← Фикх шафии

Фикх шафии · id 13577

العزيز شرح الوجيز = الشرح الكبير للرافعي - ط العلمية

الرافعي

Полный текст (7 286 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

حقيقة لكان ذلك عين قول ابْنِ سُرَيج، ولما انتظم من أن يقول بعد ذلك. وقال ابن سريج، ورتب في "الوسيط" الخلاف في بطلان الصَّلاة، بالانتظار الثالث على الخلاف في تحريمه، فقال: في تحريمه قولان: إن قلنا يحرم ففي بطلان الصلاة به قولان، ولم يذكر المعظم هذا الترتيب، وإنما تكلموا في الصحة والبطلان، وذكر الشافعي ﵁ مع القول بصحة صلاة الجميع، أنهم مسيئون بذلك، وهذا يشعر بالجزم بالتحريم والله أعلم. قال الغزالي: وَفِي إِقَامَةِ الجُمُعَةِ عَلَى هذِهِ الهَيْئَةِ وَجْهَانِ (م) وَوَجْهُ المَنْعِ أَنَّ العَدَدَ فِيهَا شَرْطٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الانْفِضَاضِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. قال الرافعي: إذا كان الخوف في بلد ووافق ذلك يوم الجمعة وأرادوا إقامة صلاة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، فقد نقل المصنف فيه وجهين: أحدهما: الجواز كسائر الصلوات الثنائية. والثاني: المنع، لأن العدد شرط فيها، وتجويز ذلك يفضي إلى انفراد الإمام في الركعة الثانية، والأول هو الذي حكاه أصحابنا العراقيون عن نصه في "الأم"، ثم ذكروا في طريقتين: إحداهما: أن ذلك جواب على أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أنه إذا نفض القوم عنه وبقي وحده يُصَلِّي الجُمُعَة، قلنا إذا لم نقل بذلك امتنع إقامة الجمعة على هذا الوجه. والثانية: القطع بالجواز بخلاف سورة الانفضاض؛ لأنه معذور هاهنا بسبب الخوف، ولأنه يترقب مجيء الطائفة الثانية، ويجوز أن يرتب فيقال: إن جوزنا الانفضاض فتجويز إقامة الجمعة على هذه الهيئة أولى، وإلا فوجهان، والفرق العذر، وإيراد الكتاب إلى هذا الترتيب أقرب، وكيف ما كان فالأظهر عند الأكثرين الجواز، ثم له شرطان: أحدهما: أن يخطب بهم جميعاً ثم يفرقهم فرقتين، أو يخطب بطائفةٍ ويجعل فيها (١) مع كل واحد من الفرقتين أربعين فصاعداً، فأما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى فلا يجوز. والثاني: أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعداً، فلو نقص عددهم عن الأربعين

стр. 877

لم تنعقد الجمعة، ولو نقصت الفرقة الثانية عن أربعين، فقد حكى ابن الصَّباَّغ عن الشيخ أبي حامد أنه لا تضر ذلك بعد انعقادها بالأولى، وعن غيره أنه على الخلاف في الانفضاض، ولو خطب الإمام بالناس وأراد أن يقيم الجمعة بهم على هيئة صلاة عَسَفَان فهي أولى، بالجواز إن جوزناها على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، ولا يجوز إقامتها على هيئة صلاة بطن النَّخْلِ، إذ لا تقام جمعة بعد جمعة. قال الغزالي: ثمَّ يجب حَمْلُ السِّلاحَ في هذِهِ الصَّلاَةِ وَصَلاة عَسَفَانَ إنْ كَانَ فِي وَضْعِهَا خَطَرٌ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ السَّلاَمَةَ وَاحْتَمَلَ الخَطَرَ فَيُسْتَحَبُّ الأخْذُ وَفِي الوُجُوبِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: قال الشافعي ﵁ في "المختصر" وغيره: واجب للمصلي -أي في الخوف- أن يأخذ سلاحه، وقال في موضع: ولا أجيز وضعه، واختلف الأصحاب على طرق: أظهرها -وبه قال أبو إسحاق-: إن في المسألة قولين: أحدهما: أنه يجب؛ لظاهر قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١) وقال تعالى جدُّه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (٢) أشعر ذلك بقيام الجناح، إذا وُضِعَ من غير عُذْر. وأصحهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد-: أنه لا يجب، والآية محمولة على الاستحباب. واحتجوا لهذا القول بأنه لا خلاف، أن وضعه لا يفسد الصلاة، فوجب أن لا يجب حملهما كسائر ما لا يفسد تركه الصلاة ولا يجب فعله. والطريق الثاني: القطع بالاستحباب. والثالث: القطع بالإيجاب. والرابع: ما يدفع به عن نفسه كالسَّيْفِ والسِّكين يجب حمله، وما يدفع به عن نفسه وغيره كالرمح والقوس لا يجب حمله؛ لأن الدفع عن النفس أولى بالوجوب، وهؤلاء حملوا النصين على هذين النوعين، والخلاف في المسألة مشروط بشروط: أحدها: أن يكون طاهراً، فأما السّلاح النجس فلا يجوز حمله بحالٍ، ومنه السَّيْف الذي سقى السُّم النَّجِس، والنبل المريش بريش طائر لا يؤكل، أو طائر ميت؛ لأنه نجس على الصَّحِيح.

стр. 878

والثاني: أن لا يكون مما يمنع من بعض أركان الصلاة، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة (١) المصلَّي بالجبهة، فإن كان كذلك لم يحمل بلا خلاف. والثالث: أن لا يتأذى به الغير كالرمح، فإن حَمْلَه في وسط الصِّفِّ يؤذي القوم فيكره، إلا أن يكون في حاشية الصَّف فلا يتأذى بحمله أحد. والرابع: قال الإمام: موضع الخلاف أن يخاف من وضع السلاح وتنحيته خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا كان يتعرض للهلاك ظاهراً، لو لم يأخذ السلاح فيجب القطع بوجوب الأخذ، وإلا فهو استسلام للكفار، وهذا الشرط قد ذكره في الكتاب، فأوجب الحمل إذا كان في موضع خطر، وخص الخلاف بما إذا ظهرت السَّلامة واحتمل الخطر. واعلم أن ترجمة المسألة هي حمل السلاح، قال إمام الحرمين: وليس الحمل معيناً لعينه بل لوضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد، كان ذلك بمثابة الحمل قطعاً، وأما لفظ السلاح فقد قال القاضي ابن كج: إنه يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها، أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعاً لم يكن حاملاً سلاح والله أعلم. ثم في لفظ الكتاب شيئان: أحدهما: أنه خص الكلام بصلاة ذات الرِّقَاعِ، وصلاة عسفان، وأشعر ذلك بنفي الوجوب في صلاة بطن النخل، لكن معنى الخوف يشملها جميعاً، والجمهور أطلقوا القول في صلاة الخوف إطلاقاً. والثاني: أنه قال في آخر الفصل: (فيستحب الأخذ وفي الوجوب قولان): وقضية هذا الكلام الجزم بالاستحباب، وقصر الخلاف على الوجوب وإنما يكون كذلك، إن لو اشتمل الوجوب على الاستحباب اشتمال العام على الخاص، وفيه كلام لأهل الأصول، فإن لم يحكم باشتماله عليه فالصائر إلى الوجوب نافٍ للاستحباب فلا يكون الاستحباب إذًا مجزوماً بِهِ. قال الغزالي: فَرْعٌ: سَهْوُ الطَّائِفَتَيْنِ مَحْمُولٌ فِي وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمُ الإِمَامَ، وسَهْوُ الطَّائِفَةِ الأُولى غَيْرُ مَحْمُولٍ فِي رَكْعَتِهِمُ الثَّانِيَةَ وَذلِكَ لاِنْقِطَاعِهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَمَبْدَأُ الانْقِطَاعِ الاعْتِدَالُ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَوْ رَفْعُ الإمَامِ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الأُولَى فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا

стр. 879

سَهْوُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي حَمْلِهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُمْ سَيَلْتَحِقُونَ بِالإِمَامِ قَبْلَ السَّلاَمِ، وَهُوَ جَارٍ فِي المَزْحُومِ إِذَا سَهَا وَقْتَ التَّخَلُّفِ، وَفِيمَنْ انْفَرَدَ بِرَكْعَةٍ وَسَهَا ثُمَّ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ. قال الرافعي: أصل الفرع أن سهو المأموم يحمله الإمام، وهذه قاعدة شرحناها في "باب سجود السهو" إذا تذكرت ذلك فنقول: إذا سها بعض المأمومين في صلاة ذات الرقاع على الرواية المختارة فينظر، إن سهت الطائفة الأولى فسهوها في الركعة الأولى محمول؛ لأنها مقتدية بالإمام، وسهوها في الثانية غير محمول؛ لانقطاعها عن الإمام، وما مبدأ الانقطاع؟ فيه وجهان، حكاهما الإمام عن شيخه: أحدهما: أن مبدأ الانقطاع الاعتدال في الركعة الثانية؛ لأن القوم والإمام جميعاً صائرون إلى القيام، فلا تنقطع القدوة ما لم يعتدلوا قائمين. والثاني: أن مبدأ الانقطاع رفع الإمام رأسه من السجود الثاني؛ لأن الركعة تنتهي بذلك، فعلى هذا لو رفع الإمام رأسه وهم بعد في السجود، وفرض منهم سهو لم يكن محمولاً، ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز ذلك عند رفع الرأس وعند الاعتدال كما سبق، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك، فإنه ليس شيئاً يحصل بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة، فوجب قصر النظر على وقتها. وأما الطائفة الثانية فسهوها في ركعتها الأولى محمول أيضاً؛ لأنها على حقيقة المتابعة، وفي سهوها في الركعة الثانية وجهان: أحدهما -وينسب إلى ابن خيران وابن سريج-: أنه غير محمول؛ لأنهم منفردون به في الحقيقة. وأصحهما: أنه محمول؛ لأن حكم القدوة باقٍ بدليل أنهم مقتدون به إذا حصلوا معه في التشهد، وإلا لما كان لانتظاره إياهم معنى، وإذا كان كذلك فلولا استمرار حكم القدوة لاحتاجوا إلى إعادة نية القدوة إذا جلسوا للتشهد، ولا يحتاجون إليها والوجهان جاريان في المزحوم في الجمعة إذا سَهَا في وقت تخلفه، وأجروهما أيضاً فيما كان يصلي منفرداً فَسَهَا في صلاته، ثم اقتدى بإمام وجوزنا ذلك على أحد القولين، واستبعد الإمام إجراء الخلاف في هذه الصورة، وقال: الوجه القطع بأن حكم السّهْوِ لا يرتفع بالقدوة اللاَّحقة، فإن السهو كان أو هو منفرد لا يخطر له أمر القدوة، فلا ينعطف حكمهما على ما تقدَّم من الانفراد، وقوله: (لأنهم سيلحقون بالإمام) يجوز أن يريد به التحاقهم في الصورة مصيراً إلى أن حكم القدوة مستمر في الحال، ويجوز أن يريد به

стр. 880

أنهم سيصيرون مقتدين، وإن كانوا منفردين في الحال، فيؤخذ بآخر الأمر، والضمير في قوله: (وهو جار) عائد إلى الخلاف وإن لم يكن [لفظه] (١) مذكوراً. وقوله فيمن انفرد بركعة وسها، (ثم اقتدى في الثانية)؛ لأنه ليس للتقييد، وأنه لا فرق بين أن يقتدي في الأولى، والثانية بعد السهود منفرداً. واعلم أن جميع ذلك مبني على أن الطَّائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جَلَسَ الإمام للتشهد، فإما إذا قلنا: إنهم يقومون إليها إذا سَلَّم الإمام على ما نقل عن القديم فسهوهم في الثانية غير محمول لا محالة، كالمسبوق، وهذا حكم سهو المأمومين، أما لو سها الإمام نظر، إن سَهَا في الركعة الأولى لَحِقَ سهوه الطائفتين، فالطائفة الأولى يسجدون إذا أتموا صلاتَهم، ولو سَهَا بعضهم في الركعة الثانية فهل يقتصر على سجدتين أم يسجد أربعاً؟ فيه خلاف تقدم نظائره، والأَصَحُّ الأول والطائفة الثانية يسجدون مع الإمام في آخر صلاته، وإن سَهَا في الركعة الثانية لم يلحق سهوه الطائفة الأولى؛ لأنهم فارقوه قبل السَّهْو، وتسجد الثانية معه في آخر الصلاة، ولو سَهَا في انتظاره إياهم فهل يلحقهم ذلك السهو؟ فيه الخلاف المذكور في أنه هل يتحمل سهوهم والحالة هذه؟ قال الغزالي: النَّوْعُ الرَّابِعُ: صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ ، وَذَلِكَ إِذَا الْتَحَمَ الفَرِيقَانِ وَلَمْ يُمكِنْ تَرْكُ القِتَالِ لِأَحَد فَيُصَلُّونَ رِجَالاً وَرُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ وَغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا إِيمَاءً بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُحْتَرِزِينَ عَنِ الصَّيْحَةِ وَعَنْ مُوَالاَةِ الضَّرْبَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَثُرَتْ مَعَ الحَاجَةِ فِي أَشْخَاصٍ فَيُحْتَمَلُ، وَفِي شَخْصٍ وَاحِدٍ لاَ يُحْتَمَلُ لِنُدُورِهِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ فِي المَوْضَعَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يُحْتَمَلُ فِيهِمَا، فَإِنْ تَلَطَّخَ سِلاَحُهُ بِالدَّمِ فَلْيُلْقِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى إِمْسَاكِهِ فَالأَقْيَسُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُّ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالأَشْهَرُ وُجُوبُهُ لِنُدُورِ العُذْرِ. قال الرافعي: إذا التحم القتال ولم يتمكنوا من تركه بحال لقلتهم وكثرة العدو، أو اشتداد الخوف، وإن لم يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يركبوا أكتافهم لو وَلُّوا عَنهم، أو انقسموا فيُصَلُّون بحسب الإمكان، وليس لهم التأخير عن الوقت. وعن أبي حنيفة أن لهم ذلك. ثم في كيفية هذه الصَّلاة مسائل: إحداها: لهم أن يصلوا ركباناً على الدَّوَابِّ، أو مشاةً على الأقدام، قال الله تعالى

