وأظهرهما: أنه يعتد به؛ لما تقدم من الخبر، وما ادعاه الأول فلا نسلم أن صفة الوتر ذلك، بل يكفي كونه وتراً في نفسه، وعلى التسليم فإنه يوتر ما قبله من فريضة العشاء، فإذا قلنا: لا يعتد به وتراً فقد ذكر إمام الحرمين أنه تَطَوُّعٌ، وإن لم يكن الوتر المشروع، وهذا ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعاً، أم يبطل من أصله.
واعلم أن المصنف قيد المسألتين في "الوسيط" أعني الإيتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا أوتر بركعة، وهذا القيد لا حاجة إليه في المسألة الأولى بل أطلق الأئمة المنع، وعليه يدل الخبر، وأما في المسألة الثانية فهو محتاج إليه؛ لأن الناقلين للوجهين إنما نقلوهما فيما إذا أوتر بركعة واحدة وليس بينهما وبين فرض العشاء شيء.
وقوله في الكتاب: (وفي صحته بركعة (١) بعد الفرض وقبل النقل وجهان) يحتاج إلى التقييد والإضمار. معناه: وفي صحة الإيتار بركعة بعد الفرض وقبل أن يتنفل بشيء سواء كان راتبة العشاء، أو الشفع، أو صلاة الليل، والذي يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبة العشاء، ومطلق الوتر دون الإيتار بركعة.
وقوله: (من شروط الوتر أن يوتر ما قبله) يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه، ثم هل يكفي تقدم الفرض؟ فيه الخلاف وقوله: (فلا يصح قبل الفرض) معلم بالحاء والواو؛ لما روينا.
وأما قوله: (ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل) ففي لفظ (التهجد) ما يغني عن قولهْ (بالليل)؛ لأن صلاة النهار لا تسمى تهجداً بحال، ثم فيه مباحثة، وهي أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود، -وهو النوم- يقال تهجد: إذا ترك الهجود وأما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجداً (٢)، وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض إلا لمن تهجد، فمتى يوتر من لا تهجد له، ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر إلى أن يقوم ويصلّي، فَهَلْ هو كذلك أم لا؟ إن قلتم: لا. فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم، ومرة بعد ما نام وتهجد، وهذا خلاف ما روي أنه ﷺ قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ" (٣)، أم يقتصر على ما قبل النَّوْمِ وحينئذٍ لا يكون الوتر آخر التهجد.
стр. 667
وإن قلتم: إنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلي، كما يقتضي لفظ الكتاب، فهذا خلاف ما نقله في "الوسيط"؛ لأنه نقل الخبر المشهور أن أبا بكر ﵁: "كَانَ يُوتِرُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيتَهَجَّدُ، وَأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيُصَلِّي، وُيوتِرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ بالْحَزْمِ، وَقَالَ لِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ" (١).
ثم ذكر أن الشافعي ﵁ أختار فعل أبي بكر ﵁ وكذلك نقل صاحب "النهاية"، والجواب أنه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً" (٢).
فإن كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، ويكون وتره آخر صلاته بالليل، وأما من له تهجد فقد ذكر أصحابنا العراقيون أن الأفضل له أن يؤخر الوتر، كما نقل عن فعل عمر ﵁، واحتجوا له بما روي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ آخِرَ اللَّيْل، فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَيقِظَ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" (٣). وهذا هو الموافق للفظ الكتاب، وأما ما نقله في "الوسيط" فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل، فيقال: إن الأفضل له أن يقدم؛ لأنه من الانتباه على خطر ظاهر، ويجوز أن يقدر فيه اختلاف وجه أو قول، وبالجملة فالأمر فيه قريب، وكل سَائِغٌ، روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ، وَتَهَجَّدَ لَمْ يُعِدِ الْوِتْرَ" (٤). وكذلك روي عن فعل أبي بكر ﵁، ومن أصحابنا من قال: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً، ثم يتهجد ما شاء، ثم يوتر ثانياً، ويروى ذلك عن ابن عمر ﵄ يسمى ذلك نقض الوتر.
وأما قوله: (ويشبه أن يكون [الوتر هو التهجد)]، (٥) فهذا قريب من لفظ الشافعي ﵁ في "المختصر" و"الأم" قال الشارحون: معناه أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بالتهجد، وأوجبه عليه فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (٦) نَافِلَةً لَكَ﴾ وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ (٧)
стр. 668
أي: زيادة لك وفضيلة لك، ويشبه أن يكون المراد من هذا الأمر الوتر؛ لأن النبي ﷺ كان يحيي اللَّيْلَ بوتره، وكان الوِتْرَ وَاجِباً عليه، روي أنه ﷺ قال: "كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ، وَكُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ" (١).
وهذا الذي ذكره يبين أنه ليس قوله: (ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد) لحصر التهجد في الوتر، حتى يكون كل تهجد وتراً، وإنما الذي يلزم منه أن يكون كل وتر تهجداً مأموراً به، ويجوز أن يعلم ذلك بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: الوتر غير التهجد وأوّل كلام الشافعي ﵁.
واعلم أن حمل التهجد في الآية على الوتر مع ما سبق أن التهجد إنما يقع على الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم، ومعلوم أنه ليس كذلك، فليترك أحدى الدعوتين في الآية.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ القُنُوتُ فِي النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.
القول في قنوت رمضان
قال الرافعي: يعني: في الوتر، فإن أوتر بركعة قَنَتَ فيها، وإن زاد قَنَتَ في الركعة الأخيرة، وفي استحباب القنوت في الوتر فيما عدا النِّصْفِ الأخير من رمضان وجهان:
أحدهما: أن الاستحباب يعم جميع السَّنةِ، وبه قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ ﵁ وأبو الفضل بن عبدان (٢)، وأبو منصور بن مهران (٣)، وأبو الوليد النيسابوري (٤) من أصحابنا ﵏؛ لما روي: أنه ﷺ : "كَانَ إِذَا أَوْتَرَ قَنَتَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ" (٥).
стр. 669
وهذا مطلق، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وأظهرهما: وبه قال جمهور الأصْحَابِ: أن الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان؛ "لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَلَمْ يَقْنُتْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ إِنْكَارٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعاً".
وعن عمر ﵁ قال: "السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَنْ يلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" (١). فعلى الوجه الأول، لو ترك القنوت سجد للسهو، كما في الصبح، وعلى الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الأخير سجد لِلسَّهْوِ ولو قنت من غير النصف الأخير سهواً سجد للسهو (٢) وذكر القاضي الروياني: أن كلام الشافعي ﵁ يدل على كراهية القنوت في غير النصف الأخير، فضلاً عن نفي الاستحباب، ثم حكي عن بعض الأصحاب وجهاً متوسطاً، وهو أنه يجوز أن يقنت في جميع السَّنَةِ من غير كَرَاهِيَةٍ، لكن لو ترك لا يسجد للسَّهْوِ، بخلاف ما لو تركه في النِّصْفِ الأخير يَسْجُد.
قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، واستحسنه، وأثبت ما روي عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا، وروي عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان، وروي في جميع السَّنَةِ، وقد أعلم قوله: (في النصف الأخير) بالحاء والميم والألف؛ إشارة إلى مذاهبهم ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان:
أصحهما: ويحكى عن نصه في حرمله أنه بعد الركوع؛ لما روينا من حديث عمر ﵁ وكما في الصبح، فإن ما قبل الركوع محل القراءة، والقنوت دعاء، فهو في موضع الدعاء، حيث يقول: سمع الله لمن حمده: أليق.
الثاني -وبه قال ابْنَ سُرَيْجٍ-: أنه يقنت قبل الركوع؛ لما روي عن أبي ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرِّكُوعِ" (٣).
وأيضاً فإن الفرق بين الفرض والنفل مقصوِد، كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، وخطبة العيدين بعدها، وبهذا الوجه قال مَالِكَ وَأْبُو حَنِيفَة، وبالأول قالَ أَحْمَدُ، وحكي في "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم
стр. 670
كبر بعد القراءة، ثم قنت، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وقال في "التتمة": إذا قلنا يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير، وبه قالَ مَالِكٌ.
والقنوت: هو الدعاء الذي ذكرناه عن رواية الحسن بن علي ﵄ في "باب صفة الصلاة" واستحب الأئمة، منهم صاحب "التلخيص" أن يضيف إليه ما روي عن عمر ﵁ أنه قنت به وهو: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغفِرُكَ، وَنسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّه، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُركَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفَدُ، نَرْجُوا رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكً، إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدُّ بالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا" إلى آخره، هكذا ذكره القاضي الروياني، وعليه العمل، ونقل في "البيان" عن القاضي أبو الطيب أنه قال: كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر ﵁ بعد الكلمات التي رواها الحسن ﵁، فعكس الترتيب وزاد هو وغيره في المنقول عن عمر ﵁ "اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألِّفْ بَيْنَ قلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ، وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ"، ونقل القاضي الروياني عن ابن القاص: أنه يزيد في آخر القنوت: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا" إلى آخر السورة واستحسنه (١) ثم حكمه في الجهر، ورفع اليدين، وغيرهما على ما سبق في الصُّبْح.
ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى:: ﴿سَبِّحْ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَين، رُوِي ذلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ (٢) وبه قَالَ مَالِكُ.
وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يقتصر على "الإخلاص" في الثالثة.
وقال الكرخي في "مختصره": ليس في الوتر قراءة سورة معلومة، ولكن يقرأ في الأولى بقدر: ﴿سَبِّحْ﴾، وفي الثانية بقدر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بقدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا شُرِعَتِ الجَمَاعَةُ فِيهَا كالعِيدَيْنِ وَالخُسُوفَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَمِنْ صَلاَةِ الضُّحَى وَرَكْعَتَي التَّحِيَّةِ
стр. 671
وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ أَفْضَلُهَا صَلاَةُ العِيدَيْنِ، ثُمَّ الخُسُوفَيْنِ، وَأَفْضَلُ الرَّوَاِتبِ الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ، وَفِيهِمَا قَوْلاَنِ.
القول في النوافل التي تسن فيها الجماعة
قال الرافعي: النوافل، على ما قدمناه قسمان:
نوافل: تسن فيها الجماعة، ونوافل: لا تسن فيها الجماعة.
والتي تسن فيها الجماعة أفضل؛ لأن استحباب الجماعة فيها وتشبيهها فيه بالفرائض يدل على تأكد أمرها، وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء كلها من هذا القسم، وأفضلها صلاة العيدين؛ لأن لها وقتاً زمانياً كالفرائض وتليها صلاة الكسوفين؛ لأنه يخاف فوتهما كما يخاف فوت المؤقتات بالزمان؛ ولأن النبي ﷺ "رُبَّمَا اسْتَسْقَى وَرُبَّمَا تَرَكَ، وَلَمْ يَتْرِكِ الصَّلاَةَ عِنْدَ الخُسُوفِ بِحَالِ" (١).
