← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بما إذا لم يدر الرجل أقضى الفائتة التي كانت عليه أم لا؟ فإنا نأمره بقضائها، ولا يسجد للسهو إذا قَضَاها، وإن كان هو متردداً في أنها هل هي مَفْرُوضَة عليه من أول الصَّلاَةِ إلى آخرها أم لا؟ وفي لفظ الكتاب ما يشعر بموافقته الإمام على اختياره، فإنه أسند سجود السهو في المسألة إلى الخبر، ثم قال: وقيل: إن عليه كذا، وقد بَيَّنَّا أن هذا السِّياق يشعر بترجيح الأول، لكن المنقول عن القفال يوافق ما نسبه في المسألة إلى الشيخ أبي علي، ولم يورد صاحب "التهذيب" وكثيرون سواه، وضبطوا صور عروض الشك وزواله، فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله ما لا بد منه على كل احتمال فلا يسجد للسهو، فإن كان زائداً على بعض الاحتمالات سجد للسهو. مثاله: لو شك في قيام من صلاة الظهر أن تلك الركعة ثالثة أو رابعة فركع وسجد على هذا الشَّك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى أخذاً باليقين، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته فلا يسجد للسَّهْوِ؛ لأن ما فعله في زمان الشَّكِّ لا بد منه على التقديرين جميعاً، وإن لم يتذكر حتى قام إلى الأخرى سجد للسَّهْوِ، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعة لأنه كان احتمال الزيادة، وكونها خامسة ثابت حين قام (١). وقوله في الكتاب: (فالأصل العدم إلا في مسألة) -يعني- أنه يعمل بقضية هذا الأصل إلا في هذه المسألة، فلا يعمل به، لأن هذه المسألة تغاير ما قبلها في نفس الأصل حتى لا يكون الأصل فيها العدم، وليس الغرض استثناء هذه الصورة الفردة؛ بل نظائرها في معناها كما إذا شك في ترك ركن سوى النية والتكبير يبنى على اليقين، ويسجد للسهوِ، وتَرْكُ الأَصْلِ في هذه الصورة ليس في الأخذ بالأقل، ولكنه في الأمر بسجود كما بَيَّنَّا، ولذلك قال: (أخذ بالأقل قياساً، ومسجد للسهو جبراً)، والصورة المستثناة قد ذكرها وحكمها في الفصل السابق على هذا الفصل فهي معادة هاهنا، لكن هذا الموضع أحق بذكرها، ولذلك زاد هاهنا الكلام في سبب سجود السَّهْو، وفرع عليه وكأنه قصد بذكرها في الفصل السابق التدرج منعاً إلى الشك بعد السلام، ولو اقتصر على ذكرها في هذا الموضع وعقبها بمسألة الشَّكِّ بعد السلام لم يكن به بأس. وقوله آخراً: (وقيل: لا يسجد عند زوال التردد) تفريع على إسناد سجود السهو إلى الجبر، وليس شيئاً مستأنفاً، ولو قال: وعلى الأول لا يسجد عند زوال التردد لكان أوضح.

стр. 632

قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: إِذَا تكَرَّرَ منه (١) السَّهْوُ فَيَكْفِي سَجْدَتَانِ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ سُجُودُ السَّهْوِ فِي حَقِّ المَسْبُوقِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِ الإِمَامِ فَإنَّهُ يُعِيدُ فِي آخِر صَلاَةِ نَفْسِهِ، وَكَذا إِذَا صَلَّوا صَلاَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّ الوَقْتَ خَارجٌ تَمَّمُوهَا ظُهْراً وَأَعادُوا السُّجُودَ، وَلَوْ ظَنَّ الإِمَامُ سَهْواً فَسَجَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لاَ سَهْوَ فَقَدْ زَادَ سَجْدَتَيْنِ فَيَسْجُدُ لِهذَا السَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا جَابِرَتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا كَشَاةٍ مِنْ أَرْبعِينَ شَاةً تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغيْرَهَا. قال الرافعي: لا يتكرر سجود السهو بتكرر السهو وتعدده، بل يكفي سجدتان في آخر الصلاة، سواء تكرر نوع واحد، أو وجد نوعان فصاعداً، ووجهه الخبر والمعنى. أما الخبر فهو حديث ذي اليدين فإن النبي ﷺ : "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، وَمَشَى، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى سَجْدَتَيْنِ" (٢). وأما المعنى: أن سجود السهو مؤخر إلى آخر الصلاة، ولولا أنه يتداخل لأمر به عند السهو، كسجود التلاوة يأتي عند التلاوة. قال الأئمة: "ولا يتعدد سجود السهو إلا في مواضع" قالوا: ونعني بذلك صورة السجود، وإلا فالمعتمد به سجدتان بلا استثناء، فمنها المسبوق إذا سجد مع الإمام لسهوه يعيد في آخر صلاة نفسه على اختلاف يأتي من بعد، والغرض هاهنا الإشارة إلى أنه من المستثنيات، واقتصر على ذكر الأصح، وهو أنه يعيد في آخر صلاة نفسه، ويجوز أن يعلم قوله: (يعيد) بالواو للخلاف الذي يأتي ذكره، ومنها: لو سها الإمام في صلاة الجمعة، فسجدُوا للسهْوِ، ثم تبَيَّن لهم قبل أن يسلموا خروج وقت الظُّهْرِ، فعليهم إتمامها ظهراً، ويعيدون سجود السهو؛ لأن محل السجود في آخر الصلاة، وقد تبين أن الأول لم يقع في آخر الصلاة، وهذا تفريع على ظاهر المذهب، وفي المسألة قول آخر يأتي ذكره في الجمعة أنهم لا يتمونها ظهراً؛ بل يستأنفون، فعلى ذلك القول لا تستمر المسألة، ولا بأس لو أعلمت قوله: (تمموها ظهراً) بالواو؛ لمكان ذلك القول. ومنها لو ظن أنه سها في صلاته فسجد للسهو، ثمَ بَانَ قبل أن يسلم أنه لم يسه، فهل يسجد؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه يسجد؛ لأنه زاد سجدتين سهواً، فيجبر هذا الخلل بالسجود.

стр. 633

والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يسجد؛ لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وهذا كوجوب شاة في أربعين إذا أخرج واحدة تزكي نفسها وغيرها، فإنها من جملة الأربعين، فهذه الصور الثلاث هي المذكورة في الكتاب. وقوله: (وإنما يتعدد سجود السهو) يشعر بالحصر فيها، ولكن وراءها صوراً أخرى منها: لو شرع المسافر في الصلاة بنية القصر فسها وسجد للسهو، ثم نوى الإتمام قبل أن يسلم، أو صار مقيماً بانتهاء السفينة إلى دار الإقامة يجب عليه أن يتم الصلاة ويعيد السجود في آخر صلاته؛ لأن محله آخر الصلاة. ومنها: لو سجد للسَّهو، ثم سَهَا قبل أن يسلم بكلام، أو غيره هل يسجد للسهو؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابن القاص: نعم؛ لأنه وإن جبر ما قبله وما فيه فلا يجبر ما يقع بعده. وأصحهما: لا يسجد، كما لو تكلم في سجود السهو أو سلم بينهما. والمعنى فيه أنه لا يؤمن من وقوع مثله في السجود ثانياً أو بعده فيتسلسل، ولو سجد للسهو ثلاثاً سهواً لا يسجد لهذا السَّهْوِ، وكذلك لو شك في "أنه سجد للسهو سجدة، أو سجدتين فأخذ بالأقل، وسجد أخرى كما أمرناه به، ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين لا يسجد ثانياً للمعنى الذي ذكرناه، وعبروا عن هذا الوجه بالأصح وعن الأصح في الثالثة من صور الكتاب بأن قالوا: السهو في سجود السهو لا يقتضي السجود، والسهو بسجود السهو يقتضي السجود. ومنها لو ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثمَ بَانَ له قبل أن يسلم أن سهوه شيء آخر. هل يسجد ثانياً؟ فيه جوابان للقاضي الحسين: أحدهما: نعم؛ لأنه قصد بالأول جبر ما لا حاجة إلى جبره وبقي الخلل بحاله. وأظهرهما: لا؛ لأنه قصد جبر الخلل، وأنه يجبر كل خلل. قال الغزالي: الثَّالِثَةُ إِذَا سَهَا المَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ بَلِ الإِمَامُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ وَالْجَهْرَ وَالْقِرَاءَةَ عَنِ المَسْبُوقِ وَالتَّشَهُّدَ الأَوَّلَ عَنِ المَسْبُوقِ بِرَكْعَة، وَلَو سَهَا بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الإِمَامَ سَلَّمَ فَقَامَ لِيَتَدَارَكَ ثُمَّ جَلَسَ قَبْلَ سلاَمِ الإِمَامِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ سَهْوٌ وَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإمَامُ فَلْيَتَدَارَكِ الآنَ، وَإن تَذَكرَ فِي القِيَامِ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَلْيَرْجِع إِلَى الْقُعُودِ أَوْ

стр. 634

لِيَنْتَظِر قَائِماً سَلاَمَهُ ثُمَّ لْيَشْتَغِلْ بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ بَعْدَهُ. قال الرافعي: إذا سها المأموم خلف الإمام لم يسجد، ويتحمل الإمام سهوه؛ لما روى أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإمَامِ سَهْوٌ، وَإِنْ سَهَا الْإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ" (١). ولحديث معاوية بن الحكم الذي رويناه في فصل الكلام، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ خَلْفَهُ" (٢). وشبه في الكتاب تحمله سهو المأموم بأمور أخر يتحملها. أحدها: سجود التلاوة؛ فإن المأموم لو قرأ آية سجدة لا يسجد على ما سيأتي. والثاني: دعاء القنوت على ما سبق. والثالث: الجهر، فإن المأموم لا يجهر في الصلاة الجهرية ولو كان منفرداً لجهر، ويجوز أن يعلم هذا بالحاء، لأن عند أبي حنيفة لا يجهر المنفرد، وإذا كان كذلك فلا معنى للتحمل. والرابع: القراءة يتحملها عن المسبوق الذي أدركه في الركوع، وكذلك يتحمل عنه اللبث في القيام، لا يتحمل عنه أصل القيام فإنه لا بد له من إيقاع التكبيرة في حد القيام. والخامس: التشهد الأول يتحمله عن المسبوق الذي لحقه في الركعة الثانية، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد الأول يتابعه، وهو غير محسوب للمسبوق من صلاته، وموضع تشهده الأول آخر الركعة الثالثة للإمام وهو لا يقعد فيه، بل يقوم مع الإمام، فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب. ومنها: القنوت في صلاة الصبح إذا لحق المسبوق في الركعة الثانية، على ما ذكرنا في التشهد الأول (٣). ومنها قراءة السورة على التفصيل المتقدم. ومنها قراءة الفاتحة في الجهرية على القول القديم. ولو سها المأموم بعد سلام الإمام لم يتحمله الإمام، لانقطاع رابطة الاقتداء، وذلك في المسبوق إذا سها فيما يتفرد بتداركه، وكذلك المأموم الموافق لو تكلم ساهياً

