عليه. وفي قوله: "لا فائدة إلاَّ ترك صلاة العيد" إشكال فإنَّ لاستهلال الهلال فوائد [أخر] (١) كوقوع الطَّلاق، والعتق المعلّقين على استهلال شوَّال واحتساب العدّة من انقضاء التاسع والعشرين ونحو ذلك، فوجب أن تقبل الشهادة لمثل هذه الفوائد، ولعل مرادهم عدم الإصغاء فيما يرجع إلى صلاة العيد، وجعلها فائتة لا عدم القبول على الإطلاق وإن أطلقوا ذلك في عباراتهم -والله أعلم-.
وإن شهدوا بعد الزَّوَال وقبل الغروب أو قبل الزَّوَال بزمان يسير لا يمكن الصَّلاة فيه فالشَّهادة مقبولة لتعلّق فائدة الإفطار بها، وهل تفوت الصَّلاة؟ حكى في "النَّهَاية" قولاً: أنها لا تَفُوت، ويصلُّونها غدًا أداء؛ لأن التَّردُّد في الهلال ممَّا يكثر، وصلاة العيد من شعائر الإسلام فيقبح أن لا تقام على النَّعت المعهود في كل سنة فأشبه هذا غلط الحَجيج في الوقوف فإنه يقام وقوفهم يوم العاشر مقام الوقوف يوم التاسع، وظاهر المذهب ولم يذكر الجُمهور سواه أنَّ صلاة العيد فائتة لخروج وقتها ثم قضاؤها مبني على أن النَّوافل المؤقتة هل تقضي أم لا إن قلنا: لا تقضي فلا كلام، وإن قلنا: تقضي فيبنى على أنها هل هي بمثابة الجمعة أم لا؟ إن قلنا: هي بمثابتها في الشَّرَائِطِ والأحكام لم تُفْض وإلاَّ فلهم قضاؤها من الغَدِ وهو الصحيح، وقد روي: "أَنَّ رَكْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيَّ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلاَلَ بِالْأَمْسِ فَأمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ" (٢).
وهل لهم أن يصلوها في بقية اليوم؟ وجهان: مبنيان على أنَّ إقامتها في الحادي والثَّلاثين أداء أم قضاء إن قلنا: أداء فلا، وإن قلنا: قضاء وهو الصحيح فيجوز ثم هو أولى أو التأخير إلى ضَحْوَة الغد فيه وجهان:
أحدهما: أن التَّأْخير أَوْلَى؛ لأن اجتماع النَّاس فيها أمكن والضَّحوة بالضحوة أشبه.
وأصحهما: أن التقديم أولى مبادرة إلى القضاء وتقريباً له من وقته وهذا إذا سهل جمع النَّاس بأن كانوا في قرية أو بلدة صغيرة. أمَّا إذا عسر ذلك فالأولى التَّأخير إلى الغد (٣)، كيلا يفوت الحضور على النَّاس وإذا قلنا: إنهم يقيمونها في الحَادِي والثَّلاثين
стр. 912
قضاء، فهل يجوز تأخيرها عنه؟ فيه قولان: ومنهم من يقول وجهان:
أصحهما: نعم كالفرائض إذا فَاتَتْ لا يتعيَّن وقت قضاؤها.
والثَّاني: لا، لأن الحادي والثَّلاثين يجوز أن يكون عيداً بأن يخرج الشَّهر كاملاً بخلاف ما بعده من الأيام ثم حكى إمام الحَرَمَيْن عن بعض الأصْحَاب، أنا إذا قلنا: تقضى بعد الحادي والثَّلاثين فيمتدُّ إلى شهر، فإن وقع بعد شهر فعلى وجهين.
قال: ولعله في شهر شوال نقص أو كمل وفي بقيَّة ذي الحجّة ولا اعتدّ به من المذهب وجميع ما ذكرناه فيما إذا شهد عدلان مقبولان أوْ مستوران وعدلا في الأوقات المذكورة. فأمّا إذا شهد قبل الغروب وعدلا بعد الغروب فقولان، ويقال وجهان:
أحدهما: أنَّ العبرة بوقت الشَّهادة؛ لأن التَّعْديل وإن بَانَ أخيراً فهو مستند إلى الشَّهَادة.
وأصحهما: أنَّ العبرة بوقت التَّعْديل؛ لأنه وقت جواز الحكم بالشَّهادة، فعلى هذا يصلُّون من الغد بلا خلاف وتكون أداء، وعلى الأول تعود الاختلافات المذكورة، فهذا هو الَّذي أورده معظم الأصحاب وإيضاحه. ولنعد إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "وإذا فَاتَتْ صلاة العيدين بزوال الشَّمس ... " إلى آخره فاعلم أن الاختلافات المذكورة، عبر عنها في "الوسيط" بالأقوال وإيراد في الكتابين يقتضي طردها في فوات صَلاَةِ العيد للنَّاس كلهم، وفواتها في حق الأفراد وفيما إذا كان الفوات لاشتباه الهلال، وغيره ولكن الفهوم من كلام الأصحاب تخصيص الاخْتِلاف المذكور بصورة اشتباه الهلال وفوات العيد على جميع الناس.
فأما إذا اختصَّ الفوات بالأفراد فلا يجري إلا قولان: منع القضاء وجوازه على التَّأييد، ولا يتَّجه التخصيص بالحادي والثَّلاثين لما ذكره إمام الحرمين.
فقال: هذا اليوم يجوز أن يفرض عيداً، فإقامة شعار الصَّلاة فيه لا يبعد، وفيما بعده من الأيام إقامة الشّعار المعهود مما يستنكره النَّاس، إلا خواصّهم وتعطيل الشّعار أهون من ذلك، ومعلوم أن هذا لا مساغ له في قضاء الأفراد، وأما المصير إلى القضاء في شهر العيد كله، فلم أر نقله إلاَّ للإمام ولم ينقله إلاَّ في اشْتباه الهِلاَل فاعرف ذلك.
ثم قوله: "لا تقضى" معلّم بالألف؛ لأن عند أحمد هي مقضية. وقوله: "تقضى أبداً" بالميم والحاء، فإن عندهما لا تقضى والزَّاي، لأن اختيار المزنيّ مثله.
فإن قيل حيث قلنا: بتخصيص القَضَاء بالحادي والثَّلاثين، فلا شك أن ذلك في عيد الفطر، فهل يختص بالحادي عشر إذا فرض ذلك في عيد الأضحى؟ قلنا: نعم؛ لأنه يجوز أن يفرض يوم عيد إلاَّ أن يقال: إن الشَّهادة بعد دخول ذي الحجة غير
стр. 913
مسموعة على قياس ما ذكروه في الحادي والثَّلاثين -والله أعلم-.
وقوله: "وإذا شهد الشُّهود على الهلال قبل الزَّوَال أفطرنا وصلَّينا" المراد منه ما إذا سبقت الشَّهادة الزَّوال بقدر ما يسع الصَّلاة، فإن لم يسع فالحكم كما لو شهدوا بين الزَّوال والغروب. وقوله: "ثم قضاؤها في أول اليوم أولى، أو في الحادي والثَّلاثين" فرض الخلاف في الأولويّة جواب منه على الأصح، وهو أن قضاؤها في بقية اليوم جائز، وفيه خلاف تقدم -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِذَا كَانَ العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلأِهْلِ السَّوَادِ الرَّجُوعُ قبْلَ الجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ النِّدَاء يُبْلغُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ لِلْخَبَرِ.
قال الرافعي: إذا وافق العيد يوم الجُمُعَة، وحضر أهل القرى الَّذين يبلغهم النِّداء لصلاة العيد، وعلموا أنهم لو انصرفوا لفاتتهم الجمعة فهل عليهم أن يصيروا ليصلوا الجمعة، أم لهم أن ينصرفوا ويتركوها؟ فيه وجهان:
أحدهما: عليهم الصّبر كأهل المصر وكسائر الأيام.
وأصحهما: أن لهم أن ينصرفوا ويتركوها، ويحكى هذا عن نصه قديماً وجديدًا (١) لما روي: "أنه اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ في يوم واحد فصلى العيد في أول النهار، وقال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَنَا الجُمُعَةَ فَلْيَفعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أن يَنْصَرِفَ فَلْيَفْعَلْ" (٢).
وأراد به أهل السَّواد وهذا هو الخبر الذي أبهم ذكره في الكتاب.
стр. 914
قال الغزالي:
كِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلاَ تُكْرَهُ إلاَّ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (ح) وَقِيَامَانِ، فَإِنْ تَمَادَى الْكُسُوفُ فَهَلْ يَجُوزُ زَيَادَةُ ثَالِثَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإنْ أَسْرَعَ الانْجِلاَء فَهَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله : ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (١). قال بعض المفسرين: أراد به صلاة الخُسوف والكسوف. وقال أبو بكرة: "كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رُكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" (٢). صلاة الكُسوف والخُسوف سنّة مؤكدة، ولا فرق في استحبابها بين أوقات الكراهة وغيرها؛ لأن لها سببًا خلافاً لمالك وأبي حنيفة، وتفصيل مذهبهما ما قدمناه في "فصل الأوقات المكروهة" ثم الكلام في أقلّ هذه الصّلاة وأكملها.
أما أقلها فهو أن يتحرّم بنيّة صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة، ثم يركع ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع مرة أخرى ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، وكذلك يفعل في الركعة الثانية فهي إذاً ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان كما ذكر في الكتاب، وقراءة الفاتحة في كل ركعة مرتين من حدّ الأقلّ أيضاً. وقوله: "ركوعان وقيامان" معلم بالحاء والألف.
أما الحاء فلأن أبا حنيفة يقول: ركعتان كسائر الصلوات لكي يطول فيها القراءة.
وأما الألف فلأن في رواية عن أحمد يركع في كل ركعة ثلاث مرات، والأظهر عنه مثل مذهبنا. لما رِوي عن ابن عباس ﵄ أن النَّبي ﷺ : "رَكَع أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وَأْرْبَعَ سَجَدَاتٍ" (٣). وقد اشتهرت الرواية عن فعل رسول الله.
стр. 915
ولو تمادى الكسوف، فهل يزيد ركوعاً ثالثاً فيه وجهان:
أحدهما: نعم، ويحكى عن ابن خزيمة وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر (١) الضَّبعي من أصحابنا على هذا الوجه لا يختصّ الجواز بالثَّالث له أن يزيد رابعاً وخامساً حتى ينجلي الكُسوف؛ لما روي أنه: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ" (٢).
ويروى: "خمسُ رُكُوعَاتٍ" (٣) ولا محمل له إلا حالة التّمادي.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزِّيادة كسائر الصَّلوات، لا يزاد على أركانها، وروايات الركوعين أشهر وأصح، فيؤخذ بها، كذلك ذكره الأئمة.
ولو كان في القيام الأول فانْجَلَى الكُسوف لم تبطل الصلاة، ولكن هل يجوز أن يقتصر على قومة واحدة وركوع واحد في كل ركعة فيه وجهان بنوهما على جواز الزّيادة عند التَّمادي إن جوزنا الزِّيادة جوزنا النُّقصان، بحسب مدّة الخُسوف وإلا فلا، ولو تحلَّل من صلاته والخسوف باق، فهل له أن يستفتح صلاة الخُسوف مرة أخرى؟ فيه وجهان خرجوهما على جواز الزيادة في عدد الركوع، والمذهب المنع.