стр. 881

جَدُّه: ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ (١) ويجوز أن يعلم لفظ (الرجال) في قوله: (فيصلون رجالاً) بالحاء؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة ﵁ أنه ليس للراجل أن يصلي بل يؤخر. الثانية: لهم أن يتركوا الاستقبال إذا لم يجدوا بُدَّا عنه، قال ابن عمر ﵄ في تفسير الآية: "مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا" (٢). قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ، ويجوز أن يأتم بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة، كالمصلي حول الكعبة، وفيها: وإنما يعفى عن الانحراف عن القبلة إذا كان بسبب العدو، فأما إذا انحرف لجماح الدابة وطال الزمان بطلت صَلاتُه كما في غير حالة الخوف، ويجوز أن يعلم قوله: (غير مستقبليها) بالحاء؛ لأنهم حكوا عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ترك الاستقبال. الثالثة: إذا لم يتمكنوا من إتمام الركوع والسجود اقتصروا على الإيماء بهما، وجعلوا السجود أخفض من الركوع، ولا يجب على الماشي استقبال القبلة في الركوع والسجود، ولا عند التحرم، ولا وضع الجبهة على الأرض، فإنه تعرض للهلاك بخلاف ما ذكرنا في المتنفل ماشياً في السَّفَر. الرابعة: يجب عليهم الاحتراز عن الصياح، فإنه لا حاجة إليه. قال الإمام: بل الكمي المقنع السكوت أهيب في نفوس الأقران، ولا بأس بالأعمال القليلة فإنها محتملة من غير خوف، فعند الخوف أولى، وأما الأعمال الكثيرة كالطعنات والضربات المتوالية فهي مبطلة إن لم يكن محتاجاً إليها، وإن كان محتاجاً إليها فوجهان: أحدهما: أنها مبطلة، وقد حكاه العراقيون وغيرهم عن ظاهر نصه في "الأم"؛ لأن الآية وردت في المشي والركوب، وانضم ترك الاَستقبال إليه فيما ورد من التفسير، فما جاوز ذلك يبقى على المنع. والثاني -وبه قال ابن سريج-: أنها غير مبطلة؛ لمكان الحاجة كالمشي وترك الاستقبال، وتَوَسَّطَ بعض الأصحاب بين الوجهين فقال: يحتمل في أشخاص؛ لأن الضربة الواحدة لا تدفع عن المضروب فيحتاج إلى التوالي لكثرتهم، ولا تحتمل في الشخص الواحد لندرة الحاجة إلى توالي الضربات فيه، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح هذا الوجه المتوسط، لكن الأكثرين رجحوا الوجه المنسوب إلى ابْنِ سُرَيج، وقطع به القَفَّالُ

стр. 882

فيما حكاه الرّويَانِي، ومنهم من عبر عن الوجوه بالأقوال، وكذلك فعل في "الوسيط". وقولى: (من غير حاجة) تقييد لموالاة الضَّرب دون الصَّيْحة، والاحتراز عنها واجب بكل حالٍ، وليست هي من ضروريات القتال، هكذا ذكر الأئمة. وقوله: (فيحتمل)، وكذا قوله: (وقيل لا يحتمل)، يجوز أن يعلما بالحاء؛ لأن الصيدلاني حكى عن أبي حنيفة أنه يجوز فيها العمل الكثير. الخامسة: لو تَلَطَّخَ سلاحُه بالدَّمِ، فينبغي أن يلقيه أو يجعله في قرابة تحت ركابه إن احتمل الحال ذلك، وإن احتاج إلى إمساكه فله الإمساك، ثم هل يقضي؟ حكى إمام الحرمين عن الأصحاب أنه يقضي لندور العذر، ثم منعه، وقال: تلطخ السلاح بالدم من الأعذار العامه في حق المقاتل، ولا سبيل إلى تكليفه تنحية السلاح، فتلك النجاسة ضرورية في حَقِّه، كنجاسة المستحاضة في حقها، ثم جعل المسألة على قولين مركبين على القولين فيما إذا صلَّى في حصن، أو موضع آخر نجس، وهذه الصورة أولى بنفي القضاء، لإلحاق الشَّرع القتال بسائر مسقطات القضاء في سائر المحتملات كالاستدبار والإيماء بالركوع والسجود، فليكن أمر النجاسة كذلك، ويتبين بما ذكرنا أنه لم جعل الأقيس نفي القضاء، والأشهر وجوبه؟ ويجوز إقامة الصلاة عند شدة الخوف بالجماعة، خلافاً لأبي حنيفة، وتقام صلاة العيدين والخسوفين في شدة الخوف لأنهما بعرض الفوات، ولا تقام صلاة الاستسقاء. قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ الصَّلاةُ تُقَامُ فِي كُلِّ قِتَال مُبَاحٍ وَلَو فِي الذَّبِّ عَنِ المَالِ، وَكَذَا فِي الهَزِيمَةِ المُبَاحَةِ عَنِ الكُفَّارِ، وَلاَ تُقَامُ فِي اتِّبَاعِ أَقْفِيَةِ الكُفَّارِ عِنْدَ انْهِزَامِهِمْ، وَيُقِيمُهَا الهَارِبُ مِنَ الحَرَقِ وَالغَرَقِ والسَّبُعِ، والمُطَالَبُ بالدَّيْنِ إِذَا أَعسَرَ وَعَجَزَ عَنِ البَيِّنَةِ، وَالمُحْرِم إِذَا خَافَ فَوَاتَ الوُقُوفِ قِيلَ: يُصَلِّي مُسْرِعاً فِي مَشْيِهِ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ. قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما يرخص في هذه الصلاة، إذ لا شك في أنها غير جائزة عند الأمن والسلامة، وفيه صور: إحداها: تجوز هذه الصلاة في كل ما ليس بمعصية من أنواع القتال، دون ما هو معصية؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، فيجوز في قتال الكفار ولأهل العدل في قتال أهل البغي، وللرفقة في مال الطريق، ولا يجوز لأهل البغي والقُطاَّع، ولو قصد نَفْسَ رَجُلٍ أو حَرِيمَه، أو نفس غيره، أو حريمه واشتغل بالدفع كان له أن يصلي هذه الصَّلاة في الدفع، ولو قصد إتلاف ماله نظر، إن كان حيواناً فكذلك الحكم، وإلا فقولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الأصل المحافظة على أركان الصَّلاة وشرائطها، خالفناه فيما عدا المال؛ لأنه أعظم حرمة.

стр. 883

وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجوز؛ لأن الذَّبَّ بالقتال عن المال جائز، كالذَّبِّ عن النَّفْس، قال ﷺ : "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). الثَّانِية: لو وَلُّوا ظهورهم عن الكفار منهزمين، نظر إن كان يحل لهم ذلك، بأن يكون في مقاتلة كل مسلم أكثر من كَافِرَيْنِ، فلهم أن يصلُّوا صَلاَة شدة الخوف؛ لتعرضهم للهلاك لو أتوا بالصلاة على الكمال، وإن لم يحل كما إذا كان في مقابلة كل مسلم كافران فليس لهم ذلك؛ لأنهم عاصون بالانهزام، والرخص لا تناط بالمعاصي، فإن كان فيهم متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة فله الترخص لجواز الانهزام، ولو انهزم الكفار واتبع المسلمون أقعيتهم، ولو أكملوا الصلاة وثبتوا لفاتهم العدو، فليس لهم صلاة شدة الخوف؛ لأنهم لا يخافون محذوراً بل غاية الأمر فوات مطلوب، والرخص لا يتعدى بها مواضعها، فلو خافوا كميناً أو كرة، كان لهم أن يصلُّوها. الثالثة: الرخصة في الباب لا تتعلق بخصوص القتال، بل تتعلق بعموم الخوف، فلو هرب من حَرِيقٍ يغشاه، أو من سيل منحدرٍ إلى موضعه ولم يجد في عرض الوادي ما يقدر على اللّبث فيه والصعود، فغدا في طوله، أو هرب من سبع قصده فله أن يصليها؛ لأنه خائف من الهلاك، والمديون المعسر إذا عجز عن بينة الإعسار ولم يصدقه المستحق، ولو ظفر به لحبسه، كان له أن يصليها هارباً دفعاً لضرر الحبس، ويجوز أن يعلم قوله: (والمطالب بالدين) بالواو؛ لأن الحَنَّاطِي حكى عن الإمام أنه لو طلب رجل لا ليقتل لكن ليحبس أو يؤخذ منه شيء لا يصلي صلاة الخوف، وغاية المحذور هاهنا هو الحبس، ولو كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغليل وانطفأ الغضب فقد جوز الأصحاب أن له أن يهرب، وقالوا: له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هربه، واستبعد الإمام جواز الهرب من المستحق بهذا التوقع. الرابعة: المحرم إذا ضاق وقت وقوفه بعرفة وخاف فوت الحج لو صلى متمكناً ما الذي يفعل؟ حكى الشيخ أبو محمد عن القفال فيه وجوهاً: أحدها: أنه لا يؤخر الصلاة، فإن قَضَاءَها هين، وأمر الحَجِّ خطير، وقضاؤه عسير. والثاني: أنه يقيمها، كما تقدَّم في شدة الخوف، ويحتمل فيها العذر؛ لأن الحج في حتى المحرم كالشيء الحاصل، والفوات طارئ عليه، فأشبه ما لو خاف هلاك مال حاصل لو لم يهرب، ولأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أياماً في حق المديون.

стр. 884

والثالث: أنه تلزمه الصَّلاة على سبيل التمكن والاستقرار، لأن الصَّلاةِ تلْو الإيمان، ولا سبيل إلى إخلاء الوقت عنها؛ لعظم حرمتها، ولا سبيل إلى إقامتها كما تقام في شدة الخوف؛ لأنه لا يخاف ذوات حاصل هاهنا، فأشبه فوت العدو عند انهزامهم، ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الأئمة -والله أعلم-. وقوله: (قيل: يصلي مسرعاً في مشيه) هو الوجه الثاني، وقوله: (وقيل: لا يجوز ذلك) يمكن إدراج الأول والثالث فيه. قال الغزالي: وَلَوْ رَأَى سَوَادًا فَظَنَّهُ عَدُوًّا فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ قَوْلانِ، وَمَهْمَا فَاجَأَهُ فِي أَثْنَاءِ صَلاِتهِ خَوْفٌ فَبَادَرَ إِلَى الرُّكُوبِ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلاَةِ رَاجِلاً فَأَخَذَ بِالحَزْمِ لَمْ يَصِحَّ بِنَاءُ الصَّلاَةِ، وَلَوِ انْقَطَعَ الخَوْفُ فَنَزَلَ وَأَتَمَّ الصَّلاةَ صَحَّ، وَإِذَا أَرْهَقَهُ الخَوْفُ فَرَكبَ وَقَلَّ فِعْلُهُ جَازَ البِنَاءُ، وَإِنْ كَثُرَ الفِعْلُ مَعَ الحَاجَةِ فَوَجْهَانِ كَمَا فِي الضَّرَبَاتِ المُتَوَالِيَةِ. قال الرافعي: في الفصل مسأْلتان: إحداهما: لو رأوا سواداً أو إبلاً أو أشجاراً، فظنوها عدواً فصلّوا صلاة شدة الخوف، ثم تبين الحال ففي وجوب القضاء قولان. أصحهما: وهو قوله في "الأم"، وبه قال أبو حنيفة: أنه يجب؛ لأنه ترك في صلاته فروضاً بسبب هو مخطئ فيه فيقضي، كما لو أخطأ في الطهارة. والثاني: نقله المزني عن "الإملاء" أنه لا يجب لقيام الخوف عند الصلاة، وهو أصح عند صاحب "المهذب"، والجمهور على ترجيح الأول، ثم اختلفوا في محل القولين فمنهم من قال: القولان فيما إذا كانوا في دار الحرب لغلبة الخوف والعدو فيها، فأما إذا كانوا في دار الإسلام فوجب القضاء لا محالة، وحكى هذا الفرق صاحب "التهذيب" عن نصه في القديم وأصحاب هاتين الطريقتين نسبوا المزني إلى السَّهْوِ فيما أطلقه عن "الإملاء" وادعت كل فرقة أنه إنما نفى الإعادة في "الإملاء" بالشرط المذكور، ومن الأصحاب من عمم القولين في الأحوال، وهذا أظهر، وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب. ويجوز أن يعلم قوله: (قولان) بالواو؛ إشارة إلى الطريقتين الأولتين، ولو تحققوا العدو فصلُّوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان دونهم حائل من خندق، أو نارٍ أو ماءٍ، أو بان أنه كان بقربهم حصن يمكنهم التحصن به، أو ظنوا أن بإزاء كل مسلم أكثر من مشركين فصلوها منهزمين، ثم بان خلافه فحيث أجرينا القولين في الصورة السابقة تجريها أيضاً في هذه الصورة ونظائرها، ومنهم من قطع بوجوب القضاء هاهنا؛ لأنهم

