الآخر فكذلك لا أثر لقول لثاني، وإن كان قول الثاني أرجح عنده فهو كتغيير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في أنه يبني أو يستأنف كذا هو في "التهذيب" وغيره، ولو اجتهد المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة، وإن كان قول الثاني أرجح، كما لو تغير اجتهاد المجتهد بعد الفراغ.
وقوله: (فقال له من هو دون مقلده أو مثله) أراد به هذه الحالة الأولى أي قال ذلك عن اجتهاد.
وأما قوله: (لم يلزمه قبوله) فلعلك تقول قد عرفت أنه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب أن هذا يرتب على أن المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الآخر فهل يجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول فلا يجوز قبوله، وإن قلنا بالثاني ففيه خلاف؛ لأنه إن بني كان مصليًّا للصلاة الواحدة إلى جهتين وإن استأنف كان مبطلاً للفرض من غير ضرورة، وفي نظائر كل واحد منهما خلاف.
الحالة الثانية: أن يخبره عن علم ومعاينة فيجب الرجوع إلى قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الأولى على الاجتهاد، ولا فرق هاهنا بين أن يكن قول الثاني أصدق عنده أو لا يكون، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى: أنت مستقبل للشمس أو مستدبر، والأعمى يعرف أن قبلته ليست في صوب المشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله، ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثناء الصلاة، فيلزمه الاستئناف على الصحيح، ولو قال الثاني: إنك على الخطأ قطعاً فكذلك يجب قبوله، فإن قطعه أرجح من ظن الأول، فينزل قطعه منزلة الإخبار عن محسوس، ثم القاطع بالخطأ قد يخبر عن الصواب قاطعًا به وقد يخبر عنه مجتهداً ويجب قبوله على التقديرين لبطلان تقليد الأول بقطعه، ولا يمكن أن يكون قطعه بالخطأ عن اجتهاد فإن الاجتهاد لا يفيد القطع، فلا عبرة بالعبادة الفارغة عن المعنى، وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا أخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعاً، فأما إذا أخبره عن الخطأ على وجه يجب قبوله ولم يخبره هو ولا غيره عن الصواب فهو كتغيير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة وقد سبق حكمه -والله أعلم-.
فإن قلت: وعد في الكتاب بأربعة فروع ولم يذكر إلا ثلاثة قلت: المسائل المذكورة في هذا الفصل لم يعدها في "الوسيط" إلا ثلاثة فروع وجعل في أولها فرعاً آخر، هاهنا عدها أربعة من غير ذلك المضموم فيجوز أن يقال جعل حالتي الفرع الأخير فرعين ويجوز غير ذلك والأمر فيه هين.
стр. 457
الْبَابُ الرَّابعُ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ
قال الغزالي: وَأَرْكَانُهَا أَحَدَ عَشَرَ: التَّكْبِيرُ وَالقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْجَمِيع، وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، وَالقُعُودُ فِيهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالسَّلاَمُ (ح)، وَالنِّيَّةُ بِالشَّرْطِ أشْبَهُ.
قال الرافعي: الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من رعاية أمور أُخَر ليقع الاعتداد بتلك الأفعال وتسمى هذه الأمور شروطاً وتلك الأفعال أركانًا فجعل هذا الباب في الأركان والذي يليه في الشروط، ولا بد من معرفة الفرق بينهما. واعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق العام والخاص، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط ولا ينعكس.
وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة (١)، والأركان بما تشتمل عليه الصلاة، ويرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير وِسائر المفسدات فإنها لا تتقدم على الصلاة وهي معدودة من الشروط دون الأركان، ولك أن تفرق بينهما بعبارتين:
إحداهما: أن تقول يعني بالأركان المفروضات المتلاحقة النبي أولها التكبير وآخرها التسليم، ولا يلزم التروك فإنها دائمة لا تَلْحَقُ وَلاَ تُلْحَقُ، ونعني بالشروط ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن نقول يعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه.
مثاله: الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنًا كان أو شرطًا، والركوع معتبر لا على هذا الوجه.
إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الأفعال المسماة أركاناً وما لم يشرع فيها لا يسمى شارعاً في الصلاة وإن تطهر وستر العورة واستقبل القبلة، وهذا واضح في عرف الشرع وإطلاقاته ثم إن المصنف عد الأركان أحد عشر يعني أجناسها، ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر إما في الركعة الواحدة كالسجود، أو بحسب عدد
стр. 458
الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركاناً، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة له، وبه يشعر قوله ﷺ للأعرابي: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" (١) [ومنهم من جعلها أركانًا مستقلة] (٢) وضم صاحب "التلخيص" إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة، واستحسنه القفال وصوبه، ومن فرض نية الخروج والموالاة والصَّلاَة على آل النبي ﷺ ألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال، وهكذا أورد صاحب "التهذيب"، ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية (في تفسير الركن، وأما النية) (٢) فقد حكى الشيخ أبو حامد وغيره وجهين في أنها من قبيل الشرائط أو من الأركان.
أحدهما: وهو الأشبه عند صاحب الكتاب: أنها من الشرائط؛ لأن النية تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة وإلا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى.
وأظهرهما: عند الأكثرين: أنها من الأركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان، ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الأركان ويكون قول الناوي أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الأركان تعبيراً باسم الشيء عن معظمه، وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنًا، وإلا فما الفرق؟ ولك أن تعلم قوله: (وأركانها أحد عشر) بالواو لما حكينا من الاختلات على أن أكثره يرجع إلى التعبيرات وكيفية العد وحظ المعنى لا يختلف، وأبو حنيفة وسائر العلماء -رحمة الله عليهم- يخالفون في بعض الأركان المذكورة، وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فإن الغرض الآن تزاحم جملته، وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة إلى العلامات من هذا الفصل.
قال الغزالي: وَالأَبْعَاضُ أَرْبَعَة: القُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ وَالقُعُودُ فِيهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَعَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذهِ الأَرْبَعُ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا عدَاهَا فَسُنَنٌ لاَ تُجْبِرُ بِالسُّجُودِ.
قال الرافعي: للصلاة مفروضات ومندوبات. أما المفروضات فهي الأركان والشروط.
وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والتي تقع في القسم الأول تسمى أبعاضاً، ومنهم من يخصها باسم
стр. 459
المسنونات، وتسمى التي تقع في القسم الثاني هيئات.
قال إمام الحرمين: وليس في تسميتها أبعاضاً توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن دون البعض، والتي يتعلق بها السجود أقل مما لا يتعلق، ولفظ البعض في أقل قسمي الشيء أغلب إطلاقاً، فلذلك سميت هذه الأبعاض، وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود وقد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن، وبذلك القدر من التأكيد شاركت الأركان فسميت أبعاضاً تشبيهاً بالأركان التي هي أبعاض وأجزاء حقيقة، وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات، وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب، ولو لم يتعرض لها في هذا الموضع لما مر، لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن (١) من أبعاضها استحسن ذكرها في هذا
الموضع أيضاً، ثم أنه عدها أربعة:
أحدها: القنوت. وثانيها: التشهد الأول. وثالثها: القعود فيه.
ورابعها: الصلاة على النبي ﷺ فيه، وفي استحبابها قولان يذكران من بعد، فإن قلنا بالاستحباب فهو من الأبعاض، وألحق بهذه الأربعة شيئان:
أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعاً على استحباب الصلاة على الرسول ﷺ فيه، وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات، ونشرح الخلاف فيه من بعد إن شاء الله تعالى.
والثاني: القيام للقنوت (٢) عد بعضاً برأسه، وقراءة القنوت بعضاً آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا والقعود له بعضاً آخر، وقد أشار إلى هذا التفصيل في القنوت إمام الحرمين -قدس الله روحه- وصرح به في "التهذيب" ثم كون القنوت بعضاً لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضاً في النصف الأخير من رمضان، وقوله: (وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والألف لما سيأتي في باب "سجود السهو".
قال الغزالي: الرُّكْنُ الأَوَّلُ التَّكْبِيرُ، وَلْتَكُنِ النِّيَّة مَقْرُونَةً بِهِ بِحَيْثُ تُحْضَرُ فِي العِلْمِ صفَاتُ الصَّلاَةِ، وَيقْتَرِنُ القَصْدُ إلَى هَذا المَعْلُومِ بِأوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَيَبْقَى مُسْتَدِيمًا لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ إلَى آخِرِ التَّكْبِيرِ، فَلَ عَزُبَتْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ عَزُبَت قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ فَوَجْهَانِ.
стр. 460
قال الرافعي: لما لم يعد النية ركنًا خلط مسائلها بمسائل التكبير؛ لأن وقت النية هو التكبير، ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لو تقدمت النية على التكبير بزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
لنا أن التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره؛ ولهذا لو تقدمت بزمانٍ طويلٍ لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من عسر مراقبة طلوع الفجر، ولهذا يحتمل فيه المتقدم بالزمان الطويل، ثم في كيفية المقارنة وجهان:
أحدهما: أنه يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير.
وأصحهما: أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية، وعلى تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليًا عن تمام النية المعتبرة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: (ويقترن القصد إلى هذا المعلوم بأول التكبير) ثم اختلفوا على هذا الوجه، فقال قوم منهم أبو منصور بن مهران شيخ الأودني: يجب أن تتقدم النية على التكبير ولو بشيء يسير ليأمن من تأخر أولها عن أول التكبير، واستشهد عليه بالصوم.
وقال الأكثرون: لا يجب ذلك، ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم، فإن المتقدم كان لورود الشرع بالتبييت، ثم سواء قدم، أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب.
وأصحهما: نعم؛ لأن النية مشروطة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ألا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه، وأما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية، ولا يضر عزوبها لما في تكليف استصحابها من العسر.
وأما قوله: "بحيث تحضر في العلم صفات الصلاة ... " إلى آخره، فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه، وذلك أن النية قصد، والقصد يتعلق بمقصود، ولا بد وأن يكون المقصود معلومًا، فالناوي يحضر في ذهنه أولا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفات كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي، ثم يقصد إلى هذا المعلوم ويجعل قصده مقارناً الأول التكبير، ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير.
وقوله: (ويبقى مستديماً للقصد والعلم إلى آخر التكبير) ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين:
стр. 461
أحدهما: أنه لو لم يتعرض في مثل هذا الموضع للعلم لكان الفرض حاصلاً؛ لأن المستدام هو القصد إلى الصلاة بصفاتها المعتبرة ولا يمكن استدامة هذا القصد إلا باستدامة حصور المقصود في الذهن وهو العلم.
والثاني: أن هذا الكلام بيان لما ينبغي أن يفعله المصلي، ثم هو واجب أو مسنون قد نبه آخر بقوله: (وإن عَزُبت قبل تمام التكبير فوجهان) وإن قلنا يجوز فالاستدامة مسنونة وإلا فواجبة.
قال الغزالي: وَلَوْ طَرَأَ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ مَاَ يُناقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بَطُلَ، كَمَا لَوْ نَوَى الخُرُوجَ فِي الحَالِ أَوْ فِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الخُرُوجِ، وَلَوْ عَلَّقَ نِيَّةَ الخُرُوجِ بِدُخُولِ شَخْصٍ إِنْ دَخَلَ فَفِي البُطْلاَنِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: استدامة النية وإن لم يكن شرطاً في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، فإن هذا هين وإن كان الأول عسيراً وهذا كالإيمان لا يشترط فيه استحضار العقد الصحيح على الدوام، ولكن يستدام حكمه ويشترط الامتناع عما يناقضه.
إذا تبين ذلك فنقول: لو نوى الخروج من الصلاة في أثنائها بطلت صلاته، فإن هذه النية تتناقض قصده الأول، ولو تردد في أنه يخرج أو يستمر فلذلك تبطل صلاته، لما بين التردد والجزم من التنافي.