وقوله: "فهل تجوز الزيادة بثالث" أي بركوع ثالث وقيام ثالث، وكذا قوله: "فهل يقتصر على واحد؟ " وفي بعض النسخ: "ثالثة وواحدة" على تأويل الرَّكْعَة والقَوْمَة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأكْمَلُهَا أَنْ يَقْرَأَ فِي القِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ النِّسَاءَ وَفِي الرَّابِعَةِ المَائِدَةَ أَوْ مِقْدَارَهَا وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الفَاتِحَةِ، وُيسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأوَّلِ بِقَدْرِ مَائَةِ آيَةٍ وَفِي الثَّانِي بِقَدْرِ ثَمَانِينَ وَفِي الثَّالِثِ بِقَدْر سَبْعِينَ وَفِي الرَّابعِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ وَلاَ القَعْدَةَ بَيْنَهُمَا.
قال الرافعي: ولو اقتصر في كل قَومَةِ على قراءة الفاتحة وفي كل ركوع على قدر الطمأنينة جاز، كما في سائر الصلوات، لكن المستحب أن يقرأ في القيام الأَول بعد "الفاتحة" وسوابقها "سُورَةَ الْبَقرة" أو مقدارها إن لم يحسنها، وفي الثاني: "آل عمران" أو مقدارها، وفي الثالث "النساء" أو مقدارها، وفي الرابعة "المائدة" أو مقدارها، وكل
стр. 916
ذلك بعد "الفاتحة" هذا ما ذكره في الكتاب وعزاه الأصحاب إلى رواية البويطي.
قال المزني في: "المُخْتَصَر" يقرأ في القيام الأول البقرة أو مقدارها إن لم يحفظها، وفي الثاني قدر مائتي آية من سورة البقرة، وفي الثالث قدر مائة وخمسين آية منها، وفي الرابع قدر مائة آية منها وكل ذلك بعد الفاتحة، وهذه الرواية هي التي أوردها الأكثرون وليستا على الاختلاف المحقق، بل الأمر فيه على التَّقريب وهما متقاربتان.
وقد روى الشَّافعي عن ابن عباس ﵄ بإسناده قال: "خُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فَصَلَّى وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِياماً طَوِيلاَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِياماً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامٍ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الْأوَّلِ ثُمَّ رَفَع فَقَامَ طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ" (١).
وأما قدر مُكْثِهِ في الرُّكوع فينبغي أن يسبح في الركوع الأول بقدر مائة اآية من "البقرة" وفي الثاني بقدر ثمانين منها، وفي الثّالث بقدر سبعين، وفي الرابع بقدر خمسين والأمر فيه على التَّقريب، ولذلك قال كثير من الأصحاب، يسبح في الركوع الثاني بقدر ثمانين آية إلى تسعين. وقال صاحب "الإفصاح" يسبح في الثالث بقدر خمسين أو سبعين آية.
ويقول في الاعتدال (٢) عند كل ركوع: "سمع الله لمن حمده" و"ربنا لك الحمد".
стр. 917
وهل يطوّل السجود في هذه الصلاة؟ فيه قولان ويقال: وجهان:
أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: لا، كما لا يزيد في التَّشهد، ولا يطول القَعْدَة بين السَّجدتين.
والثاني وبه قال ابن سريج-: نعم؛ لأنه منقول في بعض الروايات مع تطويل الركوع أورده مسلم في "الصحيح" ويحكي هذا القول عن رواية "البويطي" ونقله أبو عيسى التِّرمذي في "جامعه" عن الشَّافعي ﵁ أيضاً (١).
قال الغزالي: وَيُسْتَحبُّ أَنْ تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ، وَأَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ كَمَا فِي العِيدِ وَلاَ يَجْهَرُ (م) فِي صَلاة الكُسُوفِ وَيَجْهَرُ فِي الخُسُوفِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: أنه يستحب الجماعة في صلاة الخسوفين.
أما في خسوف الشمس فقد اشتهر إقامتها بالجماعة عن فعل رسول الله وكان يُنَادَى لَهَا الصَّلاةَ جَامِعَةً (٢).
وأما في خسوف القمر، فلما روي عن الحسن البصري قال: "خَسَفَ الْقَمَرُ وابن عَبَّاسٍ ﵄ بالبَصْرَةِ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ ركعةٍ رُكُوعَانِ، فَلَمَّا فَرَغَ
стр. 918
رَكِبَ وَخَطَبَنَا، وَقَالَ: صَلَّيْتُ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رسول الله يُصَلِّي بِنَا" (١).
وإنما تقام الجَمَاعة لهما في المسجد دون الصَّحراء لما قدمنا من حديث أبي بكرة ﵁ ولأن هذه الصَّلاة بعرض الفَوَات بالانجلاء.
واعلم قوله: "ويستحبّ أن تؤدى بالجماعة" بالحاء والميم؛ لأن عند أبي حنيفة لا تؤدى صلاة خسوف القمر بالجماعة، بل يؤدونها منفردين.
وعند مالك ﵀ لا يصلون له أصلاً، واللفظ يشمل الصَّلاتين جميعاً، ويجوز أن يعلّم بالواو أيضاً؛ لأن إمام الحرمين قال: ذكر شيخنا الصيدلاني من أئمتنا من خرج في صلاة الخسوفين وجهاً؛ أن الجماعة شرط فيها كالجمعة، ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خرج أصحابنا وجهين في أنها، هل تصلّى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة؟ كالقولين في العيد.
الثانية: يستحبُّ للإمام أن يخطب بعد الصلاة خطبتين بأركانهما وشرائطهما المذكورة في صلاة الجمعة (٢)، ولا فرق بين أن يقيموا الجماعة في مصر أو يقيمها المسافرون في الصَّحراء.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ لا خطبة في هذا الباب أصلاً.
لنا ما روى عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ : "لما خُسِفَتِ الشَّمْسُ صَلَّى فَوَصَفَت صَلاتَهُ، ثُمَّ قالت فَلما انْجَلَت انْصَرَفَ وخطب الناس وذَكَرَ اللهِ تَعَالى جَدُّهِ واثْنَى، عَلَيْهِ" (٣). وينبغي للإمام أن يحثَّ الناس في هذه الخطبة على الخير والتوبة عن المعاصي، ومن صلى منفرداً لم يخطب، فإن الغرض من الخطبة تذكير الغير.
فإن قلت: قضية التّشبيه في قوله: "كما في العيد" أن يكبر في أوَّل الخطبتين كما يفعل في خُطْبتي العيد، فهل هو كذلك أم لا؟.
فالجواب: أنّ كُتُبَ الأصحاب ساكتة عن التَّصريح بذلك مع تعرّضهم لأذكارها المفروضة والمندوبة على التّفصيل، وأعادها هاهنا ولو كان التّكبير مشروعاً هاهنا لأعادوا ذكره، سيما في المطوّلات، فإذًا المراد تشبيهُها بخطبتي العيد في تأخيرها عن الصَّلاة على الإطلاق -والله أعلم-.
стр. 919
الثالثة: يستحبُّ الجهر بالقراءة؛ في صلاة خُسوف القمر والإسرار في خسوف الشمس. وبه قال مالك وأبو حنيفة خلافاً لأحمد ﵏ حيث قال: "يجهر فيها أيضاً" وبه قال أبو يوسف، وفيما ذكره الصَّيدلاني أن مثله يروى عن أبي حنيفة.
لنا ما روى ابن عباس ﵄ أنه حكى صلاة النبي ﷺ في خُسوف الشمس فقال: "قرأَ نَحْواً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ" (١). ولو جهر لكان لا يقدره وروي عنه أنه قال: "كُنْتُ إِلى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفاً" (٢).
وقوله في الكتاب: "ولا يجهر في صلاة الكُسُوف، ويجهر في صلاة الخُسُوف" تخصيص للفظ الكُسُوف بالشَّمس والخسوف بالقمر وقد قيل بذلك" لكن استعمال كل واحد من اللَّفظين فيهما صحيح سائغ في اللغة.
وتجوز أن يعلّم قوله: "ولا يجهر" بالواو مع الألف؛ لأن أبا سليمان الخطَّابي ذكر أنَّ الذي يجيء على مذهب الشَّافعي ﵁ الجهر فيهما واحتجّ له بما روى عن عائشة ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ في كُسُوفِ الشَّمْسِ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ" (٣) -والله أعلم-.
قال الغزالي: فُرُوعٌ المَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي لَمْ يُدْرِكِ الرَّكْعَةَ لِأَنَّ الاصْلَ هُوَ الأَوَّلُ.
قال الرافعي: عدّ في "الوسيط" المسائل من هذا الموضع إلى قريب من آخر الباب ثلاثة فروع، وهذا الفصل يشتمل على أولَّها غرضه الكلام في المسبوق في هذه الصَّلاة فنقول: إن من أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى فقد أدرك الصَّلاة ولو أدركه في الرّكوع الأول من الرَّكعة الثَّانية كان مدركاً للركعة فإذا سلم الإمام قام وصلى ركعة بركوعين، ولو أدركه في الركوع الثاني من إحدى الرّكعتين فالمنقول عن نصّه في البويطي أنه لا يكون مدركاً لشيء من الرَّكعة أصلاً، وعن صاحب "التَّقْرِيب" حكاية قول آخر أنه بإدراك الرّكوع الثاني يصير مدركاً للقومة الَّتي قبله فعلى هذا لو أدرك الرّكوع
стр. 920
الثَّاني من الرّكعة الأولى قام عند سلام الإمام وقرأ وركع. واعتدل وجلس وتشهَّد وتحلّل ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا أثر في إدراك القيام الذي قبله كان السّجود بعده محسوبًا لا محالة. واتفق الأصحاب على أن الصَّحيح هو الأول، ووجهوه بأنَّ الركوع الأول هو الأصل، والثَّاني في حكم التابع له ألا ترى أنه لا يصير بإدراكه مدركاً لجميع الركعة ولو صار مدركًا بإدراكه لصار مدركًا لجميع الركعة، كما لو أدرك جزءاً من الرّكوع في سائر الصَّلوات، وأيضاً فإن الأمر بقيام وركوع من غير سجود مخالف لنظم الصَّلوات كلها، وعلى القول الصحيح لو أدركه في عهد القيام الثاني لا يكون مدركًا لشيء من الرَّكعة أيضاً.
إذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب: "لم يدرك الرَّكعة" إن أراد به أنه غير مدرك لشيء من الرَّكعة فينبغي أن يعلَّم بالواو، وإن أراد به أنه غير مدرك بجملتها فلا يجوز إعلامه؛ لأن القولين متفقان عليه.
قال الغزالي: وَتَفُوتُ صَلاَةُ الكُسُوفِ بِالانْجِلاَءِ وَبِغُرُوبِ الشَّمْسِ كَاسِفَةً، وَيفُوتُ الخُسُوفُ بِالانْجِلاءِ وبِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَلاَ يَفُوتُ بِغرُوبِ القَمَرِ خَاسِفاً؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ سُلْطَانُ القَمَرِ، وَلاَ يَفُوتُ بِطُلُوع الصُّبْحِ عَلَى الجَدِيدِ لِبَقَاءِ الظُّلْمَةِ.
قال الرافعي: الفرع الثاني: فيما يفوت به هذه الصّلاة. أَمَّا صلاة خسوف الشَّمس فتقوت بطريقين:
أحدهما: الانجلاء فإذا لم يصلّ حتى انجلت لم يصل.
واحتجّ له بما روى أنه ﷺ قال: "فَإِذَا رَأيْتُمْ ذَلكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي" (١).