стр. 885

قصروا بترك البحث عما بين أيديهم، قال في "التهذيب": ولو صلوا في هذه الأحوال صلا عَسَفَان اطرد القولان، ولو صلوا صلاة ذات الرِّقَاع، فإن جوزناها في حال الأمن فهاهنا أولى، وإلا جرى القولان. الثانية: لو كان يصلي متمكناً على الأرض متوجهاً إلى القبلة، فحدث خوف في أثناء صلاته، فركب نص الشافعي ﵁ على أنه تبطل صلاته، وعليه أن يستأنف، ونقل عن نصه في موضع آخر أنه يبني على صلاته، واختلفوا فيهما على طريقتين حكاهما أصحابنا العراقيون. وأحدهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أن الركوب يُبْطِلُ الصلاة؛ لأنه عمل كثير. والثاني: لا يبطلها؛ لأن العمل الكثير بعذر شدة الخوف لا يقدح. وأظهرهما -وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق-: أن النصين محمولان على حالين، حيث قال: يستأنف الصَّلاة، أراد ما لم (١) يكن مضطراً إلى الركوب وكان يقدر على القتال، وإتمام الصَّلاة راجلاً فركب احتياطاً، وأخذ بالحزم، وحيث قال: (يبني) أراد ما إذا صار مضطراً إلى الركوب، ثم قال هؤلاء: إذا قل فعله في الركوب لحذقه بني بلا خلاف، وإن أكثر فعله، ففيه الوجهان المذكوران في العمل الكثير للحاجة، والمذكور في الكتاب هو الطريق الثاني، فقوله: (ومهما فاجأه في أثناء صلاته (٢) خوف) عبارة عن الحالة الأولى، وقوله: (وإن أرهقه الخوف فركب) عبارة عن الحالة الثانية، وحينئذ لا يخفى أن قوله: (لا يصح بناء الصلاة) وقوله: (جاز البناء) ينبغي أن يعلَّما بالواو وإشارة إلى الطريقة الأولى، وقد أدخل بين الكلامين سورة وهي عكس هذه المسألة، وهي أنه لو كان يصلي راكباَ في شدة الخوف فانقطع الخوف، نَص الشافعي ﵁ على أنه ينزل ويبني على صلاته، وفرق بينه وبين الركوب على قوله بأنه إذا ركب استأنف بأن قال: النزول أخف وأقل عملاً من الركوب، واعترض المزني عليه بأن هذا لا ينضبط، وقد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس، واختلف الأصحاب في الجواز بحسب اختلافهم في الركوب، فمن أثبت الخلاف في الركوب على الإطلاق فرق بين الركوب على أحد القولين، وبين النزول بأن قال: نزول كل فارس أخف من ركوبه، وإن أمكن أن يكون أثقل من ركوب فارس آخر، ومن نزل النَّصَّيْن في الركوب على الحالين المذكورين قال: لا فرق بين الركوب والنزول إن حصل بفعل قليل بني وإن كثر الفعل، فوجهان، وتبين من هذا الحاجة إلى

стр. 886

إعلام قوله: (فنزل وأتم الصلاة صح) بالواو؛ لأنه مطلق، وفي الصحة عند كثرة الفعل اختلاف، وذكر صاحب "الشامل" وغيره: أنه يشترط في بناء النازل أن لا يستدبر القبلة في نزوله، فإن استدبر بطلت صلاتُه -والله أعلم- (١). قال الغزالي: وَبَجُوزُ لُبْسُ الحَرِيرِ وَجِلْدُ الكَلْبِ وَالْخَنْزِيرِ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ القِتَالِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي حَالَةِ الاخْتِيَارِ بِخِلاَفِ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ، ويجُوزُ تَسْمِيدُ الأرْضِ بِالزِّبْلِ لِعُمُومِ الحَاجَةِ، وَفِي لُبْسِ جِلْدِ الشَّاةِ المَيِّتَةِ وَتَجْلِيلِ الخَيْلِ بِجِلِّ مِنْ جِلْدِ الكِلاَبِ وَجْهَانِ، وَفِي الاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجْسِ قَوْلاَنِ. قال الرافعي: ختم الشافعي ﵁ صلاة الخوف بباب فيما له لبسه، وفيما ليس له، فاقتضى الأكثرون من الأصحاب به، وأوردوا أحكام الملابس في هذا الموضع، ومنهم من أوردها في صلاة العيد؛ لأنا نستحب التزين يوم العيد، فتكلموا في التزين الجائز والذي لا يجوز، وصاحب الكتاب أورد بعضها هاهنا وبعضها في صلاة العيد، والمذكور هَاهُنَا يشتمل على مسألتين: إحداهما: سنذكر أن لبس الحرير حرام على الرجال، لكن يجوز لبسه في حالة مفاجأة القتال إذا لم يجد غيره، وذلك في حكم الضرورة، وكذلك يجوز أن يلبس منه ما هو جُنَّة القتال كالديباج الصّفيق الذي لا يقوم غيره مقامه، وجوز القاضي ابْنِ كَج اتخاذ القباء ونحوه، مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيها على الإطلاق، لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لينكسر الكفار منه، كتحلية السيف ونحوه، والمشهور الأول. وقوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) مطلق، لكن أحوالاً يجوز فيهما لبس الحرير في حال الاختيار مستثناة عنه على ما سيأتي في صلاة العيد. الثانية: للشافعي ﵁ نصوص مختلفة في جواز استعمال الأعيان النجسة، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره فيها طريقتين، منهم من طرد قولين في وجوه الاستعمال كلها. أحدها: المنع لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢).

стр. 887

والثاني: يجوز، كما يجوز لبس ثوب أصابه نجاسة، ومنهم من فَصَّل، وقال: لا يجوز استعمال النجاسات في البدن، والثوب إلا لضرورة وفي غيرها يجوز إن كانت النجاسة مخففة، وإن كانت مغلظة وهي نجاسة الكلب والخنزير فلا، ونزل النصوص على هذا التفصيل، وهذا أظهر، وبه قال اْبُو بَكْرٍ الفَارِسِي والْقَفَّالُ وأصحابه، والفرق بين استعمالها في البدن والثوب وغيرهما ما ذكره الشافعي ﵁ وهو أن على الإنسان تَعَبُّداً في اجتناب النجاسات، بإقامة الصلوات وسائر العبادات، ولا تعبد على الفرس والأداة وغيرها، فلا يمنع من استعمالها فيها، والفرق بين نجاسة الكلب والخنزير، وسائر النجاسات غلظ حكمها، ولذلك لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته أصلاً وبالكلب أيضاً إلا في أغراض مخصوصة، فأولى أن لا يجوز الانتفاع بهما بعد الموت. إذا تقرر ذلك فنقول: لا يجوز له لبس جلد الكلب والخنزير في حالة الاختيار، بخلاف الثياب النجسة يجوز لبسها والانتفاع بها في غير الصلاة ونحوها؛ لأن نجاستها عارضة سهلة الإزالة فإن فاجأه قتال ولم يجد سواه، أو خاف على نفسه من حر أو برد كان له أن يلبس جلد الكلب والخنزير، كما له أكل الميتة عند الاضطرار، ولا بأس لو أعلم قوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة الطاردة للقولين في وجوه الاستعمال، في جميع النجاسات، وهل يجوز لبس جلد الشاة الميتة وسائر الميتات في حالة الاختيار؟ فيه وجهان بنوهما على أن حكمنا بتحريم لبس جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أم لما خُصَّا به من التغليظ. وأظهر الوجهين: المنع، ويجوز أن يلبس هذه الجلود فرسه وأداته، والمنع في البدن، وجلد الكلب والخنزير كما لا يستعمل في البدن لا يستعمل في غيره، نعم لو جَلَّلَ كلباً أو خنزيراً بجلد كلب، أو خنزير فهل يجوز ذلك فيه وجهان: أحدهما: لا، فإنه مستعمل، ولا ضرورة. وأظهرهما: الجواز؛ لاستوائهما في تغلظ النجاسات، وأما تسميِد الأرض بالزّبل فهو جائز. قال الإمام: ولم يمنع منه للحاجة الحاقة القريبة من الضرورة، وقد نقله الاثبات عن أصحاب النبي ﷺ ، وفي كلام الصّيدلاني ما يقتضي بإثبات خلافه فيه، والله أعلم. وهل يجوز الاستصباح بالزيت النجس؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن السّراج قد يقرب من الإنسان ويصيب الدخان بدنه وثيابه. وأظهرهما: نعم؛ لما روي أنه ﷺ "سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَالْوَدَكِ

стр. 888

فَقَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ، ولاَ تَأْكُلُوهُ" (١). وأما الدخان فقد لا يصيب، وبتقدير أن يصيب فللأصحاب وجهان في نجاسته، فإن لم نحكم بنجاسته فلا بأس به كبخار المعدة لا ينجس الفم، وإن حكمنا بنجاسته -وهو الأظهر- كالرماد فقليله معفو عنه، والذي يصيب في الاستصباح قليل لا ينجس غالباً. وأعلم أنه لا فرق للاستصباح بين أن ينجس بعارض، وبين أن يكون نجس العين كودك الميتة، ويطرد القولان في الحالتين، قاله صاحب "النهاية" وغيره -والله أعلم-.

стр. 889

كِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِ قال الغزالي: وَهِيَ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطُ الجُمُعَةِ في الجَدِيدِ. قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). قيل: أراد به صلاة الأضحى. ويروى: "أنَّ أَوَّلَ عِيدِ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِيدُ الْفِطْر، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُوَاظِبُ عَلَى صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا" (٢). وفي الفصل صور هي مقدمات الباب: أحدها: صلاة العيد سنة أم فرض كفاية؟ اختلفوا فيه على وجهين: قال الأكثرون: هي سُّنة وقد نصّ عليها في "باب صلاة التطوع"، حيث عدّها من جملة التّطوعات التي شرعت الجماعة فيها. واحتجوا عليه بأنها صلاة ذات ركوع وسجود لم يسن لها الأذان فلا تكون واجبة كصلاة الاسْتِسْقَاء، وهذا الوحه هو الذي ذكره في الكتاب. وقال الإصطخري: هى فرض كفاية. وبه قال أحمد؛ لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين، فعلى هذا لو أتفق أهل بلدة على تركها قوتلوا وعلى الوجه الأول هل يقاتلون؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: نعم. وأظهرهما: لا، وقد ذكرنا وجههما في الأذان. وقوله: "هي سنة" معلم بالواو والألف، وكذا قوله: "وليست بفرض كفاية"، ولو