стр. 635

عقيب سلام الإمام والمنفرد إذا سها في صلاته، ثم دخل في جماعة وجوزنا ذلك على ما سيأتي، فلا يتحمل الإمام سهوه ذلك، ولو ظن المأموم أن الإمام قد سلم فسلم، ثم بان له أنه لم يسلم بعد فيسلم معه، ولا سجود عليه فإنه سهو في حالة الاقتداء، ولو تيقن في التشهد أنه ترك الفاتحة أو الركوع من ركعة سهواً فإذا سلم الإمام فعليه أن يقوم إلى ركعة أخرى، ثم لا يسجد للسهو؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، ولو سلم الإمام فسلم المسبوق سهواً، ثم تذكر بني على صلاته وسجد للسهو؛ لأن سلامَهُ وقع بعد انفراده، ولو ظن المسبوق أن الإمام سلم بأن سمع صوتاً خَيَّلَ إليه ذلك، فقام ليتدارك ما عليه وكان ما عليه ركعة مثلاً فأتى بها، وجلس ثم علم أن الإمام بعد لم يسلم وأن ظنه كان خطأ فهذه الركعة غير معتد بها؛ لأنها مفعولة في غير موضعها، فإن وقت التدارك ما بعد انقطاع القدوة إما لخروج الإمام عن الصلاة أو لقطع المأموم القدوة حيث يجوز ذلك ولم يوجد واحد من الأمرين، وإنما ظن زوال القدوة فتبين خلافه، فإذا سلم الإمام يقوم إلى التدارك، ثم لا يسجد للركعة التي سها بها لبقاء حكم القدوة، وهذه المسألة منقولة عن نص الشافعي ﵁، والعبارة عنها في الكتاب تحتاج إلى إضمارات، فقوله: (ولو ظن أن الإمام سلم) يعني المسبوق، وقوله: (فقام ليتدارك ثم جلس ...) إلى آخره أي وتدارك ثم جلس قبل سلام الإمام، وعلم أن الإمام لم يسلم بعد، وكل ما جاء به سهو، ولو كانت المسألة بحالها فسلم الإمام وهو قائم، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته، أم يجب عليه أن يعود إلى القعود ثم يقوم؟ حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه وجهين، إن جوزنا المضي فلا بد من استئناف القراءة، وفرعوا على الوجهين ما لو سلم الإمام في قيامه، لكنه لم ينتبه لذلك حتى أتم الركعة، إن جوزنا المضي فركعته محسوبة، ولا يسجد للسهو، وإن قلنا: عليه القعود، لم يحسب ويسجد للسهو لزيادته في الصلاة بعد تسليم الإمام، ولو كانت المسألة بحالها وتبين له في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقد خيره في الكتاب بين أن يرجع إلى القعود، وبين أن ينتظر قائماً سلام الإمام وذكر إمام الحرمين -قدس الله روحه- في هذه المسألة أنه إن آثر أن يرجع، وهو الوجه، وإن بدا له أن يتمادى ويقصد الانفراد قبل أن يتحلل الإمام، فهو مبنى على أن المقتدي إذا أراد الانفراد ببقية الصلاة، وقطع القدوة، هل له ذلك؟ إن منعناه تعين عليه الرجوع، وإن جوزنا الانفراد فوجهان: أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به فليرجع ثم ليقطع القدوة إن شاء. والثاني: لا يجب؛ لأن الانتهاض ليس مقصوداً لعينه، وإنما المقصود نفس القيام، وما بعده فصار كما لو قصد عنه أبتداء النهوض إذا عرفت ذلك فالمفروض في المسألة إذا لم يرجع إلى القعود حالتان:

стр. 636

أحدهما: أن يقطع القدوة. والثانية: أن لا يقطعها؛ بل ينتظر قائماً إلى أن يسلم الإمام، والذي نقلناه عن الإمام كلام في الحالة الأولى، وفيه ما يقتضي وجوب الرجوع في الحالة الثَّانية، وامتناع الانتظار، وما في الكتاب كلام في الحالة الثانية؛ لأنه إذا قطع القدوة، وجوزناه فلا ينتظر سلام الإمام، بل يشتغل بتدارك ما عليه، وليس تجويز الانتظار قائماً إلى سلام الإمام صافياً عن الإشكال لما فيه من المخالفة الظاهرة بخلاف سبقه الإمام بركن، فإن المسبق اليسير إلى ما سينتهي الإمام إليه لا يعد مخالفة محضة، وبتقدير أن يكون قيام المسبوق كالسبق بركن، فقد ذكرنا من قبل وجهين فيما إذا غلط المأموم فسبق الإمام بركن هل يجب عليه العود أم يجوز له أن ينتظر فيه؟ فليكن قوله: (ولينتظر قائماً) معلماً بالواو، وعلى كل حال فلو كان قد قرأ قبل تبين الحال لم يعتد بقراءته، بل عليه الاستئناف فلذلك قال: (ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة بعده). قال الغزالي: الرَّابِعَةُ يَسْجُدُ المَأْمُومُ مَعَ الإمَامِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِهِ (ح) فَإِنْ تَرَكَ الإِمَامُ سَجَدَ المَأْمُومُ عَلَى النَّصِّ لِأَجْلِ سَهْو (ز) الإِمَامِ، وَلَوْ سَجَدَ المَسْبُوقُ مَعَ الإِمَامِ، فَهَلْ يُعِيدُ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ يَلْتَفِتَانِ إِلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ أَوْ لِمُتَابَعَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ سَجَدَ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ، وَسَهْوُ الإِمَامِ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ يَلْحَقُة عَلَى الأَظْهَرِ كَمَا بَعْدَ اقْتدَائِهِ. قال الرافعي: إذا سها الإمام في صلاته لحق سهوه المأموم، لما روي في الخبر الذي تقدَّم، وإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، ولأنه لما تحمل سهو المأموم لزمه سهو نفسه، ويستثني صورتان: إحداهما: أن يتبين له كون الإمام جنباً، فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل هو عن المأموم أيضاً. والثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام، ويتيقن أنه مخطئ في ظنه، كما إذا ظن ترك بعض الأبعاض، والمأموم يعلم أنه لم يترك فلا يوافق الإمام إذا سجد. إذا ثبت هذا الأصل، فينظر إن سجد الإمام وافقه المأموم فيه، ولو تركه عمداً بطلت صلاته، قال ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ" (١)، وسواء عرف المأموم سهوه أو لم يعرفه، فإذا سجد سجدتين في آخر صلاته، وجب على المأموم متابعته؛ حملاً على

стр. 637

أنه سها وإن لم يطلع على سهوه، بخلاف ما لو قام إلى ركعة خامسة لا يتابعه حملاً على أنه ترك ركناً من ركعة؛ لأنه وإن تحقق الحال ثم لم يكن له متابعته لإتمامه الصلاة يقيناً (١). ولو لم يسجد إلا سجدة واحدة سجد المأموم أخرى حملاً على أنه نسي، وإن ترك الإمام السجود لسهوه وسلم، فهل يسجد المأموم؟ نص الشافعي ﵁ على أنه يسجد؛ لأن صلاة المأموم كملت بسبب اقتداءه بالإمام، فإذا تطرق نقص إلى صلاة الإمام، تعدى إلى صلاة المأموم وخرج بعض أصحابنا على أصول الشافعي-﵁، منهم أبو حفص ابن الوكيل: أنه لا يسجد؛ بل يتابعه في السلام، كما لو ترك الإمام التشهد الأول، أو سجود التلاوة، لا ينفرد المأموم بهما وبهذا قال أبو حنيفة ﵀، وكذلك أحمد ﵀ في إحدى الروايتين والمزني، وقد أشار في "المختصر" إلى تخريجه على أصل الشافعي ﵁؛ لأنه ينفرد به مذهباً، وظاهر المذهب هو الأول، وأجابوا عن التشهد الأول وسجدة التلاوة بأنهما يقعان في خلال الصلاة، فلو انفرد بهما لخالف الإمام، وهاهنا سجود السهو يقع بعد سَلاَمِ الإمام وخروجه من الصَّلاة. قال في "النهاية": وعبر عن هذا الخلاف؛ بأن المقتدي يسجد لسهو الإمام أو لمتابعته، إن قلنا: لسهوه يسجد، وإن لم يسجد الإمام، وإن قلنا: لمتابعته فلا، ولو سلم الإمام ثم عاد إلى السجود نظر إن سلم المأموم معه ناسياً يوافقه في السجود، فلو لم يفعل هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان مبنيان على أن من سلم ناسياً قبل السجود ثم عاد إلى السجود هل يعود إلى حكم صلاته أم لا؟ وسيأتي ذلك، وإن سلم المأموم عمداً مع ذكر السَّهْوِ فلا يلزمه متابعته، وإن لم يسلم المأموم وعاد الإمام ليسجد فإن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو لم يتابعه؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسُّجُود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم فأصح الوجهين أنه لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفرداً. والثاني: أنه يلزمه متابعته، وتبطل صلاته لو لم يفعل، ولو سبق الإمام حدث بعد ما سها أتم المأموم صلاته، وسجد لذلك السهو، تفريغاً على ظاهر المذهب (٢) وإن كان الإمام حَنَفِيًّا فسلم قبل أن يسجد للسَّهْوِ لم يسلم معه المأموم بل يسجد قبل السلام ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بسلامه، وهذا تفريع على أن اقتداء الشافعي بالحنفي

стр. 638

جائز وسيأتي، ولو كان المأموم مسبوقاً وسها الإمام بعد ما لحقه وسجد في آخر صلاته فيجب على المسبوق أن يسجد معه رعاية للمتابعة، كما يوافقه في سائر الأفعال التي لا تحتسب له، ويدل عليه قوله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (١). وحكى الصَّيْدَلاَنِيُّ عن بعض أصحابنا أنه لا يسجد معه؛ لأن موضع سجود السَّهْوِ آخر الصلاة، والصَّحِيحُ المنصوص هو الأول، وعليه فرع في الكتاب قوله: (ولو سجد المسبوق مع الإمام فهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟) فيه قولان: أصحهما: نعم؛ لأن سهو الإمام اقتضى خللاً في صلاته فيحتاج إلى جبره بالسجود ومحل الجبر بالسجود آخر الصلاة وما أتى به كان لمتابعة الإمام. والثاني: لا وهو اختيار المزني ﵀؛ لأنه إنما يسجد لمتابعة الإمام؛ وإلا فليس من جهته سهو وقد ارتفعت المتابعة بسلام الإمام، فهذا إذا ما سجد الإمام وسجد المسبوق معه، فإما إذا لم يسجد الإمام فلا شك في أن المسبوق لا يسجد في آخر صلاة الإمام إذ لا متابعة، وليس هو محل السجود بالإضافة إلى المسبوق، وهل يسجد في آخر صلاة نفسه؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في المأموم الموافق هل يسجد إذا لم يسجد الإمام فليكن قوله: (سجد في آخر صلاة نفسه) معلماً بالحاء والألف والزاي أيضاً، وكل هذا في سهو الإمام بعد اقتدائه، فإما إذا سها قبل اقتداء المسبوق به فهل يلحقه حكمه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنه لم يكن بينهما رابطة الاقتداء (٢) حينئذ كما لو في تداركه بعد سلام الإمام لا يتحمله الإمام، فعلى هذا قال في "النهاية" إن لم يسجد الإمام فلا يسجد هو أصلاً، وإن سجد فالظَّاهِرُ أنه لا يسجد معه. وقال بعضهم: يسجد متابعةً لكن لا يسجد في آخر صلاته. والوجه الثاني -وهو الأظهر-: أنه يلحقه حكمه؛ لأنه دخل في صلاة ناقصة، فعلى هذا إن سجد الإمام سجد معه، وهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟ (٣) فيه القولان، وإن لم يسجد الإمام سجد هو في آخر صلاته على النص، وإذا قلنا: إن المسبوق يعيد السجود في آخر صلاته فلو اقتدى بالمسبوق بعد ما أنفرد مسبوق آخر وبذلك المسبوق بعد ما انفرد مسبوق ثالث، فكل واحد منهم يسجد لمتابعة إمامه ثم يسجد في آخر