دل أنه لا يصلِّي بعده، ثم الاعتبار بانْجِلاَء الكُلِّ أَمَّا انجلاء البعض فلا أثر له، وله أن يشرع في الصَّلاة للباقي كما لو لم ينكسف إلاَّ ذلك القدر ولو حال سحاب، ولم يَدْرِ هل انجلت أم لا؟ فله أن يصلي؛ لأن الأَصل بقاء الكسوف وعلى عكسه لو كانت تحت الغمام فظنَّ الكسوف لم يصل حتى يستيقن.
والثَّاني: أن تغرب كاسفة فلا يصلِّي؛ لأن سلطان الشَّمس النَّهار، وقد ذهب وبطل الانتفاع بضوئها نيّرة كانت أو منكسفة. وأمَّا صلاة خسوف القمر فتفوت بطريقين أيضاً:
أحدهما: الانْجِلاَء كما سبق.
стр. 921
والثَّاني: طلوع الشمس فإذا طلعت والقَمر بعد خاسف لم يصل؛ لأنَّ سلطان القمر الليل وقد ذهب وبطلت منفعته بطلوع الشمس، ولو غاب القمر خاسفاً، لم يؤثر وجازت الصلاة؛ لأن سلطان القمر باقٍ وهو الليل فغروبه كغيبوبته تحت سحاب خاسفًا. ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد طلوع الفجر فقولان:
القديم: أنه ليس له أن يصلِّي لذهاب اللَّيل بطلوع الفجر.
والجديد: أن له ذلك لبقاء ظُلْمَةِ اللَّيل والانتفاع بضوء القمر في هذا الوقت، وعلى هذا لو شرع في الصَّلاة بعد طلوع الفجر، فطلعت الشَّمس في أثنائها لم تبطل صلاته كما لو شرع قبل طلوع الفجر، وكما لو اتَّفق الانجلاء في أثناء الصلاة، وذكر القاضي ابْن كج، أن هذا الانجلاء مخصوص بما إذا غَابَ القمر خاسفاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشَّمس، فأما إذا لم يَغِب وبقي خاسفاً، فلا خلاف في أن الشروع في الصَّلاة جائز (١).
قال الغزالي: وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ قُدِّمَ العِيدُ إِنْ خِيفَ فَوَاتُهُ وَإِلاَّ فَقَوْلاَنِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ قُدِّمَتِ الجُمُعَةُ عِنْدَ خَوْفِ الفَوَاتِ وَإلاَّ فَقَوْلاَنِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ جَنَازَةٌ مَعَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ إِلاَّ الجُمُعَةَ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، وَيكْفِيهِ لِلْجُمُعَةِ وَالْكسُوفِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَلاَ يَبْعَدُ اجْتِمَاعُ العِيدِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال الرافعي: الفرع الثالث فيما إذا اجتمعت صَلاَتان في وقت واحد، والأَصل فيه تقديم ما يخاف فواته، ويتعلّق أيضاً بالنظر إلى الأوكد، فالأوكد من الصلاة وفيه صور:
أحدها: إذا اجتمع عيد وكسوف نظر إن خيف فوات صلاة العيد لضيق وَقْتها قدمت صلاة العيد، وإن لم يخف فقولان:
أحدهما: وهو رواية البويطي: يبدأ صلاة العيد؛ لأنها أوكد لمشابهتها الفرائض بانضباط وقتها.
وأصحهما: أنه يبدأ بصلاة الكُسوف، لأنه يعرض الفوات بالانْجِلاَءِ.
الثَّانية: لو اجتمع كسوف وجمعة نظر إن خيف فوات الجمعة فهي مقدمة، وإن لم يخف فواتها فقولان:
стр. 922
أحدهما: تقدم الجمعة لافتراضها.
وأصحهما: يقدم الكسوف لخطر الفوات ولو اجتمع الكسوف مع فريضة أخرى، فالحكم كما لو اجتمع مع الجمعة ولو وجد الخسوف في وقت الوتر والتَّراويح قدم صلاة الكسوف، وإن خيف فوات الوتر؛ لأن صلاة الخسوف آكد ولأنها إذا فاتت لا تقضى.
الثالثة: لو اجتمع عيد وجنازة أو كسوف وجنازة قدمت صلاة الجنازة (١) لما يخشى من حدوث التَّغير في الميت ثم لا يتبعها الإمام إذا قدمها بل يشتغل بعدها بغيرها من الصلوات، ولو لم تحضر الجَنَازَةُ أو بعد أو حضرت ولم يحضر الولي أفرد الإمام جماعة ينتظرونها واشتغل بغيرها.
ثم بعد الجنازة يقدم العيد أو الكسوف فيه الكلام الذي سبق. ولو حضرت وقت الجمعة جنازة ولم يضق وقت الجمعة قدمت الجَنَازة، وإن ضاق قُدِّمت الجمعة لافتراضها. وقال في "النهاية": قطع شيخي بتقديم صلاة الجنازة؛ لأن للجمعة خلفاً، وهو الظهر والّذي يحذر وقوعه من الميت لو فرض لم يجبره شيء. وليكن قوله في الكتاب: "إلا الجمعة فإنها تقدم" معلماً بالواو لهذا الوجه. وتختم هذه الصورة بفصلين:
أحدهما: في الخطبة المأتى بها لِلصَّلاتين المجتمعتين.
أما إذا اجتمع العيد والكسوف فيخطب لهما بعد الصَّلاتين خطبتين، ويذكر فيهما شأن العيد والكسوف. وأما إذا اجتمع الجمعة والكسوف، فإن اقتضى الحال تقديم الجمعة خطب لها، ثم صلّى الجمعة ثم صلى الكسوف ثم خطب لها، وإن اقتضى الحال تقديم صلاة الكسوف بدأ بها، ثم خطب للجمعة وذكر فيها شأن الكسوف كما أن النبي: "اسْتَسْقَى في خُطْبَتِهِ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةِ" (٢).
واعرف في قوله: "ويكفيه للجمعة والكسوف خطبة واحدة" شيئين:
стр. 923
أحدهما: أن المراد من هذا الكلام أنه يكفيه من الخطبة ما كان يكفيه لو لم يصل إلا واحدة من الصَّلاتين وهي خطبتان، ولا يحتاج إلى أربع خطب وليس المراد أنه تكفي خطبة فردة.
وثانيهما: أن كلام الأصحاب ينازع في اللَّفظ الذي ذكره فإنهم قالوا: "لا يخطب للجمعة والكسوف"؛ لأن الخطبة فرض في الجمعة، ولا يجوز التَّشريك بين الفرض والنَّفل، ولكن يخطب للجمعة، ثم يذكر فيها أمر الخُسوف بخلاف العيد والخسوف يجوز أن يقصد بخطبته كلتيهما؛ لأنهما سنتان (١). قالوا: ولهذا قال الشَّافعي ﵁ في "المختصر" في مسألة اجتماع العيد والخسوف "ثم يخطب للعيد والخُسوف".
وقال في مسألة اجتماع الجمعة والخسوف: "ثم يخطب للجمعة ويذكر فيها الخسوف " فإذاً اللفظ مؤول، والمعنى أنه لا يحتاج إلى خُطْبَتَيْن لكلِّ صلاة.
والفصل الثَّاني: أن طائفة اعترضت على تصوير الشَّافعي ﵁ اجتماع العيد والخسوف، وقالت: هذا محال؛ لأن العيد إما الأول من الشهر، وإما العاشر والكسوف لا يقع إلاَّ في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، وأجاب الأَصحاب عنه بوجوه:
أحدها: أن هذا قول أهل التَّنْجيم، وأما نحن فنجوّز وقوع الكسوف في غير اليومين المَذْكُورَيْن، فإنَّ الله تعالى على كلِّ شَيْءٍ قدير، وقد نقل وقوع مثل ذلك إذ صح أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ يَومَ مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنُ رسول الله (٢).
وروى الزُّبير بن بكَّار ﵁ في كتاب "الأَنْسَابِ" أَنَّه تُوُفِّيَ فِي العَاشِرِ من رَبيعٍ الأَوَّلِ" (٣). وروى البَيْهَقِيّ مثله عن الواقدي بإسناده (٤)، وكذلك اشتهر أن قتل
стр. 924
الحسين بن علي ﵄ كان يوم عاشوراء. وروى البيهقي عن أبي قبيل أنه لما قتل الحسين ﵁ كسفت الشَّمْس كسفة بدت الكَوَاكب نصف النَّهَار حتى ظننا أنها هي.
والثاني: هَبْ أَنَّ الكسوف لا يقع إلاَّ في الثَّامن والعشرين أو التَّاسع والعشرين، لكن يجوز أن يوافق العيد اليوم الثَّامن والعشرين بأن يشهد شاهدان على نقصان رجب، ويفرض مثل ذلك في شعبان ورمضان وكانت في الحَقِيقَةِ كاملة فإنَّ اليوم الأول المحسوب من شعبان بناء على شهادتهما يكون من رجب ويومان من أول رمضان يكونان من شعبان، فيبقى سبعة وعشرون ويوافق العيد اليوم الثامن والعشرين.
والثالث: هَبْ أن ذلك لا يقع أصلاً لكن الفقيه قد يصور ما لا يتوقع وقوعه لِتَشْحِيذ الخاطر وتحصيل الدُّرْية في مجاري النظر واستخراج التَّفَاريع الدَّقيقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ تُصَلَّى صَلاَةُ الكُسُوف لِلْزَّلاَزِلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ.
قال الرافعي: فيما سوى كسوف النّيرين من الآيات كالزَّلازل والصَّواعق والرياح الشديدة لا يصلّي له بالجماعة إذ لم يثبت ذلك عن رسول الله ولكن يستحب له الدعاء والتّضرع.
روي عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلاَّ جَثَا النَّبِيُّ على رُكْبَتَيْهِ، وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلاَ تَجْعَلْهَا عَذَاباً اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً" (١). وكذلك يستحب لكلِّ أحد أن يصلّي منفرداً لئلا يكون على غفلة إن حدثت حادثة، فلذلك قال في الكتاب: "ولا يصلِّي صلاة الكسوف" أي كما يصلي للكسوف ولم يقل: ولا يصلي مطلقاً. وليكن قوله: "ولا يصلي" معلَّماً بالألف؛ لأن عند أحمد يصلّي جماعة في كل آية وبالواو؛ لأنه ذكر أن الشافعي ﵁ روى أن عَلِيّاً ﵁ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ جَمَاعَةً" (٢) ثم قال: إن صحَّ قلت به فمن الأصحاب من قال هذا قول آخر له في الزلزلة وحدها، ومنهم من عمَّمه في جميع الآيات (٣) -والله
أعلم-.
стр. 925
كِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ
قال الغزالي: وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ، وَلَوِ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ استُحِبَّ لِغَيْرِهِمْ أَيضًا هَذِهِ الصَّلاَةُ، وَلاَ بَأْسَ بِتَكْرِيرِهَا إِذَا تَأخَّرَتِ الإِجَابَةُ، وَإنْ سُقَينَا قَبْلَ الصَّلاَةِ خَرَجْنَا للشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالوَعْظِ، وَهَل نُصَلِّي لِلْشُّكْرِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المراد من الاسْتِسْقَاءِ في الباب مسألة الله تعالى سُقْيَا عباده عند حاجتهم إليه، وله أنواع:
أدناها: الدُّعاء المجرَّد من غير صلاة ولا خلف صلاة، إمّا فرادى أو مجتمعين لذلك.
وأوسطها: الدّعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك.
وأفضلها: الاسْتِسْقَاء بركعتين وخطبتين كما سنصفه.
