← Общие книги

Общие книги · id 13578

أسلوب الحوار من خلال سيرة مصعب بن عمير - رضي الله عنه - وتطبيقاته التربوية

عدنان الجابري

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد قال خباباً عن مصعب ﵄ «.... قتل يوم أحد، وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه، شيئا من إذخر ....» (١). ثم جاءت حمنة بنت جحش ﵂ , فنعوا لها أخاها وخالها فصبرت واسترجعت , ثم نعوا لها زوجها مصعب بن عمير ﵁ , فما استطاعت أن تملك نفسها , عن حمنة بنت جحش، أنها قيل لها: قتل أخوك , قالت: ﵀، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل خالك حمزة , فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل زوجك، قالت: واحزناه، فقال رسول الله ﷺ : «إن للزوج من المرأة لشعبةً ما هي لشيءٍ» (٢). هكذا كانت سيرة مصعب بن عمير ﵁ , ذلكم الذي ضحى بماله وجسده ووقته وحياته كلها في سبيل الله , فقد قدم للإسلام بكل ما يملك , وذلك بالدعوة إليه من خلال منهجٍ تربوي نهله من رسول الله ﷺ , فجزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

стр. 37

الفصل الثاني: مفهوم أسلوب الحوار وأهميته: المبحث الأول: مفهوم أسلوب الحوار. المبحث الثاني: أسلوب الحوار في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. المبحث الثالث: أهمية أسلوب الحوار.

стр. 38

الفصل الثاني: مفهوم أسلوب الحوار وأهميته: المبحث الأول: مفهوم أسلوب الحوار: الأسلوب في اللغة: الأسلوب: هو " أخذ الشيء بخفة " (١) , "والأُسْلُوبُ، بِالضَّمِّ: الفَنُّ. يُقَال: أَخَذَ فُلَانٌ فِي أَسَالِيبَ من القَوْل، أَي أَفَانِين مِنْهُ " (٢). ويقال كذلك أن " الأسلوب: الطَّرِيق , يُقَال: سلكت أسلوب فلَان فِي كَذَا , طَرِيقَته ومذهبه وَطَرِيقَة الْكَاتِب فِي كِتَابَته" (٣). وهذا يفيد أن الأسلوب منهجية واضحة , ومعالم معروفة , يمكن اكتسابه عن طريق المحاكاة أو الممارسة أو التعلم حتى يصبح من عادة الإنسان التي يعرف بها , ولذا يعبر عن طريقة الإنسان في حياته بقولهم: أسلوبه في الحياة كذا بمعنى عادته وسيرته التي يسير عليها. الحوار في اللغة: "الحَوْرُ: الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ وإِلى الشَّيْءِ " (٤) ,وحاورت فلانا محاورة إِذا كلمك فأجبته (٥). "وتَحاوَرُوا: تَراجَعُوا الكلامَ بينهمْ" (٦).

стр. 39

الحوار في الإصطلاح: تطرق الباحثون والكتّاب لمفهوم الحوار , وكانت هذه المفاهيم متقاربة في اللفظ والمعنى , فيورد الباحث بعضها , وهي كما يأتي: ١ - هو " نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين , يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة؛ فلا يستأثر أحدهما دون الآخر به , ويغلب عليه الهدوء , والبعد عن الخصومة والتعصب " (١). ٢ - هو " مناقشة بين طرفين أو أطراف , يُقصد بها تصحيح كلامٍ , وإظهار حُجَّةٍ , وإثبات حقٍ , ودفع شبهةٍ , وردُّ الفاسد من القول والرأي " (٢). ٣ - هو " مناقشة بين اثنين فأكثر في قضية مختلف عليها بينهم " (٣). ٤ - هو " محادثة بين شخصين أو فريقين حول موضوع محدد , لكل منهما وجهة نظر خاصة به , هدفها الوصول إلى الحقيقة , أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر؛ بعيداً عن الخصومة أو التعصب , بطريق يعتمد على العلم والعقل , مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة ولو ظهرت على يد الطرف الآخر " (٤). والمتأمل في هذه المفاهيم , يجد أنها اتفقت في الحوار على ما يأتي: ١ - أنه عبارة عن مناقشة ومحادثة. ٢ - أن يكون بين طرفين , سواءً شخصين أو فريقين , أو شخص وفريق.

стр. 40

٣ - أن يكون في موضوع أو قضية محددة. وهذه الثلاثة تعدُّ أركاناً للحوار فضلاً عن الركن الرابع , وهو: الهدف من الحوار (الوصول إلى الحق) , والذي ذُكر في المفهوم الثاني والرابع. ويلاحظ كذلك من هذه المفاهيم , أن المفهوم الأول والثالث قد أهملا ذكر الهدف من الحوار , والذي من دونه تنعدم الرؤية , ويضيع أطراف الحديث , ويصبح ميدان الحوار مليء بالفوضى وعدم الاتزان. وعند النظر إلى المفهوم الرابع , يرى الباحث أنه قد اشتمل على أركان الحوار الأربعة , التي تساعد على سير عملية الحوار بشكلٍ منتظمٍ وسليم , وتقود إلى تحقيق التكاتف والترابط والتعاون بين أفراد المجتمع , أو بين المجتمعات المختلفة؛ نظراً لما تقتضيه طبيعة النفس البشرية من اختلاف , وتضارب في وجهات النظر , الأمر الذي يجرف بالأفراد والمجتمعات إلى النزاع والفرقة , بل إلى الحروب والدمار؛ مما يسبب ذلك في اختلال وزعزعة الأمن بشتى جوانبه , ولكن بالحوار تزول القلاقل وتضمحل , أو تقل وتهدأ. لذلك يتطلب إيجاد أسلوب يساعد على احتواء تلك الاختلافات والتقريب بين الأطراف المتحاورة وفق ضوابط الشريعة وآدابها, وذلك هو أسلوب الحوار الذي رسمت معالمه التربية الإسلامية وجعلت له أسساً يقوم عليها ترقى به إلى أعلى المستويات.