стр. 639

صلاة نفسه، ولو سها المسبوق في تداركه فإن قلنا لا يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فليسجد لسهوه سجدتين، وإن قلنا: يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فكم يسجد؟ فيه وجهان: أحدهما: أربع سجدات لتغاير الجهتين. وأصحهما: سجدتان كما لو سها سهوين، ولو انفرد المصلي بركعة من صلاة رباعية وسها فيها ثم اقتدى بِمُسَافرٍ وجوزنا الاقتداء في أثناء الصَّلاَةِ وسَهَا إمامُه ثم قام إلى ركعته الرابعة وسها فيها فكم يسجد في آخر صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: سجدتان. والثاني: أربع نظراً إلى سهوه في حالتي الجماعة والانفراد. والثالث: ستٌ باعتبار الأحوال، فإن كان قد سجد الإمام فلا بُدَّ وأن يسجد معه، ويكون قد أتى على الوجه الثالث بثمان سجدات، وكذا المسبوق بركعة إذا اَقتدى بمسافرٍ وسَهَا الإمام وسجد، وسجد معه المسبوق ثم صار الإمام مقيماً قبل أن يسلم فأتم وأعاد سجود السَّهْوِ وأعاد معه المسبوق ثم قام إلى الركعة الرابعة وسها فيها؛ وقلنا: إنه يسجد أربع سجدات فقد أتى بثمان سَجَدَاتٍ، فإن سَهَا بعدها بكلام ونحوه وفَرَّعْنَا على قول صاحب "التلخيص" صارت السَّجَدات عَشْراً، وقد يزيد عدد السجود على هذا تفريعاً على الوجوه الضعيفة (١). قال الغزالي: أَمَّا مَحَلُّ السُّجُودِ وَكيْفِيَّتُهُ فَهُمَا سَجْدَتَانِ (ح م) قَبْلَ السَّلاَمِ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَامِداً قَبْلَ السُّجُودِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ نَاسِياً (٢) فَطَالَ الزَّمَانُ فَقَدْ فَاتَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ عَلَى القُرْبِ فَإِنْ عَنَّ لَهُ أَنْ لاَ يَسْجُدَ فَقَدْ جَرَى السَّلاَمُ مُحَلَّلاً، وإنْ عَنَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَادَ إلَى الصَّلاَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَبَانَ أَنَّ السَّلاَمَ لَمْ يَكُنْ مُحَلَّلاً. قال الرافعي: ذكرنا أن الكلام في سجود السهو يقع في قسمين: أحدهما: في مقتضيه وقد تم.

стр. 640

والثاني: في محله وكيفيته، وهما سجدتان بينهما جلسة يُسَنَّ في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورَّك، وكتب الأصحاب سَاكِتَةٌ عن الذكرِ فيهما، وذلك يُشْعِرُ بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كَسَائِرِ ما سكتوا عنه من واجبات السّجود ومحبوباته، وسمعت بعض الأئمة يحكي أنه يستحب أن يقول فيهما: "سُبْحَانَ مَنْ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَسْهُو" (١) وهو لائق بالحال (٢). وفي محلهما ثلاثة أقوال: أصحها: أنه قبل السلام. روي عن عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرِ فَقَامَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأُوَلَتَيْنِ لَم يَجلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ" (٣)، ولحديث أبي سعيد وعبد الرَّحْمن ﵄ المذكورين في الشَّكِّ في عدد الركعات. والثاني: وبه قال مالك والمزني -رحمهما الله-: أنه إن سَهَا بزيادَةِ فِعْلٍ سَجَدَ بعد السَّلاَمِ، وإن كان بنقصان سجد قبل السَّلاَم، أما أنه يسجد في الزيادة بعد السلام فلقصة ذي اليدين فإن النبي ﷺ : "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ وَمَشِيَ فَلَمَّا بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ". وأما أنه يسجد في النقصان قبل السلام فلحديث عبد الله ابن بحينة. والثالث: أنه مخير إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لثبوت الأمرين عن رسول الله ﷺ ، وهذان القولان الأخيران منقولان عن القديم، والأول هو الجديد الصحيح، وقد نقل عن الزُّهْري: "أَنَّ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْسُّجُودُ قَبْلَ السَّلاَمِ" (٤). ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب وحكى القاضي ابْنُ

стр. 641

كِجَّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ طريقة أخرى أنه ما الأفضل، وفي قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، ففي قول: هما سواء. وقال أبو حنيفة: السجود بعد السلام بكل حال، واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه مثل القول الثاني، وروي مثل القول الأول، وروي أنه قبل السلام إلا في موضعين: أحدهما: أن يسلم ساهياً وقد بقي عليه شيء من صلاته كالركعة ونحوها. والثاني: أن يكون إماماً ويشك في عدد صلاته ويتحرى على أحد الروايتين لهم فإنه يسجد بعد السلام. والرواية الثالثة: أظهر عند أصحابه. وقد عرفت من هذه الاختلافات الحاجة إلى إعلام قوله: (قبل السلام) بالحاء والميم والألف والزَّاي. التفريع إن قلنا يسجد قبل السَّلاَم، فلو سلم قبل أن يسجد لم يخل: إما أن يسلم عامداً ذاكراً للسهو أو يسلم ناسياً، فإن سلم عامداً ففيه وجهان: أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه فوت السجود على نفسه؛ لأن محل السجود قبل السَّلاَمِ وقد قطع الصَّلاةَ بالسلام. والثاني: أنه كما لو سلم ناسياً إن طال الفَصْلُ ولم يسجد وإلا سجد كالنوافل التي تقضي لا فرق فيها بين العمد [والنسيان] (١) ولا خلاف في أنه وإن سجد لا يكون عائداً إلى الصَّلاة بخلاف ما لو سلم ناسياً وسجد ففيه خلاف سيأتي، فإن سلم ناسياً فينظر إن طال الزمان ففيه قولان: "الجديد": وهو الذي ذكره في الكتاب؛ أنه لا يسجد؛ لفوات محله وتعذر البناء بطول الفصل كما لو ترك ركناً وتذكر بعد طول الفصل لا يبنى. "والقديم": أنه يسجد؛ لأنه جبرانُ عِبَادَةٍ فيجوز أن يتراخى عنها كجبرانات الحَجِّ. وعن مالك: أنه إذا ترك السجود ناسياً سجد متى تذكر ولو كان بعد شهر، ولهذا أعلم قوله: (فقد فات) بالميم مع القاف، وإن لم يطل الزمان بل تذكر على القرب فإن بدا له أن لا يسجد فذاك، والصلاة ماضية على الصِّحَّةِ وحصل التحلل بالسلام؛ لأنه لما لم يكن له رغبة في السجود عرفنا أنه وإن لم يعتره نسيان لكان يسلم ولا يسجد.

стр. 642

وقال في "النهاية": ورأيت في أدراج كلام الأئمة تردداً في ذلك، والظاهر أنه إذا أراد أن يسجد، قلنا: له سَلِّمْ مرة أخرى؛ لأن ذلك السلام غير معتد به، فإنك لو أردت أن تسجد لحكمنا بأنك في الصلاة، وهذا يوجب أن يكون قوله: (فقد جرى السلام محللاً) معلماً بالواو، وإن أراد أن يسجد فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين: أحدهما: لا يسجد؛ لأن السلام ركن جرى في محله، والسجود يجوز تركه قصداً، فلو قلنا: يسجد لاحتجنا إلى إخراج السلام عن الاعتداد به، فإنا نفرع على أن محل السجود قبل السلام، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا الوجه مال الإمام وصاحب الكتاب في "الفتاوى". والثاني: أنه يسجد، وبه قطع الجمهور، ونَصَّ عليه الشافعي ﵁ لأن النبي ﷺ : "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَلَّمَ، فَقِيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ"، وإذا قلنا: إنه يسجد هاهنا -وهو الصحيح- أو قلنا: يسجد إذا طال الفصل تفريعاً على القديم فقد اختلفوا في أنه هل يعود إلى حكم الصلاة على وجهين: أحدهما: لا؛ لأن التحلل قد حصل بالسَّلام بدليل أنه لا يجب إعادة السلام والعود إلى الصلاة، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب". والثاني: أنه يعود إلى حُكْم الصَّلاَةِ، وبه قال أبو زيد، وذكر القفال أنه الصحيح، وتابعهما إمام الحرمين، والمصنف قطع في "الفتاوى" بذلك إذا قلنا: إنه يسجد، وهكذا ذكر القاضي الروياني وغيره، ووجهه أنه سلم ناسياً لسهوه ولو كان ذاكراً لما سلم لرغبته في السجود، وعلمه بأن محل السجود قبل السَّلام؛ فالنسيان يخرجه عن كونه محللاً كما يخرجه عن كونه محللاً إذا سلم ناسياً لركن ثم تذكر، ويتفرع على الوجهين مسائل: منها: لو تكلم عامداً، أو أحدث في السجود بطلت صلاته على الوجه الثاني؛ وعلى الأول لا تبطل. ومنها: لو كان السَّهْوُ في صَلاَة جُمعَةٍ وخرج وقت الظهر في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني، وعلى الأول: لا. ومنها: لو كان مسافراً يقصر ونوى الإتمام في السجود لزمه الإتمام على الثاني، وعلى الأول: لا. ومنها: هل يكبِّر للافتتاح؟ وهل يتشهد؟ (١) إن قلنا بالوجه الثاني فلا يفعل ذلك،

стр. 643

وإن قلنا: بالأول يكبر (١)، وفي التشهد وجهان: أصحهما: أنه لا يتشهد، قال في "التهذيب": والصحيح أنه يسلم سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، بقي هاهنا كلامان: أحدهما: البحث عن حد (٢) طول الزمان، وفيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا ترك ركناً ناسياً ثم تذكر بعد السلام أو شك فيه، والأصح الرجوع إلى العرف والعادة، وحاول إمام الحرمين ضبط العرف فقال: إذا مضى من الزمان قدر يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود قصداً أو نسياناً فهذا فصل طويل، وإلا فليس ذلك بفصل. قال: وهذا إذا لم يفارق المجلس فإن فارق ثم تذكر على قرب من الزمان فهذا محتمل عندي؛ لأن الزمان قريب لكن إذا نظرنا إلى العرف فمفارقة المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود كطول الزمن، قال: ولو سلم وأحدث ثم انغمس في ماء على قرب الزمان فالظاهر أن الحدث فاصل وإن لم يطل الزمان. واعلم: أنه قد نقل قول عن الشافعي ﵁ أن الاعتبار بالمجلس فإن لم يفارقه سجد وإن طال الزمان، وإن فارقه لم يسجد وإن قرب الزمان، لكن الذي اعتمده الأصحاب الرجوع إلى العرف كما سبق وقالوا: لا تضر مفارقة المجلس واستدبار القبلة -والله أعلم-. والثاني: أن لفظ الكتاب في المسألة وهو قوله: (وإن عن له أن يسجد عاد إلى الصلاة على أحد الوجهين) يمكن حمله على طريقة الجمهور بأن يقال: إنه يسجد ثم في عوده إلى الصلاة الوجهان، ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد نقل الوجهين في أنه هل يسجد جرياً على طريقة الإمام كما قدمناها؟ إن قلنا: يسجد فهو عائد إلى الصَّلاَةِ وإلاَّ فَلاَ، وقد صرح بذلك في "الوسيط" وغيره هذا كله تفريع على قولنا إن السجود قبل