ثم كلام الأئمة يشعر بحصر ما تسن فيه الجماعة في هذه الصلوات الخمس، وربما صرحوا بذلك، ولفظ الكتاب وهو قوله: (كالعيدين والكسوفين) لا يوجب الحصر، وإنما يفيد التمثيل، وهذا أولى؛ لأن التراويح خارجة عن الخمس، والجماعة مستحبة فيها على الأصح، كما سيأتي ولك أن تبحث هاهنا، فنقول: لفظ الكتاب يقتضي أن تكون التراويح أفضل من الرَّوَاتِبِ؛ لأن الجماعة مَشْرُوعَة في التراويح، وقد حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل، فهل هو كذلك؟ أما لا؟
والجواب: أن إمام الحرمين قال: من أئمتنا من سبب تفضيلها على الرواتب إذا قلنا باستحباب الجماعة فيها؛ لأن الجماعة أقوى معتبر في التفضيل، قال: والأصح أن الرواتب أفضل منها، وإن شرعنا فيها الجماعة، وهذا هو الذي ذكره في "العدة" ووجهه بأن النبي ﷺ "لم يداوم على التراويح، وداوم على السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ"، وعلى هذا، فالقول بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل غير مجرى على إطلاقه، بل صلاة التراويح مستثناة منه.
وأما القسم الثاني: وهو ما لا تشرع فيه الجماعة، فينقسم إلى ما يتعلق بوقت أو فعل، وإلى التطوع المطلق.
والأول أنواع:
منها الرواتب، كما عددناها، ومنها: صلاة الضحى: عن أبي الدَّرْدَاء قال: "أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعَهُنَّ بِشَيءٍ، أَوْصَانِي بِصِيَامٍ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلاَ
стр. 672
أَنَامَ إِلاَّ عَلَى وَتْرٍ، وَسُبحَةِ الضُّحَى، فِي الْحَضَرِ والسَّفَرِ" (١).
وأقلها ركعتان، والأفضل أن يصلي ثَمَانِي ركعات، وأكثرها اثنتي عشرة، ذكره القاضي الروياني، وورد في الأخبار، ويسلم من كل ركعتين، روي عن أم هانئ ﵂ أن النبي ﷺ "صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى، ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمْ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٢) ووقتها: من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستسواء (٣).
ومنها: تحية المسجد، روي أنه ﷺ قال: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" (٤) ولو صلى الداخل فريضة، أو وِرْداً، أو سُّنة، ونوى التحية أيضاً حصلا، كما لو كبر وقصد إعلام الناس، ولو لم ينو التحية حصلت أيضاً، كذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره، ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة إذ لم ينوهما؟ ولو صلَّى الدَّاخِلُ على جنازة أو سجد لتلاوة، أو شكْر لم تحصل تحية المسجد (٥) قاله في "التهذيب" ويدل عليه الخبر الذي سبق، فإنه لم يركع ركعتين.
وقضية الخبر أن لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضاً، وفيها جميعاً وجه آخر.
ومنها: ركعتا الإحرام.
стр. 673
ومنها: ركعتا (١) الطواف إذا لم توجبهما، وسيأتي ذكرهما في موضعهما.
إذا عرفت ذلك فأوكد ما لا تسن له الجماعة السنن الرواتب؛ لمداومة الرسول ﷺ عليها، وكثرة الترغيبات فيها، وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر؛ لأن الأخبار فيهما أكثر، وأيهما أفضل فيه؟ قولان:
القديم: أن ركعتي الفجر أفضل، وبه قال أَحْمَدُ؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِل [أَكْثَر] (٢) تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ" (٣).
وروي أنه قال: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا" (٤) وعلى هذا فيليهما في الفضيلة الوتر.
والجديد: الأصح أن الوتر آكد، وبه قال مالك؛ لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" (٥).
ولأن الوتر مختلف في وجوبه، ولا خلاف في أن ركعتي الفجر سُنَّة (٦) وعلى هذا فما الذي يلي الوتر في الفضيلة؟
стр. 674
قال جمهور الأصحاب: يليه ركعتَا الفَجْرِ.
وعن أبي إسحاق "أن صلاة الليل تتقدم عليهما" ونقل في "البيان" عن بعض الأصحاب أن الوتر وركعتي الفجر يستويان في الفضيلة.
ثم بعد السنن الرواتب الأفضل من الصلوات المذكورة صلاة الضحى، ثم ما يتعلق بفعل [كركعتي الطواف] (١)، وركعتي الإحرام، وركعتي التحية.
وقوله في الكتاب: (وركعتي الطواف) معلم بالواو؛ للقول الصائر إلى وجوبها، فإن شيئاً من النوافل على ذلك القول لا يكون أفضل منهما.
وقوله: (ثم أفضلها صلاة العيدين) يجوز أن ترجع الكناية إلى النوافل التي شرعت فيها الجماعة، ويجوز أن ترجع إلى النوافل المذكورة كلها، والقول في أن أفضل الرواتب ماذا؟ وأن ركعتي الفجر أفضل أم الوتر؟ كالدخيل في هذا الفصل؛ لأنه ترجمة بغير الرواتب، ولو ذكره في الفصل الأول لكان أحسن، ولعلك تقول: نظم الكتاب يقتضي ألا تكون الجماعة مشروعة في الوتر أيضاً؛ لأنه حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل من الرواتب، فيلزم أن لا تكون الجماعة مشروعة في الرواتب، والوتر معدود من الرواتب، فهل هو كذلك أم لا؟ فالجواب: أنا إذا أستحببنا الجماعة في التراويح نستحبها في الوتر أيضاً، وأما في غير رمضان فالمشهور أنه لا تستحب فيه الجماعة؟ وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وأطلق أبو الفضل بن عبدان حكاية وجهين في اسْتِحبَاب الجماعة في الوِتْرِ.
إذا عرفت ذلك فكلام الكتاب مبني على الأكثر، وهو ما سوى رمضان -والله أعلم-.
قال الغزالي: ويُسْتَحَبُّ الجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ تأسِّياً بِعُمَرَ ﵁: وَقِيلَ: الانْفِرَادُ بِهِ أَوْلى لِبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ.
стр. 675
القول في أحكام صلاة التراويح
قال الرافعي: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لما روي أن النبي ﷺ "صَلَّى بالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ لَيْلَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، ثمَّ قَالَ مِنَ الْغَدِ: "خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيْكُمْ فَلاَ تَطِيقُونَهَا" (١).
وعن مالك: أنها ست وثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة.
قال العلماء: وسبب فعلهم أن الركعات العشرين خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، ويصلون ركعتي الطواف أفراداً، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح، ولا بين التراويح والوتر، فأراد أهل المدينة أن يساورهم في الفضيلة، فجعلوا مكان كل أسبوع من الطواف ترويحة، فحصل أربع ترويحات وهي ست عشرة ركعة تنضم إلى العشرين، والوتر ثلاث ركعات، تكون الجملة تسعاً وثلاثين؛ فلذلك قال الشَّافِعِيُّ ﵁: ورأيتهم بالمدينة يقولون: بتسع وثلاثين.
قال أصحابنا: لغير أهل المدينة ذلك؟ لشرفهم بمهاجرة الرسول ﷺ وقبره، ثم الأفضل في التراويح الجماعة أو الانفراد؟ فيه وجهان، ومنهم من يقول قولان.
أحدهما: أن الانفراد بها أفضل، ويروى هذا عن مالك ﵁ لأن النبي ﷺ "خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ بَاقِيَ الشَّهْرِ، وَقَالَ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ" (٢). ولأن الاستخلاء بالنوافل أبعد عن الرياء.
وأصحهما: أن الجماعة أفضل؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ ﵁ جَمَعَ النَّاسَ علي أُبيَّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ (٣) وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيَّ ﷺ الْخُرُوج؟ خَشْيَةِ الافْتِرَاضِ"، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وأبو إسحاق والأكثرون، ثم ذكر أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وغيرهم؛ أن الخلاف فيما إذا كان الرجل يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فأما إذا لم يحفظ أو خاف ذلك فالجماعة أولى لا محالة.
стр. 676
وأطلق آخرون ثلاثة أوجه في المسألة، منهم القاضي ابن كج وإمام الحرمين.
أحدها: أن الانفراد أفضل على الإطلاق.
والثاني: أن الجماعة أفضل.
والثالث: إن كان حافظاً للقرآن آمِناً من الكل ولم تختل الجماعة لتخلفه، فالأفضل أن ينفرد، وإلا فلا، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإنما يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء، كما ذكرنا في الوتر.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّطَوُّعَاتُ لاَ حَصْرَ لَهَا، فَإِنْ تَحَرَّمَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا عَشْراً فَصَاعِداً، وَإِنْ تَحَرَّمَ بِعَشْرِ جَازَ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إِنْ شَاءَ، وَالأَحَبُّ مَثْنًى مَثْنًى.
قال الرافعي: التطوعات التي لا تتعلق بسبب، ولا وقت، لا حصر لأعدادها، ولا الركعات الواحدة منها. "وَالصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوع، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ"، هذا لفظ الخبر المشهور عن رسول الله ﷺ (١)، ثم إذا شرع في تطوع فإن لم ينو شيئاً، فله أن يسلم من ركعة، وله أن يسلم من ركعتين فصاعداً، روي أن عمر ﵁ "مَرَّ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ وَاحِدَةً فَقَالَ: إِنَّمَا هِي تَطَوُّعٌ، وَمَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ" (٢).
وحكى الأصحاب عن نصفه في "الإملاء": أنه لو صلَّى من غير إحصاءٍ، ثم سلم وهو لا يدري كما صلى أجزأه.
وقال بعض السلف الذي صليت له يعلم كم صليت؟ وإن نوى ركعة، أو عدداً قليلاً، أو كثيراً، فله ذلك، هذا هو المشهور، وحكي في "البيان" عن المسعودي: أن له أن يصلي ثلاث عشرة ركعة بتسليمة واحدة، وهل له أن يزيد؟ فيه وجهان؛ ثم إذا نوى عددًا فله أن يزيد وله أن ينقص حتى لو تحرم بركعة، فله أن يجعلها عشرة فصاعداً، أو بعشرٍ فله أن يقتصر على واحدة ولكن بشرط أن يغير النية قبل الزيادة والنقصان، فلو زاد أو نقص قبل تغيير النية بطلت صلاته.
مثاله: نوى أن يصلي ركعتين ثم قام إلى الثالثة بعد ما نوى الزِّيادة جاز، ولو قام قبلها عمداً بطلت صلاته، ولو قام سهواً عاد، وسجد للسهو وسلم، فلو بدا له بعد
стр. 677
القيام أن يزيد فهل يجب العود إلى القعود ثم القيام منه أم له المضي؟ فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته.
ولو زاد ركعتين سهواً، ثم نوى إكمال أربع صلى ركعتين أخريين، وما سها به لا يحسب.
ولو نوى أن يصلي أربعاً، ثم غير نيته وسلم عن ركعتين جاز، ولو سلم قبل تغيير النية عمداً بطلت صلاته، ولو سلم سَاهِياً أتم أربعاً، وسجد لِلسَّهْوِ، فلو زاد أربعاً وأراد بعد السلام ساهياً أن يقتصر سجد للسهو، وسلم ثانياً، فإن سلامه الأول غير محسوب، ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التَّشَهُّدِ فيها، وإن زاد فله أن يقتصر على تشهدٍ واحدٍ في آخر الصلاة، وهو تشهد الركن، وله أن يتشهد في كل اثنتين، كما في الفرائض الرباعية، فلو كان العدد وتراً فلا بد من التشهد في الأخيرة أيضاً، وهل له أن يتشهد في كل ركعة؟ قال إمام الحرمين: فيه احتمال؛ لأنا لا نجد في الفرائض صلاة على هذه الصورة، لكن الأظهر الجواز؛ لأن له أن يصلي ركعة فردة، ويتحلل عنها، وإذا جاز له ذلك جاز له القيام منها إلى أخرى، وهذا ما ذكره المصنف، وسوغ له الأمور الثلاثة في "الوسيط" وأقتصر هاهنا في الأمر الثاني والثالث.
واعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم يرد له ذكر إلا في "النهاية" وفي كتب المصنف، وأما الاقتصار على تشهد واحد في آخر الصَّلاَة فلا يكون فيه خلاف؛ لأنه لو اقتصر في الفرائض عليه لجاز أيضاً، وأما التشهد في كل اثنتين، وقد ذكره العراقيون من أصحابنا، وغيرهم وقالوا: إنه الأولى وإن جاز الاقتصار على واحد، وذكر في [النهاية] (١) شيئاً آخر، وهو أنه لا تجوز الزيادة على تشهدين بحال، ثم إن كان العدد شفعاً فلا يجوز أن يجعل بين التشهدين أكثر من ركعتين وإن كان وتراً فلا يجوز أن يجعل بينهما أكثر من ركعة تشبهاً في القسمين بالفرائض.
مثاله: إذا صلى ستًّا يتشهد في الركعة الرابعة والسادسة، وإذا صلى سبعاً يتشهد في السادسة والسابعة، وإلى هذا مال المستمدون من كلام المراوزة، ومنهم صاحب "التهذيب" وظاهر "المذهب" الزيادة على تشهدين، ثم قال في "التهذيب": إن صلى بتشهد واحد قرأ السورة بعد الفاتحة في الركعات كلَّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ على القولين المذكورين في الفرائض؟ والأحب أن يسلم المتطوع من كل ركعتين على مثال الرواتب، سواء كان بالليل أو بالنهار، لما روي عن ابن عمر ﵄
стр. 678
أن النبي ﷺ قال: "صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" (١)، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ -رحمهما الله- ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب وبيان موضع العلامات.
قوله: (ثم التطوعات لا حصر لها)، أراد بالتطوع هاهنا ما ينشئه الإنسان باختياره، ولا يتعلق بوقت ولا سبب، لأنه أراد بقوله: (لا حصر لها) أنه لا حصر لركعاتها على ما صرح به في "الوسيط"، والظاهر أن هذا حكم منه على كل واحد منها، وفي أول الباب أراد بالتطوع مطلق النافلة، كما سبق بيانه.
وينبغي أن يعلم قوله: (لا حصر لها) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة يكره في نوافل النهار أن تزاد على أربعة ركعات بتسليمة واحدة، وفي نوافل الليل أن تزاد على ثمان ركعات، وذكر صاحب "البيان" أنه يحكم بالبطلان لو زاد على العددين، والأحب عنده في نوافل النهار أن تكون أربعاً، حتى في الرواتب سوى ركعتي الفجر، وفي نوافل الليل يصلي بتسليمة واحدة ثمان ركعات، أو ستاً أو أربعاً، أو ركعتين، ولا فضل لبعضها على بعض، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً لما سبق حكايته عن المسعودي، ويجوز أن يعلم قولة: (أن يتمها عشراً) بالحاء أيضاً، إذ لا مزيد عنده على ثمان ركعات.
وقوله: (جاز له الأقتصار على واحدة) معلم بالميم؛ لأن عنده الشروع في التطوع ملزم، إلا أن يكون هناك عذر، وبالحاء لأمرين:
أحدهما: أن الشروع يلزم عليه ركعتين.
والثاني: أن الركعة الفردة ليست بصلاة عنده، وعندنا هي صلاة؛ لما سبق، ولو نوى صلاة تطوع ولم ينو واحدة ولا عدداً، فهل يجوز الاقتصار على واحدة؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين مبنيين على ما لو نذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن العهدة بركعة أم لا بد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة (٢)؛ لأنه وإن نوى ركعتين فصاعداً لا يجوز له الاقتصار على واحدة، فعند الإطلاق أولى أن يجوز.
وقوله: (وله أن يتشهد بين كل ركعتين) ينبغي أن يعلم بالواو، لأمرين:
أحدهما: أن صاحب "البيان" حكى وجهاً: أنه لا يجلس إلا في الأخيرة.
والثاني: أنا حكينا عن بعض الأصحاب أنه لا يزيد على تشهدين وإن كثرت الركعات، وذلك القائل لا يُجَوِّزُ التشهد بين كل ركعتين.
стр. 679
وقوله: (أو في كل ركعة) اعلم بالحاء، لأنه يقول: بتشهدٍ بين كل ركعتين وبالواو لأن كثيراً من الأصحاب قالوا: إنه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد وبين أن يتشهد بين كل ركعتين (١) والتخيير بين الشيئين ينفي التمكن من شيء ثالث.
وقوله: (والأحب مثنى مثنى) معلم بالحاء لما سبق.
قال الغزالي: وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ أَنَّ النَّوَافِلِ المُؤَقَّتَةَ تُقْضَى (ح م) كَمَا تُقْضَى الفَرَائِضُ، وَرَكْعَتَا الصُّبْحِ بَعْدَ فَرْضِ الصُّبْحِ أَدَاءٌ بِقَضَاءٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل يتضح برسم مسألتين.
أحدهما: في وقت الرواتب وهي ضربان:
أحدهما: الرواتب التي تسبق الفرائض ويبقى وقت جوازها ما بقي وقت الفريضة، ووقت اختيارها ما قبل الفريضة.
مثاله: ركعتا الفجر يدخل وقتهما بطلوع الفجر، ويبقى إلى طلوع الشمس، والاختيار تقديمها على صلاة الفجر، وحكى جماعة منهم صاحب "البيان" أن وقت ركعتي الفجر يبقى إلى الزوال ويكون أداء، وإن خرج وقت الفريضة.
والضرب الثاني: الرواتب المتأخرة عن الفرائض فيدخل وقتها بفعل الفرائض، لا بدخول وقتها كما ذكرنا في الوتر، وآخر وقتها يخرج بخروج وقت الفرائض، كما في الضرب الأول؛ لأنها تابعة للفرائض، وحكي في "التتمة" في الوِتْرِ قولاً آخر: أن وقت الوتر يبقى إلى أن يصلي الصبح، ولا يخرج بطلوع الفجر؛ لظاهر ما روي أنه ﷺ قال: "صَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ" (٢).
وهذا يشبه خلافاً سيأتي ذكره في المسألة الأخرى.
المسألة الثانية: النوافل تنقسم إلى ما لا يتأقت، وإنما يفعل لسبب عارض - وإلى ما يتأقت.
والأول: لا مدخل للقضاء فيه، وهو كصلاتي "الخسوف" و"الاستسقاء" وتحية المسجد.
والثاني: "كصلاتي العيد" و"صلاتي الضحى"، والرواتب التابعة للفرائض في قضائها إذا فاتت قولان مشهوران:
стр. 680
أصحهما، وبه قال أَحْمَدٌ: أنها تقضى لمطلق قوله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (١) ولأنها صلاة راتبة بوقت فتستدرك إذا فاتته كالفرائض.
والثاني، وبه قال مالِكٌ: أنها لا تقضى كصلاة الخسوف ونحوها، وهذا لأن الأصل أن لا تقضى وظيفة مؤقتة أصلاً لاقتضاء صيغة التأقيت اشتراط الوقت في الاعتداد بها، لكن خالفنا في الفرئض لأوامر مجردة وردت فيها لتأكدها.
وعن أبي حنيفة: إن فاتت الرواتب مع الفرائض قضيت معها، وإن فاتت وحدها فلا تقضى، ونقل بعض أصحابنا عن مذهب: أنه لا يقضي منها إلا ركعتا الفجر، إذا فاتت مع الفرض، وحكي في "النهاية" قولاً ثالثاً: وهو أن ما أستقل منها، ولم يتبع غيره "كصلاة العيدين" وصلاة "الضحى" يقضي لمشابهتها الفرائض في الاستقلال، وما كان تابعاً لغيره كالرواتب لا يقضى، فهذه هي الأقوال التي ذكرها في الكتاب وإنما قيد "بالمؤقتة" ليخرج القسم الأول، فإنها لا تقضى بلا خلاف.
التفريع: إن قلنا: إنها لا تقضى فلا كلام، وإن قلنا: تقضى فهل تقضى أبداً؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو اختيار المزني ﵀ عليه- نعم كالفرائض لما قضيت جاز قضاؤها أبداً.
وقوله في الكتاب: (كما تقضى الفرائض) يمكن حمله على التشبيه في كيفية القضاء، أي كما تقضى الفرائض أبداً، كذلك هذه، لكنه ما أراد ذلك، وإنما أراد قياس أصل القضاء على الفرائض، وذلك بَيِّنٌ في عبارة "الوسيط".
والقول الثاني: أنها لا تقضى أبداً، وعلى هذا إلى متى تقضى؟ أما صلاة العيد ففيها تفصيل وخلاف مذكور في الكتاب، في باب صلاة العيدين، وأما الرواتب ففيها قولان:
أحدها: أنه لا تقضى كالوتر بعد صلاة الصبح، ولا ركعتا الفجر بعد صلاة الظهر.
قال إمام الحرمين: وعلى هذا النسق سائر التوابع؛ لأنه إذا استفتح فريضة أخرى، انقطع حكم التبعية عن الصلاة السابقة، وحكي على هذا القول وجهاً آخر أن الاعتبار بدخول وقت الصلاة المستقبلة لا بفعلها، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما لم تزل الشمس، فإن زالت فلا.
стр. 681
والقول الثاني -وقد نقله المسعودي عن القديم-: أنه ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس، وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما دام النَّهَار باقياً. وقوله في الكتاب: (وركعتا الصبح بعد فرض الصبح أداء وليس بقضاء)، قصد به بيان أن تأخير ركعتي الصبح إلى ما بعد الفريضة لا يوجب فواتهما [فلا يجري] (١) فيه الخلاف المذكور في القضاء، وتقديمها مستحب لا مستحق، وقد يؤمر بالتأخير بسبب يعرض كمن دخل المسجد والإمام يصلي الصبح، فينبغي أن يقتدي به، ثم بعد الفراغ [يشتغل بركعتي السُّنَّة.
وعن أبي حنيفة أنه لو علم أنه يدرك ركعة من الفريضة بعد الفراغ] (٢) من السُّنَّةِ تُقَدَّمُ السُّنَّةُ.
لنا ما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ" (٣) ثم في معنى ركعتي الصبح سائر التَّوابع المقدمة على الفرائض، وذكرهما جرى على سبيل ضرب المثال، وأراد بقوله: (بعد فرض الصبح) ما لم تطلع الشمس، وقد حكينا من قبل وجهاً أن وقتها يمتد إلى الزوال لكنه ما أراد بذلك، فإن المذهب الظاهر خلافه (٤).
стр. 682
كِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي فَضْلِهَا، وَهِيَ مُسْتَحَبة وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلاَّ في الجُمُعَةِ، وَلاَ فَرْضَ كِفَايةٍ عَلَى الأَظْهَرِ، وَتُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ (ح)، وَالفِعْلُ فِي الجَمعِ الكَثِير أَفْضَلُ إلاَّ إِذَا تَعَطَّلَ فِي جِوَارِهِ مَسْجِدٌ فَإحْيَاؤُهُ أَفْضَلُ.
القول في أحكام صلاة الجماعة:
قال الرافعي: أركان الصلاة وشروطها لا تختلف بين أن تؤدى على سبيل الانفراد، أو بالجماعة، لكن الأداء بالجماعة أفضل، وهي تختص باعتبار أمور تنقسم إلى معتبرة في نفس الإمام، إلى غيرها، فأدرج لذلك مسائل هذا الكتاب في ثلاثة فصول.