قال إمام الحرمين: والمراد من هذا التردد أن يطرأ له الشك المناقض للجزم واليقين، ولا عبرة بما يجري في الفكر أنه لو تردد في الصلاة (١)، كيف يكون الحال فإن ذلك مما يبتلي به الموسوس، وقد يقع له ذلك في الإيمان بالله تعالى أيضاً فلا مبالاة به. ولو نوى الخروج من صلاته في الركعة الثانية أو علق الخروج بشيء آخر يقع (٢) في صلاته لا محالة بطلت صلاته في الحال؛ لأنه قطع موجب النية، فإن موجبها الاستمرار على الصلاة إلى انتهائها وهذا يناقضه، وحكى في "النهاية" عن كلام الشيخ أبي علي: أنه لا تبطل صلاته في الحال. ولو رفض هذا التردد قبل الانتهاء إلى الغاية المضروبة صحت صلاته فلا بأس بإعلام قوله: (أو في الركعة الثانية) بالواو لهذا الكلام وإن كان غريباً، ولو علق نية الخروج بدخول الشخص ونحوه مما يجوز عروضه في الصلاة وعدمه فهل تبطل صلاته في الحال؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو قال: إن دخل فلان تركت الإسلام، فإنه يكفر في
стр. 462
الحال، وكما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته بلا خلاف.
والثاني: لا تبطل في الحال فإن ذلك المعلق عليه ربما لا يوجد فتبقى النية على استمرارها، فعلى هذا لو دخل الشخص ووجدت الصفة المعلق عليها فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ وجهان عن الشيخ أبي محمد: أنها لا تبطل إذ لو بطلت لبطلت في الحال لقيام التردد، فإذا لم تبطل لم يكن لهذا التردد وقع، وكان وجوده وعدمه بمثابة واحدة، وقطع الأكثرون بأنها تبطل عند وجود الصفة فإنه مقتضى تعليقه.
قال إمام الحرمين: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت التعليق لا بوجود الصفة يعلم أن التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة في الصلاة، وموضع الوجهين المفرعين على الوجه الثاني ما إذا وجدت الصفة وهو ذاهل عن التعليق المقدم. أما إذا لم يكن ذاهلاً فلا خلاف في بطلان صلاته؛ وليكن قوله: (ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جَزْم النية بطل) معلماً بالحاء؛ لأن عنده لا أثر لنية الخروج لا في الحال ولا في المآل، ولا للتردد في الخروج. وليس قوله: (ما يناقض جزم النية) مجرى على إطلاقه؛ لأن الغفلة عن جزم النية يناقضه، وهي غير قادحة (١) كما سبق والمراد ما عدا الغفلة.
واعلم أنه لو لم ينو الخروج مطلقاً ولكن نوى الخروج من الصلاة التي شرع فيها وصرفها إلى غيرها كان قصد الخروج المطلق في أن الصلاة المشروع فيها تبطل، ثم ينظر إن صرف فرضاً إلى فرض كما لو شرع في الظهر ثم صرفها إلى العصر لا يصير عصراً، وإن صرف فرضاً إلى سنة راتبة أو بالعكس فكذلك، وفي بقاء صلاته نفلاً في هذه الصورة قولان نذكرهما من بعد:
قال الغزالي: وَلَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَمَضَى مَعَ الشَّكِّ رُكْنٌ لاَ يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلاَةِ كَرُكُوع بَطُلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ وَقَصُرَ الزَّمَانُ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَوْ طَالَ فَوَجْهَانِ، وَالصَّوْمُ يَبطُلُ بِالتَّرَدُّد فِي الخُرُوج عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَقْدٌ وَتَحْرِيمٌ يُؤَثِّرُ القَصْدُ فيه.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين وثانيتهما في نظام الكتاب أولاهما بالتقديم لمضاهاتها المسائل المتقدمة على هذا الفصل فنقدمها، ونقول: لو تردد الصائم في أنه هل يخرج من صومه أم لا أو علق نية الخروج بدخول شخص فقد ذكر المعظم أن صومه لا يبطل، وأشعر كلامهم بنفي الخلاف فيه، وذكر ابن الصباغ في "كتاب الصوم" أن أبا حامد حكى فيه وجهين كما سنذكره في الصورة الآتية، ولو جزم نية الخروج ففيه وجهان:
стр. 463
أحدهما: تبطل كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا كما في الحج.
والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بقصد الشخص واختياره، والصوم بخلافه، فإن النَّاوي ليلاً يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر وخارجًا منه بغروب الشمس، وإن لم يكن له شعور بهما، وإذا كان كذلك كان تأثر الصلاة بضعف النية فوق تأثر الصوم، ولهذا يجوز تقديم النية على أول الصوم وتأخيرها في الجملة عن أوله، ولا يجوز ذلك في الصلاة، والمعنى فيه أن الصلاة أفعال وأقوال، والصوم ترك وإمساك والأفعال إلى النية أحوج من الترك.
إذا تقرر ذلك فقوله في الكتاب: (وكذا يحرم الخروج) مقطوع عما قبله على ما أشعر به كلام المعظم، ولا جريان للوجهين في سورة التردد، وعلى ما رواه ابن الصباغ: يجوز صرف الوجهين إلى الصورتين، والأول هو قضية إيراده في "الوسيط".
المسألة الأخرى: لو شك في صلاته في أنه هل أتى بالنية المعتبرة في ابتدائها، سواء شك في أصلها أو في بعض شروطها، فينظر: إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا كالركوع والسجود بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد فهل هو كالفعلي حتى تبطل الصلاة بمضيه على الشك أيضاً؟ اختلف الناقلون فيه: فمنهم من قال: لا فرق بأن المأتي به على التردد غير محسوب فلا بد من إعادته والأركان الفعلية إذا زيدت عمداً بطلت الصلاة، ولئن عد معذوراً في الإعادة فهو غير معذور في الإنشاء على الشّك، بل كان من حقه التوقف، وأما الأركان القولية فزيادتها عمداً لا تبطل الصلاة فلا يضر إحداثها على التردد، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب فإنه قال: (ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة) وقصد به الاحتراز عن القراءة والتشهد ومد الطمأنينة، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أنه لا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة والتشهد عمداً بخلاف تكرير الركوع والسجود.
وفيه وجه منقول عن أبي الوليد النيسابوري وغيره، أن تكرير الفاتحة كتكرار الركوع، فلا فرق على ذلك الوجه، ومنهم من سوى بين الأركان القولية والفعلية وعللوا البطلان بأن المأتي به على الشك إذا لم يكن محسوباً فالاشتغال به تلاعب بالصلاة، فليمتنع مما ليس من الصلاة ولا فائدة فيه، وليتوقف إلى التذكر، وهذه الطريقة أظهر، وبها قال العراقيون ورووها عن نص الشافعي ﵁ وليكن قوله: (لا يزاد مثله في الصلاة) معلماً بالواو لأنه مذكور للتقييد، ولا تقييد على هذه الطريقة الأخيرة وإن لم يحدث شيئاً من فروض الصلاة على التردد حتى يذكر النية نظر: إن قصر الزمان لم يضر أيضاً؛ لأنه معذور في عروضه وكثيراً ما يعرض الشك ويزول فيعفى عنه، وإن طال فوجهان:
стр. 464
أحدهما: أنه لا يضر أيضاً؛ لأنه قد أتى بما يليق بالحال حيث لم يحدث على الشك قولاً ولا تقصير منه في عروضه.
وأظهرهما: البطلان لانقطاع نظم الصلاة وندرة مثل هذا الشك، وشبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا أكثر الكلام ناسيًا.
والفرق بين طول الزمان وقصره سيأتي في نظائر المسألة.
قال الغزالي: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِي الأدَاءَ أَوِ الظُّهْرَ، وَهَلْ يَجِبُ التَعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إلَى اللهِ ؟ فَوَجْهَانِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ لاَ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فلاَ بُدَّ مِنْ تَعيِينِ الرَّوَاتِبِ بِالإِضَافَةِ، وَغيْرُ الرَّوَاتِبَ يَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلاَةِ مُطْلَقَةً.
قال الرافعي: الصلاة قسمان: فرائض ونوافل، أما الفرائض فيتعين فيها قصد أمرين بلا خلاف.
أحدهما: فعل الصلاة لتمتاز عن سائر الأفعال، فلا يكفي إخطار نفس الصلاة بالبال مع الغفلة عن الفعل.
الثاني: تعيين الصلاة المأتي بها من ظهر وعصر وجمعة لتمتاز عن سائر الصلوات، ولا يجزئه نية فريضة الوقت عن نية الظهر والعصر في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة غير الظهر في وقت الظهر كان الإتيان بها فيه إتيانًا في الوقت. قال ﷺ : "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" (١). وليست هذه بظهر، ولا يصح الظهر بنية الجمعة.
وفيه وجه ضعيف، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها ظهر مقصورة، وإن قلنا: هي صلاة على حيالها لم تصح، ولا تصح بنية مطلق الظهر على التقديرين، واختلفوا في اعتبار أْمور سوى هذين الأمرين منها التعرض للفريضة في اشتراطه وجهان أداء كانت الفريضة أو قضاء.
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: لا يشترط؛ لأن الشافعي قال في الصبي يصلي ثم يبلغ في آخر الوقت: يجزئه، ولو كانت نية الفرض مشروطة لما أجزأه ذلك؛ لأنه لم ينو الفرضية.
وأظهرهما عند الأكثرين: وبه قال أبو إسحاق: تشترط بأن الظهر قد يوجد من الصبي وممن صلى منفرداً ثم أعادها في الجماعة ولا يكون فرضاً فوجب التمييز.
ولك أن تقول قولنا: المصلي ينوي الفرضية إما أن يعني بالفرضية في هذا المقام
стр. 465
كونها لازمة على المصلي لعينة، أو كونها من الصلوات اللازمة على أهل الكمال، أو شيئاً آخر.
إن عنينا به شيئاً آخر فلنلخصه أولاً ثم لنبحث عن لزومه، وإن عنينا الأول وجب أن لا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين، وأيضاً فإنهم قالوا -فيمن صلى منفردآ ثم أدرك جماعة-: الصحيح أنه ينوي الفرض بالثاني، وهو غير لازم عليه.
وإن عنينا الثاني فمن تعرض للظهر والعصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهراً أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ ولهذا كان التعرض للصلاة مغنياً عن التعرض للعبادة ونحوها من الأوصاف، وبهذا البحث يضعف ما ذكر في توجيه الوجهين، ومنها الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول: لله أو فريضة الله، فيها وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاصي: يشترط ليتحقق معنى الإخلاص.
وأصحهما: عند الأكثرين: لا يشترط؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله تعالى.
ومنها التعرض لكون المأتي به قضاء أو أداء في اشتراطه وجهان:
أحدهما: يشترط أنه ليمتاز كل واحد منهما عن الآخر، كما يشترط التعرض للظهر والعصر.
والثاني: -وهو الأصح عند الأكثرين- أنه لا يشترط بل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس؛ لأن القضاء والأداء كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (١) أي: أديتم. ويقال: قضيت الدين وأديته بمعنى، واستشهدوا لهذا الوجه بنص الشافعي ﵁ على أنه لو صلى يوم الغيم بالاجتهاد ثم بان أنه صلى بعد الوقت يحكم بوقوعه عن القضاء مع أنه نوى الأداء، ولك أن تقول القول بأن نية الأداء هل تشترط في الأداء ونية القضاء هل تشترط في القضاء، وفرض الخلاف فيه منقدح، لكن قولنا: هل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس إما أن يعني به أن يتعرض في الأداء لحقيقته ولكن ما يجري في قلبه أو على لسانه لفظ القضاء، وكذلك في عكسه، أو يعني به أنه يتعرض في الأداء لحقيقة القضاء وفي القضاء لحقيقة الأداء أو شيئاً آخر إن عنينا به شيئاً آخر فلا بد من معرفته، وإن عنينا الأول فلا ينبغي أن يقع النزاع في جوازه؛ لأن الاعتبار في النية بما في الضمائر، ولا
стр. 466
عبرة بالعبارات، وإن عنينا الثاني فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع؛ لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزء (١) وعبث، فوجب أن لا ينعقد به الصلاة كما لو نوى الظهر ثلاث ركعات أو خمساً (٢).
ومنها التعرض لاستقبال القبلة شرطه بعض أصحابنا، واستبعده الجمهور؛ لأنه إما شرط أو ركن، وليس على النّاوي التعرض لتفاصيل الأركان والشرائط.