стр. 644

السلام، أما إذا قلنا: إنه بعد السلام إما في السَّهْوِ بالزيادة أو على الإطلاق فينبغي أن يسجد على القرب، فإن طال الفصل عاد الخلاف، وإذا سجد فلا يحكم بالعود إلى الصلاة جَزْماً. وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يعود إليها، وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويتحلل؟ قال في "النهاية": الحكم فيها كحكمها في سجدة التِّلاَوَةِ وسيأتي ذلك، ثم إذا رأينا التشهد فالمشهور أنه يتشهد بعهد السجدتين كما في سجود التِّلاوة يَتَشَهَّد بعده وعن الأستاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفِرَايِينِي (١) -رحمة الله عليه-: أنه يتشهد قبل السجدتين ليليهما السلام، وحكى الحناطي -رحمة الله عليه- على هذين المذهبين قولين، وروي في "البيان" الوجهين في التفريع على القول الأول إذا قلنا: إنه يتشهد (٢). قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ: سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ في أَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةَ (م و)

стр. 645

وَلاَ سَجْدَةَ فِي ص (ح م)، وَفِي الحَجِّ سَجْدَتَانِ (م) ثُمَّ هِيَ عَلَى القَارِئ وَالمُسْتَمِع جَمِيعاً، فَإِنْ سَجَدَ القَارِئُ تَأكَّدَ الاسْتِحْبَابُ عَلَى المُسْتَمِعِ، وإِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ إنْ سَجَدَ إِمَامُهُ، وَلاَ يَسْجُدُ (ح) لِقَرَاءَةِ غيْرِ الإِمَامِ، وَمَنْ قَرَأَ آيَةً فِي مَجْلِسٍ مَرَّتَيْنِ هَلْ تُشْرَعُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. القول في سجود التلاوة قال الرافعىِ: الفصل يشتمل على مسائل: إحداها: سُجُودُ التِّلاَوَةِ سُنَّة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها. لنا: ما روي عن زيد بن ثابت ﵁ "أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سُورَةَ النَّجْم فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا وَلاَ أَمَرَهُ بالسُّجُودِ" (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ "أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَةَ السَّجْدَةِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الأُخْرَى قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رسْلُكِمْ إِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" (٢). الثانية: في عدد آيات السجدة قولان: "الجديد": أنها أربع عشرة آية، وفي القديم أسقط سجدات المفصل وردها إلى إحدى عشرة؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ (٣) واحتج في الجديد بما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٤) " وكان إسلام أبي هريرة ﵁ بعد الهجرة بسنين فرأى إثباته أَولى من النفي. وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يوافق الجديد في العدد ومالك القديم إلا أنهما أثبتا سجدة لا نعدها ونفيا بدلها أخرى نحن نثبتها، أما الأولى فسجدة "ص" عندنا ليست من عزائم السجود، وإنما هي سجدة شكر خلافاً لهما.

стр. 646

لنا: ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "سَجَدَ فِي (ص) (١) وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاودٌ تَوْبَةٌ وَسَجَدْتُهَا شُكْرًا" (٢). أي: على النعمة التي أتاها الله تعالى داود وهي قبول توبته. وعن ابن مسعود ﵁: أنَّهُ كانَ لاَ يَسْجُدُ فِي (ص)، إذا ثبت هذا فلو سجد فيها خارج الصلاة فهو حسن (٣)، ولو سجد في الصلاة جاهلاً أو ناسياً لم يضر وإن كان عالماً فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن كج: لا تبطل طلاته؛ لأن سببه التلاوة. وأصحهما: تبطل كسجود الشكر، ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه المأموم فيها بل يفارقه أو ينتظره قائماً، وإذا انتظره قائماً هل يسجد للسَّهْوِ؟ فيه وجهان (٤): وأما الثاني: ففي الحج عندنا سجدتان خلافاً لهما في الثانية. لنا: ما روي عن عقبة بن عامر ﵁ قال: "قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتيْنِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا" (٥)، وسار ابن سريج إلى إثبات سجدة "ص" والثانية في الحج معاً وجعل آيات السجود خمس عشرة. لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ "أقَرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصِّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ" (٦) وعن أحمد روايتان. إحداهما: مثل مذهب ابن سريج. وأصحهما: مثل القول الجديد، وإذا وقفت على هذه الاختلافات علمت قوله:

стр. 647

"وهي مستحبة" بالحاء، وقوله في "أربع عشرة آية" بالواو للقول القديم ولمذهب ابن سريج، وقوله: "ولا سجدة في ص" بالميم والحاء والألف والواو، وقوله: "في الحج سجدتان" بالميم والحاء، ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم" السجدة ففي موضع السجود فيها وجهان: أحدهما: أنه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) ويروى هذا عن أبي حنيفة وأحمد. وأصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، لأن عنده يتم الكلام. الثالثة: كما يسن السجود للقارئ يسن للمستمع إليه. لما: روي عن ابن عمر ﵄ "قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ". ولا فرق بين أن يكون القارئ في الصلاة أو لا يكون كذلك، ذكره في "التهذيب" وبه قال أبو حنيفة، وحكى في "البيان" أنه لا يسجد المستمع بقراءة من في الصلاة وأقام هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة والأول أظهر وأوفق لإطلاق لفظ الكتاب، وكذلك ظاهر اللفظ يشتمل قراءة الصبي والمحدث (٢) والكافر ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم وبه قال أبو حنيفة. وقال في "البيان" لا اعتبار بقراءتهم خلافاً له، وأما الذي لا يستمع قصداً ولكنه سمع ما رأى فقد حكي عن "مختصر البويطي" أن الشافعي ﵁ قال: لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع وإن سجد فحسن. وعند أبي حنيفة: لا فرق بينه وبين المستمع والقارئ، ونقل مثله عن بعض أصحابنا لكنه يقول باللزوم ونحن بالاستحباب. ودليل الفرق ما روي عن عثمان ﵁ "أَنَّهُ مَرَّ بِقَاص فَقرَأَ آيَةِ السَّجْدَةِ ليَسْجُدَ عُثْمَانُ ﵁ مَعَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ وَقَالَ: مَا اسْتَمَعْنَا لَهَا" (٣) وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: "السَّجْدَةُ لِمَنْ جَلَسَ لَهَا" (٤). وذكر في "النهاية" أن السامع لا يسجد؛ لأنه لم يقرأ ولا قصد الاستماع، فلو

стр. 648

سجد لكانت سجدته منقطعة عن سبب ينشئه (١) فحصل في السامع ثلاثة أوجه كما يرى، وإذا سجد القارئ فيكون الاستحباب في حق المستمع آكد وإن كِان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده، هذا ما ذكره أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، وحكاه إمام الحرمين عن نصه في البويطي، ونقل الصيدلاني؛ أنه لا يسن له السجود إلا أن يسجد القارئ، ورجح الإمام هذا الوجه واستشهد عليه بما روي "أَنَّ رَجُلاً قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ ﷺ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: سَجَدْتَ لِقِرَاءَةِ فُلاَنٍ وَلَمْ تَسْجُدْ لِقِرَاءَتِي فَقَالَ: كُنْتَ إِمَامَنَا فَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا" (٢). وحمل الأول (٣) ذلك على تفاوت الاستحباب، وحث الثاني على السجود وهذا في غير الصلاة، أما المصلي فإن كان منفرداً سجد لقراءة نفسه، فلو لم يسجد وركع ثم بدا له أن يسجد لم يجز؛ لأنه اشتغل بالفرض فإن كان قبل بلوغه حد الراكعين فيجوز، ولو هوى بسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز؛ لأنه مسنون فله ألا يتمه كما له أن لا يشرع فيه، وهكذا لو قعد للتشهد الأول وقرأ بعضه ولم يتم جاز، ولو أصغى المنفرد إلى قراءة قارئ في الصلاة أو في غير الصلاة فلا يسجد؛ لأنه ممنوع من الإِصغاء، ولو فعل بطلت صلاته، هذا قضية كلام الأصحاب، وإن كان المصلي في جماعة نظر إن كان إماماً فهو كالمنفرد فيما ذكرنا، ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصَّلاة خلافاً لمالك حيث قال: يكره. ولأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: يكره في السَّرِّيَةِ دون الجَهْرِيَّةِ. لنا ما روي أنه ﷺ "سَجَدَ فِي الظُّهْرِ فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدُوا" (٤). وإذا سجد الإمام سجد المأموم فلو لم يفعل بطلت صلاته، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، ولو فعل بطلت صلاته، ويحسن القضاء إذا فرغ ولا يتأكد، ولو سجد الإمام ولم ينتبه المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لم يسجد، وإن علم وهو بَعْدُ في السجود سجد، وإن كان في الهَوِيِّ ورفع الإِمَام رأسه رجع معه ولم يسجد، وكذا الضعيف الذي أهوى مع الإمام لسجود التلاوة فرفع الإمام رأسه قبل انتهائه إلى الأرض لبطء حركته يرجع معه ولا يسجد، وإن كان المصلي مأموماً لم

