← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1358

الاتجار في العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد جدت بعض صور الصرف، وكثرت تجارة المصارف، والمؤسسات والأفراد في العالم الإسلامي في الأثمان، مع أسواق النقد العالمية (بورصة النقود)، وتعددت وسائل الاستثمار فيها؛ بوسائل الاتصال الحديثة المتنوعة؛ كالأقمار الصناعية، والحاسبات الإلكترونية، وخطوط الميكرويف، والاتصال المباشر بقواعد وشبكات المعلومات، مثل الإنترنت، والبريد الإلكتروني، وغيرها مما هو موجود في هذا العصر، وما قد يوجد في العصور القادمة. ولأن البيع والشراء في العملات، يحف بهما كثير من المحاذير الشرعية، سواء في الأسواق العالمية أو المحلية، ولأنه يجب على المسلم أنه يكون كسبه حلالاً، وأن عليه الابتعاد عن المكاسب المحرمة، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ١٠٠)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: ٢، ٣)، ولحاجة المستثمرين المسلمين لبيان الحكم الشرعي في هذا النوع من التجارة؛ استعنت بالله على بحث هذا الموضوع، وسميته (الاتجار في العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة، وأشهر صور المضاربة المطبقة في الأسواق العالمية). ولتلازم هذا الموضوع بموضوعات فقهية واقتصادية أخرى، تم تناولها بالبحث؛ كالقبض وأنواعه، والصرف بالوديعة المصرفية، والتوكيل في العقد أو القبض، والبيوع الحاضرة، والآجلة، والتبادلية، وبيوع الفوركس، وصورها، وحكمها، وحماية المعاملات الإلكترونية، وطرق التعاقد بالإنترنت ونحوه من الوسائل، ومدى إمكانية تصحيح الاتجار ببعض هذه الصور، مع بيان الوسائل الشرعية البديلة.

стр. 2

وإذا عبرت في هذا الكتاب بالصرف، أو ببيع العملات، فهو شامل للاتجار بالأثمان (١)، سواء أكانت عملة ورقية، أم عملة ذهبية أم فضية أم غير عملة، كالسبائك وغيرها. ويتكون الكتاب من مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة. الفصل الأول: الأسس الشرعية للاتجار في العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة، وفيه ستة مباحث. والفصل الثاني: الاتجار في العملات بالسعر الحاضر والآجل والأسعار التبادلية، وفيه مبحثان. والفصل الثالث: ماهية تجارة العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة، (الفوركس)، وفيه ثلاثة مباحث. والفصل الرابع: الاتجار في العملات بواسطة المنصات الإلكترونية، وفيه مبحثان. والخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

стр. 3

الفصل الأول الأسس الشرعية للاتجار بالعملات عبر وسائل الاتصال الحديثة وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: آراء الفقهاء في الاتجار بالعملات. المبحث الثاني: شروط الصرف. المبحث الثالث: القبض الشرعي في تجارة العملات. المبحث الرابع: الموقف الشرعي من إبرام العقد بوسائل الاتصال الحديثة. المبحث الخامس: التوكيل في المتاجرة بالعملات. المبحث السادس: حكم المصارفة بالوديعة المصرفية.

стр. 4

المبحث الأول آراء الفقهاء في الاتجار بالعملات إن تداول العملة قد يكون للمصارفة، وقد يكون للمضاربة، أي الاتجار في العملة. وبيان كل منهما فيما يلي: المتاجر بالعملات أو المضارب فيها، هو الذي يشتري ويبيع في عملة أو عملات معينة، وهدفه هو تقليبها بالبيع والشراء، للحصول على الربح، وعندما يحصل عليها يحتفظ بها -غالباً- لحين ارتفاع سعرها. وشراؤه لا يكون إلا عند رخص العملة، وبيعه لا يكون إلا عند ارتفاعها، وقد يبيع إذا أخذت في الانخفاض الشديد خشية الخسارة. فهو لا يراعي سعر السوق في عملياته، بل يراعي تحقيق المزيد من الربح. والمتاجر أو المضارب بالعملة لا يتخذ الصرافة مهنة له. أما من يتخذ الصرافة مهنة له، فإنه يشتري - غالباً- أنواعاً متعددة من العملات التي ليست عنده بسعر السوق، سواء أكان سعر تلك العملة منخفضاً أم مرتفعاً، ويبيع العملات التي عنده إلى من يطلبها في أي وقت، وبسعر السوق أيضاً، ومن جهة أخرى هو وسيط تجاري يشتري العملات المختلفة ممن هي لديهم، ويبيعها إلى المحتاجين إليها. وصرف النقود أو شراء وبيع غيرها من الأثمان لا خلاف في جوازه، إذا استوفيت شروطه. أما الاتجار في النقود فللعلماء فيه قولان: القول الأول: جواز التجارة في النقود، إذا توافرت في عقدها شروط صحتها؛ وهو رأي جماهير العلماء من السلف والخلف.

