المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] والقائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]
والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه (١) وبعد:
فقد اطلعت على مقال منشور في مجلة جون أفريك الفرنسية في عددها ٢٠٥٧ وتاريخ ١٣/ ٦/ ٢٠٠٠ م للكاتب محمد طالبي (٢)، والمعنون بـ (كل ما يتضمنه القرآن يدعو إلى حرية الفكر).
وقد تعرض الكاتب لعدد من المسلمات في الشريعة الإسلامية فردّها واستهجنها؛ لأنها على حد زعمه لا تتفق مع حرية الفكر التي ينص القرآن بكل وضوح عليها، ويرى أن الأخذ بما عليه السلف جمود وعبودية.
ومما جاء في المقال المذكور: «إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام، ليس فقط لجرائم فظة يكون لها ما يبررها، ولكن أيضاً لجرائم الفكر والضمير» ويقول: «إن كل ما في القرآن يدعو إلى حرية الفكر، وإنه رحمة ورأفة وكل شيء في القرآن يدعو إلى العفو، وكل الشريعة التي هي من عمل الإنسان تركز على استخدام العنف».
стр. 2
ويقصد بحرية الفكر، حرية التدين بالنسبة للمسلمين، واستشهد بقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] حيث يستنكر قتل المرتد عن الإسلام، ويقول: «فالتطرف الديني ينتشر بسرعة عندما يهيء الفقر المادي والفكري الظروف الملائمة له، خاصة أن له رعاة أغنياء وكرماء في الوقت الذي لا يملك فيه الإسلام الحديث لا الوسائل ولا المال أو وسائل التعبير».
ويقول: «وقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً يدين بصراحة نظام الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية؛ حيث تطبق الشريعة حرفياً، الأمر الذي يقود إلى تكاثر أحكام الإعدام في كل المجالات؛ جرائم اغتصاب تجارة المخدرات، والردة بالطبع».
ويقول (فالسنة التي يجب التحقق من صحتها نسبة لكثرة التفاسير، هي شيء قابل للطعن في صحته، ويظل القرآن هو وحده الذي يرجع إليه).
ويقول: لا توجد عقوبة إعدام المرتد في القرآن وهي واردة في الإنجيل. ونسبة لعدم وجود أي مرجعية لها في القرآن، وتحت تأثير الإنجيل، دون أدنى شك، فقد لجأ الفقهاء في القرون الوسطى لتبرير القتل بسبب الردة عن طريق السنة، وتبعاً لتقليد متقن فقد نسبوا إلى النبي ﷺ القول التالي (اقتلوا من بدل دينه)، وأصبح هذا السلاح ضرورياً لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية في أي بلد مسلم، وذلك خوفاً من التعرض لنفس مصير سلمان رشدي).
وبناءً على ما تقدم يتضح أن الكاتب قد وقع في عدة مخالفات هي:
* إنكاره الاحتجاج بالسنة، واتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول ﷺ لم يقلها.
стр. 3
* إنكاره قتل المرتد وتجار المخدرات.
* وصف البلدان التي تطبق الشريعة الإسلامية بالوهابية، وهو وصف يقصد به التشدد الممقوت الذي يخرج عن سماحة الإسلام ويسره؛ لما قر في ذهنه وأذهان من هم على شاكلته بسبب الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حيث يصفونها بالتشدد والقسوة مع أنها لا تطبق إلا أحكام الشرع التي كلها عدل ورحمة.
_ ادعاؤه مخالفة المملكة العربية السعودية لحرية الفكر التي دعا إليها القرآن الكريم، واستنكاره عدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ونظراً لخطورة هذه المخالفات، وسوء أثرها على الإسلام وأهله كتبت مقالاً فيه رد على الكاتب، أرسلته إلى مجلة جون أفريك الفرنسية، ثم رأيت بسط المقال المذكور فألفت هذا الكتاب مستعيناً بالله، قاصداً بيان الحق، في ضوء القرآن الكريم والسنة الشريفة، وبقية الأدلة المعتبرة، دونما أي تعصب أو تحيز. وقد سميته: (حدود حرية الفكر في الشريعة الإسلامية)، وقدمت الكلام على السنة، وقتل المرتد؛ لأنهما موضوع احتجاج وتمثيل عند الكاتب لعدم وجود حرية الفكر في بعض البلدان الإسلامية حسب زعمه، وفي نفس الوقت هما تمهيد لحرية الفكر في الشريعة الإسلامية، وقد جعلته بعد هذه المقدمة في ثلاثة مباحث وخاتمة:
* المبحث الأول: في السنة، وفيه مطلبان:
- المطلب الأول: حجية السنة.
- المطلب الثاني: مناقشة اتهام الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول لم يقلها.
* المبحث الثاني: حكم المرتد وتجار المخدرات.
* المبحث الثالث: حرية الفكر في الشريعة الإسلامية.
стр. 4
* الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
تم الانتهاء من أصله في عام ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م، وتمت مراجعته وإعداده للنشر بالعوالي في مكة المكرمة يوم الثلاثاء ٢٢/ شعبان/ ١٤٤٤ هـ الذي يوافقه ١٤/ مارس/ ٢٠٢٣ م.
стр. 5
المبحث الأول في السنة
المطلب الأول: الاحتجاج بالسنة
يظهر من كلام الكاتب - هدانا الله وإياه - أنه يقصر الاستدلال على القرآن، ولا يرى الاحتجاج بالسنة على إقامة حد الردة، ولذا فهو يعتمد في مقاله المذكور على ميزان غريب بل بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي.
إذ من المعروف أن العالم أو الكاتب المخلص يتجرد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة الحتمية التي ينبغي عليه الوصول إليها والقول بها. ولكنه حمل في ذهنه فكرة معينة فأثبتها بدون دليل، بل قبل البحث عنها وعن دليلها، بل إنه في سبيل إثباتها أنكر الأدلة الصحيحة الصريحة؛ لأنها مصادمة لهواه.
وقد زاد عمله سوءاً واضطراباً المنهج الاستشراقي الذي درج عليه والتزم به، وذلك بإخضاعه النصوص لأفكاره المسبقة، وأهوائه المتحكمة، يختار منها ما يقبله، ويرفض ما يجده مناقضاً لما يريد، ثم تحريفه لما يعتمد منها.
إن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، ولا يشكك في حجيتها إلا جاهل أو منافق، وموقف أمثال هذا الكاتب قد وصفه الرسول ﷺ في معرض الذم لمن يتنكرون لسنته، وبين فيه أن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله، فعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال «ثم يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله
стр. 6
فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (١).
ولمناقشة هذا الكاتب نقول له: مادام أنك لاتزال تعترف بحجية القرآن فإليك بعض النصوص القرآنية الواضحة الدالة على وجوب العمل بالسنة ونفي الإيمان عمن لا يحتكم إليها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] والرد إلى الله هو الرد إلى القرآن الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
فهذه الآيات الكريمات توجب التحاكم إلى رسول الله ﷺ ، وتنفي الإيمان عمن لم يحتكم إليه.
وهي تتناول الموضوع الأساس في حياة الأمة المسلمة، إنها تتناول بيان شرط الإيمان وحده، وتحدد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها، إن الرسل
стр. 7
أرسلت لتطاع - بإذن الله لا لمجرد الإبلاغ والإقناع ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤].
وما دمت تعتقد أن القرآن الكريم كلام الله وأن محمداً رسول الله ﷺ لزمك أن تعتقد بعدم إمكان الفصل بين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي هي تفسير وتطبيق عملي للقرآن.