أحدها: فيما يتعلق بفضلها.
وثانيها: في الأمور المعتبرة في نفس الإمام، إما اعتبار اشتراط أو استحباب.
وثالثها: في سائر المعتبرات.
فأما الفصل الأول.
فاعلم أن الأصل في فضلها الإجماع والأخبار، نحو ما روي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ [الْفَرْدِ] (١) بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٢).
والفرائض الخمس تنقسم إلى صلاة الجمعة وغيرها فأما في صلاة الجمعة، فالجماعة فرض عين، كما سيأتي في بابها، وأما في غيرها فليست بفرض عين خلافاً لأحمد حيث قال: بأنها فرض عين، وبه قال ابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن
стр. 683
خزيمة (١) من أصحابنا، وفي بعض التعاليق أن أبا سليمان الخطابي (٢) ذكر أنه قول للشافعي ﵁.
لنا: حديث ابن عمر ﵄ وأيضاً روي أنه ﷺ قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْوَاحِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ مَعَ الْوَاحِدِ، وَحَيْثُمَا كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ فَهُوَ أَفْضَلُ" (٣).
والاستدلال أنه لا يحسن أن يقال: الإتيان بالواجب أفضل من تركه، وتفضيل أحد الفعلين على الآخر يشعر بتجويزهما جميعاً، وهل هي فرض كفاية أم سنة؟ وجهان:
أظهرهما: عند المصنف، وصاحب "التهذيب": أنها سُّنة؛ لأن الجماعة خصلة مشروعة في الصَّلاة، لا تبطل الصلاة بتركها، فلا تكون مفروضة كسائر السنن المشروعة في الصلاة، وفي ما سبق من الأخبار ما يشعر بأن سبيلها سبيلْ الفضائل، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، والثاني وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق إنها فرض كفاية، لما روي أنه ﷺ قال: "مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الْجَمَاعَةَ إِلاَّ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ" (٤): وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب، فإن قلنا: إنها فرض على الكفاية، فلو امتنع أهل بلدة، أو قرية عن إقامتها، قاتلهم الإمام عليها ولا يسقط الحرج، إلا إذا
стр. 684
أقاموها، بحيث يظهر هذا الشعار فيما بينهم ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد، وفي القرى الكبيرة والبلاد تقام في محلها، ولو أطبقوا على إقامة الجماعة في البيوت، فعن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يسقط الفرض بذلك، لأن الشعار في البلد لا يظهر به، ونازعه فيه بعضهم، إذا ظهر ذلك في الأصوات وأما إذا قلنا: إنها سنة، فهل يقاتلون على تركها؟ فيه وجهان كما ذكرناهما في الأذان:
وأصحهما: لا (١) وكل ما ذكرناه في حق الرجال.
أما النساء فلا تفرض عليهن الجماعة، لا فرض عين ولا فرض كفاية، وتستحب لهن ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضي الروياني:
أحدهما: أن [استحبابها لهن] (٢) كاستحبابها للرجال؛ لعموم الأخبار.
وأظهرهما -الذي ذكره المعظم-: أنه لا يتأكد تأكده في حق الرجال فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال ذلك.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة، وبه قال أَحْمَدُ في رواية، والأصح عنه مثل مذهبنا. لنا ما روي أن النبي ﷺ : "أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةٍ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا" (٣) ثم إذا صلين جماعة، فالمستحب أن تقف التي تَؤَمُّهُنَّ وسطهن، كَذَلِكَ فَعَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵄ لَمَّا أمَّتَا" (٤).
وجماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشَّوَابّ لخوف الفتنة ولم يكره للعَجَائِزِ، روي أنه ﷺ : "نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْخُرُوجِ
стр. 685
إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي جَمَاعَةِ الرِّجَالِ إِلاَّ عَجُوزاً فِي مَنْقَلِهَا" والمنقل الخف (١).
وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، لكن لا يجوز أن يخلو بهن من غير ذي محرم (٢) ثم لو صَلَّى الرجل في بيته برقيقه أو زوجته وولده نال أصل فضيلة الجماعة، لكنها في المسجد أفضل؛ لما روي أنه ﷺ قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ".
وحيث كان الجمع أكثر من المساجد فالفضل أكثر لما سبق، فلو كان بالقرب منه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير الجمع، فالأفضل أن يذهب إلى المسجد البعيد إلا في حالتين:
أحدهما: أن تتعطل الجماعة في المسجد القريب بعدوله عنه إما لكونه إماماً، أو لأن الناس يحضرون بحضوره، فإقامة الجماعة في المسجد القريب أفضل.
الثانية: أن يكون إمام المسجد البعيد مبتدعاً كالمعتزلي وغيره (٣)، وإمام المسجد القريب بريئاً عن البدعة، فالصلاة في المسجد القريب أولى. قال الْمُحَامِلِيُّ وغيره: وكذا لو كان إمام المسجد البعيد (٤) حنفياً، لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان، بل
стр. 686
حكوا عن أبي إسحاق المروزي أن الصلاة منفرداً أولى من الصلاة خلف الحنفي، وهذا مبني على جواز الصلاة خلفه، وفيه خلاف يأتي من بعد، وفي المسألة وجه آخر حكاه في "النهاية" أن رعاية حق الجوار أولى على الإطلاق، لأنا لو جوزنا العدول عن المسجد القريب، ولا شك أن يعدل عنه واحد بعد واحد، فيفضي إلى تعطيله.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وليست بواجبة) يعني به الوجوب على الأعيان، وهو معلم بالألف والواو وقوله: (تستحب للنساء) معلم بالحاء والميم وبالألف أيضاً لإحدى الروايتين عن أحمد، والمراد أصل الاستحباب [ثم في كيفية الاستحباب] (١) ما سبق من الخلاف.
وقوله: (إلا إذا تعطل في جواره مسجد) ليس فيه إلا استثناء الحالة الأولى، وقد استثنى كثير من الأصحاب الحالة الثانية أيضاً كما ذكرنا، ويجوز أن يعلم قوله: (في الجمع الكثير أفضل) بالواو، لأنه يدخل فيه ما إذ كان في جواره مسجد ولم يتعطل إذا لم يستثن إلا إذا تعطل، وقد ذكرنا وجهاً أن الأفضل رعاية حق الجوار، وإن لم يتعطل.
قال الغزالي: وَفَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ لاَ تَحْصَلُ إِلاَّ بِإدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ الإِمَامِ، وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِشُهودِ تَحْريِمَةِ الإِمَامِ وَاتْبَاعِهِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: فيما يحصل للمأموم به فضيلة الجماعة، الذي ذكره في الكتاب أنها لا تحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام، ووجهه في "الوسيط" بأن إدراك ما دون الركعة ليس محسوباً من صلاته، فلا ينال بها الفضيلة، والذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم وتابعهم صاحبا "المهذب" و"التهذيب" أن من أدرك الإمام في التشهد الأخير حصل له فضيلة الجماعة، وقد يوجه ذلك بأن هذه البقية إذا لم تكن محسوبة من صلاته، فلو لم ينل بها الفضيلة لمنع من الاقتداء والحالة هذه؛ لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها، وبالجملة فظاهر المذهب الذي ذكره الجمهور خلاف ما في الكتاب.
المسألة الثانية: وردت أخبار في إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام نحو ما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْماً فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأوْلَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ،
стр. 687
بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" (١) ولما في إدراكها من الفضل صار أبو إسحاق المروزي إلى أن الساعي إلى الجماعة يسرع إذا خاف فواتها؛ لكن الصحيح عند الأكثرين أن لا يسرع بحال لقوله ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ" (٢).
ثم بماذا يكون مدركًا للتكبيرة الأولى؟ فيه وجوه:
أظهرها: أن من شهد تكبيرة الإمام واشتغل عقيبها بعقد الصلاة كان مدركاً لفضيلة التكبيرة الأولى، وإلا لم يكن مدركاً لها؛ لأنه إذا أجرى التبكير في غيبته لم يسم مَدْرِكاً.
والثاني: أن تلك الفضيلة تدرك بإدراك الركوع الأول.
والثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي، بل يشترط إدراك شيء من القيام أيضاً.
والرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركاً للفضيلة، وإن منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَحَسَّ الإمَامُ بِدَاخِلٍ فَفِي اسْتِحْبَابِ الانْتِظَارِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِلُ الرُّكُوعَ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ وَلاَ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ.
قال الرافعي: مما يحتاج إلى معرفته في المسألة أن المستحب للإمام تخفيف الصلاة من غير ترك الأبعاض والهيئات، لما روي عن أنس ﵁ قال: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أَخَفَّ صَلاَةٍ وَلاَ أَتَمِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٣).
فإن رضي القوم بالتطويل، وكانوا منحصرين لا يدخل عليهم غيرهم فلا بأس حينئذ بالتطويل، ثم قال الأئمة: انتظار الإمام في الصلاة وتطويله بها يفرض على وجوه:
منها: أن يصلي في مسجد سوق، أو محله، فيطول الصلاة ليلحق قوم آخر وتكثر الجماعة، فهذا مكروه لما فيه من سقوط الخشوع، وشغل القلب، ومخالفة قوله ﷺ : "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ فَليُخَفِّفْ" (٤).
стр. 688
ومنها: أن يؤم في مسجد بحضرة رجل شريف فيطول الصلاة على الحاضرين ليلحق ذلك الرجل، فهذا مكروه أيضاً؛ لأنه ينفر الحاضرين ويُشَوِّشُ عليهم.
ومنها: أن يَحِس في صلاته بمجيء رجل يريد الاقتداء به، فله أحوال:
أحدها: أن يكون في الركوع، وهي مسألة الكتاب فهل ينتظر ليدرك الركوع؟ فيه قولان:
أصحهما -عند إمام الحرمين وآخرين-: أنه لا ينتظره؛ لمطلق قوله ﷺ : "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ بِقَوْمٍ فَلْيُخَفِّفْ" ولأن انتظاره يطول الصلاة على الحاضرين، والتطويل على الحاضرين لمسبوق وقد يكون مقصراً بتخلفه لا وجه له (١).
والثاني: ينتظره؛ لما روي أنه ﷺ : "كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلاَتِهِ مَا سَمِعَ وَقَعَ نَعْلٍ" وهذا كما أنه ينتظر في صلاة الخوف ذهاب قوم ومجيء قوم لينالوا فضيلة الجماعة، ثم ذكر الأئمة للقولين شرطين:
أحدهما: أن يكون الرجل الجائي حين ينتظر داخل المسجد، أما لو كان بعد خارجه فلا ينتظر قولاً واحداً.
والثاني: أن يقصد به الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى، فأما لو قصد التودد إليه واستمالته فلا ينتظر قولاً واحداً، ثم اختلفوا في أن القولين فيما إذا؟ على طرق قال معظم الأصحاب: ليس الخلاف في استحباب الانتظار، ولا في أنه لو انتظر هل تبطل صلاته أم لا؟ وإنما الاختلاف (٢) في الكراهة، فأحد القولين: إنه يكره وبه قال أبو حنيفة، ومالك، واختاره المزني.
والثاني: لا يكره، وبه قال أحمد، وهو أصح القولين عند القاضي الروياني.
وقال بعض الأصحاب: القولان في أنه هل يستحب الانتظار، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب، وقال آخرون: في المسألة قولان:
أحدهما: أنه يكره.