стр. 5

أدلة هذا الرأي ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)، فالتجارة في النقود نوع من أنواع البيوع، والآية دالة بعمومها على جواز بيع الأثمان بعضها ببعض، سواء أكانت للمصارفة، أم للمتاجرة فيها؛ إذ لم يرد ما يخصصها. ثانياً: من السنة، ورد عن رسول الله ﷺ جوازها بأحاديث صحيحة وكثيرة، نقتصر منها على ما يلي: ١ - عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (١). ٢ - قال أبو المنهال: «سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ عن الصرف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق ديناً» (٢). ٣ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» (٣). ٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» (٤). وفي لفظ: «إلا يداً بيد» وفي لفظ «إلا وزناً بوزن مثلاً بمثل سواءً بسواء».

стр. 6

٥ - ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ ، عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواءً بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا، قال: فسأله رجل فقال: يداً بيد؟ فقال: هكذا سمعت (١). ٦ - عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج فجاء إليّ فأخبرني فقلت: هذا أمر لا يصلح قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد. فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم النبي ﷺ المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: «ما كان يداً بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا» وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك (٢). وجه الدلالة: جاءت هذه الأحاديث بلفظ البيع والشراء، وهي ألفاظ عامة شاملة بعمومها حالتي المصارفة والتجارة، كما أن حديث أبي المنهال قد جاء فيه لفظ التجارة صريحاً؛ إذ قال: (وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني)، والحديث وارد في بيع وشراء الذهب والفضة، فدل على أنهما يتاجران فيها. فتجوز التجارة في العملات. القول الثاني: ذكر بعض العلماء أقوالاً، ربما فهم البعض منها المنع، أو الكراهة، أذكر بعضاً منها، ثم أجيب عليها إن شاء الله. جاء في حاشية الرهوني والمدني: «وحكمه الأصلي الجواز، قال ابن عرفة: وهو ظاهر الأقوال والروايات، قال العتبي: وكره مالك العمل به إلا لمتقٍ … ، وقيل: يكره أن يستظل بظل صيرفي» (٣). وقال ابن رشد: «وباب الصرف من أضيق أبواب الربا، فالتخلص من الربا على من كان عمله الصرف عسير، إلا لمن كان من أهل الورع، والمعرفة بما يحل فيه

стр. 7

ويحرم منه، وقليل ما هم؛ ولذلك كان الحسن يقول: إذا استسقيت ماءً فسقيت من بيت صراف فلا تشربه، وكان أصبغ يكره أن يستظل بظل الصيرفي، قال ابن حبيب: لأن الغالب عليهم الربا؛ وقيل لمالك ﵀ أتكره أن يعمل الرجل بالصرف؟ قال نعم، إلا أن يكون يتقي الله في ذلك» (١). وقال أبو حامد الغزالي: «خلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما .... إذ لا غرض في أعيانهما، .... فإذن خلقهما الله لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى، وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة، فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء … فكذلك النقد لا غرض فيه، وهو وسيلة إلى كل غرض. «فإذا اتجر في أعيانهما فقد اتخذهما مقصوداً، على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم … فأما من معه نقد، فلو جاز له أن يبيعه بالنقد، فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله، فيبقى النقد مقيداً عنده، وينزل منزلة المكنوز، … فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصوداً للادخار، وهو ظلم (٢)». «فإن قلت: لم جاز بيع أحد النقدين بالآخر؛ ولم جاز بيع الدرهم بمثله؟ فاعلم أن أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل؛ إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته؛ كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلاً قليلاً، ففي المنع منه تشويش المقصود الخاص به؛ وهو تيسير التوصل به إلى غيره، أما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا، ولا يشتغل به تاجر، فإنه عبث» (٣).

