشر جميع أصابعه، بل يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى، وثلاثة أقاويل: أحدها: "أَنَّهُ يَقْبِضُ الْوُسْطَى مَعَ الخنْصر والْبنْصَرِ وَيُرْسِلُ الإبْهَامَ مَعَ المُسَبِّحَةِ، لِمَا روي أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِي، وَصَفَ صَلاَة رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هكَذَا" (١). والثاني: "أَنَّهُ يُحَلِّقُ بَيْنَ الإبْهَام وَالْوُسْطَى، لِمَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ هكَذَا" (٢). وفي كيفية التحليق وجهان: أحدهما: أنه يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإِبهام. وأصحهما: أنه يحلِّق بينهما برأسيهما. والقول الثالث، وهو الأصحّ: أنه يقصهما لما روي عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ "كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِالْأُصْبَعِ الَّتِي تَلِي الإبْهَامَ" (٣). وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان: أحدهما: أنه يضعهما على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين، لما روي عن ابن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ "كَانَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عِنْدَ الْوُسْطَى" (٤). وأظهرهما: أنه يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، لما روي عن

стр. 529

ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ" (١). ثم قال ابن الصباغ وغيره: وكيفما فعل من هذه الهيئات، فقد أتى بالسُّنة؛ لأن الأخبار قد وردت بها جميعاً، وكأنه ﷺ كان يضع مرة هكذا، ومرة هكذا، وعلى الأقوال كلها فيستحب له أن يرفع مسبحته في كلمة الشهادة إذا بلغ همزة: "إلا الله"، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يرفعها. لنا ما سبق، أنه كان يشير بالسبابة، وهل يحركها عند الرفع؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لما روي عن وائل ﵁ قال: "ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا" (٢). وأصحهما: لا؛ لما روي عن ابن الزبير ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا، وَلاَ يُجَاوِزُ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ" (٣). وقوله في الكتاب: (ويقبض الخنصر، والبنصر والوسطى) إن أراد بالقبض هاهنا القدر الذي يشارك فيه الوسطى الخنصر، والبنصر، وهو ترك البسط والإرسال، فهذا لا خلاف فيه؛ وإن أراد أن يصنع بالوسطى ما يصنع بالخنصر، والبنصر فهذا، تنازع فيه قول التحليق فاعرفه. وأما التعبير عن الخلاف المذكور بالأوجه فإنما اقتدى فيه بإمام الحرمين، وعامة الأصحاب حكوه أقوالاً منصوصة للشافعي ﵁، معزية إلى كتبه. وقوله: "أيرسلها" هو القول الأول، و"التحليق" الثاني، والذي ذكره آخراً أحد الوجهين على القول الثالث. وقوله: (ثم يرفع) معلم بالحاء. وقوله: (عند قوله إلا الله) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن أبا القاسم الكرخي حكى وجهين في كيفية الإشارة بالمسبحة: أصحهما: أنه يشير بها وقت التَّشَهُّد، وهو الذي ذكره الجمهور. والثاني: أنه يُشِيرُ بها في جميع التَّشَهُّدِ.

стр. 530

قال الغزالي: أَمَّا التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَواجِبٌ (ح م) وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ ﵇ وَاجِبَةٌ مَعَهُ (ح م) وَعَلَى الآلِ قَوْلاَنِ، وَهَل تُسَنُّ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّسُولِ فِي الأَوَّلِ؟ قَوْلاَنِ: قال الرافعي: القعود للتشهد الأخير، والتَّشهد فيه واجبان خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: القعود بقدر التشهد واجب، ولا يجب قراءة التشهد فيه، ولمالك حيث قال: لا يجب لا هذا ولا ذاك. لنا أن ابن مسعود ﵁ قال: "كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلاَم عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ" إلى آخره (١)، دل على أنه قد فرض، ثم التشهد الأخير، إنما يكون لصلاة لها تشهد أول، وقد تكون الصلاة بحيث لا يشرع فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة، فحكمه حكم التشهد الأخير، في ذات التشهدين، والعبارة الجامعة أن يقال: التشهد الذي يعقبه التحلل عن الصلاة واجب. وتجب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الواجب، خلافاً لأبي حنيفة ومالك. لنا ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً إِلاَّ بِطُهُورٍ وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ" (٢). وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان وبعضهم يقول: وجهان: أحدهما: تجب لظاهر ما روي أنه قيل: يا رسول كيف نصلي عليك؟ فقال: "قُولُوا اللَّهُمَّ صَلّي عَلَى محَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ" (٣). وأصحهما: لا؛ وإنما هي سنة تابعة للصلاة على النبي ﷺ وهل يسن الصلاة على الرسول في التشهد الأول؟ فيه قولان: أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وأحمد- لا؛ لأنها مبنية على التخفيف؛ روى أن النبي ﷺ "كان في التشهد الأول (٤) كمن يجلس على الرضف" (٥) وهي الحجارة المحماة، وذلك يشعر بأنه ما كان يطول بالصَّلاَةِ والدعاء.
следующие страницы →