وإن الناس لا يؤمنون إلا إذا تحاكموا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ إذ لا يكفي أن يتحاكموا إليه ليكونوا مؤمنين، بل لابد من أن يتلقوا حكمه ﷺ مسلّمين راضين ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ينقادوا لأمرك في القضاء، وقوله: تسليما مصدر مؤكد، أي ويسلموا لحكمك تسلمياً لا يدخلون على أنفسهم معه شكاً.
فهذا النص يتحدث عن المنافقين الذين لا ينتفعون بآيات الله المبينات ولا يهتدون، فهؤلاء لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول الله ﷺ وفي الرضا بحكمه والطمأنينة إليه، ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم، فآيات الله مبينة كاشفة تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث.
ومع أن في القرآن الكريم، وسنة الرسول ﷺ ما يكفي ويشفي لرد زعم الكاتب وأمثاله، إلا أنه لا مانع من أن نورد له بعض أقوال المستشرقين المعتدلين، أو ممن اضطروا أن يعترفوا بالحقيقة؛ لاعتقادنا أن أقوالهم ستجد قبولاً لديه، ولدى أمثاله.
يقول المستشرق محمد أسد ليويولد قابس والذي تسمى ب (محمد) بعد أن هداه الله إلى الإسلام: (إن العمل بسنة رسول الله هو عمل على حفظ كيان
стр. 8
الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام .. لقد كانت السنة الهيكل الحديدي الذي قام عليه صرح الإسلام، وإنك إذا أزلت هيكل بناء ما، أفيدهشك أن يتقوض ذلك البناء كأنه بيت من ورق؟ (١).
(إن حياته ﷺ العجيبة كانت تمثيلاً حياً وتفسيراً لما جاء في القرآن الكريم، ولا يمكننا أن ننصف القرآن الكريم بأكثر من أن نتبع الذي قد بلغ الوحي (٢).
وقد سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله فقالت: «كان خُلقُهُ القُرآنَ (٣)».
وفي الحقيقة يجب علينا أن نعتبر أن السنة هي أهم تفسير لتعاليم القرآن الكريم، والوسيلة الأساسية لاجتناب الخلاف في تأويل تلك التعاليم وتطبيقها في الحياة العملية (٤).
ويقول محمد أسد أيضاً: (إن تفكيرنا يقودنا حتماً إلى أنه ليس ثمة حكم فيما يتعلق بالتأويل العملي لتعاليم القرآن الكريم أفضل من الذي أوحيت إليه هذه التعاليم هدى للعالمين، إن التعبير الذي يتردد على مسامعنا اليوم كثيراً: لنرجع إلى القرآن الكريم، ولكن يجب ألا نجعل من أنفسنا أتباعاً مستعبدين للسنة يكشف بكل بساطة عن جهل للإسلام، إن الذين يقولون هذا القول يشبهون رجلاً يريد أن يدخل قصراً ولكنه لا يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب (٥).
стр. 9
وما دمنا نعتقد أن القرآن الكريم كلام الله تماماً في مبناه ومعناه، فالنتيجة المنطقية لذلك أنه لم يُقصد به قط أن يكون مستقلاً عن هداية الرسول الشخصية على ما هي مبسوطة في السنة.
وقد قال المستشرق سنوك هركرونيه: «إنه ليس من السداد في شيء إنكار حديث لا يمكن تبيين السبب الذي يقال إنه وضع لأجله ولا توجد علة تاريخية تقتضيه» (١).
وقد اعترف المستشرق البروفيسور نيكولون بقول ابن قتيبة: «إنه ليس لأمة سنة مثل سنتنا» (٢).
والأستاذ ونسنك، أستاذ كرسي اللغة العربية بجامعة لندن، والذي قام بنشر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث نقل له الدكتور علي عبد القادر بحثاً عن الدور الذي قام به أهل الحديث، ذكر فيه جهودهم في دراسة الحديث ونقده، ورد على من زعم من المستشرقين أن الحديث من وضع أهلي القرنين الأول والثاني وأثبت فساد هذا الزعم (٣).
ولتصوير الحقيقة على الوجه الصحيح لابد أن نذكر أن من وظيفة الرسول ﷺ كما صرح بذلك القرآن - أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] ولا شك في كونه قد قام بذلك على الوجه الأكمل، وواجب على المسلم أن يلتزم بما جاء عن رسول الله ﷺ وإلا فما فائدة أوامره ونواهيه، وبالتالي ما فائدة رسالته.
стр. 10
وفي القرآن أحكام مجملة كثيرة كأحكام الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، فالصلاة لم يأت في القرآن بيان أنواعها، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، لكن بينها النبي ﷺ في السنة، فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا منه، فإذن لم ندر صحيح مراد الله منها.
إن القول بعدم حجية السنة من أخطر القوارع لدك الدين من أساسه، وإلغاء ما بينه وبين غيره من مميزات وفروق، قصد طي آثار الحضارة الإسلامية، وإذابة المجتمع الإسلامي، والقضاء على هويته ومقوماته، وهذا منكر من القول، وكفر وتعطيل لأحكام الله وشريعته. وتصوير الإسلام بما يتفق وأغراضهم، ويخدم ميولهم ومصالحهم، لا بما أراده الله من إرساء قواعد العدل والأمن والسلم والمساواة وبناء الحياة الإنسانية على المنهج الرباني الذي دعت إليه الرسالة (١).
وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على العمل بالسنة، وكذلك أئمة الدين وعلماء الأمة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: «هؤلاء يعتمدون السنة ولا يتعمدون مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل، وإنهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباعه، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ (٣).
стр. 11
أما إصدار الأحكام بناءً على ما يراه العقل البشري فهو مرفوض، إلا إذا لم يصادم نصاً من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة، أو إجماع العلماء، وبشرط أن يكون خاضعاً لقواعد الشريعة، غير متعارض مع مقاصدها.
ومن الثابت أن القوانين التي يضعها البشر لا تخلو من التأثر بالأهواء المضلة عن سبيل الله، المتحيزة إلى جانب دون جانب، أما شرع الله فقد وضعه خالق الناس الذي هو أعلم بحالهم وما يصلحهم، وضعه من لا يتأثر بالأهواء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع؛ لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف على كل ما يخبر به العقل» (١).
وقال: «إن تقديم المعقول على الأدلة الشرعية ممتنع متناقض، وأما تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكن مؤتلف، فوجب الثاني دون الأول، وذلك لأن كون الشيء معلوماً بالعقل، أو غير معلوم بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر» (٢).
ولهذا أمر الله برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 12
فأمر المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافاً واضطراباً، وشكاً وارتياباً (١).
قال الخطيب البغدادي: «ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي ومجانبته خلافاً بعيداً، فما يرى المسلمون بداً من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على عوره وغوره من ذلك رجلان قطعت أذنا أحدهما جميعاً يكون له اثنا عشر ألفاً، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه وذهبت نفسه ليس له إلا الاثنا عشر ألفاً .. فهل وجد المسلمون بُداً من لزوم هذا» (٢).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «لو كان الدِّينُ بالرأيِ لكان أسفلَ الخفِّ أولى بالمسحِ من أعلاه وقد رأيتُ النبيَّ ﷺ يمسحُ على ظاهرِ خُفَّيْه» (٣).
«وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه» (٤).
ولكل ما سبق فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول إن دلالة هذا الحديث مخالفة للعقل، فهذه الأدلة الواضحة لا تدع مجالاً ينفذ منه المشككون في حجية السنة.