стр. 649

يسجد لقراءة نفسه، بل يكره له قراءة آية السجدة، ولا يسجد لقراءة غير الإمام بل يكره له الإصغاء إليها، ولو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غيره بطلت صلاته. وقوله في الكتاب: (هي على القارئ والمستمع) ليس (على) هاهنا للإيجاب، وإنما المراد تأكد الاستحباب وكثيراً ما يتكرر ذلك في كلام الأصحاب في هذه السجدة وسجدة السهو، والمراد ما ذكرنا، وقد يستعملون لفظ الوجوب واللزوم أيضاً. وقوله: (فإن سجد القارئ تأكد الأستحباب على المستمع) إشارة إلى أن أصل الاستحباب ثابت وإن لم يسجد القارئ جواباً على الأظهر المنصوص، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن من قال: لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ لا يقول بتأكد الاستحباب عند عدم سجوده، وإنما يثبته عنده. وقوله: (ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الإمام) هكذا هو في بعض النسخ، وهو عبارة "الوسيط" وعلى هذا فالمراد ولا يسجد المأموم وهو متعلق بقوله: (أو لقراءة إمامه إن سجد إمامه) ولفظ الكتاب على هذا التقدير ساكت عن حكم الإمام، ولا بأس به للعلم بأن الإمام كالمنفرد في هذا الباب وأمثاله، وفي بعض النسخ: "ولا يسجد لقراءة غير الإمام" وطرح ما سواه، وعلى هذا فالمفهوم من سياق الكلام رجوعه إلى المأموم أيضاً، وسبب الطرح أنا إذا قلنا: ولا يسجد لقراءة غير الإمام دخل فيه نفسه أيضاً، وذكر بعضهم أن المصنف أراد: ولا يسجد المصلي لقراءة غير الإمام. واعلم قوله: (ولا يسجد) بالحاء على هذا التأويل؛ لأنا نعني بقولنا: لا يسجد: أنه لا يجوز له السجود ولو فعله بطلت صلاته. وعند أبي حنيفة: لو سجد الإمام والمقتدون لقراءة غيرهم لم تبطل صلاتهم وإن كان لا يجزئهم ذلك، ويسجدون بعد الصلاة، ذكره القدوري وغيره. الرابعة: لو قرأ آيات السجدة في مكان واحدٍ سجد لكل واحدة سجدة، ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد فينظر إن لم يسجد للمرَّة الأولى فيكفيه سجود واحد، وإن سجد للأولى فوجهان: أحدهما: لا يسنجد مرة أخرى، وتكفيه الأولى كما في الصورة السابقة، وبه قال أبو حنيفة وابن سريج. وأظهرهما: أنه يستحب مرة أخرى لتجدد السبب بعد توفية حكم الأول، وفي المسألة وجه ثالث أنه إن طال الفصل سجد مرة أخرى، إلا فتكفيه السجدة الأولى. قال في "العدة" وعليه الفتوى. ولو كرر الآية الواحدة في الصَّلاَةَ فإن كان في الركعة الواحدة فهي كالمجلس

стр. 650

الواحد، وإن كان في ركعتين فيهما كالمجلسين فيعيد السجود، ذكره الصيدلاني وغيره. ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارج الصلاة في المجلس الواحد وسجد في الأولى فهذا لم أره منصوصاً عليه في كتب الأصحاب وإطلاقها لخلاف التكرار يقتضي طرده هاهنا، وعند أبي حنيفة: إذا سجد خارج الصلاة (١) لقراءة آية ثم أعادها في الصلاة أعاد السجدة ولم تجزه الأولى بخلاف ما لو لم يسجد حتى دخل في الصلاة وأعادها فإنه يسجد وتجزئه عن التِّلاَوَتَيْنِ. واعلم أن في قوله: (هل تشرع السجدة الثانية؟) إشارة إلى أن صورة الوجهين ما إذا كان قد سبق في المَرَّة الأولى، وإلا لم تكن سجدته سجدة ثانية والله أعلم. قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ هذِهِ سَجْدَةٌ فَرْدَةٌ وَإِنْ كانَتْ تَفْتَقِرُ إِلَى سَائرِ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَهَا تَكْبِيرَةُ مَعَ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِنْ كَانَ فِي غَيْر الصَّلاَةِ وَدُونَ الرَّفْعِ إِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، وَقيلَ: يَجِبُ التَّحْرُّمُ وَالتَّحَللُ وَالتَّشَهُّدُ، وَقِيلَ يَجِبُ التَّحَرمُ وَالتَّحَلُّلُ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ إِلاَّ التَّحَرُّمُ. قال الرافعي: الكلام في كيفية سجود التلاوة، وشرائطه، ولا خلاف في افتقاره إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها كما في الصلاة. وأما الكيفية فهو: إما أن يكون في الصلاة أو خارج الصَّلاة، فإن كان خارج الصَّلاة فينوي ويكبر للافتتاح لما روي أنه ﷺ "كَانَ إِذَا مَرَّ فِي قِرَاءَتِه بِالسُّجُودِ كَبَّرَ وَسَجَدَ" ويرفع يديه حذو منكبيه في هذه التكبيرة كما يفعل ذلك في تكبيرة الافتتاح في الصلاة، ثم يكبر تكبيرة أخرى لِلْهَوِيِّ من غير رفع اليدين كما في الْهَوِيِّ إلى السُّجُودِ الذي هو من صُلْبِ الصلاة ثم تكبير الهوي مستحب وليس بشرط، وفي تكبير الافتتاح وجهان: أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد واختاره صاحب الكتاب أنه مستحب أيضاً وليس بشرط. والثاني: أنه شرط وهو قضية كلام الأكثرين فإنهم أطبقوا على الاحتجاج لأحد القولين في السلام بأن السجود يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وسيأتي ذلك، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره عن أبي جعفر الترمذي من أصحابنا: أنه لا يكبر تكبيرة

стр. 651

الافتتاح لا وجوباً ولا استحباباً؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراد حتى يكون له تحرم، والمستحب أن يقوم ويكبر وينوي قائماً ثم يهوي من قيام، وروي ذلك عن فعل الشيخ أبي محمد وعن القاضي الحسين وغيرهما (١). ويستحب أن يقول في سجوده "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "كَانَ يَقُولُ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" (٢) ويستحب أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْراً وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ"؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ "قَالَ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" (٣). ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز. ثم يرفع رأسه مكبراً كما يرفع عن سجود صُلْب الصَّلاة، وهل يفتقر إلى السَّلام؟ فيه قولان: أحدهما: لا، كما لو سجد في الصَّلاة. وأظهرهما: نعم؛ لأنه يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى التحلل كالصلاة، وعلى هذا هل يفتقر إلى التشهد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة. وأصحهما: لا؛ لأن التشهد في مقابلة القيام، ولا قيام فيه بل القيام أولى بالرعاية بدليل صلاة الجنازة فكما لم يشترط ذلك فأولى أن لا يشترط التشهد، ومن الأصحاب من يجمع بين التشهد والسَّلام وبقول: فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا حاجة إليهما، وهو ظاهر ما نقل عن البويطي. وثانيها: أنه لا بد منهما. وثالثها، -وهو الأظهر- أنه لا بد من السَّلاَم دون التشهد، وبهذا قال ابن سريج

стр. 652

وأبو إسحاق، وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط فهل يستحب؟ ذكر في "النهاية" أن للأصحاب خلافاً فيه هذا كيفية السجود خارج الصلاة، وأما في الصلاة فلا يكبر للافتتاح، ولكن يستحب له التكبير للهوي إلى السجود من غير رفع اليدين، وكذلك يكبر عند رفع الرأس كما يفعل في سجدات الصَّلاَة، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكبر لا عند الهَوِيّ ولا عند رفع الرأس كيلا تشتبه هذه السجدة بسجدات الصلاة، ولا فرق في الذكر بين ما لو سجد في الصلاة أو خارجها، وإذا رفع الرأس يقوم منها ولا يجلس للاستراحة ويسن أن يقرأ شيئاً ثم يركع ولا بد من أن ينتصب ثم يرفع فإن الهَوِيّ من القيام واجب كما تقدم. ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب. قوله: "والصحيح أن هذه سجدة فردة" يريد بالفردة أنها لا تفتقر إلى تحرم وتحلل، ولا يريد أنها واحدة لا كسجدتي السَّهْو لأنه قال: "والصحيح" ولا خلاف في أنها واحدة، وعن أحمد أنه يكبر لِلْهَوِيِّ والرفع ويسلم؛ فإن أراد به الاشتراط فليكن قوله: (فردة) معلماً بالألف. وقوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة) تشتمل على بيان مسألة مقصودة وهي أن شرائط الصلاة مرعِيَّة في سجدة التلاوة، وأشار بالإيراد الذي ذكره إلى أنها وإن كانت كالصَّلاة في اعتبار الشروط لكنها تفارقها في الحاجة إلى التحلل والتحرم على هذا الوجه، ثم الذي يوجد في معظم النسخ وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة، وحذف لفظ (سائر) وكأنه حمله عليه اشتهار لفظ السائر في البعض الباقي من الشيء وشرائط الصلاة بأسرها معتبرة في سجدة التلاوة ولم يجز ذكر البعض حتى يضم الباقي إليه بلفظ السائر إلا أن إطلاق السائر بمعنى الجميع صحيح، قال صاحب "الصحاح": وسائر النَّاس جميعهم فإذا المعنى: وإن كانت تفتقر إلى جميع شرائط الصلاة ولا حاجة إلى الحذف. واعلم أن النية عند صاحب الكتاب معدودة من شرائط الصلاة كما سبق، والتكبير وحده يقع عليه اسم التحريم، والتحريم قال ﷺ : "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ" وإذا كان كذلك فظاهر اللَّفْظِ يَقْتَضِي اشتراط النّية على الوجه الذي عبر عنه بالصحيح وإن لم يشترط التكبير لكنه في "الوسيط" أخرج النية عن الاعتبار في هذا الوجه وعلى هذا فالنية تكون مستثناة عن قوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر الشرائط)، ويكون التحرم مفسراً بالنية والتكبير معاً إذ بهما تشرع في الصلاة. وأما قوله: "ويستحب قبلها تكبيرة ... " إلى آخره فهو تفريع على هذا الوجه الذي

стр. 653

يقول إنها سجدة فردة لا يشترط فيها التكبير ولا غيره، وقوله: (تكبيرة) يُوهِمُ قصر الاستحباب على تكبيرة واحدة، لكنا ذكرنا استحباب تكبيرتين وإن قلنا بعدم الاشتراط إحداهما للافتتاح والأخرى لِلْهَوِيِّ، وهكذا ذكر جمهور الأصحاب فلا يتوهم قصر الاستحباب على واحدة إذا كان يسجد خارج الصَّلاَة، واعلم عند هذا أنه لا يمكن حمل التكبيرة التي جرت في لفظ الكتاب على تكبيرة الافتتاح بخصوصها؛ لأنه لا تكبيرة للافتتاح إذا كان يسجد في الصَّلاَة، وهو قد جعلها شاملة حيث قال: "ودون الرفع إن كان في الصلاة" ولا يمكن حملها على تكبيرة الهَوِيّ بخصوصها؛ لأنه قد استحب الرفع معها، ولا يستحب رفع اليد مع تكبيرة الهَوِيِّ بحَالٍ، الوجه أن يحمل كلامه على تكبيرة مطلقة، ويقال بأن تكبيرة مستحبة في الصَّلاَة وغير الصلاة ثم في غير الصلاة الأهم تكبيرة الافتتاح، ويستحب معها رفع اليدين، وفي الصلاة لا يفرض إلا تكبيرة الهَوِيّ وليس معها رفع اليد، فهذا تنزيل لفظ الكتاب مع التكلف الذي فيه على ما ذكره الجمهور منهم أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وصاحب "التهذيب"، والقاضي الروياني ﵏ وغيرهم، والمفهوم من كلامه هاهنا وفي "الوسيط" أنه ليس إلا تكبيرة واحدة، وهي للتحرم خارج الصلاة، ولِلْهَوِيِّ في الصلاة، وبه يشعر كلام إمام الحرمين -قدس الله روحه- وعلى هذا فليكن قوله: (ويستحب قبلها تكبيرة) معلماً بالواو للوجه الذي تقدم عن الترمذي، وفي "الوسيط" إشارة إليه. وقوله: (مع رفع اليدين) معلم بالحاء، لأن عنده لا يرفع يديه. واعلم قوله: (ودون الرفع إن كان في الصلاة) بالواو؛ لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة. وقال العراقيون: يستحب رفع اليدين؛ لأنه يكبر للتحرم، لكن هذا شيء بدع حكم وعلة ولا يكاد يوجد نقله لغيره، ولا ذكر له في كتبهم. وقوله: "قيل يجب التحرم والتحلل ... " إلى رأس الفرع، هذه الوجوه هي المقابلة للصحيح المذكور أولاً كأنه قال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة واجباتها في صلب الصلاة لا غير. والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد. والثالث: مع التحرم والتحلل لا غيره. والرابع: مع التحرم لا غير وجعل أولها الأصح، وهو متأيد بما حكي عن الشافعي ﵁ أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل كما سبق وهو الوجه الثالث، ثم الخلاف في السلام