ومنها التعرض لعدد الركعات شرطه بعضهم، والصحيح خلافه؛ لأن الظهر إذ لم يكن قصراً لا يكون إلا أربعاً.
القسم الثاني: النوافل وهي ضربان:
أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضاً نية فعل الصلاة والتعيين فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر، والتراويح، والضحى، وغيرها، وفي الرواتب يعين الاضافة فيقول أصلي ركعتي الفجر أو راتبة الظهر أو سنة العشاء.
وفي الرواتب وجه: أن ركعتي الفجر لا بد فيهما منع التعيين بالإضافة وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة إلحاقاً لركعتي الفجر بالفرائض لتأكدها إلحاقاً لسائر الرواتب بالنوافل المطلقة، وفي الوتر ينوي سنة الوتر ولا يضيفها إلى العشاء فإنها مستقلة بنفسها، وإذا زاد على واحدة ينوي بالجميع الوتر كما ينوي في جميع ركعات التراويح، وحكى القاضى الروياني وجوها أخرى:
أحدها: أنه ينوي بما قبل الواحدة صلاة الليل.
والثاني: ينوي سنة الوتر.
والثالث: مقدمة الوتر، ويشبه أن تكون هذه الوجوه في الأولوية دون الاشتراط، وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف كلام النافلين فيه وهو قريب من الخلاف في اشتراط التعرض للفرضية في الفرائض والخلاف في التعرض للقضاء والأداء والإضافة إلى الله تعالى يعود هاهنا أيضاً.
الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة؛ لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن يحصل له، ولم يذكروا هاهنا خلافاً في التعرض للنفلية، ويمكن أن يقال: قضية اشتراط قصد الفرضية لتمتاز الفرائض عن غيرها اشتراط التعرض للنفلية هاهنا بل التعرض لخاصيتها وهي الإطلاق والانفكاك عن الأسباب والأوقات كالتعرض لخاصية الضرب الأول من النوافل، ثم النية في جميع العبارات
стр. 467
معتبرة بالقلب فلا يكفي النطق مع غفلة القلب ولا يضر عدم النطق ولا النطق بخلاف ما في القلب، كما إذا قصد الظهر وسبق لسانه إلى العصر، وحكى صاحب "الإفصاح" وغيره عن بعض أصحابنا أنه لا بد من التلفظ باللسان؛ لأن الشافعي ﵁ قال في الحج: ولا يلزمه "إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق". قال الجمهور: لم يرد الشافعي ﵁ اعتبار التلفظ بالنية، وإنما أراد التكبير، فإن الصلاة تنعقد به، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ وإن عقب النية بقوله إن شاء الله بالقلب أو باللسان فإن قصد التبرك أو وقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضره، وإن قصد الشك لم تصح صلاته. وأعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب فأقول: قوله: (أن ينوي الأداء والظهر) قصد بلفظ الأداء التعرض لشيئين:
أحدهما: أصل الفعل وهذا لا بد منه.
والثاني: الوصف المقابل للقضاء وهو الوقوع في الوقت، وهذا فيه خلاف بين الأصحاب كما سبق ذكره (١)، وما ذكره جواب على وجه اشتراط نية الأداء في الأداء فليكن [كلمة (الأداء) معلمة بالواو، وقوله: (والنية بالقلب لا باللسان)] (٢) معلم بالواو للوجه الذي حكيناه فيه، وهذه المسألة لا تختص بنية الفرائض ولا بنية النوافل بل تعمهما فلو ذكرها في أول مسائل النية أو آخرها لكان أحسن من ذكرها بين قسم الفرائض والنوافل.
وقوله: (فلا بد من تعيين الرواتب بالإضافة) معلم بالواو أيضاً للوجه المنقول فيهما سوى ركعتي الفجر، ثم أهم (٣) الرواتب في الشهور للنوافل التابعة للفرائض وهي التي أرادها بلفظ الرواتب في باب صلاة التطوع لكن لا يمكن حمل اللفظ في هذا الموضع عليها وحدها؛ لأنه قال: وغير الرواتب يكفي فيه نية الصلاة مطلقة، وهذه النية غير كافية في صلاة العيد، وأخواتها مع أنها غير النوافل التابعة للفرائض.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى الفَرْضَ قَاعِدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى القِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضُهُ، وَهَل يَنْعَقِدُ نَفْلاً فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِي التَّحَرُّم بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ حَالَةٍ تُنَافِي الفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ، هَذَا حُكْمُ النَّيَّةِ.
قال الرافعي: الأصل الجامع لهذه المسائل: أن من أتى بما ينافي الفرضية دون النفلية إما في أول صلاته أو في أثنائها وبطل فرضه، فهل تبقى صلاته نافلة أم تبطل مطلقاً؟ فيه قولان، ذكر الأئمة إنهما مأخوذان بالنقل والتخريج من نصوص مختلفة
стр. 468
للشافعي ﵁ في صور هذا الأصل فمنها لو دخل في الظهر قبل الزوال لا يصح ظهراً، ونص أنه ينعقد نفلاً، كذلك رواه الصيدلاني وتابعه صاحب "التهذيب".
ولو تحرم بالفرض منفرداً وجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس قال: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكونان نافلة له، ويصلي الفرض في الجماعة فقد صحح النفل مع إبطال الفرض، ونص فيما إذا وجد القاعد خفه في أثناء الصلاة فلم يقم أنه تبطل الصلاة رأساً.
ولو قلب فرضه نفلاً بلا سبب يدعو إليه فقد حكى ابن كج في نصه أن صلاته تبطل، فجعل الأئمة في هذه الصور وأخواتها كلها قولين:
أحدهما: أن صلاته لا تبطل بالكلية وتكون نفلاً؛ لأن الاختلال إنما وقع في شرط الفرض لا في شرط الصلاة بمطلقها، وقد نوى صلاة بصفة الفرضية، فإن بطلت الصفة بقي فرض الصلاة وهذا القصد مصروف إلى النافلة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن المنوي هو الفرض والنفل غير منوي فإذا لم يحصل المنوي فلأن لا يحصل غير المنوي كان أولى.
وهذان القولان كالقولين فيما إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج هل ينعقد عمرة أم لا؟ ولتوجيههما شبه بتوجيه القولين فيما إذا قال لفلان: عليّ ألف من ثمن الخمر هل يلغو جميع كلامه أم تلغو الإضافة ويلزمه، الألف.
ومن صور هذا الأصل ما إذا نوى الفرض قاعداً وهو قادر على القيام، والمسبوق إذا وجد الإمام في الركوع فيبادر إلى الركوع وأتى ببعض تكبيرة الإحرام بعد مجاوزة حد القيام فلا يصح الفرض فيهما، وهل يكون نفلاً؟ فيه القولان، وأما الأصح من القولين فقد ذكر الأصحاب أنه مختلف اختلاف الصور، ففي إذا تحرم الظهر قبل الزوال إن كان عالماً بحقيقة الحال فالأصح البطلان؛ لأنه متلاعب بصلاته، وإن كان يظن دخول الوقت بالاجتهاد فتبين خلافه فالأصح أنها تكون نفلاً؛ لأنه نوى التقرب إلى الله تعالى وبنى قصد الفرض على اجتهاد، فإذا ظهر الخطأ حسن أن لا يضيع سعيه، وفيما إذا تحرم بالفرض منفرداً، ثم أقيمت الجماعة فانفرد بركعتين وسلم، الأصح أن صلاته تبقى نفلاً؛ لأنه قصد النفل بعد الإعراض عن الفرض، وإنما فعل ذلك لأمر محبوب وهو استئناف الصلاة بالجماعة، وفيما إذا وجد القاعد خفة فلم يقم أو قلب فرضه إلى النفل لا لسبب وعذر الأظهر البطلان؛ لأن الخروج عن الفرض بغير عذر وإبطاله مما لا يجوز، وفيما إذا نوى الفرض قاعدًا وهو قادر على القيام الأظهر البطلان أيضاً؛ لتلاعبه بالصلاة، وأما مسألة السبوق فإن كان عالمًا بأنه لا يجوز إيقاع التكبيرة فيما بعد مجاوزة حد القيام فالأظهر البطلان، وإن كان جاهلاً فالأظهر أنها تنعقد نفلاً كما ذكرنا في التحرم بالظهر قبل الزوال.
стр. 469
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّكْبِيرِ فَتَتعَيَّنُ كَلِمَتُهُ عَلَى القَادِرِ، فلاَ تُجْزِئُ (ح) تَرْجَمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الأكْبَرُ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَم يغَيِّرِ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الجَلِيلُ أكْبَرُ فَوَجْهَاِنِ لِتَغيُّر النَّظْم، وَلَو قَالَ: الأكْبَرُ اللهُ نَصَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَنَصَّ فِي قَوْلهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ أنَّهُ بَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمِّى تَسْلِيماً وَذلِكَ لاَ يُسَمَّى تَكْبِيرًا، وَقِيْلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: عن النبي ﷺ أنه قال: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" (١). والكلام في التكبير في القادر والعاجز.
أما القادر فيتعين عليه كلمة التكبير (٢) فلا يجوز له العدول إلى ذكر آخر وإن قرب منها كقوله: "الرحمن أجل"، و"الرب أعظم" بل لا يجزئه قوله: الرحمن أو الرحيم أكبر أيضاً، ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر.
وخالفنا أبو حنيفة في الفصلين جميعاً فحكم بإجزاء الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأدعية إلا أن يذكر اسماً على سبيل النداء كقوله: يا الله أو يقول: اللهم اغفر لي ونحوه من الأدعية.
لنا أنه ﷺ : "كَانَ يَبْتَدِئُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللهُ أَكْبَرُ" (٣) هكذا روته عائشة ﵂ وقد قال ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤).
وروي أنه ﷺ قال: "لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مواضِعَهُ ويسْتَقبِلَ الْقِبْلَةَ فَيَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ" (٥)، وحكى القاضي ابن كج وجهًا لأصحابنا أنه تنعقد الصلاة بقوله الرحمن أكبر والرحيم أكبر كأنه (٦) اعتبر لفظ الكبرياء على ذلك، ولم يعتبر اسماً من أسماء الله تعالى يعني بخصوصه.
стр. 470
ولو قال: الله الأكبر أجزأه؛ لأن زيادة الألف واللام لا تبطل لفظة التكبير ولا المعنى بل قول القائل: الله الأكبر يشتمل على ما يشتمل عليه قول، الله أكبر مع زيادة مبالغة في التعظيم للإشعار بالاختصاص، والزيادة التي لا تغير النظم ولا المعنى لا تقدح كزيادة المد حيث يحتمله، وكقوله: الله أكبر من كل شيء أو أكبر، أو أجل وأعظم.
وقال مالك وأحمد: لا يجزئه قول: الله الأكبر لظاهر الخبر السابق، وحكى قول عن "القديم" مثل مذهبهما، وممن حكاه القاضي أبو الطيب الطبري، ذكر، أن أبا محمد الكرابيسي نقل عن الأستاذ أبي الوليد روايته فليكن قوله: (فلا بأس) مرقومًا بالميم والألف والقاف، ولو قال: الله الجليل أكبر ففي انعقاد الصلاة به وجهان:
أظهرهما: الانعقاد؛ لأن هذه الزيادة لا تبطل اسم التكبير ومعناه فأشبهت الزيادة في قوله: الله الأكبر.
والثاني: المنع لتغير النظم بها بخلاف قوله: الله الأكبر فإن الزائد ثم غير مستقل ولا مفيد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا أدخل بين كلمتي التكبير شيئاً آخر من نعوت الله تعالى، بشرط أن يكون قليلاً كقوله: الله أكبر وما أشبهه ذلك، فأما إذا كثر الداخل بينهما كقوله: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر فلا يجزئه؛ لأن هذه الزيادة تخرج المأتي به عن أن يسمى تكبيراً في اللغة ولهذا السبب لا يجوز أن يقف بين كلمتيه وقفة متفاحشة، ولو عكس فقال: الأكبر الله فظاهر كلامه في "الأم" و"المختصر" أنه لا يجوز، ونص في "الأم" على أنه لو قال في آخر الصلاة عليكم السّلام يجزئه، وإن كان مكروهًا فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: تقرير النصين.