стр. 890

اقتصر على إحدى اللفظتين لحصل الغرض، ويجوز أن يعلّم قوله: "وهي سنة" بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ هي واجبة، وإن لم تكن مفروضة وما نقل المزني عن الشَّافعي ﵁ أن هنا وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين، فهذه اللّفظة مؤولة باتفاق الأصحاب. أما الجمهور فقالوا: معناها من وجب عليه حضور الجمعة فرضاً وجب عليه حضور العيدين سُّنة، وقد يعبر عن الاستحباب المؤكِّد بالوجوب. وأما الإصطخري فإنه قال: معناه من وجب عليه حضور الجُمعة عيناً وجب عليه حضور العيدين كفاية. الثانية: القول في كيفية هذه الصلاة يتعلق بالأكمل والأقل. أما الأكمل فنبين ببيان سنتها، وهي مذكورة من بعد. وأما الأقل فقد قال: وأقلها ركعتان كسائر الصلوات، وليس المراد منه أن الأكمل فوق الركعتين، وإنما المراد أن الركعتين بصفة كونهما كسائر الصلوات، هو الأقل، والأكمل ركعتان لا بهذه الصفة منه بل مع خواص شرعت فيهما. ثم قوله: "كسائر الصلوات" غير مجرى على إطلاقه، فإنها تختصُّ بنية صلاة العيد وبالوقت الذي نذكره والمراد أنها كهي في الأفعال والأركان ويخرج عنه التكبيرات الزائدة، فليست هي من أركان الصلاة، ويجبر تركها بالسجود كالتعوّذ، وقراءة السورة. الثالثة: لفظ الكتاب يقتضي دخول وقت هذه الصلاة بطلوع الشمس فإنه قال: "ووقتها ما بين طلوع الشمس إلى زوالها"، وصرّح بذلك كثير من الأصحاب منهم صاحب "الشَّامل" و"المهذب" والقاضي الروياني. قالوا: "إن وقتها إذا طلعت الشَّمس" ويستحب تأخيرها إلى أن ترتفع قيد رمح وإيراد جماعة يقتضي دخول الوقت بالارتفاع قيد رمح (١)، منهم الصيدلاني وصاحب "التهذيب" -والله أعلم-. ولا خلاف في أنه إذا زالت الشمس خرج وقتها [واحتجوا] (٢) عليه بأن مبنى المواقيت على أنه إذا دخل وقت صلاة خرج وقت التي قبلها، وبالزوال يدخل، وقت الظهر فيخرج وقت صلاة العيد (٣). الرابعة: قال الشّافعي ﵁ في "المُخْتَصِر" وسائر الكتب الجديدة،

стр. 891

يجوز للمنفرد في بيته وللمسافر [والمرأْة والعبد (١) صلاة العيد (٢). وقال في "القديم" لا يصلي العيد، إلاَّ في الوضع الذي يصلي فيه الجمعة، فظاهره أن لا يصلي هؤلاء العيد كما يصلُّون الجمعة إلا تبعاً للقوم. واتلف الأصحاب على طريقين: أحدهما: الجمعة وهو المذكور في الكتاب أن المسألة على قولين. الجديد: أنه لا يشترط فيها شروط لأنها نافلة فأشبهت صلاة الاسْتِسْقَاء والخسوف. والقديم: يشترط. وبه قال أبو حنيفة وكذلك أحمد في رواية واستشهدوا بأن النَّبي "لم يصل العيد "بمنى": لأنه كان مسافراً كما لم يصلِّ (٣) الجمعة. فعلى هذا تشترط الجماعة والعدد بصفات الكمال وغيرهما إلاَّ أنه يستثنى إقامتها في خطة (٤) البلدة والقرية، فلا يشترط ذلك على هذا القول أيضاً لتطابق النَّاس على إقامتها بارزين، كذلك ذكره الشيخ أبو حامد وكثيرون. وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا يستثنى، ولا يجوز إقامتها على هذا القول إلا حيث تجوز الجمعة وهذا هو الموافق لظاهر لفظ الكتاب، ويستثنى بعضهم عدد الأربعين أيضاً، ويفترقان أيضاً في أن خطبتي الجمعة مشروطتان قبل الصّلاة، وخطبتا العيد بعد الصلاة. قال إمام الحرمين: ولو فرض إخلال بالخطبة فيبعد جداً في التّفريع على هذا القول انعطاف البطلان على الصَّلاة. هذا أحد الطَّريقين: والثاني: وبه قال أبو إسحاق: القطع بما ذكر في "الجديد" وحمل كلامه في "القديم" على أن صلاة العيد لا تقام في مساجد المحال كصلاة الجمعة، فيجوز أن يعلّم لهذه الطريقة. قوله "على الجديد" بالواو؛ لأنه إثبات للخلاف. ومن قال بالطريقة الثَّانية نفى ذلك. وقوله: "لا يشترط معلّم بالحاء والألف لما تقدم، وإذا فرّعنا على الصحيح، فإذا صلاها المنفرد لم يخطب.

стр. 892

وحكى القاضي ابن كج وجهاً آخر: أنه يخطب، وهو قريب من الخلاف في أن المنفرد هل يؤذن؟ وإن صلى المسافرون صلى بهم واحد وخطب. قال الغزالي: وَإِذَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْعَيدَيْنِ اسْتُحِبَّ التَّكْبِيرَاتُ المُرْسَلَةُ ثَلاثاً نَسَقاً حَيْثُ كَانَ فِي الطَّرِيقِ وَغَيْرِهَا إِلَى أَنْ يَتَحَرَّمَ الإِمَامُ بِالصَّلاةِ، وَفِي اسْتِحْبَابِهَا عَقِيْبَ الصَّلَوَاتِ الثَّلاَثِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: التَّكبير الذي يذكر في هذا الباب ضربان: أحدهما: ما يشرع في الصلاة والخطبة، وسيأتي في موضعه. الثاني: غيره. والمَسْنُون في صفته أن يكبر ثلاثاً نَسَقاً. وبه قال مالك خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، حيث قال: يكبر مرتين وحكى صاحب التتمة قولاً عن القديم مثل مذهبهما لنا الرواية عن جابر وابن عباس ﵃ أيضاً فإنه تكبير شرع شعاراً للعيد، فكان وتراً كتكبير الصلاة. يتم قال الشافعي ﵁: وما زاد من ذكر الله فحسن واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته. ما نقل عن رسول الله أنه قال على الصَّفا هو: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأحْزَابَ وَحْدَهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ" (١). وحكى الصَّيدلاني وغيره عن القديم أنه يقول بعد الثلاث: "اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيراً اللهُ أكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا والْحَمْدُ للهِ عَلَى ما أبْلانَا وَأوْلانَا" (٢).

стр. 893

قال في "الشَّامل": والذي يقوله النَّاس لا بأس به أيضاً، وهو: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ اكْبَرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ". ثم هذا الضَّرب نوعان: رسل، ومقيد فالمرسل: هو الذي لا يتقيّد ببعض الأحوال، بل يؤتي به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً. والمقيد: هو الذي يؤتى به في أدبار الصَّلوات خاصة. فأما التَّكبير المرسل فهو مشروع في العيدين، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال في رواية: لا يسن في عيد الفطر. لنا ما روي: "أن النّبي (١) كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلّى. وأول وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد. وعن مالك وأحمد: أنه لا يكبر ليلة العيد وإنما يكبّر في يومه. لنا قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢). قال الشَّافعى: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: عدة صوم رمضان: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان. وفي آخر وقته طريقان: أظهرهما: وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أن المسألة على ثلاثة أقوال: أصحها: وهي رواية البويطي واختيار المزني: أنهم يكبرون إلى أن يتحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال به، فإنه ذكر الله تعالى، وشعار اليوم. والثاني: إلى أن يخرج الإمام من الصلاة؛ لأنه إذا برز احتاج الناس إلى أن يأخذوا أهبة الصلاة ويشتغلوا بالقيام إليها. ويحكى هذا عن "الأم". والثَّالث: إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة. لما روي: "أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدِ حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى وَيَقْضِيَ الصَّلاَةَ" (٣).

стр. 894

وهذا القول منقول عن "القديم"، وإنما في حقِّ من لا يصلّي مع الإمام، ونقّله آخرون على وجه آخر. وقالوا: إلى أن يفرغ من الصلاة والخطبتين جميعاً، وروي مثل ذلك عن مالك وأحمد. والطريق الثَّاني: القطع بالقول الأول، وتأويل غيره بحمل الخروج في القول الثّاني على التّحرم لما بينهما من التَّواصل والتقارب، وحمل التكبير في الثالثة على جنس التكبير الذي يؤتي به في الصلاة وقبلها، ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر، والأضحى برفع الناس أصواتهم به، في الليلتين في المنازل والمسجاد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين وفي اليومين في طريق المصلّى وبالمصلي إلى الغابة المذكورة. ويستثنى عن ذلك الحاج، فلا يكبر ليلة الأضحى وإنما ذِكْرُه التَّلْبِيَة. وحكى القاضي الروياني وغيره قولين في أن التكبير في ليلة الفطر آكد أم ليلة الأضحى؟ وقالوا: الجديد الأول، والقديم الثاني. وأما النوع الثاني: وهو التّكبير المقيد بأدبار الصلوات فحكمه في عيد الأضحى مذكور بعد هذا الفصل في الكتاب. وأما عيد الفطر فوجهان: أظهرهما: عند الأكثرين ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه. أنه لا يستحب؛ لأنه لم ينقل ذلك عن فعل رسول الله ولا أصحابه. والثّاني: يستحب؛ لأنه عيد استحب فيه التكبير المطلق فيسن فيه التّكبير المقيد كالأضحى، فعلى هذا يكبر عُقَيْبَ ثلاث صلوات وهي المغرب، والعشاء ليلة الفطرة، والصبح يوم الفطرة، وحكم الفوائت والنوافل في هذه المدّة على هذا الوجه تُقَاس بما سنذكره في عيد الأضحى، وصاحب "التتمة" نقل هذا الخلاف قولين، وجعل الجديد الأول والقديم الثاني، هذا فقه الفصل. ولا بأس بالتَّنصيص على المواضع المستحقّة للعلامات من لفظ الكتاب. فقوله: "إذا غربت الشمس" معلّم بالميم والألف إشارة إلى أنه لا يكبر عندهما إذا غربت الشمس، وإنما التّكبير بالنهار وقوله: "ليلة العيد" بالحاء؛ لأنه مطلق، وقد حكينا خلفه في التَّكبير في عيد الفطر. وقوله: "ثلاثاً نسقاً" بالحاء والألف والواو.

стр. 895

وقوله: "إلى أن يتحرم الإمام بالصلاة" بالميم والألف والواو، ثم يجوز أن يكون هو جواباً على أصح الأقوال؟ على الطريقة الأولى، ويجوز أن يكون ذهاباً إلى الطريقة الثانية وكلامه في "الوسيط" إليها أميل. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ إِحْيَاءُ لَيْلَتِي العِيدِ لِقَوْلهِ ﷺ مَنْ أَحْيَا لَيْلَتِي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ (١). قال الرافعي: إحياء ليلتي العيد بالعبادة مَحْنُوثٌ عليه للحديث الذي رواه (٢). قال الصيدلاني: وقد قيل لم يرد فيه شيء من الفَضَائل مثل هذا؛ لأن موت القلب إمّا للكفر في الدنيا، وأما للفزع في القيامة، وما أضيف إلى القلب فهو أعظم لقوله تعالى جده: "فَإِنَّهُ اثِمٌ قَلْبُهُ" (٣) -والله أعلم-. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ الغُسْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَفِي إِجْزَائِهِ لَيْلَةَ العِيدِ لِحَاجَةِ أَهْلِ السَّوَادِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: روي عن النبي أنه: "كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ" (٤) وأيضاً فهما يومان يجتمع فيهما الكافة للصَّلاة. فسن لهما الغسل كالجمعة، ولا خلاف في إجزائه بعد الفجر، وأما قبله، فقد حكى الجمهور فيه قولين: أحدهما: لا يجزئ كغسل الجمعة. وبه قال أحمد. وأصحهما: وهو نصه في البويطي أنه يجزئ؛ لأن أهل السّواد يبتكرون إليها من قراهم فلو لم نجوّز الغسل قبل الفجر لَعَسر الأمر عليهم. والفرق بينه وبين غسل الجمعة قد ذكرناه في "باب الجمعة".