стр. 654

قولان عند أكثر الناقلين وفي التشهد [قولان] (١) فقوله: (قيل) في هذا الموضع محمول على القول تارة وعلى الوجه أخرى، وتعجب بعض الشَّارحين من لفظ الوجوب في هذه الوجوه، واستحسن إبداله بالاشتراط والاعتبار؛ لأن أصل السجدة لا تجب فكيف يقول: يجب فيها كذا وكذا، ولا شك أن المراد الاشتراط لكن لا حاجة إلى تغيير اللفظ؛ لأن الوجوب في مثل هذا الموضع معهود بمعنى أن الشيء لا بد منه، يقال الوضوء وستر العورة واجبان في صلاة النفل أي لا بد منهما. قال الغزالي: فَرْعٌ: الأَصَّحُّ أَنَّ هذِهِ السَّجْدَةَ إِذَا فاتَتْ وَطَالَ الفَصْلُ لاَ تُقْضَى، لأِنَّهُ لاَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِسَجْدَةِ ابتِدَاءً كَصَلاَةِ الكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاء بِخِلاَفِ النَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِهَا ابْتِدَاءً. قال الرافعي: سجدة التلاوة ينبغي أن تقع عقيب قراءة الآية أو استماعها، فلو تأخر نظر إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال فلا، وضبط الفرق بين أن يطول الفصل أو لا يطول يؤخذ مما ذكرناه في سجود السهو، ولم يجعل إمام الحرمين لمفارقة المجلس أثراً هاهنا مع التردد في تأثيره في باب سجود السهو كما حكيناه عنه ولا يتضح فرق بينهما. إذا عرفت ذلك فلو فاتت السجدة لطول الفصل هل تقضى؟ ذكر في "النهاية": أن صاحب التقريب حكى فيه قولين وقربهما من الخلاف في أن نوافل الصلاة هل تقضى على ما سيأتي؟ لكن الأصح أن السجدة لا تقضى ولم يذكر الصيدلاني وآخرون سواه؛ لأن النوافل المقضية هي التي تتعلق بالأوقات، أما التي تتعلق بأسباب عارضة كصلاة الخسوف والاستسقاء فلا تقضى والسجود كذلك، ولو كان القارئ والمستمع محدثاً عند التلاوة فإن تطهر على القرب سجد وإلا فالقضاء على الخلاف، [وعن صاحب "التقريب": أنه لو كان يصلي فقرأ قارئ آية السجدة فإذا فرغ هل يقضي؟ فيه هذا الخلاف] (٢). قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ لأن قراءة غير إمامه في الصلاة لا تقضي سجوده وإذا لم يجر ما يقتضي السجود أداء فالقضاء بعيد، وقطع صاحب "المعتمد" وغيره بأنه لا يسجد كما ذكره إمام الحرمين، وجعلوا هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة، وذكر في "التهذيب" أنه يحسن أن يقضي ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة (٣) وكذا إذا

стр. 655

قرأ الإمام ولم يسجد فإذا فرغ المأموم من الصلاة يحسن أن يقضي ولا يتأكد. والله أعلم. وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أنه لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب هل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب": أنه يجوز ذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد ونحوه، والعبادات يتبع فيها الورود، وهذا هو الصحيح عند إمام الحرمين والمصنف وغيرهما، وقوله في الكتاب: (إذا فاتت وطال الفصل) ليس على معنى طول الفصل شيء مضموم إلى الفوات وقيد فيه (وإنما هو سبب الفوات) والمراد إذا فاتت لطول الفصل. وقوله: (لا يقضي) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجب على القارئ المحدث والمستمع القضاء بعد الطهارة، وسلم أن الحائض إذا استمعت لا قضاء عليها، وأن المصلي إذا قرأ السجدة ولم يسجد حتى سلم لا يقضي. وقوله: (لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء) لعلك تقول: لم علل منع القضاء بأنه لا يتقرب بها إلى الله تعالى فاعلم أنه حكي عن صاحب "التقريب" أنه جعل ذلك ضابطاً لما لا يقضي جزماً، ولما يجري الخلاف في قضائه فقال: ما لا يجوز التطوع به ابتداء لا يجوز فرض قضائه كصلاة الخسوف والاستسقاء، وما يجوز التطوع به ابتداء كالنوافل والرواتب ففي قضائه خلاف، ثم إنه جوز التقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كما سبق فأجرى الخلاف في قضائها؛ لذلك إذا عرفت هذا فالمصنف بين أن هذه السجدات لا يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء، ورتب عليه المنع من القضاء

стр. 656

كصلاة الخسوف؛ لأنه لو قضى من غير تلاوة كان المأتي به على صورة سجدة لا سبب لها والأشبه بإيراده إثبات طريقة جازمة بأن هذه السجدات لا تقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف الرواتب في قضائها قولان؛ لأنه يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء ولا يتقرب بهذه، وعلى هذا قوله: (الأصح أن هذه السجدات) أي من الطريقين، وقوله: (وقيل يتقرب بها إلى الله تعالى) ابتداء إشارة إلى الطريق الثاني، أي إذا كانت كذلك جرى فيها الخلاف كما في الرواتب. قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ: سَجْدَةُ (ح) الشُّكْرِ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ لاَ عِنْدَ اسْتِمرَارِ نِعْمَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ بَيْنَ يَدَي الفَاسِقِ شُكْراً عَلَى دَفْعِ المَعْصِيَةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ، وَإِنْ سَجَدَ إِذَا رَأَى المُبْتَلَى فَلْيَكْتُمْهُ كَيْلاَ يَتَأذَّى. القول في سجود الشكر: قال الرافعي: سجدة الشكر سُّنة خلافاً لمالك حيث قال: هي مكروهة، وبه قال أبو حنيفة في رواية وقال في رواية: لا أعرفها. لنا ما روي أن النبي ﷺ "رَأَى رَجُلاً نُغَاشِيًّا فَسَجَدَ شُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى" (١). وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ "سَجَدَ فَأطَالَ فَلَمَّا رَفَعَ قِيلَ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْراً فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالى" (٢). وليس تسن سجدة الشُّكْرِ عند استمرار النعم، وإنما تسن عند مفاجأة نعمة أو اندفاع بَلِيَّة من حيث لا يحتسب، وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية (٣) فيستحب أن يسجد شكراً لله تعالى، ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه لا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان لبلاء في غيره نظر إن لم يكن ذلك المغير معذوراً فيه كالفاسق

стр. 657

فيظهر السجود بين يديه تعييراً له فربما ينزجر ويتوب، وإن كان معذوراً كمن به زمانة ونحوها فيخفى كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما. وسجود الشكر يفتقر إلى شرائط الصلاة كسجود التلاوة، وكيفيته ككيفية سجود التلاوة خارج الصلاة، ولا يجوز سجود الشكر في الصَّلاة بخلاف سجود التلاوة فإنه يتبع التلاوة، والتلاوة تتعلق بالصلاة (١). قال الغزالي: وَهَلْ يُؤَدِّي سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: سجود الشكر هل يقام على الراحلة: حكى في "النهاية" فيه وجهين وشبههما بالخلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام على الراحلة؟ من حيث أن إقامة السجود على الراحلة بالإيماء يبطل ركنه الأظهر وهو تمكين الجبهة من موضع السجود كما إن إقامة صلاة الجنازة عليها يبطل ركنها الأظهر وهو القيام. قال: والخلاف فيهما كالخلاف في أن القادر على القيام والقعود هل يتنفل مضطجعاً مومياً أم لا، وسجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة يجوز بلا خلاف تبعاً للنافلة كسجود السهو فيها، وأما خارج الصَّلاَةِ ففيه الوجهان المذكوران في سَجود الشُّكْرِ، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن المراد ما إذا كان خارج الصلاة، ثم الأظهر من الوجهين عند الأئمة أنه يجوز أداؤها على الراحلة بالإيماء وليس في "التهذيب" و"العدة" ذكر لغيره. فإن قلت: ذكرتم في صلاة الجنازة أن الأظهر المنع من أدائها على الراحلة فلم كان الأظهر الجواز هاهنا إن كان الخلاف كالخلاف؟ قلنا: يجوز أن يفرق بينهما بأن صلاة الجنازة تندر فلا يشق فيها تكليف النزول وأيضاً فاحترام الميت يقتضي ذلك، وسجدة التلاوة والشكر يكثران، فلو كلفناه النزول لشق، والخلاف فيما إذا كان يقتصر على الإيماء، فلو كان في مرقد وأتم السجود جاز، وأما الماشي فيسجد على الأرض على الظاهر، كما سبق في السجود الذي هو من صلب الصلاة. قال الغزالي: الْبَابُ السَّابعُ فهي صلاَةِ التَّطَوُّعِ وَفِيهِ فصْلاَنِ الأَوَّلُ فِي الرَّواتِبِ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العْشَاءِ، وَالوَتْرُ رُكْعَةٌ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَين بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَارَ سَبْعَ عَشْرَةَ.

стр. 658

القول في صلاة التطوع قال الرافعي: اختلف اصطلاح الأصحاب في تطوع الصلاة فمنهم من يفسره بما لم يرد فيه مخصوص نقل وينشئه الإنسان باختياره، وهؤلاء قالوا: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنن وهي التي واظب عليها رسول الله ﷺ . ومستحبات: وهي التي فعلها أحياناً ولم يواظب عليها. وتطوعات وهي التي ذكرنا، ومنهم من يرادف بين لفظتي النافلة والتطوع، ويطلقهما على جميع ما سوى الفرائض (١)، وبهذا الاصطلاح ترجم صاحب الكتاب الباب، واختلف اصطلاحهم في الرواتب أيضاً، فمنهم من قال: هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص، وعد منها التراويح، وصلاة العيدين، وصلاة الضُّحَى، ومنهم من قال: هي السُّنَنُ التابعة للفرائض، وبهذا الاصطلاح يتكلم صاحب الكتاب. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن ما سوى الفرائض من الصلوات قسمان: ما تسن فيه الجماعة كصلاة العيدين، والكسوفين، والاستسقاء ولها أبواب مفردة مذكورة بعد هذا، وما لا تسن فيه الجماعة، وينقسم إلى الرواتب وغيرها، وغرض الفصل الأول من الباب: الكلام [في الرَّوَاتِب، وغرض الثاني: الكلام] (٢) في مَرَاتِب النوافِلِ، وبعض أحكامها: أما الأول فالرواتب ضربان: الوِتْرُ، وَغَيْرُ الوِتْرِ. أما غير الوتر فقد اختلف الأصحاب في عدده. قال الأكثرون: عشر ركعات: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظُّهْرِ، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب فِي بَيْتِه، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ في بَيْتِهِ، وحدثتني حفصة ﵂ أنه ﷺ : "كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ" (٣).