والثاني: أنه يستحب، وهذا ما أورده صاحب "المهذب"، وقال: الأصح الثاني، وهذه الطريقة كالمركبة من الطريقتين الآخريين، ثم إذا قلنا: لا ينتظر فلو فعل هل تبطل صلاته؟ منهم من قال: فيه قولان كما لو زاد في صلاة الخوف على انتظارين، وقطع المعظم بأنها لا تبطل، وركب في "الوسيط" من القول بالبطلان، ومما تقدم ثلاثة أقوال:
стр. 689
أحدها: أنه يستحب الانتظار.
والثاني: أنه يكره.
والثالث: أنه لا يجوز، وتبطل الصلاة.
إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكتاب. واعلم أن في لفظ "الداخل" من قوله: (وإذا أحس الإمام بداخل) ما ينبه على الشرط الأول، وهو تقييد الخلاف بانتظار من دخل المسجد، أو الموضع الذي تقام فيه الصلاة، فأما من لم يدخل بعد فلا ينتظر.
وأما الشرط الثاني وهو أن يكون قصده التقرب إلى الله تعالى فليس في لفظ الكتاب تعرض له، لكن الواقف على مقاصد الكلام يفهمه من قوله: (ولا أن يميز بين داخل وداخل) كما سيأتي.
وقوله: (ففي استحباب الانتظار لدرك الداخل الركوع قولان) جواب على طريقة فرض الخلاف في الاستحباب، ثم المقابل لقول الاستحباب إنما هو عدم الاستحباب، ويمكن إدراج الحاصل من باقي الاختلافات فيه بأن يقال: إذا قلنا: لا يستحب، فهل يكره؟ فيه قولان: إن قلنا: يكره فهل يبطل الصلاة؟ فيه قولان، ويجوز أنه يعلم قوله: (قولان) بالواو، لأن القاضي ابن كج حكى طريقة عن بعض الأصحاب أن موضع القولين هو الانتظار في القيام، أما في الركوع فلا ينتظر قولاً واحداً، وعلل بأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل.
وأما قوله: (ولا ينبغي أن يطول) فهذا إشارة إلى أن الخلاف مفروض فيما إذا لم يطوِّل الانتظار، فأما التطويل فيجتنبه، وهذا قد ذكره الصيدلاني وغيره وهو شرط ثالث مضموم إلى الشرطين السابقين.
قال إمام الحرمين: وليس المراد أصل التطويل، فإن الانتظار لا يوجد صوره إلا إذا طول وزاد على القدر المعتاد، ولكن ضبطه أن يقال: إن طول تطويلاً لو وزع على جميع الصلاة لظهر له أثر محسوس في الكل، فهذا ممنوع مه لإفراطه، وإن كان بحيث يظهر في الركوع، ولكن لا يظهر في كل الصلاة لو وزع، فهذا موضع الاختلاف، ويجوز أن يعلم قوله: (ولا ينبغي أن يطول) بالواو، لأن أبا علي قال في "الإفصاح" (١): إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين، ولا يدخل عليهم مشقة، جاز كانتظار النبي ﷺ في حَمْلِ أُمَامَةَ، وَوَضْعِهَا فِي الصَّلاَةِ (٢)، وإن كان ذلك مما يطول ففيه الخلاف.
وقوله: (ولا أن يميز بين داخل، وداخل) المراد منه أن يعم انتظاره الداخلين، فلا
стр. 690
يخص به بعض القوم لصداقة، أو سيادة، وإذا عم فلا يقصد استمالة قلوب الناس، والتودد إليهم، بل التقرب إلى الله تعالى كما تقدم، ويجوز الوسم بالواو هاهنا أيضاً لأمرين:
أحدهما: لأن أبا سعيد المتولي حكى عن بعض الأصحاب: أنه إن عرف الداخل بعينه لم ينتظره إذ لا يخلو عن تقرب إليه، وإن لم يعرفه بعينه انتظره.
والثاني: أن صاحب "البيان" حكى عن بعضهم أنه إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره، وإن كان غريباً لم ينتظره، وكلا الوجهين يوجب التمييز بين الداخل والداخل.
الحالة الثانية: أن تكون الإمام حين أحس بالداخل في التشهد الأخير، فهل يؤخر الكلام انتظاراً له بما سبق من الشرائط؟ ذكر معظم الأصحاب أن الخلاف يطرد فيه، لأن هذا الانتظار يفيده أيضاً من حيث إنه ينال من فضيلة الجماعة، وإن لم يدرك باللحوق فيه شيئاً من الركعات، وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه.
الحَالَةُ الثالثة: أن يكون في سَائِر الأركان من القيام والسجود وغيرهما، قطع الأكثرون بأنه لا ينتظره، لأنه لا فائدة للداخل في انتظاره، فإنه بسبيل من إدراك الركعة، أو فضيلة الجماعة، وإن لم ينتظره، وذلك لأنه إن كان قبل الركوع فهو بإدراك الركوع يدرك الركعة، وإن كان بعد الركوع فبإدراكه في التشهد ينال فضيلة الجماعة، وحكى إمام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الأركان لإفادة الداخل بركة الجماعة، وروينا عن ابن كج أن بعضهم خصص الخلاف بحالة القيام، وحيث قلنا: لا ينتظر، فلو انتظر ففي البطلان ما سبق من الطريقين.
قال الغزالي: وَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِداً فَأَدْرَكَ جَمَاعَةً يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَتُهَا ثُمَّ يَحْتَسِبُ اللهُ تَعَالَى أَيَّهُمَا شَاءَ.
قال الرافعي: من انفرد بصلاة من الصلوات الخمس، ثم أدرك: جماعة يصلونها، فالمستحب له أن يعيدها معهم؛ لينال فضيلة الجماعة، وقد روي أن النبي ﷺ : "صَلَّى الصُّبْحَ فَلَمَّا فَرَغَ رَأَى رَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْم لَمْ يُصَلَّيَا مَعَهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا، فَجِيءَ بهِمَا فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا، فَقَالاَ كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ: فَلاَ تَفْعَلاَ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" (١).
стр. 691
وعند أبي حنيفة: يعيد الظهر والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر والمغرب، وذكر في "النهاية" أن شيخه حكى مثل ذلك وجهاً لبعض أصحابنا.
ووجهه: أن الصبح والعصر يستعقبان الوقت المكروه، فلا يصلي بعدهما، والمغرب وتر النهار، فلو أعيدت لصارت شفعاً، ونقل العراقيون وجهً أنه يعيد ما سوى الصبح والعصر، وظاهر المذهب الأول والوجهان ضعيفان، وعند مالك يعيد كلها إلا المغرب، وبه قال أَحْمَدُ وفي رواية يعيد المغرب أيضاً، لكن إذا سلَّم الإمام قام إلى ركعة أخرى فجعلها شَفْعاً، وإذا وقفت على ما ذكرناه علمت أنه لم أعلم قوله: (يستحب له إعادتها) بالحاء والميم والألف والواو، ولو صلى إحدى الخمس في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فهل يعيدها معهم؟ فيه وجوه:
أصحها: عند عامة الأصحاب أنه يعيد كما لو كان منفرداً؛ لإطلاق الخبر.
والثاني: وهو الأصح عند الصَّيْدَلاني، وبه قال المصنف في "الوسيط": أنه لا يستحب الإعادة؛ لأن فضيلة الجماعة حَصَلَتْ، فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وعلى هذا يكره إعادة الصُّبْحِ والعصر، دون غيرهما؛ لأنهما وقتا كراهة، والصلاة المعادة تَطَوُّعٌ مَحْضٌ، على هذا الوجه قال، وعلى هذا فلو أعاد المغرب فينبغي أن يضم إليها ركعة أخرى، لأن ما أتى به تطوع محض، فليكن شفعاً، واعلم أن المعاد إن كان تطوعاً محضاً، فقياس المذهب أن تمتنع الإعادة بنية المغرب، وسائر الوظائف الخمس، ولو فعل يكون صحة التطوع على الخلاف المذكور في التطوع بنية الظهر قبل الزّوال.
والوجه الثالث: أنه إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أعلم أو وأورع، أو لكون الجمع أكثر، أو لكون المكان أفضل، فيستحب الإعادة، وإلا فلا.
والرابع: أنه يستحب إعادة الظهر والمغرب والعشاء، ولا يستحب إعادة الصبح والعصر، وقد سبق في المنفرد مثله، ثم إذا استحببنا الإعادة في هذه المسألة وفيما إذا صلى منفرداً فأعاد، فالفرض منهما ماذا؟ فيه قولان:
الجديد- وبه قال أَبُو حَنِيفَة (٧) وَأَحْمَدُ: أن الفريضة هي الأولى لما سبق من الحديث.
والقديم: أن الفريضة أحدهما لا بعينها، والله تعالى يحتسب بما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب بأكملهما، ويروى هذا القول عن "الإملاء"، وبه قَالَ مَالِكٌ.
ووجه، بأنه لو كانت الثانية نفلاً على التعيين لما ندب إلى إقامتها بالجماعة، والذي ذكره في الكتاب هذا القول القديم، لكن الأكثرين قالوا بأن المذهب الجديد،
стр. 692
وحكي في "التتمة": أن بعض الأصحاب صار إلى أنهما جميعاً يقعان عن الفرض.
وعن الشَّيْخِ أبي محمد: أن بعضهم؛ قال: فيما إذا صلى منفرداً؛ إن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة، فتبين بالآخرة أن الأولى نفل، فحاصل ما في المسألة قولان، ووجهان:
التفريع إن فرعنا على غير الجديد نوى الفرض في المرة الثانية، ولو كانت الصلاة مغرباً أعادها مثل المرة الأولى، وإن فرعنا على الجديد فهل ينوي الفرض؟ فيه وجهان: قَالَ الصَّيْدَلاَنِيّ الصحيح أنه ينوي الفرضَ، وبه قال الأكثرون واستبعده إمام الحرمين، وقال: كيف ينوي الفرض مع القطع بأن الثانية ليست بفرضة (١)، بل الوجه أن ينوي الظُّهْرَ والعصر ولا يتعرض للفريضة، ويكون ظهره نفلاً كظهر الصَبِيِّ، وهذا ما ذكره في "الوسيط" وفيه مباحثة قدمتها في أول "صفة الصلاة" وإذا كانت الصلاة مغرباً ففيه وجهان:
أظهرهما: أنه يعيدها كما فعل في المَرَّةِ الأولى (٢).
والثاني: أن المستحب أن يقوم إلى ركعة أخرى إذا سلم الإمام حق لا يصير وتره شفعاً (٣).
قال الغزالي: وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إلاَّ بِعُذرٍ عَامٍّ كَالمَطَرِ وَالرِّيحِ العَاصفَةِ بِاللَّيْلِ، أَوْ عُذْرٍ خَاصٍّ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ مُمَرِّضاً أَوْ خَائِفاً مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ مِنَ الغَرِيمِ وَهُوَ مُعْسِرٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصاصٌ يَرْجُو العَفْوَ عَنْهُ أَوْ كَانَ حَاقِناً أَوْ جَائِعاً أَوْ عَارِياً.
قال الرافعي: لا رخصة للمتدين في ترك الجماعة، سواء جعلناها سنة، أو فرض كفاية إلا إذا كان ثَمَّ عُذْر، لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ" (٤) ثم الأعذار قسمان: عامة وخاصة.
стр. 693
فمن الأعذار العامة المطر ليلًا كان أو نهاراً، لما روي أنه ﷺ قال: "إذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" (١).