والفرق أنه مأمور بالتكبير، وقول القائل الأكبر الله يسمى تكبيراً وعند السلام هو مأمور بالتسليم وقوله: عليكم السّلام، يسمى تسليمًا، ولأصحاب الطريق الثاني أن ينازعوا في تحقيق هذا الفرق فيقولوا: ذاك يسمى تكبيرًا إن كان هذا يسمى تسليمًا.
والثاني: أن المسألتين على القولين نقلاً وتخريجًا.
أحدهما: الجواز؛ لأن المعنى واحد قدم أو أخر فصار كما لو ترك الترتيب في التشهد.
وأظهرهما: المنع؛ لما سبق من الظواهر، ويتأيد بترك الترتيب في الفاتحة، وأصحابنا العراقيون حكوا في عكس التكبير وجهين بدل القولين بالنقل والتخريج وهما متقاربان، والخلاف في قوله: الأكبر الله يجري في قوله أكبر الله أيضاً، وقيل: لا يجزئ أكبر الله بلا خلاف، ويجب على المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى
стр. 471
بأن يقول الله أكبر؟ فينقلب الكلام استفهاماً أو يقول: الله أكبار فالأكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو زاد واواً بين الكلمتين إما سكانة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضاً، ويجب أن يكبر بحيث يسمع نفسه، ويجب أن يكبر قائماً حيث يلزمه القيام.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَيَلْزَمُهُ تَرْجَمَتُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ ذِكْرٌ آخَرُ لاَ يؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالبَدَوِيُّ يَلْزَمُة قَصْدُ البَلْدَةِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَكْفِيهِ التَّرْجَمَةُ بَدَلاً بِخِلاَف التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: العاجز عن جميع كلمة التكبير أو بعضها له حالتان:
إحداهما: أنه لا يمكنه كسب القدرة عليها، فإن كان لخرس ونحوه حرك لسانه أو شفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه، وإن كان ناطقاً لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة فيأتي بترجمتها؛ لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل، وترجمته أولى ما يجعل بدلاً عنه لأدائها معناها، ولا يعدل إلى سائر الأذكار بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة لا يعدل إلى الترجمة، [لأن القرآن معجز، وسائر السور تشتمل أيضاً على النظم المعجز (١)]، وينبغي (٢) أن يعلم قوله: (ولا يجزئه ذكر آخر) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يجوز سائر الأذكار في حال القدرة ففي حال العجز أولى وإنما قال: لا يؤدي معناه؛ لأنه لو أدى معناه كان كالترجمة بلغة أخرى وترجمة التكبير بالفارسية "خداي بزر كتر" ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي الروياني، فلو قال: "خداي بزرك" وترك صيغة التفضيل لم يجز كقوله: الله الكبير. وجميع اللغات في الترجمة سواء فيتخير بينهما.
وقيل: السريانية والعبرانية قد أنزل الله بهما كتاباً فإن أحسنهما لم يعدل عنهما، والفارسية بعدهما أولى من التركية والهندية.
والحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم من إنسان أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه فيلزمه ذلك، فلو كان بدوياً لا يجد في موضعه من يعلمه الكلمة فهل يلزمه المسير إلى بلدة أو قرية لتعلمها فيه وجهان:
أحدهما: لا بل له الاقتصار على الترجمة بدلاً كما لا يلزمه الانتقال ليتطهر بالماء ويجزئه التيمم بدلاً.
وأصحهما: نعم، لأنه قادر على السير والتعلم إذا تعلم عاد إلى موضعه، وانتفع بالكلمة طول عمره بخلاف التّيمم فإن استصحاب الماء للمستقبل لا يمكن، ومفارقة الموضع بالكلية قد يشق عليه، ويدل على الفرق بين الفصلين أن العادم في أول الوقت
стр. 472
يجوز له أن يتيمم ولا يلزمه التأخير ليصلي بالوضوء كما سبق، والجاهل بالكلمة لا يجوز له الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا أمكنه التعلم والإتيان بها في آخر الوقت. فإن قلت: وهل على العاجز قضاء الصلوات التي أتى بها بتكبير؟ فالجواب أما في الحالة الأولى فلا، لأن العبادة المختلة إذا قضيت فإنما تقضي بعد ارتفاع الخلل، وثم لا يتوقع ارتفاعه. وأما في الحالة الثانية فإن ضاق الوقت أو كان بليدًا لا يمكنه التعلم إلا في يوم فصاعداً، لم يلزمه قضاء الصلوات المؤداة بالترجمة في الحال؛ لأنه معذور ولا تقصير منه. ولو أخر التعلم مع القدرة فإذا ضاق وقت الصلاة فلا بد من أن يصلي بالترجمة لحرمة الوقت، وهاهنا يلزمه القضاء لتفريطه بالتأخير. وفيه وجه آخر ضعيف.
قال الغزالي: وَسُنَنُ التَّكْبِيرِ ثَلاَثٌ: أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ إلَى حَذوِ المَنْكِبَيْنِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَنْ تُحَاذِيَ رُءُوسُ الأَصَابِعِ أُذُنَيهِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَن تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيهِ، وَإبْهَامُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَكَفَّاهُ مَنْكبَيْهِ فِي قَوْلٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ عِنْدَ إِرْسَالِ اليَدِ، وَقِيلَ: يَبْتَدِيءُ الرَّفْعَ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَقِيلَ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَبْلَ الإِرْسَالِ، ثُمَّ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَضَعَ اليُمْنَى عَلَى كُوعِ (ح) اليُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر ما يجب رعايته في التكبير عدل إلى بيان السنن وذكر منها ثلاثاً:
أحدها: رفع اليدين عند التكبير، وقد حكي في بعض نسخ الكتاب في قدر الرفع ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يرفع يديه إلى حذو المنكبين.
والثاني: أن يرفعهما إلى أن تحاذي رؤُوس أصابِعِهِ أذنَيهِ.
والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهامه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وليس في بعض النسخ إلا ذكر القول الأول والثاني، ويمكن أن يحتج للقول الأول بما روي عن ابن عمر ﵁ أنه ﷺ "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ" (١) وللقول الثاني، بما روي عن وائل بن حجر أنه ﷺ "لَمْا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ" (٢) وللثالث لاستعمال هذين الخبرين، ولما روي أنه ﷺ "رَفَعَ يَدَيْه إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ" (٣) واعرف في ما نقله شيئين:
стр. 473
أحدهما: أن المراد من القول الأول وهو الرفع إلى حذو المنكبين أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، هذا قد صرح به إمام الحرمين.
وقوله في حكاية القول الثاني: وإلى أن تحاذي برءوس أصابعه أذنيه كأنه يريد شحمة الأذنين وأسافلهما، وإلا فلو حاذت برءوس أصابعه أعلى الأذنين حصلت الهيئة المذكورة في القول الثالث وارتفع الفرق.
والثاني: أنه كالمنفرد بنقل الأقوال الثلاثة في المسألة أو بنقل القولين؛ لأن معظم الأصحاب لم ينقلوا فيه اختلاف قول بل اقتصر بعضهم على ما ذكره في المختصر أنه يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، واقتصر آخرون على الكيفية المذكورة في القول الثالث، وبعضهم جعلها تفسيراً لكلامه في "المختصر" وللشافعي ﵁ فيها حكاية مشهورة مع أبي ثور (١) والكرابيسي (٢)، حين قدم بغداد، ولم أر حكاية الخلاف في المسألة إلاَّ للقاضي ابن كج وإمام الحرمين لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث، فظهر تفرده بما نقل من القولين أو الثلاثة وكلامه في "الوسيط" لا يصرح بهذا جميعاً، وكيف ما كان فظاهر المذهب الكيفية المذكورة في القول الثالث.
وأما أبو حنيفة فالذي رواه الطحاوي والكرخي: (٣) أنه يرفع يديه حذو أذنيه.
وقال القدوري: يرفع بحيث يحاذي إبهامه شحمة أذنيه، وهذا يخالف القول الأول وذكر بعض أصحابنا منهم صاحب "التهذيب": أن مذهبه رفع اليدين بحيث تحاذي الكفان الأذنين، وهذا بخلاف القول الثالث، ذلك أن تعلمهما معاً بالحاء للروايتين، ولو كان المصلي مقطوع اليدين أو إحداهما من المعصم رفع السَّاعد، وإن كان القطع من المرفق رفع عظم العضد في أصح الوجهين تشبيهاً بالرافعين، ولو لم يقدر على رفعهما أو رفع أحداهما القدر المسنون، بل كان إذا رفع زاد أو نقص أتى بالممكن، فإن قدر عليهما جميعاً فالزيادة أولى:
стр. 474
الثانية: في وقت الرفع وجوه.
أحدها: أنه يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، وينهيه مع انتهائه: "رُوِيَ ذلِكَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١) ".
وثانيها: أن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ويروى ذلك عن وائل بن حُجْرٍ عن النبي ﷺ (٢).
وثالثهما: أن يرفع ثم يكبر ويداه قارَّتان ثم يرسلهما فيكون التكبير بين الرفع والإرسال، ويروى ذلك عن ابن عمر عن النبي ﷺ (٣)؛ وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل وهو أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معاً كما جعل ابتداؤهما معاً، ومنهم من قال: يجعل انتهاء التكبير والإرسال معاً وقال الأكثرون: الاستحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع، ولو ترك رفع اليدين حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، وإن أتمه لم يرفع بعد ذلك.
الثالثة: يسن بعد التكبير وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى، خلافاً لمالك في إحدى الروايتين عنه حيث قال: يرسلهما.
لنا ما روي أنه ﷺ قال: "ثَلاَثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينُ، تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ اليُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلاَةِ" (٤). ثم المستحب أن يأخذ بيمينه على
стр. 475
شماله بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض الرسغ والساعد، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى من غير أخذ كذلك رواه أصحابنا.
لَنَا مَا رُوِيَ عَنْ وَائِل أَنَّهُ ﷺ : "كَبَّرَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ" (١).
ويروى عنه: "ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ والسَّاعِدِ" (٢).
ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال؛ لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالتين ثم يضع يده كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجعلهما تحت سرته، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، ويحكي عن أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
لنا: ما روي عن علي ﵁ أنه فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) بوضع اليمين على الشمال تحت النحر. ويروى: أن جبريل ﵇ كذلك فسره للنبي ﷺ . إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (وضع اليمنى) بالميم وقوله: (على كوع اليسرى) بالحاء؛ لأنه يقول: يضع على ظهر كفه اليسرى دون الكوع.
وقوله: (تحت صدره) بالحاء والألف والواو، ولك أن تبحث عن لفظ الإرسال الذي أطلقه في هذه السنة والتي قبلها وتقول: كيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيد لي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر أم يحطها ويضمها إلى الصدر من غير أن يدليهما.
والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا ينفض يديه يميناً وشمالاً إذا فرغ من التكبير، لكن يرسلهما إرسالاً خفيفاً رفيقاً ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال.
قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمها إلى الصدر. قال: صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني، ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أن لمضايق أن ينازع في عد هذا المندوب الثالث من سنن التكبير، ويقول: إنه واقع بعد التكبير مقارن لحال القيام، فكان عده من سنن القيام أولى، وكذلك فعل أبو سعد المتولي.
стр. 476
والثاني: أن ظاهر قوله: (وسنن التكبير ثلاث) حصر سننه فيها، وله مندوبات أخر. منها: أن يكشف يديه عند الرفع للتكبير. وأن يفرق بين أصابعه تفريقاً وسطاً.
وأن لا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يمططه، وهو أن يبالغ في مده بل يأتي به مبيناً، والأولى فيه الحذف لما روي أنه ﷺ قال: "التَّكْبِيرُ جَزْم وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ" (١)؛ أي: لا يمد. فيه وجه: أنه يستحب فيه المد، والأول هو ظاهر المذهب بخلاف تكبيرات الانتقالات، فإنه لو حذفها على باقي انتقاله عن الذكر إلى أن يصل إلى الركن الثاني، وهاهنا الأذكار مشروعة على الاتصال بالتكبير.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي، القِيَامُ وَحَدُّهُ الانْتِصَابُ مَعَ الإقْلاَلِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإقْلاَلِ انْتَصَبَ مُتَّكِئاً، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الانْتِصَابِ قَامَ مُنْحَنِيًا، فإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلاَّ عَلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ قَعَدَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ القِيَامِ قَامَ (ح) وَأَوْمَأَ بِهِمَا.