والأخبار وردت بجميع ذلك، وأنكر أبو حنيفة ﵀ استحباب النوع الثالث. وقال: "المسنون في الاسْتِسْقَاء هو الدعاء، والخطبة والصلاة لها بدعة".
لنا: ما روي عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عن عمه أنّ رسول الله: "خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ" (١).
وعن ابْن عباس ﵄ أنَّ النبي: "خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعاً، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" (٢). ولا فرق في اسْتِحْبَاب الاسْتِسْقَاء بين
стр. 926
أهل القُرى والبَوَادِي والأَمصار ولا بين المقيمين والمسافرين، ويُسنُّ لهم جميعاً الصلاة والخطبة له لاستواء الكلِّ في الحاجة. وقوله في الكتاب: "وهي سنة" أُعلم بالحاء لرجوعه إلى ترجمة الباب وهي صلاة الاستسقاء. وقد حكينا عن أبي حنيفة أن الصلاة غير مسنونة. وقوله: "عند انْقِطَاع المِيَاهِ".
بيان لِلسَّبب الدَّاعي إلى الاسْتِسْقَاء وعمم به ما إذا انقطع المطر، وما إذا غارت العُيُون في ناحية أو انبثقت الأنهار ونحوها؛ لحصول الضّرار بجميع ذلك، ولا بد من قيد في قوله: "عند انقطاع المياه" وهو أن تمسّ الحاجة إليها في ذلك الوقت وإلاَّ فلا يستسقون، ثم في الفصل مسائل: أحدها: إذا انقطع المياه عن طائفة من المُسْلِمِين استحبّ لغيرهم أن يصلوا وَيَسْتَسْقوا لهم ويسألوا الزيادة لأنفسهم (١).
روي أنه ﷺ قال: "أَرْجَى الدُّعَاءِ دُعَاءُ الأخَ لِلأْخ بِظَهْرِ الْغَيْب" (٢)، وقد اثنى الله -تعالى جدّه- على الدّاعين لإخوانهم بقوله: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ" (٣).
الثانية: إذا استسقوا فسقوا فذاك وإن تأخرت الإجَابة استسقوا وصلّوا ثانياً وثالثاً حتى يسقيهم الله -تعالى جدّه- فإنَّ الله يحب المُلحِّينَ في الدعاء. وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجَّهَا آخر: أنهم لا يفعلون ذَلك إلا مرّة واحدة إذ لم ينقل زيادة عليها، ثم على
стр. 927
الأوّل الصحيح، هل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل يوم الخروج كما سيأتي استحباب ذلك للخروج الأول؟ قال في "المختصر": يعودون من الغَدِ.
وحكي عن القديم" أنهم يقدمون صوم ثلاثة أيّام، واختلفوا فيهما على طريقين:
منهم من قال: هما قولان: وبه قال ابن القطان، وزعم أنه ليس في الاسْتِسْقَاء مسألة فيها قولان سوى هذه. والأول منهما أظهر. وقال الشيخ أبُو حَامِدٍ وغيره: هما مُنَزَّلان على حالين إن لم يشقَّ على الناس ولم ينقطعوا عن مصالحهم عَادُوا غدًا وبعد غدٍ، وإن اقتضى الحال التّأخير أيّاماً استأنفوا للخروج صوم ثلاثة أيام (١).
وقوله في الكتاب: "ولا بأس بِتَكْرِيرها"، هذه الكلمة لا توجب إلاَّ نَفْي الخروج والكراهة. لكن الّذي قاله الجمهور أَنَّ التَّكرير مستحبٌّ نعم الاستحباب في المرَّة الأولى آكد. الثالثة: لو تأهَّبوا للخروج لصلاة الاسْتِسْقَاء فسقوا قبل وعد الخروج خرجوا للوعظ والدّعاء والشّكر على إعطاء ما عزموا على سؤاله، وهل يصلون شكراً؟.
حكى المصنّف وإمَامُ الحَرَمَيْنِ فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن النبي ﷺ : "مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلاةَ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ" (٢).
وأصحهما: وهو الذي ذكره الأكثرون وحكاه المُحَامِلِيُّ عن نصه في "الأم": أنهم يصلُّون للشكر كما يجتمعون ويدعون.
وأجرى الوجهان فيما إذا لم تنقطع المياه وأرادوا أن يصلُّوا للاستزادة.
وقوله: "خرجنا للشكر يبين أن صلاة الاستسقاء تقام في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف؛ لأن النبي: "كَانَ يَخْرُجُ لِلاسْتِسْقَاءِ إِلَى الصَّحْرَاءِ" (٣)، أو لأن النَّاس يكثرون فيه فلا يَسَعُهُمُ المسجد غالباً.
قال الغزالي: وَالأَحَبُّ أَنْ يَأمُرَ الإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ المِيعَادِ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّام وَبِالْخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يِهِمْ فِي ثِيَابِ بَذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ مَعَ الصِّبيَانِ وَالبَهَائِمِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على آداب لهذه الصلاة: منها: أن يأمر الإمام النّاس بصوم ثلاثة أيَّام قبل اليوم الذي هو ميعاد الخُروج وبالخروج عن المظالم في الدَّم
стр. 928
والعِرض والمال، وبالتَّقرب إلى الله -تعالى جدّه- بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صياماً، ولكل واحدة من هذه الأمور أثر في إجابة الدّعاء على ما ورد في الأخبار. ومنها: يخرج بهم في ثياب بُذِلَةٍ وَتَخَشُّع، ولا يتزينون ولا يتطيبون، لما قدمناه من حديث ابن عباس ﵄، لكن يتنظَّفون بالماء والسِّواك وما يقطع الروائح الكريهة ويخالف العيد؛ لأن ذلك يوم زينة وهذا وقت مسألة واستكانة، فاللائق به التَّواضع ولبس بَذْلَة الثِّياب دون جديدها. ومنها: يستحبُّ [إخراج] (١) الصِّبيان والمَشَايخ؛ لأن دُعَاؤهم إلى الإجابة أقرب، وكذلك إخراج مَنْ لا هَيْئَةَ لها من النِّساء، وفي إخراج البهائم قصداً وجهان ذكرهما صاحب "النِّهاية" وغيره.
أحدهما: لا يستحب إذ ليس لها سؤال وأهليّة طلب لكن لو أخرجت فلا بأس.
وأصحهما: أنه يستحبُّ إخراجها؛ لما روي أنها تستسقي (٢).
وعن رسول الله أنه قال: "لَوْلاَ رِجَالٌ رُكَّعُ، وَصِبْيَانٌ رُضَّعُ، وَبَهَائِمُ رُتَّعُ، لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبّاً" (٣). وقوله في الكتاب: "والبَهَائم" جواب على هذا الوجه، وإدراج له في حدِّ الأحب، وليكن معلّماً بالواو للوجه الأول. وأما خروج أهل الذِّمَّة فقد نص الشَّافعي ﵁ على كراهته والمَنْع منه إن حضروا مستسقى المسلمين؛ لأنهم ربّما كانوا سبب القحط واحتباس القَطْر، وإن تميزوا ولم يختلطوا بالمسلمين لم يمنعوا (٤)؛ لأنهم مُسْتَرْزقة وقد تعجل إجابة دعاء الكافر اسْتدراجاً له.
وحكى القاضي الرُّوياني وجهاً آخر: أنهم يمنعون وإن تميزوا إلا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، وهذا يقتضي إعلام قوله: "وأهل الذمة" بالواو، على أن إيراد الكتاب يقتضي إدراج الخروج بهم في حَدّ الأحبّ، لكن الجمهور ساكتون عنه والتّفصيل في أنهم يمنعون أم لا؟ ومن الآداب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما
стр. 929
فعل من خير فيجعله شافعًا. ومن الآداب أن يستسقى بالأكابر وأهل الصَّلاح، سيّما من أقارب رسول الله ﷺ : "اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ (١)، وَمُعَاوِيةُ بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ" (٢) ﵃.
قال الغزالي: وَيُصَلِّي بِهِم رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ العِيدِ وَيَقْرَأُ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَينِ "إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً".
قال الرافعي: قد روينا عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" (٣).
وفي رواية: "صَنَعَ فِي الاسْتِسْقَاءِ مَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى" (٤).
فينبغي أن ينادي لها الصَّلاة جامعة، ويكبّر في الأولى سبع تكبيرات زائدة، وفي الثانية خمساً ويجهر فيهما بالقراءة، ويقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية (اقْتَرَبَت) (٥). وعن بعض الأصحاب: أنه يقرأ في إحدى الركعتين (إنَّا أَرْسَلنَا) (٦) حكاه الصيدلاني وغيره، وهو المذكور في الكتاب، ولتكن تلك الركعة هي الثانية ويقرأ في الأولى (ق) رعاية لنظم السور، وهكذا حكاه في "التَّهذِيب"، ثم روى المحاملي عن لفظ الشّافعي ﵁: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين، وإن قرأ (إِنَّا أَرْسَلْنَا) كان حسنًا، وهذا يثسعر بأنه لا خلاف في المسألة، وإن كان سائغاً، ومن أثبت خلافاً في أن الأحبّ ماذا؟. وقال: الأصح: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيد، وعلى هذه الطريقة أعلم قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا) بالواو، وسبب تعيين هذه السورة، أنها لائقة بالحال لما فيها من ذكر الاستسقاء، قال الله -تعالى جده-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٧) الآية.
وأما وقت إقامة هذه الصلاة فمنهم من قال: هي كصلاة العيد في الوقت؛ لأن النَّبي ﷺ : "صَلاَّهَا فِي هذَا الْوَقْتِ" وهذا ما ذكره صاحب "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبِي عَلِيٍّ واستغربه، وذكر الرُّوياني وآخرون: أن وقتها يبقى بعد الزَّوال ما لم يصل العصر، ولك أن تقول: قدمنا وجهين ذكرهما الأئمة في أنَّ صلاة الاسْتِسْقَاء هل تكره في أوقات الكراهية أم لا؟ ومعلوم أَنَّ الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة
стр. 930
العيد ولا فيه مع انضمام ما بين الزَّوَال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاسْتِسْقَاء منحصراً (١) في ذلك، وليس لحامل أن يحمل الوجهين في أوقات الكراهية على قضائها، فإن صلاة الاستسقاء لا تقضى (٢). وقد صرح صاحب "التَّتِمَّة" بأن صلاة الاسْتِسْقَاء لا تختص بوقت دون وقت بل أي وقت صلاها من ليل أو نهار جاز.
وقوله: "ويصلي ركعتين" معلم بالحاء لما سبق أنه لا تستحب الصلاة. وقوله: "كصلاة العيد" بالميم والألف؛ لأن عند مالك ليس في هذه الصلاة تكبير زائد وبه قال أحمد في رواية:
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ كَخُطْبَةِ العِيدِ وَلَكِنْ يبُدِّلُ التَّكْبِيرَاتِ بِالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ فِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيْسَتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِيهِمَا وَيحَوِّلُ رِدَاءَهُ تَفَاؤُلاً بِتَحْوِيلِ الحَالِ فَيَنقْلِبُ الأعْلَى إلَى الأَسْفَلِ وَالَيَمِينَ إِلَى اليَسَارِ وَالظَّاهِرَ إلَى البَاطِنِ، وَيتْرُكُة كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يخطب" مرقوم بالألف؛ عنده لا خطبة لصلاة اسْتِسْقَاء، ولكن يدعو الإمام ويكثر في دعائه من الاسْتِغْفَار وهو مخير بين أن يدعو قبل الصلاة أو بعدها، وعندنا يخطب له، لما روى ابن عباس ﵄ أنَّ النبي: "صَنَعَ فِي الإسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ : "خَرَجَ إِلَى الإِسْتِسْقَاءِ فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ وَخَطَبَ" (٤).
إذا ثبت ذلك فينبغي أنْ يخطب خطبتين، وهما في الأَرْكَان والشرائط كما تقدم، ويبدل التَّكبيرات المشروعة في أول خُطْبَتي العيد بالاستغفار، فيقول: "أسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي
стр. 931
لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيَّومُ وَأتُوبُ إِلَيْهِ" ويختم كلامه بالاستغفار أيضاً ويكثر منه في الخطبة ومن قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١).
ويجوز أن يعلم قوله: "يبدل التكبيرات بالاستغفار" بالواو؛ لأن صاحب "البَيَان" حكى عن المُحَاملي أنه يكبِّر في أول الخطبتين، كما يكبِّر في أوّل خطبتي العيد.
وقوله: "لكن يبدل" استدراك واستثناء عن تشبيه هذه الخطبة بخطبة العيد، لكن افتراقهما غير منحصر فيه، بل يفترقان في أمور أخر: منها: أن يستقبل القِبْلَة في الخطبة الثانية كما سنذكر. ومنها: أن يدعو في الأولى بما روي عن ابن عمر ﵄ أنّ النبي: كان إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئاً مَرِيئاً، مَرِيعاً غَدَقاً، مُجَلَّلاً سَحّاً، طَبقاً دَائِماً، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلاَدِ مِنَ الَّلأوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لاَ نَشْكُوهُ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلاَءِ مَا لاَ يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّاراً، فَأرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدرَاراً" (٢). ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثَّانية مستقبلاً الناس مستدبراً للقبلة كما في الجمعة والعيد ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرّاً أو جهراً، قال الله -تعالى جدّه-: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٣) وإذا أسرَّ دعا الناس سرّاً ورفعوا أيديهم في الدّعاء. وقد روى عن أنس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ : "اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ" (٤).
قال العلماء: وهكذا السّنة لمن دعا لدفع البَلاَء جعل ظهر كفَّيه إلى السَّمَاء، وإذا سأل الله -تعالى- شيئاً جعل بطن كفه إلى السماء.
قال الشافعي ﵁: وليكن مِنْ دُعَائهم في هذه الحالة: "اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعْدَتْنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةٍ في مَا قَارَفْنَا، وإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا وَسَعَةٍ في رِزْقِنَا".
وقوله في الكتاب: "ويستقبل القبلة فيها"، ربما أوهم استحباب الاستقبال في جميعها وليس كذلك، بل المراد: أنه يستقبل القِبْلَةَ في أثنائها.
ثم إذا فرغ من الدّعاء مستقبلاً أقبل بوجهه على النّاس وحضَّهم على طاعة ربهم،
стр. 932
ويصلي على النبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ آية أو آيتين ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل، هذا لفظ الشَّافعي ﵀.
ويستحب عند تحوّله إلى القيام أن يحول (١) رداءه، وهل ينكسه مع التحويل؟ فيه قولان:
الجديد: نعم.
والقديم: لا، وبه قال مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يفعل واحداً منهما.
والتحويل: أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وبالعكس. والتنكيس: أن يجعل أعلاه أسفله وبالعكس. أما التَّحوَّل فهو منقول عن فعل رَسُولِ الله ﷺ (٢). وأما التَّنكيس فقد نقل: أَنَّهُ هَمَّ به، لَكِنْ كان عليه خَمِيصَةٌ، فثقلت عليه، فقلبها مِنَ الأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ" (٣)، فرأى الشَّافعي ﵁ في الجديد اتباعه فيما هم به لظهور السَّبب الدَّاعي إلى التَّرك، ومتى جعل الطرف الأسفل الَّذي على شقّه الأيسر على عاتقه الأيمن والطرف الأسفل الذي على شقّه الأيمن على عاتقه الأيسر فقد حصل التحويل والتنكيس جميعاً، وهذا كله في الرِّداء المربع.
فأمّا المقوّر والمثلّث فليس فيه إلاَّ التَّحْويل، والنَّاس يفعلون بأرْدِيَتِهِمْ مثل ما فعل الإمَام؛ والسبب في ذلك التَّفاؤل بتحويل الحال من الجدُوبَة إلى الخَصب، "وكَانَ النَّبي ﷺ يُحَبُّ الْفَأْلَ" (٤) وإذا حوَّلوا الأَرْدِيَة تركوها كذلك إلى أن ينزعوا الثِّيَاب. وقوله: "ويحوِّلُ رداءه" مرقوم بالحاء لما ذكرنا. وقوله: "فيقلب" مرقوم به أيضاً وبالميم والأف والواو للقول القديم الصَّائر إلى أنه لا يقلب الأعلى إلى الأسفل، وهذا الكلام تفسير منه لِلتَّحويل والتَّنْكيس مندرج فيه، فقد أخذ في التَّفسير قلب الظَّاهر إلى البَاطن، وإنما قلَّد فيه إمام الحرمين ﵀، فقد حكي عن الجديد أنه يقلب أسفل الرِّدَاء إلى الأعلى، ويقلب ما كان من جانب اليمين إلى اليسار، ويقلب ما كان باطناً يلي الثِّياب
стр. 933
منه إلى الظاهر، فتحصل ثلاثة أوجه من التَّقليب.
واعلم أنَّ هذا الوجه الثَّالث لم يذكره الجُمْهُور، وليس في لفظ الشافعي ﵁ تعرُّض له، والوجه حذفه؛ لأن الأمور الثَّلاثة لا يمكن اجتماعها إلا بوضع ما كان منسدلاً على الرأس أو لفه عليه، ومعلوم أنَّ هذه الهيئَةَ غير مأمور بها وليست هي من الارْتِدَاء في شيء، وفيما عدا ذلك لا يجتمع من الأمور الثلاثة إلا أثنان، إما قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الظاهر إلى الباطن، أو قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الأعلى إلى الأسفل، أو قلب الظَّاهِرِ إلى البَاطِنِ مع قلب الأعلى إلى الأسفل، فإن شككت فيه فجرِّبه يزل شكّك (١)، -[والله أعلم]-.
стр. 934
كِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِ
قال الغزالي: المُخْتَصَرُ يُسْتقْبَلُ بِهِ القِبْلَةُ فَيُلْقي عَلَى قَفَاهُ (ح م) وَأُخْمُصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُلَقَّنُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، وَتُتْلَى عَلَيْهِ سُورَةُ يس، وَلْيَكُنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ تَعَالَى.
قال الرافعي: يُسْتَحَبُّ لكل أحد ذكر الموت، قال ﷺ : "أكْثِرُوا ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (١) يعني الموت. وينبغي أن يكون مستعدّاً له بالتَّوبة وردّ المظالم، فربُّما يأتيه فجأة، وكل ذلك للمريض آكد، ويستحبُّ له الصَّبْرُ على المرض والتَّدَاوي وترك الأَنِين ما أطاق، ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلماً وإن كان ذمياً جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما، ثم العائد إن رأى أمارة البُرْءِ دَعَا للمريض وانْصَرَفَ، وإن رأى خِلاَفَ ذلك رغّبه [في التوبة] (٢) والوصية إذا عرفت ذلك فغرض الفصل الكلام في "آداب المحتضر"، وقد ذكر منها أربعة:
أحدها: أن يستقبل به القبلة وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: أنه يلقى على قفاه وَأَخْمَصَيه إلى القبلة كالموضوع على المُغْتسل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة ﵀ أنَّهُ يفجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللّحد؛ لأنه أبلغ في الاسْتِقبَال، والوجه الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر أصحابنا العراقيون سواه، وحكى عن نص الشَّافعي ﵁. واحتجوا له بما روي أنه قال: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُم فَليَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ" (٣). واستثنوا ما إذا ضاق المكان فلم يمكن وضعه على جنب أو كان به علَّة تمنع
стр. 935
من ذلك فحينئذ يلقى على قفاه ويجعل مستقبلاً بوجهه ورجليه.
والثاني: تَلْقِينُ كلمة الشَّهَادة، قال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَولَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" (١).
وقال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢).
والأحب أن لا يلحّ الملقّن عليه، ولا يواجهه بأن يقول: قل: لا إله إلا الله، ولكن يذكر الكلمة بين يديه ليتذكرها فيذكرها، أو يقول ذكر الله -تعالى- مبارك، فنذكر الله جميعاً (٣)، ويقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا قال مرّة لا تعاد عليه إلا أن يتكلّم بعدها بكلام، والأحب أن يلقّن غير الورثة، فإن لم يحضر غيرهم لقّن أشفقهم عليه (٤).
والثالث: تتلى عليه سورة "يس"؛ لما روي أنه ﷺ قال: "اقرءوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ" (٥) واستحب بعض التابعين المتأخرين قراءة سورة "الرَّعد" عنده أيضاً.
والرابع: ينبغي أن يكون حسن الظّن باللهِ ؛ لما روى جابر ﵁ قال: "سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ " (٦).
ويستحب لمن عنده تحسين ظنّه وتطميعه في رحمة الله -تعالى جدّه-.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا مَاتَ تُغْمَضُ عَيْنَاهُ، وَيُشَدُّ لِحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ وَيُسْتَرُ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ مِرْآةٌ.
стр. 936
قال الرافعي: هذا الفصل في الاداب المَشْرُوعة بعد الموت وقبل الغسل.
أولها: أن يغمض عَيْنَيْه؛ لما روي أن النَّبي ﷺ : "أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ. لَمَّا مَاتَ" (١) ولأنه لو لم يغمض لبقيت عيناه مفتوحتين وقبح منظره.
وثانيها: أن يُشَدَّ لِحْيَاه بعَصَابَة عريضة، تأخذ جميع لَحْيَيه، ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحاً فتدخله الهَوَام.
وثالثها: أن تلين مفاصله بأن يرد المتعهّد ساعده إلى عَضُده، ثم يمدها ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يردها، ويلين أصابعه ليكون الغسل أسهل، فإنَّ في البدن بعد مفارقة الروح بقيَّةُ حرارة، إن ألينت المفاصل في تلك الحالة لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد ذلك.
ورابعها: يستر جميع بدنه بثوب خفيف؛ لما روي أنه ﷺ : "لَمَّا تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ" (٢).
قال الغزالي: ولا يجمع عليه أَطْبَاق الثِّياب حتى لا يتسارع إليه الفساد، ويجعل أطراف الثَّوب السَّاتر تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف.
وخامسها: يوضع على بطنه شيء ثقيل من سيف أو مرآة أو نحوهما؛ فإن لم يكن حديد فقطعة طين رطب لئلا ينتفخ ويصان المصحف عنه فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه به بأسهل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يوضع على شيء مرتفع من سرير ونحوه لئلا تصيبه نَدَاوَةُ الأرض فيتغير.
ومنها: أن يستقبل به القبلة كما في "المحتضر".
ومنها: أن ينزع عنه ثيابه الَّتِي مات فيها، فإنه على ما حكى يسرع إليه الفساد.
ومنها: أن يبادر إلى قضاء دَيْنِهِ وتنفيذ وصيته إن تيسر ذلك في الحال (٣).
стр. 937
قال الغزالي: ثُمَّ يُشْتَغَلُ بِغُسْلِهِ وَأَقَلُّهُ إِمْرَارُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائهِ، وَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الغَاسِلِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَصِحَّ مِنَ الكَافِر، وَأُعِيدَ غُسْلُ الغَرِيقِ.
قال الرافعي: يستحبُّ المبادرة إلى الغُسْلِ والتَّجْهِيز عند تحقُّق الموت وذلك بأن يكون به علة، وتظهر أمارات الموت مثل أن تسترخي قدماه فلا ينتصبا أو يميل أنفه أو ينخسف صدْغَاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كفاه من ذراعيه أو تتقلَّص خِصْيَتَاهُ إلى فوق مع تَدَلِّي الجلدة. وعند الشَّكِّ يتأنَّى إلى حصول اليقين.
وموضعه أن لا يكون به علة، ويجوز أن يكون ما أصابه سَكْتَة أو ظهرت أمارة فزع واحتمل أنه عرض ما عرض لذلك فيتوقف إلى حصول اليقين بتغيُّر الرَّائحة وغيره (١). إذا عرفت ذلك فنقول: غسل الميت من فروض الكفايات، وكذلك التَكفين والصَّلاة عليه والدّفن بالإجماع، والنظر في الغسل في شيئين:
أحدهما: في كفيته. والثاني: فيمن يغسل.
النظر الأول في كيفيته، والكلام في الأقل والأكمل.
أما الأقل فلا بُدَّ من استيعاب البدن بالغُسْل مرَّة بعد أَنْ يزال ما عليه من النَّجَاسة إن كانت عليه نجاسة، وهل تشترط النّية على الغاسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النِّية كغسل الجنابة.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من هذا الغسل النَّظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، وإنما تشترط النية في سائر الأغسال على المغتسل، والميت ليس من أهل النية، وهذا أصح فيما ذكره القَاضي الرُّوياني وغيره، ويترتب على الخلاف صورتان:
إحداهما: لو غسل الكافر مسلماً هل يجزئ؟.
إنْ فرَّعنا على الوجه الأول فلا، وإلاَّ فَنَعَم.
والثانية: لو غرق إنسان ثم لفظه الماء، وظفر نابه إن قلنا بالأول لَمْ يَكْفِ ما سبق ووجب غسله، وإن قلنا بالثاني كفى ذلك، واعرف هاهنا ثلاثة أمور:
أحدها: أن المحكيَّ عن نَصِّ الشافعي ﵁ في الصُّورة الأخيرة أنه
стр. 938
يجب الغسل ولا يكفي إصابة الماء إياه، ونصَّ فيما إذا غسلت الذِّمية زوجها المسلم أنه يكره، ويجوز وهو أحد أمثلة الصورة الأولى، وكأنَّ الوجهين مستنبطان من هذين النَّصين، والظاهر في الصورتين هو الذي نص عليه.
أما في سورة غسل الكافر فهو مستمرٌّ على ما حكينا أن الأصح عدم اشتراط النّية. وأما في سورة الغَرِيق فسبب الأمر بالغسل أنَّا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنَّا إلا بفعلنا.
والثاني: أن في قولنا: "الكافر ليس أهلاً للنِّية" إشكالاً أشرنا إليه في "باب صفة الوضوء".
والثالث: أن قوله: "وأعيد غسل الغَرِيق" إن كان بضمِّ الغَيْنِ يقتضي أن يكون أصابه الماء إياه بمجردها غسلاً، ليكون هذا إعادة له لكن الأليق توجُّه وجوب النِّية أن لا يوقع اسم الغسل إلا على غسل الأعضاء مع النِّيَّة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأنْ يُحْمَلَ إِلَى مَوضِعٍ خَالٍ وَيُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ وَلاَ يُتْزَعَ قَمِيصُهُ (م ح) وَيُحْتَاطَ فِي غضِّ البَصَرِ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، وَيُحْضَرُ ماءٌ بَارِدٌ (ح) طَهُورٌ، وَيُبْعَدُ الإِنَاءُ مِنَ المُغْتَسِلِ حَذَرًا مِنَ الرَّشَاشِ ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِغَسْلِ سَوْءَتَيهِ بَعْدَ لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى اليَدِ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ فَيمْسَحَ عَلَى بَطْنِهِ لِتَخْرُجَ الفَضَلاَتُ، ثُمَّ يتَعَهَّدُ مَوَاضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَمَنْخَرتْه بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، ثُمَّ يتَوَضَّأ ثَلاَثاً مَعَ المَضْمَضَةِ (ح) وَالاسْتِنْشَاقِ.
قال الرافعي: الفصل لذكر أمور محبوبة مقدمة على نفس الغسل:
أحدها: أن يحمل الميت إلى موضع خَالٍ مستور لا يدخله أحد إلاَّ الغاسل ومن لا بد من معونته؛ لأنه في حياته كان يستتر عند الاغتسال فكذلك يستر بعد موته، ولأنه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره.
وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره؛ أن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء، وإن لم يغسل؟ ولا أعان، ويروي:"أَنَّ غُسْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَوَلاَّهُ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ ﵃ (١) - يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ".
ثم يوضع على لَوْحٍ أو سرير هي لذلك، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء
стр. 939
عنه، ولا يقف تحته، ويغسل في قميص خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "الأولى أن يجرَّد" ويروى مثله عن مالك، وحكاه القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجهاً عن بعض الأصحاب، لنا: أنه أستر له، ولأن النَّبي ﷺ : "غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ" (١).
دل أنه أفضل، وليكن القميص باليًا أو سخيفاً ثم إن كان القميص واسعاً أدخل يديه في كُمَّيه وغسله من تحته وعلى يده خرقة، وإن كان ضيِّقاً فتق رُؤُوس الدَّخَارِيصِ (٢)، وأدخل اليد في موضع الفَتْقِ فلو لم يجد قميصاً، أو لم يتأتّ غسله فيه، ستر منه ما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وحرم النظر إليه؛ لما روى عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنَّ النبي ﷺ قال: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ" (٣).
وعند أبي حنيفة يلقى خرقة على فرجه وفخذه مكشوفة ويكره للغاسل أن ينظر إلى شيء من بدنه إلا لحاجة، بأن يريد معرفة المَغْسُول من غير المغسول، والمُعين لا ينظر إلا لضرورة. وقوله في الكتاب: "ولا ينزع قميصه" غير هذه العبارة أولى منها؛ لأنها توهّم كونه في قميص قبل حالة الغسل، والمحبوب نزع الثِّياب المخيطة عنه من حين مات إلى وقت الغسل، والقميص الذي يغسله فيه يلبس عند غسله، ذكره المسعودي وغيره.
الثَّاني: يحضر ماء بارداً في إناء كبير كالجب ونحوه ليغسل به وهو أولى من المسخّن إلاَّ أن يحتاج إلى المسخّن لشدة البرد أو لوسخ وغيره (٤).
وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال. لنا أن البارد يشدّ بدنه والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى، وينبغي أن يبعد الإناء الذي فيه الماء عن المغتسل بحيث لا يصيبه رَشَاشُ الماء عند الغسل، أمّا من صار إلى قول نجاسة الآدمي بالموت قال: لئلا ينجس بالرَّشاش الذي يصيبه، وربما احتج بهذه المسألة على النَّجاسة.
وأما من نصر القول الصحيح وهو طهارته، قال: إنما يبعد عنه لتكون النفس أطيب في أن لا يَتَقَاطَرَ الماء إليه.
وأيضاً فالماء المستعمل إذا أكثر تقاطره فقد يثبت لما يتقاطر إليه حكم الاستعمال
стр. 940
فيخرج عن كونه طهوراً، وأما وصفه الماء المحضر بكونه طهوراً ففيه فائدة على طهوره، وهي أنا نحب استعمال السَّدْر في بعض الغسلات على ما سيأتي، لكن الظاهر أنَّ الفرض لا يسقط به فلا يجوز أن يكون الماء المحضر مغيراً بالسِّدْر.
والثالث: يعدُّ الغاسل قبل الغسل خِرْقَتَيْن نظيفتين، وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاساً رفيقاً بحيث لا يعتدل، ويكون مائلاً إلى ورائه ويضع يده اليُمْنَى على [كتفه] (١) وإبهامه في نقْرَة قَفَاه حتى لا يَتَمَايل رأسه، ويسند ظهره إلى ركبتيه اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه إمراراً بليغاً ليخرج ما فيه من الفَضَلات، وينبغي أن تكون المَجْمَرَة والحالة هذه متّقدة فائحة بالطِّيب، والمُعين يصبّ عليه ماء كثيراً لئلا تظهر رائحة ما يخرج، ثم يرده على هيئة الاسْتِلْقَاء، ويغسل بيساره وهي ملفوفة بإحدى الخِرْقَتَيْن دُبَرَه وَمَذَاكِيره (٢) وَعَانَتَه، كما يَسْتَنْجِي الحَيُّ ثم يلقي تلك الخِرْقَةَ ويغسل يده بماء [وأَشْنَان] (٣) إن تلوثت.
وقوله في الكتاب: "ثم يبتدئ بغسل سَوْأتيه بعد لَفِّ خِرْقَةِ اليد" يشعر بأنه يغسل السَّوْأَتَيْنِ معاً بخرقة واحدة، وكذلك ذكر الجمهور، وسيحكى ما يفعله بالخرقة الثَّانية من الخِرْقَتَين المعدّتين، وفي "النِّهاية" و"الوسيط" أنه يغسل كلّ سوأة بخرقة ولا شك أنه أبلغ في التَّنظيف (٤).
وقوله: "ثم يتعهَّد مواضع النَّجَاسة من بدنه" فيه إشكال؛ لأنه إن كانت عليه نجاسة فإزالتها قبل الغسل واجبة على ما تقدم في غسل الأحياء، فلا يَنْبَغِي أن يدرج في حدِّ الأكمل، ولم يذكر صاحب "النِّهَايَةِ" لفظ النَّجَاسَة في هذا الموضع لكن قال: "إن كان ببدنه قَذَرٌ اعتنى به ولف خرقة على يده وغسله".
стр. 941
الرابع: إذا فرغ من غسل سَوْأَتيه لفَّ الخِرْقَةَ الأخرى على اليد، وأدخل أصبعه في فيه وأمرَّها على أسنانه بشيء من المَاء ولا يقعِّر فاه، وكذا يدخل طرف أصبعه في مَنْخَرَيْه بشيء من الماء؛ ليزيل ما فيها من الأذى، ثم يوضِّئه كما يتوضأ الحي ثلاثاً ثلاثاً، ويراعي المَضْمَضَة والاسْتِنْشَاق خلافاً لأبي حنيفة. لنا أَنَّ النَّبي ﷺ : قال للواتي غسلن ابنته: "ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" (١).
وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء.
ثم لفظ الكتاب وكلام الأكثرين يقتضي أَنْ يكون إدخال الأصبع [في] (٢) الفم والمنخَرَيْن غير المَضْمَضة والاستِنْشَاق وأنه في الفم بمنزلة السِّواك وغرضه التَّنْظيف، وفي "الشَّامِلِ" وغيره ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق ليسا وراء ذلك، والظاهر الأول، ثم يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى باطنه، وهل يكتفي بوصول الماء إلى مَقَادِيمِ الشّعْرِ والمنخَرَيْن أم يوصل الماء إلى الداخل؟ حكى إمام الحرمين فيه تردد لخوف وصول الماء إلى جوفه، وتأثيره في تسارع الفساد إليه وقطع بأنه لو كانت أسنانه متراصّة لم يكلّف فتحها.
قال الغزالي: ثُمَّ يُتَعَهَّدُ شَعْرُهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ وَيُصَبُّ المَاءُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ وَيصَبُّ المَاءُ عَلَى الشِّقِّ الأَيْسَرِ وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثاً، فَإِنْ حَصَلَ الإِنْقَاءُ وَإِلاَّ فَخَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ، ثُمَّ يُبَالَغُ فِي تَنْشِيفِهِ صِيَانَةً لِلْكَفَنِ، وَيَسْتَعْمِلُ قَدْراً مِنَ الكَافُورِ لِدَفْعِ الهَوَامِّ، وَيسْتَعْمَلُ السِّدْرَ فِي بَعْضِ الغَسَلاَتِ، وَلاَ تَسْقُطُ (ح) الفَرْضُ بِهِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من تَوضِيئه غسل رأسه، ثم لِحْيَتَه بالسِّدْرِ والخَطْمِيِّ، وسرَّحَهُمَا بمشط واسع الأْسنان إن تلبَّد شعرهما، ويرفق حتى لا يُنْتَف شيء، وإن أنتف ردَّه إليه، وليكن قوله: "بمشط" معلَّمًا بالحاء والألف؛ لأن عندهما لا يتعهّده بالمشط، ولكن يغسل ويزيل الوَسَخَ.
لنا ما روى أَنَّه ﷺ قال: "افْعَلُوا بِمَيِّتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" (٣).
стр. 942
ومعلوم أن العروس يسرَّح شَعْرها، ثم يُضْجَع على جنبه الأيسر فيصبُّ الماء على شقِّه الأيمن، ثم يضجع على جنبه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر، هكذا ذكره صاحب الكتاب والإمام في آخرين، والأكثرون زادوا في هذه الكيفية ونقصوا فقالوا: يغسل شقّه الأيمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه، ثم يغسل شقّه الأيسر كذلك، ثم يحرفه إلى جنبه الأيسر فيغسل شقّه الأيمن مما يلي القَفَا والظّهر من الكتف إلى القدم، ثم يحرفه إلى جنبه الأيمن، فيغسل شقه الأيسر كذلك، وهذا ما ذكره الشَّافعي ﵁ في "المُخْتَصر"، وحكى أصحابنا العِرَاقيون قولاً آخر: أنه يغسل جنبه الأيمن من مقدمه، ويحوله فيغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ثم يحوّله ويغسل جانب ظهره الأيسر.
قالوا: وكل واحد من هذين الطَّريقين سائغ والأول أولى، وليس في هذين الطريقين إضجاع على الجانب الأيسر في أوَّل الأمر بل هو مُسْتَلْقٍ فيهما إلى أن يغسل بعضه، ثم يجري الاضجاع فلا بأس لو أعلمت قوله: "ثم يضجع على جنبه الأيسر" بالواو، وإنما أمرناه بالابتداء بالمَيَامِنِ؛ لأن النبي ﷺ : "أمَرَ غَاسِلاَتِ ابنَتِهِ أَنْ يَبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا" (١). ويجب الاحتراز من كبِّه على الوجه، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن جميع ما ذكرناه غسلة واحدة، وهذه الغَسْلَة تكون بالماء، والسدر، والخَطْمِيِّ تنظيفاً، وإنقاء له ثم يصب عليه الماء القرَاح من قَرْنه إلى قدمه، ويستحبّ أن يغسله ثلاثاً، فإن لم يحصل النّقاء والتَّنظيف زاد حتى يحصل، فإن حصل بشفع فالمُستَحَبُّ أن يزيد واحدة ويختم بالوتر، روي أنه ﷺ قال: "لغاسلات ابنته ﵂: "اغْسِلْنَهَا وِتْراً ثَلاَثاً أَوْ خَمْساً أَوْ سَبْعاً" (٢).
وهل يسقط الفرض بالغسلة التي فيها السّدر والخَطْمِي؟ ذكر في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: نعم، ونسبه في "النِّهاية" إلى أبي إسحاق المَرْوَزِي، لأن المقصود من غسل الميت التَّنظيف، فالاستعانة بما يزيد في التَّنْظيف ممَّا لا يقدح.
وأظهرهما: لا، لأن التَّغيير به فَاحِشٌ سالب للطهورية، فأشبه ما لو استعمله الحي في وضوءه وغسله وعلى هذا فتلك الغَسْلَة غير محسوبة من الغَسَلاَت الثلاث، وهل تحسب الغسلة الواقعة بعدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنها غسلة بماء طهور لم يخالطه شيء، وهذا أصح عند القاضي الرُّويَانِي.
стр. 943
وأظهرهما: عند الأكثرين، ولم يذكر في "التَّهْذِيبِ" سواه: أنها لا تحسب؛ لأن الماء إذا أْصاب المَحل اختلط بما عليه من السِّدر، وتغير به، فعلى هذا المحسوب ما يصبّ عليه من الماء القراح بعد زوال السِّدر، ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كَافُوراً، وهو في الغسلة الأخيرة آكد.
لما روي أنه ﷺ قال لأم عطية وهي من غاسلات ابنته ﵂: "وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً" (١).
والسَّبب فيه أنَّ رائحته مطردة للهَوَام، وليكن قليلاً لا يتفاحش التغير به ولا يسلب الطهورية، وقد يكون صلباً لا يقدح التَّغير به وإن كان فاحشاً على الصحيح؛ لأنه مجاور وبعد تَلْيين مفاصله بعد الغَسل؛ لأنها لانت بالماء فيتوخى بالتَّليين بقاء لينها كما ذكرنا في التَّليين عُقَيب الموت، ونقل الْمَزنِيُّ إعادة التَّليين في أول وضعه على المغتسل وأنكره أكثر الأصحاب ثم ينشفه ويبالغ فيه كيلا تبتلَّ أكفانه، فيسرع إليه الفساد، ثم هذا تمام مسائل الفصل. ثم اعرف أموراً:
منها: أن صاحب الكتاب في "الوسيط" والإمام في "النهاية" أشارا إلى أن تعهد الشَّعر بالغسل والتَّسريح ليس من نفس الغسل، بل هو من مقدماته، كالوضوء وغيره، ولذلك قالا: "يصبُّ الماء على شِقِّه الأيمن مُبتدئاً من رأسه إلى قدمه"، والأكثرون لم يذكروا صَبَّ الماء على الرأس، ولكن قالوا: بصبه على صَفْحَةِ العنق والصدر والفخذ والساق، وهذا مصير منهم إلى أن غسل الرأس، وتعهد الشعر من جملة الغسل، وكلام الشَّافعي ﵁ في "المختصر" يوافق قول الأكثرين.
ومنها: أن قوله: "وذلك غسلة واحدة، ثم يفعل ذلك ثلاثاً" يقتضي اسْتحباب ثلاث غسلات بعد تلك الغسلة، وهو صحيح بناء على أن تلك الغسلة بالماء المتغير بالسدر والخَطْمِي، وأن المحسوب الغسل بالماء القراح، فإنه حينئذ يراعي ثلاث غسلات بعدها بالماء القراح.
وقوله: بعدها "أو يستعمل السِّدر في بعض الغسلات" ذلك البعض هو الغسلة الأولى، نصوا عليه كما قدمناه، وإنما أبهم ذكره المُصَنف وشيخه وربما أوهم إيراده عد الغسلة التي فيها السِّدر من الثَّلاث، وتخصيص الخلاف بأن الفرض هل يسقط بها فيجب الاحتراز عن الوهم؟ ومعرفة أنا إذا لم نسقط الفرض بها لا نحسبها من الثلاث أيضاً. يجوز أن يرقم لفظ "الثلاث" و"الخمس" و"السبع" [في الكتاب] (٢) بالميم؛ لأنه روى عن مالك: أنه لا اعتبار بالعدد، وإنما المعتبر الإنقاء.
стр. 944
وقوله: "يستعمل قدراً من الكَافور" مرقوم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة قال: لا أعرف الكَافور وذكر في السِّدْر أنه يغسل مرة بالماء القراح وأخرى بالسدر وثالثة بالمَاءِ القُرَاح.
قال الغزالي: فَإِنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الغُسْلِ أُزِيلَتِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُعَدِ الغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي إِعَادَةِ الوُضُوءِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتعهَّد الغاسل مسح بطن الميت في كل مره بأرفق ممَّا قبلها، فلو خرجت منه نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها -وبه قال ابن أبي هريرة-: يجب إعادة غسله ليكون خاتمة أمره على كمال الطهارة. والثاني: لا يجب ذلك، لكن تجب إعادة الوضوء كالحي يغتسل ثم بحدث فإنه يتوضأ. ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني ﵏: أنه لا يجب شيء سوى إزالة النَّجاسة لسقوط الفرض بما وجد وحصول غرض التَّنظيف وربما بنى الخلاف في وجوب الغسل وعدمه على اختلاف قراءة لفظ الشَّافعي ﵁ فإنه قال في المَسْألة: إنقاءها بالخرقة، وأعاد غسله، فمنهم من قرأ بضم الغين، وأوجب إعادة الغسل، ومنهم من قرأ بفتحها وحمله على إزالة النجاسة، وربما سلموا أن لفظة الغسل وحملوه على الاسْتِحْبَاب، وإذا قلنا بالوجه الصحيح فلا فرق بين النَّجاسة الخارجة من السَّبيلين وغيرها، وإن قلنا بوجوب الوضوء فذلك في النجاسة الخارجة من السَّبيلين دون غيرها، وإن قلنا: بوجوب الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النَّجَاسات احْتمال عند إمام الحَرَمين -قدَّس الله روحه (١) -.
ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها فإن قلنا: يجب إعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج، فكذلك هاهنا، هكذا أطلق صاحب "التَّهذيب"، وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن المَلْموس ينتقض طهره (٢)، وإن قلنا: لا يجب إلا غسل المحلّ فلا يجب هاهنا شيء.
ولو وطئت [بعد الغسل] فعلى الوجه الأول، والثاني في خروج النجاسة يجب هاهنا إعادة الغسل، وعلى الثالث لا يجب شيء (٣).
стр. 945
واعلم أن نفي وجوب الغسل أظهر من نفي وجوب الوضوء، ولذلك أرسل صاحب الكتاب ذكر الخلاف في الوضوء، وبين الصحيح في الغسل والنجاسة واجبة الإزالة بكل حال، فلذلك جزم به.
وقوله: "ولم يعد الغسل" معلم بالألف؛ لأن عند أحمد يعاد غسله سبع مرات، ولم يتعرض الجمهور للفرف بين أن تخرج النَّجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدّة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الوُضوء وللغسل بما إذا خرجت قبل الإدراج -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الغَاسِلُ، فَلاَ يَغْسِلُ رَجُلٌ امْرَأَةَ إِلا بَزِوجِيَّةٍ (ح) أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِيينٍ فَيُغْسِّلْ مُسْتَولِدَتَهُ وَأَمَتَهُ (ح) وَتُغَسِّلُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا، وَلاَ تُغَسِّلُ المُسْتَوْلَدَةُ والأَمَةُ سَيدَهُمَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ المَوْتَ يَنْقُلُ مِلْكَ اليَمِينِ وَيُقَرِّرُ مِلْكَ النِّكَاحِ.
قال الرافعي: النَّظر الثاني فيمن يتولى الغسل.
والأصل أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء، وأولى الرجال بغسل الرجل أولاهم بالصَّلاة عليه وسيأتي ترتيبهم فيها، والنساء أولى بغسل المرأة بكل حال؛ عورتها بالإضافة إليهن أخف، وليس للرجل غسل المرأة إلا بأحد أسباب ثلاثة:
أولها: الزوجية، فللزَّوج غسل زوجته خلافاً لأبي حنيفة، وذكر صاحب "الشامل" أن عند أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة. والأصح عنه مثل قولنا:
لنا ما روي أنه ﷺ قال لعائشة: "لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ" (١).
"وَغَسَّلَ عَلِيّ فَاطِمَةَ ﵂" (٢) وله ذلك وإن تزوج بأختها أو بأربع سواها في أصح الوجهين ولو كانت الزوجة ذمية فله أن يغسلها إن شاء (٣).
والثاني: المحرمية وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تَجْوِيز الغسل للرِّجال المَحَارم مع وجود النِّساء؛ لأن قوله: "لا يغسل رجل امرأة إلا بكذا وكذا مفروض في
стр. 946
حال الاخْتِيَار، وإلاَّ فعند الضرورة قد يجوز للأجانب غسلها أيضاً كما سيأتي، لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحاً بذلك، وإما يتكلمون في التَّرتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى (١).
والثالث: مِلْك اليمين، فيجوز للسيد غسل أَمَته ومدبرته وأمّ ولده خلافاً لأبي حنيفة فيما رواه في "الشامل".
واحتج لنا بأنه يلزمه الاتْفاق عليها بحكم المِلْك فكان له أن يغسلها كالحَيَّة ويجوز له غسل المُكَاتبة أيضاً؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، وهذا كله إذا لم يكن مزوجات ولا معتدات (٢)، فإن كن مزوجات أو معتّدات، لم يكن له غسلهن، وكما يغسل الزَّوج زوجته تغسل الزوجة زوجها خلافاً لأحمد في رواية.
والأصح عنه موافقة الجمهور بأن طلقها طَلْقَة رجعية، ومات أحدهما في مدة العدة، فليس للآخر غسله لحرمة النظر والمس في الحياة، وإلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما لَمْ تَنْقضِ عدتها، فإن انقضت بوضع الحمل عُقَيب الموت لم تغسله، وبه قال أبو حنيفة. والثَّاني: تغسله ما لم تنكح. والثالث: وهو الأصح: أبداً وهو الذي ذكره في الكتاب في "باب العدّ".
وإذاغسل أحد الزوجين لفَّ خرقة على يده ولم يمسه، فإن خالف فقد قال القَاضِي: يصح الغسل، ولا يبنى على الخلاف في انتقاض طهر الملموس -والله
стр. 947
أعلم- (١). وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أحمد: نعم؛ لأنهن مُحللات له فأشبهن بالزوجة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن الموت ينقل ملك اليمين، أما في حق الأمة فإلي الورثة، وأما في المدبرة وأم الولد؛ فهما يعتقان بموته فكان الملك في رقبتهما ينتقل إليهما بخلاف ملك النكاح لا تنقطع حقوقه بالموت، أَلاَ ترى أنهما يتوارثان، وليس للمُكَاتبة غسل السيد فإنها محرمة عليه قبل الموت.
قال الغزالي: فَإِنْ مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ إلاَّ أَجْنَبِيٌّ غَسَّلَهَا (م ح) وَغضَّ البَصَرَ، وَقيلَ: تيَمَّمُ، وَكَذَا الخُنْثَى يُغسِّلُهُ رَجُلٌ أو امرَأَةٌ اسْتِصْحَابًا لِحُكمِهِ فِي الصِّغَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو ماتت امرأة وليس هناك إلاَّ رجل أجنبي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تغسل، ولكن تيمم وتدفن، ويجعل فقد الغاسل كفقد الماء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يغسلها في ثيابها، ويلفّ خرقة على يده ويغض الطرف ما أمكنه فإن اضطر إلى النظر عذر للضرورة (٢).
وعن أحمد روايتان كالوجهين، فيجوز أن يعلم قوله: "غسلها" بالحاء والميم، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الثاني، وهكذا ذكره الإمام وحكاه عن القفال.
لكن الأظهر عند أصحابنا العراقيين والقاضي الروياني والأكثرين هو الأول، والوجهان جاريان فيما لو مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية.
الثانية: الخُنْثى المُشْكل إذا مات، وليس هناك محرم له من الرِّجال أو النساء،
стр. 948
ينظر إن كان صغيراً بعد جاز للرِّجال والنِّساء غسله، وكذا واضح الحال من الأطفال يجوز للفريقين جميعاً غسله كما يجوز مسه والنظر إليه، وإن كان كبيراً فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في المسألة السابقة، لأنه يجوز أن يكون رَجُلاً فيمتنع مسُّه على النساء، أو امرأة فيمتنع مسها على الرجال.
أحدهما: أنه يُيمَّم ويدفن، وبه قال أبو حنيفة ﵀.
والثاني: أنه يجوز غسله، ومن الذي يغسله؟ فيه وجوه:
أحدها: أنه يشتري من تركته جارية لتغسله، فإن لم يكن له تركة فيشتري من بيت المال. قال الأئمة: وهذا ضعيف؛ لأن إثبات المِلْك ابتداء للشَّخص بعد موته مستبعد، وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا أن الصحيح أن الأَمَةَ لا تغسل سَيّدها، والوجه الثَّاني أنَّه في حق الرِّجال كالمرأة، وفي حق النساء كالرجل أخذاً بالأسوأ في كل واحد من الطَّرفين.
والثالث: وبه قال أبو زيد وهو الأظهر: أنه يجوز للرِّجال والنِّساء غسله جميعاً؛ لأنه مَسَّت الحاجة إلى الغسل، وكان يجوز في الصِّغر غسله للطَّائفتين، فيستصحب ذلك الأصل. واعلم أنه ليس المراد من الكبير في هذا الفصل البلوغ ومن الصغر عدمه، لكن المعنى بالصَّغير الذي لم يبلغ حدّاً يشتهي مثله وبالكبير الذي بلغه.
قال الغزالي: فَإِنْ ازدَحَمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَصْلُحُونَ لِلْغُسْلِ عَلَى امْرَأَةً فَالبِدَايَةُ بِنِسَاءِ المَحَارِمِ ثُمَّ بِالأجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ بِالزَّوْجِ ثُمَّ بِالرَّجَالِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ تَرْتِيبُ المَحَارِمِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلاَة، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى النِّسَاءِ؛ لأنَّهُ يَنْظُرُ مَا لاَ يَنْظُرْنَ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ رِجَالُ المَحَارِمِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ النِّكَاحَ انتَهَى بِالمَوْتِ.
قال الرافعي: الصَّالحون لغسل الميت إذا ازْدَحَمُوا لم يخل إما أن يكون الميِّت رَجُلاً أم امرأة فإن كان رجلاً فيغسله قَرَابَاته على التَّرتيب الذي نذكره في الصَّلاة عليه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ فيه وجهان (١) سيظهر توجيههما، وإن كان الميت امرأة فالنساء يقدمن في غسلها وأولاهن نساء القرابة منهن كل ذات رَحِمِ محرَم، فإن استوت اثنتان في المحرمِيّة، فالتي هي في محل العصُوبَة أولى، كالعمة مع الخالة واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب، وبعد نساء القرابة تقدم النساء الأجنبيات ثم رجال القرابة
стр. 949
وترتيبهم كما سيأتي في الصلاة، وهل يتقدم الزوج على نساء القرابة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: تقديم نساء القرابة، ويحكى عن نَصِّ الشَّافعي ﵁ فإن الأنثى بالأناث أليق.
والثاني: أنهن لا يقدمن؛ بل الزوج يقدم عليهن؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظرن إليه، وفي تقديم الزَّوج على الرجال الأقارب أيضاً وجهان:
أحدهما: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النِّكاح ينتهي بالموت، وسبب المَحْرميّة يدوم ويبقى.
وأظهرهما: وهو اختيار القَفَّال: أن الزوج يقدم؛ لأنهم جميعاً ذكور، وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه فيقدم، وأحكام النِّكاح تَبْقَى بعد الموت ولولاه لما جاز له غسل الزَّوجة وجميع ما ذكرناه من التقديم فهو بشرط أن يكون المحكوم بتقديمه مسلماً، فإن كان كافراً فهو كالمعدوم ويقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي على القريب المشرك.
ويشترط أيضاً أن لا يكون قاتلاً نعم لو كان قاتلاً بحق فيبنى على الخلاف في أنه هل يرث عنه؟ ولو أن المقدم في أمر الغسل سلّمه لمن بعده جاز له تعاطيه ولكن بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التَّفويض إلى النِّساء وبالعكس، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل للمستأجر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشَّرط المذكور.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُحْرِمُ لاَ يُقَرِّبُ طِيباً وَلاَ يَسْتُرُ رَأْسَهُ بَلْ يَبْقَى (م ح) أَثَرُ الإحْرَامِ وَهَل تُصَانُ المُعتَدَّةُ عَنِ الطِّيبِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَغَيْرُ المُحْرِمِ هَلْ يُقَلَّمُ ظُفْرُهُ وَيحْلِقُ شَعْرُهُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِي الحَيَاةِ حَلْقُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنه يُطْرح قَدْرٌ من الكافور في الماء الذي يغسل به الميت، وذلك في غير المُحْرِمِ، فأما المحرم فلا يقرب منه طيباً إبقاء لحكم الإحرام وكذلك لا يستر رأسه إن كان رجلاً، ووجهه إن كان امرأة، ولا يلبس المخيط ولا يؤخذ شعره وظفره، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: حكمه حكم سائر الموتى وروي مثله عن مالك.
لنا ما روي: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَوَقَصَتْهُ نَاقَةٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِياً" (١).
стр. 950
ولا بأس بالتَّخمير عند غسله كما لا بأس بجلوس المحرم عند العَطَّار، وإذا ماتت المعتدة التي تحدّ، هل يجوز تطيّيبها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، صِيَانة لها عمَّا كان حراماً عليها في حياتها كالمحرم، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: نعم؛ لأن التَّحريم كان احترازاً عن الرِّجَال وتفجعاً لفراق الزوج، وقد زال المعنيان بالموت بخلاف المُحْرم، فإن التحريم في حقه لحق الله -تعالى جدّه- فلا يزول بالموت، وهل يقلّم أظفار غير المحرم من الموتى ويؤخذ شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان:
القديم: لا (١)، ويه قال مالك وأبو حنيفة والمزني ﵏؛ لأن مصيره إلى البَلِى، وصار كالأَقْلَفِ لا يختن بعد موته.
والجديد: وبه قال أحمد: نعم، كما يتنظَّف الحيُّ بهذه الأشياء، وقد روي أنه قال: "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" (٢).
والقولان في الكراهية، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا تستحب، كذلك ذكره القَاضِي الروياني، ونقل تَفْريعاً على الجديد أنه يتخيَّر الغاسل في شعر الإبطيين النَّتف والإزالة بالنُّوْرَة ويأخذ شعر العَانَة بالجلم، أو المُوسَى أو النُّورة.
وحكي عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنّورَة احْتِرَاز عن النَّظَرِ إلى الفَرْج.
وقوله في الكتاب: "الَّذي يستحبُّ في الحياة حلقه" فيه إشارة إلى أنه لا يحلق شعر الرأس بحال، فإنَّ إزالته غير مأمور بها إلاَّ في المناسك، ومنهم من طرد الخلاف في شعر الرأس إذا كان من عادة الميت الحلق في حالة الحياة.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه في وظيفة الغسل مفروض في حقِّ غير الشهيد وأما