стр. 13
المطلب الثاني: اتهام الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول لم يقلها
وأما اتهامه الفقهاء بنسبة أحاديث إلى الرسول ﷺ وهو لم يقلها واستشهاده ب (اقتلوا كل من غير دينه)
فأقول للكاتب إن قولك هذا لا يخضع لمعايير البحث العلمي السليم، فلو أنك قلت إن هذا الحديث لا يصلح الاحتجاج به، وعللت قولك بتعليل صحيح، لكان من المناسب أن نناقشك فيه، أما وأنك تزعم أن الفقهاء نسبوا الحديث للرسول فهذا الأسلوب وسيلة للطعن في سنة رسول الله ﷺ كلها، والتشكيك فيها، وبالتالي عدم الاعتداد بحجيتها.
ونقول للكاتب -هدانا الله وإياه-: إن الحديث المذكور حديث صحيح لا يتطرق الشك إليه بأي حال من الأحوال، فقد رواه البخاري في صحيحه، وهو أصح كتاب على وجه الأرض بعد القرآن الكريم، كما روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده (١).
أما قول الكاتب: (وأصبح هذا السلاح ضرورياً لكل حاكم ومتمرد وإرهابي، ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية … الخ).
فنجيب عليه بما قاله المستشرق محمد أسد:
(لقد أصبح من قبيل الزي في أيامنا هذه أن ينكر المرء -مبدئياً- صحة الحديث، ثم هو من أجل ذلك ينكر نظام السنة كله.
هل هنالك أساس علمي لهذا الاتجاه؟ أم هل هنالك مبرر علمي لرفض الحديث على أنه مصدر يستند إليه الشرع الإسلامي؟
стр. 14
إننا نظن أن خصوم الرأي الصحيح -مذهب أهل السنة فيما يتعلق بالحديث- لا يمكن أن يأتوا بأدلة مقنعة فعلاً تثبت مرة واحدة عدم الثقة بالأحاديث المنسوبة إلى الرسول، ولكن ليس هذا موضوعنا، إنه على الرغم من جميع الجهود التي بذلت في سبيل تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي، وإنه من الصعب أن يفعل أحد ذلك؛ لأن الجامعين لكتب الحديث الأولى، وخصوصاً الإمامين البخاري ومسلماً، قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضاً أشد كثيراً من ذلك الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوروبيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم.
إننا نتخطى نطاق هذا البحث إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون -علماء الحديث- الأولون يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي -من أجل ما نحن هنا بصدده- أن نقول إنه نشأ من ذلك علم ثابت الأصول تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول وشكلها وطريقة روايتها، ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذُكروا على أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يُعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماماً مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة؛ فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه، أو على الحديث جملة فإن عليه هو
стр. 15
وحده، أن يُثبت ذلك، وليس ثمة مبرر مطلقاً من الناحية العلمية أن يجرح أحد صحة مصدر تاريخي ما، ما لم يكن باستطاعته أن يبرهن على أن هذا المصدر منقوض، فإذا لم تقم حجة معقولة أي علمية على الشك في المصدر نفسه أو في أحد رواته المتأخرين، وإذا لم يكن ثمة من الناحية الثانية خبر آخر يناقضه، كان حتماً علينا حينئذ أن نقبل الحديث على أنه صحيح (١).
ونجيب عليه أيضاً بأن علماء الشريعة الإسلامية لم يخضعوا، ولا يستطيعون أن يخضعوا أحكام الشريعة الإسلامية لأهواء الحكام، ولا أن يؤلفوا أحاديث من عند أنفسهم وينسبوها للرسول ﷺ ، ولا يطعنوا في الأحاديث من تلقاء أنفسهم ولكن عندهم علم مضبوط بموازين دقيقة هو علم الجرح والتعديل، وهو علم اختصت به الأمة الإسلامية، ولا مثيل له في أمة سبقت أو لحقت يعرف به المختصون درجة الحديث من حيث الصحة والحسن والضعف ونحو ذلك، ويحكمون عليه بناءً على هذه القواعد الدقيقة، والتي لا يتصدر للكلام فيها إلا الخاصة من علماء الحديث، ونظراً لأن هذا الحديث المستدل به حديث صحيح فإنه لا يمكن لأحد من علماء الشريعة الطعن فيه، فالأحاديث الصحيحة ليست ألعوبة في أيدي أحد من الناس فلا تتحول إلى ضعيفة بعد أن كانت صحيحة.
وأما ما ذكره عن الوهابية.
فإن ما نقله الكاتب من سؤال السائل القائل (فأنا مسلم بالميلاد ولدي معرفة سطحية للإسلام وما تقوله يتناقض تماماً مع الوهابية المنتشرة بسرعة مذهلة في بلدنا عن طريق الطلاب العائدين كل عام بعد إتمام دراستهم في المملكة العربية السعودية).
стр. 16
فقول السائل صحيح، فإن ما يقوله الكاتب يتناقض تماماً مع الإسلام، وأما وصف الدعوة الصحيحة بالوهابية فهو خطأ أراد به أعداء هذا الدين تشويه صورة الإسلام وبث الفرقة بين المسلمين، وهو وصف يقصد به التشدد الممقوت الذي يخرج عن سماحة الإسلام ويسره؛ لما قر في ذهنه وأذهان من هم على شاكلته بسبب الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ حيث يصفونها بالتشدد والقسوة، وبيان الخطأ هو أن الدعوة التي قام بها الشيخ محمد، وتسميتها «وهابية» نسبة إليه خطأ لغوي؛ لأن والده لم يقم بها، وإلا لاشترك في هذه النسبة الوالد وأولاده، ومحمد واحد منهم لتصبح نسبة مشتركة (١).
أما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي ناصرها الإمام محمد بن سعود -رحمهما الله- فهي دعوة سلفية تصحيحية على مذهب أهل السنة والجماعة، قامت على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ونبذ ما يخالفهما، فهي لا تطبق إلا أحكام الشرع التي كلها عدل ورحمة.
стр. 17
المبحث الثاني قتل المرتد وتجار المخدرات
تعريف المرتد:
المرتد: (هو الذي كفر بعد إسلامه؛ نطقاً، أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلا (١)
وعرفه ابن قدامة فقال: (هو الراجع عن الإسلام إلى الكفر) (٢).
إن الإسلام إيمان، ونظام، وحيث إن نظامه شامل لسلوك الإنسان من المهد إلى اللحد، فإنه لا غنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولا شيء أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه؛ لأن الخروج عليه يهدد كيانه، ويعرضه للسقوط والتداعي.
إن الخروج على الإسلام والارتداد عنه، إنما هو ثورة عليه، والثورة عليه ليس لها من جزاء، إلا ما قررته الشريعة الإسلامية في الأحاديث الصحيحة، التي سيأتي بيانها، وهو الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية فيمن خرج على نظام الدولة، وأوضاعها المقررة؛ فإن أي إنسان سواء كان في الدول الشيوعية أم الدول الرأسمالية، إذا خرج على نظام الدولة فإنه يوصم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الإعدام (٣).
فالإسلام في تقرير عقوبة الإعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم، ومن أهم الأحكام التي تترتب على ثبوت الردة ما يأتي:
стр. 18
إذا ثبتت الردة على شخص ترتب عليها أحكام أخروية وأحكام دنيوية، وأهم الأحكام المتعلقة بالآخرة حبوط العمل والخلود في نار جهنم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠].
أما الأحكام المتعلقة بالدنيا فكثيرة نذكر منها:
قتل المرتد.
اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد الرجل وكان بالغاً عاقلاً غير مكره على الردة فإنه يقتل (١).
وهذا محل إجماع عند المسلمين. قال ابن دقيق العيد: (الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع في الرجل) (٢)
وقال ابن قدامة: (وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين. روي ذلك عن أبي بكر، وعثمان وعلي ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك فكان إجماعاً) (٣).
стр. 19
واستدلوا على ذلك بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره قال ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١) ويدل على مشروعية قتل المرتد، ورجم الزاني الثيب حتى الموت قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ الثَّيِّبِ الزَّاني، والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتَّاركِ لدينهِ المفارقِ للجَمَاعة» (٢).
ويدل عليه أيضا حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك، فلما قدم قال أيها الناس: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فألقى له أبو موسى وسادة ليجلس عليها، فأتي برجل كان يهودياً فأسلم ثم كفر، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات- فلما قتل قعد (٣) متفق عليه.
وقال مالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه والزهري والأوزاعي وإسحاق وابن حزم تقتل المرأة إذا ارتدت كالرجل (٤).
واستدلوا بالأدلة السابقة:
١ - قوله ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فإن (من) عند أهل اللغة والأصول شاملة للذكر والأنثى.
٢ - والأحكام الثلاثة المذكورة في الحديث الثاني يجب أن تكون كلها شاملة للذكر والأنثى، ولا يؤثر على ذلك ورود لفظ (امرئ) بدليل أن الزانية ترجم إذا كانت محصنة مثل الرجل وكذا القاتلة عمداً.
стр. 20
٣ - في حديث معاذ عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن قال «أيُّما رجُلٍ ارتدَّ عنِ الإسلامِ فادعُهُ فإن عادَ وإلَّا فاضرِب عنقَهُ وأيُّما امرأةٍ ارتدَّت عنِ الإسلامِ فادعُها فإن عادَت وإلَّا فاضرب عنقَها» (١)، قال الحافظ ابن حجر: سنده حسن (٢).
٤ - قتل أبو بكر ﵁ في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد (٣). قال ابن حجر أخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن (٤).
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن المرأة المرتدة لا تقتل، بل تحبس ويضيق عليها حتى تتوب أو تموت، واستدل بنهي النبي ﷺ عن قتل الكافرة التي لا تقاتل أو تحرض على القتال (٥).
روى أبو داود بسنده عن رباح بن ربيع قال: «كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في غَزوةٍ فرأى النَّاسَ مُجتَمَعينَ علَى شيءٍ فبعثَ رجلًا، فقال: انظرْ علامَ اجتمعَ هؤلاءِ؟ فجاءَ فقالَ: علَى امرأةِ قَتيلٍ. فقالَ: ما كانت هذِهِ لتقاتِلَ قالَ: وعلَى المُقدِّمةِ خالدُ بنُ الوليدِ فبعثَ رجلًا. فقالَ: قُلْ لخالدٍ لا يقتلَنَّ امرأةً ولا عَسيفًا» (٦).
والراجح رأي الجمهور؛ وهو قتل المرتدة؛ لقوة أدلته، وسلامتها من الإيراد عليها، ولأن كل واحد من أدلة الجمهور صالح للاحتجاج به على قتل المرتدة بانفراده، فكيف بها مجتمعة؟
стр. 21
وأما ما احتج به أبو حنيفة من نهي النبي ﷺ عن قتل المرأة، فيجاب عليه بأن المراد به المرأة الكافرة الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، وكذلك نهي الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق (١) عن قتل النساء (٢).
ولم يكن فيهم مرتد، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ؛ بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع، والشيوخ، والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس، والكفر الطارئ بخلافه (٣).
بل إن الديانات الأخرى تجرم الردة، وترتب على المرتد كثيراً من الأحكام، التي يتوافق كثير منها مع الشريعة الإسلامية في مذهب بعض طوائف تلك الديانات، وتقترب من الشريعة الإسلامية في مذهب طوائف أخرى. فقد ساوت الديانة اليهودية في قانون الأحوال الشخصية للإسرائيليين بين زنا المرأة وخروجها من اليهودية، وأنه تقع الفرقة بذلك بين الزوجين، وأن خروج المرأة من دينها مسقط لحقوق الزوجية التي تنبني على الطلاق (٤).
وطائفة الأنجيليين من النصارى يرون أنه: (إذا اعتنق أحد الزوجين ديانة أخرى جاز للطرف الآخر أن يطلب الطلاق) (٥).
كما في المادة ١٨/ ٢ من نظام الأحوال الشخصية.
стр. 22
وجاء في المادة ١٤ من أنظمة الأرثوذكس أن (لكل من الزوجين أن يطلب الطلاق إذا ارتد الزوج الآخر عن الديانة النصرانية) (١).
وفي مجموعة (١٠٥٥) قد نصت في المادة (٤٩) منها على أنه يفسخ الزواج إذا خرج أحد الزوجين عن الدين المسيحي) (٢).
وكذلك فإن الدستور الفرنسي الصادر في إبريل عام ١٩٤٦ م قد قيد حرية الرأي المنصوص عليها في المادة ١٤ منه بعدم إساءة استعمال هذا الحق، حتى لا يؤدي ذلك إلى مخالفة المبادئ التي نص عليها إعلان الحقوق الذي تضمنه ذلك الدستور، والمستند إلى المنطق الفردي التقليدي (٣).
وفي الشريعة الإسلامية اتفق الفقهاء على أنه إذا ارتد أحد الزوجين بطل عقد الزواج؛ سواء كانت الردة من الزوج أو من الزوجة (٤)، وبناءً على أن ما ذهب إليه الكاتب من إنكاره لحجية الأحاديث الشريفة، وإقامة حد الردة وهو قتل المرتد، الذي تطبقه المملكة العربية السعودية ويطبقه كل من يقيم شرع الله على أرضه مصادم للأدلة الشرعية من القرآن والسنة التي سبق بيانها، وقائله يريد أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، فقوله هذا مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وليس من الإسلام في شيء، وهو من اتباع الهوى، وسعي في نقض عرى الإسلام عروة عروة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وقال تعالى:
стр. 23
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]
إن حكم قتل المرتد الذي تطبقه المملكة العربية السعودية وكل من يحكم بالشريعة الإسلامية هو تطبيق لحكم الله المبلغ من رسول الله ﷺ ، وليس من فتاوى جاهزة كما يقول الكاتب.
وقول الكاتب: (إنه لمن المخجل أن يدافع عدد من الدول الإسلامية عن عقوبة الإعدام).
فإننا نقول له: إن هذا إرجاف وتهويل لا مبرر له، وإن المخجل حقاً أن من ينسب نفسه للإسلام، ويتكلم باسم الإسلام يتنكر لأحكام الإسلام، ويريد أن ينسخ بهواه ما أثبتته الأدلة الشرعية، وأجمع عليه علماء الملة عبر العصور، ويريد أن يلصق بالإسلام ما ليس منه.
وما ذكره عن منظمة العفو الدولية إن صح ما ذكره عنها فجوابنا عليه: أنه لا صحة مطلقاً لما يقال من الرعب والظلم الجاثم على المملكة العربية السعودية، وإنما فيها العدل والأمن والاطمئنان الذي يشهد به القاصي والداني، والذي هو من آثار تطبيق الشريعة الإسلامية. علماً أنه منذ أكثر من خمسة وخمسين عاماً من نشر هذا الكتاب لم يقتل بسبب الردة في المملكة العربية السعودية سوى حالة واحدة، فأين ما تقوله من تكاثر جرائم الإعدام في المملكة بهذا الخصوص؟
إن تطبيق العقوبات التي شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله إنما هي لغرض التقويم والإصلاح، وإنها زواجر وجوابر؛ بمعنى أنه يثاب عليها المسلم في الآخرة، وتزجره في الدنيا.