قال الرافعي: القيام بعينه ليس ركنًا في مطلق الصلاة بخلاف التكبير والقراءة؛ لأن القعود في النقل جائز مع القدرة عى القيام فإذًا الركن هو القيام أو ما يقوم مقامه فيحسن أن لا يعد القيام بعينه ركناً بل يقال: الركن هو القيام أو ما في معناه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: اعتبر في حد القيام أمرين: الانتصاب والإقلال؛ أما الإقلال: فالمراد منه أن يكون مستقلاً غير مستند ولا متكئ على جدار وغيره، وهذا الوصف قد اعتبره إمام الحرمين، وأبطل صلاة من اتكأ في صلاته من غير حاجة وضرورة، وإن كان منتصباً وتابعه المصنف عليه، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو استند في قيامه إلى جدار أو إنسان صحت صلاته مع الكراهة.
قالوا: ولا فرق بين أن يكون استناده بحيث لو رفع السناد لسقط [وبين ألئلا يكون كذلك مهما كان منتصباً. وفي بعض "التعاليق": أنه إن كان بحيث لو رفع السناد] (٢)
стр. 477
لسقط لم تجزه صلاته فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا يجوز الاتكاء عند القدرة بحال.
والثاني: الجواز ولعله أظهر؛ لأن المأمور به القيام ومن انتصب متكئاً فهو قائم.
والثالث: الفرق بين الحالتين، وهذا الكلام في الاتكاء الذي لا يسلب اسم القيام، أما لو اتكأ بحيث لو رفع قدميه عن الأرض لأمكنه فهذا معلق نفسه بشيء، وليس بقائم، ولو لم يقدر على الإقلال انتصب متكئاً فإن الانتصاب ميسور له إن كان الإقلال معسوراً، والميسور لا يسقط بالمعسور، وحكى في "التهذيب": وجهاً آخر، أنه لا يلزمه (١) القيام والحالة هذه بل له أن يصلي قاعدًا فليكن قوله: (انتصب متكئاً) مرقومًا بالواو لهذا الوجه، أما الانتصاب فلا يخل به إطراق الرأس وإنما يعتبر نصب الفقار، فليس للقادر عليه أن يقف مائلاً إلى اليمين أو اليسار زائلاً عن سنن القيام، ولا أن يقف منحنياً في حد الراكعين؛ لأنه مأمور بالقيام، ويصدق أن يقال؛ هذا راكع لا قائم، وإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع لكن كان أقرب إليه منه إلى الانتصاب فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً هذا عند القدرة على الانتصاب، فأما إذا لم يقدر عليه بل تقوس ظهره لكبر أو زَمَانَة وصار في حد الراكعين، فقد قال في الكتاب: إنه يقعد؛ لأن حد الركوع يفارق حد القيام، فلا يتأدى هذا بذاك، وذكر إمام الحرمين مثل ما ذكره استنباطاً عن كلام الأئمة فقال: الذي دل عليه كلامهم أنه يقعد ولا يجزئه غيره، لكن الذي ذكره العراقيون من أصحابنا وتابعهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه لا يجوز له القعود، بل يجب عليه أن يقوم، فإذا أراد أن يركع زاد في الانحناء إن قدر عليه ليفارق الركوع القيام في الصورة، وهذا هو المذهب، فإن الواقف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى، وقد حكى القاضي ابن كج: ذلك عن نص الشافعي ﵁ (٢) فيجب إعلام قوله: (قعد) بالواو، ومعرفة ما فيه ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام [لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافاً لأبي حنيفة. لنا أنه مستطيع للقيام] (٣) فيلزمه لما روي أنه ﷺ قال: لعمران بن الحصين: "صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (٤)، ولأنه عجز
стр. 478
عن ركن فلا يسقط عنه غيره كما لو عجز عن القيام لا تسقط عنه القراءة، ثم إذا انتهى إلى الركوع والسجود يأتي بهما على حسب الطاقة فيحني صلبه بقدر الإمكان فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه فإن احتاج فيه إلى الاعتماد على شيء أو إلى أن يميل على جنبه لزمه ذلك، فإن لم يطق الانحناء أصلاً أومأ بهما.
قال الغزالي: وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَام قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، لَكِنَّ الإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيهِ وَينْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ أَفْضَلُ فِي قَوْلٍ، وَالتَّرَبُّعُ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: يَنْصِبُ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى كَالقَارِئِ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَي المُقْرِئِ لِيُفَارِقَ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ.
قال الرافعي: إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود لما سبق في خبر عمران، ولا ينتقص ثوابه لمكان العذر، ولا يعني بالعجز عدم التأتي فحسب بل خوف الهلاك، وزيادة المرض، ولحوق المشقة الشديدة في معناه، ومن ذلك خوف الغرق، ودوران الرأس في حق راكب السفينة.
ولو جلس الغازون في مكمن فأدركتهم الصلاة، ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم أن يصلوا قعودًا لكن يلزمهم القضاء فإن هذا سبب نادر، وإذا قعد المعذور فلا يتعين للقعود هيئة بل يجزئه جميع هيئات القعود لإطلاق الخبر الذي تقدم لكن يكره الإقعاء، هذا في القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روي أنه ﷺ : "نَهَى أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ" (١) ويروى أنه قال: "لاَ تُقْعُوا إِقْعَاءَ الْكِلاَبِ" (٢) واختلفوا في تفسيره على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإقعاء أن يفترش رجليه ويضع أليتيه على عقبيه.
والثاني: أن يجعل يديه على الأرض ويقعد على أطراف أصابعه.
والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الإقعاء: هو الجلوس على الوركين ونصب الفخذين والركبتين، وهذا أظهر؛ لأن الكلب هكذا يقعد، وبهذا فسره أبو عبيد لكن زاد فيه شيء آخر وهو وضع اليدين على الأرض، وما الأولى من هيئات القعود فيه قولان. ووجهان أحد القولين: أن يقعد متربعاً لما روي أنه ﷺ : "لَمَّا صَلَّى جَالِساً
стр. 479
تَرَبَّعَ" (١). ويروى هذا عن مالك وأحمد وأبي حنيفة ثم يركع متربعًا أو مفترشاً إذا أراد الركوع عن أبي حنيفة وأصحابه فيه اختلاف رواية.
وأصحهما: أنه يقعد مفترشاً؛ لأنه قعود لا يعقبه سلام فأشبه التشهد الأولى، وسيأتي معنى الافتراش في موضعه وتأويل الخبر: أنه ربما لم يمكنه الجلوس على هيئة الافتراش أو أراد تعليم الجواز وإلا فالتربع ضرب من التنعم لا يليق بحال العبادة، ويجري القولان فيما إذا قعد في النافلة. وأما الوجهان:
فأحدهما: وقد ذكره في الكتاب: أنه ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ ولا يتربع لما ذكرنا، ولا يفترش لتفاوت هيئة الجلوس هاهنا هيئة الجلوس في التشهد، وهذا يحكى عن القاضي الحسين.
والوجه الثاني: حكى في "النهاية" أن بعض المصنفين ذكر أنه يتورك في هذا القعود، ويمكن أن يوجه هذا بأن مدة القيام طويلة وهذا القعود بدل عنه فاللائق به التورك كما في آخر الصلاة، وأما الافتراش فإنه يؤمر به عند الاستيفاز.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن تفسير الإقعاء من لفظ الكتاب ينبغي أن يعلم بالواو، وقوله: (الافتراش أفضل) بالميم والألف والحاء، وكذلك ينصب ركبتيه اليمنى وقوله: "ليفارق جلسة التشهد" بعض التوجيه معناه لا يفترش لهذا المعنى ولا يتربع؛ لأنه هيئة تنعم، وأما هذه فهي لائقة بالتعظيم.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ قَدَرَ القَاعِدُ عَلَى الإرْتفَاعِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَيَرْكَعُ قَاعِدًا إِلَى حَدٍّ تَكُونُ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ كَالنِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ القِيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ الجَبْهَةِ انْحَنَى لِلسُّجُودِ، وَلْيَكُنِ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْهُ لِلْرُّكُوعِ.
قال الرافعي: حكم المصنف بأن القاعد لو قدر على الارتفاع عند الركوع إلى حد الراكعين عن القيام لزمه ذلك، ذكره إمام الحرمين، ووجهه، بأن الركوع مقدور عليه فلا يسقط بالمعجوز عنه، وهذا الكلام تفرع منهما على أن من بلغ انحناؤه حد الركوع يقعد، فأما إذا فرعنا على أنه يقف كذلك وهو الأظهر على ما تقدم، فلا تجئ هذه المسألة إلا أن يفرض لحوق ضرر في الوقوف قدر القيام دون الوقوف قدر الركوع، فحينئذ يقعد لخوف الضرر لا بسبب الانحناء، ويرتفع عند الركوع وأما من لا يقدر على الارتفاع، فنتكلم في
стр. 480
ركوعه قاعداً ثم في سجوده، فأما في ركوعه فقد ذكر الأئمة فيه عبارتين:
إحداهما: أنه يعني حتى يصير بالإضافة إلى القاعد المنتصب كالرافع قائماً بالإضافة إلى القائم المنتصب فيعرف النسبة بين حالة الانتصاب وبين الركوع قائماً، ويقدر كان المائل من شخصه عند القعود هو قدر قامته فينحنى بمثل تلك النسبة.
والثانية -وهي المذكورة في الكتاب-: أنه ينحني إلى حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام ومعناه أن أكمل الركوع عند القيام أن ينحني بحيث يستوي ظهره ورقبته ويمدهما، وحينئذ يحاذي جبهته موضع سجوده، وأقله: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، وحينئذ يقابل وجهه أو بعض وجهه ما وراء ركبته من الأرض، ويبقى بين الموضع المقابل وبين موضع السجود مسافة، فيراعى هذه النسبة في حال القعود، فأقل ركوع القاعد أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه وراء ركبته من الأرض، والأكمل أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده ولا يخفى أنه لا منافاة بين العبارتين، وكل واحدة منهما مؤدية للغرض.
وأما السجود: فلا فرق فيه بينه وبين القادر على القيام، هذا إذا قدر القاعد على الركوع والسجود، فإن عجز لعلة بظهره أو غيرها أتى بالقدر الممكن من الانحناء.
ولو قدر على الركوع وعجز عن وضع الجبهة على الأرض للسجود فقد قال في الكتاب: إنه ينحني للسجود أخفض منه للركوع، ويجب هاهنا معرفة شيئين:
أحدهما: أن هذا الكلام غير مجرى على إطلاقه، ولكن للمسألة ثلاث صور أوردها صاحب "النهاية":
احداها: أن يقدر على الانحناء إلى حد أقل الركوع، أعني ركوع القاعدين، ولا يقدر على الزيادة عليه، فلا يجوز تقسيم المقدور عليه من الانحناء إلى الركوع والسجود بأن يصرف بعضه إلى الركوع وتمامه إلى السجود حتى يكون الانحناء للسجود أخفض، وذلك لأنه يتضمن ترك الركوع مع القدرة عليه، بل يأتي بالمقدور عليه مرة للركوع ومرة للسجود وإن استويا.
الثانية: أن يقدر على أكمل ركوع القاعدين من غير زيادة فله أن يأتي به مرتين، ولا يلزمه الاقتصار للركوع على حد الأقل حتى يظهر التفاوت بينه وبين السجود، فإن المنع من إتمام الركوع في حالة الركوع بعيد.
الثالثة: أن يقدر على أكمل الركوع وزيادة، فيجب هاهنا أن يقتصر على حد الكمال للركوع ويأتي بالزيادة للسجود؛ لأن الفرق بين الركوع والسجود واجب عند الإمكان وهو ممكن هاهنا. قال إمام الحرمين: وليس هذا عرياً عن احتمال فليتأمل.
стр. 481
إذا عرفت ذلك تبين أنه لا يجب أن يكون الانحناء للسجود أخفض منه للركوع في الصورة الأولى ولا الثانية بل لو وجب إيماء وجب في الصورة الثالثة.
والثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي الاكتفاء بجعله الانحناء للسجود أخفض منه للركوع [لقوله في الراكب المتنفل يومئ للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض منه للركوع] (١) فإنه يكفيه ارتفاع التفاوت بينهما على ما تقدم، وليس الأمر على الظاهر هاهنا بل يلزمه مع جعل الانحناء للسجود، أخفض أن يقرب جبهته من الأرض أقصى ما يقدر عليه حتى قال الأصحاب: لو أمكنه أن يسجد على صدغه أو عظم رأسه الذي فوق الجبهة وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض يلزمه أن يسجد عليه، فإذا كان الأحسن أن يقول: يجعل السجود أخفض من الركوع ويقرب جبهته من الأرض بقدر الإمكان فيجمع بينهما وكذلك فعله في "الوسيط".
قال الغزالي: فَإِنْ عَجَزَ عَنِ القُعُودِ صَلَّى (ح) عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ (و) مُسْتَقْبِلاً بِمَقَادِيم (ح) بَدَنِهِ إِلَى القِبْلَةِ كالمَوْضُوعِ (و) فِي اللَّحْدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيُومِئُ (ح) بِالطَّرَفِ أَوْ يُجْرِي الأَفْعَالَ عَلَى قَلْبِهِ لِقَوْلهِ ﵇ إِذَا أَمَرْتُكُم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢).
قال الرافعي: ذكرنا أن العجز عن القيام يتحقق بتعذره وفي معناه ما إذا لحقه خوف ومشقة شديدة، وأما العجز عن القعود فهو معتبر به، ولم يفرق الجمهور بينهما.
وقال في "النهاية": لا أكتفي في ترك القعود بما اكتفى به في ترك القيام بل يشترط فيه عدم تصور القعود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل؛ إلحاقًا له بالمرض الذي يعدل بسببه إلى التّيمم. إذا عرف ذلك فنقول: العاجز عن القعود كيف يصلي؟ فيه وجهان، ومنهم من قال: قولان:
أصحهما: أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه مقدم بدنه القبلة كما يضجع الميت في اللَّحْدِ وبهذا قال أحمد، وهو المذكور في الكتاب، ووجهه قوله ﷺ في حديث عمران: "فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (٣) وعلى هذا لو اضطجع على جنبه الأيسر مستقبلاً جاز إلا أنه ترك سنة التيامن.
والثاني: أنه يستلقي على ظهره، ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلاً كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود، كان إيماؤه في صوب القبلة، والمضطجع على الجنب إذا أومأ لا يكون إيماؤه في صوب القبلة، وبهذا قال أبو
стр. 482
حنيفة، وهذا الخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما إذا لم يقدر إلاَّ على إحدى الهيئتين أتى بها، وذكر إمام الحرمين أن هذا الخلاف ليس راجعًا إلى الأول بخلاف ما سبق من الكلام في هيئة القاعد، وإنما هو خلاف فيما يجب؛ لأن أمر الاستقبال يختلف به، وفي المسألة وجه ثالث ضعيف، أنه يضطجع على جنبه الأيمن وأخمصاه إلى القبلة، وإذا صلى على هذه الهيئة المذكورة؛ فإن قدر على الركوع والسجود أتى بهما، إلا أومأ بهما منحنياً، وقرب جبهته من الأرض بحسب الإمكان، وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن لم يقدر على تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلاً لا تسقط عنه الصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال، إذا عجز عن الإيماء بالرأس لا يصلي ولا يومئ بعينه ولا بقلبه، ثم يقضي بعد البرء، ولمالك حيث قال: لا يصلي ولا يقضي. لنا ما روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِماً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السُّجُودَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوع فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى قَفَاهُ مُسْتَلْقِيًا وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ" (١).
وجه الاستدلال أنه قال: "أوْمَأَ بِطَرَفِهِ"، وفيه: دليل على أن العاجز عن القعود يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز حينئذ يستلقي، واحتج في الكتاب للترتيب المذكور لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ "؛ ولا يتضح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور فأنه قال: "فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعاً من المأمور به، وكذلك الاضطجاع لا يشتمل عليه القعود وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها، ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته، فلا تكون هذه المسائل متناولة بالخبر. ولنعد إلى أمور تتعلق بلفظ الكتاب قوله: (فإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن) كلمة (صلى) قد أعلم في النسخ بالخاء؛ لأن المصنف روى في "الوسيط": أن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- قال: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة، لكن هذا النقل لا يكاد يلقى في كتبهم ولا في كتب أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس فإذاً موضع العلامة بالحاء.
قوله: (فيومئ بالطرف) وليعلم بالميم أيضاً لما قدمنا حكايته وبالواو أيضاً؛ لأن
стр. 483
صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا وجهاً مثل مذهب أبي حنيفة.
وقوله: (على جنبه الأيمن) ينبغي أن يرقم بالحاء؛ لأنه عند ذلك يستلقي على ظهره، وكذلك بالواو إشارة إلى الوجه الصائر إلى مثل مذهبه، وكذلك قوله: (مستقبلاً بمقاديم بدنه القبلة) بالواو إشارة إلى الوجه الثالث.
وقوله: (أو يجري الأفعال على قلبه) ليست كلمة (أو) للتخيير بل للترتيب.
واعلم: أن جميع ما ذكر من أول الركن إلى هذه الغاية من ترتيب المنازل والهيئات مفروض من الفرائض، فأما النوافل فسنذكر حكمها في الفرع الثالث.
قال الغزالي: فرُوعٌ ثَلاثَةٌ: الأَوَّلُ مَنْ بِهِ رَمَدٌ لاَ يَبْرَأَ إلاَّ بِالاضْطِجَاعِ، فَالأَقْيَسُ أَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَجِعاً وَإِنْ قَدرَ عَلَى القِيَامِ، وَلَمْ تُرَخِّصْ عَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ لابْنِ عَباَّسٍ فِيهِ.
قال الرافعي: القادر على القيام إذا أصابه رمد وقال له طبيب يوثق بقوله: إن صليت مستلقياً أو مضطجعاً أمكن مداواتك وإلا خفت عليك العمى فهل له أن يستلقي أو يضطجع بهذا العذر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ لما وقع الماء في عينيه قال له الأطباء إن مكثت سبعاً لا تصلي إلا مستلقياً عالجناك، فسأل عائشة وأم سلمة وأبا هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃ فلم يرخصوا له في ذلك فترك المعالجة، وكف بصره، ويروى هذا الوجه عن مالك.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: له ذلك كما يجوز له الإفطار في رمضان بهذا العذر، وكما يجوز ترك الوضوء والعدول إلى التيمم به كما يجوز ترك القيام لما فيه من المشقة الشديدة والمرض المضجر فلأن يجوز تركه لذهاب البصر كان أولى، ولو كانت المسألة بحالها وأمره الطبيب بالقعود فقد قال إمام الحرمين: الذي أراه أنه يجوز القعود بلا خلاف، وبنى هذا على ما حكيناه عنه في أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود، قال: ولهذا فرض شيوخ الأصول الخلاف في المسألة في صورة الاضطجاع، وسكتوا عن صورة القعود والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي: مَهْمَا وَجَدَ القَاعِدُ خِفَّةً في أَثْنَاءِ الفَاتِحَةِ فَلْيُبَادِرْ إلَى الْقِيَامِ، وَلْيَتْرُكِ القِرَاءَةَ فِي النُّهُوضِ إِلَى أَنْ يَعْتَدِلَ، وَلَوْ مَرِضَ فِي قِيَامِهِ فَلْيَقْرَأ فِي هَوِيِّه، وَإِنْ خَفَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ لَزِمَ القِيَامُ دُونُ الطُّمَأْنِينَةِ لِيَهْوِيَ إلَى الرُّكُوعِ، فَإِنْ خَفَّ فِي الرُّكُوعِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ كَفَاهُ أَنْ يَرْتَفِعَ مُنْحَنِياً إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ.
стр. 484
قال الرافعي: إذا عجز المصلي [في أثناء صلاته] (١) عن القيام قعد وبنى، وكذا لو كان يصلي قاعداً [فعجز عن القعود في أثناء صلاته يضطجع ويبني، ولو كان يصلي قاعداً] (٢) فقدر على القيام في صلاته يقوم ويبني، وكذا لو كان يصلي مضطجعاً فقدر على القيام أو القعود يأتي بالمقدور عليه ويبني خلافاً لأبي حنيفة في هذه الصورة الأخيرة حيث قال: يستأنف. لنا أنه قدر على الركن المعجوز عنه في صلاته فيعدل إليه ويبني كما لو صلى قاعداً فقدر على القيام. إذا عرف ذلك فنقول تبدل الحال، إما أن يكون من النقصان إلى الكمال أو بالعكس.
القسم الأول: كما إذا وجد القاعد قدرة على القيام لخفه المرض ينظر فيه إن اتفق ذلك قبل القراءة قام وقرأ قائماً، فإن كان في أثناء القراءة فكذلك يقوم ويقرأ بقية الفاتحة في القيام، ويجب أن يترك القراءة في النهوض إلى أن ينتصب ويعتدل، فلو قرأ بعض الفاتحة في نهوضه لم يحسب، وعليه أن يعيده؛ لأن حالة النهوض دون حالة القيام وقد قدر على أن يقرأ في أكمل الحالتين، وإن قدر بعد القراءة وقبل الركوع فيلزمه القيام أيضاً ليهوي منه إلى الركوع، ولا يلزمه الطمأنينة في هذا القيام فإنه غير مقصود لنفسه وإنما الغرض منه الهَوِيّ إلى الركوع لا غير، ويستحب في هذه الأحوال إذا قام أن يعيد الفاتحة لتقع في حالة الكمال، ولو وجد المريض الخفة في ركوعه قاعداً نظر إن وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام، ولا يجوز له أن ينتصب قائماً ثم يركع؛ لأنه لو فعل ذلك لكان قد زاد ركوعاً وإن وجدها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين؛ وفي لفظ الكتاب ما ينبه على افتراق هاتين الحالتين في وجوب الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام وإن لم يصرح بذكرهما؛ لأنه قيد الخفة في الركوع بما قبل الطمأنينة فيشعر بأنه لو خف بعد الطمأنينة كان الأمر بخلافه. وقوله: (كفاه أن يرتفع) يفهم أن هذا الكافي لا بد منه وأنه يجب عليه الارتفاع منحنياً إلى حد الراكعين عن قيام، وهذا التفصيل ذكره إمام الحرمين هكذا بعد ما حكى عن الأصحاب أنهم قالوا: لا يجوز أن يرتفع راكعًا ولم ينصوا على أنه يجب ذلك.
واعلم: أنهم لم يفرقوا في جواز الارتفاع إلى حد الراكعين بين أن يخف قبل الطمأنينة وبعدها؛ لأنه لا بد له من القيام للاعتدال إما مستويًا أو منحنياً، فإذا ارتفع منحنياً فقد أتى بصورة ركوع القائمين في ارتفاعه الذي لا بد له منه فلم يمنع منه، بخلاف ما لو انتصب قائمًا ثم ركع فإنه زاد ما هو مستغن عنه فقلنا: ببطلان صلاته.
ولو خف المريض في الاعتدال عن الركوع قاعدًا فإن كان قبل أن يطمئن لزمه أن
стр. 485
يقوم للاعتدال ويطمئن فيه، بخلاف ما إذا خف بعد القراءة فقام ليهوي منه إلى الركوع حيث لا تجب الطمأنينة فيه لما سبق، وإن كان بعد الطمأنينة فهل يلزمه أن يقوم ليسجد عن قيام؟ حكى في "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: نعم كما يلزمه إذا خف بعد القراءة ليركع عن قيام.
وأظهرهما: لا؛ لأن الاعتدال ركن قصير فلا يعد زمانه، نعم لو اتفق ذلك في الركعة الثانية من صلاة الصبح قبل القنوت فليس له أن يقنت قاعدًا، ولو فعل بطلت صلاته بل يقوم ويقنت.
