أحدهما: أنه يتابعه ويسقط عنه الباقي، فعلى هذا لو اشتغل بإتمامها كان متخلفاً بغير عذر.
وأصحهما: وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وإبراهيم المروزي: أنه لا يسقط، وعليه أن يتمها، ويسعى خلف الإمام على نظم صلاته ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة، فإن زاد على ثلاثة أركان فوجهان:
أحدهما: أنه يخرج عن متابعته؛ لتعذر الموافقة.
وأظهرهما: أن له أن يدوم على متابعته وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يراعي نظم صلاته، ويجري على إثره، وهو معذور، وبهذا أفتى القفال.
وأظهرهما: أنه يوافقه فيما هو فيه، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، وهذان الوجهان كالقولين في مسألة الزحام.
ومنها أخذ التقدير بثلاثة أركان مقصود، فإنه إنما يَحْصُل القولان في تلك المسألة إذا ركع الإمام في الثانية، وقبل ذلك لا يوافقه، وإنما يكون التخلف قبله بالسَّجْدَتَيْنِ والقِيَام، ولم يعتبر الجُلوس بين السَّجدتين على مذهب من يقول: إنه غير مقصود، ولا يجعل التخلف بغير المقصود مؤثراً، وأما من لا يفرق بين المقصود وغير المقصود أو يفرق ويجعل الجلوس مقصوداً؛ لأنه ركن طويل، وهو المرضي عند صاحب الكتاب، والقياس على أصله، التقدير بأربعة أركان أخذاً من مسألة الزِّحَامِ.
ولو اشتغل المأموم بدعاء الاستفتاح، ولم يتم الفاتحة لذلك، وركع الإمام فيتم الفاتحة كما في بطيء القراءة، وهو معذور في التخلف، ذكره في "التهذيب"، وكل هذا في المأموم الموافق، فأما المسبوق إذا أدرك الإمام في القيام، وخاف ركوعه فينبغي أن لا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ بل يبادر إلى قراءة الفاتحة، فإن الاهتمام بشأن الفرض أولى، ثم إن ركع الإمام في أثناء الفاتحة ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يسقط عنه ما بقي من الفاتحة، ويركع معه.
والثاني: أن يتم الفاتحة؛ لأنه أدرك القيام الذي هو محلها.
والثالث -وبه قال أبو زيد، وهو الأصح عند القفال والمعتبرين-: بأنه إن لم يقرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة ويركع معه، ويكون مدركاً للركعة؛ لأنه لم يدرك إلا ما يقرأ فيه بعض الفاتحة، فلا يلزمه فوق ذلك كما إنه إذا لم يدرك شيئاً من القيام لا يلزمه شيء من الفاتحة، وإن قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح لزمه بقدره من الفاتحة لتقصيره بالعدول من الفريضة إلى غيرها.
стр. 737
فإن قلنا: عليه إتمام الفاتحة فتخلّفه ليقرأ تخلف بالعُذر (١)، ولو لم يتم ورَكَعَ مع الإمام بَطَلَتْ صَلاتُه.
وإن قلنا: إنه يركع فلو اشتغل بقراءة البَقِيَّة، كان هذا تَخَلُّفاً بِغَيْرِ عُذْرٍ، فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة، ثم لحقه في الاعتدال، فلا يكون مُدْرِكاً للركعة، وأصح الوجهين أنه لا تبطل صلاته، إذا فرعنا على أن التقدم بركن واحدٍ لا يبطل كما في حق غير المسبوق.
والثاني: تبطل؛ لأنه ترك متابعة الإمام، فيما فاتت به الركعة، وكانت بمثابة السبق بركعة.
ومنها: الزحام، وسيأتي في الجمعة.
ومنها: النسيان، فلو ركع مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي الفاتحة، أو شك في قراءتها، فلا يجوز أن يعود؛ لأنه فات محل القراءة، فإذا سلم الإمام قام، وتدارك ما فاته، ولو تذكر أو شَكَّ بعد ما رَكَعَ الإمامُ، وهو لم يركع بعد، لم تسقط القراءة بالنِّسيان، وماذا يفعل؟ فيه وجهان منقولان في "التهذيب":
أحدهما: أنه يركع معه، فإذا سلم الإمام قام وقضى الركعة.
والثاني: أنه يتمها أولاً، وهذا أشبه وبه أفتى القفال، وعلى هذا فتخلفه ليقرأ تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ أم لا؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "التتمة".
وأظهرهما: أنه تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ.
والثاني: لا لتقصيره بالنسيان.
الحالة الثالثة: أن يتقدم على الإمام إما في الركوع والسجود وغيرهما من الأفعال الظاهرة، فينظر: إن كان لم يسبق بركن كامل لم تبطل صلاته؛ لأنه مخالفة يسيرة.
مثاله: ما إذا ركع قبل الإمام ولم يرفع حتى ركع الإمام، وعن بعض الأصحاب أنه تبطل إذا تعمد، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي محمد، ووجهه أن التقدم يناقض
стр. 738
الاقتداء بخلاف التخلف، وعلى الصحيح لو فعل ذلك عمداً لم يجز أن يعود، ولو عاد بطلت صلاتُه؛ لأنه زادَ ركناً، هكذا ذكره صاحب "النهاية" و"التهذيب" وحكى العراقيون على النَّصِّ أنه يستحب أن يعود إلى موافقته وركع معه، وقد مر ذكر هذه المسألة، ولو فعله سهواً فوجهان:
أحدهما: أنه يجب العود، ولو لم يعد بطلت صلاته.
وأظهرهما: أنه لا يجب، وإنما هو بالخيار، إن شاء عاد وإلا فلا، وإن سبق الإمام بركنين فصاعداً بطلت صلاته، إن كان عامداً عالماً بأنه لا يجوز؛ لتفاحش المخالفة، وإن كان ساهياً أو جاهلاً لم تبطُل، لكن لا يُعْتَد بتلك الرَّكْعَة فيتداركها بعد سَلاَمِ الإمام، والتقدم بركنين لا يخفى قياسه، مما مر في التخلف (١)، ومثَّل أئمتنا العراقيون ذلك بما إذا ركع قبل الإمام، فلما أراد الإمام أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد، فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال، وهذا يخالف ذلك القياس، فيجوز أن يقدر مثله في التخلف، ويجوز أن يخصص ذلك بالتقدم؛ لأن المخالفة فيه أفحش، وإن سبقه بركن واحد، كما إذا ركع قبل الإمام ورفع رأسه، والإمام في القيام، ثم وقف حق رفع الإمام، واجتمعا في الاعتدال فالذي ذَكَرَه الصيدلاني وقوم: أنه تبطل صلاته؛ لتعمد المخالفة، وبعد هذه المخالفة عما يناسب حال المقتدي.
قالوا وهذا في التقدم بالركن المقصود، فأما إذا سبق الاعتدال بأن اعتدل وسجد والإمام بعد في الركوع، أو سبق بالجلوس بين السجدتين، كما إذا رفع رأسه عن السجدة الأولى وجلس وسجد الثَّانية، والإمام بعد في الأولى فوجهان كما ذكرناهما في حالة التَّخَلُّفِ.
وقال أصحابنا العراقيون وأخرون: إن التقدم بركن واحد لا يبطل الصَّلاة؛ لأنه مخالفة يسيرة فهي بمثابة التخلف، وهذا أظهر وأشهر، ويحكى عن نَصِّ الشافعي ﵁، هذا في الأفعال الظاهرة، وأما التكبير فالسبق به غير محتمل على ما قدمناه.
وأما قراءة الفاتحة وفي معناها التشهد، فالسبق بها على الإمام غير مبطل، وإن
стр. 739
قلنا إن السَّبْقَ بتمام الركوع مُبْطِلٌ لأنه لا تظهر به المخالفة، وفي "التتمة" حكاية وجه ضعيف أنه يبطل كالركوع، وعلى هنا المذهب هل تقع محسوبة أو يجب إعادتها مع قراءة الإمام أو بعدها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنها تقع محسوبة.
إذا عرفت ما ذكرناه ونظرت في قوله: (والتقدم كالتخلف) سبق إلى فهمك أنه جواب على ما ذكره العراقيون، وحكوه عن النَّصِّ وهو أن التقدم بركن واحد لم يبطل، وهذا هو الذي أورده في التخلف، وحمل قوله: (وقيل: إنه يبطل، وإن كان بركن واحد) على ما رواه الصيدلاني، وغيره هذا تنزيل صحيح لكنه نقل الوجه الثاني، في "الوسيط" عن الشيخ أبي محمد، وليس في "النهاية" تعرض لذلك، والمشهور عنه (١) ما قدمناه أن المبادرة إلى الركن مبطلة (٢)، أن لم يسبق بتمامه، فإن لم يثبت عن الشيخ إلاَّ ذا وإن كان القول به قولاً بالبطلان عند السبق بتمام الركن فإن كان المراد ما اشتهر عن الشيخ فالتقدم في لفظ الكتاب، وفي "الوسيط" محمول على المبادرة إلى الركن، من غير أن يسبق بتمام -والله أعلم-.
قال الغزالي: فُرُوعٌ المَسْبُوقُ يَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّر لِلْعَقْدِ ثُمَّ لِلْهَويَ، فَإنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ جَازَ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهِ الهَوِيَّ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِتَعَارِضُ القَرِينَةِ.
قال الرافعي: المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح، وليس له أن يشتغل بقراءة الفاتحة، بل يهوي للركوع ويُكَبِّرُ له تكبيرةً أخرى؛ وكذلك الحكم لو أدركه قائماً فكبر، وركع الإمام كما كَبَّر، ولو اقتصر على تكبيرة واحدة، فلا يخلو من إحدى أحوال أربع:
الأول: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح فتصح صلاته؛ لأن تكبيرة الركوع سُنَّة، ويشترط وقوعها في حال القيام كما تقدم.
الثاني: وأن ينوي بها تكبيرة الركوع، فلا تصح.
الثالث: وأن ينوي بهما جميعاً، فظاهر المذهب أنها لا تصح أيضاً؛ لأنه يشرك بين الفرض وغيره، الذي لو اقتصر على قصد الفرض لم يحصل به ذلك الغير، فأشبه ما لو تحرم بفريضة ونافلة، ويخالف ما إذا اغتسل للجنابة والجمعة ونظائره.
وفيه وجه أن صلاته تنعقد نفلاً، نقله القاضي ابن كج عن حكاية أبي حامد القَاضِي.
стр. 740
والرابعة: أن لا ينوي هذا ولا ذاك بل يطلق التكبيرة.
قال بعض الأصحاب: تنعقد صَلاتُه؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه، والظاهر أنه لا يقصد الهَوِيّ ما لم يتحرم، وحكى أصحابنا العراقيون عن نصه في: "الأم": أنها لا تنعقد؛ لأن قرينة الهَوِيّ تصرفها إليه، وإذا تعارضَتِ القرينتان فلا بُدَّ من قَصْدٍ صَارِفٍ، وإلا فَهِي بمثابة ما لو قصد التشريك بينهما، ومَيْلَ إمام الحرمين إلى الوجه الأول، وظاهر المذهب عند الجمهور الثاني.
وقوله في الكتاب: (جاز إلا إذا قصد به الهَوِيَّ) ليس العصر للاستثناء فيه، بل قوله: (فإن أطلق) في معنى المستثنى، وكأنه قال: وإلا إذا أطلق نعم، هذا مختلف فيه وذاك متفق عليه، ثم لا بد من استثناء الحالة الثالثة أيضاً، وإن لم يتعرض لها، والمراد من التردد الذي أطلقه القول المنصوص، والوجه المقابل له.
وقوله: (لتعارض القرينة) يجوز أن يكون إشارةً إلى توجيه الخلاف، ويجوز أن يكون علة لعدم الانعقاد، أي: إذا تعارضتَا فلا بُدَّ من قصدٍ مُخَصَّصٍ.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى قَطْعَ القُدْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَفِي بُطْلاَنِ صَلاَتِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرِّقُ الثَّالِثُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغيْرَ الْمَعْذُورِ، وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ إِذَا أَحْدَثَ الإِمامُ لَمْ تَبْطُلْ (ح) صَلاةُ الْمَأْمُومِ.
قال الرافعي: إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الإمام، ففي بطلان صلاته قولان:
أحدهما: أنها تبطل لقوله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" (١).
وأيضاً فإنه التزم بالاقتداء، وانعقدت صلاته على حكم المتابعة، فكيف بها.
والثاني: لا تبطل؛ لما روي "أَنَّ مُعَاذًا ﵁ أَمَّ قَوْمَهُ لَيْلَةً فِي صَلاَةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ مَا صَلاَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَافْتَتَحَ سُوَرَةَ الْبَقَرَةِ فَتَنَحَّى مِنْ خَلْفِهِ رَجُلٌ، وَصَلَّى وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْتَ ثُمَّ ذَكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ أَخَّرْتَ الْعِشَاءَ، وَإِنَّ مُعَاذاً صَلَّى مَعَكَ، ثُمَّ أَمَّنَا وافْتَتَح سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِح، نَعْمَل بِأَيْدِينَا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذلِكَ تَأَخَّرْتُ، وَصَلَّيْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَفُتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ اقرَأ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَأْمُرِ الرَّجُلَ بِالإعَادَةِ" (٢).
стр. 741
وأيضاً فإن الجماعة سُّنة، والتطوعات لا تلزم بالشروع، وهذا أصح القولين.
وعن الإصطخري أنه قطع به، ولم يثبت في المسألة قولين، والأشهر إثباتهما، ثم اختلفوا في محلها على طرق.
أصحها: أن القولين فيمن خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، فأما المعذور فيجوز له الخروج بلا خلاف، "وَلهذَا فَارَقَتِ الْفِرْقَةُ الأُولَى رَسُولَ اللهِ ﷺ في صَلاَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، بَعْدَ مَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً" (١).
قال إمام الحرمين: والأعذار كثيرة والأقرب المعتبر فيها أن يقال: كل ما يجوز ترك الجماعة به ابتداء يجوز ترك الجماعة به بعد الشروع فيها، وألحقوا بها ما إذا ترك الإمام سُنَّة مقصودةٌ كالتشهد الأول، والقنوت وما إذا لم يصبر على طول القراءة لضعف، أو شغل، وعن الشيخ أبي حامد: ما ينازع في هذا الأخير؛ لأنه حكي في "البيان" عنه أنه جعل انفراد الرجل عن معاذ انفراداً بغير عذر.
والطريق الثاني: أن القولين فيما إذا خرج بغير عذر، فأما غير المعذور لو خرج بطلت صلاتُه قولاً واحداً.
والثالث: أن القولين في الكُلُّ، ويحكى أنه اختيار الحليمي، ونظم الكتاب يوافق هذه الطريقة؛ لأنه جمع بين الحالتين، وأطلق ثلاثة أقوال، وإنما ينتظم ذلك عند من يثبت الخلاف في الحالتين، وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم قوله: (ثلاثة أقوال) بالواو؛ للطريقة الأولى والثانية، فإن كل واحدة منهما لا يثبت الخلاف إلا في حالة؛ ولما نقل عن الإصطخري فإنه نفى الخلاف فيهما.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته بالمخالفة سواء كان بعذر أو بغير عذر، وعند أحمد: يجوز بالعُذْرِ، ولا يجوز بغير عُذْر في أَصَّحِّ الروايتين.
وقوله: (وعلى كل قول ...) إلى آخره فالغرض منه بيان أن الخلاف فيما إذا قطع المأموم القدوة والإمام في صلاته، فأما إذا انقطعت القدوة لحدث الإمام فليس هذا موضع الخلاف، ولا تبطل صلاة المأموم بحال؛ لأنه لم يحدث شيئاً.
وقوله: (لم تبطل صلاة المأموم) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لو تعمد الحدث بطلت صلاة المأمومين، وكذا لو سبقه الحدث ولم يستخلف.
قال الغزالي: وَالمُنْفَرِدُ إِذَا اقْتَدَى فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ لَمْ يَجُزْ فِي الجَدِيدِ.
стр. 742
قال الرافعي: لو أقيمت الجماعة وهو في الصلاة منفرداً نظر، إن كان في فريضة الوقت فقد قال الشافعي ﵁ في "المختصر": أحببت أن يكمل ركعتين، ويسلم ويكونان له نافلة، ويبتدي بالصلاة مع الإمام.
ومعناه؛ أن يقطع نِيَّةَ الفريضة وَيقْلِبُهَا نَفْلاً، وفيه وفي نظائره خلاف قدمناه في مسائل النية في "باب صفة الصَّلاَة" ثم ما ذكره فيما إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية ولم يكمل بعد ركعتين، فأما إذا كانت ذات ركعتين أو أكثر وقد قام إلى الثالثة فيتمها ثم يدخل في الجماعة، وإن كان في فائتة فقد قال القاضي الحسين ﵀: لا يستحب أن يقتصر على ركعتين، ليصلي تلك الصلاة بالجماعة، لأن الفائتة لا تشرع لها الجماعة بخلاف ما لو شرع في الفائتة في يوم غَيْم فانكشف الغيم، وخاف فوات الحاضرة يسلم عن ركعتين، ويشتغل بالحاضرة؛ لأن مراعاة الوقت أولى من مراعاة الجماعة، وإن كان في نافلة وأقيمت الجماعة فإن لم يخش فوتها أتمها، وإن خشيه قطعها ودخل في الجماعة، فأما إذا لم يسلم عن الصَّلاة التي أحرم بها منفرداً واقتدى في خلالها ففيه طريقان:
أصحهما: أن فيه قولين:
أحدهما: لا يجوز وتبطل صلاتُه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وكذلك أحمد في أصح الروايتين؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لاَ تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ".
وهذا يقضي إلى الاختلاف، وأيضاً قال: "فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا" أمر المأموم بأن يكبر إذا كَبَّر الإمام، وهذا كَبَّر قبله.
وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال المُزني؛ لما روي أنه ﷺ "صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي صَلاَتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: كَمَا أَنْتُمْ، وَخَرَجَ وَاغْتَسَلَ وَعَادَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ وَتَحَرَّمَ بِهِمْ" (١).
ومعلوم أنهم أنشأوا اقتداءً جديداً إذ تبين أن الأول لم يكن صحيحاً، وأيضاً فإنه يجوز أن يصلي بعض الصلاة منفرداً ثم يقتدي به جماعةً فيصير إماماً، وكذلك يجوز أن يصير مأموماً بعد ما كان منفرداً.
والطريق الثاني: القطع بالمنع، حكى الطريقين الشيخان أبو محمد، والصيدلاني، وغيرهما، والمشهور إثبات القولين، ثم اختلفوا في محلهما على طرق:
أحدها -وبه قال القاضي أبو حامد-: أن القولين فيما إذا لم يركع المنفرد بعد في
стр. 743
صلاته، فأما بعده فلا يجوز الاقتداء قولاً واحداً؛ لأنه يخالف الإمام في الترتيب وموضع القيام والقعود، فلا تَتَأتَى المتابعة.
وثانيهما: أن القولين فيما إذا اقتدى بعد الركوع، فأما قبله فيجوز قولاً واحداً، وبه قال أبو إسحاق واختاره القاضي أبو الطيب.
وأصحهما: أن القولين يطردان في الحالتين، وحكي في "التهذيب" طريقة الفرق بعبارة أخرى، فقال: منهم من قال: والقولان فيما إذا اتفقا في الرَّكْعَةِ، فإن اختلفا وكان الإمام في ركعة، والمأموم في أخرى متقدماً، أو متأخراً لا يجوز، وهذا هو الوفاء بالنظر إلى اختلاف الترتيب، وإذا جوزنا الاقتداء على الإطلاق، واختلفا في الركعة قعد المأموم في موضع قعود الإمام، وقام في موضع قيامه، وإذا تم صلاة المأموم أولاً لم يوافق الإمام في الزيادة، بل إن شاء فارقه وإن شاء انتظره في التشهد، وطَوَّلَ الدعاءَ ليتم صلاته فيسلم معه، وإن تم صلاة الإمام أولاً قام المأموم وأتمَّ صلاتَه، كما يفعل المسبوق، وإذا سَهَا المأمومُ قبل الاقتداء لم يتحمل عن الإمام، [بل إذا سلَّم الإمام سجد هو لسهوه، وإن سَهَا بعد الاقتداء تحمل عنه الإمام] (١) وإن سَهَا الإمام قبل الاقتداء أو بعده لحق المأموم، ويسجد مع الإمام، ويعيد في آخر صلاته على الأصح على ما ذكرناه في المسبوق.
وقوله في الكتاب: (لم يجز على الجديد) جواب على الطريقة المشهورة [وهي إثبات الخلاف في المسألة، وظاهره يوافق الطريقة المشهورة بعد إثبات الخلاف] (٢) وهي طرده في الأحوال كلّها.
وأما تعبيره عن قول المنع بالجديد، فهكذا ذكره الشيخ أبو محمد، والمسعودي، وغيرهما.
وقالوا: قوله في "المختصر": "وكرهت أن يفتتحها صلاة انفراداً، ثم يجعلها صلاة جماعة" أراد به أني لا أجوزه، وجعلوا الجواز قوله القديم.
وقال صاحب "المهذب" وشيخه أبو القاسم الكرخي، وآخرون: يجوز ذلك في القديم والجديد معاً، وحكوا قول المنع عن "الإملاء" وأرادوا بالجديد "الأم" ونقلوا الجواز عنه.
واعلم أن "الإملاء" محسوب من الكتب الجديدة، فيحصل عما نقلوه عنه وعن "الأم" قولان في الجديد، ويمكن تنزيل التعبيرين عليهما، وبتقدير انحصار المنع في
стр. 744
الجديد على ما يشعر به لفظ الكتاب، فالمسألة مما يفتي فيها على القديم (١)؛ لأن الأصح عند جمهور الأصحاب جواز الاقتداء، ويجوز أن يعلم قوله: [(لم يجز) بالزاي؛ لما ذكرنا من مذهب المزني.
وقوله: (على الجديد) بالواو] (٢) لأمرين:
أحدهما: الطريق الثاني للخلاف في بعض الأحوال.
والثاني: الطريق الثاني للخلاف في المسألة أصلاً ورأساً.
قال الغزالي: وَإِذَا شَكَّ المَسْبُوقُ أَنَّ الاِمَامَ هَلْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ؟ فَفِي إِدْرَاكِهِ قَوْلاَنِ لأَنَّ الأَصْلَ كَوْنُهُ لَمْ يُدْرِكْ، وَيُعَارِضُهُ أَنَّ الأَصْلَ أنَّهُ لَمْ يَرْفعَ رَأْسَهُ.
قال الرافعي: الأصل الذي تتفرع عليه المسألة: أن من أدرك الإمام في الركوع كان مدركاً للركعة، لما روي أنه ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ عَنِ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَرْبَعاً" (٣). وروي أن أبا بَكْرَة دخل المسجد، والنبي ﷺ رَاكِعٌ، فركع ثم دخل الصف، وأخبر النبي ﷺ بذلك (٤)، ووقعت ركعته معتداً بها، وذكر في "التتمة" أن أبا عاصم العبادي حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع ويجب تداركها.
واحتج بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُّوعِ فَلْيَرْكَع مَعَهُ، وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةُ" (٥).
وروى الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور"، ومثله عن أبي بكر الصِبْغي (٦)،
стр. 745
والمذهب المشهور الأول وعليه جرى النَّاس في الأعصار، ويعتبر فيه أن يكون ذلك الركوع محسوباً للإمام، فإن لم يكن ففيه كلام قد تعرض له في "كتاب الجمعة" وسنشرحه ثَمَّ إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن معنى إدراكه في الركوع أن يكتفي هو وإمامه في حد أقل الركوع، حق لو كان هو في الهَوِيُّ والإمام في الارتفاع وقد بلغ من هويُّه حد الأقل قبل أن يرتفع الإمام عنه، كان مدركاً، وإن لم يلتقيا فيه فلا، هذه عبارة الأصحاب على طبقاتهم.
وهل يشترط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن الحد المعتبر؟ الأكثرون لم يتعرضوا له، ورأيت في "الييان" اشتراط ذلك صريحاً، وبه يشعر كلام كثير من النَّقَلَةِ وهو الوجه -والله أعلم-.
ولو كَبَّر وانحنى وشك في أنه هل بلغ الحد المعتبر قبل ارتفاع الإمام عنه أم لا؟ فهذه مسألة الكتاب، وقد نقل فيها قولين، وحكاهما في "النهاية" على وجهين:
أحدهما: أنه غير مُدْرِك للركعة، لأن الأصل عَدَم إدراك الركوع.
والثاني: أنه مدرك لها؛ لأن الأصل بقاء الإمام في الركوع في زمان الشَّكِّ، والأول أظهر؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع على خلاف الحقيقة لا يصار إليه إلا عند تَيَقُّنِ الركوع، وإن إدراكه فيما بعد الركوع من الأركان لا يكون مدركاً للركعة، وعليه أن يتابعه في الركن الذي أدركه فيه، وإن لم يكن محسوباً؛ لما روي: أنه ﷺ قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ، وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَليَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإمَامُ" (١).
قال الغزالي: وَالمَسْبُوقُ عِنْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ عَلَى النَّصِّ.
قال الرافعي: المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، فقد ذكرنا أنه يكبر لِلْهَوِيِّ بعدد تكبيرة الافتتاح، ولو أدركه في السجدة الأولى أو الثانية أو في التشهدِ، فهل يكبر للانتقال إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالركوع.
وأظهرهما: لا؛ لأن الركوع محسوب له فيكبر للانتقال إليه، وهاهنا بخلافه، ويخالف أيضاً ما لو أدركه في الاعتدال، فما بعده فإنه ينتقل مع الإمام من ركن إلى ركن، مكبراً وإن لم تكن محسوبةً له؛ لأن ذلك لموافقة الإمام، ولذلك نقول: يوافقه
стр. 746
في قراءة التشهد، وفي التسبيحات على أصح الوجهين، فهذا حكم تكبيره إذا لحق الإمام.
أما إذا سلَّم الإمام فقام المسبوق ليتدارك فقد قال في الكتاب: "إِنَّه يقوم من غير تكبير" وأسنده إلى النص، وهكذا فعل في "الوسيط" وذكر أن الشيخ أبا محمد قال: إنه يكبر للانتقال، ولم يرسل جمهور الأئمة الخلاف في المسألة، وهكذا، وحيث أثبتوا الخلاف لم يسندوا نفي التكبير إلى النَّصِّ، ولكن قالوا: ينظر إن كان الجلوس الذي سلم من الإمام موضع الجلوس المسبوق كما لو أدركه في الثالثة من الصلوات الرباعية، أو في الثانية من المغرب، فيقوم مكبراً، فإنه لو كان وحده لكان هكذا يفعل، وإن لم يكن موضع جلوسه كما إذا أدركه في الثانية أو الرابعة من الرباعيات أو في الثالثة من المغرب ففيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القفال: أنه لا يُكَبِّرُ عند قيامه؛ لأنه ليس موضع تكبيره، وليس فيه موافقة الإمام.
والثاني: ويحكى عن أبي حامد: أنه يُكَبِّر كَيْلاَ يَخْلُو الانتقال عن ذكره، ومتى لم يكن الموضع جلوسه لم يجز له المكث بعد سلاَم الإمام، ولو مكث بطلت صلاته، وإن كان موضع جلوسه لم يضر المُكْث.
وقوله: (والمسبوق عند سلام الإمام) لك أن تبحث فتقول الاعتبار بالتسليمة الأولى، أو بالثانية، فاعلم أن السنة أن يقوم عقيب تسليمتي الإمام فإن الثانية من الصلاة وإن لم تكن مفروضة، ويجوز أن يقوم عقيب الأولى، ولو قام قبل تمامها بطلت صلاته، إن تعمد القيام، وهذا يبين أنه ليست كلمة "عند" للحصر -أعني في قوله: (عند سلام الإمام) ومن الأصول في المسبوق أن ما يدركه مع الإمام أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام آخر صلاته، حق لو أدرك ركعةً من المغرب، فإذا قام لإتمام الباقي يجهر في الثانية ويسر في الثالثة، ولو أدرك ركعةً من الصبح وقنت مع الإمام، يعيد القنوت في الركعة التي يتداركها بعد سلام الإمام، ونص الشافعي: أنه لو أدرك ركعتين من صلاة رباعية ثم قام للتدارك يقرأ السورة بعد الفاتحة في الركعتين، وهذا يخالف قياس الأصل الذي ذكرناه، فمن الأصحاب من قال: إنه جواز على قوله: (يستحب قراءة السورة في الركعات) ومنهم من قال: وإنما أمره بقراءة السورة؛ لأن إمامه لم يقرأ السُّورة في الركعتين اللتين أدركهما، المسبوق وفاتته فضيلتها، فيتداركها في الركعتين الباقيتين، فصار كما لو ترك "سورة الجمعة" في الركعة الأولى من صلاة الجمعة يقرؤها مع "سورة المنافقين" في الثانية.
وقال أبو حنيفة ﵀: ما أدرك المسبوق مع الإمام آخر صلاته الإمام، وما
стр. 747
يتداركه بعد سلام الإمام أول صلاته، ووافقنا على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، وقام بعد سلام الإمام للتدارك يقعد في الثانية، ولو كان ما يتداركه أول صلاته لما قعد (١).
стр. 748
كِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَ
وَفِيهِ بَابَانِ
قال الغزالي: الأَوَّلُ، في القَصْرِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَالمَحَلِّ وَالشَّرْطِ.
قال الرافعي: لم يترجم العلماء هذا الباب بصلاة المسافرين، لا على معنى أن للمسافرين صلاة يختصون بها، ولكن على معنى أن لهم كيفية في إقامة الفرائض لا تعم كل مصل، وإنما شرعت تخفيفاً عليهم؛ لما يلحقهم من تَعَبِ السَّفرِ.
وهي نوعان:
أحدهما: تخفيف في نفس الصَّلاة، وهو القصر.
والثاني: تخفيف في رعاية وقتها، وهو الجمع فرسم لهم بابين، والتخفيف الثاني: لا يختص بالسفر بل المطر يثبته أيضاً، لكن السفر أقوى سببيه على ما تبين في التفاصيل، فجعل الآخر تبعاً له، وأورد في صلاة المسافرين.
أما القصر فهو جائز بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١).
روي أن يعلى بن أمية قال: "قُلْتُ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّاب ﵁: إِنَّمَا قَالَ اللهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وَقَد أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرٌ عَجِبْتُ مَمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (٢).
وهل هو رخصة أو عزيمة؟ عندنا هو رخصة.
ولو أراد الإتمام جاز، وبه قال أحمد؛ لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعْتُ قَالَ مَا صَنَعْتِ فِي سَفَرِكِ، فَقُلْتُ: أَتْمَمْتُ الَّذِي قَصَرْتُ وَصُمْتُ الَّذِي أَفْطَرْتُ فَقَالَ: أَحْسَنْتِ" (٣).
стр. 749
وقال أبو حنيفة: القصر عزيمة، ولا تجوز الزيادة على الركعتين في الصَّلاة الرباعية، ولو صلى أربعاً فإن قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأت الركعتان عن فرضه، والأخريان له نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد بطلت صلاته؛ وهذا في المنفرد، وأما إذا اقتدى بمقيم سلّم أنه يتم.
وعن مالك روايتان:
إحداهما: كمذهبنا، والأخرى كمذهبه، واعلموا في نسخ الكتاب قوله: (وهو رخصة) بالحاء والميم إشارة إلى مذهبهما، وظني أن هذا الإعلام فاسد؛ لأن وصف الشيء بأنه رخصة قد يكون بالمعنى المقابل للعزيمة، وقد يكون بمعنى أنه جائز -يقال أرخص لفلان في كذا، أي: جوز له ذلك-، والأشبه أن المراد هاهنا المعنى الثاني؛ لأنه قال عند وجود السبب والمحل والشرط؛ ومعلوم أن الجواز يفتقر إلى هذه الأمور، سواء كان رخصة أو عزيمة، ولا يختص الافتقار إليها بالرخصة المقابلة للعزيمة، وإذا كان المراد أنه جائز فلا خلاف فيه حتي يعلم.
قال الغزالي: (الأَوَّلُ) السَّبَبُ وَهُوَ كُلُّ سَفَرٍ طَوِيلٍ مُبَاحٍ (ح) وَالمُرَادُ بِالسَّفَرِ رَبْطُ القَصْدِ بِمَقْصَدٍ مَعْلُومٍ، فَالهَائِمُ لاَ يَتَرَخَّصُ وَإنَّمَا يَتَرَخَّصُ المُسَافِرُ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ السُّورِ أَوْ عُمْرَانِ البَلَدِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُورٌ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ المَزَارعَ والبَسَاتِينَ، وَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا عَلَى سُكَّانِ القَرَايَا أَعْنِي المَزَارعَ المَحُوطَةَ، وَعَلَى النَّازِلِ فِي الوَادِي أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عُرْضِ الوَادِي، أَوْ يَهْبِطَ إنْ كَانَ عَلَى رَبْوَةٍ، أَوْ يَصْعَدَ إنْ كَانَ فِي وَهْدَةٍ، أَوْ يُجَاوِزَ الخِيَامَ إنْ كَانَ فِي حِلَّةٍ.
قال الرافعي: السبب المجوز للقصر السفر الطويل (١) المباح (٢)، فهذه ثلاثة قيود:
أولها: السفر، وقد تكلَّم في معناه ثم في ابتدائه وانتهائه.
أما معناه: فلا بد فيه من ربط القصد بمقصد معلوم فلا رخصة للهائم الذي لا
يدري إلى أين يتوجه أكان طال سيره؛ لأن كون السَّفر طويلاً لا بد منه، وهذا لا يدري أن سفره طويل أم لا، والهائم هو الذي سماه راكب التعاسيف في باب الاستقبال، ويجوز أن يعلم قوله: (فالهائم لا يترخص) بالواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن بعضهم فيه وجهين، بناء على القولين فيما إذا سلك الطريق الطويل وترك القصير لا
стр. 750
لغرض، ولعل هذا بعد أن يسير مسافة القصر، والله أعلم.
ولو استقبله برية، واضطر إلى قطعها أو ربط قصده بمقصد معلوم بعد ما هام على وجهه أياماً فهو منشئ للسفر من حينئذ، وتنبه من لفظ الكتاب أمور.
أحدها: إنما قال: (والمراد بالسفر) ولم يذكر أن السفر عبارة عن المعنى الذي يخرج عنه الهائم؛ لأنه ينتظم أن يقال، هو هائم في سفره.
والثاني: أنه في الكلام إضمار، معناه ربط قصد السَّيْرِ بمقصد مَعْلُوم، لأن مجرد النِّية لا يَجعله مسافراً ولا تفيد الرخصة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، ربط القصر بالضَّرْبِ في الأرض لا بقصد الضرب، وهذا بخلاف ما لو نوى المُسَافِرُ الإقامةَ في موضع صالح لها، حيث يصير مقيماً؛ لأن الأصل الإقامة والسفر عارض، فيجوز أن يعود إلى الأصل بمجرد النية ولا يعود به من الأصل إلى العارض وهذا كما أن مال القنية لا يصير مال نجدة بمجرد النية ومال التجارة يصير مال قنية بمجرد النية (٢).
والثالث: أن قوله ربط القصد بمقصد معلوم، يخرج عنه ما لو خرج في طلب آبق لينصرف مهما لقيه؛ لأن المراد من المقصد المكان الذي كان يتوجه بسيره إليه وهو لا يقصد ثَمَّ مكاناً معيناً، وهذه المسألة قد ذكرها في الكتاب في قيد طويل، وسنذكرها ونظائرها من بعد.
وأما ابتداء السفر فيتبين بتفصيل الموضع الذي منه الارتحال، فإذا ارتحل عن بلدة، نظر إن كان لها (٣) سورة فلا بد من مجاوزته، وإن كان داخل السور مزارع أو مواضع خربة لأن جميع ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة، وإذا جاوز السور فلفظ الكتاب كالصريح في أنه ابتداء السفر، ولا يتوقف الترخص على شيء آخر؛ لأنه قال: (وإنما يترخص المسافر عند مجاوزة السور) ونَقْلُ كثير من الأئمة يوافقه، ولكن في بعض "تعاليق" المروذيين أنه إن كان خارج السور دور متلاصقة أو مقابر فلا بد من مفارقتها، ويقرب من هذا إيراد الكلام في "التهذيب" فلك أن تقدر في المسألة وجهين، وتوجه الأول بأن تلك الأبنية لا تعد من البلد، ألا ترى: أنه يقال: مدرسة كذا خارج البلد.
стр. 751
ويوجه الثاني بأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها، فلها حكمها، ولك أن لا تثبت خلافاً في المسألة وتؤول أحد النقلين على الآخر.
والثاني: أوفق لكلام الشافعي، فإنه ﵁ قال في "المختصر": "وإن نوى السفر فَلاَ يقصر حق يفارق المنزل إن كان حَضَرِيًّا" فلم يعتبر السور، وإنما اعتبر مفارقة المنازل. والله أعلم.
وإن لم يكن للبلدة سور، إما في صور سفره أو مطلقاً، فابتداء السفر بمفارقة العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، والخراب الذي يتخلل العمارات معدود من البلد كالنهر الحائل بين جانبي البلد مثل ما في بغداد، فلا يترخص بالعبور من أحد الجانبين إلى الآخر، وفي هذا شيء سنذكره في "كتاب الجمعة" إن شاء الله تعالى.
وإن كانت أطراف البلدة خربة ولا عمارة وراءها، فلفظ الكتاب يقتضي الاستغناء عن مجاوزتها، فإنه قال: (أو عمران البلد إن لم يكن سور) ووجهه أنه الخراب ليس موضع إقامة، وهذا هو الموافق للنص الذي قدمناه، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب".
وقال أصحابنا العراقيون والشيخ أبو محمد: لا بد من مجاوزتها؛ لأنها معدودة من البلدة ومجاوزة البلدة لا بد منها، فليعلم قوله: (أو عمران البلد) بالواو كذلك، وهذا الخلاف فيما إذا كانت بقايا الحيطان قائمةً ولم يتخذوا الخراب مزارع ولا هجروه بالتحويط على العامر، فإن كان الأمر بخلافه فلا خلاف في أنه لا حاجة إلى مجاوزتها، ولا يشترط مجاورة البساتين والمزارع المتصلة بالبلد، وإن كانت محوطة؛ لأنها لا تتخذ للسكنى والإقامة إلا إذا كانت فيها قصور أو دور يسكنها ملاكها في جميع السنة أو في بعض فصولها، فلا بد من مجاوزتها حينئذ، وليعلم قوله: (وإن لم يجاوز المزارع والبساتين) بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن بعض الأصحاب، اشتراط مجاوزة البساتين والمزارع المضافة إلى البلدة مطلقاً، هذا كله فيما إذا ارتحل عن بلده.
وأما القرية فحكمها حكم البلدة في جميع ما ذكرناه، إلا أنه شرط في الكتاب مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة في القرى.
وقوله في الكتاب: (أعني المزارع المحوطة) ليس لتخصيص الحكم بالمزارع، بل البساتين في معناها بطريق الأولى، وقد صرح به في "الوسيط" ويمكن أن يقال: الغالب في البساتين [التحويط أو هو شرط في وقوع اسم البساتين] (١) فلم يحتج إلى إعادة
стр. 752
ذكرها مقيدة بالتحويط، وهذا الذي ذكره حجة الإسلام -قدس الله روحه- من اعتبار مجاوزة البساتين، والمزارع المحوطة، جميعاً بخلاف ما نقله غيره، أما إمام الحرمين، فإنه اعتبر مجاوزة البساتين.
وقال: هي معدودة من القُرَى، ولم يعتبر مجاوزة المزارع؛ لأنها ليست مَوْضِعَ سُكُونٍ، ثم قال: "فلو كانت بساتينها غير محوطة على هيئة المزارع أو مزارعها محوطة فلا يشترط عندي مجاوزتها" فصرح بأن مجاوزة المزارع وإن كانت محوطة لا تشترط.
وأما العراقيون من أصحابنا فإنهم لم يشترطوا مجاوزة البساتين، ولا مجاوزة المزارع، لأنهم ذكروا عدم الاشتراط في البلد، ثم قالوا: الحكم في القرى إذا أراد أن يسافر من القرية كالحكم في البلدة سواء، هذا لفظ المحاملي وغيره، فإذاً يجب إعلام قوله: (ويشترط مجاوزتها جميعاً على سكان القرى) بالواو ومعرفة ما فيه، ولو فرضت قريتان ليس بينهما انفصال فارق فهما كمحلتين، فيجب مجاوزتهما.
قال الإمام: وفيه احتمال فلو كان بينهما انفصال فإذا فارق قريته كفى وإن كانتا في غاية التقارب.
وعن ابن سريج أنهما إذا تقاربتا وجب مفارقتهما.
ولو جمع سور قرى متفاصلة فلا يشترط للسفر منها مجاوزة ذلك السور، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين.
ويتبين بهذا أن قوله في الكتاب: (عند مجاوزة السور) المراد منه السور المختص بالموضع الذي يرتحل منه، وأما المقيم في الصحارى، فلا بد له من مفارقة البقعة التي أقام بها قدر ما يكون فيه رحله وأمتعته وينتسب إليه، فإن سكن وادياً وسافر في عرضه فلا بد من مجاوزة عرض الوادي، نص عليه الشافعي ﵁.
قال الأصحاب: وهذا على الغالب في اتساع الوادي، فإن أفرطت السّعة لم يجب إلا مجاوزة القدر الذي يُعَد موضع نزوله أو موضع الحلة (١) التي هو منها، كما لو سافر في طول الوادي.
وعن القاضي أبي الطيب: أن كلام الشافعي ﵁ مجرى على إطلاقه، وجانبا الوادي بمثابة سور البلد، والنازل فيهما يتحصن بهما، فلا بد من مجاوزتهما،
стр. 753
وإذا كان النازل على ربوة، فلا بد من أن يهبط، وإنه كان في وهدة فلا بد من أن يصعد، وهذا أيضاً عند الاعتدال كما ذكرنا في الوادي، وإذا كان في قوم أهل خيام كالأعراب والأكراد فإنما يترخص إذا فارق الخيام مجتمعة أو متفرقة ما دامت تعد حلة واحدة، وهي بمثابة أبنية البلدة والقرية، ولا يعتبر مفارقته لحلة أخرى، بل الحلتان كالقريتين المتقاربتين، وضبط الصَّيدلاني التفرق الذي لا يؤثر، بأن يكونوا بحيث يجتمعون للسمر في ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض فإذا كانوا بهذه الحالة فهم حَيٌّ واحد، ويعتبر مع مجاوزة الخيام مجاوزة مرافقيها كمطرح الرماد، وملعب الصبيان، والنادي، ومعاطن الإبل، فإنها معدوة من جملة مواضع إقامتهم.
وقوله: (وعلى النازل في الوادي أن يخرج عن عرض الوادي) وفي بعض النسخ: (أن يجزع عرض الوادي) وفي بعضها: (أن يجاوز) والمعنى لا يختلف، يقال: جزع الوادي أي قطعة وجزعة منعطفة، وفي الكلام إضمار معناه: يشترط عليه الخروج عن عرض الوادي إن كان سفره في صوب العرض.
وقوله: (يهبط إن كان على ربوة) لا يختص بالنازل في الوادي، بل الربوة والوهدة في غير الوادي أغلب، وقد يفرضان فيه أيضاً، والحكم لا يختلف، وليست كلمة (أو) فيهما مجاوزة الخيام للتخيير، لكن المقصد التعرض لأحوال النازل في الصحراء، وهو تارة يكون في وادٍ، وتارة على ربوة، وتارة تكون في وهدة، وتارة في مستوٍ من الأرض، فلا يفرض في حقه خروج من العرض ولا هبوط، ولا صعود، ولكنه يجاوز الخيام إن كان في حلة، ولا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي والصعود والهبوط بين المقيم المنفرد في خيمة، وبين أن يكون في جماعة أهل خيام على التفصيل الذي بيناه، ولك أن تعلم قوله: (أو يجاوز الخيام) بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى وجهاً، أنه لا يعتبر مفارقة الخيام، بل يكفي مفارقته خيمته خاصة.
قال الغزالي: فَإِنْ رَجَعَ المُسَافِرُ لِأَخْذِ شَيْءِ نَسِيَهُ لَمْ يُقْصِرْ فِي رُجُوعِهِ إلى وَطَنِهِ إِلاَّ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدٍ كَانَ غَرِيباً، فَأَظْهَرُ الوَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَامَ بِهَا.
قال الرافعي: إذا فارق المسافر بنيان البلدة، ثم رجع إليها لحاجة كأخذ شيء نسية، وغسل الدم من رعاف أصابعه، وتجديد طهارة، وما أشبه ذلك فلتلك البلدة أحوال ثلاث:
إحداها: أن لا يكون له بها إقامة أصلاً، فلا يصير مقيمًا بالرجوع إليها والحصول فيها.
والثانية: [أن تكون وطنه، فليس له القصر إذا عاد إليها، لحصوله في مسكنه وموضع إقامته، وإنما يترخص إذا فارقها ثانياً.
стр. 754
والثالثة:] (١) أن لا تكون وطنه قد أقام بها مدة، فهل يترخص إذا عاد إليها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لو كانت وطنًا له، وهذا هو الذي ذكره في "التهذيب".
والثاني: نعم؛ لأنه أبطل عزم الإقامة وليست وطناً له، فكانت بالإضافة إليه كسائر المنازل، وهذا هو المذكور في "التتمة" والأصح عند إمام الحرمين وصاحب الكتاب؛ وحيث حكمنا بأنه لا يترخص إذا عاد إليه، فلو نوى أن يعود ولم بعدُ لا يترخص أيضاً، ويصير بالنية مقيمًا، ولا فرق بين حالة الرجوع وحالة الحصول في البلدة المرجوع، إليها أن ترخص ترخص فيهما، وإلا فلا، فقد صَرَّح بالتسوية بينهما في "الوسيط"، وبينه بقوله هاهنا: "لم يقصر في رجوعه إلى وطنه" على أنه لا يقصر في الوطن، بطريق الأولى، ولا يخفى أن الكلام مفروض فيما إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن قدر مسافة القصر، وإلا فهو سَفَر مُنْشَأٌ.
ويجوز أن يعلم قوله: (لم يقصر في رجوعه) بالواو، لأن القاضي أبا المكارم ذكر في "العدة": أنه يجوز له القصر في طريق البلد ذاهباً وجائياً ما لم يدخل البلد، فإذا دخل لا يقصر.
وقوله: (إلاَّ إذا رجع) استثناء منفصل، فإن البلدة التي تكون وطنًا له لا يكون الإنسان غريباً بها.
قال الغزالي: ثُمَّ نِهَايَةُ سَفَرِهِ بِالْعَوْدِ إلَى عُمْرَانِ الوَطَنِ أَوْ بِالْعَزْمِ عَلَى الاِقَامَةِ مُطْلِقاً أَوْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى ثَلاَثة أَيَّام لَيْسَ فِيهَا يَوْمُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الْبَلَدِ غَرَضٌ يَعْلَمُ أنَّهُ لاَ يُنْتَجَزُ فِي ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ مُقِيمٌ، إلاَّ إِذَا كانَ الغَرَضُ قِتالاً فَيَتَرَخَّصُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِفِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَلْ يَزِيدُ عَلَى تِلْكَ المُدَّةِ؟ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ انتِجَازَ غَرَضِهِ كُلَّ سَاعَةٍ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الارْتِحَالِ تَرَخَّصَ إنْ كَانَ الغَرَضُ قِتَالاً، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فَقَوْلاَنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في ما ينتهي به السفر، وقد عده في الوسيط ثلاثة أمور:
أحدها: العود إلى الوطن.
والضبط فيه: أن يرجع إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء السفر منه،
стр. 755
وفي معنى الوصول إلى الوطن الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإقامة فيه الحد المعتبر كما سيأتي، ولو لم يعزم على الإقامة به ذلك الحد لم ينته سفره بالوصول إليه على أصح القولين؛ بل له القصر بعد الوصول إليه وفي انصرافه، ذكره في "التهذيب" وغيره، ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة، فهل ينتهي سفره بدخوله؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم كدخول وطنه.
وأصحهما: لا؛ لأن النبي ﷺ وَمَن مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا ضحوا قَصَرُوا بِمَكَّةَ وَكَانَ لَهُمْ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ" (١).
وطرد الصيدلاني هذين القولين فيما إذا مر في طريق سفره بوطنه؛ لأنه قال: لو خرج مَكِيٌّ إلى جدَّه، أو إلى موضع آخر يقصر إليه الصلاة ونوى أنه إذا رجع إلى مكّة خرج منها إلى بعض الآفاق من غير إقامة فهل يصير مقيماً إذا دخلها راجعاً؟ فيه قولان، وذلك أن الرجل إذا مر ببلدة له فيها أهل ومال، هل يصير بدخولها مقيماً؟ فيه قولان؛ فعلى هذا العود إلى الوطن لا يوجب انتهاء السفر إلا إذا كان عازماً على الإقامة لكن المشهور أنه يصير مقيماً بنفس الدخول بلا خلاف، ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه لأخذ شيء نسيه بأنه لا يقصر، وقد نقل في "البيان" مثل ما ذكره الصيدلاني عن بعض الأصحاب، واستبعده، وقطع بأنه لا يقصر إذا عاد إلى مكة ويصير مقيماً.
الثاني: نية الإقامة.
إذا نوى الإقامة في طريقه مطلقاً انقطع سفره وجمار مقيماً لا يقصر، فلو أنشأً السير بعده فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه إلى مرحلتين، هذا إذا نوى الإقامة في موضع يصلح لها من بلدة أو قرية أو واد يمكن للبدو النزول فيه للإقامة.
فأما المفازة ونحوها، فهل ينقطع سفره بنية الإقامة فيها؟ فيه قولان:
أحدهما -وبه قال أبو حنيفة-: لا؛ لأن المكان غير صالح للإقامة.
وأظهرهما- عند جمهور الأصحاب-: نعم؛ لقصده قطع السفر، وهذا أوفق لفظ الكتاب وأرجح عنده في "الوسيط"، ولو نوى الإقامة مدة نظر إن نواها ثلاثة أيام فما دونها لم يصر مقيماً بذلك؛ لما روي أنه ﷺ قال: "يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثاً" (٢) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فلما رخص لهم في المكث هذا القدر أشعر ذلك بأنه لا يقطع حكم السَّفر، ولا واجب الإقامة.
стр. 756
ومنع عمر ﵁ أهل الذِّمَّةِ من الإقامة في أَرْضِ الحِجَاز، وجَوَّزَ للمجتازين بها المُكْثَ ثلاثة أيَّام.
وإن نوى الإقامة أكثر من ثلاثة أيام فعبارة الشافعي ﵁ وجمهور الأصحاب: أنه إذا قصد إقامة أربعة أيام صار مقيماً، وذلك يقتضي أن لا يكون قصد إقامة ما دون الأربعة منهياً للسفر وإن زاد على ثلاثة أيام، وقد صرح به كثيرون، واختلفوا في أن الأيام الأربعة كيف تحتسب على وجهين مذكورين في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه يحتسب يوم الدخول والخروج كما يحسب يوم الحدث، ويوم نزع الخف في مدة المسح.
وأصحهما (١): لا؛ لأن المسافر لا يستوعب النَّهار بالسير إنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، ولأنه في يوم الدخول في شغل الحط وتنضيد الأمتعة، ويوم الخروج في شغل الارتحال، وهما من أشغال السفر، فعلى الأول لو دخل يوم السبت وقت الزوال على عزم الخروج يوم الأربعاء وقت الزوال، فقد صار مقيماً لبلوغ المكث في البلد أربعة أيام، وعلى الثاني لا يصير مقيماً، وإن دخل ضحوة يوم السبت على عزم الخروج عشية يوم الأربعاء.
وقال صاحب الكتاب وشيخه: متى نوى إقامة زيادة على ثلاثة أيام فقد صار مقيماً، وهذا الذي ذكرنا يوهم أنه على خلاف قول الجمهور، لأنهم احتملوا ما دون الأربعة، وإن زاد على الثلاثة وهما لم يحتملا زيادة، وهو كذلك من حيث الصورة، لكن لا خلاف في الحقيقة؛ لأنهم احتملوا زيادة لا تبلغ الأربعة غير يومي الدخول والخروج، [وهما لم يحتملا زيادة على الثلاثة غير يومي الدخول والخروج] (٢) وفرض الزيادة على الثلاثة بحيث لا تبلغ الأربعة، ويكون غير يومي الدخول والخروجِ مما لا يمكن وقد روي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ إِلَى مِنًى، كُلُّ ذلِكَ يَقْصُرُ" (٣).
стр. 757
ثم الأيام المحتملة معدودة مع الليالي لا محالة، وإذا نوى إقامة القدر الذي لا يحتمل، فيصير مقيماً في الحال، ولا يتوقف على انقضاء المدة المحتملة، ولو دخل ليلاً لم يحتسب بقية الليل، ويحتسب الغدو، وجميع ما ذكرنا في غير المحارب، فأما المحارب إذا نوى الإقامة قدرًا لو نواه غيره لصار مقيماً، ففيه قولان: حكاهما الشيخ أبو حامد وكثير من الأئمة.
أحدهما: لا يصير مقيماً وله القصر أبداً؛ لأنه قد يضطر إلى الارتحال فلا يكون له قصد جازم.
وأصحهما: أنه يصير مقيماً كغيره؛ وهذا هو الموافق لإطلاق لفظ الكتاب، والخلاف كالخلاف فيما لو قصد الإقامة في موضع لا يصلح لها.
وقوله: (أو مدة تزيد على ثلاثة أيام) معلم بالحاء والزاي؛ لأن عن أبي حنيفة لا يصير مقيماً إلاَّ إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً، وهو اختيار المزني.
وحكى عن مالك وأحمد مثل مذهبنا.
ويروى عن أحمد، أنه إن نوى اثنين وعشرين صلاة أتم، وإن نوى إقامة إحدى وعشرين فما دونها قصر؛ ويجوز أن يعلم بالألف أيضاً.
وقوله: (ليس فيها يوم الدخول والخروج) معلم بالواو؛ لأن على الأول من الوجهين المذكورين في كيفية الاحتساب لا يحتمل اليومان مع الثلاثة على الإطلاق.
الثالث: صورة الإقامة إذا زادت على ثلاثة أيام على الوجه الذي بينها فمهما عرض كله شغل في بلدة أو قرية، واحتاج إلى الإقامة لذلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الشغل بحيث يتوقع تنجزه لحظة فلحظة، وهو على عزم الارتحال متى تنجز أو يكون بحيث يعلم أنه لا يتنجز في الأيام الثلاثة كالتفقه والتجارة الكثيرة ونحوهما.
فأما في الحالة الأولى فله القصر إلى أربعة أيام على ما تقدم وصفها، ثم لا يخلو إما أن يكون على القتال أو خائفاً منه، أو لا يكون كذلك.
فإن كان على القتال أو خائفاً منه ففي المسألة طريقان:
أظهرهما: أن فيها قولين:
أحدهما: أنه ليس له القَصْرُ؛ لأن نفس الإقامة أبلغ من نية الإقامة، فإذا امتنع القصر بنية إقامة أربع فصاعداً، فلأن يمتنع بإقامتها كان أولى.
وأصحهما: أن له القَصْرَ؛ لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ : "أَقَامَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى
стр. 758
[قِتَالِ] (١) هَوَازِنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَقْصُرُون" على هذا كم يقصر؟ فيه قولان:
أصحهما: أنه يقصر المدة التي قصر رسول الله ﷺ وفيما عدا ذلك فالأصل وجوب الإتمام، وقد اختلفت الرَّواية في مدة إقامته بمكة للحرب المذكورة فروى: "أَنَّهُ أَقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ" (٢)، وروي: "أَنَّهُ أَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ" (٣)، وروى: "أَنَّهُ أَقَامَ عِشْرِينَ" (٤).
وعن عمران بن الحصين ﵁: "أنَّهُ أَقَامَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ" (٥).
قال في "التهذيب": واعتمد، الشافعى ﵁ رواية عمران بن حصين ﵁ لسلامتها عن الاختلاف.
والقول الثاني: له القصر أبداً ما دام على هذه النية؛ لما روي أنه ﷺ : "أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصُرُ" (٦).
وأيضاً فإن الظاهر أنه لو زادت الحاجة لدام رسول الله ﷺ على القصر.
وروي أن ابن عمر ﵄ أَقَامَ بِأذْرِبِيجَانَ سَتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ" (٧).
والطريق الثاني: أنه لا خلاف في جواز القصر ثمانية عشر يوماً وبعده قولان:
وأما إذا لم يكن على القتال ولا خائفاً منه، لكن أقام للتجارة ونحوها يتوقع تنجز الغرض لحظة فلحظة وهو على عزم الارتحال فطريقان:
أحدهما: القطع بالمنع.
والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب أثراً في تغيير صورة الصلاة.
ألا يَرى أنه يحتمل بسببه ترك الركوع والسجود والقبلة.
стр. 759
وأظهرهما: أن فيه قولين؛ ثم إن جوزنا ففي كيفيته قولان كما ذكرنا في المحارب؛ وقد نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأقَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْماً يَقْصُرُ فِيهَا الصَّلاةَ" (١).
أشعر هذا الإطلاق بأن حكم الحرب وغيره سواء.
وإذا اختصرت قلت في جواز القصر في هذه الحالة الأولى طريقان:
أظهرهما: أن فيه ثلاثة أقوال سواء المحارب وغيره.
أحدها: منع القصر على الإطلاق.
والثاني: جوازه على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني -رحمهم الله تعالى-.
والثالث: وهو الأصَحُّ جوازه إلى ثمانية عشر يوماً والمنع بعده.
والطريق الثاني: أن هذه الأقوال في المحارب وفي غيره يقطع بالمنع.
الحالة الثانية: أن يكون الشُّغل بحيث يعلم أنه لا يتنجز في ثلاثة أيام، ونتكلم فيها أيضاً في المحارب ثم في غيره، فأما المحارب فقد أطلق في "الوسيط" ذكر قولين فيه:
أحدهما: أن له القصر، لفعل رسول الله ﷺ في بعض الغزوات.
والثاني: المنع؛ لأنه المقيم، ومجرد القتال لا يرخص وفعل النبي ﷺ محمول على عزم الارتحال كل يوم، والأحسن ما أشار إليه إمام الحرمين وهو ترتيب هذه الحالة على الأولى. إن قلنا: المحارب ثَمَّ لا يقصر، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يقصر، فهاهنا قولان:
والفرق أنه متردد ثَمَّ وهاهنا مُطْمَئِنُّ ساكن بعيد عن هيئة المسافرين، وإن قلنا: يترخص، فهل يزيد على ثمانية عشر يوماً؟ فيه قولان؛ كما في الحالة الأولى.
وأما غير المحارب -كالمتفقه والتاجر تجارة كثيرة- فظاهر المذهب أنه لا يترخص وهو مقيم؛ لأن ارتحاله موقوف في عزمه على تنجز شغله، وذلك غير متنجز في المدة التي يحتمل إقامتها؛ وقياس التسوية بين المحارب وغيره عود الخلاف هاهنا، وقد أشار إليه صاحب "النهاية" واستنكره وقال: هو نتيجة التفريع على الأقوال الضعيفة.
إذا عرفت حكم الحالتين، فارجع إلى لفظ الكتاب. واعلم أن ثانيتهما في الشرح أولاهما في نظم الكتاب؛ وأن قوله: (فهو مقيم إلا إذا كان الغرض قتالاً) يجوز أن يعلم لفظ (المقيم) بالواو، للوجه الذي ذكرناه الآن في غير المحارب.
стр. 760
وقوله: (إلا إذا كان الغرض قتالاً) كلام في المحارب، ولا فرق بين أن يكون مشغولاً بالحرب أو مستعداً لَهُ أو خائفاً منه، وإن لم يتمحض ذلك غرضاً له، والحكم سواء في جميع هذه المسائل.
واعرف في قوله: "فيترخص على أظهر القولين" أشياء:
أحدها: أنه يجوز إعلام قوله: (على أظهر القولين) بالواو إشارة إلى طريقة تحصل بما حكينا من ترتيب الحالة الثانية على الأولى ويحرم بالمنع.
والثاني: أن الحكم يكون الترخص أظهر القولين ليس في هذه الحالة على خلاف المشهور، وإنما جعلوا قول الترخص أظهر وأصحِّ، فيما إذا كان يتوقع تنجز الغرض كل ساعة، وأما هذه الصورة فقد جعلوها بمثابة ما لو عزم على الإقامة مدة طويلة. وقد ذكرنا أنه إن كان محارباً، ففي ترخصه قولان، والأصح منهما: أنه لا يترخص وهو مقيم.
والثَّالِثُ: أنه أراد بقوله: (فيترخص على أظهر القولين) أنه يترخص ثمانية عشر يوماً على ما يثبته سياق الكلام، والمقابل له أنه لا يترخص هذه المُدَّة، وحينئذ ما الحكم؟ أنقول لا يترخص أصلاً، أم يترخص دون هذه المدة؟.
إن قلنا: الحكم في هذه الحالة كالحكم فيما إذا كان يتوقع مجاز غرضه كلّ ساعة فيترخص ثلاثة أيام كما سَبَق.
وإن قلنا: إنه مطمئن ليس على هيئة المسافرين، فلا يترخص أيضاً، كما إذا نوى الإقامة فوق أربعة يصير مقيماً في الحال. وقوله: (وإن كان يتوقع إنجاز غرض ...) إلى آخره، وهو الحالة الأولى.
وقوله: (فيترخص) يجوز أن يكون جواباً على الطريقة القاطعة بالترخيص إلى ثمانية عشر يوماً، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح مع تسليم الخلاف، وهو الذي ذكره في "الوسيط"، وعلى التقديرين فهو معلم بالواو، ثم لم يبين أنه كم يترخص؟ وربما يفهم ظاهر اللفظ الترخيص على الإطلاق، لكن الأصح أنه لا يترخص بعد الثمانية عشر، وقد بَيَّنَّا جميع ذلك.
قال الغزالي: أَمَّا الطَّوِيلُ فَحَدُّهُ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ (ح) وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً لاَ تُحْتَسبُ مِنْهَا مُدَّةُ الإِيَابِ، وَيَشْتَرِطُ عَزمُهُ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ، فَلَوْ خَرَجَ فِي طَلَبِ آبِقٍ (١)
стр. 761
لِينْصَرِفَ مَهْمَا لَقِيَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ، وَإِنْ تَمَادَى سَفَرُهُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَلْقَاهُ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَلَوْ تَرَكَ الطَّرِيقَ وَعَدَلَ إِلَى الطَّوِيلِ لِغَيْرِ غَرَضٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ (ح وز)، وَمَهْمَا بَدَا لَهُ الرُّجُوُعُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ انْقَطَعَ سَفَرُهُ فَلْيُتِمَّ إِلَى أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مَكَانِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَرْحَلَتَينِ.
قال الرافعي: القيد الثاني كون السفر طويلاً، واختلفت عبارات الشَّافعي ﵁ في حده فقال في "المختصر" وغيره: ستة وأربعون ميلاً بالهَاشِمي.
وقال في موضع: ثمانية وأربعون ميلاً.
وقال في موضع: أربعون ميلاً.
وقال في موضع: أربعة بُرُد.
وقال في موضع: مسيرة يومين واتفق الأصحاب على أنه ليس له في ذلك اختلاف قول وحيث قال: ستة وأربعون أراد ما سوى الميل الأول والآخر وحيث قال: ثمانية وأربعون أدخلهما في الحساب، وحيث قال: أربعون أراد بأميال بني أمية، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، وهي أميال هاشم جد رسول الله ﷺ ؛ وكان قد قدر أميال البادية، فيكون ستة عشر فرسخاً؛ لأن كل ثلاثة أميال فرسخ وهي أربعة برد؛ لأن كل بريد أربعة فراسخ، ومسيرة يومين؛ لأن مسيرة كل يوم على الاعتدال ثمانية فراسخ، وكل ميل أربعة آلاف خطوة، واثني عشر ألف قدم، لأن كل خطوة ثلاثة أقدام. وقال أبو حنيفة: السَّفَرُ الطَّوِيلُ مَسِيرة ثلاثة أيام، ولم يقدر بالفَرَاسِخِ والأَمْيَالِ.
وذكر القاضي الروياني وغيره من أصحابنا أنه أربعة وعشرون فرسخاً عنده، وهو على قياس مسيرة اليومين كما ذكرناه. لنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ لاَ تَقْصُرُوا فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ وَإِلَى الطَّائِفِ" (١).
وهو يقتضي الترخيص في هذا القدر، وروي مثل مذهبنا عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصَّحَابة -رضوان الله عليهم أجمعين- (٢).
وبه قال مالك وأحمد، واستحب الشافعي ﵁ أن لا يقصر في أقل
стр. 762
من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من الخلاف (١)، وما ذكرناه من تفسير الطول معتبر بالتقريب، أو يجوز بالتحديد؟ حكى القاضي الروياني فيه وجهين، وقال: الصحيح أنه تحديد؛ ونقل الحناطي وصاحب "البيان" قولاً أن القصر يجوز؛ في السفر القصير بشرط الخوف؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الآية، فإن ثبت ذلك اقتضى إعلام لفظ (الطويل) عند قوله قبل هذا: (وهو كل سفر طويل مباح) بالواو.
ثم في الفصل مسائل:
إحداها: مسافة الإياب لا تحتسب في الحد المذكور، حتى لو قصد موضعاً على مرحلة على عزم أن يرجع ولا يقيم فيه فليس له القصر، لا ذاهباً ولا جائياً. وإن نالته مشقة السير مرحلتين على التوالي؛ لأنه لا يسمى سفراً طويلاً. والغالب في الرخص الاتباع، وما رويناه من خبر ابن عباس ﵄ ظاهر في أن المعتبر المسافة التي يقطعها من منشأ سفره إلى مقصده؛ وحكى الحناطي وجهاً؛ أنه إذا كان الذهاب والرجوع حد السفر الذي يقصر إليه الصَّلاة قصر، فيجوز أن يعلم قوله: (لا يحتسب) بالواو لذلك.
стр. 763
الثانية: يشترط عزمه على قطع هذه المسافة في الابتداء، فلو خرج لطلب غريم أو عبد آبق لينصرف مهما لقيه -وهو لا يدري موضعه- لم يترخص، وإن طال [سيره] (١) كما ذكرناه في الهائم؛ فإذا وجده وعزم على الرجوع إلى بلده-، وبينهما مسافة القصر- يترخص إذا ارتحل عن ذلك الموضع، ولو كان يعرف موضعه في ابتداء السير، أو يعرف أنه لا يلقاه قبل مرحلتين فله الترخص، ولو قصد مسافة القصر، ثم نوى أنه إن وجد عبده أو غريمه ينصرف، نظر إن نوى ذلك قبل مفارقة عمران البلد - لم يترخص؛ لأنه غير النية قبل انعقاد حكم السَّفر، وإن نواه بعد مفارقة العمران، ففيه وجهان مذكوران في "النهاية" و"التهذيب".
أصحهما: أنه يترخص ما لم يجده، فإذا وجده صار مقيماً؛ لأن سبب الرُّخْصَة قد انعقد، فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما غير النية إليه، وكذلك لو نوى الخروج إلى مسافة القَصْر، ثم نوى الإقامة في بلد وسط الطريق. وإن كان من مخرجه إلى المقصد الثاني مسافة القصر يترخص، وإن كان أقل فوجهان:
أصحهما: أنه يترخص، ما لم يدخله (٢) كما في مسألة الغريم.
وإذا سافر العبد بسير المولى، والمرأة بسير الزوج، والجندي بسفر الأمير، وهم لا يعرفون مقصدهم، فليس لهم القصد، وإن نووا مسافة القصر، فلا عبرة بنية العبد والمرأة، وتعتبر نية الجُنْدِيِّ، فإنه ليس تحت يد الأمير وقهره. وإن عرفوا مقصدهم ونووا فلهم القصر (٣).
وقال أبو حنيفة: العَبْدُ والمرأة يترخصان تبعاً للسيد والزوج وإن لم يعرفا المقصد.
الثالثة: لو كان له إلى مقصده طريقان يبلغ أحدهما مسافة القصر، والثاني لا يبلغها، فَسَلَكَ الطَّريق الطَّويل نظر إن كان لغرض كخوف أو حزونة في القصير، أو
стр. 764
قصد زيارة، أو عبادة في الطَّويل (١)، فله القصر؛ ولو قصد التنزه فكذلك.
وعن الشيخ أبي محمد -رحمه الله تعالى- تردد في اعتباره وإن قصد الترخص ولم يكن غرض سواه، ففي المسألة طريقان:
أظهرهما: أن في الترخص قولين:
أحدهُمَا: أنه يترخص، وبه قال أبو حنيفة والمزني، وهو نصه في "الإملاء"؛ لأنه سفرٌ مباحٌ، فأشبه سائر الأسفار.
وأصحهما: أنه لا يترخص؛ لأنه طَوَّل الطريق على نفسه [من غير غرض، فصار كما لو سلك الطريق القصير، وكان يذهب يميناً وشمالاً وطول على نفسه] (٢) حتى بلغت المرحلة مرحلتين فإنه لا يترخص.
والطريق الثاني: القطع بهذا القول الثاني؛ وحمل نصه في "الإملاء" على ما إذا سلكه لغرض، ولو كان يبلغ كل واحد من الطريقين مسافة القصر، وأحدهما أطول، فسلك الأطول - فله القصر بلا خلاف.
وإذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب: (لم يترخص) يجوز أن يكون جواباَ على الطريقة الجازمة بالمنع، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح، مع إثبات الخلاف، وعلى التقديرين فهو معلم بالواو مع الحاء والزَّايِ.
الرابعة: إذا خرج إلى بلده والمسافة طويلة، ثم بدا له في أثناء السفر أن يرجع، فقد انقطع سفره بهذا القصد، ولم يكن له أن يقصر ما دام في ذلك الموضع، فإذا ارتحل عنه فهو سفر جديد، فإنما يقصر إذا توجه من ذلك المكان إلى مرحلتين، سواء رجع أو بطل عزمه، وصار إلى مقصده الأول وتوجه إلى غيرهما؛ ولو توجه إلى بَلَدٍ لا تقصر إليه الصَّلاة، ثم نوى مجاوزته إلى بل تقصر إليه الصلاة فابتداء سفره من حيث غير النية، وإنما يترخص إذا كان من ذلك الموضع إلى مقصده الثاني مرحلتان، ولو خرج إلى سَفَرٍ طويل -على قصد الإقامة في كل مرحلة أربعة أيام- لم يترخص لانقطاع كل سفرة عن الأخرى.
قال الغزالي: وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَالعَاصِي بِسَفَرِهِ لاَ يَتَرَّخَّصُ (ح ز) كالآبِقِ وَالعَاقِّ، فَإِنْ
стр. 765
طَرَأَتِ المَعْصِيَة فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تَرَخَّصَ علَى النَّصِّ، وَفِي تَنَاوُلِ المَيْتَةِ وَمَسْحِ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لأنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ السَّفَرِ.
قال الرافعي: القيد الثالث: كَوْنُ السفر مباحاً، وليس المراد من المباح -في هذا الموضع- ما خير بين طرفين واعتدلا، فإن الرخصة كما تثبت في سفر التجارة تثبت في سفر الطَّاعة كالحَجِّ والجهاد ونحوهما. وإنما المراد منه ما ليس بمعصية؛ وأما سفر المعصية فلا يفيد الرخصة (١)، خلافاً لأبي حنيفة والمزني. وذلك كهرب العبد من مولاه، والمرأة من زوجها، والغريم مع القدرة على الأداء، وكما إذا سافر ليقطع الطريق، أو ليزني بامرأة، أو ليقتل بريئاً.
لنا أن الرخصة أثبتت تخفيفاً وإعانة على السَّفَر، ولا سبيل إلى إعانة العاصي فيما هو عاص به، بخلاف ما لو كان السَّفَرُ مباحاً وهو يرتكب المعاصي في طريقه، فانه لا يمنع من السَّفَرِ، إنما يمنع من المعصية.
ولو أنشأً سفراً مباحاً، ثم نقله إلى معصية، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يترخص؛ لأن هذا السفر انعقد مباحاً مرخصاً، والشرط يراعي في الابتداء.
والثاني: لا يترخص كما لو أنشأ السفر بهذه النية؛ هكذا أرسل الجمهور ذكر الوجهين في المسألة، وكلامهم يميل إلى ترجيح الوجه الثاني، وقد صَرَّح به في "العدة"، ونسب في "النهاية" القول بالترخص إلى ظاهر النص، والثاني إلى تخريج ابن سريج، وتابعه في الكتاب، فقال: "ترخص على النص" والاقتصار عليه يفهم ظهور القول بالترخص، لكنه ذكر في "الوسيط" أن عدم الترخص أوضح كما حكيناه عن غيره.
ولو أنشأ السَّفَر على قصد مَعْصِيَة ثم تاب، وبدل قصده من غير تغيير صوب السفر؛ فالذي قاله الأكثرون في هذه الصورة، إن ابتداء سفره من ذلك الموضع إن كان منه إلى مقصده مسافة القصر - ترخص، وإلا فلا، وحكى في "النهاية" عن شيخه، أن عروض قصد الطاعة على سفر المعصية، كعروض قَصْدِ المَعْصِية على سَفَرِ الطَّاعة. فقياس ظاهر النَّصِّ أنه لا يترخص لفقد الشرط في الابتداء؛ وعند ابن سريج يترخص نظرًا إلى الحال.
وقوله في الكتاب: (وكذا على العكس) يوهم أنه يترخص في العكس؛ لأنه
стр. 766
معطوف على قوله: (ترخص على النص) وما أراد به ذلك، وإنما أراد العَطْف على معنى النَّصِّ، وهو النَّظَرُ إلى الابتداء، فكأنه قال ترخص على النص اعتبارًا بالابتداء. وكذا على العكس ينظر إلى الابتداء، فلا يترخص وعلى التخريج؛ وهو الأظهر أنه ينظر إلى الحال في الصُّورتين.
إذا عرفت ذلك فنقول: العاصي بسفره لا يقصر، ولا يفطر، ولا يَتَنَفَّل على الراحلة، ولا يجمع بين الصَّلاتين، ولا يصح ثلاثة أيام، وهل يَمسح يوماً وليلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لما فيه من التَّخْفَيفِ عليه، وتسرعه بسبب ذلك إلى المَعْصِية.
وأظهرهما: عند الجمهور نعم؛ لأن المسح يوم وليلة ليس من رخص المُسَافرين، بل هو جائز للحَاضِر أيضاً، وغاية ما في الباب إلحاق هذا السَّفر باَلْعَدَمِ لكن حكى عن الشيخ أبي محمد أن المقيم إذا كان يدأب في معصية، ولو مسح على خفيه لكان ذلك عوناً له عليها، فيحتمل أنه يمنعه من المسح، واستحسن الإمام ذلك، فعلى هذا يتوجه أن يقال: إنه لَيْسَ من خصائص السَّفَر ولا الحَضَرِ، لكنه من مَرَافِقِ اللبس بشرط عدم المعصية، وهل للعاصي بسَفَرِه أن يتناول المَيْتَةَ عِنْدَ الاضْطرَارِ؟ فيه وجهان نقلهما صاحب، "النهاية" وغيره:
أحدهما: وبه قال الأودني: لا؛ لما فيه من التخفِيفِ على العاصي، وهو متمكن من دَفْعِ الهَلاَك عن نفسه بأن يتوب ثم يأْكُلُ.
والثاني: نعم، إحياءً لِلنَّفْسِ المُشْرِفَةِ على الهلاك، ولأن المُقِيم متَمكِّن من تناول المَيْتة عند الاضطرار، فليس ذلك من رخص السَّفَرِ فأشبه تناول الأطعمة المباحة ما لم يكن من خصائص السَّفَر، لم يمنع منه العَاصِي بِسَفَرِه، وبالوجه الأول قطع عامة الأصحاب من العراقيين وغيرهم، ونفوا الخلاف في المسألة، وقد قيل: في المقيم العاصي ليس له تناول المَيْتَة أيضاً ما لم يتب، والله أعلم.
وهذا الشرط ينبهك من لفظ الكتاب في المسألتين على أمرين:
أحدهما: أنه يجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو؛ لأنه أثبت في المسألتين وجهين، وقد ذكرنا أن بعضهم يقطع بالمنع في تناول الميتة.
والثاني: أنه جعل أصح الوجهين في المسألتين الجواز، وهذا المسلم في المسح يوماً وليلة ممنوع في تناول المَيْتَة على رأي الجُمْهُور، ويجوز أن يعلم لفظ (الجواز) بالألف؛ لأن عند أحمد لا يجوز له تناول المَيْتَة كما هو أحد وَجْهَيْنَا، ومما ألحق بِسَفَرِ المَعْصِية أن يتعب الإنسان نفسه ويُعَذِّب دابته، بالركض من غير غرض، ذكر الصيدلاني أنه لا يحل له ذلك.
стр. 767
ولو كان الرجل ينتقل من بلدة إلى بلدة من غير غَرَضٍ صحيح، فقد قال في "النهاية": إنه لا يترخص وإن خرج عن مضاهاة من يهيم وظهر له قصد (١)، ونقل عن الشَّيْخِ أبي محمد: أن السفر لمجرد رؤية البلاد، والنظر إليها ليس من الأغراض الصحيحة.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي، فِي مَحَلِّ القَصْر، وَهُوَ كُلُّ صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مُؤَدَّاةٍ فِي السَّفَرِ، فَلاَ قَصْرَ فِي الصُّبْح وَالمَغْرِب، وَلاَ فِي فَوَائِتِ الحَضَرِ، وَفِي فَوَائِتِ السَّفَرِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: يُفَرّقُ فِي الثَّالِثِ بين أن يَقْضِيَ فِي الحَضَرِ أَوِ السَّفَر.
قال الرافعي: محل القصر كل صلاة رباعية مؤداة في السَّفَرِ، وذكر في "الوسيط" قيداً آخر، وهو أن يدرك وقتها في السفر للمسألة التي تأتي بعد هذا الفصل، فيخرج من الرباعية المغرب والصُّبْحُ فلا قصر فيهما بالإجماع، ويخرج عن المؤداة في السَّفر المقضيَّة، وينظر فيها إن كانت فائتة الحضر فلا يجوز للمسافر قصرها، خلافاً للمزني حيث قال: يجوز؛ اعتباراً بحال القضاء، كما لو ترك صلاة في الصَّحَّةِ له قضاؤها في المَرَضِ قَاعِداً.
لنا إنه لزمته الأربع، فلا يجوز النقصان كما لو لم يسافر، ويفارق صلاة المريض؛ لأن المرض حالة ضرورة، فيحتمل ما لا يحتمل للسَّفر ألا يرى أنه لو شَرَع في الصلاة قائماً، ثم طرأ المرض له أن يقعد، ولو شرع فيها في الحضر [ثم سارت] (٢) به السفينة، لم يكن له أن يقصر، وإن تردد أنها فائتة السَّفر أو الحَضَر فكذلك لا يجوز له قَصْرُهَا، وأما فائتة السَّفَرِ فإما أن يقضيها في السفر أو في الحضر، فإن قضى في السَّفر، فإما أن يقضي في تلك السفرة أو في سفرة أخرى، فإن قضى في تلك السفرة ففيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز القصر؛ لأن شرط الرَّدِّ إلى ركعتين الوقت بدليل الجمعة.
والثاني: يجوز؛ لأن اللاَّزِمَ عليه ركعتان، فيجزئه في الْقَضَاءِ ركعتين، وجعل صاحب "التهذيب" و"التتمة" المنع أصح القولين، لكن ما عليه الأكثرون من العراقيين وغيرهم أن الأصح هو الجواز؛ لبقاء العذر المرخص، وأما إذا قَضَى في سَفَرِهِ أخرى، ففيه طريقان:
أظهرهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بالمنع، والفرق أن الأمر بالقضاء متوجه عليه في كل حالة، فإذا لم يقض وقد تخللت حالة إقامة فكأنها تركها في تلك الحالة كما لو نَصَبَ شيئاً، وتلف
стр. 768
عنده لزمه أقصى القِيَم، لأنه مخاطب في كل حالة بالرَّدِّ، فإذا لم يرد التزم قيمة أكمل الأحوال، وإن قَضَاهَاَ في الحضر أطرد الطريقان، والمنع هاهنا أوضح وأصحّ، ورتب في "النهاية" بعض الصور الثَّلاث على بعض، فحكى قولين فيما إذا قضى في ذلك السَّفَرِ وفيما إذا قضَى في الْحَضَرِ قولين مُرَتَّبَيْنِ عليهما، وأولى بالمَنْعِ، وجعل الصُّورة الثَّالِثة متوسطة بينهما إن رتبت على الأولى فهي أولى بالمنع، وإن رتبت على الثانية فهي أولى بالجواز؛ وإذا اختصرت وتركت التفصيل قلت: في المسألة أقوالٌ كما ذكر في الكتاب:
أحدها -وهو القديم-: الجواز على الإطلاق، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وثانيها -وهو الجديد-: المنع على الإطلاق، وبه قال أحمد.
وأظهرها -ويحكى عن "الإملاء" الفرق بين أن يقضي في الحضر وفي السفر، وهذا إذا طَرَدنا القولين في القضاء في تلك السفرة، وفي سفرة أخرى، وإن فَرَّقْنَا صَارَتْ الأقوالُ أربعةً.
واعلم قوله: (يفرق في الثالث) بالحاء والميم؛ لما ذكرنا من مذهبهما، ونقل في "الوسيط" أن مذهب المزني الجواز على الإطلاق أيضاً، لكن روى الصَّيْدَلاَنِي وغيره عنه المنع فيما إذا قضى في الحضر، وهذا هو الصحيح، وقياس مذهبه المشهور في عكسه وهو ما إذا فاتته في الحضر، فيقضي في السَّفَرِ، كما تقدّم، وإذا قلنا فائتة السفر لا تقصر، وإن قضيت في تلك السفرة، فلو شرع في الصَّلاَةِ بنية القَصْرِ، فخرج الوقت في أثنائها فهو مبني على أن الصلاة التي يقع بعضها في الوقت وبعضها خارجه قضاء أم داء؟ وقد قدمنا ذلك في "باب المواقيت" وتعرضنا لهذه الصور فيه، وظاهر المذهب أنه إن وقع في الوقت ركعة فهي أداء فيقصر على هذا القول أيضاً، وإن وقع دون ركعة فلا يقصر على هذا القول؛ لأنها قضاء، وعن صاحب "التلخيص" أنه يجب الإتمام، وإن وقع في الوقت ركعة كالجمعة، إذا وقع: بعضها خارج والوقت يتمها أربعاً.
قال الغزالي: وَالمُسَافِرُ فِي آخِرِ الوَقْتِ نُقْصِرُ، وَالحَائِضُ إِذَا أَدْرَكَت أَوَّلَ الوَقْتِ ثُمَّ حَاضَتْ تَلْزَمُهَا الصَّلاةُ لِأَنَّ هذَا القَدْرَ كُلَّ وَقْتِ الإِمْكَانَ فِي حَقِّها، بِخِلاَفِ المُسَافِرِ هذَا هُوَ النَّصُّ، وَقِيلَ: فهمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: إذا سافر في أثناء الوقت، وقد مضى منه قدراً يتمكن من فعل الصَّلاة فيه، فالنَّصُّ أنه يجوز له القصر، ونَصَّ فيما لو أدركت من أول الوقت قدر الإمكان، ثم حَاضَت يلزمها القضاء، وكذلك سائر أصحاب العذر، واختلفوا في المسألتين على طريقين:
стр. 769
أحدهما: أن فيهما قولين:
أحدهما: أن إدراك أول الوقت ملزم، فالحائض تَقْضِي تلك الصَّلاة، والمسافر يتم؛ لأن الصَّلاة تجب بأول الوقت، وقد أدركا وقت الوجوب.
والثاني: أنه لا يلزمها الصلاة ويجوز له القصر؛ لأن الاستقرار إنما يكون بآخر الوقتِ؛ ولهذا نقول: لو أخر الصَّلاة عن أول الوقت ومات لا يلقى الله تعالى عاصياً على الأصح.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ.
والفرق أن الحيض مانع من الصَّلاَةِ، فإذا طَرَأَ انحصر وقت الإمكان في حَقِّهَا في ذلك القدر، وكأنها أدركت جميع الوقت بخلاف المسافر، فإن السَّفَرَ غيرُ مَانِعٍ، وأيضاً فإن الحيض لو أثر إنما أثر في إسقاط الصلاة بالكلية، والقول بالسقوط مع إدراك وقت الوجوب بعيدٌ، والسَّفر إنما يُؤَثِّرُ في كيفية الأداء لا في أصل الفعل، فأشبه ما لو أدرك العبد من الوقت قدر ما يصلي فيه الظهر ثم عتق، يلزمه الجمعة دون الظهر، وظاهر المذهب الفرف بين المسألتين على موجب النَّصين، وسواء أثبتا طريقة القولين أم لا، ونقل الأصحاب عن المزني، وابن سريج في مسألة المسافر أنه لا يقصر.
واعلم قوله في الكتاب: (يقصر) بالزاي لذلك، لكنه تخريج من المزني للشافعي ﵁ خرجه من مسألة الحائض، وليس مذهبًا له؛ لأنا قدمنا عنه أنه لو ذهب جميع الوقت في الحضر، وفاتته الصلاة كان له القصر إذا قضاها في السفر، فهاهنا أولى، فإذًا لا يصح الإعلام بالزاي، وأما ابن سريج فإنه خرج من كل واحدة من المسألتين في الأخرى واختار عدم القصر، وقد ذكرنا تخريجه في الحائض من هذه المسألة في باب المواقيت في الفصل الثاني، ووافق أبو الطيب بن سلمة ابن سريج على أنه لا يقصر، لكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا سافر ولم يبق من الوقت إلا قدر أربع ركعاتٍ، لأنه إذا ضاف الوقت تَعَيَّن عليه صلاة الحضر، فهذا مذهب ثَالِث: وراء القولين وإن سافر وقد بقي من الوقت أقل من قدر الصَّلاة فجواز القصر يبنى على أن من أوقع بعض صلاته في الوقت وبعضها خارجه، تكون جميع صلاته أداء أم لا، إن قلنا: نعم قصر، وإلا فلا.
وقوله: "والمسافر في آخر الوقت" ليس المراد منه الجزء الأخير بل المراد ما إذا سافر وقد مضى من أوله ما يسع الصلاة، وكذا قوله: (والحائض إذا أدركت أول الوقت، ثم حاضت) يعني أدركت منه ما يسع للصلاة ولو قال: ولو أدركت المرأة أول الوقت، ثم حاضت بدل الحائض، لكان أحسن، ولو سافر والماضي من الوقت دون ما يسع الصلاة فقد قال في "النهاية": ينبغي أن يمتنع القصر إن قلنا: إنه يمتنع لو كان
стр. 770
الماضي قدر ما يسع الصلاة، بخلاف ما لو حَاضَت بعد مضي القدر النَّاقص، حيث لا يلزمها الصَّلاة على الصحيح؛ لأن عروض السَّفَر لا ينافي إتمام الصَّلاة، وعروض الحيض ينافيه (١).
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ، فِي الشَّرْطِ وَهُوَ اثْنَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ لاَ يَقْتَدِي بِمُقِيم فَلَو اقتَدَى وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ (م) لَزِمَهُ الإتْمَامُ، وَلَو شَكَّ فِي أَنَّ إِمَامَهُ مُقِيمٌ أَمْ لاَ لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، وَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ نَوَى الإتْمَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ لِأَنَّ نِيَّةَ الإتْمَامِ لاَ شِعَارَ لَهَا بِخِلاَفِ المُسَافِرِ.
قال الرافعي: جعل شرط القصر شيئين:
أحدهما: أن لا يقتدي في صلاته بمقيم أو بمسَافِرٍ مُتِم، فلو فعل ذلك -ولو في لحظة- لزمه الإتمام، خلافاً لمالك حيث قال: إن أدرك معه ركعة لزمه الإتمام وإن أدرك دون ركعة فله القصر؛ لنا ما روي "أَنَّهُ سُئَلَ ابْنُ عَبَّاسِ ﵄ مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِذَا انْفَرَدَ وَأَرْبَعاً إِذَا ائتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةِ" (٢).
والمفهوم منه سُّنة رسول الله ﷺ .
وأعلم قوله: (ولو في لحظة) بالميم؛ لما حكيناه عن مالك. والاقتداء في لحظة يفرض من وجوه كثيرة.
منها: أن يدرك الإمام في آخر صلاته.
ومنها: أن يحدث الإمام عقيب اقتدائه وينصرف.
قوله: (أن لا يقتدي بمقيم) في بعض النسخ (بمتمم) وهو أعم، فإن كان مقيم متم، وقد يكون المسافر مُتِمًّا أيضاً، والحكم لا يختلف.
وعند أبي حنيفة: أنه إذا صلّى مسافر بمسافرين -ونووا الإتمام- جاز له القصر، وسلم إنه إذا اقتدى بمقيم لم يجز القصر، فإذا كانت النسخة "أن لا يقتدي بمقيم" جاز إعلام (الحكم) بالحاء، ولو اقتدى في الظهر بمن يقضي الصبح مسافراً كان أو مقيماً فهل له القصر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لتوافق الصَّلاتين في العدد.
стр. 771
وأصحهما: لا؛ لأن الصَّلاة تامة في نفسها، ولو دخل في مروره بلدة وأهلها يقيمون الجمعة فاقتدى في الظهر بالجمعة، قيل: إن قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور فله القصر وإلا فهي كالصُّبح (١).
وظاهر المذهب عند الأكثرين: المنع بكل حال؛ لأنها صلاة إقامة، وهو الموافق لظاهر لفظ الكتاب.
إذا عرفت ذلك فنقول: المسافر إما أن يعلم حال الذي يقتدي به في السفر والإقامة أو لا يعلم، فإن علم نظر إن عرفه مقيماً فقد ذكرنا أن عليه الإتمام، وكذا لو ظَنَّه مقيماً، فلو اقتدى به ونوى القصر انعقدت صلاته، ولغت نية [من نوى] (٢) القصر، بخلاف المقيم ينوي القصر لا ينعقد ظُهْرُه؛ لأنه ليس من أهل القصر والمسافر من أهله فلا يضره نية القصر، كما لو شرع في الصَّلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام أو صار مقيماً، فإنه يتم، وإن عرفه أو ظنه مسافراً - وعرف أنه نوى القصر، أو ظنه، فله أن ينوي القصر وإن لم يدر أنه نوى القصر أم لا فكذلك، ولا يلزمه الإتمام بهذا التردد؛ لأن الظَّاهِرَ من حال المسافر القصر؛ وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء على التردد، ولو عرض هذا التردد في أثناء الصَّلاة فكذلك لا يلزمه الإتمام؛ ومتى لم يعرف نيته فهل يجوز أن يعلق نيته فيقول: إن قصر قصرت وإن أتم أتمت أو لا بد من الجزم بالقصر؟ فيه وجهان:
أصحهما: جواز التعليق فإن الحكم متعلق به، وإن جزم إن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر، ولو أفسد الإمام صلاته أو فسدت، ثم قال: كنت نويت القصر، فللمأموم القصر، وإن قال: كنت نويت الإتمام لزمه الإتمام، وإن انصرف -ولم يظهر للمأموم ما نواه- فوجهان: حكاهما أصحابنا العراقيون.
أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق-: يلزمه الإتمام؛ لأنه شاكٌ في عدد ما يلزمه من الركعات فيأخذ باليقين.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: له القصر؛ لأنه افتتح الصَّلاة بنية القصر خلف من الظاهر من حاله القصر؛ ويتبين بما ذكرنا أن قوله في الكتاب: (ولو شك في أن إمامه هل نوى الإتمام وهو مسافر لم يلزمه الإتمام) ليس على إطلاقه، بل لو ظهر أن الإمام نوى الإتمام يلزمه الإتمام. وهل يشترط لعدم لزوم الإتمام ظهور نية القَصْر للإمام أم لا
стр. 772
ويكفي استمرار التردد؟ فيه الوجهان المذكوران، والموافق لإطلاق اللفظ هو المنسوب إلى ابن سريج ولو قال حجة الإسلام. ولو شك أن إمامه هل نوى القصر بدلاً عن قوله: (هل نوى الإتمام) لكان أحسن؛ لأنه لو لم ينو الإتمام ولا القصر، كان بمثابة ما لو نوى الإتمام، كما سيأتي في الشرط الثاني. فإنما ثبت [الوجه] (١) إذا نوى القصر، لا إذا لم يَنْوِ الإتمام، وأما إذا لم يعرف أنه مسافر أو مقيم ولا ظن بل كان شاكاً فيه لزمه الإتمام وإن بَانَ مسافراً قاصراً؛ لأنه شرع على تردد فيما يسهل معرفته؛ لظهور شعار المسافرين والمقيمين، وسهولة البحث، والأصل الإتمام. فإذا قصر لزمه الإتمام، ويخالف التردد في نية القصر مع العلم بأنه مسافر، إذ لا تقصير ثم كما سبق، وحكى في "النهاية" وجهاً أخر أنه إذا بَانَ مسافراً قاصراً كان له القصر، كما لو تردد في النِّية، والمشهور الأول، وهو الذي ذكره في الكتاب.
قال الغزالي: وَلَوِ اقْتَدَى بِمُقِيم ثُمَّ فَسَدَت صلاَتُهُ لَزِمَهُ (ح) الإِتْمَامُ، وَكَذَا لَوْ ظَنَّ الإِمَامَ مُسَافِراً فَكَانَ مُقِيماً لِأنَّهُ مُقصِرٌ إِذْ شِعَارُ الإقَامَةِ ظَاهِرَةٌ، وَلَو بَانَ أَنَّ الإِمَامَ مُقِيمٌ مُحْدِثٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَّهُ لاَ قُدْوَةَ ظَاهِراً وَبَاطِناً.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو اقتدى بمقيم أو بمسافرٍ مُتِمٍّ ثم فسدت صلاة الإمام أو بَانَ محدثاً -لزمه الإتمام بالاقتداء به، وكذلك لو فسدت صلاة المأموم لزمه الإتمام- إذا استأنف خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنها صلاة تعين عليها إتمامها، فلم يجزه بعد قصرها، كما لو فاتته في الحضر، ثم سافر.
وقوله: (ثم فسدت صلاته) أراد صلاة المأموم. وإن أمكن صوت الكناية إلى الإمام أيضاً، وذلك بين من لفظ "الوسيط".
الثَّانية: لو اقتدى بمن ظنه مسافراً فبان مقيماً يلزمه الإتمام لتقصيره؛ إذ شعار الإقامة ظاهر، وهو كما ذكرنا فيما إذا لم يدر أنه مقيم أو مسافر. وإن بأن أنه مقيم محدث نظر: إن بَانَ كونه مقيماً أو لا، لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمن علمه مقيماً، ثم بان أنه محدث، وإن بان كونه محدثاً أو لا أو بانا معاً فوجهان.
أحدهما -وبه قال صاحب التلخيص-: لا يلزمه الإتمام؛ لأنه اقتداءه لم يصح في الحقيقة، وفي الظاهر ظنه مسافراً بخلاف ما لو اقتدى بمسافر في ظنه مسافراً، ثم
стр. 773
فسدت صلاته بحدث، ثم بان أنه كان مقيماً عليه الإتمام؛ لأن اقتداء كان صحيحًا.
والثاني: يلزمه الإتمام؛ لأن حدث الإمام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به، فإذا بَانَ أنه مقيم، فقد بَانَ أنه اقتدى بمقيم، وقد أطلق في الكتاب ذكر الخلاف فيما إذا بأن أنه مقيم محدث، لكن موضع الوجهين ما ذكرنا دون ما إذا بَانَ كونه مقيماً أو لا، كذلك قاله صاحب "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما، ثم أطبق الأئمة على ترجيح الوجه الأول على ما ذكره في الكتاب، ومنهم من لا يورد سواه، وقد تنازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم بَانَ كونه محدثاً، فإنهم رجحوا الإدراك. ومأخذ المسألتين واحد.
وقوله: (لأنه لا قدوة ظاهراً وباطناً) أي لا قدوة بمقيم ظاهراً وباطناً، أما ظاهراً فلأنه ظنه مسافراً، وأما باطناً فلأنه محدث؛ وصاحب الوجه الثاني يمنع هذا. والله أعلم.
ولا أثر لعدم الإتمام من غير خوض على الصِّحَّة، كما لو شرع في الصَّلاَة مقيماً، ثم بَانَ له أنه محدث ثم سافر -والوقت باق- فله القصر، بخلاف ما لو شرع فيها مقيماً ثم عرض سبب مفسد، لا يجوز له القصر، ولزمه الإتمام بالشروع، وكذا لو اقتدى بمقيم، ثم تذكر المأموم - حدث نفسه فله القصر وكذا لو اقتدى بمن يعرفه محدثاً ويظنه مقيماً؛ لأنه لم يصح شروعه.
قال الغزالي: وَلَو رَعَفَ الإِمَامُ المُسَافِرُ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ فَاسْتَخلَفَ مُقِيمًا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكذَا الرَّاعِفُ إِذَا عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ.
قال الرافعي: المسألة مبنية على أنه إذا أحدث الإمام أو عرض سبب آخر يوجب فساد صلاته يجوز له أن يستخلف مأمومًا ليتم بالقوم الصلاة، هذا هو الصحيح، وسنذكره والخلاف فيه في "باب الجمعة" إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فصورة المسألة أن يؤم مسافر بمسافرين ومقيمين فيرعف (١) الإمام في صلاته أو يسبقه الحدث فيستخلف مقيماً - يجب على المسافرين المقتدين الإتمام، خلافاً لأبي حنيفة.
стр. 774
لنا أنهم مقتدون بمقيم، فيلزمه الإتمام، كما لو اقتدوا بمقيم فأحدث واستخلف مسافراً، والدليل على أنهم مقتدون به أن سهوه يلحقهم.
واعلم أن أئمتنا لم يذكروا خلافاً في أن القوم يتمون، لكن يأتي فيه وجه، لأنا سنحكي في مسائل الاستخلاف وجهاً أنه يجب على القوم نية الاقتداء بالخليفة، فعلى هذا إنما يلزم المأمومين في هذه المسألة إذا نووا الاقتداء بالخليفة، أما إذا لم يفعلوا فلا؛ لأنهم ما نووا الإتمام ولا اقتدوا بمقيم، وكان ما أطلقوه جواب على الأصح، وهو أنه لا حاجة إلى نية الاقتداء بالخليفة؛ وما ذكرناه يجوز إعلام قوله: (أَتَمَّ المقتدون) بالواو مع الحاء.
وقوله في صورة المسألة: (وخلفه مسافرون) أي ومقيم أو مقيمون، ول تمحض المأمومون مسافرين - لكان استخلاف المقيم استخلاف غير المأمومين، وفيه كلام سنذكره من بعد، وأما الإمام الذي سبقه الرعاف أو الحدث ماذا يفعل؟ ظاهر نص الشافعي ﵁ يقتضي وجوب الإتمام عليه، فإنه قال -بعد تصوير المسألة-: (كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعاً) واعترض المزني فقال: إنما أتم الخليفة؛ لأنه مقيم والقوم خلفه؛ لأنهم مؤتمون بمقيم، فأما الراعف فليس بمقيم ولا مؤتم بمقيم، فما باله يتم؟ واختلف الأصحاب في الجواب على طريقتين، منهم من قرر ظاهر النَّص، وقال: يجب عليه الإتمام أيضاً؛ لأن الخليفة فرع له، ولا يجوز أن تكون صلاة الأصل أنقص من صلاة الفَرْع، حكاه ابن سريج عن بعض أصحابنا وضعفه، وسلم الجمهور للمزني ما ذكره، واختلفوا في تأويل النَّصِّ على وجوه.
أحدها: أن ما ذكره الشَّافعي ﵁ جواب على القول القديم، وهو إن سبق الحدث الرعاف لا تبطل الصلاة، لكنه يرفع المانع ويبني، فعلى هذا الراعف وإن انصرف فهو في صلاة وهو كالمؤتم بخليفة، وبتقدير أن لا يكون مؤتماً، فقد حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال، فيلزمه الإتمام لذلك؛ وهذا التأويل يحكى عن ابن سريج، وضَعَّفَه الشيخ أبو حامد وغيره من أئمتنا، ومنعوا كونه مؤتمًّا بالخليفة، وأنه إذا حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال يجب عليه الإتمام إذا لم يأتم هو به، وأيضاً فإن البناء على الصلاة إنما يجوز على القديم دون الجديد. والاستخلاف الذي عليه بناء المسألة إنما يجوز على الجديد دون القديم فلا ينتظم التفريع.
الثاني: قال أبو غانم ملقى (١) وابن سريج: صورة النص أن يحس الإمام بالرعاف
стр. 775
قبل أن يخرج الدّم، فيستخلف، ثم يخرج الدّم، فيلزمه الإتمام؛ لأنه صار مؤتمًا بمقيم في جزء من صلاته. قال المحافلي وغيره: وهذا لا يصح؛ لأنه استخلاف قبل وجود العذر، وأنه لا يجوز ذلك؛ وسئل الشيخ أبو محمد عنه فجعل الإحساس به عذراً، وقال: متى حضر إمام هو أفضل أو حاله أكمل يجوز استخلافه (١).
الثالث: وقال أبو إسحاق: صورة النص أن يعود بعد غسل الدم، ويقتدي بالخليفة إما بناء على القول القديم وإما استئنافاً على الجديد، فيلزمه الإتمام؛ لأنه اقتدى بمقيم في جزء من صلاته؛ فأما إذا لم يقتد فلا يلزمه الإتمام، وهذا أصح الأجوبة عند الأكثرين. قالوا: وقد أشار إليه الشافعي ﵁ في التعليل، حيث قال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى كان فيها في صلاة مقيم.
وقوله في الكتاب: (وكذا الراعف إذا عاد واقتدى) جرى على هذا الجواب الصّحيح فإنه قيد لزوم الإتمام باقتداءه بالخليفة. وقد نرى في بعض النّسخ إعلام هذه الكلمة بالزَّاي، وليس بصحيح، فإنه لا نزاع للمزني في لزوم الإتمام إذا اقتدى، نعم، يجوز أن يعلم قوله: (واقتدى) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة المقررة لظاهر النص، فإن الاقتداء ليس بِشَرْطٍ على تلك الطريقة.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى نِيَّةِ القَصْرِ جَزْماً فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ وَلاَ الإتْمَامَ أَوْ شَكَّ فِي نِيَّةِ القَصْرِ وَلَوْ لَحْظَةً لَزِمَهُ (ز ح) الإِتْمَامُ.
قال الرافعي: من شرط القصر نية القصر، فلو نوى الإتمام لزمه ما التزمه، ولو لم ينو القصر ولا الإتمام لزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل هو الإتمام فينعقد مطلق التحرم عليه، ويجب أن تكون نية القصر في ابتداء الصلاة كأصل النية، ثم لا يجب تذكرها في دوام الصَّلاة، ولكن يشترط الانفكاك عن الشَّكِّ والتردد والجزم بالإتمام، فلو نوى القصر أولاً ثم نوى الإتمام -أو تردد بين القصر والإتمام- لزمه الإتمام، ولو شك في أنه هل نوى القصر أم لا لزمه الإتمام، وإن تذكر في الحال أنه نوى القصر نص عليه في "الأم" بخلاف ما لو شك في أصل النِّيَّة ثم تذكر على القرب، حيث تصح صلاته ولا