وبالنسبة للمرتدين فإن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد، بل تطبق عليهم أحكام الردة في المعاملات فلا يرثهم أقاربهم، ولا يرثون من أقاربهم، مما يؤدي إلى
стр. 24
هدم وحدة أسرته ومعاملاته، فلا ينحصر أثر الردة في الميدان الحقوقي المدني، بل لابد أن يمتد أثرها إلى الجانب الجزائي، لينال المرتد العقوبة الجنائية التي يستحقها؛ فإذا عرف العقوبة، وأنها ستطبق بحقه، لم يقدم على الاستهتار بدين الحق، ولم يتسبب في تشتيت أسرته (١).
ولأن المرتد ترك الحق بعد معرفته، واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن، فالمرتد يقتل لتبديله الدين الحق وتركه له، ومفارقة جماعة المسلمين، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق، وقتله ليس عقوبة على الكفر في ذاته؛ لأن غير المسلمين من اليهود والنصارى قد كفل لهم الإسلام حرية العقيدة وحمايتها من غير إكراه ولا تضييق، فلابد أن يكون هذا القتل عقوبة على الخيانة الكبرى والمكيدة الدينية التي ادعى معها المرتد اعتناق الإسلام، ثم أعلن الخروج منه للطعن فيه والإساءة إليه (٢)، وحتى لا يكون الدين ألعوبة للملاحدة والزنادقة فيغتر بهم غيرهم من ضعاف الإيمان ولسد الطريق على العابث الذي يدخل في الدين خداعاً ثم يخرج منه للتنفير منه، كما حاول بعض اليهود هذه الخدعة زمن النبي ﷺ فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] أي لعل المسلمين إذا رأوا ذلك يرجعون عن دينهم.
стр. 25
لأن حفظ الدين هو حفظ المجتمع بكامله؛ إذ إن الشريعة بكل ما اشتملت عليه من الأحكام التكليفية إنما هي أثر من آثار العقيدة، فكلما قويت العقيدة تأكد هذا الجانب التشريعي، ورسخت جذوره عن طريق التطبيق العملي، ولهذا فإن حفظ الدين أول الضرورات في المقاصد واجبة الحماية.
ولا مانع من أن يكون حكم قتل المرتد في الإسلام متفقاً مع ما جاء في شريعة عيسى ﵇، كما استشهد له الكاتب بما جاء في الإنجيل وهو (فالذي يكفر باسم ربك يقتل ويرجمه جميع أفراد الجالية) (الكتاب ١٦/ ٢٤) وكذلك ما جاء فيه (فلنعبد آلهة آخرين … نرجمه ويموت) (١٣: ٢١٩)
حكم قتل المرتد لم يلجأ إليه الفقهاء لا في القرون الوسطى، ولا في غيرها، تحت تأثير الإنجيل كما زعم الكاتب؛ لأن الإسلام ناسخ لجميع ما قبله من الأديان، والملل، والشرائع قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ (آل عمران: ١٩)
ولكن هذا حكم الله بلغه رسوله ﷺ ، وطبقه الصحابة رضوان الله عليهم، والمسلمون في جميع العصور، تنفيذاً لأمر الله، وأمر رسوله، كما طبقوا جميع الأحكام الشرعية الأخرى.
ومن الغريب أن يكون تطابق شهادتين موجبا لتساقطهما -في نظر الكاتب- بدلاً من أن يكون موجباً لزيادة الثقة فيهما.
إن قسوة عقوبة الردة تضفي الحماية على التدين الحقيقي فتحول دون عبث العابثين بالأديان عامة؛ لأن ظاهرة الاستهتار التي برزت في ظل الحضارة الصناعية المعاصرة أصبحت تشكل خطراً على جميع الأديان لا على دين واحد.
стр. 26
فأصبحنا نرى من يتظاهر بالخروج من دينه لطلاق امرأة وزواج أخرى، أو لمصلحة معينة، فيسجل دخوله في الإسلام وذلك تهرباً من الالتزامات التي يفرضها عليه ذلك الدين الذي خرج منه، وبعد أن يحقق مصالحه الشخصية يعود إلى دينه الأصلي، مستهتراً بجميع الأديان، متحايلاً للتخلص من الالتزامات بهذه الأساليب؛ فليست الحرية الدينية هي هذا العبث؛ إنما الحرية الدينية أن يدخل الدين مختاراً صادقاً مؤمناً به.
ويعتبر المرتد مهدر الدم من وجهين: أولهما: أنه كان معصوماً بالإسلام، فلما ارتد زالت عصمته فأصبح مهدراً؛ وأساس العصمة بالإسلام قوله ﷺ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رسولُ اللهِ فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهُم، وأموالَهُم إلَّا بحقِّها، وحسابُهُم على اللهِ» (١).
ثانيهما: أن عقوبة المرتد في الإسلام القتل حداً، وفي القول الآخر أنه يقتل كفراً، وعلى القولين لا يجوز العفو عنها ولا تأخيرها (٢) إلا فترة استتابته.
стр. 27
المبحث الثالث حرية الفكر في الشريعة الإسلامية
تعريف الحرية:
تنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي عن معان فاضلة، ترجع إلى معنى الخلوص، يقال حر يحر كظل يظل حرارا بالفتح بمعنى عتق. والاسم: الحرية، والحر: خلاف العبد، والخيار من كل شيء، والحر من الطين والرمل: الطيب، والحرة: ضد الأمة، وتطلق على الكريمة من النساء (١).
ووردت صفة للنفس في كثير من أشعار العرب مثل قول الشاعر:
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرما … أو أسود اللون إني أبيض الخلق
وجاء لمعنى استقلال الإرادة، وعدم الخضوع لسلطان الهوى:
وترانا يوم الكريهة أحراراً وفي السلم للغواني عبيدا (٢)
ويمكننا تعريف الحرية بأنها حق أصلي منحه الله للإنسان يصدر بموجبه جميع تصرفاته تبعاً لإرادته وفق الضوابط الشرعية.
وموضوع الحرية والحقوق مرتبط كل منهما بالآخر أشد الارتباط؛ لأن الحرية بالإفراد هي حق من حقوق الأفراد، ولأن كل حق لبعض الأفراد هو تحديد لمفهوم الحرية في مقابل حقوق المجموع (٣).
وتشمل الحرية مجالات متعددة من ممارسات الإنسان ومعتقداته في الحياة؛ مثل حرية التملك، وحرية العمل، وحرية المسكن، وحرية الفكر.
وسأقتصر في هذا الكتاب على حدود حرية الفكر في الإسلام.
стр. 28
حرية الفكر:
إن النظر في القرآن الكريم يعطي يقيناً جازماً بأن الإسلام يبني الاعتقاد الصحيح على النظر في الكون، والتفكر والتأمل في أسراره؛ ليصل الإنسان بهذا التفكر إلى الإيمان بالله ، بل والإفادة من كنوز الأرض (١) قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] وتختم آيات كثيرة بعد بيان الأحكام الإسلامية من عقيدة وغيرها بأنها لقوم يعقلون، يتفكرون، يتدبرون، لأولي الألباب ونحوها.