стр. 41

المبحث الثاني: أسلوب الحوار في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة: ذُكر الحوار بشتى صوره في القرآن الكريم والسنة النبوية في مواقف كثيرة , ومع فئات عمرية مختلفة , ومع المسلمين والكفار , وهذا كله يدل على أهمية الحوار في التعامل مع مختلف الأجناس البشرية , وأنه من أهم الأساليب التربوية التي تقود الإنسان إلى خيري الدنيا والآخرة , ولا شك أن الحوار في المصدرين التشريعيين منهج لكل محاور , ونبراس يهتدى به في الميادين الحوارية , فالقرآن الكريم كلام الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (١) , والسنة النبوية كلام النبي ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٢). أولاً: الحوار في القرآن الكريم: جاء القرآن الكريم بعدة أساليب حوارية بما يقتضيه الموقف , وبما يصلح مع الطرف الآخر , وذلك للوصول إلى هدف معين من الحوار , إما لأخذ العبرة والعظة , وإما لإثبات قدرة الله .... وغيرها. فجاءت هذه الأساليب في مواضع متفرقة من القرآن الكريم , فنورد مثالاً لها , وهي كما يأتي: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي

стр. 42

أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ (١). جرى هذا الحوار بين الله وبين الملائكة , فقد كان سؤال الملائكة سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء (٢) , ثم بيّن الله حكمته في أنه يعلم من هذا المخلوق ما لا تعلمه الملائكة , وليبيّن لهم علمه الذي أحاط بكل شيء , فهو أراد جل وعلا " أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة" (٣). فيستفيد المربي من هذا الأسلوب ولا سيما الأب مع أبنائه , والمعلم مع طلابه , وذلك في طرح موضوع يشد انتباههم؛ لتتوق أنفسهم إلى استكشاف خباياه , ومعرفة مكنوناته , فتستهوي أنفسهم السؤال والنقاش؛ ليبدأ الحوار الذي تصاحبه آدابه في جوٍ يسوده الهدوء. ثم يبين لهم ذلك المربي ما أراده من هذا الموضوع , فيكون ذلك أدعى لاستيعابهم له , ورسوخه في أذهانهم , مما لو ألقاه لهم مباشرة.

стр. 43

٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ (١). وهذا الحوار بين الله وبين إبليس , فحينما خلق الله آدم ﵇ , أمر ملائكته بالسجود له إكراما واحتراما، وإظهارا لفضله، فامتثلوا أمر ربهم , إلا إبليس استكبر فوبخه الله على ذلك (٢). ثم بيّن الله لنا عداوة إبليس وعزمه على إغوائنا "لنأخذ منه حذرنا ونستعد لعدونا, ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة" (٣). فقد يستعمل المربي هذا الأسلوب من الحوار , عندما تكثر الأخطاء من ذلك الشخص , ولم يفد فيه اللين والرفق , فيستعمل معه التوبيخ , الذي يعدُّ أحد أنواع العقاب , مع أنه غالبا مؤثر ولكن نشاهد معظم الآباء يستعملونه

стр. 44

بطريقة غير صحيحة (١) , فإذا استعمل بطريقة صحيحة, كأن يكون على انفراد , أفاد وأثمر , وهذا العقاب يعدُّ من الحزم ,ولكن يستعمل في بعض الأحيان (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ (٣). وهذا الحوار دار بين الله وبين آدم وزوجه عندما أسكنهما الجنة , ثم حذرهما من إبليس وفتنته, وذلك حينما نهاهما عن الأكل من تلك الشجرة , فما زال الشيطان يوسوس لهما حتى أوقعهما في معصية الله , ثم وبخهما الله وعاتبهما على ذلك (٤).

стр. 45

فيستطيع المربي أن يجعل من هذا الأسلوب الحواري مسلكاً لبيان الطريق الصحيح , والتحذير والتنبيه مما يُلحق بالمتربي الضرر , ولا بأس في استعمال التوبيخ أحياناً للمخالف بعد أن حُذر ونُبه. ٤ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ (١). دار هذا الحوار بين إبراهيم ﵇ وبين ربه , فكان ﵇ يريد أن يرى قدرة الله سبحانه في إحياء الموتى , فأعطاه الله جل وعلا دلالة حسية وبرهاناً على قدرة الله سبحانه وتوحده جل وعلا بالإحياء (٢). وهذا الأسلوب الحواري من أرقى الأساليب الحوارية المقنعة والناجحة؛ ذلك لأن المحاور يحرص على تدعيم كلامه بالبرهان الصحيح والدليل القاطع؛ ليصل إلى بيان الحقيقة وإقناع الطرف الآخر , وقد يكون البرهان آيةً أو حديثاً أو قولاً لعالم , وقد يكون من خلال التجربة الواقعية. فالقرآن الكريم مليء بالمواقف الحوارية , ولا يكاد يخلو جزءٌ منه من مواقف حوارية , وقد جاءت بصورٍ كثيرة , فهناك حوارات كثيرة تمثلت في حوار الله جل وعلا مع أنبيائه ﵈ , وكذلك ما كان بين رسل الله ﵈ وأقوامهم , كموسى ﵇ مع قومه , ويوسف ﵇ مع إخوته وإبراهيم ﵇ مع والده وقومه وعيسى ﵇ , وبعضها

стр. 46

في خبر من سبقنا من الصالحين وغيرهم , كالخضر ﵇ وذي القرنين ﵀. ثانياً: الحوار في السنة النبوية الشريفة: جاءت السنة النبوية مليئة بالحوارات المختلفة وبأساليب عدة , فقد كان النبي ﷺ قدوةً حسنةً لكل محاور , تمثل ذلك في تمكنه ﷺ من أسلوب الحوار من خلال أدبه ﷺ , واحترامه للطرف الآخر , ومعرفته لنفسيات المحاورين المختلفة. وقد كانت الأساليب الحوارية على صور مختلفة منها ما يأتي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي , فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال: «هل لك من إبل» قال: نعم، قال: «ما ألوانها» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق» قال: نعم، قال: «فأنى كان ذلك» قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (١). دار هذا الحوار اللطيف بين الرسول ﷺ وبين أعرابي , فكأن ذلك الأعرابي قد استنكر ابنه , وذلك عندما رأى تغير لون بشرته عن سائر أفراد الأسرة , فأتى أسلوب النبي ﷺ لذلك الأعرابي بما يناسب حاله بضرب مثال توضيحي من خلال بيئته؛ ليكون أقوى في الإقناع , "حيث إن النبي شبه للأعرابي ما أنكر من لون الغلام بما عرف في نتاج الإبل" (٢)،فجعله ﷺ يجيب لسؤاله بنفسه , عندما اقتنع الأعرابي في اختلاف ألوان إبله من خلال نزع العرق ,

стр. 47

ولذا قال ابن حجر ﵀ " جاء سائلاً مستفتياً عن الحكم , لما وقع له من الريبة , فلما ضرب له المثل أذعن " (١). لذا يستطيع المربي أن يستعمل هذا الأسلوب التشبيهي ليكون أكثر إقناعاً , فإذا جعل المربي استكشاف الخطأ أو الوصول إلى الحل هدفاً يصل إليه الطرف الآخر , كان أكثر تأثيراً وتقبلاً , كما أن للمربي الأثر الواضح في هذا الأسلوب , كأن يضرب مثالاً أو يُعرّض بكلامه. ٢ - عن أبي أمامة ﵁: أن فتى شاباً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إئذن لي بالزنا؟ قال: فأقبل القوم عليه فزجروه. وقالوا: مه مه، فقال: «أدنه» فدنا قريباً. قال: فجلس. قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لإبنتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم»، قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم» قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه». قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢). حوار النبي ﷺ مع هذا الشاب اتضحت فيه الكثير من المواقف التربوية , فلم يزجره ﷺ ,ولم يرفع صوته عليه , بل أدناه منه ﷺ , وأخذ يحاوره بكل