стр. 8

وقال ابن القيم: «وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، … وذلك لا يكون إلا بثمن تقوَّم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوَّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم، حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح، فعم الضرر وحصل الظلم» (١). مناقشة ما يستوجب المناقشة: كلام الإمام مالك وأصبغ وابن رشد، لا يدل على عدم جواز عقد الصرف، أو المنع من الاتجار في العملات، وإنما يدل على أن كثيراً ممن يعملون في هذا المجال ينقصهم العلم بأحكامه، أو لا يتورعون فيه، مما يؤدي إلى انزلاقهم في الحرام. لكن مثل هاتين الحالتين لا تعودان على الاتجار في العملات بالحرمة، أو الكراهة، وإنما تلحق الحرمة والبطلان العقد إذا لم يستوف شروط الاتجار فيها. ويجب ألا يمارس التجارة فيها إلا من عرف أحكام الصرف، واستوفى شروطه، عند تطبيق عقوده، وحينئذ فإنه لا منع ولا كراهة. أما الغزالي فإنه لا يمنع جواز بيع أحد النقدين بالآخر؛ ولا بيع الدراهم بالدراهم، والدنانير بالدنانير، ويعلل لقوله بأن ذلك لا يرغب فيه عاقل. لكنه يرى أن الاتجار فيهما ينزل منزلة كنزهما، وهو كفر لنعمة الله التي جعلها فيهما، وأنه ظلم. فيظهر من قوله (فيبقى النقد مقيداً عنده وينزل منزلة المكنوز) أنهما يشبهان المكنوز في عدم تحريكهما لادخارهما ادخاراً سلبياً غير منتج، فهذا خلاف الواقع في هذا العصر، إذ إن العملات أنواع متعددة، تتجاوز الآلاف، والتجارة فيها تحريك للأثمان وليست كنزاً لها. كما أن كنزها إذا وقع من بعض الأفراد، فإنه لا يؤثر في الغرض منهما؛ وهو توسطهما بين السلع؛ لأنه لا يمكن أن يدخر كل

стр. 9

الناس أو معظمهم، ما بأيديهم من نقود في وقت واحد، مع أن ادخارهما -ولو دفع زكاتهما- خلاف الأولى؛ لأن الأموال المعطلة إذا استغلت في التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة ونحو ذلك، كثر الإنتاج، أو تحسن، وكثر تداول البضائع، وساهم في التخفيف من البطالة، أما إذا كان الادخار يؤدي إلى الاحتكار فإنه حينئذ يكون محرماً. وإن كان مراده بالكنز عدم إخراج زكاتهما -مع بعده- فهذا حرام بلا ريب؛ قال ابن كثير: «وأما الكنز فقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هو المال الذي لا تؤدى زكاته» (١). وأما قوله: «فإذا اتجر في أعيانهما فقد اتخذهما مقصوداً على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم». وكذلك قول ابن القيم: عم الضرر وحصل الظلم، فغير مسلّم لأن هذا القول لا دليل عليه. الترجيح: بعد عرض الأدلة والتعليلات التي علل بها البعض، ومناقشة ما استوجب المناقشة منها، فالراجح عندي جواز الاتجار في النقود، ولو كانت لتحصيل فروق الأسعار، لقوة أدلة هذا القول، فما دام أن الله أجاز بيعهما وشراءهما على لسان رسوله ﷺ ، كما سبق ذكره، وليس من الأدلة ما يخصصها، فليس لأحد أن يمنعه. فالأحاديث التي وردت في جواز ذلك كثيرة، وكلها صحيحة، وقد دلت على جواز التجارة في الذهب والفضة، وهذه الدلالة شاملة لجميع الأثمان؛ للاستفادة من تغيرات الأسعار، سواء أكانت سبائك، أم تبراً، أم نقداً؛ حيث جاء بعضها بلفظ: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، بصيغة العموم، وبعضها بلفظ الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، وهي شاملة

стр. 10

كذلك العملات الورقية، المتداولة في هذا العصر، وما قد يجد من نقود قائمة بنفسها في العصور القادمة. وهذا القول جاء عاماً، فهو شامل لحالتي المصارفة والمتاجرة، والقول بأنه ظلم تخصيص من غير مخصص، وهو زيادة على النص. وإن من لوازم القول بجواز الصرافة، وجود من يتخذها مقصوداً، لتتوافر لمن أرادها. وقد ازدادت هذه الحكمة وضوحاً في هذا العصر؛ إذ أصبح الذهب والفضة سلعة، ولم يعودا وسيطاً للتبادل، وحلت محلهما الأوراق النقدية، التي يتداولها الناس اليوم. وهذه هي الحكمة الربانية. وقولي هذا لا يعني تخلف علة الربا في الأثمان، وفي جنسها، بل هي باقية فيها. لكن الحكم بالجواز في جميع الحالات، مقيد بالالتزام بشروط الصرف وما يأتي عرضه من صور وصلت فيها إلى القول بالتحريم، لا لأنها تجارة في العملات، وإنما لأنها لم تستوف شروط الاتجار في العملات.