وأما القسم الثاني: وهو أن يتبدل حاله من الكمال إلى النقصان كما إذا مرض في صلاته فعجز عن القيام فيعدل فيه إلى المقدور عليه بحسب الإمكان، فإن اتفق في أثناء الفاتحة فيجب عليه إدامة القراءة في هوية؛ لأن حالة الهَوِيّ أعلى من حالة القعود.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: القَادِرُ عَلَى القُعُودِ لاَ يَتَنَفَّلُ مُضْطَجِعاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ الاضْطِجَاعِ كالقُعُودِ فَإِنَّهُ يَمْحُو صُورَةَ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: النوافل، يجوز فعلها قاعدًا، مع القدرة على القيام، لكن الثواب يكون على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين ﵁ قال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ الْقَاعِدِ" (١)، ويروي "صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" (٢) ولو تنفل مضطجعاً مع القدرة على القيام والقعود فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن قوام الصلاة بالأفعال، فإذا اضطجع فقد ترك معظمها وانمحت صورتها بخلاف القعود، فإن صورة الصلاة تبقى منظومة معه.
وأصحهما: الجواز؛ لما روينا من الخبر، ثم المضطجع في صلاة الفرض إن قدر على الركوع والسجود يأتي بهما كما تقدم، وهاهنا الخلاف في جواز الاضطجاع جار في جواز الاقتصار على الإيماء؛ لكن الأظهر منع الاقتصار على الإيماء ثم قال الإمام: ما عندي أن من يجوّز الاضطجاع يجوِّز الاقتصار في الأركان الذكرية كالتشهد والتكبير وغيرهما على ذكر القلب، وبهذا يضعف الوجه الثاني من أصله، وإن ارتكبه من صار إليه كان طارداً للقياس لكنه يكون خارجاً عن الضبط مقتحماً، ولمن جوز الاضطجاع أن يقول: ما روينا من الخبر صريح في جواز الاضطجاع فليجز، ثم المضطجع وإن جوزنا
стр. 486
له الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود فلا يلزم من جواز الاقتصار على الإيماء في الأفعال جواز الاقتصار على ذكر القلب في الأذكار، فإن الأفعال أشق من الأذكار، فهي أولى بالمسامحة، ولا فرق في النوافل بين الرواتب وصلاة العيدين وغيرهما.
وقال القاضي ابن كج في "شرحه": صلاة العيدين والاستسقاء والخسوف لا يجوز فعلها عن قعود كصلاة الجنازة.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ القِرَاءَةُ: وَدُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مُسْتَحَبٌّ (م ح)، ثُمَّ التَّعَوُّذُ (م) بَعْدَهُ مِنْ غيْرِ جَهْرٍ (و)، وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَجْهَانٍ.
قال الرافعي: لركن القراءة سنتان سابقتان وأخريان لاحقتان، أما السابقتان فأولاهما: دعاء الاستفتاح، فيستحب للمصلي إذا كبر أن يستفتح بقوله: "وَجَّهْتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْركِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ " خلافاً لمالك حيث قال: لا يستفتح بعد التكبير إلا بالفاتحة والدعاء، والتعوذ يقدمهما على التكبير، ولأبي حنيفة وأحمد حيث قال: يستفتح بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
لنا ما روي عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ "إنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إلى آخره" (١) وقال في آخره: "وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" لأنه ﷺ ، أول مسلمي هذه الأمة.
وروي أنه كان يقول بعده: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٢). وروي بعد قوله: "وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (٢). قال المزني: أي لا يضاف إليك على انفراده.
وقيل: أي لا يتقرب به إليك، والزيادة على ما ذكرنا أولاً نستحبها للمنفرد، والإمام إذا علم رضاء المأمومين بالتطويل.
стр. 487
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستِحب) بالميم، واللفظ لا يقتضي الإعلام بالحاء والألف، لأنهما يساعدان على أنه يستفتح قبل القراءة بشيء، وإنما يخالفان في أنه بم يستفتح وكل واحد من الذكرين، أعني "وجهت" و"سبحانك اللهم" يسمى دعاء الاستفتاح وثناءه، وليس في لفظ الكتاب تعرض للأول بعينه إلا أنه هو الذي أراده؛ فلذلك أعلم بهما أيضاً، ومن ترك دعاء الاستفتاح عمداً أو سهوًا حتى تعوذ أو شرع في الفاتحة لم يعد إليه ولم يتداركه في سائر الركعات، وفرع عليه ما لو أدرك الإمام المسبوق في التشهد الأخير فكبر وقعد فسلم الإمام كما يقعد يقوم، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ لفوات وقته بالقعود، ولو سلم الإمام قبل قعوده يقعد ويقرأ دعاء الاستفتاح، ولا فرق في دعاء الاستفتاح بين الفريضة وغيرها، وحكى بعض الأصحاب أن السنة في دعاء الاستفتاح أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره، ثم يقول: "وجهت وجهي ... " إلى آخره، جمعاً بين الأخبار، ويحكى هذا عن أبي إسحاق المزوزي وأبي حامد وغيرهما.
الثانية: يستحب بعد دعاء الاستفتاح أن يتعوذ؛ خلافاً لمالك إلا في قيام رمضان.
لنا ما روي عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم وغَيْرِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلاَتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ". وصيغة التعوذ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ذكره الشافعي ﵁ وورد في لفظ الخبر، وحكى القاضي الروياني عن بعضَ أصحابنا: أن الأحسن أن يقول: "أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، ولا شك أن كلا منهما جائز مؤدٍ للغرض، وكذا كل ما يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان، وهل يجهر به؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب الجهرية في الصلاة الجهرية كالتسمية والتأمين.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أن المستحب فيه الإسرار في كل حال؛ لأنه ذكر مشروع بين التكبير والقراءة فيسن فيه الإسرار كدعاء الاستفتاح، وذكر الصيدلاني وطائفة من الأصحاب: أن الأول قول "القديم"، والثاني "الجديد"، وحكى في "البيان": القولين على وجه آخر، فقال أحد القولين: إنه يتخير بين الجهر والإسرار ولا يرجح.
والثاني: أنه يستحب فيه الجهر، ثم نقل عن أبي علي الطبري أنه يستحب الإسرار به، فيحصل في المسألة ثلاثة مذاهب. ثم استحباب التعوذ يختص بالركعة الأولى أم لا؟ منهم من قال: لا، بل يسن في كل ركعة، إلا أنه في الركعة الأولى آكد، وحكوا ذلك عن نص الشافعي ﵁، أما أنه يستحب في كل ركعة، فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) وقد وقع الفصل بين القراءتين، فأشبه ما لو قطع القراءة خارج الصلاة بشغل ثم عاد إليها يستحب له التعوذ.
стр. 488
وأما أن الاستحباب في الركعة الأولى آكد فلأن افتتاح قراءته في صلاته إنما يكون في الركعة الأولى، وقد اشتهر ذلك من فعل رسول الله ﷺ ، ولم يشتهر في سائر الركعات، ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: الاستحباب، لما ذكرنا.
والثاني: لا يستحب في سائر الركعات، ويروى ذلك عن أبي حنيفة؛ كما لو سجد للتلاوة في قراءته ثم عاد إلى القراءة لا يعيد التعوذ، فكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة، وعلى هذا فلو تركه في الركعة الأولى عمداً أو سهوًا تدارك في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح، وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة أم لا؟ فالأظهر أنه يستحب في كل ركعة، وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري وإمام الحرمين والروياني وغيرهم، وبعضهم يروي في المسألة وجهين بدل القولين ومنهم إمام الحرمين والمصنف.
قال الغزالي: ثُمَّ الفَاتِحَةُ بَعْدَهُ متَعَيَّنَةٌ (ح) لاَ يَقُومُ (ح) تَرْجَمَتُهَا مَقَامَهَا، وَيسْتَوِي فِيه الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ (ح) فِي السِّرِّيَّةِ وَالجَهْرِيَّةِ (ح) إِلاَّ فِي رَكْعَةِ المَسْبُوقِ، وَنَقَل المُزَنِيُّ سُقُوطَهَا عَنْ المَأْمُومِ فِي الجَهْرِيَّةِ.
قال الرافعي: للمصلي حالتان:
إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة.
والثانية: أن لا يقدر عليها، فأما في الحالة الأولى، فيتعين عليه قراءتها في القيام أو ما يقع بدلاً عنه، ولا يقوم مقامها شيء آخر من القرآن ولا ترجمتها، وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الفرض من القراءة آية من القرآن سواء كانت طويلة أو قصيرة، وبأي لسان قرأ جاز، وإن كان ترك الفاتحة مكروهًا والعدول إلى لسان آخر إساءة. لنا ما روي عن عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١). ولا فرق في تعيين الفاتحة بين الإمام والمأموم في الصلاة السرية. وفي الجهرية قولان:
أحدهما: إنها لا تجب على المأموم، وبه قال مالك وأحمد لما روي أنه ﷺ "انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِيَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: مَا لِيَ أُنَازعُ بِالقُرْآنِ فَانْتَهَى النَّاسُ عَن الْقِرَاءَةِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ" (٢).
стр. 489
وأصحهما: أنه تجب عليه أيضاً؛ لما روي عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "كُنَّا خَلْفَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاَةِ الفَجْرِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُم تَقْرَؤُنَ خَلْفِي، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: لاَ تَفْعَلُوا ذلِكَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١).
وهذا القول يعرف "بالجديد"، ولم يسمعه المزني من الشافعي ﵁ فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع، وأما القول الأول فقد نقله سماعاً عن الشافعي ﵁ وقال أبو حنيفة: لا يقرأ المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وحكى القاضي ابن كج أن بعض أصحابنا قال به، وغلط فيه.
التفريع إن قلنا: لا يقرأ المأموم في الجهرية فلو كان أصم أو كان بعيداً لا يسمع قراءة الإمام فهل يقرأ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ولو جهر الإمام في صلاة السّر أو بالعكس، فالاعتبار بالكيفية المشروعة في الصلاة أم بفعل الإمام؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التهذيب": أصحهما: أن الاعتبار بصفة الصلاة، وهذا ظاهر لفظ المصنف حيث قال: (سقوطها عن المأموم في الجهرية) والصلاة الجهرية إن أسر الإمام بها والذي ذكره المحاملي حكايةً عن نص الشافعي ﵁ يقتضي الاعتبار بفعل الإمام وهو الموافق للوجه الأصح في المسألة المتقدمة، وهل يسن للمأموم على هذا القول أن يتعوذ؟ روى في "البيان" فيه وجهين:
أحدهما: لا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا يقرأ.
والثاني: نعم؛ لأنه ذكر سوى فيشارك الإمام فيه، كما لو أسر بالفاتحة، وإذا قلنا: المأموم يقرأ فلا يجهر بحيث يغلب جاره ولكن يأتي بها سراً بحيث يسمع نفسه لو كان سميعاً، فإن ذلك أدنى القراءة، ويستحب للإمام على هذا القول أن يسكت بعد قراءة الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، ذكره في "التهذيب".
وإذا عدت إلى ألفاظ الكتاب عرفت أن قوله: (متعينة) وقوله: (لا تقوم ترجمتها مقامها) لم أعلم كل واحد منهما بالحاء.
стр. 490
وقوله: (يستوي فيه الإمام والمأموم) ينبغي أن يعلم بالحاء، ثم إن كان المراد استواءهما في معنى الفاتحة فالحاء عليه، كهو على قوله: (متعينة) فإن أبا حنيفة لا يقول بتعينها على الإمام ولا على المأموم، فقوله يخالف قول القائل باستوائهما في تعينها عليهما؛ لأنه يقول باستوائهما في عدم تعينها عليهما، وأن المراد استواءهما في أصل ركن القراءة، فتكون الحاء إشارة إلى أن القراءة غير واجبة على المأموم أصلاً بخلاف الإمام، وليعلم هذا الموضع بالواو أيضاً للوجه الذي نقله القاضي ابن كج.