стр. 659

قال في "العدة" وهذا ظاهر المذهب، ومنهم من نقص ركعتي العشاء، يحكى هذا عن نصه في البويطي، وبه قال الخُضَرِيُّ فيما حكاه صاحب "النهاية" وغيره. ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ قال: "مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" (١) "أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ"، والباقي كما في حديث ابن عمر ﵄. ومنهم من زاد على هذا العدد أربع ركعات قبل العصر؛ لما روي ﷺ قال: "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً" (٢). وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ" (٣). ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين أخريين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ حَافَظَ، عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ" (٤). فهذه خمسة أوجه للأصحاب، وليس الخلاف في أصل الاستحباب، وإنما الخلاف في أن المؤكد الرواتب ماذا وإن شمل الاستحباب الكل؛ ولهذا قال صاحب "المهذب" وجماعة: "أدنى الكمال عشر ركعات" وهو الوجه الأول، وأتم الكمال ثماني عشرة ركعة، وهو الوجه الأخير. وعند أبي حنيفة السُّنَّة: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وأربع قبل العصر. وفي رواية: ركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعده، وإن شاء صَلَّى ركعتين، وكل أربع من ذلك فهو بتسليمة واحدة، وفي استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان لأصحابنا، منهم من قال باستحبابها، وإن لم يكونا من الرواتب المؤكدة؛ لما روي عن أنس ﵁ قال: "صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ

стр. 660

اللهِ ﷺ قِيلَ: لَهُ رَآكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا" (١). وروى عبد الله المزني [﵁] (٢)، أن النبي ﷺ قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً" (٣) وبهذا الوجه قال أبو إسحاق الطوسي (٤)، وكذلك أبو زكريا السكري (٥). قيل (٦): إنه ذكره في "شرح الغنية" لابن سريج، ومنهم من قال: لا يستحبان؟ لما روي عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عنها فقال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا" (٧). وعن عمر ﵁: "أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمَا" (٨). وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ. وأما لفظ الكتاب فقد ذكر من الأوجه الخمسة وجهين، وهما الأول والرابع، لكنه ضم إليها أقل الوتر، وهو ركعة، فصارت على الوجه الأول إحدى عشرة، وعلى الوجه الثاني سبع عشرة، وهي عدد الفرائض، وهكذا عد ابن القاص الرواتب في "المفتاح" لكنه حسب الوتر ثلاث ركعات، ولم يحسب قبل الظهر إلا ركعتين وقوله: (ركعتين بعد العشاء) معلم بالواو؛ للوجه الذي اختاره الخضري.

стр. 661

وقوله: (والوتر ركعة) بالحاء والميم؛ لما سيأتي -والله أعلم-. قال الغزالي: أَمَّا الوَتْرُ فَسُنَّةٌ (ح) وَعَدَدُهُ مِنَ الوَاحِدَةِ إِلَى إِحْدَى عَشْرَةَ بِالأَوْتَارِ، وَفِي جوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ تَرَدُّدٌ (١) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل، وَإِذَا زَادَ عَلَى الوَاحِدَةِ فَيَتَشَهَّدُ تَشَهُّدَينِ فِي الأَخِيرَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَشَهُّدًا وَاحِداً فِي الأَخِيرَةِ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي، وَهُمَا مَنْقُولاَنِ، وَالْكَلاَمُ فِي الْأُولَى، وَالأَظْهَرُ أَنَّ ثَلاَثةً مَفْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنَ ثَلاَثةٍ مَوْصُولَةٍ، وَأَنَّ الثَّلاَثةَ المَوْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ فَرْدَةٍ. القول في أحكام الوتر قال الرافعي: قد سبق من نظم الكتاب ما يعرف كون الوتر سنة، وهو إدراجه في الرواتب، وعد الرواتب بأسرها من صلاة التطوع، والغرض من التنصيص على كونه سنة هاهنا التدريج إلى بيان أحكامه، والتعرض لمذهب أبي حنيفة حيث قال: وهو واجب. قال الكرجي: وروي عنه أنه فرض. لنا ما روي أن النبي ﷺ قال: "الوَتْرُ حَقٌّ مَسْنُونٌ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَل" (٢) وروي أنه قال: "حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ" (٣). ثم في الفصل ثلاث مسائل: إحداها: يجوز أن يوتر بواحدة، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، أما الواحدة والثلاث والخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بثَلاَثٍ فَلْيَفعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفعَلْ" (٤) وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ : "كَانَ يُؤترُ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ" (٥). وأما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ" (٦).

стр. 662

وأما الإيتار (١) بثلاث عشرة، فقد حكي في "النهاية" تردداً في ثبوت النقل فيه، والمذكور في الكتاب. أن غاية ما نقل إحدى عشرة، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج، ومن تابعهما، قالوا: أكثر الوتر إحدى عشرة، وذكر صاحب "التهذيب"، وأخرون أن الغاية ثلاث عشرة ركعة، ورووا عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لَمْ يَكُنْ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ " (٢). وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ بِثَلاَثِ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" (٣). وهل يجوز الزيادة على الغاية المنقولة، أما الإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن اختلاف فعل النبي ﷺ في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى [خيبرة] (٤) المصلي، وأن له أن يزيد ما أمكنه. وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره؛ اقتصاراً على ما ورد النقل به، كما لا تجوز الزيادة في ركعتي الفجر وسائر الرواتب (٥). وقال أَبُو حَنِيفَةَ: الوتر ثلاث ركعات، بلا زيادة ولا نقصان. وقال مَالِكٌ: أقل الوتر ثلاث ركعات، لكن أبا حنيفة يقول: هي بتسليمة واحدة كالمغرب، إلا أنه يجهر فيها جميعاً. وقال مَالِكٌ: هي بتسليمتين لكن لا يتكلم بعد الكلام لولا يحتاج إلى تجديد النية للثالثة، وسلم أنه لو أحدث في الثالثة لم تبطل الركعتان. قال: ولو كان مع الإمام أوتر بوتره، ولا يخالفه، وحكي في "البيان" عنه أن أقل

стр. 663

الوتر ركعة، وأقل الشفع ركعتان، وفي هذا المعنى كالأول، ونقل عنه أنه ليس للأكثر حد، وذكر بعضهم: أن الأكثر عنده ثلاث عشرة. إذا عرفت ذلك فاعلم قوله: (من الواحدة) بالحاء والميم، وقوله: (إلى إحدى عشرة) بهما وبالواو، ثم في قوله: (وعدده من الواحدة إلى إحدى عشرة) استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد، والحساب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد، ويقولون: العدد نصف حاشيته اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان. المسألة الثانية: إذا زاد على ركعة واحدة وأوتر بثلاث فصاعداً، فظاهر المذهب: أن له أن يتشهد في الركعة الأخيرة لا غير. وله أن يتشهد في الركعتين الأخيرتين؛ لأن كل منهما منقول، وروي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : "كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، وَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهُنَّ" (١). وروى عنها أيضاً: "أَنَّهُ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَبِسَبْع، لَمْ يَجْلِسْ بها إِلاَّ في السَّادِسَة وَالسَّابِعَةِ" (٢). وحكي في "النهاية" عن بعض التصانيف: أن من أصحابنا من لم ير الاقتصار في التشهد على الواحد مجزئاً، وحمل ما روي من التشهدين على ما إذا فَصَل بين الركعة الأخيرة وما قبلها بالسَّلاَمِ، ونقل بعضُهم عن "طريقة" القاضي الحُسَين، أن الوتر بثلاث كصلاة المَغْرِب بتشهدين وتسليمة لا يجوز، وربما يقول: تبطل صلاته؛ لما روي أنه ﷺ : "كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثٍ لا يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهِنَّ" (٣) وروي أنه قال: "لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ فَتَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبَ" (٤). والظاهر الأول؛ وهو أنهما سائغان وهو الذي ذكره في الكتاب، ورد الخلاف إلى الأولى، ففي وجه الاقتصار على تشهد واحد أول؛ فَرْقاً بين صلاة المغرب والوتر إذا أوتر بثلاث، وهذا ما اختاره القاضي الروياني في الحلية، وفي وجه الإتيان بتشهدين أولى كيلا يخرج عن وضع سائر الصلوات، وقد أطلق كثيرون منهم صاحب "التهذيب": أنه إن شاء فعل هكذا، وإن شاء هكذا، ومطلق التخيير يقتضي التسوية بينهما. وقوله في الكتاب: (وإذا زاد على واحدة) أي: ووصل وقوله: (والكلام في الأولى) ينبغي أن يعلم بالواو، لما حكينا من الوجهين، ولو زاد على تشهدين فجلس

стр. 664

في كل ركعتين، ولم يتحلل وجلس في الأخيرة أيضاً، لم يكن له ذلك، فإنه خلاف المنقول، وذكر في "التهذيب" وجهاً آخر: أن له ذلك، كما في النافلة الكثيرة الركعات: المسألة الثالثة: الإيتار بثلاث مفصولة أفضل أم بثلاث موصولة؟ ففيه وجوه: أظهرها -وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون والصيدلاني-: أن المفصولة أفضل، لما روي عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: "والْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" (١). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٢)، وَكَانَ ابْنِ عُمَرَ ﵄ يُسَلِّمُ، وَيأْمُرُ بَيْنَهُمَا بِحَوَائِجِهِ" (٣). والثاني: وبه قال أَبُو زَيْد، [ويحكى عن نصه في القديم-: أن الثلاث الموصولة أفضل، لأن العلماء اتفقوا على جوازها واختلفوا في إفراد الواحدة فالاحتراز عن الخلاف أولى. والثالث-] (٤) ونسبه الموفق ابن طاهر إلى الخضري، والشريف ناصر العمري (٥) ﵁ أن الثلاثة الموصولة أفضل؛ لأن العلماء اتفقوا على جوازها، واختلفوا في إفراد الواحدة، فكان الوصل أولى. والثالث: ويحكى عن الشافعي، ونصه في القديم-: أنه إن كان منفرداً، فالفصل أفضل، وإن كان يصلي بقوم فالوصل أفضل؛ لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب المختلفة، فالإيتار (٦) بالمجمع عليه أولى، وعكس القاضي الروياني هذا فقال: أنا أصل إذا كنت منفرداً، وإذا كنت في الجماعة أفضل؛ كيلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي

стр. 665

-﵁ وهو صحيح ثابت بلا شك، وهل الثَّلاثُ الموصولة أفْضَلُ من ركعة فردة لا شيء قبلها أم هي أفضل؟ فيه وجوه أيضاً: أصحها -وبه قال القفال-: أن الثلاث أفضل؛ لزيادة العبادة. والثاني: أن الركعة الفردة أفضل؛ لِمُوَاظَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى الإيتَارِ (١) بِوَاحِدَةٍ، قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة ركعة موصولة. والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق. قال الغزالي: وَمِنْ شَرْطِ الوَتْرَ أَنْ يُوتَرَ مَا قَبْلَهُ وَلاَ يَصِحُّ (ح) قَبْلَ الفَرْضِ، وَفِي صِحَّتِهِ بَعْدَ الفَرْضِ وَقَبْلَ النَّفْلِ وَجْهَانِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ آخِرَ تَهَجُّدِهِ بِاللَّيْلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ هُوَ التَّهَجُّدَ. قال الرافعي: ما سبق من المسائل في كيفية الوتر، وغرض هذا الفصل بيان وقته، وهو من حينِ يصلي العشاء إلى طلوع الفجر، لما روي أنه ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، الوَتْرُ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ" (٢). فلو أوتر قبل صلاة العشاء لم يعتد به، سواء كان عامداً أو ساهياً، بأن ظن أنه صلى العشاء، أو صلى العشاء على ظن أنه متطهر، ثم أحدث وتوضأ وأوتر، ثم بأن له أنه كان محدثاً في فرض العشاء. وعند أبي حنيفة: لو أوتر قبل العشاء سهواً اعتد به. لنا: القياس على ما لو ظن دخول وقت الفريضة فصلَّى، ثم تبين أنه لم يدخل، وحكي في "النهاية" عن بعض أصحابنا: أنه يعتد بالوتر قبل العشاء، سواء كان عامداً، أو ساهياً. وعند هذا القائل يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء لا بفعل العشاء، وظاهر المذهب ما تقدم، ولو صَلَّى العشاء وأوتر بعدها بركعة فردة قبل أن ينتقل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره. أحدهما: لا يعتد به؛ لأن صفة الوتر أن يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد العشاء، فإذا لم يوجد غيره لم يكن موتراً.