стр. 48

هدوء , مع أن الشاب طلب أمراً محرماً , فأخذ ﷺ بأسلوب الاستفهام .. أتحبه ... أفتحبه ... ؛ لكي يُشعر الشاب عِظَم ذلك الجُرم , حتى يقرر بمخالفة ما حدثته به نفسه , فكانت النتيجة اقتناع ذلك الفتى وإقلاعه عن هذه المخالفة تأثراً بهذا الأسلوب النبوي الرفيع الذي خاطب عقله وألهب مشاعره دون أن يتعرض له بشيء من السب أو السخرية والاستهزاء. فهذه الاستفهامات يستعملها المربي ليُشعر المُحاور بأهمية ذلك الأمر , وليستخرج منه القرارات السليمة , لأن هناك أموراً واضحة لا تتطلب جهداً , فإذا ضعفت النفس البشرية , وأرادت ما يخالف طبيعتها , رجعت بالاستفهامات إلى جبلتها الفطرية وحب الخير. ٣ - عن البراء ﵁: أن النبي ﷺ لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فاشترطوا عليه أن لا يقيم بها إلا ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بجُلُبَّان السلاح، ولا يدعو منهم أحدا، قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب ﵁ , فكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك، ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال: «أنا والله محمد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله» قال: وكان لا يكتب، قال: فقال لعلي: «امح رسول الله» فقال علي ﵁: والله لا أمحاه أبدا، قال: «فأرنيه»، قال: فأراه إياه فمحاه النبي ﷺ بيده، فلما دخل ومضت الأيام، أتوا عليا، فقالوا: مر صاحبك فليرتحل، فذكر ذلك علي ﵁ لرسول الله ﷺ ، فقال: «نعم» ثم ارتحل (١).

стр. 49

إن النبي ﷺ يأخذ بأقل المصلحتين ضررا , فهو يداري ﷺ في هذا الحوار ذلك الكافر ويدفع الضرر بقدر المستطاع , قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). قال العز بن عبدالسلام: (الحسنة) المداراة و (السيئة) الغلظة , وادفع بحلمك جهل الجاهل عليك أو ادفع بالسلام إساءة المسيء (٢). فأسلوب المداراة يعين المربي كثيراً وخاصة في المواقف الحرجة , وذلك في دفع ضرر أو الخروج بأقلهما ضررا. "قال ابن بطّال ﵀: المداراة: خفض الجناح للنّاس، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول. وقال ابن حجر: المداراة الدّفع برفق" (٣). ولا تزال السنة النبوية مليئة بالحوارات الكثيرة , فترى في جميع المراحل العمرية (الطفل-الشاب-الشيخ) , ومع الجنسين (الذكر-الأنثى) , وحتى مع غير المسلمين يتجلى فيها الخلق العظيم والأدب الرفيع في نبينا ﷺ (٤).

стр. 50

المبحث الثالث: أهمية أسلوب الحوار: يعد أسلوب الحوار من أهم أساليب التربية الإسلامية وأفضلها؛ ذلك لأنه يترك المجال للأطراف المتحاورة لإبداء وجهات النظر وتبادل الآراء وتلاقح الأفكار , مما ينتج عنه تصحيح المفاهيم وحل المشكلات وتجاوز العقبات , ومن ثم تسود المحبة والألفة بين أفراد المجتمع , ويمكن بيان هذه الأهمية لأسلوب الحوار من خلال النقاط الآتية: ١ - كثرة استعمال أسلوب الحوار في القرآن الكريم والسنة النبوية , وقد مضى ذكر بعض الأمثلة في الصفحات السابقة , مما يدل على عناية القرآن والسنة بهذا الأسلوب وأن له أثراً كبيراً في إقناع الطرف المقابل بالحق الذي تدعو إليه. ٢ - يقضي على المشاكل والخلافات العالمية , أو يخفف منها. فقد "اقتضت الحكمة الإلهية جعل الناس مختلفين , تتعدد آراؤهم وأفهامهم وتتنوع عقائدهم ومعارفهم " (١) , وقد بيّن ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض: جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب» (٢) , ولكن بالحوار تتقارب وجهات النظر , وتقل الخلافات بين البشرية , وهو فرصة

стр. 51

كبيرة لدعوة الناس إلى الإسلام , كما قال تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (١). ٣ - يزيد من تماسك العالم الإسلامي , من خلال القضاء على المشاكل والعقبات التي تعترضه , ومن خلال اجتماع الكلمة وتوحيد الصف. ٤ - يعين على تكاتف وتعاون أفراد المجتمع المسلم , والتغلب على المشاكل الاجتماعية؛ الأمر الذي يحقق لهم التكافل الاجتماعي , قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢). ٥ - يساهم في التنظيم والتنسيق بين المؤسسات الخيرية وبين الدوائر الحكومية , فيعين على الإنجاز وتحقيق الجودة في العمل. ٦ - يساعد الفرد على إبداء الرأي والتعبير عن وجهات النظر , مما يكسبه الجرأة , والثقة بالنفس , ويعالج عيوب " النطق كالتلعثم والتأتأة " (٣) , وكذلك يزيد الفرد في حصيلته الثقافية , كما يكسبه كماً من الآداب , في حسن الاستماع والمحادثة , وفي حسن المجالسة والمعاشرة , ويغذيه بالصبر والنظر في عواقب الأمور.

стр. 52

٧ - ينمي عند الفرد مهارة التفكير , من خلال الحراك الثقافي والفكري في أثناء ممارسته للحوار , وخاصة عند احتكاكه بأصحاب الخبرة والعلم والمعرفة , لذلك نجد صغار الصحابة امتازوا برجاحة العقل وصفاء الذهن , من خلال مجالستهم النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ٨ - يحقق الترابط الأسري , من خلال القضاء على الخلافات الزوجية , وغرس الثقة في نفوس أفراد الأسرة , ويخلق روح الفريق الواحد , فيجلب التعاون وتحمل المسؤولية , في جوٍ تسوده المحبة والسكينة. ٩ - يساعد في التغلب على الأمراض النفسية , كالانطواء والعزلة والرهاب الاجتماعي, والتي تحد من المشاركات الاجتماعية , فمن خلال مشاركة الفرد مع أسرته , والطالب مع معلمه وزملائه؛ يذهب الخوف تدريجياً , وينطلق لسان الفرد بالكلام؛ مما يعينه على تخطي هذه المشاكل النفسية ومعالجتها. ١٠ - يعين المسلم على التغلب على بعض الصفات المذمومة , كالحسد والبغضاء والشحناء. فهذه الصفات تنشأ أحياناً من سوء ظن , أو فهم خاطئ , أو من خطأ غير مقصود , فإذا ما جاء المسلم إلى أخيه , حاوره في ذلك الأمر حتى يتبين له , ويذهب ما بنفسه من شر. ١١ - يساعد المعلم على تنفيذ طرائق التدريس الحديثة , والتي جعلت من المتعلم محوراً للعملية التعليمية , فنجد أن هذه الطرائق لا بد لها من الحوار والنقاش والمحادثة , والتي من طبيعتها أن تعطي المتعلم فرصة لنشاط العمليات العقلية, فينمو عنده الفهم والتحليل والتفسير وغيرها.

стр. 53

الفصل الثالث: ضوابط وآداب أسلوب الحوار عند مصعب ... بن عمير ﵁: المبحث الأول: ضوابط أسلوب الحوار المتضمنة في حياة مصعب بن عمير ﵁: المبحث الثاني: آداب أسلوب الحوار النفسية عند مصعب بن عمير ﵁: المبحث الثالث: آداب أسلوب الحوار العلمية عند مصعب بن عمير ﵁: المبحث الرابع: آداب أسلوب الحوار اللفظية عند مصعب بن عمير ﵁:

стр. 54

الفصل الثالث: ضوابط وآداب أسلوب الحوار عند مصعب بن عمير ﵁ -: تمهيد: كما أن للحوار أركاناً؛ فله أيضاً ضوابط وآداب تسعى به نحو تحقيق الهدف من إقامة الحوار , فالضوابط تساعد الحوار على الاتزان وثبات منهجيته , فلا بد لكل مُحَاور التعرف على هذه الضوابط قبل الدخول في ميدان الحوار , فإن كان المحاور يتقنها حُق له المشاركة في الحوار مع الالتزام بآدابه وإلا فلا. فالضوابط لغةً: من " ضبط: الضَّبْطُ: لُزُومُ الشَّيْءِ وحَبْسُه، ضَبَطَ عَلَيْهِ .. ، وَقَالَ اللَّيْثُ: الضّبْطُ لزومُ شَيْءٍ لَا يُفَارِقُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وضَبْطُ الشَّيْءِ حِفْظُه بِالْحَزْمِ" (١). ويريد الباحث من الضوابط هنا: كل ما يلزم المحاور معرفته والالتزام به قبل الدخول في الحوار. وأما الآداب لغةً: " الأَدَبُ: مَلَكَةٌ تَعْصِمُ مَنْ قَامَت بِهِ عمَّا يَشِينُه ... وهُوَ: استعمالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلاً وفِعْلا" (٢). وقيل " الأدب: عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ " (٣).

стр. 55

والمقصود بالآداب: هي السمات التي يلتزم بها المحاور الناجح أثناء عملية الحوار بأنواعها الثلاث (العلمية , النفسية , اللفظية) قولاً وعملاً. ويرى بعض الباحثين أن هناك تشابهاً واتفاقاً بين ضوابط الحوار وآدابه (١) , ولكن الباحث يرى بأن هناك فرقاً بين ضوابط الحوار وآدابه , وإن كان بين بعض أجزائهما شيء من التداخل؛ فالضوابط تكون ضرورية ومتوافرة في المتحاور قبل البدء في الحوار وتكون معلومة لديه؛ أما الآداب بأنواعها فتكون في أثناء الحوار , وإن كانت الآداب من الضوابط , ولكن يتضح الفرق جلياً بين الضوابط والآداب حين الدخول في نقاطهما وبيان شيء من التفصيل. المبحث الأول: ضوابط أسلوب الحوار المتضمنة في حياة مصعب بن عمير ﵁ -: لقد اتضحت ضوابط لأسلوب الحوار من خلال حوارات مصعب بن عمير ﵁ المختلفة (٢) , كان منها ما يأتي (٣): أولاً: ضرورة العلم بالقضية المطروحة للنقاش. ثانياً: وحدة الموضوع. ثالثاً: حسن الفهم. رابعاً: السعي وراء الهدف من الحوار ما أمكن, وهو الوصول إلى الحق ,

стр. 56

مع عدم الإصرار على إقناع الطرف الآخر. وهذا شيء من الإيضاح لكل ضابطٍ كما يأتي: أولاً: ضرورة العلم بالقضية المطروحة للنقاش: لا بد للمحاور من معرفة القضية المطروحة للنقاش والعلم بها , بل وتكون واضحة المعالم , لأن " المطلوب هو الوضوح في طرح الأفكار والتدليل عليها " (١) , ولا يكون ذلك إلا إذا فهم المتحاورون موضوع الحوار المراد نقاشه , إذ كيف يعرض الإنسان أفكاره أو يناقش قضية لا يحيط بها علماً ,وهذا ما جعل مصعب بن عمير ﵁ يجيد عرض ما يريد على من يتحاور معهم , فقضيته واضحة ومعلومة لديه وقد عرضها بأحسن أسلوب , وهو بيانها عن طريق قراءة آيات من القرآن الكريم على مسامعهم. فقد كان العلم بموضوع الحوار واضحاً عند مصعب بن عمير ﵁ وكذا عند صاحبيه رضوان الله عليهم , في أنه أتى بدين جديد يخالف ما هم عليه يريد أن يعرضه عليهم , فوافق أسيد بن حضير , وسعد بن معاذ ﵄ , فكان مما قاله مصعب بن عمير ﵁ , " أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟ فقال: أنصفت " (٢) , وهما يعلمان أن القضية التي سيطرحها , دين جديد يخالف دين آبائهم وأجدادهم , فقبلا ذلك فسار الحوار في أحسن حال , حتى تحقق الهدف المنشود عند مصعب بن عمير ﵁ , وهو نشر الدين الإسلامي.

стр. 57

ثانياً: وحدة الموضوع: إن الالتزام بالموضوع الذي تم الاتفاق عليه من قبل المتحاورين , وعدم الخروج عن عناصره , يعين على استمرارية الحوار , ووضوح طريقه. فالخروج عن موضوع الحوار وكثرة الاستطرادات لا يأتي إلا من أحد شخصين: ١ - من لا يجيد الحوار , ولا يعرف ضوابطه. ٢ - من يخشى الغلبة , ويريد التمويه وعدم الاستسلام للحق. " فالمحاور الناجح هو الذي يرتب أفكاره ويربط بينها ويحذر عند تزاحمها من اختلافها لأن هذا يؤدي إلى اضطرابها ومن ثم الانحراف عن موضوع النقاش والحوار " (١). لذا يرى الباحث أن مصعب بن عمير ﵁ قد التزم بوحدة الموضوع , حينما أتاه أسيد بن حضير , ثم سعد بن معاذ ﵄. فقد كان موضوعه ﵁ دعوتهما إلى ما جاء به النبي ﷺ وهو الدين الإسلامي , فكلم أسيد بن حضير ﵁ بالإسلام , وقرأ عليه القرآن, وكذا فعله مع سعد بن معاذ ﵁ (٢) , فلم يخرج مصعب بن عمير ﵁ عن هذا الموضوع , ولم يتطرق إلى موضوع آخر , مما جعل الأمر واضحاً لدى الطرف الآخر ومن ثم اقتناعه بما يدعو إليه , لذا أسلما جميعاً ﵃.

стр. 58

ثالثاً: حسن الفهم: إن الفهم قدرة عقلية تتفاوت بين الناس في قوتها وضعفها , فحسن الفهم يجعل الحوار يسير بيسر وسهولة , وذلك من خلال وضوح أفكار الموضوع وأبعاده المطروحة لكلا المتحاورين , فتسلحهما بالفهم الصحيح يختصر الطريق ويقرب المسافات (١). وأما ضعيف الفهم , فهو يعيق سير الحوار , فقد يحتاج إلى تكرار الفكرة المطروحة وبيانها عدة مرات , مما يجعل الحوار يطول , وتتخلله السآمة والملل , وكذلك قد يفهم تلك الفكرة على غير مراد قائلها , فترتفع الأصوات ويُثار الغضب , ويخرج الحوار عن مساره الصحيح. ومما لا شك فيه , أن اختيار الرسول ﷺ لمصعب بن عمير ﵁ لتبليغ الدين الإسلامي في المدينة كان موفقا , فقد اختاره من بين كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين , وذلك لما رأى ﷺ فيه من الصفات العظيمة التي تؤهله لأداء رسالة الإسلام في المدينة على أكمل الوجوه , والتي كان منها حسن الفهم؛ من خلال ما يتلقاه من علم في دار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ , وكذلك حسن فهمه في تعامله مع الناس , وتعامله مع الصعوبات التي واجهته بعد دخوله في الإسلام؛ الأمر الذي جعل الرسول ﷺ يعزم على إرساله إلى المدينة (٢). رابعاً: السعي وراء الهدف من الحوار ما أمكن, وهو الوصول إلى الحق , مع عدم الإصرار على إقناع الطرف الآخر: ومما يحقق للحوار أهدافه؛ رضا الطرفين في الحوار على ما يصلون إليه من الحق في حوارهم , حتى ولو كان ذلك في صالح الطرف الآخر؛ لأن الهدف

стр. 59

هو الوصول إلى الحق , فلا يتقدم إلى الحوار من يحمل معه الإصرار على رأيه إن لم يكن الحق معه, قال الشافعي ﵀: " ما ناظرت أحداً إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه" (١)؛ لأن مقصوده من المناظرة إظهار الحق والتوصل إليه , وليس الانتصار لنفسه أو لرأيه , وهذه منزلة عالية تحتاج إلى تربية جادة حتى يستطيع الإنسان تحقيقها. فمصعب بن عمير ﵁ كان يسعى إلى تحقيق الهدف من حواره بدخول من يحاوره إلى الإسلام ما أمكنه ذلك , ولم يصر على إقناع محاوره , فعندما جاءه أسيد بن حضير ﵁ , أخذ يشتمه ويأمره بالخروج , فقال له مصعب بن عمير ﵁: " أو تجلس فتسمع , فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كفّ عنك ما تكره فقال: أنصفت " (٢). فرضي مصعب بن عمير ﵁ بنتائج ما سيصل إليه الحوار. فإما أن يرضى أسيد بن حضير ﵁ ويقبل , أو يلتزم مصعب بن عمير ﵁ ما اتفقا عليه بأن يكف عنه ما كرهه منه , مع أن الحق معه , فاستمع أسيد بن حضير ﵁ واتبع الحق الذي جاء به مصعب بن عمير ﵁. المبحث الثاني: آداب أسلوب الحوار النفسية عند مصعب بن عمير ﵁ -: تعتني الآداب النفسية للحوار بكل ما يعطي النفس ارتياحاً وهدوءاً , كتهيئة المكان , واختيار الزمان المناسب , وترفض كل ما يزعج النفس ويؤذيها , كالغضب والتوتر والقلق.

стр. 60

ومن أهم تلك الآداب النفسية في الحوار والتي تمثلت في مصعب بن عمير ﵁ ما يأتي (١): أولاً: الإخلاص وصدق النيّة . ثانياً: تهيئة الجو المناسب. ثالثاً: الإنصاف والعدل. رابعاً: الحلم والصبر. خامساً: العزة والثبات على الحق. سادساً: حسن الاستماع. سابعاً: الجرأة والغضب لنصرة الحق. فهذه الآداب جعلت من مصعب بن عمير ﵁ محاوراً ناجحاً , استطاع من خلالها ضبط مسيرة الحوار وتحقيق الهدف منه , وهذا بيان لها كما يأتي: أولاً: الإخلاص وصدق النيّة: إن الإخلاص لله تعالى من أهم الأمور النفسية التي يحرص عليها المحاور , فإن الله تعالى لا يقبل عملاً إلا به وبمتابعة نبيه ﷺ (٢) , قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا

стр. 61

إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١). فيجب أن يكون الحق عند المحاور والوصول إليه هو المقصد , وهذا قد يكون في النظر سهل الاعتبار والمأخذ ولكنه عند التطبيق والتدقيق عزيز المنال صعب المدرك (٢). ولذا ترك مصعب بن عمير ﵁ دين آبائه , وما كان فيه من نعمة ودلال , وتحمل الأذى والتعذيب؛ من أجل دين الله. وقد رأى فيه الرسول ﷺ حبه الصادق لله ورسوله ﷺ , لذا قال عنه ﷺ : «لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله , ثم خرج من ذلك ابتغاءَ مرضاة الله ونصرة رسوله ....» (٣). وكذلك لم يشغل بال مصعب بن عمير ﵁ عندما أرسله النبي ﷺ إلى أهل المدينة إلا نشر الإسلام بينهم وتعليمهم , فلم ينظر إلى شيء من زينة الدنيا , ولم يطلب من أحد شيئا , رغم ما كان فيه من فقر وضعف , وهذا كله يدل على إخلاصه وصدق نيته ونزاهة نفسه. ثانياً: تهيئة الجو المناسب: إن الحوار الناجح يتطلب تهيئته قبل البدء فيه بعدة أمور , تجعل منه حواراً هادفاً بنّاءً , يؤتي ثماره المرجوة منه , ومن ذلك: ١ - اختيار المكان المناسب , بأن يكون هادئاً خالياً من الملهيات والمشتتات , جيد الإضاءة والتهوية.

стр. 62

٢ - اختيار الزمان المناسب , بألا يكون في أوقات العمل أو أوقات الراحة والاستجمام , بل يكون في الأوقات التي يكون الإنسان فيها غالباً خالٍ من الارتباطات ونحو ذلك. ٣ - بدء الحوار بالتعارف بين الطرفين؛ لأن ذلك يضفي على جو الحوار نوعاً من الهدوء والسكينة , وكذلك استعمال بعض المقدمات اللطيفة (١). ٤ - الجلوس في أثناء الحوار؛ لأن الوقوف يوحي إلى عدم الرضا بالحوار , ويعطي صاحبه شيئاً من الأنفة والتعالي , فيقوده ذلك إلى رفع الصوت واستعمال بعض الأقوال والأفعال التي تخل بالحوار وتعطل سيره , وأما الجلوس فيعطي النفس شيئاً من الارتياح والاستقرار النفسي. ولقد كان من أمر مصعب بن عمير , وأسعد بن زرارة ﵄ أن دخلا حائطاً من حوائط بني ظفر (٢) , عند بئر مرق (٣) , ومن هنا سيكون الحوار مهيئاً , لما يحويه المكان من خضرة جميلة , ومياه وفيرة , تجلب الهدوء والروائح الزكية. فعندما أخبر أسعد بن زرارة مصعب بن عمير ﵄ بقدوم أسيد بن الحضير ﵁ قال: " إن يجلس أكلمه " (٤) , فحرص مصعب بن عمير ﵁ على

стр. 63

هذا الأدب النفسي؛ لذلك كرره مرةً ثانية عندما وصل أسيد بن الحضير ﵁ فقال له " أو تجلس فتسمع " (١). ثالثاً: الإنصاف والعدل: يحث الدين الإسلامي على العدل والإنصاف؛ لما ينتج عن العدل من رضا وقناعة , فيصلح الحال ويستقيم , وتنعدم بذلك أمراض النفوس , من حقد وظغينة , وعداوة وبغضاء , ولو كان العدل على حساب نفسك , أو على حساب قريب أو عزيز , قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢) , أي " أن تعدلوا في القول إذا قلتم قولاً في شهادة أو حكم على أحدٍ، ولو كان المقول في حقِّه ذلك القول صاحب قرابة منكم، فالعدل واجب في الأقوال كما أنه واجب في الأفعال كالوزن والكيل ; لأنه هو الذي تصلح به شؤون الناس، فهو ركن العمران وأساس الملك وقُطْبُ رحى النظام للبشر في جميع أمورهم الاجتماعية، فلا يجوز لمؤمن أن يحابِيَ فيهِ أحداً لقرابته ولا لغير ذلك" (٣). إن العدل والإنصاف يعطيان الحوار ثقة ومتانة بين المتحاورين , فمصعب بن عمير ﵁ ضمن ذلك في حواره مع سعد بن معاذ ﵁ عندما أقبل عليه فقال له: " أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته , وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره , قال سعد: أنصفت " (٤) , رغم أن مصعباً ﵁ كان على الحق بمجيئه

стр. 64

بالدين الإسلامي , ولكن أراد أن يبين مدى تمسكه بالعدل ليرضى سعد بن معاذ ﵁ , مع حرصه الشديد على إقناعه بما جاء به. رابعاً: الحلم والصبر: إن المتحاور سيلقى أفكاراً وآراء تخالف ما يسمو إلى تحقيقه في ذلك الحوار , ولربما واجه شيئاً من التصرفات المشينة؛ لذلك يكون سلاحه في مثل هذا المقام الحلم والصبر , فالصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره (١) , ومن لوازم الصبر والحلم على المتحاور عدم رفع الصوت , وكظم الغيظ , ومقابلة الإساءة بالإحسان , فقد قال : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (٢) , وقد حث ﷺ على الصبر والحلم , وعدم إنفاذ رغبات النفس ووساوس الشيطان , فعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٣). ولقد كان مصعب بن عمير ﵁ حليماً صبوراً , فعندما أقبل عليه أسيد بن حضير ﵁ وقف عليه متشتماً وزاجراً له , وهدده وأمره باعتزال المكان , وما كان من مصعب ﵁ إلا أن تلطف معه وأشار إليه بالجلوس ليسمع منه (٤) , فما زجره وما انتقم لنفسه ولم يقابله بالمثل , بل أحسن إليه بالكلام الليّن , والمعاملة

стр. 65

الحسنة؛ لأنه يعرف أن المقابلة بالمثل سيكون معولاً هداماً لسير عملية الحوار , فيتوقف بذلك الحوار , ويعجز عن تحقيق الهدف المنشود. خامساً: العزة والثبات على الحق: لا بد للمؤمن أن يعتز بدين الله ويثبت على الحق في جميع المواطن , ولا يرخص نفسه ولا يذلها , يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) , فعندما يكون المؤمن معتزاً بدينه ثابتاً على الحق , يعينه ذلك على نجاحه في حواراته بإذن الله , فهو يرسل إلى مقابله من خلال شخصيته الإسلامية وثقته بموعود الله رسائل عزة وقوة وثقة بما جاء به , فتجد سريعاً ما يذعن مُحاوره إلى كلامه ورأيه , وإن أنكر ظاهره. لذا يجد الباحث أن مصعب بن عمير ﵁ أعز نفسه بهذا الدين , وثبت على الحق , فعندما علمت أمه بمقدمه أرسلت إليه وقالت: " يا عاق , أتقدم بلدا أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت لأبدأَ بأحدٍ قبل رسول الله ﷺ . ثم ذهب إلى أمه , فقالت: إنك لعلى ما أنت عليه من الصَّبْأَةِ بعدُ! قال: أنا على دين رسول الله ﷺ وهو الإسلام الذي رضي الله لنفسه ولرسوله .... وجعلت تبكي , فقال مصعب ﵁: يا أماه إني لكِ ناصحٌ عليك شفيقٌ , فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله " (٣). فلم يتوانَ مصعب بن عمير ﵁ ولم يتردد بالبدء برسول الله ﷺ , لأنه يعلم أن حق رسول الله ﷺ أعظم من حق أمه فثبت على ذلك , ثم اعتز وافتخر

стр. 66

بانتسابه إلى هذا الدين , وأخيراً لم تؤثر فيه عاطفته تجاه أمه عندما بكت , ولم يفكر في التراجع , بل ازداد إصرارا على الثبات والعزة , وأراد من أمه أن تُعِز نفسها وتعلو بذاتها بدخولها الإسلام ولكنها أبت , ولله الأمر من قبل ومن بعد. سادساً: حسن الاستماع: إن الفن الحقيقي في الحديث يكمن في حسن الاستماع , فسيجد المحاور قبولاً واحتراماً , وإنصاتاً من مُحاوره إن أوجد ذلك من قبل , ولا يكون حسن الاستماع في عدم مقاطعة الكلام فحسب , فالنظر إلى المتحاور بين الحين والآخر , وتعبيرات الوجه الدالة على الاحترام والتقدير وحسن الإنصات , وكذلك تلك الألفاظ التي تتخلل كلام المحاور والتي توحي إلى الفهم والمتابعة لما يقول, كلها تدل على حسن الاستماع , فهو فن ينبغي على كل محاور أن يتقنه. وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في حسن الاستماع والإنصات , وما حواره مع عتبة بن ربيعة إلا أكبر برهان على خلقه وعظيم أدبه ﷺ , فقد طلب عتبة من الرسول ﷺ بأن يسمع منه , فسمع منه ﷺ بكل أدب احترام , مع أن عتبة قد تطاول على النبي ﷺ .... (١). قال عطاء بن أبي رباح ﵀: " إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه قط وقد سمعته قبل أن يولد " (٢).

стр. 67

أما مصعب بن عمير ﵁ فقد أنصت لكلام أسيد بن حضير ﵁ وهو واقفٌ عليه ومتشتماً , بل ويبدو أنه رافعٌ لصوته , فما قابل ذلك مصعبٌ ﵁ إلا بحسن استماع وإنصات , وعندما انتهى أسيدٌ ﵁ من كلامه , قال له مصعب ﵁: "أو تجلس فتسمع " (١) , فكأن لسان حاله يقول: فكما أني سمعت كلامك بإنصات فاسمع مني بإنصات كذلك. ومن خبر أمه ﵁ كان في حسن استماع لها , مع أنها كانت تظهر له الكيد والعداوة , بل وأرادت التحريض عليه من قبل قومها لتعذيبه (٢) , ومع هذا ما زال في حواره معها بحسن إنصات واستماع؛ لعلها تقتنع بكلامه فتدخل الإسلام. سابعاً: الجرأة والغضب لنصرة الحق: كما أن المحاور لا بد له من الحلم والصبر وعدم الغضب لنفسه , فهو كذلك لا بد أن تكون عنده جرأة في الحق والغضب له , فعندما يتجاوز المحاور المقابل حدوده ويتطاول على الدين , كأن يعتدي " على أصل من أصول الدين , أو يطعن في شيء من معالمه , أو ينال من حملته من الأنبياء أو الصحابة أو العلماء السائرين على نهجهم ... فإنه يجدر بالمحاور عندئذ أن يتجرأ في نصرة الحق , ويغضب لانتهاك محارم الله " (٣) , وهذا كله يُعد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والذي أمر به النبي ﷺ , فعن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 68

«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» (١). لذا لم يكن من حال مصعب بن عمير ﵁ إلا أن يتجرأ ويغضب لدين الله , فعندما جاء إلى مكة قالت له أمه: " ما شكَرْتَ ما رَثَيْتُكَ (٢) , مرة بأرض الحبشة ومرة بيثرب , فقال: أفرُّ بديني إن تفتنوني. فأرادت حبسه, فقال: لئن أنتِ حبستَنِي لأحرصن على قتل من يتعرض لي " (٣) , فقد غضب ﵁ لدين الله حين أرادت أمه حبسه بتحريض قومها عليه , وتجرأ إلى حد القتل لمن أراد أن يتعرض له ويريد صده عن دين الله. المبحث الثالث: آداب أسلوب الحوار العلمية عند مصعب بن عمير ﵁ -: إن الآداب العلمية ينبغي أن يتأدب بها كل مسلم في جميع جوانب الحياة , فهي مهمة للعالِم وطالب العلم وللمفكر والكاتب وكذلك المحاور , ومن تلك الآداب العلمية التي اتسمت في كيان مصعب بن عمير ﵁ في حواراته ما يأتي (٤): أولاً: العلم. ثانياً: التدرج والبدء بالأهم. ثالثاً: الدليل.

стр. 69

رابعاً: الوضوح والبيان. خامساً: الرد على الشبه بما يناسبها. وإليك بيان لهذه الآداب العلمية كما يأتي: أولاً: العلم: يأتي العلم في مقدمة الآداب العلمية , وما ذاك إلا لأنه منطلق لبقية الآداب , ويشتمل على ثلاثة أشياء وهي: ١ - العلم الشرعي: ويُعد العلم الشرعي من أهم العلوم التي ينبغي على المحاور أن يحرص عليها , فهو معين له بعد توفيق الله في إقامة الحجة على الطرف الآخر والرد على آرائه وأفكاره التي تخالف الشريعة وخاصةً إن كان مسلماً , وفضل العلم الشرعي ومعرفة مدى منفعته وبركته على صاحبه يطول المقام في ذكرها (١). ٢ - العلم بقضية الحوار: فيلزم المحاور معرفةً بالعلم الذي أراد أن يحاور فيه , فلا يُعقل أن محاوراً يقدم إلى ميدان الحوار وهو جاهل في مجال العلم الذي وضع الحوار من أجله.

стр. 70

٣ - العلم بالشخص المقابل ومكانته العلمية: ليتمكن المحاور من معرفة كيفية التعامل معه والاستعداد لذلك , فلا بد من " العلم بالطرف الآخر من حيث منزلته ومقدار علمه ومعرفة ظروفه وأحواله " (١). لذا نجد أن مصعب بن عمير ﵁ كان يحمل معه علماً شرعياً في حواراته قد نهله من النبي ﷺ , عندما كان يتردد عليه سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ (٢) , فعندما أقبل أسيد بن حضير ﵁ على مصعب بن عمير ﵁ , أخذ مصعب ﵁ يعلمه الإسلام , ويقرأ عليه القرآن, ولأن مصعب بن عمير ﵁ متمكنٌ من العلم الشرعي أسلم كل من أسيد بن حضير, وسعد بن معاذ ﵄ (٣). وكذلك علم مصعب بن عمير ﵁ بظروف وأحوال الطرف الآخر , عندما قال له أسعد بن زرارة ﵁: " جاءك والله سيّد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان " (٤). ثانياً: التدرج والبدء بالأهم: التدرج مبدأ تربوي يعين على تحقيق الأهداف والغايات المنشودة , ويعطي النفس قبولاً للآراء والأفكار المطروحة , ومن التدرج أن يبدأ المحاور بالأصول ثم الفروع , فالكافر مثلاً يدعوه إلى التوحيد , فالأهم ثم المهم , وهذا من الحكمة , قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ

стр. 71

بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (١) ,يقول السعدي رحمه الله تعالى: " ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم ... " (٢). وقد حرص النبي ﷺ على تطبيق التدرج في حياته كلها (٣) , ومن ذلك عندما أرسل معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن أمره بالتدرج في دعوتهم إلى الإسلام فعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن، فقال: «إنك تأتي قوماً أهل كتابٍ، فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعْلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يوم وليلةٍ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعْلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهِم، وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (٤). قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀: وفيه " البداءة بالأهم فالأهم" (٥). وفي المدينة حرص مصعب بن عمير ﵁ في حواره مع الانصار على أن يبدأ بالأهم , ويتدرج معهم في الدعوة إلى الله , فعندما كان مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة ﵄ جالسين جاءهما سعد بن معاذ ﵁ فاستقبله مصعب بن

стр. 72

عمير ﵁ ثم "عرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن , قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطّهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين " (١) , ولعل مصعب بن عمير ﵁ حين عرضه للإسلام بيّن محاسنه ورحمته وعدله , وكذلك حرص على قراءة القرآن فهو أهم ما يُبدأُ به عند الدعوة إلى الله , ثم عندما أراد سعد بن معاذ ﵁ الدخول في الإسلام لم يأمره بالصيام أو الزكاة , بل بدأ بما هو أهم , من خلال التدرج بالاغتسال , فالتطهر , فالشهادة , ثم الصلاة. وأيضاً في حواره مع أمه , حينما دعاها إلى الإسلام بدأ بدعوتها إلى النطق بالشهادتين فقال لها: " اشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله " (٢) , فلم يبدأ بفروع الدين , بل حرص على الأصل والأهم. ثالثاً: الدليل: إن المحاور الناجح من ثبّت كلامه وعلمه وآراءه بالدليل والبرهان , " فإن الإقناع لا بد أن يكون بالحجة والبرهان لا بمجرد الكلام , والرد من غير دليل , بمنزلة هدم العلم بالشك المجرد , وسوق الحقائق المجردة أقل تأثيراً في النفوس من سوقها مدعمة بالشواهد المعتمدة , سواء من الكتاب أو السنة أو أقوال الأئمة والعلماء " (٣) , والقرآن الكريم من أعظم ما يتسلح به المحاور , قال تعالى:

стр. 73

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (١) , قال ابن كثير ﵀: " وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة " (٢) , فالعلم لا بد له من دليل , قال ابن القيم ﵀: " العلم ما قام بدليل " (٣) , فإيراد الدليل في الحوار يكون أدعى للقبول والإجابة , ويعطي المحاور ثقةً بنفسه , ويشعر الخصم قوة وحقيقة ما جاء به ذلك المحاور. وكذلك العلوم الإنسانية والطبيعية لا بد للمحاور أن يسوق معها في حواره ما يدعّم كلامه من تجارب وبراهين. وأما حوار مصعب بن عمير ﵁ فقد ساق في عرضه للإسلام والدعوة إليه دليلاً يدعم العلم والدين الذي أُرسل من أجله , ومن العجيب أنه ﵁ لم يقرأ أي آية , بل اختار ما يناسب الحال , وهذا من ذكائه ﵁ , فعندما جاءه سعد بن معاذ ﵁ قرأ عليه قول الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ (٤) (٥) , يقول السعدي ﵀ في تفسير هذه الآيات: " هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين وأطلق، ولم يذكر المتعلق، ليدل على أنه مبين لكل ما يحتاج إليه العباد من أمور الدنيا والدين والآخرة. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ هذا المقسم عليه، أنه جعل بأفصح

стр. 74

اللغات وأوضحها وأبينها، وهذا من بيانه. وذكر الحكمة في ذلك فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الأذهان " (١). رابعاً: الوضوح والبيان: " إن قوة التعبير وفصاحة اللسان وحسن البيان وجودة العرض , من عوامل نجاح الحوار , ويكون له الأثر الأكبر في إيضاح الفكرة وقبول الطرف الآخر لها ,وربما ضاع الحق لسوء التعبير عنه, وظهر الباطل لفصاحة قائله وبلاغته " (٢). ففصاحة اللسان مهمة للمحاور الجيد؛ ولكن قد يحيد عنها أحياناً إذا كان الطرف الثاني لا يفهم الفصحى فيحاول أن يحدثه بما يعقل , ويهتم كذلك المحاور ببيان ما يود عرضه بالاقتصاد في السياق وتفصيل الألفاظ على قدر المعاني والدقة في اختيار الأدلة والشواهد الصحيحة الصريحة الواضحة الدلالة والإسهاب والتفصيل في الإجابة عند الحاجة بقصد التوضيح أو زيادة في التأكيد والتثبيت (٣). ولا شك أن مصعب بن عمير ﵁ كان فصيح اللسان , وهذا من طبيعة العرب في ذلك الزمان , وفي بيانه ﵁ كان دقيقاً في اختيار الدليل , فيتضح لنا من خلال الآية السابقة أن مصعب بن عمير ﵁ قد اختار ذلك الدليل , لأنه يعرف مدى فصاحة العرب وبلاغتهم , ومدى اهتمامهم باللغة العربية من خلال رجز الشعر والنثر , فتفتخر به القبائل وتتباهى به؛ لذلك أتى بهذا الدليل بما يناسب أحوالهم؛ وليعطي ما جاء به قوةً ومتانةً.

стр. 75

وقد كان ﵁ يقتصد في كلامه , ولا يطيل إلا للبيان والتوضيح كما فعل مع سعد بن معاذ ﵁ عندما عرض عليه الإسلام (١) , كما أنه لا يجادل ولا يكثر من الحشو في الكلام , فقد قال لسعد ﵁: " أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره " (٢). خامساً: الرد على الشبه بما يناسبها: إن الاختلاف سبب لقدوم المتحاورين إلى ميدان الحوار , فقد يسبب ذلك الاختلاف بعض الإشكالات , ومن ذلك " يكثر في الحوار إيراد الشبه التي ربما كانت عائقاً أمام اقتناع الخصم وإذعانه , وغالباً ما يطرح الخصم المعاند مثل هذه الشبه للإعراض عن الحق أو للتلبيس على محاوره , أو لتضييع الوقت والهروب من الحوار والمناقشة , وربما كان الأمر مشتبهاً فعلاً على الخصم ويحتاج إلى كشف الشبهات وإزالة الإشكالات " (٣) , لذا وجب الرد على الشبه وتقريعها وعدم التهاون في ذلك ,وقد رد الله على كثير من الشبه في القرآن الكريم , ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ (٤) , قال الشيخ السعدي ﵀: " فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، وهم اليهود والنصارى، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله
следующие страницы →