والإسلام لا يجعل التفكير من المباحات التي يباشرها من شاء ويتركها من شاء، بل يجعله واجباً على الإنسان؛ ولذا ندد الله بالتقليد في أصول العقائد والشرائع؛ لتكون العقيدة عن وعي وإدراك وإذعان (٢) فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
وأما موضوع الحرية وحقوق الإنسان التي ينادي بها الكاتب وما ذكره من (أن كل ما في القرآن يدعو إلى حرية الفكر … الخ).
فنقول له إن الحرية الدينية التي كفلها الإسلام لأهل الأرض لم يعرف لها نظير في جميع القارات، ولم يحدث أن انفرد دين بالسلطة، ومنح مخالفيه في الاعتقاد كل أسباب البقاء والازدهار مثل ما صنع الإسلام.
стр. 29
وإذا كان الإسلام حيث يسود يمنح الآخرين حرية العقل والضمير، فإن الآخرين إذا سادوا سلبوا أتباع الإسلام حقوقهم، وأذاقوهم عذاب الهون.
وهذا القدر من الحرية والعدل الذي قرره الإسلام وأكد عليه في القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً لم تصل إليه -بعد- أي أمة من أمم الأرض التي تدعي أنها رائدة في المحافظة على حقوق الإنسان وحريته، وهو أيضاً ما لم ينتبه إليه واضعو ميثاق حقوق الإنسان، استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] وفي آية أخرى يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] ويؤخذ من هذه النصوص الصريحة حرمة التمييز أيضاً في هذه الحقوق وحرمة العدوان عليها بسبب الحقد أو العداء.
ويتضح من جميع هذه النصوص التشريعية في الإسلام وما تضمنته من ضوابط مقدار حرص الإسلام على حقوق الإنسان الأساسية فكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، ولم يتخذ الإسلام من هذه النصوص مواعظ أخلاقية وحسب، بل أوامر تشريعية، وأقام إلى جانبها جميع النصوص التشريعية اللازمة لضمان تنفيذها، وأن الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً قد سبق المنظمات الدولية والدول الحديثة في إعلان هذه الحقوق، بل قد أقام دعوته عليها من أجل خير الإنسان، وأمر القرآن الكريم بذلك فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
стр. 30
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وإنما فعل ذلك من أجل حماية مصالح الإنسان وحقوقه الأساسية وعقائده الدينية.
وإن الأمر الذي لا يوافق عليه الكاتب جعله هذه الحرية بدون قيود ولا ضوابط، ولا غاية تنتهي إليها، وهذا لا يكون في أي نظام، أو شرع يحكم به المجتمع الإنساني؛ لا في الشرائع السماوية، ولا في القوانين الوضعية، وما وضعت الشرائع إلا لحد الحدود، وبيان مبتدأ ومنتهى الحقوق والواجبات؛ ولذا فإننا نوضح للكاتب محمد طالبي ومن قد يرى رأيه في إنكاره لإقامة حكم القتل على المرتد أنه ليس في إقامة عقوبة المرتد مصادرة للحرية؛ فإن حرية الفرد في الإسلام مقيدة بأن لا تمس نظام المجتمع، وأسسه العقائدية والاجتماعية، وحرية الفرد في المجاهرة بردته تصطدم بحرية المؤمنين في الحفاظ على إيمانهم وهم جمهور المجتمع فكانت رعاية حريتهم أولى.
ونقول له: إن الحرية التي لا تكون مضبوطة بضوابط الشريعة الإسلامية والتي لا تكون محصورة في المساحة التي تكون فيها نافعة وصالحة، ينجم عنها أسوأ العواقب؛ حيث يستغلها دعاة الحرية الفوضوية فتنقلب إلى فساد وتدمير وتحطيم للفضائل والأخلاق والقيم الدينية والنظم الاجتماعية ومبادئ الحق والعدل؛ حيث يستغل شعار الحرية لتبرير كل فساد.
ومع أن الإسلام منح الإنسان الحرية إلا أنه محكوم بالنظام الذي شرعه خالق هذا الوجود فهي الحرية الوسط، فالفرد حر الحرية التي لا تنفي حرية المجموع ولا تنتقص منها، والجماعة حرة حرية لا تنفي حرية الفرد التي لا تتعارض مع
стр. 31
حرية الجماعة، وليس لفرد ولا جماعة أن تهدر - بدعوى الحرية - ما تعارفت عليه الأمة من ثوابت القيم والأعراف، ولا ما آمنت به من أصول الشرائع والمعتقدات وثوابتها (١).
إن الحرية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذات مجال محدود، وهذا المجال المحدود لا يجوز تجاوزه ولا تعديه، لا في منطق العقل، ولا في منطق مصلحة الإنسان في ذاته، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري.
فإذا تجاوزت الحرية حدودها كانت نذير شؤم وخراب، وفوضى واضطراب، وصراعات بشرية تدمر الحضارات، وتمهد لأن تحل بهم سنة الله في الذين خلوا من قبلهم، إهلاك عام، وعذاب أليم.
أما حرية الاعتقاد، فالإنسان المسؤول المكلف حر في هذه الحياة الدنيا، في أن يؤمن قلبه بما يشاء من حق أو باطل، لكنه ملا حق بالمسؤولية عند الله عن اختياره الذي كان حراً فيه، وكانت حريته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا.
وهي هنا حرية الممتحن المسؤول، وليست حرية مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
стр. 32
إن الإسلام لم يسلب حق الإنسان في الحرية في دخول الدين ابتداءً، وهو ما يفيده قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وأما خروجه منه بعد دخوله فيه بقناعته فإنه يصادم حق الجماعة في استقرار الدين والعقيدة.
إن سلطان الحقوق الإنسانية في الإسلام سلطان اعتقادي يلتزم به المسلم وإن لم يستشعر مراقبة السلطة، بخلاف القوانين الوضعية، أما المصالح التي يعبر عنها بالمقاصد الضرورية وهي: مصلحة الدين، الحياة، العقل، النسل، المال، فهي ترعى تلك الحقوق وتحفظها من آفات التناقض والتصادم.
إن رعاية الحقوق الإنسانية على النهج الذي يضمن لها التناسق ويحميها من آفات التناقض والتصادم، لا يمكن أن تتم إلا بعد الرجوع إلى رعاية ميزان هذه المصالح، طبق ما هو مراعى من سلم الأولويات في ترتيبها، وطبق ما هو مقرر من درجات الحاجة إلى كل منها، من حيث الضرورة القصوى، أو الحاجة الأساسية، أو الأفضلية التحسينية.
فحق الحياة - مثلاً - يجب إلغاؤه عندما يتعارض مع الضروري الذي لابد منه لحفظ مصلحة الدين؛ ولذا شرع الله الجهاد مع أن فيه تضحية بالحياة في سبيل درء الأخطار المحدقة بضروريات الدين (١)، وكذلك أهدرت مصلحة الحياة بالنسبة للمرتد؛ فحكمت الشريعة بقتله للمحافظة على مصلحة أولى منها في الترتيب، وهي حفظ الدين العائد إلى مجموع الأمة.
وحق الحرية من تحسينات حق الحياة فإذا تعارض مع ضروري من ضروريات هذا الحق ذاته، أو تعارض مع ضروري من ضروريات مصلحة العقل أو المال مثلاً وجب حجز حق الحرية عندئذ؛ حماية للحق الأهم والأكثر ضرورة.
стр. 33
إن الحرية التي تتربص بحياة الأبرياء وتهددها، أو التي تعود ممارستها بالضرر على عقول الناس، أو تبديد ممتلكاتهم، أو تتناقض مع مصلحة الدين وحمايته، لا تعتبر -والحالة هذه - حقاً ممتلكاً أو مشروعاً لصاحبه، ومن ثم يجب حجز هذا الحق عنه، حماية لهذا الحق ذاته في مستواه الأكثر أهمية، أو حماية لمصلحة إنسانية تعود إلى حماية حق آخر أسبق منه في سلم الأولويات (١).
ولذا يجب على من يدخل في الإسلام أن يعتقده اعتقاداً جازماً، وفي ذلك منتهى الاحترام للعقيدة التي لا يسمح الإسلام بأن تكون عقيدة سطحية وعرضة لتضليل المضللين.
وحرية اختيار ما يريد الإنسان ويشتهي ويهوى، مما أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن غير ملاحقة بالمسؤولية والحساب والجزاء ما لم ينجم عنها لدى استعمالها ترك واجب أو فعل محرم أو عدوان على حق الغير فرداً كان أو جماعة، أو ضرر أو إضرار بأحد من الناس، أو البيئة أو غيرها.
وإنما كانت الحرية في هذا المجال غير ملاحقة بالمسؤولية والحساب والجزاء؛ لأن الله الذي له الخلق والأمر قد منحها ذلك، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصناف أو أفراد داخلة في دائرة المباحات التي أباحها لعباده، وأنزل فيها إذنا شرعياً ضمن دائرة ما أباح لهم أن يفعلوه أو يتركوه.
وما أباح الله للإنسان من سلوك شخصي لا علاقة للمجتمع به، أو لا يمس إنساناً بضرر فلا حق لأحد أياً كان أن يحرمه منه، أو يمنعه عنه (٢).
وقوله: (ولم تطعن في صحته أي سلطة دينية رسمية في أي بلد مسلم، وذلك خوفاً من التعرض لنفس مصير سلمان رشدي).
стр. 34
فيظهر من كلام الكاتب أن ما قاله ونشره سلمان رشدي يدخل في حرية الفكر التي ينادي بها الكاتب، والرواية التي نشرها سلمان رشدي تضمنت أبشع وأقذر صورة للافتراءات والأوصاف التي يصف فيها كتابه نبي الإسلام سيدنا محمداً رسول الله ﷺ ، وزوجاته أمهات المؤمنين، وغير ذلك من المستنكرات، حتى أنه يتهجم على خليل الله سيدنا إبراهيم بكلمات لا تليق بحرمة الأنبياء، ويصف أمهات المؤمنين زوجات رسول الله ﷺ بكلمات من سافل الكلام الذي يخرج عن نطاق التعدي على المقدسات الاعتقادية الإسلامية، بصورة تجرمها وتعاقب عليها قوانين جميع البلاد المتمدنة، التي حكمها نظام ودستور وقوانين تحفظ الحقوق والكرامات؛ لأن ما جاء في تلك الرواية يتجاوز نطاق حرية الآراء، ويدخل في نطاق العدوان والإيذاء بالكلام السافل الذي يمس الكرامات المحترمة المصونة (١).
فهل هذا يدخل في حرية الفكر في الإسلام؟ بل في أي دين من الأديان؟ إننا نعجب أشد العجب من استشهاد الكاتب واستنكاره على صدور حكم الردة على سلمان رشدي، وملاحقته بدعوى قضائية جزائية تقام عليه وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، كما صدر بذلك قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة.
فحرية تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه حق له، ما لم يكن مضللاً بباطل واضح البطلان، أو داعياً لضر أو شر أو أذى، أو مشجعاً على إدحاض الحق ونصرة الباطل، ونشر الظلم والعدوان والفساد والإفساد في الأرض (٢)، كما فعل سلمان رشدي.
стр. 35
الإسلام جاء إلى الناس عامة، والرسول ﷺ بعث إلى البشر كافة، وهو رحمة لهم، فهذه الدعوة عالمية لإنقاذ الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولكن الذين لا يستجيبون لهذه الدعوة لا يكرهون عليها؛ لأن طريق الخير وطريق الغي سبيلان ممهدان قد وضحا أمام الإنسان، وأساس العبادة ما هو إلا الاختيار طوعاً لا كرهاً، ولو شاء الله لجمع الناس جميعاً على الهدى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، ومن حيث الطواعية والاختيار ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقوله: (كل الشريعة التي هي من عمل الإنسان تركز على استخدام العنف) يجاب عليه بأن الشريعة في الإسلام ليست من عمل الإنسان؛ وإنما هي منزلة من الخالق جل وعلا في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ الذي بين الحق ﵎، وأن ما يصدر عنه ﷺ هو وحي من الله مع تزكيته عن الهوى، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وأما إذا كان يقصد بالشريعة الأحكام التي اجتهد علماء الشريعة الإسلامية في استنباطها، فيجاب عليه بأن الشريعة الإسلامية لم تترك باب الاجتهاد مفتوحاً لمن شاء، وإنما جعلت له شروطاً يجب توفرها فيمن يتصدى للاجتهاد، فإذا توفرت هذه الشروط واتبع المجتهد قواعد الاجتهاد فحينئذ يجب قبول الأحكام الشرعية التي صدرت منه؛ لأنها بتوفر الشروط المشار إليها تصبح من شرع الله؛ لأن هذا الاجتهاد مرده: إما إلى النصوص من جهة تفسيرها، وبيان المراد منها، أو من جهة ثبوتها بالسند، ويدخل فيها الإجماع؛ لأنه في الغالب كاشف عن نص أثبته، وكان مستنداً له، ويبحث فيه عن أنواعه، وحجية كل نوع، وعن طريق روايته.
стр. 36
وإما اجتهاد من طريق الرأي، يبحث فيه عن مقصد النصوص لاستنباط أحكام للوقائع التي لم ينص على أحكامها إما من طريق القياس، وإما بإثبات الحكم بعلل دلت عليها النصوص؛ كوجوب إزالة الضرر عند وجوده، ووجوب العمل بالمتيقن به عند الشك، وهو الاستنباط بالمصلحة المرسلة (١).
وأما إذا كان يقصد الكاتب بالشريعة القوانين الوضعية التي يضعها البشر فهذه إن وافقت شريعة الله فهي من حكم الله الذي يجب العمل به، وإن خالفت شرع الله فلا اعتداد بها في الإسلام سواء أدت إلى عنف، أو أدت إلى السفور والإباحة لما حرم الله.
وما استنكره الكاتب على المملكة العربية السعودية لعدم توقيعها على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واعتبره قيداً على الحرية، فنقول له إن من أسباب عدم توقيع المملكة على الإعلان المذكور أن المادة الثامنة عشرة منه، ونصها:
(لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر، ومراعاتها، سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة)، فهذه المادة قد فتحت للإنسان المسلم باباً خطيراً، ومنكراً عظيماً؛ لأنها تتيح له التأثير البالغ على أقدس وأسمى شيء في ذاته، ووجوده، ومصيره، وهو دينه. وهل بعد التأثير على الدين والعقيدة تأثير؟ إن تغيير المسلم دينه يعد في الشريعة الإسلامية ردة لا شبهة فيها.
ولأن مفهوم الدين في الإسلام يختلف عن مفهوم الدين في النظام العلماني الغربي، الذي يحصر نطاقه في العبادات والأمور الشخصية، ولا يجعل له أية سلطة
стр. 37
في حكم المجتمع وتسيير نظامه، أما الإسلام فهو عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ ومن ثم وجب على الحاكم المسلم أن يصدر في الموافقة أو الرفض بالتوقيع على أي نظام عن مدى ملائمته أو منافرته ومضادته للشريعة الإسلامية، وبناءً على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متعارض مع الشريعة الإسلامية فقد رفضت حكومة المملكة العربية السعودية التوقيع عليه.
وإن عدم توقيع المملكة على الإعلان المذكور هو وسام شرف وفخر لها ولولاة الأمر فيها. وهذا واجب على كل مسلم.
والقول بعالمية حقوق الإنسان يمكن أن يناقش بما يلي:
أولاً: هل هذه الحقوق المعلنة إنسانية لأن الإعلان قال إنها كذلك، أم إن الإعلان قال إنها حقوق لأنها كانت حقوقاً قبل الإعلان؟ وبعبارات أخرى: هل الإعلان هو الذي جعل منها حقوقاً أم أنه كان مقراً لكونها حقوقاً؟ هل كان الإعلان منشئاً ومانحاً لها أم كان معبراً عنها؟ لابد أن يكون الأخير هو الصواب.
ثانياً: هل هذه الحقوق جامعة مانعة بحيث لا يمكن أن يزاد عليها ولا ينقص منها أم إن ذلك ممكن؟ لابد أن يكون ممكناً، فلا أحد يقول عن اجتهاد بشري إنه قد كتب له الكمال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون للداعي إلى إضافة أو حذف شيء منها حجة يعتمد عليها، فماذا يمكن أن يقول إذا لم يكن لهذه الحقوق المعلنة مستند غير كونها مما أعلنته هيئة الأمم المتحدة؟
ثالثاً: القول بعالميتها إما بناءً على إرسائها على قاعدة فلسفية مشتركة بين جميع الأمم، وهذا غير ممكن، وإما بناءً على إرسائها على فلسفة غربية، وحينئذ تفقد صفة العالمية، بل واتهم القائلون به بأنهم عملاء للاستعمار الثقافي.
стр. 38
إن الأسس التي يقوم عليها التزام الناس بما يلتزمون به مما جاء في الإعلان هي:
أ - إن بعضهم - ككثير من الغربيين وكالمسلمين - يجد لكثير منها أسساً في ثقافته الخاصة.
ب- إن بعضهم يلتزم بها تقليداً للغرب؛ لأنه يرى أن الحضارة الغربية هي حضارة العصر، فكما أنهم يحاولون أن ينهجوا نهج الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، فكذلك يحاولون تقليدهم في التزامهم بهذه الحقوق (١).
وإذا اعتقد الإنسان أن في القرآن، أو في السنة ما يتناقض مع مسائل عصرية يراها مهمة وضرورية لتحقيق مصالح الناس؛ فإنه بهذا يبطل إيمانه بأن القرآن كلام الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يمكن أن يعتقد الإنسان بإخلاص أن القرآن كلام الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ثم يعتقد مع ذلك أن فيهما ما هو باطل أو مضر.
إن كثيراً من الغربيين يفترضون أن تصوراتهم ينبغي أن تكون هي التصورات العالمية التي تتجاوز الثقافات، وهذا الافتراض لا يلزم الآخرين بأن يعتقدوا أن التصورات الغربية هي التصورات العالمية أو المطلقة.
والحرية الدينية الواردة في المادة المذكورة هي أيضاً مما يختلف فيه التصور الإسلامي عن التصور الغربي؛ إن التصور الغربي يفسر الدين تفسيراً يجعله محصوراً في إطار النظام العلماني، وبما أن الدولة الإسلامية دولة تقوم على الدين، لا على العلمانية، فمن حقها أيضاً أن تجعل حرية الدين وحرية الاعتقاد وحرية
стр. 39
الممارسة في نطاق نظامها الديني، لكن شيوع النظام العلماني جعل الناس ينسون هذه الحقيقة، ويفترضون أن النظام العلماني هو النظام الوحيد المناسب للبشرية، فما يبيحه هو المباح، وما يحرمه هو المحرم، وهذا أمر ينكره المسلم الملتزم بدينه (١).
إن حقوق الإنسان في الإسلام من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، فهي ليست حقوقاً دستورية فحسب، وهي ليست نتاجاً فكرياً يمثل مرحلة من تطور العقل الإنساني، وليست حقوقاً طبيعية كما يعبر عنها في القانون الوضعي، ولكنها في التعاليم الإسلامية واجبات دينية محمية بالضمانات التشريعية والتنفيذية، وليست وصايا تدعى الدول لاحترامها والاعتراف بها من غير ضامن لها، بل هي مرتبطة بالإيمان بالله، وتقواه، يكلف بها الفرد والمجتمع كل في نطاقه وفي حدود المسؤولية التي ينهض بها، وبذلك فإن الفرد في المجتمع الإسلامي يتشرب هذه الحقوق ويتكيف معها بحيث تصبح جزءاً من مكوناته النفسية والعقلية والوجدانية، ويحافظ عليها؛ لأن في المحافظة عليها أداء لواجب شرعي، ولا يجوز له أن يفرط فيها؛ لأن التفريط فيها تقصير في أداء هذا الواجب (٢).
بل إن الارتباط بين هذه الحقوق وبين الإيمان بالله وتقواه هو مصدر قوة هذه الحقوق في الإسلام.
وإنه من الخطر الكبير في مفهومنا الإسلامي إضعاف هذا الارتباط، وذلك لأن مفعول «العقيدة الإلهية» في ذلك أقوى من مفعول «القانون المادي»، خاصة ونحن نرى أن معظم الاضطراب والشذوذ في حياة الناس في العالم المتقدم مادياً،
стр. 40
إنما سببه فقدان العقيدة الإلهية، والانصراف إلى حياة مادية بحتة تزايدت معها الجرائم، وحياة الشذوذ في تلك المجتمعات.
وفي الإسلام كل حق إنما هو واجب على آخر، فحق الوالدين في البر هو واجب على الأبناء، وحق الأولاد في الرعاية هو واجب على الآباء، وحق الزوجة في الرعاية والنفقة واجب على زوجها، وحق الرعية في العدل واجب على الحكام، وحق الفقراء في الكفاية من العيش واجب على الأغنياء. وهكذا نجد الحقوق في الإسلام إنما هي واجبات وفروض، فإذا روعيت هذه الواجبات وأديت هذه الفروض لأهلها استقر الأمر واستقام المجتمع، والمسلمون وحدهم هم الذين يفهمون الإنسان بمعناه الصحيح؛ لأنهم أتباع محمد ﷺ ، ومحمد وحده هو الذي أعلن حقوق الإنسان بهذا المعنى؛ لأنه رسول الله، والله وحده هو الذي ألهم رسوله وأوحى إليه هذه الحقوق؛ لأنه أرسله رحمة للعالمين كافة.
أرسله رحمة للذين استضعفوا في الأرض لقلة المال كالمساكين، أو لفقد العشير كالموالي، أو لضعف النصير كالأرقاء، أو لطبيعة الخلقة كالنساء، فكفل الرزق للفقير بالزكاة، وضمن العز للذليل بالعدل، ويسر الحرية للرقيق بالعتق، وأعطى الحق للمرأة بالمساواة.
والمستضعفون الذين ﵏ برسالة محمد لم يكونوا من جنس مبين، ولا من وطن معيّن؛ إنما كانوا أمة من أشتات الخلق وأنحاء الأرض، اجتمع فيها العربي والفارسي والرومي والتركي والهندي والصيني والبربري والحبشي على شرع واحد هو الإسلام، والإسلام الذي يقول شارعه العظيم «ولقد كرمنا بني آدم» لم يخص بالتكريم لوناً دون لون، ولا طبقة دون طبقة، إنما ربأ ببني آدم جميعاً