وقوله: (والجهرية) بالميم والألف، لما رويناه من مذهبهما. وقوله: (إلا في ركعة المسبوق) إنما استثناهما؛ لأن من أدرك الإمام في الركوع كان مدركًا للركعة على ما سيأتي وإن لم يقرأ الفاتحة في تلك الركعة، ثم كيف يقول: أيتحمل الإمام عنه الفاتحة أم لا يجب عليه أصلاً؟ فيه مآخذان للأصحاب، وفي هذا الاستثناء إشارة إلى أن اشتمال الصلاة على القراءة في الجملة غير كافٍ، بل هي واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا تجب القراءة في الفرائض إلا في ركعتين، فإن كانت الصلاة ذات ركعتين فذاك، وإن كانت أكثر من ركعتين فالواجب القراءة في ركعتين وفيما سواهما يتخير بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت، ولمالك حيث قال: تجب القراءة في معظم الركعات، ففي الثلاثية يقرأ في ركعتين، وفي الرباعية في ثلاث ركعات، ويروى هذا عن أحمد، والمشهور عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَقْرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" (١).
وقوله: (ونقل المزني) أي سماعًا عن الشافعي ﵁ وإلا فقد نقل القول الأول أيضاً عن غيره عن الشافعي كما ذكرنا، وهم جميعاً مذكوران في "المختصر".
قال الغزالي: ثُمَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ (ح م) مِنْهَا، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِمَّا مَعَ الآيَةِ الأُولَى أَوْ مُسْتَقَلَة بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: التسمية آية من الفاتحة لما روي أنه ﷺ "قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَرَأَ بِسْمِ
стр. 491
اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَعَدَّهَا آيَةَ مِنْهَا" (١).
وروي أنه قال: "إِذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الْكِتَاب فَاقْرَؤُا بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَإِنَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مَنْهَا" (٢).
وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة "براءة" لأصحابنا فيه طريقان:
أحدهما: أن في كونها من القرآن في أول السور قولين:
أصحهما: أنها من القرآن؛ لأنها مثبتة في أوائلها بخط المصحف فتكون من القرآن كما في الفاتحة، ولو لم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن.
والثاني: أنها ليست من القرآن وأنما كتبت للفصل بين السورتين، لما روي عن ابن عباس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَتَيْنِ حَتى يَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" (٣).
والطريقة الثانية: وهي الأصح: أنها مِن القرآن في أول سائر السور أيضاً بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية، ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آية في أول سائر السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة، ألاّ ترى أنهم اتفقوا على أنها بعض آية من "سورة النَّمْلِ" وأن "الحمد لله رب العالمين" آية تامة من الفاتحة، وهو بعض آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ﴾ (٤) فأحد القولين: أنها بعض الآية من سائر السور؛ لما روي أنه ﷺ قال: "سُوَرةٌ تَشْفَعُ لِقَارئهَا وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةٌ وَهِيَ الْمُلْكُ" (٥).
وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية؛ وأصحهما: أنها آية تامة كما في أول الفاتحة. واعلم: أن جمهور أصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعاً، بل اقتصر بعضهم على نقل الثانية، والأكثرون على نقل الأولى، لكن جمع بينهما الصيدلاني، وتابعه إمام الحرمين وغيره، هذا مذهبنا. وقال مالك: ليست التسمية من القرآن إلا من سورة
стр. 492
النَّمْلِ، وهي أشهر الروايتين عن أبي حنيفة. وقال بعض أصحابه: مذهبه: أنها آية في كل موضع أثبتت فيه، لكنها ليست من السورة.
وإذا عرفت ذلك فعندنا يجهر المصلي بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة بعدها، خلافاً لمالك حيث قال: لا يقرأها أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية، ولأبي حنيفة حيث قال: يسر بها، وبه قال أحمد، إلا أنه يوجب ذلك في كل ركعة؛ لأن التسمية عنده من الفاتحة، وأبو حنيفة لا يأمر بها إلا استحباباً، ويقال: إنه لا يأمر بها إلا في الركعة الأولى كالتعوذ.
لنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ" (١).
وعن علي وابن عباس أن النبي ﷺ "كَانَ يَجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ" (٢).
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: (آية منها) معلم بالميم والحاء، وكذا قوله: (في كل سورة) ولا يخفى أن المراد ما سوى براءة.
ويروى عن أحمد: أن التسمية حيث أثبتت آية وليست من السورة، ورأيت في "رءوس المسائل" لبعض أصحابه أنها ليست من الفاتحة، ولا من سائر السور، والمشهور عنه في كتب أصحابنا أنه يوافقنا في كونها من القرآن، وإنما يخالف في الجهر، فعلى المشهور لتكن الكلمتان معلمتين بالألف أيضاً.
وقوله: "وهي آية من كل سورة .... " [إلى آخره، فيه كلامان:
أحدهما: أن ظاهر قوله: (وهي آية من كل سورة) أنها آية] (٣) مستقلة، لأنها إذا كانت مع صدر السورة آية، فلا تكون آية وإنما تكون بعض آية، وإذا كان كذلك فلا يحسن أن يرتب عليه التردد في أنها مستقلة أم لا، فإن الشيء الذي أثبتناه لا ينتظم من التردد فيه؛ ومعنى الكلام أنها من جملة السور معدودة من القرآن، وهل هي آية مستقلة؟ فيه الخلاف.
والثاني: أن لفظ الكتاب يمكن تنزيله على الطريقة الثانية بأن يجعل جازماً بأنها
стр. 493
من السورة وتردد الخلاف إلى أنها مستقلة أم لا؟ ويكون تقدير الكلام إما مع الآية الأولى على أحد القولين أو مستقلة بنفسها على أحد القولين، وهذا هو الذي أراده، ويمكن تنزيله على ذكر الخلاف الذي اشتمل عليه الطريقان جميعاً بأن يصرف قوله على أحد القولين إلى أول الكلام وهو قوله: (وهي آية من كل سورة).
والقول المقابل له أنها ليست من السور، ويجعل الترديد في قوله: "إما مع الآية الأولى أو مستقلة بنفسها" إشارة إلى الخلاف المذكور في الطريقة الثانية، تفريعاً على أنها من القرآن، وإذا انتظم التردد في أنها آية على استقلالها أم لا بعد القطع بأنها من القرآن ينتظم التردد بعد إثبات الخلاف تفريعاً على أنها من القرآن.
قال الغزالي: ثُمَّ كُلُّ حَرْفٍ وَتَشْدِيدٍ رُكْنٌ، وَفِي إِبْدَالِ الضَّادِ بِالظَّاءِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لا شك أن فاتحة الكتاب عبارة عن هذه الكلمات، الكلمات المنظومة، والكلمات المنظومة مركبة من الحروف المعلومة، وإذاقال الشارع ﷺ "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (١) فقد وقف الصلاة على جملتها، والموقوف على أشياء مفقود عند فقد بعضها كما هو مفقود عند فقد كلها، فلو أخل بحرف منها لم تصح صلاته، ولو خفف حرفاً مشدداً فقد أخل بحرف؛ لأن المشدد حرفان مثلان، أولهما ساكن، فإذا خفف فقد أسقط أحدهما، ولو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب، وهل يستثنى إبدال الضاد في قوله: ﴿غيرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِينَ﴾ بالظاء؟ ذكروا فيه وجهين (٢).
стр. 494
أحدهما: نعم، فيحتمل ذلك لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما.
وأصحهما: لا يستثنى، ولو أبدل كان كإبدال غيرهما من الحروف، وكما لا يحتمل [الإخلال بالحروف لا يحتمل] (١) اللحن المخل للمعنى كقوله: (أنعمت عليهم) (وإياك نعبد)، بل تبطل صلاته إن تعمد، ويعيد على الاستقامة إن لم يتعمد، ويسوغ القراءات السبع، وكذا القراءة الشاذة (٢) إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه.
وقوله: (ثم كل حرف وتشديد ركن) يجوز أن يريد به أنه ركن [من الفاتحة، لأن ركن الشيء أحد الأمور التي يلتثم منها ذلك الشيء، ويجوز أن يريد به أنه ركن] (٣) من الصلاة؛ لأن الفاتحة من أركان الصلاة وجزء الجزء جزء، والأول أصوب، لئلا تخرج أركان الصلاة عن الضبط.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّرْتِيبُ فِيهَا شَرْطٌ، فَلَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الأخَيرَ أَوَّلاً لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ آخِرَ التَّشَهُدِ فَهُو كَقَوْلِهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، وَالمُوَلاَةُ أَيْضًا شَرْطٌ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا، فَلَوْ قَطَعَهَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ (و) وَكَذَا بِتَسْبِيحٍ يَسِيرٍ، إلاَّ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الصَّلاَةِ كَالتَّأمِينِ لِقِرَاءَةِ الإمَامِ، وَالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَاذَةِ أَوْ سُجُودِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الإمَامِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ رَحمَةٍ أَوْ عَذَاب، فَإِنَّ الوَلاَءَ لاَ يَنْقَطِعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَلَوْ تَرَكَ المُوَالاةَ نَاسِيًا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو طَوَّلَ رُكْنًا قَصِيرًا نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على جملتين مشروطتين في الفاتحة:
إحداهما: الترتيب فيجب رعايتها؛ لأن الإتيان بالنظم المعجز مقصودٍ، والنظم والترتيب هو مناط البلاغة والإعجاز، فلو قدم مؤخراً على متقدم نظر إن كان عامداً بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهياً عاد إلى الموضع الذي أخل منه بالترتيب فقرأ منه.
قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، وعلى كل حال لا يعتد بالمؤخر الذي قدمه، وينبغي أن يحمل قوله: "فلو قدم النصف الأخير قبل الأول لم يجزه" على هذا؛
стр. 495
أي: لا يجزئه النصف الأخير، فأما النصف الأول فهل يجزئه ويبني عليه أم يلزمه الاستئناف؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه.
ولو أخل بترتيب التشهد نظر إن غير تغيراً مبطلاً للمعنى، فليس ما جاء به محسوباً، وإن تعمده بطلت صلاته؛ لأنه أتى بكلام غير منظوم قصداً، وإن لم يبطل المعنى وكان كل واحد من المقدم والمؤخر مفيداً مفهوماً ففيه الطريقان المذكوران فيما إذا عكس لفظ السلام فقال: عليكم السلام، والأظهر الجواز؛ لأنه لا يتعلق بنظمة إعجاز.
وقوله: (ولو قدم آخر التشهد) يعني به هذه.
الحالة الثانية: وهي أن لا يغير المعنى، وإن كان اللفظ مطلقاً.
واعلم أن تغيير الترتيب على وجه يبطل المعنى كما يفرض في التشهد، يفرض في الفاتحة، فوجب أن يقال: ثم أيضاً إذا غير تغييراً مبطلاً للمعنى عمداً تبطل صلاته.
والثانية: الموالاة بين كلماتها، والاخلال بها على ضربين:
أحدهما: أن يكون الشخص عامداً فيه، فإن سكت في أثنائها نظر؛ إن طالت مدة السكوت وذلك بأن يشعر مثل ذلك السكوت بقطعه القراءة وإعراضه عنها، إما اختياراً أو لعائق فتبطل قراءته، ويلزمه الاستئناف، لأنه ﷺ "كَانَ يُوَالِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١).
وروى إمام الحرمين والمصنف في "الوسيط" وجهاً آخر عن العراقيين: إن ترك الموالاة بالسكوت الطويل عمداً لا يبطل القراءة؛ واعلم لهذا الوجه قوله: (وجب الاستئناف) بالواو، وإن قصرت مدة السكوت فلا يؤثر؛ لأن السكلوت [اليسير] (٢) قد يكون لتنفس وسعال ونحوهما، فلا يشعر بقطع القراءة، ونظيره التفريق اليسير في الوضوء لا يؤثر وإن أوجبنا الموالاة فيه، وهذا إذا لم ينو مع السكوت قطع القراءة، فإن نواه والسكوت يسير ففيه وجهان -حكيا عن الحاوي-:
أحدهما: أنه لا تبطل القراءة أيضاً؛ لأن السكوت اليسير لا أثر له بمجرده، ولا للنية بمجردها، فلا يضر أنضمام أحدهما إلى الآخر.
وأصحهما: -وهو الذي ذكره المعظم-: أنها تبطل، ويجب الاستئناف لاقتران الفعل بنية القطع، وقد تؤثر النية مع الفعل فيما لا يؤثر فيه أحدهما؛ ألا ترى أن نية التعدي من المودع لا توجب كون الوديعة مضمونة عليه، وكذلك مجرد النقل من موضع إلى موضع، وإذا اقترنا صارت مضمونة عليه، وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع