← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وأصحهما: لا؛ لأن الصَّلاة تامة في نفسها، ولو دخل في مروره بلدة وأهلها يقيمون الجمعة فاقتدى في الظهر بالجمعة، قيل: إن قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور فله القصر وإلا فهي كالصُّبح (١). وظاهر المذهب عند الأكثرين: المنع بكل حال؛ لأنها صلاة إقامة، وهو الموافق لظاهر لفظ الكتاب. إذا عرفت ذلك فنقول: المسافر إما أن يعلم حال الذي يقتدي به في السفر والإقامة أو لا يعلم، فإن علم نظر إن عرفه مقيماً فقد ذكرنا أن عليه الإتمام، وكذا لو ظَنَّه مقيماً، فلو اقتدى به ونوى القصر انعقدت صلاته، ولغت نية [من نوى] (٢) القصر، بخلاف المقيم ينوي القصر لا ينعقد ظُهْرُه؛ لأنه ليس من أهل القصر والمسافر من أهله فلا يضره نية القصر، كما لو شرع في الصَّلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام أو صار مقيماً، فإنه يتم، وإن عرفه أو ظنه مسافراً - وعرف أنه نوى القصر، أو ظنه، فله أن ينوي القصر وإن لم يدر أنه نوى القصر أم لا فكذلك، ولا يلزمه الإتمام بهذا التردد؛ لأن الظَّاهِرَ من حال المسافر القصر؛ وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء على التردد، ولو عرض هذا التردد في أثناء الصَّلاة فكذلك لا يلزمه الإتمام؛ ومتى لم يعرف نيته فهل يجوز أن يعلق نيته فيقول: إن قصر قصرت وإن أتم أتمت أو لا بد من الجزم بالقصر؟ فيه وجهان: أصحهما: جواز التعليق فإن الحكم متعلق به، وإن جزم إن أتم الإمام أتم وإن قصر قصر، ولو أفسد الإمام صلاته أو فسدت، ثم قال: كنت نويت القصر، فللمأموم القصر، وإن قال: كنت نويت الإتمام لزمه الإتمام، وإن انصرف -ولم يظهر للمأموم ما نواه- فوجهان: حكاهما أصحابنا العراقيون. أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق-: يلزمه الإتمام؛ لأنه شاكٌ في عدد ما يلزمه من الركعات فيأخذ باليقين. والثاني -وبه قال ابن سريج-: له القصر؛ لأنه افتتح الصَّلاة بنية القصر خلف من الظاهر من حاله القصر؛ ويتبين بما ذكرنا أن قوله في الكتاب: (ولو شك في أن إمامه هل نوى الإتمام وهو مسافر لم يلزمه الإتمام) ليس على إطلاقه، بل لو ظهر أن الإمام نوى الإتمام يلزمه الإتمام. وهل يشترط لعدم لزوم الإتمام ظهور نية القَصْر للإمام أم لا

стр. 772

ويكفي استمرار التردد؟ فيه الوجهان المذكوران، والموافق لإطلاق اللفظ هو المنسوب إلى ابن سريج ولو قال حجة الإسلام. ولو شك أن إمامه هل نوى القصر بدلاً عن قوله: (هل نوى الإتمام) لكان أحسن؛ لأنه لو لم ينو الإتمام ولا القصر، كان بمثابة ما لو نوى الإتمام، كما سيأتي في الشرط الثاني. فإنما ثبت [الوجه] (١) إذا نوى القصر، لا إذا لم يَنْوِ الإتمام، وأما إذا لم يعرف أنه مسافر أو مقيم ولا ظن بل كان شاكاً فيه لزمه الإتمام وإن بَانَ مسافراً قاصراً؛ لأنه شرع على تردد فيما يسهل معرفته؛ لظهور شعار المسافرين والمقيمين، وسهولة البحث، والأصل الإتمام. فإذا قصر لزمه الإتمام، ويخالف التردد في نية القصر مع العلم بأنه مسافر، إذ لا تقصير ثم كما سبق، وحكى في "النهاية" وجهاً أخر أنه إذا بَانَ مسافراً قاصراً كان له القصر، كما لو تردد في النِّية، والمشهور الأول، وهو الذي ذكره في الكتاب. قال الغزالي: وَلَوِ اقْتَدَى بِمُقِيم ثُمَّ فَسَدَت صلاَتُهُ لَزِمَهُ (ح) الإِتْمَامُ، وَكَذَا لَوْ ظَنَّ الإِمَامَ مُسَافِراً فَكَانَ مُقِيماً لِأنَّهُ مُقصِرٌ إِذْ شِعَارُ الإقَامَةِ ظَاهِرَةٌ، وَلَو بَانَ أَنَّ الإِمَامَ مُقِيمٌ مُحْدِثٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِتْمَامُ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَّهُ لاَ قُدْوَةَ ظَاهِراً وَبَاطِناً. قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو اقتدى بمقيم أو بمسافرٍ مُتِمٍّ ثم فسدت صلاة الإمام أو بَانَ محدثاً -لزمه الإتمام بالاقتداء به، وكذلك لو فسدت صلاة المأموم لزمه الإتمام- إذا استأنف خلافاً لأبي حنيفة. لنا أنها صلاة تعين عليها إتمامها، فلم يجزه بعد قصرها، كما لو فاتته في الحضر، ثم سافر. وقوله: (ثم فسدت صلاته) أراد صلاة المأموم. وإن أمكن صوت الكناية إلى الإمام أيضاً، وذلك بين من لفظ "الوسيط". الثَّانية: لو اقتدى بمن ظنه مسافراً فبان مقيماً يلزمه الإتمام لتقصيره؛ إذ شعار الإقامة ظاهر، وهو كما ذكرنا فيما إذا لم يدر أنه مقيم أو مسافر. وإن بأن أنه مقيم محدث نظر: إن بَانَ كونه مقيماً أو لا، لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمن علمه مقيماً، ثم بان أنه محدث، وإن بان كونه محدثاً أو لا أو بانا معاً فوجهان. أحدهما -وبه قال صاحب التلخيص-: لا يلزمه الإتمام؛ لأنه اقتداءه لم يصح في الحقيقة، وفي الظاهر ظنه مسافراً بخلاف ما لو اقتدى بمسافر في ظنه مسافراً، ثم

стр. 773

فسدت صلاته بحدث، ثم بان أنه كان مقيماً عليه الإتمام؛ لأن اقتداء كان صحيحًا. والثاني: يلزمه الإتمام؛ لأن حدث الإمام لا يمنع صحة اقتداء الجاهل به، فإذا بَانَ أنه مقيم، فقد بَانَ أنه اقتدى بمقيم، وقد أطلق في الكتاب ذكر الخلاف فيما إذا بأن أنه مقيم محدث، لكن موضع الوجهين ما ذكرنا دون ما إذا بَانَ كونه مقيماً أو لا، كذلك قاله صاحب "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما، ثم أطبق الأئمة على ترجيح الوجه الأول على ما ذكره في الكتاب، ومنهم من لا يورد سواه، وقد تنازعه كلامهم في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، ثم بَانَ كونه محدثاً، فإنهم رجحوا الإدراك. ومأخذ المسألتين واحد. وقوله: (لأنه لا قدوة ظاهراً وباطناً) أي لا قدوة بمقيم ظاهراً وباطناً، أما ظاهراً فلأنه ظنه مسافراً، وأما باطناً فلأنه محدث؛ وصاحب الوجه الثاني يمنع هذا. والله أعلم. ولا أثر لعدم الإتمام من غير خوض على الصِّحَّة، كما لو شرع في الصَّلاَة مقيماً، ثم بَانَ له أنه محدث ثم سافر -والوقت باق- فله القصر، بخلاف ما لو شرع فيها مقيماً ثم عرض سبب مفسد، لا يجوز له القصر، ولزمه الإتمام بالشروع، وكذا لو اقتدى بمقيم، ثم تذكر المأموم - حدث نفسه فله القصر وكذا لو اقتدى بمن يعرفه محدثاً ويظنه مقيماً؛ لأنه لم يصح شروعه. قال الغزالي: وَلَو رَعَفَ الإِمَامُ المُسَافِرُ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ فَاسْتَخلَفَ مُقِيمًا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكذَا الرَّاعِفُ إِذَا عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ. قال الرافعي: المسألة مبنية على أنه إذا أحدث الإمام أو عرض سبب آخر يوجب فساد صلاته يجوز له أن يستخلف مأمومًا ليتم بالقوم الصلاة، هذا هو الصحيح، وسنذكره والخلاف فيه في "باب الجمعة" إن شاء الله تعالى. إذا عرفت ذلك فصورة المسألة أن يؤم مسافر بمسافرين ومقيمين فيرعف (١) الإمام في صلاته أو يسبقه الحدث فيستخلف مقيماً - يجب على المسافرين المقتدين الإتمام، خلافاً لأبي حنيفة.

стр. 774

لنا أنهم مقتدون بمقيم، فيلزمه الإتمام، كما لو اقتدوا بمقيم فأحدث واستخلف مسافراً، والدليل على أنهم مقتدون به أن سهوه يلحقهم. واعلم أن أئمتنا لم يذكروا خلافاً في أن القوم يتمون، لكن يأتي فيه وجه، لأنا سنحكي في مسائل الاستخلاف وجهاً أنه يجب على القوم نية الاقتداء بالخليفة، فعلى هذا إنما يلزم المأمومين في هذه المسألة إذا نووا الاقتداء بالخليفة، أما إذا لم يفعلوا فلا؛ لأنهم ما نووا الإتمام ولا اقتدوا بمقيم، وكان ما أطلقوه جواب على الأصح، وهو أنه لا حاجة إلى نية الاقتداء بالخليفة؛ وما ذكرناه يجوز إعلام قوله: (أَتَمَّ المقتدون) بالواو مع الحاء. وقوله في صورة المسألة: (وخلفه مسافرون) أي ومقيم أو مقيمون، ول تمحض المأمومون مسافرين - لكان استخلاف المقيم استخلاف غير المأمومين، وفيه كلام سنذكره من بعد، وأما الإمام الذي سبقه الرعاف أو الحدث ماذا يفعل؟ ظاهر نص الشافعي ﵁ يقتضي وجوب الإتمام عليه، فإنه قال -بعد تصوير المسألة-: (كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعاً) واعترض المزني فقال: إنما أتم الخليفة؛ لأنه مقيم والقوم خلفه؛ لأنهم مؤتمون بمقيم، فأما الراعف فليس بمقيم ولا مؤتم بمقيم، فما باله يتم؟ واختلف الأصحاب في الجواب على طريقتين، منهم من قرر ظاهر النَّص، وقال: يجب عليه الإتمام أيضاً؛ لأن الخليفة فرع له، ولا يجوز أن تكون صلاة الأصل أنقص من صلاة الفَرْع، حكاه ابن سريج عن بعض أصحابنا وضعفه، وسلم الجمهور للمزني ما ذكره، واختلفوا في تأويل النَّصِّ على وجوه. أحدها: أن ما ذكره الشَّافعي ﵁ جواب على القول القديم، وهو إن سبق الحدث الرعاف لا تبطل الصلاة، لكنه يرفع المانع ويبني، فعلى هذا الراعف وإن انصرف فهو في صلاة وهو كالمؤتم بخليفة، وبتقدير أن لا يكون مؤتماً، فقد حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال، فيلزمه الإتمام لذلك؛ وهذا التأويل يحكى عن ابن سريج، وضَعَّفَه الشيخ أبو حامد وغيره من أئمتنا، ومنعوا كونه مؤتمًّا بالخليفة، وأنه إذا حصل في جماعة إمامها مقيم في بعض الأحوال يجب عليه الإتمام إذا لم يأتم هو به، وأيضاً فإن البناء على الصلاة إنما يجوز على القديم دون الجديد. والاستخلاف الذي عليه بناء المسألة إنما يجوز على الجديد دون القديم فلا ينتظم التفريع. الثاني: قال أبو غانم ملقى (١) وابن سريج: صورة النص أن يحس الإمام بالرعاف

стр. 775

قبل أن يخرج الدّم، فيستخلف، ثم يخرج الدّم، فيلزمه الإتمام؛ لأنه صار مؤتمًا بمقيم في جزء من صلاته. قال المحافلي وغيره: وهذا لا يصح؛ لأنه استخلاف قبل وجود العذر، وأنه لا يجوز ذلك؛ وسئل الشيخ أبو محمد عنه فجعل الإحساس به عذراً، وقال: متى حضر إمام هو أفضل أو حاله أكمل يجوز استخلافه (١). الثالث: وقال أبو إسحاق: صورة النص أن يعود بعد غسل الدم، ويقتدي بالخليفة إما بناء على القول القديم وإما استئنافاً على الجديد، فيلزمه الإتمام؛ لأنه اقتدى بمقيم في جزء من صلاته؛ فأما إذا لم يقتد فلا يلزمه الإتمام، وهذا أصح الأجوبة عند الأكثرين. قالوا: وقد أشار إليه الشافعي ﵁ في التعليل، حيث قال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى كان فيها في صلاة مقيم. وقوله في الكتاب: (وكذا الراعف إذا عاد واقتدى) جرى على هذا الجواب الصّحيح فإنه قيد لزوم الإتمام باقتداءه بالخليفة. وقد نرى في بعض النّسخ إعلام هذه الكلمة بالزَّاي، وليس بصحيح، فإنه لا نزاع للمزني في لزوم الإتمام إذا اقتدى، نعم، يجوز أن يعلم قوله: (واقتدى) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة المقررة لظاهر النص، فإن الاقتداء ليس بِشَرْطٍ على تلك الطريقة. قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى نِيَّةِ القَصْرِ جَزْماً فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ وَلاَ الإتْمَامَ أَوْ شَكَّ فِي نِيَّةِ القَصْرِ وَلَوْ لَحْظَةً لَزِمَهُ (ز ح) الإِتْمَامُ. قال الرافعي: من شرط القصر نية القصر، فلو نوى الإتمام لزمه ما التزمه، ولو لم ينو القصر ولا الإتمام لزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل هو الإتمام فينعقد مطلق التحرم عليه، ويجب أن تكون نية القصر في ابتداء الصلاة كأصل النية، ثم لا يجب تذكرها في دوام الصَّلاة، ولكن يشترط الانفكاك عن الشَّكِّ والتردد والجزم بالإتمام، فلو نوى القصر أولاً ثم نوى الإتمام -أو تردد بين القصر والإتمام- لزمه الإتمام، ولو شك في أنه هل نوى القصر أم لا لزمه الإتمام، وإن تذكر في الحال أنه نوى القصر نص عليه في "الأم" بخلاف ما لو شك في أصل النِّيَّة ثم تذكر على القرب، حيث تصح صلاته ولا

стр. 776

يكون ذلك قادحاً. والفرق أن الشَّكَّ في النية بمثابة عدم النية، فإذا كان الشَّك في أصل النية، فالموجود في زمان الشك غير محسوب عن الصلاة، لكنه جعل عذراً لقلته، وحسب عن الركن ما قبله أو بعده. وهاهنا الموجود حالةُ الشك محسبو عن الصلاة؛ لوجود أصل النية، فيتأدى ذلك الجزء على التمام، وإذا انعقد جزء من الصلاة على التمام. وعند أبي حنيفة لا حاجة إلى نية القصر بناء على أنه عزيمة. وقال المزني: لا بد منها، لكن لا تجب في الابتداء، ويجوز أن ينوي القصر في الأثناء، ولو نوى الإتمام ثم أراد القصر جاز. وقوله: "أن يستمر على نية القصر جزماً في جميع الصَّلاة"، يتضمن اعتبار نية القصر، ثم ليس المراد أنه يشترط استحضارها في جميع الصَّلاة، وإنما المراد ما ذكرنا أنه يشترط الخلو عن الشَّكِّ والتردد. وقوله: (في جميع الصلاة) يجوز أن يعلم بالزَّاي؛ لأن عنده لو كان جازماً في البعض بالإتمام، ثم نوى القصر جاز، وقوله: (لزمه الإتمام) معلم بالحاء والزاي؛ لما حكيناه. قال الغزالي: وَلَوْ قَامَ الإمَامُ إلَى الثَّالِثَةِ سَاهِياَ فَتَوَهَّم المُقْتَدِي أنَّهُ نَوَى الإتْمَامَ شَاكّاً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، وَلَوْ قامَ المُسَافِرُ إِلَى الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ سَهْوًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ، وَلاَ يَكُونُ مُتِمًّا بَلْ لَوْ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُ إِتْمَاماً فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو اقتدى بمسافر عرف أنه ينوي القصر أو ظنه، وصلّى ركعتين، فقام الإمام إلى ركعة ثالثة، نظر: إن علم أنه نوى الإتمام لزمه الإتمام، وإن علم أنه ساهٍ بأن كان حنفيًّا، لا يرى الإتمام، فلا يلزمه الإتمام، ويتخير بين أن يخرج عن متابعته ويسجد للسَّهْوِ وَيُسَلِّم، وبين أن ينتظر حتى يعود، ولو اتفق له أنه يتم أتم، لكن ليس له أن يقتدي بالإمام في سهوه، فإنه غير محسوب له، ولا يجوز الاقتداء بمن يعرف أن ما فيه غير محسوب له كالمسبوق إذا أدرك من آخر الصَّلاة ركعة فقام الإمام سهوًا إلى ركعة زائدة، لم يكن للمسبوق أن يقتدي به في تدارك ما عليه؛ ذكره في "النهاية" ولو شك في أنه قام ساهياً، أو متتماً فهذه مسألة الكتاب، وحكمها أن عليه الإتمام وإن بَانَ كونه ساهياً؛ لأن أحد المحتملين لزوم الإتمام، فيلزم كما لو شَكَّ في نية نفسه، وبخلاف ما لو شَكَّ في نِيةِ الإمام المسافر ابتداء حيث لم يلزمه الإتمام بذلك كما قدمناه؛ لأن النِّية لا يَطَّلِعُ عليها، ولم تظهر أمارةٌ مُشْعِرَةٌ بالإتمام، وهاهنا القيام فعل مشعر بالإتمام مخيل له.

стр. 777

وقوله: (شاكاً) في لفظ الكتاب لا ضرورة إليه، والغرض حاصل بقوله فيتوهم. وقوله: (لزمه الإتمام) يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأنّا حكينا عن مذهب الإمام أبي حنيفة أن نِيَّة الإمام المسافر لا تلزم المأمومين القصر، فما ظنك بتوهمها. الثانية: لو نوى القصر وَصَلَّى ركعتين ثم قام إلى الثّالثة، نظر: إن حدث أمر موجب الإتمام كنية الإتمامْ أو نية الإقامة في ذلك الموضع، أو حصوله في دار الإقامة بانتهاء السفينة إليها، وقام لذلك - فقد أتى بما ينبغي وإن لم بحدث شيء من ذلك؛ فإن قام عمداً بطلت صلاته، كما لو قام المتم إلى ركعة خامسة، وكما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغير النية، وإن قام سهواً ثم تذكر، فعليه أن يعود ويسجد لِلسَّهْوِ ويسلم؛ فلو بدا له بعد التذكر أن يتم عاد إلى القعود، ثم نهض مُتِمًّا، وفي وجه له أن يمضي في قيامه، ولو صلى ثالثة ورابعة سهواً وجلس للتشهد ثم تذكر سجد لِلسَّهْو -وهو قَاصِرٌ- ورَكْعَتَا السَّهْو غير محسوبتين بل يلزمه أن يقوم ويصلي ركعتين أخريين، ثم يسجد للسَّهْوِ في آخر صلاته؛ ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (فليقم ويصل ركعتين أخريين) بالميم؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن مالك أن المسافر إذا نوى القصر لم يكن له أن ينوي الإتمام ويزيد على نيته الأولى. وأعلم: أن لفظ الكتاب في أول النظر الثالث يوهم حصر شرط القصر في الاثنين المذكورين، لكن له شروط اُخر. منها: أن يكون مسافراً من أول الصَّلاة إلى آخرها، فلو نوى الإقامة في أثناء الصَّلاة، أو كان يُصَلِّي في السَّفِينة فانتهت إلى دار إقامته -لزمه الإتمام؛ لأن سبب الرخصة قد زال، فتزول الرخصة كما لو كان يصلِّي قاعداً لمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم؛ ولو شرع في الصَّلاة مقيماً، ثم سارت به السفينة، فكذلك يلزمه الإتمام، تغليباً للحضر في العبادة التي اشترك فيها الحضر والسفر، ولو شَكَّ هل نوى الإقامة أم لا، أو دخل بلدًا بالليل وشك في أنه مقصده أم لا؟ يلزمه الإتمام؛ لأنه شك في سبب الرخصة، والأصل الإتمام فصار كما لو شَكَّ في بقاء مدة المسح لا يمسح. ومنها: العلم بجواز القَصْر، فلو جهل جوازه وقصر لم يجزه؛ لأنه عابث في اعتقاده غير مصلي؛ يحكى ذلك عن نصه في "الأم" (١).

стр. 778

البَابُ الثَّانِي فِي الجَمْعِ قال الغزالي: وَالجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي وَقْتَيهِمَا جَائِزٌ بِالسَّفَر (زح) وَالمَطَرِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الظهر، وتأخيراً في وقت العصر بعذر السفر، وكذلك الجمع بين المغرب والعشاء؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ سَيْرٌ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ" (١). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ "كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ" (٢). وهذا في السَّفَرِ الطَّوِيلِ؛ وفي جواز الجمع في القصير قولان: أحدهما -وهو القديم-: أنه يجوز، وبه قال مالك ﵁ لإطلاق حديث أنس ﵁، واعتباراً بالتنفل على الراحلة. وأصحهما -وبه قال أحمد ﵀: لا يجوز؛ لأنه إخراج عبادة عن وقتها، فاختص بالسفر الطويل كالفطر، والأفضل للسائر في وقت الصلاة الأولى تأخيرها إلى الثانية، وللنازل في وقت الأولى تقديم الثانية إليها. ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ والمعنى فيه بين. وشرط جواز الجمع في السفر أن لا يكون سفر معصية، كما ذكرنا في القصر، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بعذر المطر أيضاً؛ لما روي عن ابن عمر ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ لِلْمَطَرِ" (٣). وعن ابن عباس ﵄ "أن النبِي ﷺ جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ" (٤). قال مالك: أرى ذلك في المطر. وقوله: (لعذر السفر) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا يجوز الجمع بعذر

стр. 779

السفر، ولا جمع إلا للنسك بعرفة، والمزدلفة كما سيأتي. وقوله: (والمطر) معلم بالحاء أيضاً والزَّاي، لأن عندهما لا جمع بالمطر، وبالميم؛ لأن عند مالك يجوز الجمع بين المغرب والعشاء بعذر المطر، ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر به، وبالألف؛ لأن أحمد صار في إحدى الروايتين إلى مثل مالك ﵀، وبالواو لأن الإمام ذكر أن صاحب "التقريب" (١) حكى قولاً ضعيفاً مثل مذهب مالك -رحمة الله عليه-، وقوله: (في وقتيهما جائز) يقتضي جواز التقديم والتأخير جميعاً بالعذرين السفر والمطر ولكن في جواز التأخير بعذر المطر خلاف ذكره في آخر الباب على ما سيأتي، والأظهر المنع، ولا يجوز الجمع بين صلاة الصبح وغيرها، ولا بين العَصْرِ والمغرب، لم يرد بذلك نقل عن رسول الله ﷺ . قال الغزالي: وَالحَجِيجُ يَجْمَعُونَ بِعِلَّةِ السَّفَر أوْ بِعِلَّةِ النُّسُكِ فِيهِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: الْحُجَّاج الأفاقيون يجمعون بين الظهر والعصر بعرفَة في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة في وقت العشاء، ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ وعليه جرى الناس في الأعصار، واختلف أصحابنا في سبب هذا الجمع، منهم من قال: إنما يجتمعون بسبب السفر كسائر المسافرين، ومنهم من قال: إنما يجمعون بسبب النُّسك. وذلك أن الحاج يحتاج إلى الدعاء بعد الظهر، فلو لم تقدم العصر لشغلته عن الدّعاء، وإذا غربت الشمس فهو وقت الاشتغال بالدفع من عرفة، فجوز له الجمعان تكميلاً لشغل النسك، فإن قلنا بالمعنى الأول فهل يجمع المكي؟ فيه قولان؛ لأن سفره قصير، ولا يجمع العرفي بعرفة، ولا المزدلفي بالمزدلفة، فإنه في وطنه؛ وهل يجمع كل عنهما بالبقعة الأخرى؟ فيه القولان؟ وإن قلنا: بالمعنى الأول جاز لجميعهم الجمع فحصل للجمع سبب ثالث وهو النسك، ذكره كله صاحب "النهاية" وغيره؛ ومنهم من يقول: في جواز الجمع للمكي قولان: الجديد: المنع. والقديم: الجواز، ثم لم يجوز قيل للسفر وقيل للنسك، فإن فرعنا على القديم فهل للعرفي والمزدلفي الجمع؟ فيه وجهان بناء على المعنيين، وأصل الفرض في الإيرادين واحد وإن اختلفا في بعض الأمور؛ وقد عرفت بما ذكرنا أن قوله: (والحجيج يجمعون) يعني به الحجيج الآفاقيين، فأما غيرهم فالخلاف في حقهم في أصل الجمع لا في العلّة؛ وظاهر المذهب عند الأئمة أن العلةَ السفرُ وأن المكي والعرفي لا يجمعان.

стр. 780

وعند أبي حنيفة: العلة النسك. وقال: لا يجوز الجمع بعرفة إلا في الجماعة، فأما المنفرد في رحله فلا يجمع، وجوز له الجمع بين العشائين بالمزدلفة، ولم يجوز ترك الجمع بالمزدلفة وفعل المغرب في وقتها، ولا الجمع بينهما في وقت المغرب، ولا الجمع بينهما في وقت العشاء في الطريق، وأوجب أن يكون ذلك بالمزدلفة، ولم يجوز أن يجمع بعرفة بين الظُّهْر والعصر في وقت العصر، لكن جَوَّز ترك الجَمْعِ وفعل العصر في وقتها، حكى الصيدلاني هذه المسائل مجموعة عن مذهبه. وعندنا الحكم في الجمع في البقعتين حكمه في سائر الأسفار، وهو فيه بالخيار. وعند مالك العلة النُّسُك، ولهم جميعاً الجمع، بل للمكي والعرفي في القصر أيضاً بعلة النسك. قال الغزالي: وَالرُّخَصُ المُخْتَصَّةُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَرْبَعَةٌ: القَصْرُ وَالِفْطرُ، وَالمَسْحُ ثَلاثةَ أَيَّامِ، وَالجَمْعُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، ثُمَّ الصَّومُ أَفْضَلُ مِنَ الفِطْرِ، وَفِي القَصْرِ والإِتْمَامِ قَوْلاَنِ، وَالَّذِي لاَ يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ أَرْبَعَة: التَّيَمُّمُ، وَتَرْكُ الجُمُعَةِ، وَأَكْلُ المَيْتَةِ، وَالتَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ. قال الرافعي: غرض الفصل شيئان: أحدهما: عد الرخص التي تختص بالسفر الطويل والتي لا تختص. والثاني: بيان أن القصر والفطر أفضل أم الإتمام والصوم؟ ولا اختصاص لواحد منهما بباب الجمع. والثاني: بيان القصر أليق، ثم إنه أدخل الثاني بين قسمي المقصد الأول [ولو أنه فرغ منهما ثم ذكره لكان أحسن، وكذلك فعل في "الوسيط" أما المقصد الأول] (١) فالرخص المختصة بالسفر الطَّويل أربع: إحداها: القصر كما تقدم. والثانية: الإفطار كما سيأتي. والثالثة: المسح ثلاثة أيام، وقد ذكرنا في باب المسح اختصاصه بالسفر الطويل، وإن لم يصرح به في الكتاب ثم.

стр. 781

والرابعة: الجمع بين الصلاتين، وفيه قولان مذكوران في هذا الباب، وكان قد أرسل ذكر القولين في المسألة فنص ههنا على الأصح وأدرجه في هذا القسم تفريعاً عليه، والتي لا تختص بالسفر الطويل جعلها أربعًا أيضاً: إحداها: التيمم، وهذا يجوز أن يراد به الترخص من فعل الصلاة به، ويجوز أن يراد به إسقاط فرض الصلاة به، وعلى هذا التقدير فهو جواب على الأصح من وجهين ذكرناهما في "باب التيمم" وأن التيمم في السفر القصير، هل يغني عن القضاء أم لا؟ ثم على التقديرين ينبغي أن يعلم أن التيمم كما لا يختص بالسفر الطويل، لا يختص بنفس السفر، لما بيناه في ذلك الباب. الثانية: أكل الميتة وهو أيضاً مما لا يختص بالسفر نفسه. والثالثة: ترك الجمعة. والرابعة: التنفل على الراحلة، وفي جوازه في السَّفَرِ القصير قولان أرسلهما في باب الاستقبال، ونص على الأصح هاهنا، وأدرجه في هذا القسم تفريعاً عليه. وأما المقصد الثاني: فاعلم أن الصوم في السفر أفضلُ من الفطر على المذهب المشهور، لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت، وهذا إذا أطلق الصَّوْم. وفيه وجه آخر رواه القاضي الروياني وغيره، أن الفطر أفضل، وبه قال أحمد؛ لما روي أنه ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (١). وفي الأفضل من القصر والإتمام قولان: أحدهما -وبه قال المزني-: أن الإتمام أفضل؛ لأنه الأصل، والقصر بدل معدول إليه، فأشبه غسل الرجل مع المسح على الخف. وأصحهما -وبه قال مالك وأحمد-: أن القصر أفضل؛ لما روي أنه ﷺ قال: "خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا" (٢). ولأنه متفق عليه، والإتمام بخلافه، وبخلاف الصوم مع الفطر، حيث قلنا: الصوم أفضل وإن صار أهل الظاهر إلى أنه لا يصح. قال إمام الحرمين: لأن المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهبهم وَزْناً، وذكر الصيدلاني أن القصر أَفْضَلُ من الإتمام، وفي الإفطار والصوم وجهان، وهذا يوهم

стр. 782

القطع بأفضلية القَصْر، وكذلك حكاه الإمام عن الصيدلاني، واستبعده وأحاله على خطأ النساخ، [فإن] (١) ثبت ذلك فقوله: (قولان) معلم بالواو. والفرق بين الرخصتين حيث كان الصوم أفضل والقصر أفضل على الظاهر فيهما أن الذمة تبقى مشغولة بالصوم إذا أفطر، وقد يعرض عائق من القضاء، وفي القصر بخلافه وأيضاً فإن فضيلة الوقت تفوت بالإفطار ولا تفوت بالقصر، ونقل أبو عبد الله الحناطي وغيره في القصر والإتمام وجهاً آخر أنهما سواء، ثم القولان في المسألة وإن كانا مطلقين فلا بد من استثناء صور: إحداها: إذا كان سفره دون ثلاث مراحل فليس ذلك موضع القولين، بل الإتمام فيه أفضل للخروج عن الخلاف، وقد حكيناه من قبل عن نصه. والثانية: إذا كان يجد من نفسه كراهة القصر وثقله فهذا يكاد يكون رغبة عن السُّنة، فالأفضل له القصر قولاً واحداً، بل يكره له الإتمام إلى أن تزول عنه تلك الكراهية، وكذلك القول في جميع الرُّخَص في هذه الحالة. الثالثة: المَلاَّحُ الذي يسافر في البحر ومعه أهله وأولاده في سفينته الأفضل له الإتمام، لأنه في وطنه، يحكى ذلك عن نصه في "الأم"، وفيه خروج عن الخلاف أيضاً، فإن عند [أحمد] (٢) لا يجوز له، وللمكاري (٣) الذي معه أهله وماله القصر. واعلم: أن مسافة القصر في البحر مثل المسافة في البر وإن كانت تقطع فيه في لحظة ويجتهد فيها عند الشَّكِّ. قال الغزالي: ثُمَّ شَرَائِطُ الجَمْعِ ثَلاَثَةٌ: التَّرْتِيبُ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ عَلَى العَصْرِ، وَنيَّةُ الجَمْعِ فِي أَوَّلِ الصَّلاَةِ الأُوَلى أَوْ فِي وَسَطِهَا، وَلاَ يَجُوزُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَالُوَالاةُ، وَهُوَ أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَ الصَّلاَتيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ إِقَامَةٍ، وَفِي هذِهِ الشَّرَائِطِ عِنْدَ الجَمْعِ بالتَّأْخِيرِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: المسافر إذا جمع فإما أن يقدم الأخيرة من الصَّلاتين إلى وقت الأولى، أو يؤخر الأولى إلى وقت الأخيرة، فإن قدم فيعتبر فيه ثلاثة شرائط. إحداها: الترتيب، وهو تقديم الظهر على العصر والمغرب على العشاء؛ لأن الوقت للأولى والثانية تبع له، فيجب تقديم الأصل، فلو قدم العصر على الظهر لم

стр. 783

يصح عصره ويعيدها بعد الظُّهْرِ، ولو قدم الظُّهْر وبان فسادها بسبب فالعصر فاسدة أيضاً. والثانية: نية الجمع، تمييزاً للتقديم المشروع على التقديم سهواً وعبثاً، ومتى ينوي الجمع نَصَّ في الجمع بالسفر أنه ينوي عند التحرم بالأولى أو في أثنائها، ونص في الجمع بالمطر أنه ينوي عند التحرم بالأولى، واختلف الأصحاب على طريقتين: إحداهما: تقرير النصين. والفرق أن نية الجمع ينبغي أن تقارن سبب الجمع؛ وداوم السَّفَرِ في الصلاة الأولى شرط فجيمعها وقت النية، وأما المطر فلا يشترط دوامه في الأولى كما سيأتي، ويتشرط في أولها، فتعين وقتاً للنية. وأصحهما -وبه قال المزني-: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً: أحدهما: أنها شرط في الفصلين عند التحرم كنِيَّةِ اَلْقَصْرِ. وأصحهما: أنها لو وقعت في أثنائها جاز أيضاً؛ لأن الجمع هو ضم الثَّانِيَة إلى الأولى، فإذا تقدمت النِّيَّة على حالة الضم حصل الغرض، وتفارق نية القصر، لأنها لو تأخرت لتأدى بعض الصَّلاة على التمام، وحينئذ يمتنع القصر، وعلى هذا فلو نوى مع التَّحلُّلِ. قال الإمام: رأيت للأئمة تردداً فيه، كان شيخي يمنعه، وذكر الصيدلاني وغيره أنه يجوز؛ لوجود النية في الطرفين، الطرف الأخير من الظهر، والطرف الأول من العصر، وعلى هذا يَدِلُّ نَصُّ الشافعي ﵁، ثم قال المسعودي والصيدلاني وغيرهما: وخرج المزني قولاً ثالثاً: وهو أنه لو نوى بعد الكلام على قرب وصلى الصلاة الأخيرة جَازَ، كما لو سلَّم من اثنتين وقرب الوقت يبني، وإن طال فلا وهذا تخريج منه للشافعي ﵁، وحكوا عن مذهبه أن النية الجمع ليست مشروطة أصلاً، فإن الجمع معنى ينتظم الصلاتين، ولا عهد بنية تجمع بين صلاتين، وجعل الصيدلاني مذهبه وجهاً لأصحابنا، فليكن قوله في الكتاب: (ونية الجمع) معلماً بالزاي والواو، ويجوز أن يعلم قوله: (ولا يجوز في أول الثانية) بهما أيضاً. وقوله: "أو في وسطها" معلم الواو (١) للقول الصائر إلى اشتراط النية في أولها، واعتبار الوسط يقتضي المنع فيما إذا نوى مع التحلل إذ لا تكون النية حينئذ في الوسط، وهذا ما سبق عن الشَّيْخ أبي محمد، والظَّاهر عند الأكثرين خلافه.

стр. 784

الثالثة: الموالاة فهي شرط خلافاً للإصطخري فيما حكى صاحب "التتمة" عنه حيث قال: يجوز الجمع وإن طال الفصل بين الصلاتين ما لم يخرج وقت الأولى منهما، ويروى مثله عن أبي عَلِيّ الثقفي. وقال الموفق بن طاهر: سمعت الشيخ آبا عاصم العبادي يحكي عن الإمام أنه لو صلَّى المغرب في بيته، ونوى الجمع، وجاء إلى المسجد وصلَّى العشاء فيه جاز، ووجه ظاهر المذهب ما روي أن النبي ﷺ "لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَالَى بَيْنَهُمَا وَتَرَك الرَّوَاتِبَ بَيْنَهُمَا" (١). لولا اشتراط الموالاة لما تركها، والمراد من الموِالاة أن لا يطول الفَصْلُ بينهما ولا بأس بالفصل اليسير؛ لأنَّهُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أمْرُ الإقَامَةِ بَيْنَهُمَا" (٢) [وبماذا يفرق بين الطَّوِيل واليَسِير؟ قال الصيدلاني: حده أصحابنا بِقَدْرِ إتيان المؤذن بالإقامة] (٣) وهذا يوافق ما في الكتاب، فإنه قال: "وهي أن لا يفرق بين الصَّلاتَيْنِ بأكثر من قدر إقامة". وقال أصحابنا العراقيون: الرجوع في الفَصْلِ بينهما إلى العادة، وقد تقتضي العادة احتمال الزائد على قدر الإقامة، وتدل عليه مسألة وهي: أن المتيمم هل له الجمع؟ عن أبي إسحاق أنه ليس له الجمع؛ لأنه [يحتاج] إلى طلب الماء، وتجديد التيمم، وذلك يُطَوِّل الفصل بينما فصار كما لو طَوَّل بشيء آخر. وقال عامة الأصحاب: له الجمع كالمتوضئ يطلب للتيمم. الثاني: طلباً خفيفاً، ولا ينقطع به الجمع؛ لأنه من مصلحة الصلاة فأشْبَه الإقامة، وذكر في "التهذيب" أنه المذهب، ومعلوم أن الطلب والتيمم يزيدان على قدر الإقامة المشروعة على الإدراج فيجوز، أن يعلم قوله: (بأكثر من قدر إقامة) بالواو، ولما ذكرناه، ومتى طال الفصل بقدر ضم الثانية إليها فيؤخرها إلى وقتها، ولا فرق بين أن يطول من غير عذر أو بعذر كالسَّهْوِ والإغماء، ولو جمع بينهما ثم تذكر بعد الفراغ منها أنه ترك سجدة أو رُكْناً أخر من الصَّلاة الأولى بطلت الصلاتان جميعاً، أما الأولى فلترك بعض أركانها، وتعذر التدارك بطول الفصل، وأما الثانية فلأن شرط صحتها تقدّم الأولى، وإذا بطلتا فله أن يعيدهما على سبيل الجمع، ولو تذكر تركها من الثانية، فإن كان الفصل قريباً تدارك ومضت الصلاتان على الصِّحَّة، وإن طال الفصل فالثانية باطلة، وليس له الجمع لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها، ولو لم يدر أنه

стр. 785

ترك من الأولى والثانية لزمه إعادة الصَّلاتين جميعاً، لاحتمال أنه تركها من الأولى، ولا يجوز له الجمع لاحتمال أنه تركها من الثانية، فيعيد كل واحدة في وقتها أخذًا بالأسوأ من الطرفين، وحكي في "البيان" عن الأصحاب أنه يجيء فيه قول آخر أن له الجمع كما لو أقيمت الجمعتان في بلدة ولم يعرف السابقة منهما يجوز إعادة الجمعة في كل قول، هذا كله فيما إذا جمع بتقديم الثَّانية، أما إذا جمع بتأخير الأولى، فهل يجب الترتيب أم يجوز فعل الأخيرة قبل الأولى؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب كما لو جمع بالتقديم. وأصحهما -ولم يذكر كثيرون سواه- أنه لا يجب، ويجوز تقديم الثَّانية؛ لأن الوقت لها والأولى تبع، ولأنه لو أخر الظهر من غير عذر حتى دخل وقت العصر، كان له تقديم العصر، فإذا أخر بعذر كان أولى، وكذا في اشتراط الموالاة بينهما، وجهان: أصحهما: أَنَّهَا لا تشترط لشبه الأولى بخروج وقتها بالفائتة، وإن لم تكن فائتة، ولهذا قلنا: لا يؤذن لها كالفائتة وإن لم تكن فائتة، فإن قلنا باشتراط الترتيب، فلو قدم الصَّلاة الثانية صَحَّت لأنها في وقتها، لكن تفسير الأولى قضاء، وكذلك لو ترك الموالاة وشرطناها تفسير الأولى قضاء، حتى لا يجوز قصرها إن لم يجوز قصر القضاء، وأما نِيَّة الجمع عند التأخير فقد قال في "النهاية": إن شرطنا الموالاة فنوجب نية الجمع كما في الجمع بالتقديم، وإلا فلا نوجب نية الجمع، ويحكى هذا البناء عن القاضي الحسين ﵀، وهذا الخلاف في أنه هل ينوي الجمع عند الشروع في الصَّلاة، وأما في وقت الأولى فقد قال الأئمة: يجب أن يكون التأخير بنية الجمع، ولو أخر من غير نية الجمع حتى خرج الوقت عصى وصارت قضاء، وامتنع قصرها إن لم تجوز قصر القضاء، وكذا لو أخر حتى ضاق الوقت، فلم يبق إلا قدر لو شرع في الصَّلاة فيه لما كان أداء وقد سبق بيان ذلك. قال الغزالي: وَمَهْمَا نَوَى الإقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ الأُولَى عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطُلَ الجَمْعُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بأنْ لاَ تُبْطُلَ، هذَا فِي السَّفر. قال الرافعي: لو أراد الجمع بين الصلاتين بالتقديم فصار مقيماً في أثناء الأولى إما بنية الإقامة أو بانتهاء السفينة إلى دار الإقامة فيبطل الجمع، وكذا لو فرض ذلك بعد الفراغ منها وقبل الشروع في الثانية لزوال العذر قبل حصول سورة الجمع، ومعنى بطلان الجمع هاهنا أنه يتعين تأخير الثانية إلى وقتها، أما الأولى فلا تتأثر بذلك، ولو صار مقيماً في أثناء الثانية فوجهان:

стр. 786

أحدهما: أنه يبطل الجمع أيضاً كما لو صار مقيماً في أثناء صلاة القصر تبطل رخصة القصر، ويلزمه الإتمام، وعلى هذا هل الثانية تبطل أصلاً ورأساً، أو تبقى نفلاً؟ يخرج على القولين السابقين في نظائرها. والثاني -وهو الأظهر-: أنها لا تبطل، ويكفي اقتران العذر بأول الثَّانية صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد على وجه الرخصة بخلاف مسألة القصر، فإن وجوب الإتمام لا يؤدي إلى بطلان ما مضى من صلاته، ولو صار مقيماً بعد الفراغ من الثانية فقد أطلق في الكتاب فيه وجهين مرتبين على الوجهين فيما إذا صار مقيماً في خلالها. إن قلنا: لا تَؤُثر الإقامة ثُمَّ فهاهنا أولى، وإن قلنا: تؤثر ثُمَّ فهاهنا وجهان: أحدهما: أنها تؤثر؛ لأن الصَّلاة الفائتة مقدمة على وقتها كالزكاة تعجل قبل الحول، فإذا زال العذر وأدرك وقتها فليعد كما لو حال الحول، وقد خرج الأخذ عن الشَّرط المعتبر لا يعتد بما عجل. وأظهرهما: أنها لا تؤثر؛ لأن رخصة الجمع قد تَمَّت، فأشبه ما لو قصر ثم طرأت الإقامة لا يلزمه الإتمام، وخص صاحب "التهذيب" وآخرون الخلاف بما إذا طرأت الإقامة بعد الفراغ من الصَّلاتين، إما في وقت الأولى أو في وقت الثانية، ولكن قبل مضي إمكان [فعلها، فأما لو طرأت بعد مضي إمكان فعلها] (١). قالوا: لا يجب إعادتها وجهاً واحداً لبقاء العذر في وقت الوجوب، وتنزيل إطلاق الكتاب على ما ذكروه بَيِّن (٢)، لكن صاحب النِّهاية صرح بإجزاء الوجهين ما دام يبقى من وقت الثانية شيء والله أعلم. وأما إذا جمع بينهما بالتأخير، ثم صار مقيماً بعد الفراغ منهما لم يصر، ولو كان قبل الفراغ [صارت] (٣) الأولى قضاء ذكره في "التتمة" وغيره، وكأن المعنى فيه أن الصلاة الأولى تَبَع للثَّانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها. قال الغزالي: (أَمَّا المَطَرُ) فَيرَخَّصُ (ح ز) فِي القَدِيمِ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّيِ بِالجَمَاعَةِ، فَأمَّا فِي المُنْفَرِدِ أَوْ مَنْ يَمْشِي إلَى المَسْجِدِ فِي رُكْنٍ فَوَجْهَانِ، وَفى التَّأْخِيرِ أَيْضاً وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَثِقُ بِدَوَامِ المَطَرِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ المَطَرِ فِي أَوَّلِ الصَّلاَتيْنِ، فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الصَّلاَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فَهُوَ كَنِيَّةِ الإِقَامَةِ. قال الرافعي: المطر سبب للجمع لما سبق، وللجمع طريقان التقديم والتأخير،

стр. 787

فأما التقديم فجائز بالشراط المذكورة في التقديم بسبب السَّفَرِ، ولا فرق بين قوي المَطَر وضعيفه إذا كان بحيث يبل الثوب، والشَفّان -مطر وزيادة- والثّلج والبَرَد إن كانا يزوبان فهما كالمطر، وإلا فلا يرخصان في الجمع. وفيه وجه: أنه لا يرخصان فيه بحال اتباعاً للفظ المطر، ثم هذه الرخصة تثبت في حتى من يصلي في الجماعة، ويأتي مسجداً بعيداً يتأذى بالمطر في إتيانه، فأما إذا كان يصلي في بيته منفرداً أو في جماعة أو كان يمشي إلى المسجد في ركن، أو كان المسجد على باب داره أو النساء يصلين في بيوتهن، هل تثبت هذه الرخصة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن النبي ﷺ جمع بِسَبَبِ المَطَرِ وَبُيُوت أزواجه بجنب المسجد. وأصحهما: لا؛ لأنه يتأذى بالمطر، وبيوت أزواج رسول الله ﷺ كانت مختلفة منها ما هو بجنب المسجد، ومنها ما هو بخلافه، فلعله حين جمع لم يكن في البيت الملاصق، ومن أصحابنا من ينقل بدل الوجهين قولين في هذه المسائل، وينسب الجواز إلى "الإملاء" والمنع إلى "الأم"، وأما التأخير، فهل يجوز بسبب المَطَرِ؟ روي في الكتاب فيه وجهان. وقال جمهور الأصحاب: فيه قولان: القديم: أنه يجوز كما في السَّفَرِ يجوز التقديم والتأخير جميعاً. والجديد: أنه لا يجوز؛ لأن استدامة السفر إليه متصورة واستدامة المطر متعذرة، فربما تمسك السماء قبل أن يجمع فإن جوزنا التأخير قال أصحابنا العراقيون: صلاها مع الثانية، سواء كان المطر متصلاً أو لم يكن، وذكر في "التهذيب" أنه لو انقطع المطر قبل دخول وقت الثانية، لم يجز الجمع وصلّى الأولى في آخر وقتها كالمسافر إذا أخر بنية الجمع ثم أقام قبل دخول وقت الثانية، وقضية هذا أن يقال: لو انقطع في وقت الثانية قبل فعلها امتنع الجمع أيضاً، وصارت الأولى قضاءً كما لو صار (١) مقيماً، وإذا قدم فلا بد من وجود المطر في أول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر، وهل يجب مع ذلك وجوده في حالة التحلل عن الصَّلاة الأولى؟ نقل في "النهاية" عن المعظم أنه لا يجب، وعن أبي زيد أنه لا بد منه أيضاً ليتحقق اتصال آخر الأولى بأول الثانية مقروناً بالعذر، وهذا الثاني هو الذي ذكره أصحابنا العراقيون وصاحب "التهذيب" وغيرهم، ولا يضر بعد وجوده في الأحوال الثَّلاث انقطاعه في أثناء الصَّلاة الأولى أو في الثانية، أو بعد

стр. 788

الثانية، فيحكى ذلك عن نص الشَّافعي ﵁ وقطع به الأكثرون. قال إمام الحرمين: وحكى بعض المصنفين في انقطاعه في أثناء الثَّانية أو بعدها مع بقاء الوقت الخلاف الذي ذكرناه في طريان الإقامة إذا كان سبب الجمع السّفر، واستبعد ذلك وضعفه. وقال: إذا لم يشترط دوام المطر في الصلاة الأولى، فأولى أن لا يشترط في الثَّانية وما بعدها. ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب: قوله: (فيرخص في التقديم) يجوز أن يعلم بالحاء والميم والزاي لما سبق في أول الباب، وذكر في "الإبانة" أن المطر يرخص في التأخير، وفي التقديم وجهان على عكس ما نقله الجمهور، فإن ثبت ذلك أحوج إلى الإعلام بالواو أيضاً. وقوله: (في التقديم) أراد به تقديم العصر إلى الظهر، والعشاء إلى المغرب معاً، وفي "النهاية" قول ضعيف عن حكاية صاحب "التقريب" أن الجمع بعذر المطر يختص بالمغرب والعشاء في وقت المغرب. [وقوله: (في حتى من يصلي بالجماعة) يشمل ظاهره الجماعة في المسجد وفي البيت، لكن لو صَلُّوا جماعة في بيت اجتمعوا فيه ففي جواز الجمع لهم وجهان كما سبق] (١). وقوله: (فأما في المنفرد) يشمل المنفرد في بيته وفي المسجد، وهو مجرى على إطلاقه، فقد حكى الصيدلاني الوجهين في الذين حضروا المسجد وصَلُّوا فُرَادَى، وجه المنع أن رخصة الجمع نقلت مرتبطة بالجماعة في المسجد، وقوله: (ولا بد من وجود المطر في أول الصلاتين) مشعر بالاكتفاء بذلك، على ما حكاه الإمام عن المعظم، لكن ظاهر المذهب أنه لا بد منه عند التحلل أيضاً، كما سبق ثم ينبغي أن يعلم قوله (في أول الصلاتين) بالواو؛ لأن القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب أنه لو افتتح الصَّلاة ولا مطر، ثم مطرت السَّماء في أثناء صلاته الأولى. فجواز الجمع على القولين في أنه إذا نوى الجمع في أثناء الأولى؛ هل يجوز الجمع أم لا؟ واختار ابن الصباغ هذه الطريقة. وقوله: (فإن انقطع قبل الصلاة، أو في أثنائها) عني به ما إذا لم يعد، أما إذا عاد في آخرها، فالجمع ماضٍ على الصِّحَّةِ؛ وقد صرح بهذا القيد في "الوسيط"، ثم القول

стр. 789

بأنه كنية الإقامة، جواب على ما نقله في "النهاية" عن بعض المصنفين، ويجب وَسْمُه بالواو للطريقة الجازمة بأن ذلك لا يقدح، وهي التي قالها الأكثرون. فروع: أحدها: قال ابن كج: يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر بعذر المطر، ثم إذا قدم، فلا بد من وجود المطر في الحالات الثلاث كما بينا. قال في "البيان": ولا يشترط وجوده في الخُطْبَتَيْنِ، وقد تنازع فيه ذهاباً إلى تنزيلهما منزلة الركعتين، وإن أراد تأخير الجمعة، قال في "البيان": يجوز ذلك على قولنا، المطر يرخص في التأخير، فيخطب في وقت العصر، ويصلي؛ لأن وقت الثَّانية من صلاتي الجمع وقت الأولى. والثاني: المشهور أنه لا جمع بالمرض والخوف والوحل إذ لم ينقل أن الرسول ﷺ جمع بهذه الأسباب مع حدوثها في عصره. وعن مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أنه يجوز الجمع بالمرض والوحل، وبه قال بعض أصحابنا، منهم أبو سليمان الخطابي، والقاضيِ الحسين، واستحسنه الروياني في الحلية؛ لما روي أنه ﷺ : "جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ مَطَرٍ" (١) فعلى هذا يراعي الرفق بنفسه، فإذا كان يُحم مثلاً في وقت الثانية من الصلاتين. قدمها إلى الأولى بالشَّرائط التي سبقت، وإن كان يُحَمّ في وقت الأولى أخرها إلى الثانية. والثالث: في جمع الظهر والعصر يصلي سنة الظُّهْرِ، ثم سنة العصر، ثم يأتي بالفريقتين وفي جمع العشائين يصلي بعد الفرضين سنة المغرب ثم سنة العشاء ثم الوتر (٢).

стр. 790

كتَابُ الجُمُعَةِ وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الأَوَّلُ قال الغزالي: فِي شَرَائِطِهَا وَهِيَ سِتَّةٌ: (الأَوَّلُ الوَقْتُ) فَلَوْ وَقَعَت تَسلِيمَةُ الإِمَامِ فِي وَقْتِ العَصْرِ فَاتَتِ الجُمُعَةِ، وَلَوْ وَقَعَ آخِرُ صَلاَةِ المَسْبُوقِ فِي وَقْتِ العَصْرِ جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي الوَقْتِ كَمَا فِي القُدْوَةِ. قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (١) الآية. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمَع تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ" (٢) الجمعة فرض على الأعيان إذا اجتمعت الشرائط التي نذكرها، وحكى القاضي اَبنُ كِج عن بعض أصحابنا أنها فرض على الكفاية كصلاة العيدين، وذكر القاضي الروياني في "البحر" أن بعض أصحابنا زعم أنه قول للشافعي ﵁، وغلط ذلك الزَّاعم وقال: لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي ﵁. إذا عرفت ذلك فاعلم أن الجمعة كسائر الفرائض الخمس في الأركان والشرائط، ولكنها تختص بثلاث خواص: أحدها: اشتراط أمور زائدة في صحتها. والثانية: اشتراط أمور زائدة في لزومها. والثالثة: آداب ووظائف تشرع فيها، فجعل الكتاب على ثلاثة أبواب كل واحد في خاصية منها. الباب الأول: في شروط الصحة:

стр. 791

أحدها: الوقت، فلا مدخل للقضاء في الجمعة على صورتها بالاتفاق، بخلاف سائر الصلوات فإن الوقت ليس شرطاً في نفسها، وإنما هو شرط في إيقاعها أداءاً وقتها وقت الظهر خلافاً لأحمد حيث قال: يجوز فعلها قبل الزَّوال، واختلف أصحابه في ضبط وقته، فَمِنْ قَائِلِ: وقتها وقت صلاة العيدين، وَمِنْ قَائِلٍ، يقول: إنما تقام في السَّاعة السادسة. لنا: ما روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ" (١). وقد ثبت عنه أنه قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٢). وإذا خرج الوقت أو شك في خروجه فلا سبيل إلى الشروع فيها، ولو أغفلوها إلى أن لم يبق من الوقت ما يسع الخطبتين وركعتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه، لم يشرعوا فيها وصلّوا الظهر، نص عليه في "الأم"، ولو شرعوا فيها في الوقت ووقع بعضها خارج الوقت فأتت الجمعة خلافاً لمالك وأحمد، هكذا أطلق أكثر أصحابنا النقل عنهما، وفصَّل الصيدلاني مذهب مالك، فقال: عنده إن صلوا ركعة ثم خرج الوقت أتموا الجمعة وإلا فقد فاتت. لنا: أنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، فتنقطع بخروج الوقت كالحج، وأيضاً فإن الوقت شرط في ابتداء الجمعة، فيكون شرطاً في دوامها كدار الإقامة، ثم إذا فاتت الجمعة فهل يتمها ظهراً، أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يجب عليه أن يتمها ظُهْراً، ولا بأس ببنائها عليها؛ لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السَّفَرِ، [وخرج] (٣) فيه قول آخر: أنه لا يجوز بناء الظهر على الجمعة بل عليهم استئناف الظهر، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وبنوا هذا الخلاف على الخلاف في أن الجمعة ظهر مقصورة أم هي صلاة على حيالها؟ إن قلنا بالأول جاز البناء، وإلا فلا، وسيعود هذا الأصل في مواضع من الباب فإن قلنا: بظاهر المذهب فيسر بالقراءة من حينئذ، ولا يحتاج إلى تجديد نية الظهر على أصح الوجهين، ذكره في "العدة" على أن حكينا وجهاً ضعيفاً، أن الظهر تصح بنية الجمعة ابتداءً فهاهنا أولى. وإن قلنا: لا بد من استئناف الظهر فهل تبطل صلاته أم تنقلب نفلاً؟ فيه قولان مذكوران في نظائرها، ولو شك في صلاته هل خرج الوقت أم لا؟ فوجهان: أحدهما: يتمها جمعة وبه قال الأكثرون؛ لأن الأصل بقاء الوقت، وصار كما لو شَكَّ بعد الفراغ فيه.

стр. 792

والثاني: أنه يتمها ظهراً؛ لأنه شَكَّ في شرط الجمعة قبل تمامها ومضيها على ظاهر الصِّحَّة، فيعود إلى الأصل وهو الظهر، وهذا كله في حق الإمام والمأمومين الموافقين فأما المسبوق الذي أدرك معه ركعة لو قام إلى تدارك الركعة الثَّانية فخرج الوقت قبل أن يسلم هل تفوت جمعته؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، كما في حق غيره. والثاني: لا؛ لأنه تابع للقوم، وقد صحت جمعتهم، فصار كالقدوة فإنها من شرائط الجمعة، ثم هي محطوطة عنه تبعاً لهم وكذلك العدد، ومن قال بالأول فرق بأن اعتناء الشرع برعاية الوقت أكثر، ألا ترى أن أقوال الشافعي ﵁ اختلفت في الانقضاض، وإن اختلفت الجماعة، ولم يختلف قوله في أنه إذا وقع شيء من صلاة الإمام بعد خروج الوقت فاتت الجعة. وقوله: (فلو وقع تسليم الإمام) المراد التسليمة الأولى، فإن الثَّانِيَة غير معدودة من نفس الصَّلاة، بل من لَوَاحِقِها، ولهذا لو قارنها الحدث لم تبطل صلاته، ولعلك تقول: لم قيد بتسليمة الإمام، وما الحكم لو وقعت تسليمة الإمام في الوقت وتسليمة القوم، أو بعضهم خارج الوقت، فاعلم أن التعرض لتسليمة الإمام قد جرى في كلام الشَّافعي ﵁ في "المختصر" كما ذكره في الكتاب، ولم أر فيما وجدته من الشروح بحثاً عنه، ويمكن أن يكون التعرض له باعتبار أن وقوع تسليمة الإمام خارج الوقت موجب فوات الجمعة في البقعة مطلقاً، فإنه إذا كان سلامه بعد الوقت فسلام غيره يكون بعد الوقت أيضاً، فأما إذا وقع سلامُه في الوقت وسلام بعضهم بعده فالمُسَلِّمُون خارج الوقت لا شك في أن ظاهر المذهب بطلان صلاتهم، وإن فرض فيه خلاف، وأمما الإمام والمُسلِّمون معه إن بلغوا العدد المعتبر في الجمعة فجمعتهم صحيحة، وإلا فالصورة تشبه مسألة الانفضاض -والله أعلم-. واعلم أنه سلامه الواقع في وقت العصر إن كان قد علم منه بالحال فيتعذر بناء الظهر عليه لا محالة، وتبطل صلاته إلا أن يغير النِّية إلى النَّفل ثم يسلم ففيه ما سبق في موضعه، وإن كان عن جهل منه فلا تبطل صلاته، وهل يبنى أو يستأنف؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه. قال الغزالي: الثَّانِي دَارُ الإقَامَةِ فَلاَ تُقَامُ الجُمُعَةُ فِي الصَّحَارِي (ح) وَلاَ فِي الخِيَامِ (و) بَلْ تُقَامُ فِي خُطَّةِ قَرْيَةٍ (ح) أَوْ بَلْدَةٍ إِلَى (١) حَدٍّ يَتَرَخَّصُ المُسَافِر إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ.

стр. 793

قال الرافعي: يشترط إقامة الجمعة في دار الإقامة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إقامتها خارج البلد حيث تقام صلاة العيد، وبه قال أَحْمَدُ. لنا: القياس على الموضع البعيد عن البلد، فإن كل واحد منهما خارج عن البلد، وأيضاً فَإِنَّ الجُمُعَةَ لم تَقُمْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلاَ فِي عَصْرِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ إِلاَّ فِي مَوَاضِعِ الإقَامَةِ (١)، وَلَوْلاَ أنه شرط لأشبه أن يقيموها في غيرها كسائر الجماعات، والمراد من دار الإقامة الأبنية التي يستوطنها المقيمون للجمعة، سواء في ذلك البلاد والقرى والسراب التي تتخذ وطناً، ولا فرق بين أن تكون الأبنية من حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو خَشَبٍ؛ وأهل الخيام النازلون في الصحراء لا يقيمون الجمعة، فإنه إذا جاء الشتاء أْحوجهم إَلى الانتقال، فليسوا بمقيمين في ذلك الموضع، وإن اتخذوه وطنًا لا يبرحون عنه شتاءً ولا صيفاً ففيه قولان: أحدهما: أنه تلزمهم الجمعة، ويقيمون في ذلك الموضع؛ لأنهم استوطنوه. وأصحهما: لا؛ لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلُّون الجمعة، ولا أمرهم النبي ﷺ بذلك، وهذا لأنهم على هيئة المسافرين، وليس لهم أبنية المستوطنين. ولو انهدمت أبنية البلدة أو القرية فأقام أهلها على العمارة (٢) لزمهم إقامة الجمعة فيها، فإنهم في دار إقامتهم، سواء كانوا في مَظالّ أو غيرها، وكذا لو كانت الأبنية باقية، وليس من الشرط إقامتها في كنّ أو مسجد، بل يجوز إقامتها في فضاء معدودة من خطة البلدة غير خارج عنها؛ لأن الجماعة قد تكثر ويعسر اجتماعها في محوط، أما الموضع الخارج الذي إذا انتهى إليه من ينشئ السفر من البلدة كان له القَصْر لا يجوز إقامة الجمعة فيه على ما سبق، وهذا هو الذي أراد بقوله: (إلى حد بترخص المسافر إذا انتهى إليه) واستعمال (إلى) هاهنا نحو استعمالها في قول الله تعالى جده: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) فليس الحد المذكور داخلاً في الخطة. وقوله: (في الصحاري) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ويجوز وضعهما على قوله: (في خطة قرية أو بلدة) أيضاً، (ولا في الخيام) معلم بالواو؛ للقول الذي سبق حكايته. قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ لا تَكُونَ الجُمُعَةُ مَسْبُوقَةً بِجُمُعَةٍ أُخْرَى، فَلَوْ عُقِدَتْ

стр. 794

جُمْعَتَانِ فالَّتِي تَقَدَّمَ تكْبِيرُهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ: الْعِبْرَةُ بِتَقَدُّمِ السَّلاَمِ، وَقِيلَ بِتَقَدُّمِ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ فِي الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِكَيْلاَ يَقْدِرَ كُلُّ شِرْذِمَة عَلَى تَفْوِيتِ الجُمُعَةِ عَلَى الأكْثَرِينَ، وَإِنْ وَقَعَتِ الجُمْعَتَانِ مَعاَ تَدَافَعَتَا فَتُسْتَأْنَفُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَ التَّلاَحُقُ وَالتَّسَاوُق، فَإِنْ تَعَيَّنَتِ السَّابِقَةُ ثُمَّ الْتَبَسَتْ فَاتَتِ (وز) الجُمُعَةُ وَوَجَبَ (ز) الظُّهْرُ عَلَى الجَمِيعِ، وَلَوْ عُرِفَ السَّبْقُ وَلَمْ تَتَعَيَّنِ اسْتُؤنِفَتِ الجُمُعَةُ (و) وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَأَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ، وَفِيهِ قَوْلٌ (١) آخَرُ: أَنَّ الجُمُعَة فَائتَةٌ. قال الرافعي: قال الشَّافِعِيُّ ﵁: ولا يجمع في مصر وإن عظم وكثرت مساجده إلاَّ في مسجد واد، وذلك لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده لم يفعلوا إلا كذلك، وإذا لم تجز إقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات، واحتمل تعطل المسجد عرف أن المقصود إظهار شعار الاجتماع، واتفاق كلمة المسلمين فليقتصر على الواحد؛ لأنه أفضى إلى هذا المقصود؛ ولأنه لا ضبط بعد مجاوزة الواحد، وتكلم الأصحاب في أمر "بغداد"، فإن أهلها لا يقتصرون على جمعة واحدة، وقد دخلها الشافعي ﵁ وهم يقيمون الجمعة في موضعين. وقيل: في ثلاثة فلم ينكر عليهم، وذكروا فيه وجوهاً. أحدها: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت في بغداد؛ لأن نهرها يحول بين شِقَّيْهَا، فيجعلها كبلدين، قاله أبو الطيب بن سلمة، وعلى هذا لا يقام في كل جانب إلا جمعة واحدة، وكل بلدة حال بين جانبها نهر يحوج إلى السباحة والزوارق فهي بمثابة بغداد، واعترض الشيخ أبو حامد على هذا فقال: لو كان الجانبان كالبلدين لجاز القصر لمن عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن لم يجاوز ذلك الجانب وابن سلمة فيما حكى القاضي ابن كج الزم هذه المسألة فالتزمها، وقال: يجوز له القصر. والثاني: أن الزيادة على الواحدة إنما جازت لأنها كانت ترى متفرقة، ثم اتصلت الأبنية فأجرى عليها حكمها القديم، وعلى هذا يجوز التعديد في كل بلدة كانت كذلك، واعترض الشيخ أبو حامد عليه بمثل ما اعترض به على الوجه الأول، وربما يلتزم الصائر إليه جواز القصر أيضاً، فإن الإمام حكى عن صاحب "التقريب" أنه قال: يجوز أن يقال، على هذا، إذا جاوز الهام بالسفر قرية من تلك القرى ترخص. والثالث: أنها إنما جازت؛ لأن بغداد بلدة كبيرة يشق على أهلها الاجتماع في موضع واحد وعلى هذا تجوز الزيادة على الجمعة الواحدة في سائر البلاد إذا كَثُر

стр. 795

النَّاس، وعَسُر اجتماعُهم، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ وأبو إسحاق وهو مذهب أحمد. والرابع: أن الزيادة لا تجوز بحال، وإنما لم ينكر الشافعي ﵁ في بغداد لما دخلها؛ لأن المسألة مسألة اجتهادية، وليس بعض المجتهدين الإنكار على سائرهم (١)، وهذا الوجه الرابع يوافق إطلاق الكتاب حيث قال: (إن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) فإنه لم يفصل بين بلدة وبلدة وهو ظاهر نص الشافعي ﵁ الذي قدمناه، ورأى الشَّيخ أبو حامد وطبقته الاقتصار عليه مذهباً، لكن الذي اختاره أكثر أصحابنا تعريضاً وتصريحاً: إنما هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج وأبي إسحاق، وهو تجويز التعديد عند كثرة النَّاس والازدحام، ومِمَّن رَجَّحِهُ القاضي ابن كج والحناطي والقاضي الروياني، وعليه يدل كلام حُجَّة الإسلام في "الوسيط" مع تجويزه للنهر الحائل أيضاً، ولا يخفى مما ذكرناه، أنه ينبغي أن يُعَلم قوله: (أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى) بالألف والواو؛ لأنه مُطْلَقٌ، والوجوه المذكورة تنازع فيه سوى الوجه الأخير، إذا عرف ذلك فمتى منعنا من الزيادة على جمعة واحدة فزادوا وعقدوا جمعتين فله صور: إحداها: أن تسبق إحداهما الأخرى، فالسابقة صحيحة لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة لما ذكرنا أنه لا مزيد على واحدة وبماذا يعتبر السبق فيه ثلاثة أوجه: أصحها: أن الاعتبار بالتحرم، فالتي سبق عقدها على الصحة هِيَ الصحيحة، وإن تقدمت الثانية في الخطبة أو السلام. والثاني: أن الاعتبار بالسَّلام، فالتي سبق التحلل عنها هي الصحيحة؛ لأن الصلاة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها، بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به أولى. والثالث: أن الاعتبار بالخوض في الخطبة فالتي تقدم أول خطبتها هي الصَّحيحة. قال الإمام: وهذا ملتفت إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين، ولم يحك أكثر أصحابنا العراقيين سوى الوجه الأول والثاني: ونقلهما صاحب "المهذب" قولين. وقوله في الكتاب: (فالتي تقدم تكبيرها هي الصحيحة) يقع على تمام التكبير حتى لو سبقت إحداهما بهمزة التكبير والأخرى بالراء منه، فالصحيحة هي التي سبقت بالراء؛ لأنها التي تقدم تكبيرها، وهذا هو أصح الوجهين، وفيه وجه آخر أنه ينظر إلى أول التكبير، ثم على اختلاف الوجوه لو سبقت إحداها الأخرى لكن كان السلطان مع

стр. 796

الأخرى، فقد حكى صاحب الكتاب والإمام فيه وجهين، والجمهور نقلوهما قولين: أظهرهما: أن الصَّحِيحَة هي الأولى، كما لو لم يحضر السلطان في وأحدة منهما، وكما لو كان ثَمَّ أميران وكان كل واحد منهما في واحدة. والثاني: أن الصحيحة هي الثانية منعاً للآخرين من التقدم على الإمام، ولو لم نقل بهذا لأدى إلى أن تفوت كل شرذمة تنعقد بهم الجمعة فرض الجمعة على أهل البلد، ولو شَرَعَ الناس في صلاة الجمعة فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها وفاتت الجمعة عليهم، فالمستحب لهم استئناف الظهر، وهل لهم أن يتموها ظهراً؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا خرج الوقت في أثناء الجمعة. الصُّورة الثانية: أن تقع الجمعتان معاً فيتدافعان وتستأنف واحدة إن ومع الوقت. الثالثة: أن يشكل الحال فلا يدري أوقعتا معاً أو سبقت إحداها الأخرى؟ فيعيدون الجمعة أيضاً؛ لجواز وقوعهما معاً، والأصل عدم الجمعة المجزئة، قال إمام الحرمين: وقد [حكمت] (١) الأئمة بأنهم إذا أعادوا الجمعة برئت ذمتهم، وفيه إشكال؛ لأنه يجوز تقدم إحدى الجمعتين على الأخرى، وعلى هذا التقدير لا يصح عقد جمعة أخرى ولا تبرأ ذمتهم بها، فسبيل اليقين أن يقيموا جمعة ثم يصلوا الظهر. الرابعة: أن تسبق إحدى الجمعتين على التعيين، ثم يلتبس فلا تخرج واحدة من الطَّائفتين عن العهدة خلافاً للمزني. لنا: أنه ليس في الطائفتين من يتيقن صحَّة جمعته، والأصْلُ بقاء الفرض في ذِمَّتِهِمْ، ثُمَّ إذا لم يخرجوا عن العُهْدَة فماذا يفعلون؟ فيه طريقان: أظهرهما فيه -وهو المذكور في الكتاب-: أنه ليس لهم إعادة الجمعة؛ لأن إحدى الجمعتين في البلد قد صحت على [اليقين] (٢) فلا سبيل إلى الزيادة، ولكن يُصَلُّون الظُّهْرَ. والثَّاني: أنه على الخلاف الذي نذكره في الصورة الخامسة، وهذا هو الذي ذكره العراقيون. وقوله: (فاتت الجمعة) أراد به بطلانها على الطائفتين وافتقارهما إلى فعل الظهر (٣)، وإلا فالجمعة السابقة صحيحة، وليكن معلماً بالزاي والواو لما ذكرناه. الخامسة: أن تسبق إحداها ولا يتعين كما إذا سمع مريضان، أو مسافران تكبيرتين

стр. 797

متلاحقتين، وهما خارج المسجد فأخبراهم بالحال ولم يعرفا أن المتقدمة تكبيرة من؟ فلا يخرجون عن العهدة أيضاً، لما ذكرنا في الرابعة، وقد نقل خلاف المزني هاهنا أيضاً، ثم ماذا يفعلون؟ فيه قولان: أظهرهما: في "الوسيط" أنهم يستأنفون الجمعة إن بقى الوقت؛ لأن الجمعتين المفعولتين باطلتان غير مجزئتين؛ وكأنه لم يقم في البلدة جمعة أصلاً. والثاني: وهو رواية الربيع بأنهم يُصَلُّون الظُّهْرَ؛ لأن إحدى الجمعتين صَحِيحة في علم الله تعالى، وإنما لم يخرجوا عن العُهْدَة للإشكال (١). قال الأصحاب: وهذا هو القياس. هذا تمام الصور وهي يأسرها مذكورة في الكتاب، ولهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وَلِيّان على امرأة واحدة، وستأتي في موضعها -إن شاء الله تعالى- وإن أردت حصرها قلت: إذا عقدت جمعتان فإما أن لا يعلم حالهما في التَّساوق والتلاحق، أو يعلم، وعلى هذا فإما أن يعلم تساوقهما أو سبق إحداهما على الأخرى. وعلى هذا فإما أن يعلم ذلك في واحدة لا على التعيين، أو في واحدة معينة، وعلى هذا فإما أن يستمر العلم أو يعرض التباس، ثم قال أصحابنا العراقيون: لو كان الإمام في إحدى الجمعتين في الصور الأربع الأخيرة ترتب على ما ذكرنا في الصورة الأولى إن قلنا: الصحيحة هي التي فيها الإمام مع تأخيرها، فهاهنا أولى، وإلا فلا أثر لحضوره والحكم كما لو لم يكن مع واحد منهما. قال الغزالي: الرَّابعُ: العَدَدُ فَلاَ تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بِأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ (ح م) ذُكُورٍ مُكَلَّفِينَ أَحْرَارٍ (ح) مُقِيمِينَ (ح) لاَ يَظْعَنُونَ شِتَاءً وَلاَ صَيْفاً إلاَّ لِحَاجَةٍ، وَالإِمَامُ هُوَ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ. قال الرافعي: لا تنعقد الجمعة بأْقل من أربعين. وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: تنعقد بأربعة أحدهم الإمام، واختلفت رواية أصحابنا عن مالك، فمنهم من روى عنه مثل مذهبنا، ومنهم من روى أن الاعتبار بعدد يعد بهم الموضع قرية، ويمكنهم الإقامة فيه، ويكون بينهم البيع والشراء، ونقل صاحب "التلخيص" قولاً عن القديم: أن الجمعة تنعقد بثلاثة إمام ومأمومين، وعامة الأصحاب لم يثبتوه. لنا: ما روي عن جابر ﵁ أنه قال: "مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ

стр. 798

فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً" (١). وعن أبى الدَّرْدَاءِ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذَا اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ رَجُلاً فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ" (٢). أورده في "التتمة"، وذكر القاضي ابن كج أن الحناطي روى عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "لاَ جُمُعَةَ إِلاَّ بِأرْبَعِينَ" (٣). وليكن قوله: (ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين) معلماً -لما حكيناه- بالميم والحاء والواو، ثم نعتبر في الأربعين أربع صفات، الذُّكورة، والتكليف، والحرية، والإقامة المعتبر، الإقامة على سبيل التَّوَطَّنِ، وصِفَتُهُ أن لا يَظْعَنُوا عن ذلك الموضع شتاءً ولا صيفًا إلا لحاجة، فلو كانوا ينزلون الموضع صيفاً ويرتحلون عنه شتاء، أو بالعكس فليسوا بمتوطين، ولا تنعقد الجمعة بهم، وحكى ابن الصباغ أن أبا حنيفة يقول: بانعقادها (٤) بأربعة من العبيد، وبأربعة من المسافرين، واحتج عليه بأن من لا تلزمه الجمعة لا تنعقد به الجمعة كالنِّسَاء، وأعلم لذلك كلمتي: (أحرار، مقيمين بالحاء، إشارة إلى أن الحرية، والإقامة لا يشترطان في العدد المعتبر عنده، وفي الانعقاد بالمقيم الذي لم يجعل الموضع [وطئًا] (٥) خلاف سنذكره في الباب الثالث، وهل تنعقد الجمعة بالمرضي؟ المشهور أنها تنعقد لِكَمَالِهِمْ، وإنما لم تجب عليهم تخفيفاً، وهذا هو المذكور في الكتاب في الباب الثاني، ونقل ابن كج عن أبي الحسين أن الشَّافعي ﵁ قال في موضع: لا تنعقد الجمعة بأربعين مريضاً كالمسافرين والعبيد، فعلى هذا صفة الصّحة تعتبر مع الصفات المذكورة في الكتاب، ثم عدد الأربعين معتبر مع الإمام أو هو زائد على الأربعين فيه وجهان: أصحهما: أنه من جملة الأربعين لما ذكرنا من الأخبار فإنها لا تفصل بين الإمام وغيره. والثاني: أنه زائد على الأربعين، لما روي: أنه ﷺ : "جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَجْمَعْ

стр. 799

بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ" (١). وهذا يشعر بزيادته على الأربعين، وقد حكى القاضي الروياني الخلاف في المسألة قولين: القديم: أنه زائد على الأربعين. قال الغزالي: وَلَوِ انْقَبَضَّ القَوْمُ فِي الخُطْبَةِ لَمْ يَجُزْ (خ) لِأَنَّ إِسْمَاعَهَا أَرْبَعِيْنَ رَجُلاً وَاجِبٌ، فَإِنْ سَكَتَ الخَطِيبُ ثُمَّ بَنَى عِنْدَ عَوْدِهِمْ مَعَ طُولِ الفَصْلِ فَقَدْ فَاتَتِ المُوَالاةُ، وَفِي اشْتِرَاطِهَا قَوْلاَن، وَكَذَلِكَ فِي اشْتِرَاطِهَا بَيْنَ الخُطْبَةِ وَالصَّلاةِ. قال الرافعي: العدد المعتبر في الصَّلاَة وهو الأربعون مُعْتَبَرٌ في الكلمات الواجة من الخُطْبَة، واستماع القوم إليها فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (٢) قال كثير من المُفَسِّرِين: إن المراد منه الخَطْبَة. وعن أبين حنيفة في رواية: أنه لو خطب منفرداً جاز، واحتجوا عليه بأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة، فيشترط حُضُور العدد فيه كتكبيرة الإحرام. إذا عرفت ذلك فلو حضر أربعون فصاعداً لإقامة الجمعة ثم انفض كلهم أو بعضهم، والباقون دون الأربعين لم يخل إما أن يكون الانفضاض في أثناء الصَّلاة وسيأتي في الفصل التالي لهذا الفصل، أو قبلها وذلك إما أن يكون قبل افتتاح الخطبة أو في أثنائها، أو بعدها، فإن كان الانفضاض قبل افتتاح الخطبة لم يبتدئ حتى يجتمع أْربعون، وإن كان في أَثْنَائِها -وهي مسألة الكتاب- فلا خلاف في أن الركن الْمَأْتِيّ به في غيبتهم غير محسُوب، بخلاف ما إذا نقص العدد في الصَّلاة، فإن فيه خلافاً سيأتي. قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: والفرق أن كل مُصَلٍّ يصلي لنفسه فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصَّلاة، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه، وإنما الغرض إسماع الناس وتذكيرهم، فما جرى ولا مستمع أو مع نقصان عدد المستمع فقد فات فيه مقصود الخطبة، فلم يحتمل، ثم ننظر إن عادوا قبل طول الفَصْل بني على الخطبة، فإن الفَصْلَ اليسير في مثل ذلك كعدم الفَصْل، ألا ترى أنه لو سلم ناسياً ثم تذكر ولم يطل الفصل جاز، وكذلك يحتمل الفَصْل اليسير بين صلاتي الجمع، وإن عادوا بعد طول الفصل فهل ينبي أم يستأنف؟ فيه قولان يعبر عنهما بأن الموالاة هل تجب في الخطبة أم لا؟ أحدهما: لا؛ لأن الغرض الوعظ والتذكير، وذلك حاصل مع تفرق الكلمات.

стр. 800

وأصحهما: نعم؛ لأن للولاء وقعاً في استمالة القلوب وتنبيهها، ولأن الأولين خطبوا على الولاء فيجب اتباعهم فيه، وذكر صاحب [التهذيب] (١) وغيره أن هذا القول الثاني هو الجديد، وبنى أبو سعيد المتولي وآخرون الخلاف في المسألة على أن الخطبتين بدلٌ من الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم وجب الاستئناف وإلا فلا، وقرب حُجَّة الإسلام -قدس الله روحه- في "الوسيط" خلاف المسألة من الخلاف في الوضوء هل يجب فيه الموالاة؟ لكن ظاهر المذهب ثَمَّ إنها لا تجب، وهاهنا أنها تَجِب، ويدلُّ على الفرق بين البنائين أن الفصل بالعذر ثَمّ لا يقدح على أظهر الطريقين، وهاهنا لا فرق بين أن تفوت الموالاة بعذر أو بغير عذر. قال في "النهاية": ولولا ذلك لما ضَرَّ الفصل الطويل هاهنا؛ لأن سببه عذر الانفضاض، ولو لم يعد الأولون واجتمع بدلهم أربعون فلا بد من استئناف الخطبة، طال الفصل أو لم يطل، كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره. ولو انفضوا بعد الفراغ من الخطبة نظر، إن عادوا قبل طول الفصل صلى الجمعة بتلك الخطبة، وإن عادوا بعد طول الفصل ففي اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة قولان كاشتراطهما في الخطبة، والأصح الاشتراط، وشبهوا الخطبة والصلاة بالصلاتين المجموعتين تجب الموالاة بينهما، فعلى هذا لا تمكن الصَّلاة بتلك الخطبة، وعلى الأول تمكن ثم إن المزني نقل في "المختصر" عن الشافعي ﵁ أنه قال في هذه الصورة: أحببت أن يبتدئ الخطبة ثم يصلي الجمعة، فإن لم يفعل صَلَّى بهم الظهر، واختلف الأصحاب فيه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: يجب أن يعيد الخُطْبة، ويصلي بهم الجُمُعَة؛ لأنه متمكن من إقامتها فلا سبيل إلى تركها، وهذا اختيار القفال والأكثرين (٢). قالوا: ولفظ الشافعي ﵁ (أوجبت)، وأما (أحببت) فهو تصحيف من النَّاقل، أو وهم، وربما حملوا "أحببت" على "أوجبت" وقالوا: كل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم، وقوله: (وصلى بهم الظهر) حملوه على ما إذا ضاق الوقت. وقال أبو إسحاق: لا تجب إعادة الخطبة، لكن يستحب، وتجب الجمعة، أما الأول فلأنهم قد ينفضون ثانياً، فيعذر في ترك إعادتها، وأمَّا الثاني فللقدرة على إقامتها. وقال أبو علي صاحب "الإفصاح": لا تجب إعادة الخطبة ولا الجمعة، ويستحبان

стр. 801

على ما يدل عليه ظاهر النَّص؛ لأنه لا يأمن انفضاضهم ثانياً لو اشتغل بالإعادة، فيصير ذلك عذراً في ترك الجمعة، واعلم أن ابن سريج وأبا علي متفقان على وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة، وامتناع بناء الجمعة على الخطبة التي مضت، لكن هذا عذره في تركها جميعاً، وذلك لم يعذره، وأوجب إعادة الخطبة ليصلي الجمعة بها، وأما أبو إسحاق فإنه احتمل الفصل الطويل، وجوز البناء على الخطبة الماضية، وتَحَصَّلَ مما ذكرناه خلاف في وجوب إقامة الجمعة على ما اختصره في "الوسيط"، فقال: وإذا شرطنا الموالاة ولم يعد الخطبة أثم المنفضون، وهل يأثم الخطيب فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه أدى ما عليه والذنب لهم. والثاني: نعم؛ لتمكنه من الإعادة. وقوله في الكتاب: (لم يجز) معلَّم بالحاء لما تقدم. وقوله: "فإن سكت الخطيب ... " إلى آخره الحكم غير مخصوص بصورة السكوت، بل لو مضى في الخطبة، ثم لما عادوا أعاد ما جرى من واجباتها في حالة الانفضاض كان كما لو سكت. قال الغزالي: فَلَوِ انْفَضُّوا فِي خِلاَلِ الصَّلاَةِ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ بَطُلَ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَانٍ: لاَ تَبْطُلُ (م) مَهْمَا تَوَفَّرَ العَدَدُ فِي لَحْظَةٍ إِذَا بَقِيَ مَعَ الإِمَامِ وَاحِدٌ عَلَى رَأْيٍ أَوِ اثْنَانِ عَلَى رَأْيٍ، وَعَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ: لاَ تَبْطُلُ بِالانْفِضَاضِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الجَمَاعَةُ. [وعلى قول رابع لا تبطل مهما توفر العدد، وإن بقي الإمام وحده] (١). قال الرافعي: لو تحرم بالعدد المعتبر، ثم حضر أربعون آخرون وَتَحَرَّمُوا، ثم انفض الأولون لم تبطل الجمعة، لأن العدد لم يبطل في أي شيء من الصَّلاة، ولا فرق بين أن يكون اللاَّحقون قد سمعوا الخطبة أو لم يسمعوها؛ لأنهم إذا لحقوا والعدد تَام صارَ حكمهم واحداً، فإذا ثبتوا استمرت الجمعة، كما لو تحرم بثمانين سمعوا الخطبة، ثم انفض منهم أربعون. قال إمام الحرمين: ولا يمتنع عندي أن يقال: يشترط بقاء أربعين سمعوا الخطبة فلا تستمر الجمعة إذا كان اللاَّحِقُون لم يَسْمَعُوها، وإن انفضوا ولحق أربعون على الاتصال فقد قال في "الوسيط": تستمر الجمعة أيضاً، لكن يشترط هاهنا أن يكون اللاَّحِقُون ممن سمعوا الخطبة، وإن انفضوا ونقص العدد في باقي الصَّلاة أو في شيء من هذه مسألة الكتاب، وفيها قولان؛ ومنهم من أضاف إليها قولاً ثالثاً، ونذكره بعد توجيه القولين وتفريعها.

стр. 802

وأصحهما -وبه قال أحمد-: أن الجمعة تَبْطُلُ، ويشترط العدد في جميع أجزاء الصَّلاة، لأنه شرط في الابتداء، فيكون شرطاً في سائر الأجزاء كالوقت، ودار الإقامة، ولأن الانفضاض لا يحتمل في شيء من الخطبة التي هي مقدمة الصَّلاة، فلأن لا يحتمل في نفس الصَّلاة كان أولى. والثاني: لا تبطل، ولا يشترط استمرار العدد في جميع الصلاة، لما روي: "أَنَّهُمْ انْفَضُّوا عَن النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (١) الآية". ثم إنه بني على الصَّلاة، وأيضاً فإن بقاء العدد عنده لا يتعلق باختيار الإمام، وفي الابتداء يمكن تكليفه بأن لا يتحرم حتى يحضروا، والشيء قد يشترط في الابتداء ولا يشترط في الدوام كالنِّيَّةِ في الصَّلاة وغيرها. التفريع: إن شرطنا دوام العدد فلو تَحرَّم الإمام وتباطأ المقتدون ثم تحرموا نظر إن تأخر تحرمهم عن ركوعه فلا جمعة، وإن لم يتأخر عن الركوع فعن القفال: أن الجمعة صحيحة، وعن الشيخ أبي محمد: أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين تحرمهم وتحرمه. وقال إمام الحرمين: الشرط أن يَتَمَكَّنُوا من إتمام قراءة الفاتحة، وإذا حَصَلَ ذلك فلا يضر الفَصْل، وهذا أصح عند حُجَّة الإِسْلاَم، وإن قلنا: لا يشترط دوام العدد فهل يشترط دوام الجماعة أم له إتمام الجمعة وإن بقي وحده؟ فيه قولان: أظهرهما: أنه يشترط؛ لأن الجمعة صَلاةٌ تجمع الجماعات، والغرض منها إقامة الشَّعار، وإظهار اتفاق الكلمة كما سبق، فإن احتمال اختلال العدد فلا ينبغي أن يحتمل اختلال أصل الجماعة، وعلى هذا ففي العدد المشروط بقاؤه قولان: الجديد: أنه يشترط بقاء اثنين؛ ليكونوا معه ثلاثة فإنها الجمع المطلق. والقديم: أنه يكفي بقاء واحد معه لأنَّا الاثنين فما فوقهما جماعة (٢)، وهل يشترط أن يكون الواحد والاثنان على اختلاف هذين القولين على صفات الكمال. قال في "النهاية": الظاهر أنه يشترط ذلك كما يشترط كونهم على صفات الكمال في الابتداء، وعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل خلافه فإنا إذا اكتفينا باسم الجماعة فلا يبعد أن نعتبر صفات الكمال.

стр. 803

والقول الثاني: أنه لا يشترط بقاء الجماعة، بل لو بقي وحده كان له أن يتم الجمعة؛ لأن الشروع وقع والشُّروط مَوْفُور فلا يضر الانفراد بالعدد بعده، يحكى هذا عن القول عن تخريج المزني، وذكروا أنّه خرجه من القول القديم في منع الاستخلاف، فإنه إذا أحدث الإمام وقلنا: لا استخلاف يتمونها جمعة، ولم يذكروا في هذا الموضع فَصْلاً بين أن يكون حدثه بعدما صَلُّوا ركعة أو قبله، ثم قال القاضي ابن كج وكثير من أصحابنا: اختلف أئمتنا في تخريجه، فمنهم من سلمه ومنهم من أبى، ولم يثبته قولاً، فهذا شرح القولين في أصل المسألة، وخرج المزني قولاً آخر، وذهب إليه أنه إن كان الانفضاض في الركعة الأولى بطلت الجمعة، وإن كان بعدها لم تبطل، ويتم الإمام الجمعة، وكذا من معه إن بقي معه جَمْع، ووجهه ظاهر قوله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ اَلْجُمُعَةِ فَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى" (١). وأيضاً فإن المسبوق إذا أدرك ركعةً من الجمعة يتمها جمعة، فكذلك الإمام، وبهذا القول قال مالك وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة يكتفي بتقييد الرَّكْعَة بسجدة ولا يعتبر تمامها، واختلف أصحابنا في قبول هذا التخريج أيضاً، منهم من أباه، وقال: المسبوق تَبَعٌ للقوم، وقد صحت لهم جمعة تامة وهاهنا بخلافه، ومنهم من سلمه وعدَّه قولاً آخر، وعلى هذا إذا اختصرت وتركت الترتيب قلت: في المسألة خمسة أقوال: أظهرها: بطلان الجُمُعَة. والثاني: إن بقي معه اثنان لم تبطل. والثالث: إن بقي معه واحدٌ لَمْ تَبْطُل، وهذه الثَّلاثة منصوصةٌ الأولان منها مذكوران في الجديد. والثالث: في القديم. والرابع: أنها لا تبطل وإن بقي وحده. والخامس: الفرق بين أن يكون الانفضاض بعد ركعة أو قبلها، وقد ذكر في الكتاب كلها سوى الرابع منها. وقوله: (بطل على قول) معلم بالحاء والميم والزَّاي لما حكيناه. وقوله: (على قول ثَانٍ) لا تبطل بالألف، وكذا قوله: (وعلى قول ثالث لا تبطل). وقوله: (مهما توفر العدد في لحظة) غير مجرى على إطلاقه، فإنه لا يجوز أن

стр. 804

يكون اللحظة التي توفر فيها العدد بعد الركوع الأول والضبط فيما قبله ما بيناه. وقوله: (إذا بقي مع الإمام واحد على رأي واثنان على رأي) يجوز أن يعلم بالواو إشارة إلى القول الرابع، والذي ذكره جواب على قولنا: لأن الجماعة لا يشترط دوامها، وأراد بالرأيين القولين اللذين ذكرناهما، ويجوز أن يعلم قوله: (وعلى قول ثالث) بالواو إشارة إلى الطريقة الممتنعة من إثباته قولاً. قال الغزالي: الخَامِسُ: فَلاَ يصِحُّ الانْفِرَادُ بِالجُمُعَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) حُضُورُ السُّلْطَانِ فِي جَمَاعَتِهَا وَلاَ إِذْنُهُ (ح). قال الرافعي: ليس لقائل أن يقول: إذا شرطنا العدد فقد شرطنا الجماعة فلا حاجة إلى إفراد الجماعة وعدها شرطاً برأسه، وذلك لأن العدد والجماعة أمران ينفك كل واحد منهما عن الآخر، أما الجماعة دون العدد فَظَاهِر، إذ ليست الجماعة إلا الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم، وذلك مما لا يستدعي العدد، وأما بالعكس فلأن المراد من العدد حضور أربعين بصفة الكمال، وأنه يوجد من غير جماعة، ثم القول في شرائط الجماعة كما سبق في غير الجمعة، ولا يشترط حضور السلطان ولا إذنه، فيها خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا تصح إلا خلف الإمام أو مأذونه، وبه قال أحمد في رواية، والأصَحُّ عنه مثل مذهبنا. لنا "أَنَّ عَلِيًّا أَقَامَ الْجُمُعَةِ وَعُثْمَانُ ﵄ مَحْصُورٌ" ونقيس على سائر العبادات، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (ولا يشترط) مع الحاء بالألف والواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا أن للشافعي قول في القديم مثل مذهب أبي حنيفة. قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولى: إِذَا كانَ الإمَامُ عَبْداً أَوْ مُسَافِراً صَحَّ لِأَنَّهُمَا فِي جُمُعَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَقِيْلَ: لاَ يَصِحُّ إِذَا عَدَدْنَاهُ مِنَ الأرْبَعِيْنَ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَفِّلاً أَوْ صَبِيًّا فَقَوْلاَنِ، وإنْ كَانَ مُحْدِثاً فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَإِنْ كَانَ قَائِماً إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ سَهْواً فَهُوَ كالمُحْدِثِ فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَى بِهِ جَاهِلاً، وَلَو لَمْ يُدْرِكْ مَعَ المُحْدِثِ إِلاَّ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ فَفِي إِدْرَاكِهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: ذكر ثلاث مسائل تتشعب عن شرط الجماعة. الأولى في أحوال الإمام، وفيها صور: إحداها: لو كان إمام الجمعة عبداً أو مسافراً نظر إن كان القوم معه أربعين فلا جمعة؛ لما ذكرنا أن يشترط كون الأربعين بصفات الكمال، وإن كانوا أربعين دونه وهو

стр. 805

المقصود من لفظ الكتاب فقد قال في "التهذيب": تصح الجمعة ولم يذكر غير ذلك. وقال في "النهاية": تبنى على أن الإمام معدود من الأربعين أم لا، فإن قلنا: لا، فلا بأس، وإن قلنا: نعم فوجهان: أحدهما: لا تصح الجمعة؛ لأنه إذا عد من العدد المعتبر، فيجب أن يكون على صفات الكمال كغيره أو هو أولى بذلك. وأظهرهما: الصحة؛ لأن العدد قد تَمَّ بصفة الكمال وجمعة العبد والمسافر صحيحة، وإن لم تلزمها، وقد أشار في الكتاب إلى هذا البناء حيث قال: وقيل: لا تصح إذا عددناه من الأربعين جعل هذا الوجه مفرغاً على عده من الأربعين بعدما حكم بالصِّحة على الإطلاق، واعلم أنه لو كان ذلك الخلاف في أن الإمام هل هو واحد من العدد المشروط أم لا؟ لكان هذا البناء واضحاً، ولكن ذلك الخلاف في أنه هل يشترط أن يكون زائداً على الأربعين أم يُكْتَفَى بأربعين أحدهم الإمام؟ ولا يلزم من الاكتفاء بأربعين أحدهم الإمام أن يكون الإمام واحداً من العدد المشروط إذا زادوا على الأربعين. وقوله: (صح) معلم بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنها لا تَصِحْ خلف العبد، وبالألف؛ لأن عند أحمد لا تصح خلف المسافر، ولا خلف العبد على قوله: لا تجب الجمعة على العبد وعنه اختلاف رواية فيه سيأتي. وقوله: (لأنهما في جمعة مفروضة) معناه أنهما إذا صَلَّيَا الجمعة صَحَّت منهما وأجزأت عن فريضة الوقت بخلاف الصّور بعد هذه، وفيه إشارة إلى شيء وهو أن الكلام [فيما] (١) إذا لم يُصَلِّ المسافر والعبد الظهر قبل أن أما في الجمعة فإما إذا صَلَّيا الظهر ثم أمَّا فالاقتداء بهما كالاقتداء بالمتنفل، وسنذكره. الثانية: لو كان إمام الجمعة صبياً فهل تصح جمعة القوم؟ فيه قولان: أحدهما: نعم قاله في "الإملاء" ووجهه أنه يجوز الاقتداء به في سائر الفرائض فكذلك في الجمعة كالبالغ. والثاني: لا، قاله في "الأم"؛ لأنه ليس على صفة الكمال، والإمام أولى باعتبار صفة الكمال فيه من غيره، ولأنه لا جمعة عليه وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه، إذ لا فرض عليه، بخلاف العبد والمسافر، فإنهما يسقطان بها فرض الظهر، وهذا القول يوافق مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؛ لأنهم منعوا إمامته

стр. 806

في سائر الفرائض، ففي الجمعة أولى، ولو كان الإمام متنفلاً فهو على هذين القولين. وجه المنع أنه لا بد في العدد المشروط من أن يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذلك الإمام، ويجوز أن يرتب المتنفل على الصبي، فيقال: إن جاز الاقتداء بالصبي فبالمتنفل أولى، وإلا فقولان: والفرق أنه من أهل فرض الجمعة ولا نقص فيه. وما الأظهر من الخلاف في المسألتين؟ رجح الشيخ أبو محمد (١) وأبو القاسم الكرخي وطائفة قول المنع، والحناطي والقاضي الروياني قول الجواز، وهو قضية كلام الأكثرين، وأطبقوا على أن الجواز في المتنفل أظهر منه في الصبي. وقالوا: هو المنصوص للشافعي ﵁ في صلاة الخوف، قال: لو صَلَّى الإمام الظهر في شدة الخوف [ثم انكشف الخوف] (٢) والوقت باق وقد بقي له أربعون لم يُصَلُّوا الظُّهْر جاز له أن يصلّي بهم الجمعة، ثم قال الإمام: موضع الخلاف في المسألتين، ما إذا تم العدد بصفة الكمال دون الإمام، فأما إذا تَمَّ بالصبي أو المتنفل فلا جمعة؛ ولو صلّوا الجمعة خلف من يصلِّي صُبْحاً أو عصراً ففيه قولان كما لو صلَّى خلف متنفل، وقيل: يجوز؛ لأن الإمام يصلّي الفرض، ولو صَلُّوها خَلْفَ مُسَافِرٍ يقصر الظُّهْرَ، يجوز إن قلنا: الجمعة ظُهْرٌ مقصورة وإن قلنا: صلاة على حيالها فهو كما لو صَلَّى خلف من يصلي الصبح، ذكر المسألتين صاحب "التهذيب". الصورة الثالثة: لو بَانَ أن إمام الجمعة كان جنباً أو محدثاً فإن لم يتم العدد دونه فلا جمعة لهم، وإن تم ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يقدح في صِحَّة جمعة القوم كما في سائر الصلوات. والثاني: يقدح؛ لأن الجماعة، شرط في الجُمُعَة، والجماعة ترتبط بالإمام والمأمومين، فإذا بَانَ أن الإمام لم يكن مُصَلِّيًّا بَانَ أنه لا جماعة، وأن أحد شروط الجمعة قد فات، بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجماعة غير مشروطة فيها، وغايته أنه صَلَّى منفرداً، ولا شك أن هذا القول أظهر منه في الاقتداء بالصبي والمتنفل، ولذلك قال في الكتاب: هما مرتبان على القولين، ثم هو أصح من مقابله عند الشيخين أبي علي وأبي محمد، وتابعهما صاحب "التهذيب" وجماعة، وذهب العراقيون وأكثر أصحابنا إلى ترجيح القول الأول، ونقلوه عن نَصِّه في "الأم" وأضافوا حكاية الخلاف إلى ابن القاص، واستبعدوه واعترضوا على توجيه قول المنع بأنا لا نسلم أن حدث

стр. 807

الإمام يمنع صحة الجماعة وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله. وقالوا: إنه لا يمنع نَيْلَ فضيلة الجماعة في سَائِرِ الصلوات ولا غيره من أحكام الجماعة، وعلى هذا قال في "البيان": لو صلى الجمعة بأربعين فبَانَ أن القوم محدثون صَحَّت صلاة الإمام دونهم، بخلاف ما لو بَانُوا عبيداً أو نساءاً فإن ذلك مما يسهل الاطلاع عليه، وقياس من يذهب إلى المنع، أنه لا تصح جمعة الإمام لبطلان الجماعة. الصورة الرابعة: لو قام إمام الجمعة إلى ركعة ثالثةٍ سهواً فاقتدى به إنسان فيها فهذه المسألة من فروع ابن الحداد، وشرحها الأئمة فقالوا: أولاً: لو فرض ذلك في سائر الفرائض، فقام الإمام إلى ركعة زائدة واقتدى به إنسان فيها وأدرك جميع الركعة، ففيه وجهان: أحدهما: أنها لا تحسب له؛ لأنها غير محسوبة للإمام، والزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة وإخبار الغير، فلا يجزئه كما لو اقتدى بالمرأة والكافر. وأصحهما: أنها تحسب له، فإذا سَلَّم الإمام يتدارك باقي الصلاة، كما لو صَلَّى خلف جُنْبٍ يجزئه، وإن لم تكن تلك الصلاة محسوبة للإمام بخلاف الكافر والمرأة فليس لهما أهلية إمامته بحال، ولهذا لا يَصِح الاقتداء بهما أصْلاً، وهاهنا يصح الاقتداء بهذا السَّاهي، والكلام في أنه هل يصير مدركاً للركعة أم لا؟ هكذا ذكره الشيخ أبو علي ﵁، وأما في الجمعة فإن قلنا: إنه في غير الجمعة لا يدرك به الركعة فكذلك هاهنا، ولا تحسب بدلاً عن الظهر ولا عن الجمعة، وإن قلنا: يدرك فهل تكون هذه الركعة محسوبة عن الجمعة حتى يضيف إليها أخرى بعد سلام الإمام أو تكون محسوبة عن الظُّهر؟ فيه وجهان بناهما الأئمة على القولين فيما لو بَانَ كون الإمام محدثاً؛ لأن تلك الركعة غير محسوبة من صلاته كركعات المحدث، ولهذا قال في الكتاب: (فهو كالمحدث في حق من اقتدى به جاهلاً) واختار ابن الحداد أنها لا تحسب عن الجمعة واعرف هاهنا أموراً: أولها: إنما قال: "جاهلاً" لأنه لو كان عالماً بأن الإمام قائم إلى الثَّالثة ساهياً، ومع ذلك اقتدى به لم تنعقد صلاته بحال، كما لو اقتدى بالجنب عالماً بحاله. وثانيها: لم يذكروا في المحدث أن صلاة المقتدي منعقدةٌ وأن المأتي به يحسب عن الظهر، حتى لو تبين له الحال قبل سَلاَم الإمام أو بعده على القرب يتمها ظُهْراً إذا جوزنا بناء الظُّهْرِ على الجُمُعةِ، وقضية التسوية بين الفَصْلَين الانعقاد والاحتساب عن الظهر في المحدث أيضاً. وثالثها. من قال في مسألة المحدث: الأصح من القولين أن الجمعة غير صحيحة

стр. 808

قال بمثله هاهنا، والذين قالوا: الأصح صحتها منهم من لم يورد هذه المسألة، ومنهم من أوردها، ونقل جواب ابن الحداد من غير نزاع فيه، فيجوز أن يقدر المساعدة على ترجيح المنع هَاهُنَا، ويفرق بأن الحَدَث لا يمكن الاطلاع عله بحال، بخلاف الزيادة على ما سبق، ويمكن أن يعارض هذا بأن المحدث لا صَلاَة له أصلاً، وهذا السَّاهي في الصلاة، لكن ندرت منه زيادة هو معذور فيها، وكأن أولى بأن يصح الاقتداء به والله أعلم. الخامسة: قال حُجَّةُ الإِسْلام -قدس الله روحه-: ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية ففي إدراكه وجهان، وهذا الفرع يتعلق بأصلين. أولهما: أن المسبوق في صَلاَة الجمعة إن أدرك الإمامَ في ركوع الرَّكْعَة الثَّانية كان مدركاً للجمعة، فإذا سَلَّم الإمام قام إلى رَكْعَةٍ أخرى، وإن أدركه بعد رُكُوعِ الثَّانية لم يكن مدركاً للجمعة، ويقوم بعد سلام الإمام إلى أربع خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يكون مدركاً للجمعة وإن أدركه في التَّشهد أو في سجدتي السَّهْو بعد السَّلام. لنا ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ صَلاَّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا" (١)، وإذا لحق بعد الركوع، فما الذي ينوي؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "البيان" وغيره: أحدهما: ينوي الظهر؛ لأنها التي يؤديها. وأظهرهما: ينوي الجمعة؛ موافقةً للإمام، وهذا هو الذي ذكره القاضي الروياني، ولو صَلَّى مع الإمام ركعة ثم قام وصلّى أخرى، وتذكر في التشهد أنه نَسِيَ سجدةً من إحدى الركعتين نظر، إن تركها من الثانية فهو مدرك للجمعة فيسجد سجدة، ويعيد التشهد، ويسجد للسهو ويسلم، وإن تركها من الأولى أو شك لم يكن مدركاً للجمعة، وحصلت له ركعة من الظُّهْرِ، ولو أدركه في الثَّانية وشك في أنه سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن لم يسلم الإمام بعد سجد أخرى، وكان مدركاً للجمعة وإن سلم الإمام سجد أخرى [ولم يكن مدركاً للجمعة؛ لأنه ما أدرك مع الإمام ركعة. والثاني: أنا ذكرنا في باب الجماعة أن المسبوق إذا أدرك الركوع مع الإمام كان مدركاً] (٢) للركعة وذلك في ركعة محسوبة للإمام، أما إذا لم تكن محسوبة، كما لو أدرك الركوع مع الإمام المحدث أو أدرك الإمام السَّاهي بركعة زائدة في ركوعها، وقلنا: إنه لو أدركها كلها لكانت محسوبة له ففيه وجهان:

стр. 809

أحدهما: أن يكون مدركاً للركعة؛ لأنه لو أدرك كل الركعة لكانت محسوبة له فكذلك إذا أدرك ركوعها كالركعة المحسوبة للإمام. وأصحهما: أنه لا يكون مدركاً؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة، إنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوباً من صلاة الإمام ليتحمل به، فأما غير المحسوب لا يصلح للتحمل عن الغير، ويخالف ما لو أدرك جميع الركعة، فإنه قد فعلها بنفسه، فتصحح على وجه الانفراد، إذا تعذر تصحيحها على وجه الجماعة، ولا يمكن التصحيح هاهنا على سبيل الانفراد فإن الركوع لا يُبتَدَأُ به. قال الشيخ أبو علي: والوجهان عندي مبنيان على القولين في جواز الجُمُعَةِ خلف الجنب والمحدث، ووجه الشبه أن المقتدي [في القولين في جميع الركعة في الجمعة كالمقتدي في الركوع في سائر الصلوات؛ لأنه بالاقتداء] (١) يسقط فرضاً عن نفسه، ولو كان منفرداً للزمه وهو رد الأربع إلى ركعتين، كما أن المقتدي في الركوع يسقط فرضاً عن نفسه وهو القيام والقراءة في تلك الركعة، فإن قلنا: يصح الاقتداء بالمحدث لإسقاط فرض الانفراد في الجمعة، فكذلك هَاهُنَا، وإلا فلا. إذا عرف ذلك، فنقول: لو لم يدرك في الجمعة مع الإمام إلا ركوع الثانية، ثم بَانَ أن الإمام كان محدثاً، فإن قلنا: إنه لو أدرك جميع الركعة معه لم يكن مدركاً ركعة من الجمعة، فهاهنا أولى، وإن قلنا: ثم يكون مدركاً ركعة من الجمعة فهاهنا وجهان، إن قلنا: إن مدرك الركوع مع الإمام المحدث مدرك للركعة فكذلك هاهنا، وإلا فلا. ثم قوله: (ولو لم يدرك مع المحدث إلا ركوع الثانية) يعني: لم يدرك شيئاً قبله، فأما ما بعد الركوع من أركان الركعة لا بد من إدراكها مع الإمام، أو قبل سلامه إن فرض زحام أو نسيان، وتخلف لذلك. وقوله: (ففي إدراكه وجهان) أي في إدراكه الجمعة، ولو حمل على الخلاف في إدراك الركعة لم يكن للتخصيص بركوع الثانية معنى. قال الغزالي: الثَّانِيَةُ إِذَا أَحْدَثَ الإمَامُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا فَاسْتَخْلَفَ مَنْ كَانَ اقْتَدَى بِهِ وسَمِعَ الْخُطْبَةَ صَحَّ اسْتِخْلافُهُ فِي (٢) الْجَدِيدِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الخُطْبَةَ فَوَجْهَانِ، وَلاَ يَشْتَرِطُ اسْتِئنَافُ نيَّةِ القُدْوَةِ بَلْ هُوَ خَلِيفَةُ الأوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفِ الإمَامُ فَتَقْدِيمُ القَوْمِ كَاسْتِخْلاَفِهِ (ح) بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنَ اسْتِخْلافِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُمْ الانْفِرَادُ بِهَا كَالْمَسْبُوقِ.

стр. 810

قال الرافعي: إذا خرج الإمام عن الصَّلاة بحدثٍ أو غيره، وأراد أن يستخلف فذلك إما أن يكون في غير الجمعة أو فيها، والمذكور في الكتاب هو القسم الثاني، فنذكر الأول على الاختصار، ثم نعود إلى شرح الثاني، فنقول: إذا أحدث الإمام في سائر الصلوات ففي جواز الاستخلاف قولان، قال: في القديم: لا يجوز ذلك، "لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ بِالنَّاسِ. ثم ذكر أنه جنب، فذهب واغتسل، ولم يستخلف، ولو كان الاستخلاف جائزاً لأشبه أن يستخلف، ولأنها صلاة واحدة فلا تجوز بإمامين، كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة، وقال في الجديد يجوز؛ وهو أصح الروايتين عن أحمد، وبه قال مَالِك وأبو حنيفة ﵏ لأنها صلاة بإمامين على التعاقب، فيجوز كما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَلَسَ إِلَى جَنْبهِ، فَاقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ (١). وفي "النهاية": أن من الأصحاب من قطع بجواز الاستخلاف في سائر الصلوات، وخص القولين بالجمعة، والمشهور طرد القولين. التفريع إن لم نجوز الاستخلاف أتم القوم الصَّلاة وحدَاناً، وإن جوزناه فيشترط أن يكون المستخلف صالحاً لإمامة القوم، فلو استخلف امرأةً فهو لغوٌ ولا تبطل صلاتهم إلا أن يقتدوا بها، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: تبطل بنفس الاستخلاف صلاتهم وصلاته (٢). قال في "النهاية": ويشترط أن يجري الاستخلاف على قرب، فلو قضوا على الانفراد ركناً امتنع الاستخلاف بعده، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى بالإمام قبل حدثه؟ قال أكثر أصحابنا من العراقيين وغيرهم، إن استخلف في الركعة الأولى، أو [الثالثة] (٣) من الصلوات الرباعية من لم يقتد به جاز؛ لأنه لا يخالفهم في الترتيب، وإن استخلف في الثانية أو الرابعة، أو في الثالثة من المغرب لم يجز؛ لأنه يحتاج إلى القيام، وعليهم القعود فيختلف الترتيب بينهم، وأطلق جماعة من الأئمة اشتراط كون الخليفة ممن اقتدى به، وهذا ما ذكره إمام الحرمين ﵁ مع زيادة فقال: لو أمره الإمام فتقدم لم يكن هذا استخلافاً ولا هو خليفة، وإنما هو عاقد لنفسه صلاة جار على ترتيبه فيها، لو اقتدى القوم به فهو اقتداء منفردين في أثناء الصَّلاة، وقد سبق الخلاف فيه في موضعه، وهذا قدوتهم انقطعت بخروج الإمام عن الصَّلاة، ولم يخلفه أحد ولا يشترط أن يكون الخليفة ممن اقتدى به في الركعة الأولى، بل يجوز استخلاف المسبوق، ثم عليه أن يراعيَ نَظْمَ صلاة الإمام، فيقعد في موضع قعوده، ويقوم في
следующие страницы →