ومنها الريح العاصفة بالليل دون النهار، روى أنه ﷺ : "كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمطِيرَةِ، وَاللَّيْلَةِ ذَاتِ الرَّيحِ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (٢).
والمعنى فيه أن المشقة التي تلحق بها في الليل أكثر، وبعض الأصحاب يقول: الريح العاصفة في الليلة المظلمة، وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة -والله أعلم-.
ويتبين بما ذكرنا أن قوله: (بالليل) في نظم الكتاب يرجع إلى الريح وحدها، ولا يرجع إلى المطر المعطوف عليه، ومن الأعذار الخاصة المرض "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْعُذْرُ؟ في الخبر الذي سبق فقال: "خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ".
ولا يشترط أن يبلغ مبلغاً يجوز القعود في الفريضة، لكن المعتبر أن تلحقه مشقة مثل ما يلقاه الماشي (٣) في المطر، قاله في "النهاية" ومنها: أن يكون ممرضاً، وللتمريض تفصيل يذكر في "كتاب الجمعة".
ومنها: أن يخاف على نفسه أو ماله أو على من يلزمه الذَّب عنه من سلطان أو غير سلطان يظلمه، أو يخاف من غريمٍ يلازمه، أو يحبسه إن رآه، وهو معسر ولا يجد وفاء لدينه فله التخلف، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور، وتوفية ذلك الحق، ويدخل في صور الخوف على المال ما إذا كان خبره في التنور، وقدره على النَّارِ، وليس ثَمَّ من يَتَعَهَّدُهَا لو سعى إلى الجماعة. ومنها: أن يكون عليه قصاص، ولو ظفر به المستحق لقتله وكان يرجو العفو مجاناً، أو على مال لو غيب الوجه أياماً وسكن الغليل فله التخلف بذلك، وفي معناه حد القذف دون حد الزنا، وما لا يقبل العفو.
قال إمام الحرمين: وفي هذا العذر إشكال عندي؛ لأن موجب القصاص من الكبائر، فكيف يستحق صاحبه التخفيف، وكيف يجوز تغييب الوجه عن المستحق.
ومنها: أن يدافع أخبثيه، أو يدافع الريح بل الصلاة مكروهة في تلك الحالة، والمستحب أن يفرغ نفسه، ثم يصلي [وإن] (٤) فاتت الجماعة فلا بأس، روي أنه ﷺ
стр. 694
قال: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَثَيْنِ" (١). وروي أيضاً: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبدَأْ بِالْغَائِطِ" (٢).
وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخرج الوقت لو قضى حاجته ففي "التهذيب" حكاية وجهين:
أظهرهما: أنه يبدأ بالصلاة.
والثاني: أنه يقضي حاجته وإن فات الوقت ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء يلزمه الوضوء، ويشبه أن يكون هذا الوجه ذهاباً من صاحبه إلى أنه لا تصح الصَّلاة إذا ضاق الأمر عليه لانسلاب الخشوع، وقد حكى إمام الحرمين الذهاب إلى البطلان عن القاضي الحسين، وصاحب "البيان" عن أبي زيد المروزي، لكن أبا سعيد المتولي جعل الخلاف في أن الأولى أن يفرغ نفسه، أو أن يصلي لا في بطلان الصلاة على المدافعة.
وقوله في الكتاب: (أو كان حاقناً) يجوز أن يقرأ بالباء، ويجوز أن يقرأ بالنون فالحاقب هو الذي احتاج إلى الخلاء، فلم يتبرز حق حضر غائطه، والحاقن في البول كالحاقب في الغائط، قاله في الغريبين (٣).
ومنها: أن يكون به جوع شديد، أو عطش شديد، وقد حضر الطَّعَام والشراب ونفسه تَنُوقُ إليه فيبدأ بالأكل والشرب، لما روي أنه ﷺ قال: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ" (٤).
قال الأئمة: وليس المراد منه أن يستوفي ما يشبع لكن يأكل لُقماً يكسر سورة جوعه، ويؤخر الباقي إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه دفعة واحدة كالسويق واللبن استثناه المحاملي وغيره، فإن خاف فوات الوقت لو اشتغل بالأكل حكى في "التتمة" (٥) [فيه] وجهين في أن الأولى ماذا كما في مدافعة الأخبثين.
стр. 695
ومنها: أن يكون عارياً لا لباس له (١) فيعذر في التخلف، سواء وجد قدر ما يستر به العورة، أو لم يجد، هذه هي الأعذار المذكورة في الكتاب، ويلتحق (٢) بها أعذار أُخَر.
فمن العامة الوحل، وسيأتي في "كتاب الجمعة" ومنها: السموم وشدة الحر في وقت الظهر فإن الإبراد بها محبوب كما سبق، فلو أقاموا الجماعة ولم يبردوا كان له أن يتخلف.
ومنها: شدة البرد.
قال في "التهذيب": إنها عذر، ولم يفرق بين الليل والنهار، وعلى هذا فشدة الحر في معناها، وربما يبقى العذر وإن أبردوا، ومن الأعذار الخاصة أن يريد السفر وترتحل الرفقة، فله أن يتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم.
ومنها: أن يكون مُنْشِدَ ضَالَّةٍ يرجو الظفر بها لو ترك الجماعة، أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه.
ومنها: أن يكون قد أكل بصلاً أو كراثاً (٣) ونحوهما ولم يمكن إزالة الرائحة بغسل، ومعالجة، فهو عذر في التخلف عن الجماعة، فإن كان مَطْبُوخاً فلا، وذلك القدر محتمل.
ومنها: غلبة النوم عدها صاحب "العدة" وغيره من الأعذار.
стр. 696
الفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَاتِ الأَئِمَّةِ
قال الغزالي: وَكُلُّ مَنْ لاَ تَصِحُّ صَلاتُهُ صِحَّةً تُغْنِيهِ عَنِ القَضَاءِ فَلا يَصِحُّ الاقْتِدَاءُ بِهِ، وَمَنْ صَحَّتْ صَلاتُهُ صَحَّ الاقْتِدَاءُ بِهِ، إِلاَّ اقْتِدَاءَ القَارِيءِ بِالأُمِّيَ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ، وَمَنْ لاَ يُحْسِنْ حَرفاً مِنَ الفَاتِحَةِ، وَالمَأْمُومُ يُحْسِنُهُ فَهُوَ أُمِّي فِي حَقِّهِ، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأُمِّيِّ بمِثْلِهِ، وَلاَ يصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمَرأَةِ وَلاَ بِالخُنْثَى وَلاَ اقْتِدَاءُ الخُنْثَى بِالْخُنْثَى، وَيصِحُّ اقْتِدَاء المَرْأَةِ بِالْخُنْثَى وَبِالرَّجُلِ.
القول في صفة الأئمة:
قال الرافعي: صفات الأئمة ضربان: مشروطة، ومحبوبة، وقد ضمن الفصل ما أراد إيراده.
فأما المشروطة فنأتي منها بما ذكره في الكتاب، وما أهمله في تقسيم نرسمه، ونقول: الإنسان لا يخلو إما أن لا تكون صلاته صحيحة عنده، وعند المأموم معاً، وإما أن تكون صحيحة.
القسم الأول: أن لا تكون صحيحة عندهما معاً فينظر إن توافق اعتقاد الإمام والمأموم على أنه لا صحة لها، ولا اعتبار كصلاة من به حدث أو جنابة، وصلاة من بثوبه نجاسة ونحو ذلك، فلا يجوز لمن علم حاله الاقتداء به؛ لأنه ليس من أهل الصَّلاَةِ، وكذلك الكافر لا يجوز الاقتداء به، وإذا صلى الكافر لم يجعل بذلك مسلماً خلافاً لأبي حنيفة، حيث جعله مسلماً بذلك في بعض الأحوال، ولأحمد حيث جعله مسلماً بكل حال، وعن القاضي أبي الطيب: أنه إذا صلى الحربي في دار الحرب حكم بإسلامه، ويحكى ذلك عن نص الشافعي ﵁، والمذهب المشهور هو الأول، ثم إذا لم تسمع منه كلمتا الشهادة، فإن سمعتا منه في التشهد، ففي الحكم بإسلامه ما قدمنا فيما إذا أذن (١)، وإن كانت صحيحة في اعتقاد الإمام دون المأموم، أو بالعكس فهذا يفرض على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك لاختلافهما في الفروع الاجتهادية كما إذا مس الحنفي فرجه وصلى ولم يتوضأ، أو ترك الاعتدال في الركوع والسجود، أو قرأ غير الفاتحة في
стр. 697
صلاته ففي صحة اقتداء الشافعي به وجهان:
أحدهما -وبه قال القفال-: تصح؛ لأن صلاته صحيحة عنده، وخطؤه غير مقطوع به، فلعل الحق ما ذهب إليه.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: لا تصح؛ لأن صلاة الإمام فاسدة في اعتقاد المأموم، فأشبه ما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة لا يقتدي أحدهما بالآخر، وهذا أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر الروياني في "الحلية" سواه، وبه أجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى"، لكن بشرائط ليس من غرضنا ذكرها، ولو أن الحنفي صلى على وجه لا يعتقده صحيحاً، واقتدى الشافعي به وهو يعتقده صحيحاً انعكس الوجهان، فعلى ما ذكره القفال لا يصح الاقتداء أعتباراً بحال الإمام، وعلى ما ذكره أبو حامد يصح اعتباراً باعتقاد المأموم.
وحكى أبو الحسن العبادي أن الأودني (١)، والحليمي قالا: إذا أمّ الوالي، أو نائبه بالنَّاسِ ولم يقرأ التسمية والمأموم يراها واجبة فصلاته خلفه صحيحة عالماً كان أو عامياً، وليس له المفارقة لما فيها من الفتنة، وهذا حسن.
وقضيته: الفرق بين الإمام وخلفائه، وبين غيرهم، أما إذا حافظ الحنفي على جميع واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي فاقتداؤه به صحيح عند الجمهور، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا تصح؛ لأنه لا يأتي بها [على اعتقاد] (٢) الوجوب، وعلى الأول لو شك في أنه هل أتى بها أم لا؟ فقد ذكر صاحب الكتاب في "الفتاوى" أنه يجوز الاقتداء به، كما لو علم أنه حافظ عليها، لأن الظاهر إتيانه بها إقامة لما يعتقده سنة، وتوقياً عن شبهة الخلاف.
стр. 698
وحكى أبو الفرج البزاز عن الشيخ أبي علي أنه لا يصح الاقتداء به كما لو [عرف] أنه لم يأت بها، وحكي عن الشيخ أبي حامد الصحة، كما قاله صاحب الكتاب في "الفتاوى"، وإذا عرفت ذلك وسئلت عن اقتداء الشافعي بالحنفي مطلقاً فقل: فيه ثلاثة أوجه:
ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يحافظ على الواجبات، وبين أن يتركها، ولك أن تضم إليها وجهاً فارقاً على ما قدمناه، ولو اقتدى الحنفي بالشافعي، وصلى الشافعي على وجه لا يراه الحنفي، كما لو اقتصد وصلى، ففيه الخلاف، وإذا جوزنا اقتداء أحدهما بالآخر فلو صلى الشافعي الصبح خلف حنفي، ومكث الحنفي بعد الركوع قليلاً وأمكنه أن يقنت فيه فعل، إلا تابعه، وهل يسجد للسهو؟ إن اعتبرنا اعتقاد المأموم: نعم فإن اعتبرنا اعتقاد الإمام فلا، ولو صلى الحنفي الصبح خلف الشافعي وترك الإمام القنوت ساهياً، وسجد للسهوِ تابعه المأموم، وإن ترك الإمام سجود السهود سجد المأموم إن اعتبرنا اعتقاد، وإلا فلا.