стр. 666

وأظهرهما: أنه يعتد به؛ لما تقدم من الخبر، وما ادعاه الأول فلا نسلم أن صفة الوتر ذلك، بل يكفي كونه وتراً في نفسه، وعلى التسليم فإنه يوتر ما قبله من فريضة العشاء، فإذا قلنا: لا يعتد به وتراً فقد ذكر إمام الحرمين أنه تَطَوُّعٌ، وإن لم يكن الوتر المشروع، وهذا ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعاً، أم يبطل من أصله. واعلم أن المصنف قيد المسألتين في "الوسيط" أعني الإيتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا أوتر بركعة، وهذا القيد لا حاجة إليه في المسألة الأولى بل أطلق الأئمة المنع، وعليه يدل الخبر، وأما في المسألة الثانية فهو محتاج إليه؛ لأن الناقلين للوجهين إنما نقلوهما فيما إذا أوتر بركعة واحدة وليس بينهما وبين فرض العشاء شيء. وقوله في الكتاب: (وفي صحته بركعة (١) بعد الفرض وقبل النقل وجهان) يحتاج إلى التقييد والإضمار. معناه: وفي صحة الإيتار بركعة بعد الفرض وقبل أن يتنفل بشيء سواء كان راتبة العشاء، أو الشفع، أو صلاة الليل، والذي يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبة العشاء، ومطلق الوتر دون الإيتار بركعة. وقوله: (من شروط الوتر أن يوتر ما قبله) يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه، ثم هل يكفي تقدم الفرض؟ فيه الخلاف وقوله: (فلا يصح قبل الفرض) معلم بالحاء والواو؛ لما روينا. وأما قوله: (ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل) ففي لفظ (التهجد) ما يغني عن قولهْ (بالليل)؛ لأن صلاة النهار لا تسمى تهجداً بحال، ثم فيه مباحثة، وهي أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود، -وهو النوم- يقال تهجد: إذا ترك الهجود وأما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجداً (٢)، وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض إلا لمن تهجد، فمتى يوتر من لا تهجد له، ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر إلى أن يقوم ويصلّي، فَهَلْ هو كذلك أم لا؟ إن قلتم: لا. فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم، ومرة بعد ما نام وتهجد، وهذا خلاف ما روي أنه ﷺ قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ" (٣)، أم يقتصر على ما قبل النَّوْمِ وحينئذٍ لا يكون الوتر آخر التهجد.

стр. 667

وإن قلتم: إنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلي، كما يقتضي لفظ الكتاب، فهذا خلاف ما نقله في "الوسيط"؛ لأنه نقل الخبر المشهور أن أبا بكر ﵁: "كَانَ يُوتِرُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيتَهَجَّدُ، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيُصَلِّي، وُيوتِرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ بالْحَزْمِ، وَقَالَ لِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ" (١). ثم ذكر أن الشافعي ﵁ أختار فعل أبي بكر ﵁ وكذلك نقل صاحب "النهاية"، والجواب أنه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً" (٢). فإن كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، ويكون وتره آخر صلاته بالليل، وأما من له تهجد فقد ذكر أصحابنا العراقيون أن الأفضل له أن يؤخر الوتر، كما نقل عن فعل عمر ﵁، واحتجوا له بما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ آخِرَ اللَّيْل، فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَيقِظَ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" (٣). وهذا هو الموافق للفظ الكتاب، وأما ما نقله في "الوسيط" فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل، فيقال: إن الأفضل له أن يقدم؛ لأنه من الانتباه على خطر ظاهر، ويجوز أن يقدر فيه اختلاف وجه أو قول، وبالجملة فالأمر فيه قريب، وكل سَائِغٌ، روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ، وَتَهَجَّدَ لَمْ يُعِدِ الْوِتْرَ" (٤). وكذلك روي عن فعل أبي بكر ﵁، ومن أصحابنا من قال: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً، ثم يتهجد ما شاء، ثم يوتر ثانياً، ويروى ذلك عن ابن عمر ﵄ يسمى ذلك نقض الوتر. وأما قوله: (ويشبه أن يكون [الوتر هو التهجد)]، (٥) فهذا قريب من لفظ الشافعي ﵁ في "المختصر" و"الأم" قال الشارحون: معناه أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بالتهجد، وأوجبه عليه فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (٦) نَافِلَةً لَكَ﴾ وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ (٧)

стр. 668

أي: زيادة لك وفضيلة لك، ويشبه أن يكون المراد من هذا الأمر الوتر؛ لأن النبي ﷺ كان يحيي اللَّيْلَ بوتره، وكان الوِتْرَ وَاجِباً عليه، روي أنه ﷺ قال: "كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ، وَكُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ" (١). وهذا الذي ذكره يبين أنه ليس قوله: (ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد) لحصر التهجد في الوتر، حتى يكون كل تهجد وتراً، وإنما الذي يلزم منه أن يكون كل وتر تهجداً مأموراً به، ويجوز أن يعلم ذلك بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: الوتر غير التهجد وأوّل كلام الشافعي ﵁. واعلم أن حمل التهجد في الآية على الوتر مع ما سبق أن التهجد إنما يقع على الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم، ومعلوم أنه ليس كذلك، فليترك أحدى الدعوتين في الآية. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ القُنُوتُ فِي النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ. القول في قنوت رمضان قال الرافعي: يعني: في الوتر، فإن أوتر بركعة قَنَتَ فيها، وإن زاد قَنَتَ في الركعة الأخيرة، وفي استحباب القنوت في الوتر فيما عدا النِّصْفِ الأخير من رمضان وجهان: أحدهما: أن الاستحباب يعم جميع السَّنةِ، وبه قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ ﵁ وأبو الفضل بن عبدان (٢)، وأبو منصور بن مهران (٣)، وأبو الوليد النيسابوري (٤) من أصحابنا ﵏؛ لما روي: أنه ﷺ : "كَانَ إِذَا أَوْتَرَ قَنَتَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ" (٥).

стр. 669

وهذا مطلق، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ. وأظهرهما: وبه قال جمهور الأصْحَابِ: أن الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان؛ "لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَلَمْ يَقْنُتْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ إِنْكَارٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعاً". وعن عمر ﵁ قال: "السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَنْ يلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" (١). فعلى الوجه الأول، لو ترك القنوت سجد للسهو، كما في الصبح، وعلى الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الأخير سجد لِلسَّهْوِ ولو قنت من غير النصف الأخير سهواً سجد للسهو (٢) وذكر القاضي الروياني: أن كلام الشافعي ﵁ يدل على كراهية القنوت في غير النصف الأخير، فضلاً عن نفي الاستحباب، ثم حكي عن بعض الأصحاب وجهاً متوسطاً، وهو أنه يجوز أن يقنت في جميع السَّنَةِ من غير كَرَاهِيَةٍ، لكن لو ترك لا يسجد للسَّهْوِ، بخلاف ما لو تركه في النِّصْفِ الأخير يَسْجُد. قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، واستحسنه، وأثبت ما روي عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا، وروي عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان، وروي في جميع السَّنَةِ، وقد أعلم قوله: (في النصف الأخير) بالحاء والميم والألف؛ إشارة إلى مذاهبهم ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان: أصحهما: ويحكى عن نصه في حرمله أنه بعد الركوع؛ لما روينا من حديث عمر ﵁ وكما في الصبح، فإن ما قبل الركوع محل القراءة، والقنوت دعاء، فهو في موضع الدعاء، حيث يقول: سمع الله لمن حمده: أليق. الثاني -وبه قال ابْنَ سُرَيْجٍ-: أنه يقنت قبل الركوع؛ لما روي عن أبي ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرِّكُوعِ" (٣). وأيضاً فإن الفرق بين الفرض والنفل مقصوِد، كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، وخطبة العيدين بعدها، وبهذا الوجه قال مَالِكَ وَأْبُو حَنِيفَة، وبالأول قالَ أَحْمَدُ، وحكي في "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم

стр. 670

كبر بعد القراءة، ثم قنت، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وقال في "التتمة": إذا قلنا يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير، وبه قالَ مَالِكٌ. والقنوت: هو الدعاء الذي ذكرناه عن رواية الحسن بن علي ﵄ في "باب صفة الصلاة" واستحب الأئمة، منهم صاحب "التلخيص" أن يضيف إليه ما روي عن عمر ﵁ أنه قنت به وهو: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغفِرُكَ، وَنسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّه، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُركَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفَدُ، نَرْجُوا رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكً، إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدُّ بالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا" إلى آخره، هكذا ذكره القاضي الروياني، وعليه العمل، ونقل في "البيان" عن القاضي أبو الطيب أنه قال: كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر ﵁ بعد الكلمات التي رواها الحسن ﵁، فعكس الترتيب وزاد هو وغيره في المنقول عن عمر ﵁ "اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألِّفْ بَيْنَ قلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ، وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ"، ونقل القاضي الروياني عن ابن القاص: أنه يزيد في آخر القنوت: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا" إلى آخر السورة واستحسنه (١) ثم حكمه في الجهر، ورفع اليدين، وغيرهما على ما سبق في الصُّبْح. ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى:: ﴿سَبِّحْ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَين، رُوِي ذلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ (٢) وبه قَالَ مَالِكُ. وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يقتصر على "الإخلاص" في الثالثة. وقال الكرخي في "مختصره": ليس في الوتر قراءة سورة معلومة، ولكن يقرأ في الأولى بقدر: ﴿سَبِّحْ﴾، وفي الثانية بقدر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بقدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا شُرِعَتِ الجَمَاعَةُ فِيهَا كالعِيدَيْنِ وَالخُسُوفَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَمِنْ صَلاَةِ الضُّحَى وَرَكْعَتَي التَّحِيَّةِ
следующие страницы →