стр. 896

والصيدلاني في آخرين حكوا الخلاف في المسألة وجهين وتابعهم صاحب الكتاب، وقد أورد هذه المسألة في "كتاب الجمعة مرة" وزاد هاهنا التَّنبيه على وجه الجواز. وإذا جوّزنا فهل يختص بالنصف الثاني من الليل، كأذان الصبح، أم يجوز في جميع الليل كنية الصوم. عن القاضي أبي الطيب: أنه يختصّ بالنصف الثّاني، وهذا ما ذكره في "المُهذّب". وقال الإمام: المحفوظ، إن جميع ليلة العيد وقت له، وهذا أبداه صاحب "الشامل" على سبيل الاحتمال، وهو الموافق للفظ الكتاب. قال الغزالي: ثُمَّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ بِثِيَاب بيضي مُسْتَحَبٌّ لِلْقَاعِدَ وَالخَارجِ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَيَخْرُجنَ فِي بَذْلَةِ الثِّيَابِ. قال الرافعي: يستحب التَّطيُّب يوم العيد لما روي عن الحسن بن علي -كرم الله وجهيهما- قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَن نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدِ مَا نَجِدُهُ فِي الْعِيدِ" (١). وكذلك يستحب التّنظيف بحلق الشّعر وقلم الأظفار وقطع الروائح الكريهة؟ وأن يلبس أحسن ما يجده من الثّياب ويتعمم، والبيض من الثياب أحب من غيرها وإن لم يجد إلا ثوباً واحداً فيستحب أن يغسله للجمعة والعيدين، ويستوي في استحباب جميع ذلك القاعد في بيته، والخارج إلى صلاة العيد كما ذكرناه في الغسل هذا في حق الرجال. وأما في النّساء فيكره لذوات الهيئة والجمال الحضور لخوف الفتنة بهن، ويستحبُّ للعَجَائِزِ الحضور، ويتنظفن بالماء ولا يتطيبن، روي أنه قال: "لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ" (٢) أي غير متطيبات، وكذلك إذا خرجن فلا يلبسن من الثِّيَاب ما يشهرهن بل يخرجن في بذلتهن. وعن أبي حنيفة ﵀ أن النّساء لا يشهدن العيد ولا المكتوبات إلا الصُّبح والعشاء فليكن قوله: "فيخرجن" معلماً بالحاء. وذكر الصيدلاني: أن الرخصة في خروجهن وردت في ذلك الوقت. فأما اليوم فيكره لهن الخروج إلى مجمع المسلمين؛ لأن النّاس قد تغيروا، وروي

стр. 897

هذا المعنى عن عائشة (١) ﵂ وهذا يقتضي إعلام قوله: "فيخرجن" بالواو أيضاً. قال الغزالي: وَيحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ التَّزَيُّنُ بِالحَرِيرِ وَالمُرَكَّبُ مِنَ الإبْرَيْسَمِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إِنْ كانَ الإبْرَيْسَمُ ظَاهِراً وَغَالِباَ فِي الوَزْنِ، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ دُونَ الثَّانِي فَوَجْهَانِ، وَلاَ بَأْسَ بِالمُطَرَّفِ بِالدِّيبَاجِ وَبِالمُطَرَّزِ وَبِالمَحْشُوِّ بِالإبْرَيْسَمِ، فَإِنْ كَانَتِ البطَانَةُ مِنْ حَرِيرِ لَمْ يَجُزْ، وَفِي جَوَازِ افْتِرَاشِ الحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ خِلاَفٌ، وَفِي جَوَازِ لُبْسِ الدِّيبَاجِ لِلصِّبْيَانِ خِلاَفٌ، وَيَجُوزُ لِلْغَازِي لُبْسُ الحَرِيرِ، وَكَذَا لِلْمُسَافِرِ لِخَوْفِ القَمْلِ والحَكّةِ، وَهَلْ يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الحَكَّةِ فِي الحَضَرِ؟ فِيهِ وَجْهَان. قال الرافعي: والتَّزيُّن بالدّيباج والحرير حرام على الرجال، دون النساء؛ لما روى عن علي ﵁ أن النبي: "خَرَجَ يَوْماً وَفِي يَمِينِهِ قِطةُ حَرِيرٍ، وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةُ ذَهَبٍ، هذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أمَّتِي حِلٌّ لإنَاثِهَا" (٢). ويحرم على الخُنثى أيضاً لاحتمال كونه رجلاً حكاه في "البيان"، ويجوز أن ينازع فيه، وعد الأئمة القزّ من الحرير، وحرموه على الرّجال وإن كان كمد اللون، وادَّعى صاحب "النهاية" وفارق الأصحاب فيه، لكن في "بحر المذهب" و"التتمة" حكاية وجه: أنه لا يحرم؛ لأنه ليس من ثياب الزّينة. ثم في الفصل مسائل: إحداها: لو لم يتمحض الثوب حريراً؟ بل كان مركباً من الإِبْرَيْسِمِ وغيره ففيه طريقان: قال جمهور الأصحاب: إن كان ذلك الغير أكثر في الوزن لم يحرم لبسه، وذلك كالخزِّ سُدَاه الإِبْرَيْسِم ولُحْمته صوف فإن اللُّحمة أكثر من السدي، وإن كان الإِبْرَيْسِمُ أكثر يحرم، وإن كانا نصفين فهل يحرم؟ وجهان: أصحهما: لا يحرم؛ لأنه لا يسمى ثوب حرير، والأصل: الحلّ. والثاني: وبه قال صاحب "الحاوي": يحرم تغليباً للتحريم. والطريق الثاني وبه قال القفَّال، وطائفة من أصحابه: لا ننظر إلى الكثرة والقلّة، ولكن ننظر إلى الظّهور، فإن لم يظهر الإِبْرَيْسِمُ حل كالخزّ الذي سُداه إبريسم، وهو لا يظهر وإن ظهر الإبريسم لم يحل، وإن كان قدره في الوزن أقل فيخرج من هاتين

стр. 898

الطّريقتين القطع بالتحريم، إن كان الإبريسم ظاهراً أو غالباً في الوزن كما ذكر في الكتاب لاجتماع المعنيين المنظور إليهما [وإذا] (١) وإن وجد الظهور دون غلبة الوزن حرم عند القّفال، ولم يحرم عند الجمهور، وإن وجد غلبة لوزن دون الظهور انعكس المذهبان. الثانية: يجوز لبس الثّياب المُطرَّفةِ بالدّيباج، والمُطرَّزة به لما روي أنه: "كَانَ لَهُ جُبَّةٌ مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ" (٢). قال الشيخ أبو محمد وغيره: والشرط فيه الاقتصار على عادة التّطريف، فإن جاوز العادة فيه كان سرفاً محرماً، والترقيع بالديباج كالتَّطريز به، وشرط في "التهذيب" أن يكون الطِّراز بقدر أربع أصابع. فما دونها فإن زاد لم يجز، ويدل عليه ما روى عن علي ﵁ قال: "نَهَى رَسولُ اللهِ عَنِ الحَرِيرِ إِلاَّ فِي مَوْضِعِ إِصْبَع أَو إِصْبَعَينِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ" (٣). ولو خاط ثوباً بإبريسم جاز لبسه، وبفارق الذّهب يحرم كثيره وقليلُه في الدّرع المنسوجة بالذهب، والقبَاء بأزار الذَّهب؛ لأن الخُيَلاء فيه أكثر وكل واحد يعرفه، ولا يخرج على التّفصيل في الإناء المضبّب فإن أمر الحرير أهو من أمر الأواني، ألا ترى أنه يحرم على النّساء الأواني ولا يحرم عليهن لبس الحرير والقباء، المحشوّ بالإبْرَيْسم أو القزّ لا يحرم، حكى ذلك عن نصه في "الأم"؛ لأن الحَشْوَ ليس ثوباً منسوجاً، ولا يعد صاحبه لابس حرير، وأثبت في "التَّهْذيب" خلافاً فيه فقال: ولو لبس جبَّة محشوَّة بالقزِّ أو الإبريسم جاز على الأصحّ، فليكن قوله: "وبالمحشوّ بالإبريسم" معلّماً بالواو، لذلك ولو كانت بطانة الجبّة من حرير لم يَجُزْ لبسها؛ لأنه لابس حرير، وقد روي أنه قال: "حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ والذهب عَلَى ذُكُورِ (٤) أُمَّتِي". قال إمام الحرمين: وكان معنى الفخر والخيلاء وإن كان مرعياً في الحرير، ولكن فيه شيئاً آخر، وهو أنه ثوب رفاهية وزينة، وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال،

стр. 899

وهذا حسن إلا أن هذا القدر لا يقتضي التّحريم عند الشافعي ﵁، لأنه قال: في "الأم": ولا أكره لبس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه من زي النِّساء لا للتَّحريم. الثالثة: تحريم الحرير على الرِّجال لا يختصّ باللبس بل افتراشه والتَّدثُّر به واتّخاذه ستراً، وسائر وجوه الاستعمال في معنى اللبس خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "لا يحرم إلا للبس" ولأبي الفضل العراقي من أصحابنا حيث قال فيما حكاه أبو عاصم العبادي؛ إنه يجوز لهم الجلوس عليه. لنا ما روي عن حذيفة ﵁ قال: "نَهَانَا رَسُولُ اللهِ عَنْ لِبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَإِنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ" (١). ولأن السَّرف والخُيَلاء في سائر وجوه الاستعمال أظهر منه في اللبس، فيكون بالتحريم أولى. وهل يحرم افتراش الحرير على النساء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كاللبس. وأظهرها -ولم يورد في "التَّهْذِيب" سواه- نعم كاستعمال الأواني للسّرف والخيلاء، بخلاف اللبس فإنه للزينة فصار كالتَّحلِّي. الرابعة: هل للقوم إلباس الصّبيان الحرير أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا لتغليظ ورد فيه عن ابن عمر ﵁ (٢) - بل عليهم أَنْ يمنعوهم من لبسه. والثَّاني: نعم؛ لأن ثوب الحَرِير لائق بحال الصّبيان إذ ليس لهم شَهَامة تناقضها، وحكى في "البيان" وجهاً ثالثاَ: وهو الفرق بين أن يكون دون سبع ستين، فلا يمنع منه وبين أن يكون له سبع سنين فصاعداً؛ فيمنع منه كَيْلا يعتاده، وهذا الوجه أظهر ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه. الخامسة: حيث قلنا بتحريم لبس الحرير، فذلك عند عدم الضرورة والحاجة، فأما عن الضرورة فلا بأس بلبسه كما إذا فاجاءه القتال ولم يجد غيره، وهذا قد سبق ذكره في "صلاة الخوف". وقوله: "ويجوز للغازي لبس الحرير" محصول على هذه الحالة، وليس الغزو عذراً على الإطلاق، فهو إذن مكرر، ومن الضرورة لبسه لحر أو برد مهلك.

стр. 900

وأمَّا الحاجة فهو أن يكون به جَرَبٌ، أو حكّة فله لبس الحرير لذلك لما روي أنه: "رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵄ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا" (١). وفي "التنبيه" حكاية وجه: أنه لا يجوز والمشهور الأول، وكذلك يجوز لبسه لدفع القمل؛ لأن في بعض الروايات أن ابن الزبير وعبد الرحمن ﵄ شَكَيَا الْقُمَّلَ في بعض الْأَسْفَارِ فَرَخَّصَ رَسُولُ اللهِ لَهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ" (٢). وهل يشترط السَّفر في ذلك أم يجوز لمجرد الحَكَّة في الحضر؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يشترط لإطلاق الخبر. والثاني: نعم، لأن السَّفر شاغل عن التَّفقد والمعالجة. وفي الرواية الثَّانية ما يقتضي اعتباره في دفع القُمَّل، -والله أعلم-. قال الغزالي: ثُمَّ إذَا تَزَيَّنَ فَلْيَقصِدِ الصَّحْرَاءَ مَاشِياً، وَالصَّحْرَاءُ أَوْلَى مِنَ المَسْجِدِ إِلاَّ بِمَكَّةَ، وَلْيَكُنِ الخُرُوجُ فِي عِيدِ الأَضْحَى أَسْرَعَ قَلِيلاً. قال الرافعي: لما تكلم في استحباب التَّزين لصلاة العِيد اعترض النظر في التزين المباح، والممنوع منه فعاد بعد الفراغ منه إلى ترتيب السُّنن. وقال: "ثم إذا تزين فليقصد الصحراء" والفصل يتضمن أموراً: أحدها: أن الخروج لصلاة العيد إلى الصَّحراء أولى، أم إقامتها في المسجد الجامع. أما "بمكّة" فإقامتها في المسجد أولى؛ لأن الأئمة كانوا يصلّون صلاة العيد فيه والمعنى فيه فضيلة البقعة، ومشاهدة الكعبة وغيرهما، وألْحَق الصّيدلاني "بيت المقدس" به. وأما سائر البلاد فينظر إن كان هناك عذر من مطر أو ثلج، فإقامتها في المسجد أوْلى، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: "أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ في الْمَسْجِدِ" (٣). وإن لم يكن عذر نظر إن كان المسجد ضيقاً فالخروج إلى الصحراء أولى بل ويكره إقامتها في المسجد لوقوع النَّاس في الزِّحام وعسر الأمر عليهم وإن كان المسجد واسعاً. ففيه وجهان حكاهما الإمام عن صاحب "التقريب": أحدهما -وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب-: إن أقمتها في الصّحراء أولى، لأن

стр. 901

ذلك أرفق بالناس فإن صلاة العيد يحضرها الدّاني، والقاصي والفرسان والرّجالة وكذلك يحضرها النّساء الحُيّض ولا يتأتى لهنّ دخول المسجد. وأظهرهما: وهو الذي ذكره العراقيون وتابعهم صاحب "التهذيب" وغيره: أَنَّ المسجد أولى لشرف المسجد وتسهيل الأمر على الناس عند سعته، والحُيّض إن حضرن وقفن على باب المسجد. وفي كلام الأئمة ما يفهم بناء على هذا التّردد على أن إقامتهم الصلاة: "بمكة" كان لخصوص فضيلة المسجد الحرام أو لسعة الخطة، فإن قلنا بالثاني فالمسجد أولى في سائر البلاد أيضاً، وإن قلنا بالأول فلا. ومهما خرج الإمام إلى الصّحراء فينبغي أن يستخلف في البلد من يصلِّي بضعفة النَّاس، كالشيوخ والزَّمْنَى والمرضى، وهذا على الصحيح في أن صلاة العيد لا يشترط فيها شروط الجُمْعَة، فإن شرطناها ولم نسْتَثْنِ إقامتها خارج البلدة فلا معنى لهذا التّفصيل، والاختلاف، ولا تقام في الصَّحراء أصلاً، وإن استثنينا هذا الشرط عن الاعتبار امتنع استخلاف من يصلّي بالضَّعفة ولم تقم إلا في موضع واحد كالجُمُعة. والثَّاني: أن المستحبَّ للسّاعي إلا صلاة العيد، المشي دون الركوب لما روي أن النبي:، "مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلاَ جَنَازَةٍ قَطُّ" (١). فإن عجز أو ضعف لكبر، أو مرض فله أن يركب، وأما في الرّجوع فإن شاء مشى، وإن شاء رَكِبَ -وَاللهُ أعلم-. والثالث: أنه يستحب للإمام أن يؤخِّر الخروج في عيد الفطر قليلاً، ويعجل في عيد الأضحى، لما روى أنه: "كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ وَلاَّهُ الْبَحْرَيْنَ أَنْ عَجِّلَ الْأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرَ النَّاسَ" (٢). والمَعْنَى فيه: أن شغل الناس وهو أمر الأضاحي يكون بعد الصَّلاَة، فالتَّعْجِيلُ أَوْلَى ليشتغلوا به وشغلهم يوم الفطر قبل الصلاة وهو تفريق صدقة الفطر، فالتأخير أولى ليفرغوا عنه، ويستحب للقوم أن يُبَكروا إذا صلّوا الصبح ليأخذوا مجالسهم وينتظروا الصلاة. إذا عرفت ذلك ونظرت في قوله في الكتاب: "وليكن الخروج في عيد الأضحى أسرع قليلاً"، وجدت نظم الكتاب يقتضي كون هذا الكلام في خروج القوم؛ لأنه عقبة بقوله: "ثم ليخرج الإمام".

стр. 902

لكن الذي قاله الجمهور ودل عليه سياق النص في "المختصر" أن سُّنة القوم الابتكار بلا فرق بين العيدين وتعجيل الخروج وتأخيره محبوبان في حق الإمام خاصة. قال الغزالي: ثُمَّ لْيَخْرُج الإمَامُ وَلْيَتَحَرَّمْ بِالصَّلاَةِ فِي الحَالِ وَليُنَادِ الصَّلاةَ جَامِعَةً. قال الرافعي: السُّنة للإمام أن لا يخرج إلا بعد خروج القوم. لئلا يحتاج إلى انتظارهم فإن انتظارهم إياه أليق من انتظاره إياهم وكما يحضر يشتغل بالصَّلاة لما روى أنه: "كَانَ يَخْرُجُ فِي الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَلاَ يَبْتَدِئُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ" (١). ويكره للإمام أن يتنفَّل قبلها أو بعدها. روي أن النَّبي: "صَلَّى رَكْعَتَيِ الْعِيدِ وَلَمْ يَتَنَفَّلْ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا" (٢). ولا يكره للمأموم التَّنفُّل لا قبلها ولا بعدها خلافاً لأحمد في الحالتين، ولمالك كذلك في المُصلّى. وعنه في المسجد روايتان، ولأبي حنيفة فيما بعدها. لنا قياس التَّنفل في هذا الوقت على التَّنفل في سائر الأيَّام. ويستحب في عيد الفطر أنْ يَطْعَمْ شَيْئًا قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلاَ يُطْعَمُ فِي عِيدِ الأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ رواه أنس وبريدة (٣) وغيرهما ﵄ عن فعل رسول الله. وأما قوله: "وَلْيُنَاد الصلاة جامعة" فقد سبق مرة في باب الأذان وقد روى عن ابن عباس ﵄ أن النّبي: "صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ خَطَبَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ" (٤). وذكر في "العدّة": أنه لو نودي لصلاة العيد حيّ على الصلاة فلا بأس بل هو مستحبّ (٥). قال الغزالي: فَيَقْرَأُ أَوَّلاً دُعَاءَ الاسْتِفتَاحِ، وُيكَبِّرُ سَبْعَ (ح) تَكْبِيرَاتٍ زَائِدَةٍ (م) فِي

стр. 903

الأَولىَ وَخَمْساً (ح) فِي الثَّانِيَةِ وَيقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعدَ التَّكْبِيرِ وَالتَّعَوُّذِ وَيَقْرَأُ سُورَةَ ق في الأُولَى وَاقْترَبَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَرْفَعُ اليَدَيْنِ (ح) فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ. قال الرافعي: ذكر في هذا الفَصْلِ الكيفية المخصوصة بصلاة العيد، ولا فرق فيها بين الإمام وغيره وإن كان كلام الكتاب يختصُّ بالإمام فنقول: التَّحرم بصلاة العيد يستفتح عُقيبَ التَّحرم كما في سائر الصلوات ويجوز أن يعلّم قوله: "وليقرأ أولاً دعاء الاستفتاح" بالواو، لأن صاحب "البيان" روى عن بعضهم حكاية قول أنه يأتي به بعد التَّكبيرات الزَّوائد، ثم يكبر في الرَّكعة الأولى سبع تكبيرات، سوى تكبيرة الافتتاح والهَوِيِّ إلى الرّكوع، وفي الثانية خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من السجود والهوي إلى الركوع خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: التكبيرات الزّائدة في كل ركعة ثلاث، ولمالك وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا: التكبيرات الزوائد في الركعة الأولى ست، وبه قال المزني وساعدونا في الركعة الثّانية، وعن أحمد رواية أخرى مثل مذهبنا مطلقاً. لنا ما روى أن النَّبي: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي الْأُولَى سَبْعاً وَفِي الثَّانيَةِ خَمْساً" (١). ويروى أنَّهُ: "يُكَبِّرُ اثْنَتَي عَشْرَةَ تَكْبِيرَةَ، سِوَىَ تَكْبِيرَةِ الافتِتَاحِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ" (٢). وإذا عرفت ما نقلناه عن المذهب أعلمت قوله: "سبع تكبيرات" بالحاء. وقوله: "زائدة" بالميم والألف والزاي؛ لأن عندهم الزائدة ست لا سبع. وقوله: "وخمساً" بالحاء وحده، ويقف بين كل تكبيرتين بقدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة يهلّل الله ويكبِّره ويمجده هذا لفظ الشّافعي ﵁، وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود (٣) قَوْلاً وَفِعْلاً. وأيضاً فإن سائر التَّكبيرات المشروعة في الصلاة يتعقبَّها ذكر مسنون، فكذلك هذه

стр. 904

التكبيرات ثمِ الذي ذكره الأكثرون وأورده في الكتاب أنه يقول: "سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ"، ولو زاد جاز. قال الصَّيدلاني: وعن بعض الأصحاب أنه يقول: "لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ". قال ابن الصباغ: ولو قال ما اعتاده الناس وهو: "اللهُ أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بُكْرة وأصيلاً وصلى الله على محمد وآله وسلم تَسْلِيمًا كَثِيراً" كان حسناً أيضاً. وقوله: "بين كل تكبيرتين" مرقوم بالحاء؛ لأن عنده يوالي بين التّكبيرات، ولا يقف وبالميم، لأن أصحابنا حكوا عن مالك أنه يقف بينهما، ولا يذكر شيئاً ثم ينبغي أن يعرف أن قوله: "بين كل تكبيرتين" راجع إلى التكبيرات الزوائد، فلا يأتي بهذا الذِّكر بين تكبيرة الافتتاح والأولى من الزوائد نص عليه في "الأم" بل يكفي بينهما دعاء الاستفتاح، وكذلك لا يأتي به بعد التَّكبيرة السَّابعة والخَامسة بل يتعوذ بعد السّابعة وكذا بعد الخامسة إن قلنا: يستحب التَّعوُّذ في كل ركعة وعن أبي يوسف: أنه يتعوذ قبل التّكبيرات. وذكر الروياني أنه قال: قيل أنه مذهب أبي حنيفة ﵀. لنا: أن التَّعوُّذ لافتتاح القراءة فليكن عقبها. وأشار الصَّيدلاني إلى تردد في المسألة فقال: الأشبه بالمذهب أن التَّعوذ بعد التَّكبيرات وقبل القراءة ثم يقرأ الفاتحة كما في سائر الصّلوات. وعند أبي حنيفة: أن القراءة في الركعة الأولى بعد التَّكبيرات الزوائد، وفي الثانية قبل التكبيرات ويوالي بين القرائتين. لنا؛ ما روي أن النبي: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ القِرَاءَةِ" (١). فليعلم قوله: "بعد التكبير" بالحاء لما حكينا من مذهبه، وبالألف لأن عند أحمد رواية مثل مذهبه. والصحيح: عنه مثل مذهبنا ثم يقرأ في الأُولى بعد الفاتحة سورة "ق" وفي الثَّانية: "اقتربت السَّاعة" خلافاً لأبي حنيفة ﵀ حيث قال: ليس بعض السّور

стр. 905

أولى من بعض، ولمالك وأحمد -رحمهما الله- حيث قالا يقرأ في الأُولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وفي الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. لنا: ما روي عن أبي واقد اللَّيثي ﵁ أن النَّبي: "كَانَ يَقرَأُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأضْحَى بِـ ﴿ق وَالْقُرآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (١). يستحبّ رفع اليدين في التكبيرات، وبه قال أبو حنيفة ويروى ذلك عن فِعْلِ عُمَرَ ﵁ (٢). وقال مالك: لا يرفع. وإذا شك في عدد التَّكبيرات أخذ بالأقل. ولو كبر ثمان تكبيرات، وشك في أنه هل نوى التّحرم بواحدة منها؟ فعليه استئناف الصلاة. ولو شكَّ في التَّكبيرة التي نوى التحرم بها أخذ بأنه تحرم بالأخيرة فيعبد التَّكبيرات. ولو صلَّى خلف من يكبر ثلاثاً، أو ستًّا تابعة في فعله ولا يزيد عليه في أصح القولين. وعند أبي حنيفة ﵀ لو صلّى خلف من يكبر سبعاً تابعه وينبغي أن يضمّ اليمنى على اليسرى بين كل تكبيرتين وحكى عن "العمدة" ما يشعر بخلاف في المسألة. قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلاَةِ كَخُطْبَةِ الجُمُعَةِ لَكِنْ يُكَبِّرُ تِسْعاً قَبْلَ الخُطْبَةِ الأُولَى وَسَبْعًا قَبْلَ الثَّانِيَةِ عَلَى مِثَالِ الرَّكْعَتَيْنِ. قال الرافعي: إذا فرغ الإمام من صلاة العيد صعد المنبر وأقبل بوجهه على الناس وسلم وهل يجلس قبل الخطبة؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا، بخلاف ما في خطبة الجمعة يجلس قبلها ليؤذن المؤذن ولا أذان في هذه. والأصح المنصوص أنه يجلس ليستريح من تعب الصُّعود ويتأهَّب ويتأهب الناس للاستماع ثم يخطب خطبتين أركانهما كأركانهما في الجمعة (٣) يقوم فيهما ويجلس بينهما كما في الجمعة، لكن لا يجب القيام هاهنا؟ بل يجوز القعود مع القدرة على القيام كما فيّ نفس الصلاة، وقد روي: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَومَ الْعِيدِ" (٤).

стр. 906

ويستحب أن يعلمهم في عيد الفطر أحكام صدقة الفطر وفي عيد الأضحى أحكام الأضحية ويستحب أن يفتتح الخُطبة الأولى بتسع تكبيرات تَتْرى والثانية بسبع تترى. روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵃: "أَنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ" (١). ولو أدخل بينهما الحمد والتهليل والثناء جاز، وذكر بعضهم أن كيفيتهما ما سبق في التكبيرات المرسلة والمقيّدة، ويستحب للنّاس استماع الخطبة ومن حضر والإمام يخطب فإن كان في المصلى جلس واستمع الخطبة ولم يصل التَّحية ثم إِنْ شاء صلَّى صلالة العيد في الصَّحراء، وإن شاء صلاَّها إذا انصرف إلى بيته وإن كان في المَسْجد يستحب له التحية. ثم قال أبو إسحاق: ولو صلّى صلاة العيد. والحالة هذه كان أولى، وحصلت التّحية كما لو دخل المسجد -وعليه مكتوبة يفعلها- ويحصل بها التحية. وقال ابن أبي هريرة: يصلي التَّحية ويؤخر صلاة العيد إلى ما بعد الخطبة فإنها تطول فيفوت عليه الاستماع، والأول أصح عند الأكثرين. وأما ما يتعلّق بلفظ الكتاب؛ فقوله: "ثم يخطب بعد الصلاة كخطبة الجمعة" لو حذف "بعد الصلاة" لكان الباقي دالاً على الغرض؛ لأن كلمة "ثم" تفيد التَّراخي، وإنما أخذ كون هذه الخطبة بعد الصَّلاة من فعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين -رضوان الله عليهم- أجمعين فلو قدَّمها خطيب أساء، وهل يعتد بخطبته؟ فيه احتمال عند إمام الحرمين (٢). وقوله: "كخطبة الجمعة لكن يكبر تسعاً" غير مجرى على إطلاقه؛ لأنه لم يستدرك إلا افتراق الخطبتين [في] (٣) التكبير، وهما يفترقان في أمور أخر. منها: أنه لا يجب القيام في خطبة العيد. ومنها: استحباب التَّعرض لصدقة الفطر، والأضحية فيها. وقوله: "على مثال الركعتين" أي: إذا حسبنا تكبيرة التَّحرم والهوِيّ إلى الرُّكوع مع الزْوائد في الأولى، وحسبنا تكبيرة الانْتِهَاض والهوِيّ إلى الركوع مع الزَّوَائد في الثَّانية ويجوز أن يريد بقوله: "على مثال الركعتين" أنه يجعل التَّفاوت بين عدد التَّكْبيرات في الخطبة الأولى، وعددها في الثَّانية كالتِّفاوت بينهما في الركعتين، فإن فضل التِّسعة على السَّبعة كفضل السَّبعة على الخمسة.

стр. 907

قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا خَطَبَ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ. قال الرافعي: وروي أن النَّبي ﷺ : "كَانَ يَغْدُو يَومَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجِعِ فِي طَرِيقٍ" (١). واختلفوا في سببه قيل: ليتبرك به أهل الطَّريقين. وقيل: ليستفتى فيهما. وقيل: ليتصدق على فقرائهما. وقيل: ليزور قبور أقاربه فيهما. وقيل: ليشهد له الطريقان. وقيل: ليزداد غيظ المنافقين. وقيل: لئلا تكثر الزَّحمة. وقيل: كان يتوخَّى أطول الطريقين في الذِّهاب وأقصرهما في الرجوع، وهو أظهر المعاني ثم من شاركه من الأَئمَّة في المعنى استحب له ذلك، وفيمن لا يشارك وجهان. قال أبو إسحاق: لا يستحب له ذلك. وقال ابن أبي هريرة: يستحب كالرّمل والاضْطِبَاع يؤمر بهما مع زوال المعنى، وإلى هذا ميل الأكثرين وهو الموافق لإطلاق لفظ الكتاب ويستوى في هذه السُّنة الإمام والقوم، نصّ عليه في "المختصر" ولم يتعرض في الكتاب إلا للإمام. قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ فِي عِيدِ النَّحْرِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَكتُوبَةٍ، أَوَّلَهَا الظُّهْرُ مِنْ يَوْمِ العِيدِ، وَآخِرُهَا الصُّبْحُ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ عَقِيبَ كُلِّ صَلاةٍ تُؤَدَّى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ وإنْ كَانَ نَفْلاً أَوْ قَضَاءَ، وَقِيلَ: لاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ عَقِيبَ الْفَرْضِ وَقِيلَ: لاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ عَقِيبِ فَرْضِ مِنْ فَرَائِضِ هَذِهِ الأَيَّامِ صُلِّيَت فِي هَذِهِ الأيَّامِ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً. قال الرافعي: سبق الوَعْدُ بالكلام في التَّكْبير المقيّد في عيد النحر وهو غرض هذا الفصل. فنقول: أولاً لا فرق في هذا التكبير بين المنفرد ومن يصلّي جماعة، ولا بين الرجال والنساء والمقيم والمسافر. وعند أبي حنيفة: لا يكبر المنفرد ولا المرأة ولا المسافر، ثم النَّاس ينقسمون إلى الحجيج وغيرهم. أما الحَجِيج فيبتدءون التكبير عُقَيْبَ الظّهر يوم النحر ويختمونه عُقَيْبَ الصُّبح آخر أيام التشريق قاله العرِاقيون وغيرهم، ووجهوا الابتداء بأن ذكر الحجيج التَّلبية، وإنما يبدلونها بالتَّكبير مع أوَّل حصاة يرمونها يوم النَّحر، فالظهر أول صلاة ينتهون إليها من وقت قطع التَّلبية. قالوا: والختم لأن سبح اليوم الثالث آخر صلاة يصلونها بمنى. قال الإمام: ولا شك فيما ذكروه في الابتداء وفي الانتهاء تردد. وأما غير الحجج فخلف كم صلاة يكبرون فيها طريقان:

стр. 908

أظهرهما: أن المسألة على أقوال. أصحها: وهو منقول عن المُزني والبويطي والزَّعفراني -رحمهما الله- أنَّهم يكبرون عُقَيْبَ خمس عشرة مكتوبة، أوَّلها ظهر يوم النَّحر، وآخرها سبح اليوم الثَّالث من أيام التشريق كالحجيج وسائر الناس تَبَعٌ لهم في ذلك. ويروى هذا عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت (١) ﵃. والقول الثاني: أنهم يبتدئون عُقَيْبَ المغرب ليلة النحر، كما أن في عيد الفطر يبتدئ التَّكبير عقيب المغرب ولم يبين الانتهاء في هذا النص. وحمله الأصحاب على ما ذكر في القول الأول وعلى هذا يكون مكبّرًا عُقَيْبَ ثمان عشرة صلاة. والثالث: أنهم يبتدءون عقيب الصبح يوم عرفة ويختمونه عقيب العصر آخر أيام التَّشريق خلف ثلاث وعشرين صلاة لما روى أنه: "كَبَّرَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمَدَّ التَّكْبِيرَ إِلَى الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ" (٢). وبهذا قال أحمد واختاره المزنِيُّ وابن سريج. قال الصَّيدلاني وغيره: وعليه العمل في الأمصار ولم ينسب ابن الصَّبَّاغ هذا القول إلى اختيار المزنيّ، ولكن قال عنده: "يكبر من الظُّهر يوم النَّحر إلى الظّهر من اليوم الثالث". والطريق الثاني: القطع بالقول الأول وحمل ما عداه على حكاية مذهب الغير. وقال أبو حنيفة: يكبر من الصبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، وهي ثمان صلوات. وروى بعض أصحابنا عن مالك مثل القول الأول، وروى بعضهم عنه مثل القول الثالث. وقوله في الكتاب: "عقيب خمس عشرة" معلم بالحاء. والميم والألف والزاي والواو، لما حكيناه من الاختلافات وجميع ما ذكرناه في وظائف الوقت. ولو فاتته فريضة من فرائض صلاة الأيام فقضاها في غير هذه الأيام لم يكبر عقيبها؛ لأن التَّكبير شعار هذه الأيام. ولو فاتته في غير هذه الأيام أو في هذه الأيام وقضاها في هذه الأيام ففيه قولان: أحدهما: لا يكبر خلفهما؛ لأنها غير مؤداة في وقتها.

стр. 909

وأصحهما: أنه يكبر؛ لأنه شعار الوقت، وعلى هذين القولين السنن الرواتب ومنها: صلاة العيد وكذلك النوافل المطلقة ومنهم من قطع بأنه لا يكبر بعدها؛ لأنها أبعد عن مُشَابهة الفرائض، ومنهم من فرَّقَ بين المشروع في هذه الأيام كالسنن الرواتب وصلاة العيدين، وبين ما لا يختصُّ بها النَّوافل المطلقة المطلقة وبنى طائفة من الأئمّة الاختلاف في هذه الصّور كلها على أَنَّ المعنى في التَّكبير عقيب وظائف الوَقْتِ ماذا؟ وذكروا فيها ثلاثة مَعَانٍ: أحدها: أنها فرائض مؤدَّاة في وقتها من أيام التَّكبير. والثاني: أنها صلوات مشروعة في أيام التَّكبير. والثالث: أنها صلوات مفعولة في أيَّام التَّكبير، ولا يخفى تَخْريج الاختلافات عليها. وإذا سألت عن مطلق ما يكبر خلفه من الصَّلوات فقل: فيه وجوه: أظهرها: أنه يكبر عُقَيْبَ كل صلاة مفعولة في هذه الأيام. والثاني: لا يكبر إلا عُقَيْبَ الفرائض منها سواء كانت مؤدَّاة هذه الأيام أو فائتتها أو فائتة غيرها. والثالث: لا يُكَبِّرُ إلا عُقَيْبَ فرائض هذه الأيام قضاء كانت أو أداء. وهذه الوجوه هي المذكورة في الكتاب ويخرج ممَّا سبق وجه رأبع هو: أنه لا يكبر إلا عُقَيْبَ الفرائض أو السنن الرواتب. وقوله في العبارة عن الوجه الأوَّل: "عُقَيْبَ كل صلاة" يشمل صلاة الجَنَازة أيضاً، لكن قال في "التَّتمة": لا يكبِّر خلفها، لأنها بنيت على التخفيف. وقوله: "وإن كانت نفلاً" معلم بالميم والحاء والألف؛ لأن عندهم لا يكبِّرُ خلف النَّوافل. قال إمام الحرمين: وجميع ما ذكرناه في التَّكبير الذي يرفع به الصَّوت ويجعله شعاراً. أما لو استغرق عمره بالتَّكبير في نفسه فلا مانع منه. ولو نسي التَّكبير خلف الصلاة ثم تذكر، والفصل قريب كبر، وإن فارق مصلاّه، وإن طال الفصل فكذلك في أصح الوجهين، والمسبوق لا يكبر مع الإمام، وإنّما يكبر إذا أتم صلاة نفسه -والله أعلم-. قال الغزالي: وَلَوْ نَسِيَ التَّكْبِيرَاتِ فِي رَكْعَةٍ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا عَلَى الجَدِيدِ إِذَا تَذَكَّرَهَا بَعْدَ القِرَاءَةِ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا. قال الرافعي: لو نسي التَّكبيرات الزَّوائد في إحدى ركعتين، ثم تذكر نظر إن تذكرها في الركوع أو بعده مضى في صلاته ولم يكبِّرْ ولم يسجد للسَّهو كما لو ترك القعود أو السورة ولو عاد إلى القيام ليكبر بطلت صلاته ولو تذكرها قبل الركوع وبعد القراءة، وهذه مسألة الكتاب ففيه قولان:

стр. 910

الجديد: أنه لا يكبِّر لفوات وقته كما لو نسي دعاء الاسْتِفْتَاح فتذكر بعد القراءة لا يعيد. والقديم: أنه يكبر. وبه قال أبو حنيفة: فيما حكاه صاحب "البَيَان" لأن محلّه باق وهو القيام، وعلى هذا القول لو تذكَّرها في أثناء الفاتحة قطع القراءة وكبر ثُمَّ يستأنف، وإذا كبَّر بعدها يتسحب الاسْتِئنَاف ولا يجب. وحُكِيَ وَجْهٌ آخر: أنه يجب. ولو أدرك الإمام بعد ما كبَّرَ بعض التكبيرات أو في حال قراءته فعلى الجديد لا يكبِّرُ ما فاته وعلى القديم يكبر. وبه قال أبو حنيفة ﵀. وإذا أدركه وهو راكع يركع معه ولا يكبِّر قولاً واحداً. وقال أبو حنيفة ﵀: يكبر تكبيرات العيد في حال الركوع. ولو أدركه في الرَّكعة الثَّانية كبَّر معه خمساً على الجديد، فإذا أقام للثانية كبر خمساً أيضاً؛ لأن سنة الرَّكعة الثَّانية خمس بلا زيادة. قال الغزالي: وَإِذَا فَاتَتْ صَلاَةُ العِيدِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ فَقَدْ قِيلَ: لاَ تُقْضَى، وَقِيلَ: تُقْضَى (ح م) أَبَدًا، وَقِيلَ: لاَ تُقْضَى إِلاَّ فِي الحَادِي وَالثَّلاثِينَ، وَقِيلَ: تُقْضَى فِي شَهْرِ العِيدِ كُلِّهِ، وَإذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الهِلاَلِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَفْطَرْنَا وَصلَّينَا، وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الثَّلاَثينَ لَمْ نُصْغِ إِلَيْهِمْ إِذْ لاَ فَائِدَةَ إِلاَّ تَرْكُ صَلاَةِ العِيدِ، وإنْ شَهِدُوا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا وَبَانَ فَوَاتُ صلاَة العِيدِ عَلَى الأَصَحِّ، ثُمَّ قَضَاؤُهَا فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوْلَى أَوْ فِي الحَادِي وَالثَّلاثِينَ فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ شَهِدُوا نَهَاراً وَعَدَلُوا لَيْلاً فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ أَوِ الشَّهَادَةِ فِيهِ خِلاَفٌ. قال الرافعي: ممَّا يجب معرفته في هذا الفصل أصل قدمناه، وهو أن قضاء النَّوافل المؤقتة قولان ومن جملتها صلاة العيد. وأصل آخر وهو: أن صلاة العيد هل تنزل منزلة صلاة الجمعة ويعتبر فيها شرائطها أم لا؟. إذا تذكرت ذلك فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثَّلاثين من رمضان إنَّا رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال وقد بقي من الوقت ما يمكن جمع النَّاس فيه وإقامة الصلاة، أفطروا وصلوا وكانت الصلاة أداء (١)، وإن شهدوا بعد غروب الشمس يوم الثَّلاثين لم تقبل شهادتهم، كما لو شهدوا في اليوم الحادي والثَّلاثين؛ لأن شوَّالاً قد دخل يقيناً، وصوم الثَّلاثين قد تمَّ فلا فائدة في قبول شهادتهم، إلاَّ المنع من صلاة العيد فلا يصغي إليها، ويصلّون من الغد وتكون صلاتهم أداء هكذا نقله الأئمّة، وأطبقوا

стр. 911

عليه. وفي قوله: "لا فائدة إلاَّ ترك صلاة العيد" إشكال فإنَّ لاستهلال الهلال فوائد [أخر] (١) كوقوع الطَّلاق، والعتق المعلّقين على استهلال شوَّال واحتساب العدّة من انقضاء التاسع والعشرين ونحو ذلك، فوجب أن تقبل الشهادة لمثل هذه الفوائد، ولعل مرادهم عدم الإصغاء فيما يرجع إلى صلاة العيد، وجعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق وإن أطلقوا ذلك في عباراتهم -والله أعلم-. وإن شهدوا بعد الزَّوَال وقبل الغروب أو قبل الزَّوَال بزمان يسير لا يمكن الصَّلاة فيه فالشَّهادة مقبولة لتعلّق فائدة الإفطار بها، وهل تفوت الصَّلاة؟ حكى في "النَّهَاية" قولاً: أنها لا تَفُوت، ويصلُّونها غدًا أداء؛ لأن التَّردُّد في الهلال ممَّا يكثر، وصلاة العيد من شعائر الإسلام فيقبح أن لا تقام على النَّعت المعهود في كل سنة فأشبه هذا غلط الحَجيج في الوقوف فإنه يقام وقوفهم يوم العاشر مقام الوقوف يوم التاسع، وظاهر المذهب ولم يذكر الجُمهور سواه أنَّ صلاة العيد فائتة لخروج وقتها ثم قضاؤها مبني على أن النَّوافل المؤقتة هل تقضي أم لا إن قلنا: لا تقضي فلا كلام، وإن قلنا: تقضي فيبنى على أنها هل هي بمثابة الجمعة أم لا؟ إن قلنا: هي بمثابتها في الشَّرَائِطِ والأحكام لم تُفْض وإلاَّ فلهم قضاؤها من الغَدِ وهو الصحيح، وقد روي: "أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيَّ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلاَلَ بِالْأَمْسِ فَأمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ" (٢). وهل لهم أن يصلوها في بقية اليوم؟ وجهان: مبنيان على أنَّ إقامتها في الحادي والثَّلاثين أداء أم قضاء إن قلنا: أداء فلا، وإن قلنا: قضاء وهو الصحيح فيجوز ثم هو أولى أو التأخير إلى ضَحْوَة الغد فيه وجهان: أحدهما: أن التَّأْخير أَوْلَى؛ لأن اجتماع النَّاس فيها أمكن والضَّحوة بالضحوة أشبه. وأصحهما: أن التقديم أولى مبادرة إلى القضاء وتقريباً له من وقته وهذا إذا سهل جمع النَّاس بأن كانوا في قرية أو بلدة صغيرة. أمَّا إذا عسر ذلك فالأولى التَّأخير إلى الغد (٣)، كيلا يفوت الحضور على النَّاس وإذا قلنا: إنهم يقيمونها في الحَادِي والثَّلاثين

стр. 912

قضاء، فهل يجوز تأخيرها عنه؟ فيه قولان: ومنهم من يقول وجهان: أصحهما: نعم كالفرائض إذا فَاتَتْ لا يتعيَّن وقت قضاؤها. والثَّاني: لا، لأن الحادي والثَّلاثين يجوز أن يكون عيداً بأن يخرج الشَّهر كاملاً بخلاف ما بعده من الأيام ثم حكى إمام الحَرَمَيْن عن بعض الأصْحَاب، أنا إذا قلنا: تقضى بعد الحادي والثَّلاثين فيمتدُّ إلى شهر، فإن وقع بعد شهر فعلى وجهين. قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل وفي بقيَّة ذي الحجّة ولا اعتدّ به من المذهب وجميع ما ذكرناه فيما إذا شهد عدلان مقبولان أوْ مستوران وعدلا في الأوقات المذكورة. فأمّا إذا شهد قبل الغروب وعدلا بعد الغروب فقولان، ويقال وجهان: أحدهما: أنَّ العبرة بوقت الشَّهادة؛ لأن التَّعْديل وإن بَانَ أخيراً فهو مستند إلى الشَّهَادة. وأصحهما: أنَّ العبرة بوقت التَّعْديل؛ لأنه وقت جواز الحكم بالشَّهادة، فعلى هذا يصلُّون من الغد بلا خلاف وتكون أداء، وعلى الأول تعود الاختلافات المذكورة، فهذا هو الَّذي أورده معظم الأصحاب وإيضاحه. ولنعد إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب. أما قوله: "وإذا فَاتَتْ صلاة العيدين بزوال الشَّمس ... " إلى آخره فاعلم أن الاختلافات المذكورة، عبر عنها في "الوسيط" بالأقوال وإيراد في الكتابين يقتضي طردها في فوات صَلاَةِ العيد للنَّاس كلهم، وفواتها في حق الأفراد وفيما إذا كان الفوات لاشتباه الهلال، وغيره ولكن الفهوم من كلام الأصحاب تخصيص الاخْتِلاف المذكور بصورة اشتباه الهلال وفوات العيد على جميع الناس. فأما إذا اختصَّ الفوات بالأفراد فلا يجري إلا قولان: منع القضاء وجوازه على التَّأييد، ولا يتَّجه التخصيص بالحادي والثَّلاثين لما ذكره إمام الحرمين. فقال: هذا اليوم يجوز أن يفرض عيداً، فإقامة شعار الصَّلاة فيه لا يبعد، وفيما بعده من الأيام إقامة الشّعار المعهود مما يستنكره النَّاس، إلا خواصّهم وتعطيل الشّعار أهون من ذلك، ومعلوم أن هذا لا مساغ له في قضاء الأفراد، وأما المصير إلى القضاء في شهر العيد كله، فلم أر نقله إلاَّ للإمام ولم ينقله إلاَّ في اشْتباه الهِلاَل فاعرف ذلك. ثم قوله: "لا تقضى" معلّم بالألف؛ لأن عند أحمد هي مقضية. وقوله: "تقضى أبداً" بالميم والحاء، فإن عندهما لا تقضى والزَّاي، لأن اختيار المزنيّ مثله. فإن قيل حيث قلنا: بتخصيص القَضَاء بالحادي والثَّلاثين، فلا شك أن ذلك في عيد الفطر، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى؟ قلنا: نعم؛ لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد إلاَّ أن يقال: إن الشَّهادة بعد دخول ذي الحجة غير

стр. 913

مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثَّلاثين -والله أعلم-. وقوله: "وإذا شهد الشُّهود على الهلال قبل الزَّوَال أفطرنا وصلَّينا" المراد منه ما إذا سبقت الشَّهادة الزَّوال بقدر ما يسع الصَّلاة، فإن لم يسع فالحكم كما لو شهدوا بين الزَّوال والغروب. وقوله: "ثم قضاؤها في أول اليوم أولى، أو في الحادي والثَّلاثين" فرض الخلاف في الأولويّة جواب منه على الأصح، وهو أن قضاؤها في بقية اليوم جائز، وفيه خلاف تقدم -والله أعلم-. قال الغزالي: وَإِذَا كَانَ العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلأِهْلِ السَّوَادِ الرَّجُوعُ قبْلَ الجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ النِّدَاء يُبْلغُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ لِلْخَبَرِ. قال الرافعي: إذا وافق العيد يوم الجُمُعَة، وحضر أهل القرى الَّذين يبلغهم النِّداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا لفاتتهم الجمعة فهل عليهم أن يصيروا ليصلوا الجمعة، أم لهم أن ينصرفوا ويتركوها؟ فيه وجهان: أحدهما: عليهم الصّبر كأهل المصر وكسائر الأيام. وأصحهما: أن لهم أن ينصرفوا ويتركوها، ويحكى هذا عن نصه قديماً وجديدًا (١) لما روي: "أنه اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ في يوم واحد فصلى العيد في أول النهار، وقال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَنَا الجُمُعَةَ فَلْيَفعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أن يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ" (٢). وأراد به أهل السَّواد وهذا هو الخبر الذي أبهم ذكره في الكتاب.

стр. 914

قال الغزالي: كِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلاَ تُكْرَهُ إلاَّ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (ح) وَقِيَامَانِ، فَإِنْ تَمَادَى الْكُسُوفُ فَهَلْ يَجُوزُ زَيَادَةُ ثَالِثَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإنْ أَسْرَعَ الانْجِلاَء فَهَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قال الرافعي: قال الله : ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (١). قال بعض المفسرين: أراد به صلاة الخُسوف والكسوف. وقال أبو بكرة: "كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رُكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" (٢). صلاة الكُسوف والخُسوف سنّة مؤكدة، ولا فرق في استحبابها بين أوقات الكراهة وغيرها؛ لأن لها سببًا خلافاً لمالك وأبي حنيفة، وتفصيل مذهبهما ما قدمناه في "فصل الأوقات المكروهة" ثم الكلام في أقلّ هذه الصّلاة وأكملها. أما أقلها فهو أن يتحرّم بنيّة صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة، ثم يركع ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع مرة أخرى ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، وكذلك يفعل في الركعة الثانية فهي إذاً ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان كما ذكر في الكتاب، وقراءة الفاتحة في كل ركعة مرتين من حدّ الأقلّ أيضاً. وقوله: "ركوعان وقيامان" معلم بالحاء والألف. أما الحاء فلأن أبا حنيفة يقول: ركعتان كسائر الصلوات لكي يطول فيها القراءة. وأما الألف فلأن في رواية عن أحمد يركع في كل ركعة ثلاث مرات، والأظهر عنه مثل مذهبنا. لما رِوي عن ابن عباس ﵄ أن النَّبي ﷺ : "رَكَع أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وَأْرْبَعَ سَجَدَاتٍ" (٣). وقد اشتهرت الرواية عن فعل رسول الله.

стр. 915

ولو تمادى الكسوف، فهل يزيد ركوعاً ثالثاً فيه وجهان: أحدهما: نعم، ويحكى عن ابن خزيمة وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر (١) الضَّبعي من أصحابنا على هذا الوجه لا يختصّ الجواز بالثَّالث له أن يزيد رابعاً وخامساً حتى ينجلي الكُسوف؛ لما روي أنه: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ" (٢). ويروى: "خمسُ رُكُوعَاتٍ" (٣) ولا محمل له إلا حالة التّمادي. وأظهرهما: أنه لا تجوز الزِّيادة كسائر الصَّلوات، لا يزاد على أركانها، وروايات الركوعين أشهر وأصح، فيؤخذ بها، كذلك ذكره الأئمة. ولو كان في القيام الأول فانْجَلَى الكُسوف لم تبطل الصلاة، ولكن هل يجوز أن يقتصر على قومة واحدة وركوع واحد في كل ركعة فيه وجهان بنوهما على جواز الزّيادة عند التَّمادي إن جوزنا الزِّيادة جوزنا النُّقصان، بحسب مدّة الخُسوف وإلا فلا، ولو تحلَّل من صلاته والخسوف باق، فهل له أن يستفتح صلاة الخُسوف مرة أخرى؟ فيه وجهان خرجوهما على جواز الزيادة في عدد الركوع، والمذهب المنع. وقوله: "فهل تجوز الزيادة بثالث" أي بركوع ثالث وقيام ثالث، وكذا قوله: "فهل يقتصر على واحد؟ " وفي بعض النسخ: "ثالثة وواحدة" على تأويل الرَّكْعَة والقَوْمَة -والله أعلم-. قال الغزالي: وَأكْمَلُهَا أَنْ يَقْرَأَ فِي القِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ النِّسَاءَ وَفِي الرَّابِعَةِ المَائِدَةَ أَوْ مِقْدَارَهَا وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الفَاتِحَةِ، وُيسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأوَّلِ بِقَدْرِ مَائَةِ آيَةٍ وَفِي الثَّانِي بِقَدْرِ ثَمَانِينَ وَفِي الثَّالِثِ بِقَدْر سَبْعِينَ وَفِي الرَّابعِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ وَلاَ القَعْدَةَ بَيْنَهُمَا. قال الرافعي: ولو اقتصر في كل قَومَةِ على قراءة الفاتحة وفي كل ركوع على قدر الطمأنينة جاز، كما في سائر الصلوات، لكن المستحب أن يقرأ في القيام الأَول بعد "الفاتحة" وسوابقها "سُورَةَ الْبَقرة" أو مقدارها إن لم يحسنها، وفي الثاني: "آل عمران" أو مقدارها، وفي الثالث "النساء" أو مقدارها، وفي الرابعة "المائدة" أو مقدارها، وكل
следующие страницы →