والثاني: أن لا يكون ذلك لاختلافهما في الفروع، فلا يجوز لمن اعتقد بطلان صلاة غيره أن يقتدى به، وذلك كما إذا اجتهد اثنان فصاعداً في القبلة واختلف اجتهادهم، لم يجز لبعضهم الاقتداء ببعض؛ لأن صلاة كل واحد منهم باطلة عند أصحابه، وكذا لو اشتبه إناءإن طاهر ونجس، واختلف فيهما اجتهاد رجلين، ولو كثرت الأواني والمجتهدون واختلف اجتهادهم فحيث تعين عند المأموم بطلان صلاة الإمام امتنع الاقتداء، وحيث لا يتعين جاز الاقتداء، وفيه وجه أنه لا يجوز أيضاً، وهذا هو الكلام الجملي فيه، ونوضحه بصورتين:
إحداهما: لو اشتبه ثلاثة أوان، واجتهد فيها ثلاثة، واستعمل كل واحد منهم واحداً لأداء اجتهاده إلى طهارته، فإن كان الطاهر منها واحداً لم يجز اقتداء بعضهم ببعض، وإن كان النجس منها واحداً وأراد أحدهم أن يقتدي بآخر فإن ظن طهارة إناء أحد صاحبين كما ظن طهارة إناء نفسه، فلا خلاف في جواز اقتدائه به، وامتناع اقتدائه بالثالث، وإن لم يظن إلا طهارة إناءه، ففي المسألة وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه، لأنه يتردد في أن المحدث المستعمل للنجاسة هذا أم ذاك، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، فيمتنع الاقتداء، كما يمتنع الاقتداء بالخنثى لتعارض احتمالي الذكورة والأنوثة، وقال ابْنُ الْحَدَّادِ -وهو الأصح-: يجوز لكل واحد منهم أن يقتدي بواحد من صاحبيه، ولا يجوز أن يقتدي بهما جميعاً في صلاتيه، أما الأول فلأنه لا يدري نجاسة إناء من يقتدي به، وبقاء حدثه، وإذا لم يعلم المأموم من حال الإمام ذلك سومح، وجوز الاقتداء على ما
стр. 699
سيأتي، وأما الثاني فلأنه إذا اقتدى بأحدهما تعين إناء الثالث للنجاسة فامتنع الاقتداء به، وبهذا قال أَبُو إِسْحَاقَ المروزي إلا أنه قال: لو اقتدى بهما جميعاً وجب إعادة الصلاتين؛ لأن إحداهما باطلة لا بعينها، فيلزمه قضاؤهما، وعند ابن الحداد والأكثرين: لا يجب إلا قضاء الثانية فإنه لو اقتصر على الاقتداء الأول لما كان عليه قضاء الثانية، ولو كانت الأواني خمسة، والنجس منها واحد، وظن كل واحد بعد الاجتهاد طهارة أحدهما، ولم يظن شيئاً من حال الأربعة الباقية، وأم كل واحد منهم أصحابه في واحدة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصُّبْحِ فعند صاحب "التلخيص" على كل واحد منهم إعادة الصلوات الأربع التي كان مأموماً فيها، وعند ابن الحداد والأكثرين: يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأموماً فيها، ويلزم من ذلك أن يعيد كلهم العشاء إلا إمام العشاء، فإنه يعيد المغرب، وإنما أعادوا العشاء؛ لأن بزعمهم تتعين النجاسة في حق إمام العشاء، وإنما أعاد إمام العشاء المغرب؛ لأنه صحت له الصبح والظهر والعصر عند أئمتها، وهو متطهر عنده، فيتعين بزعمه النجاسة في حق إمام المغرب.
وعند أبي [حنيفة] (١) يعيد كل واحد منهم جميع الأربع التي كان مأموماً فيها؛ لأنه اقتدى في واحدة منها بمن توضأ بماء نجس، وهي غير متعينة، فصار كما لو نسي واحدة من أربع، وحكي عن بعض الأصحاب: طريقة أخرى، وهي أن هذه الوجوه فيما إذا سمع من بين خمسة نفر صوت حدث، ونفاه كل واحد عن نفسه، وأموا على ما ذكرنا، فأما في مسألة الأواني: فكل واحد يعيد آخر صلاة كان مأموماً فيها بلا خلاف.
والفرق أن الاجتهاد في الأواني جائز، فكان لك واحد اجتهد في إناءه وإناء إمامه إلى أن تعينت النجاسة في الآخر، ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت، ولو كانت المسألة بحالها لكن النجس من الأواني الخمس أثنان صحت صلاة كل واحد منهم خلف اثنين، وبطلت خلف اثنين، ولو كان النجس ثلاثة صحت صلاة كل واحد منهم خلف واحد، ولو كان أربعة امتنع الاقتداء بينهم على الإطلاق.
القسم الثاني: أن تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معاً، فلا يخلو؛ إما أن تصح صحة غير مغنية عن القضاء، وإما أن تصح صحة مغنية عن القضاء، فإن لم تكن مغنية عن القضاء كصلاة من لم يجد ماء ولا تراباً، فلا يجوز الاقتداء به للمتوضئ والمتيمم الذي لا يقضي؛ لأن تلك الصلاة إنما يؤتى بها لحق الوقت، وليست هي معتداً بها، فأشبهت الفاسدة، ولو اقتدى به من هو في مثل حاله ففيه وجهان للشيخ أبي محمد:
стр. 700
أحدهما: يجوز، لأن الصلاتين متماثلتان، فيجزئ الاقتداء فيهما، ثم يقضيان.
والثاني: لا؛ لأن ربط الاقتداء بما لا يعتد به كربط الاقتضاء بالصَّلاَةِ الفَاسِدَةِ، وهذا أوفق لإطلاق الأكثرين حيث منعوا الاقتداء به، ولم يفصلوا في معنى صلاة من لم يجد ماء، ولا ترابًا صلاة المقيم المتيمم لعدم الماء، وصلاة من أمكنه أن يتعلم الفاتحة، فلم يتعلم ثم صلى لحق الوقت، وصلاة العاري، وصلاة المربوط على الخشبة إذا ألزمناه الإعادة على هؤلاء، وقد سبق بيان الخلاف فيه، أما إذا صَحَّتْ الصلاة صحة مغنية عن القضاء فلا يخلو الحال، إما أن يكون المصلي مأموماً أو لا يكون، فإن كان مأموماً لم يجز الاقتداء به؛ لأنه تابع لغيره، ويلحقه سهو ذلك الغير، ومنصب الإمام يقتضي الاستقلال وتحمل سهو الغير فلا يجتمعان، ولو رأى رجلين واقفين أحدهما بجنب الآخر يصليان جماعة، وتردد في أن الإمام هذا أم ذاك لم يجز الاقتداء بواحد منهما حق يتبين له الإمام، ولو التبس على الواقفين فاعتقد كل واحد منهما أنه المأموم فصلاتهما باطلة؛ لأن كل واحد منهما مقتد بمن يقصد الائتمام، وكذلك لو كان كل واحد منهما شاكاً. لا يدري أنه إمام أو مأموم فصلاتهما باطلة، وإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام صحت صلاتهما، وإن شك أحدهما في حالة دون الآخر بطلت صلاة الشَّاك، وغير الشاك إن ظن أنه إمام صحت صلاته، وإن ظن أنه مأموم فَلاَ، وإن لم يكن المصلي مأموماً فلا يخلو إما أن يُخِلَّ بالقراءة أو لا يُخِلَّ، فإن أَخَلَّ بأن كان أُمِيًّا ففي صحة اقتداء القارئ به قولان:
الجديد: أنه لا يصح، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدْ؛ لأن الإمام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الإمامة بدليل المسبوق، فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل.
والقديم: أنه إن كانت الصَّلاَةُ سِريّةً صَح الاقتداء، وإلا فلا؛ بناء على القول القديم في أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الإمام، فإذا لم يحسن القراءة لم يصلح للتحمل، وفي السرية يقرأ المأموم لنفسه، فيجزئه ذلك، هذا نقل جمهور الأصحاب، منهم الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج والصيدلاني، والمسعودي، وذكر معظمهم أن أبا إسحاق خرج قولاً ثالثاً على الجديد: أن الاقتداء [به] صحيح، سواء كانت الصَّلاَةُ سريةٌ أو جهرية، لأن المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك، كما قال بإجزائه في السِّرِّيَّةِ في القديم، ومنهم من لم يثبت هذا القول الثالث، ومأخذ الطريقتين على ما ذكره الصيدلاني أن أصحابنا اختلفوا في نصين للشافعي ﵁ خالف الآخر الأول هل يكون الآخر رجوعاً عن الأول أم لا؟ منهم من قال: نعم، فعلى هذا لا يأتي في الجديد إلا قول واحد أنه لا يصح اقتداء (١) القاري بالأمي، ومنهم
стр. 701
من قال: لا يكون رجوعاً؛ لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين، فيجوز أن يذكرهما متعاقبين، فعلى هذا يخرج قول آخر في الجديد كما سبق، وإذا أثبتنا القول الشاك فأبو إسحاق مسبوق به؛ لأنه قد ذهب إليه المزني، وخرجه على أصول الشافعي ﵁ وعكس صاحب الكتاب في "الوسيط" ما ذكره الجمهور في القول الثاني، والثالث فجعل الثاني قولاً مخرجاً، والثالث منصوصه في القديم، ثم الأمي على أصلنا هو الذي لا يحسن بعض الفاتحة أو كلّها؛ لِخَرَسٍ ونحوه، ويدخل في هذا التفسير الأَرَت وهو الذي يدغم حرفًا في حرف في غير موضع الإدغام.
وقال في "التهذيب": هو الذي يبدل الراء بالتاء، والألثغ: وهو الذي يبدل حرفاً بحرفٍ كالسِّين بالثَّاء، فيقول: "المثتقيم" أو الراء بالغين فيقول: "غيغ المغضوب" ويدخل الذي في لسانه رخاوة تمنع أصل التشديدات، والخلاف الذي ذكرناه في اقتداء القارئ بالأمي فيما إذا لم يطاوعه لسان، أو طاوعه لكن لم يمض عليه من الزمان ما يمكنه التَعَلُّم فيه، فإذا مضى وقَصَّرَ بترك التعلم فلا يقتدي به بلا خلاف؛ لأن صلاته حينئذ مقضية يؤتى بها لِحَقِّ الوقت كصلاة من لم يقدر على الماء والتراب، ويجوز اقتداء الأمي بأمي مثله لاستوائهما في النقصان كاقْتضاء المرأة بالمرأة، [ولو] حضر رجلان كل واحد منهما يحسن بعض الفاتحة، إن كان ما يحسنه هذا يحسنه ذاك جاز اقتداء كل واحد منهما بالآخر، وإن أحسن أحدهما غير ما يحسنه الآخر فاقتداء أحدهما بالآخر كاقتداء القارئ بالأمي، ففي الخلاف الذي سبق، وعليه يخرج اقتداء الأرث بالألثغ، وبالعكس؛ لأن كل واحد منهما قارئ ما ليس صاحبه فيه بقارئ.
وتكره إمامة التمتام والفأفاء (١)، ويجوز الاقتداء بهما؛ لأنهما لا ينقصان شيئاً ويزيدان زيادة هما معذوران فيها، وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ننظر إن كان لحناً لا يغير المعنى ولا يبطله كرفع الحاء من الحمد لله فتجوز صلاته، وصلاة من اقتدى به، وإن كان بغير المعنى كقوله: أنعمتُ عليهم أو يبطله كقوله: بالمستقين، فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فْيلزمه ذلك، فلو قَصَّر وضاق الوقت صَلَّى وقَضَى، ولا يجوز الاقتداء به، وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم به، فإن كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة، وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالأمي، وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه.
стр. 702
قال إمام الحرمين: ولو قيل: ليس لهذا الذي يلحن في غير الفاتحة [أن] (١) يقرأ ما يلحن فيه؛ لأنه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن، ولا ضرورة إليه لما كان بعيداً -والله أعلم-.
هذا تمام قسم الإخلال، وإن لم يخل بالقراءة فلا يخلو إما أن يكون رجلاً، أو امرأة، أو خنثى مشكل، فأما الرجل فيصح اقتداء الرجال والنساء به، وأما المرأة فيصح اقتداء النساء بها، ولا يصح اقتداء الرجل بها؛ لما روي: أنه ﷺ قال: "أَلاَ لاَ تُؤمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلاَ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً" (٢).
ولا يجوز اقتداء الخنثى بها أيضاً؛ لجواز أن يكون رجلاً، وأما الخنثى فيجوز اقتداء المرأة به؛ لأنه إما رجل، أو امرأة، واقتداؤهما بالصنفين جائز، ولا يجوز اقتداء الرجل به؛ لاحتمال أنه امرأة، ولا أقتداء مشكل آخر؛ لاحتمال أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلاً، وحيث حكمنا بصحة الاقتداء فلا بأس يكون الإمام متيمماً أو ماسحاً على الخف، وكون المأموم متوضئاً أو غاسلاً، ويجوز أيضاً اقتداء السليم بسلس البول، والطاهرة بالمستحاضة التي ليست بمتحيرة في أصح الوجهين، كما يجوز الاقتداء بمن استجمر، وبمن على ثوبه أو بدنه نجاسة معفو عنها.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة-: لا يجوز؛ لأن صلاتهما صلاة ضرورة، ولا بأس بصلاة القائم خلف القاعد، خلافاً لمالك حيث قال: لا يجوز ذلك، ولأحمد حيث قال: إذا قعد الإمام قعد القوم خلفه، لنا ما روي: أنه ﷺ "صَلَّى قَاعِداً، وأَبُو بَكْرٍ ﵁ وَالنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامٌ" (٣). وبجوز اقتداء القائم والقاعد بالمضطجع، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على الصورة السابقة، فإنه سلمها: هذا آخر التقسيم، وقد تبين به الأوصاف المشروطة في الإمام.
ونعود الآن إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
وقوله: (وكل من لا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء) يدخل فيه من لا تصح صلاته أصلاً، ومن تصح صلاته صحة غير مغنية عن القضاء؛ لأن كل صلاة ليس لها نفس الصحة ليس لها الصحة الخاصة، وحكم الضربين ما ذكره.
وقوله: "فلا يصح الاقتداء به" مطلق، وظاهره يقتضي أن لا يصح اقتداء من لم
стр. 703
يجد ماء ولا تراباً بمثله، كما لا يصح اقتداء غيره به، وهو الوجه الذي ذكرنا: أنه الموافق لإطلاق الأكثرين.
وقوله: "ومن صحت صلاته صح الاقتداء به" يعني: صحت صلاته الصحة المبنية في القسم الأول، وهي المغنية عن القضاء.
وقوله: "إلا اقتداء القارئ" معلم بالزاي؛ لأن عند المزني هذه الصورة غير مستثناة كما سبق، ثم نظم الكتاب لا يصرح إلا باستثناء اقتداء القاريء بالأمي عن هذا الضابط، لكن اقتداء الرجل بالمرأة مستثنى عنه أيضاً، والمراد: إلا اقتداء الرجل بالمرأة، وقد حصر إمام الحرمين الاستثناء في هذين الموضعين، وضم إليهما في "الوسيط" ثالثاً، وهو: الاقتداء بالمقتدي ولك أن تقول: قولنا من صحت صلاته صح الاقتداء به، إما أن يريد به صحة اقتداء كل واحد به أو يعني صحة الاقتداء به في الجملة، فإن عنينا الأول فالاستثناء غير منحصر في الموضعين، ولا في الثلاثة؛ بل من صور الاستثناء الاقتداء بمن يتعين في زعم المأموم كونه محدثاً، وغير هذه الصورة على ما تقدم، وإن عنينا الثاني فلا حاجة إلى استثناء الأمي إذ يصح اقتداء مثله به، ولا استثناء المرأة، إذ يصح اقتداء المرأة بها.
وقوله: (ومن لا يحسن حرفاً من الفاتحة، والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه) أي فيحصل فيه الخلاف المذكور في اقتداء القارئ بالأمي.
قال الغزالي: فَإنْ اقْتَدَى الرَّجُلُ بِخُنْثَى فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَوْنُهُ رَجُلاً وَجَبَ القَضَاءُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي نَفْسِ الصَّلاَةِ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الفَرَاغِ كَوْنُهُ أُمِّيًّا أَوْ مُحْدِثاً أَوْ جُنُباً فَلاَ قَضَاءَ (ح)، وَلَوْ بَانَ كَونُهُ امْرَأَةً أَوْ كَافِراً وَجَبَ القَضَاءُ لِأَنَّ لَهُمَا عَلاَمَةً، وَلَوْ بَانَ كَوْنُهُ زِنْدِيقًا فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا عرف المأموم حال الإمام في الصفات المشروطة وجوداً وعدماً، وغرض هذا الفصل الكلام فيما إذا ظن شيئاً وتبين خلافه، فمن صوره:
ما لو اقتدى رجل بخنثى، وَبَانَ بعد الصلاة كونه رجلاً، وقد قدمنا أن هذا الاقتداء غير صحيح، وإذا لم يصح فلا يخفى وجوب القضاء، فلو لم يقض حتى بَانَ كون الإمام رجلاً، فهل يسقط القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه قد تبين كون الإمام رجلاً.
وأظهرهما: لا يسقط، لأنه كان ممنوعاً من الاقتداء به للتردد في حاله، وهذا التردد يمنع من صحة الصَّلاَةِ، وإذا لم تصح فلا بد من القضاء.
стр. 704
وقوله في الكتاب: (وجب القضاء على أظهر القولين) ليس المراد منه استفتاح الوجوب، وإنما المراد استمراره على ما بَيَّنَّا، ويجري القولان فيما لو اقتدى خُنْثَى بامرأة، ولم يَقْضِ الصلاة حتى بَانَ كونُه امرْأة، وفيما إذا اقتدى خنثى بخنثى، ولم يقض المأموم حق بَانَا رجلين أو امرأتين، أو بَانَ كون الإمام رجلاً (١) أو كون المأموم امرأة، وذكر الأئمة لهذه الصور نظائر.
منها: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فبَانَ أنه كان ميتاً، ففي صحة البيع قولان (٢).
ومنها: لو وكل وكيلاً بشراء شيء، وباع ذلك الشيء من إنسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد، وكان قد اشتراه ففي صحة البيع قولان.
ومن مسائل الفصل: ما لو اقتدى برجل ظنه متطهراً، ثم بَانَ بعد ما صلى أنه كان جنبًا، أو محدثاً، فلا قضاء عليه خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجب، ولمالك وأحمد حيث قالا: إن كان الإمام عالماً بحدثه وأَمَّ مع ذلك وجب على المأموم القضاء، وإن لم يكن عالماً لم يجب، وحكى صاحب "التلخيص" مثل ذلك قولاً للشافعي ﵁ منصوصاً.
لنا: ما رويِ أنه ﷺ : "دَخَلَ فِي صَلاَتِهِ، وَأَحْرَمَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ جُنُبٌ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ كَمَا أنْتُمُ، ثُمَّ خَرَجَ، واغْتَسَلَ، وَرَجَعَ وَرَأْسُهُ يَقْطُر مَاءٌ" (٣) وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
وروي أنه ﷺ قال: "إِذَا صَلَّى الإمَامُ بِقَوْمٍ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَجْزَأَتْهُمْ وَيُعِيدُ هُوَ" (٤).
стр. 705
وَأَيْضاً: فإنه غير مأمور بالبحث عن حدث الإمام وطهارته؛ لأنه لا علامة للمحدث والمتطهر يعرفان بها، فليس منه تقصير في الاقتداء به، وكل مصل لنفسه ففساد صلاة الإمام لا توجب فساد صلاة المأموم، والمسألة فيما إذا لم يعرف المأموم حدثه أصلاً، فإن علم حدثه، ولم يتفرقا، ولم يتطهر، ثم اقتدى به ناسياً وجبت الإعادة، وهي مفروضة في غير الجمعة، فأما إذا اتفق ذلك في الجمعة فسيأتي الكلام في بابها.
ومنها: لو اقتدى بمن ظنه قارئاً فبَانَ أنه أمي.
قال في "التهذيب": تجب الإعادة على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، والذي ذكره في الكتاب أنه لا قضاء عليه؛ كما لو بان جنباً، ووجهه إمام الحرمين بأن البحث عن كون الإمام قارئاً لا يجب، بل يجوز حمل الأمر على الغالب، وهو أنه لا يؤم إلا قارئ، كما يجوز حمل الأمر على أنه متطهر، فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بانت الجنابة، قال: وإذا كانت الصلاة جَهْرِيَّةٌ فيظهر فيها أنه قارئ، أو أمي، فإن لم يجهر فيها فحينئذ اختلف الأصحاب في أنه هل يجب البحث، وما حكاه صاحب "التهذيب" في المسألة أقرب إلى سياق الأكثرين، ويجوز أن يفرق بينه وبين ما إذا بَانَ جنباً بأن الحدث ليس بنقص في الشخص، وهذا نقص، فصار كما لو بَانَ كون الإمام كَافِراً، أو امرأة، وأيضاً فإن الوقوف على كونه قارئاً أسهل من الوقوف على كونه متطهراً؛ لأن عروض الحدث وإن عرف أنه تطهر قريب، وصيرورته أمياً بعد ما سمعه يقرأ في غاية البعد، وأما إذا اقتدى بمن لا يعرف حالة في صلاة جهرية ثم لم يجهر فحكاية العراقيين فيه عن نصه في "الأم" أنه يلزمه الإعادة؛ لأن الظاهر أنه لو كان قارئاً لجهر، فلو سلم وقال: أسررت ونسيت الجهر لم تجب الإعادة، وتستحب.
وإذا وقفت على ما ذكرنا أعلمت قوله: (فلا قضاء) بالحاء والميم والألف، وكذلك بالواو ولأمرين:
أحدهما: القول الذي حكاه صاحب "التلخيص".
والثاني: الخلاف الذي نقلناه في مسألة الأمي.
فإن قلت: ولم قيد هذه الصور بما إذا بَانَ الحال بعد الفراغ من الصَّلاَة، وكذلك قيد ما إذا اقتدى بخنثى، وبَانَ كونه رجلاً بما بعد الفراغ، وما الحكم لو بَانَ ذلك قبل الفراغ من الصلاة.
فالجواب: أما في صورة الخنثى: فالقولان جاريان في الحالتين، وحكى القاضي ابن كج القولين فيما إذا اقتدى خنثى بامرأة، ثم لم يخرج من الصلاة حتى بَانَ للمأموم