стр. 11

المبحث الثاني شروط الصرف إضافة إلى شروط البيع، يشترط للصرف شروط خاصة هي: الشرط الأول: التقابض: يشترط في عقد الصرف قبض البدلين جميعاً، قبل مفارقة أحد المتصارفين للآخر؛ بإجماع الفقهاء (١). الشرط الثاني: الحلول: يشترط أن يكون البدلان حالِّيْن. فلا يجوز للعاقدين أو أحدهما اشتراط التأجيل، فإن اشترطاه لهما أو لأحدهما، فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، والأجل يُفَوِّت القبض المستحق بالعقد شرعاً، فيفسد العقد (٢)؛ لقوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: «يداً بيد»، وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: ﵁ «ولا تبيعوا شيئاً غائباً منه بناجز إلا يداً بيد». والحكمة في اشتراط التقابض، والحلول؛ للمنع من الوقوع في ربا النسيئة؛ فحرم التفرق قبل قبض العاقدين؛ لأنه يفضي إلى أن يحصل لمن عجل له أخذ العوض فائدة لا تحصل لنظيره؛ حيث إنه يستطيع الإفادة من الثمن الحاضر بتقليبه في التجارة، والإفادة من تقلبات الأسعار، بما يحقق له الربح، وقد لا يتحقق له شيء من ذلك، ولكن أخذه للعوض دون العاقد الآخر مظنة لحصول ما تقدم، والمظنة في الشريعة تقام مقام المئنة (٣) (٤).

стр. 12

فلا يجوز بيع أموال الربا وما ألحق بها في علته، بعضها ببعض مؤجلاً، سواء اتحد جنسها أو اختلف، ولأنه لا يمكن جعل الأجل والإمهال عوضاً؛ لأنه ليس مالاً حتى يكون في مقابلة المال، فالإسلام بسمو تشريعاته لا يجعل للأجل بمجرده ثمناً؛ لأن الزمن ليس سلعة تباع وتشترى (١). وشرط الحلول ليكون التقابض حالاً في مجلس العقد؛ تلافياً لأن يتم التقابض في وقت لاحق. ويرى مجمع الفقه الدولي جواز تأخر القبض للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل؛ إذ قال: (يغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي) (٢) ومع أني أحاول ألا أخالف قرارات مجمعي الرابطة والمنظمة إلا أنني لا أوافق المجمع في قراره المذكور؛ لأن هذا القول يترتب عليه إلغاء شرط الحلول؛ ولأنه يعارض قول رسول الله ﷺ (يداً بيد)، وقوله: (إلا هاء وهاء)، ولما رواه مالك بسنده عن مالك بن أوس ابن الحدثان النصري أنه التمس صرفاً بمائة دينار. قال فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا (٣) حتى اصطرف مني وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال حتى يأتيني خازني من الغابة (٤)، وعمر بن الخطاب يسمع، فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال ﷺ : (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء) رواه البخاري ومسلم (٥)، وقوله ﷺ : (إلا هاء وهاء) أي خذ وهات (٦).

стр. 13

وتأخير القبض للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل ليس فيه خذ النقود، وهات ثمنها. الشرط الثالث: التماثل في البدلين: إذا كان البدلان من جنس واحد؛ وكانت هذه الأثمان مما يوزن، كأن بيعت سبائك ذهبية بذهب، أو فضية بفضة، وجب فيه التماثل في الوزن، وإن اختلفا في الجودة، وهذا باتفاق الفقهاء (١)، وإن كانت مما يعد كدولارات بدولارات، وجب فيه التماثل في العدد والمقدار. والشرط: التساوي في العلم، لا في نفس الأمر فقط، فلو لم يعلما التساوي، وكان في نفس الأمر متحققا لم يجز، إلا إذا ظهر في المجلس (٢). لما روى جابر ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر. رواه مسلم والنسائي (٣)، ولأن العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس شرط، لا يجوز البيع بدونه، ولا شك أن الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما فقط مظنة للزيادة أو النقصان، وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل ووزن الموزون من كل واحد من البدلين (٤). أما إذا اختلف جنس المبيع عن جنس الثمن، مثل أن كان ذهباً بفضة، أو فضة بذهب، أو أياً منهما بنقود ورقية، فإنه لا يشترط حينئذ التماثل، فلا مانع من التفاضل، لأن ربا الفضل لا يقع في الجنسين أحدهما بالآخر، وإنما يقع في الجنس الواحد بعضه ببعض؛ وذلك لقوله ﷺ : «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (٥).

стр. 14

والحكمة من اشتراط التماثل؛ للمنع من الوقوع في ربا الفضل، فلو جاز الفضل في الجنس الواحد، لوقع الناس في الربا؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى انقطاع المعروف بين الناس، والتراحم والإحسان، فلا يقرض أحد الآخر إلا بفائدة ربوية؛ ولهذا جاء الشرع باشتراط التماثل في بيع الذهب بالذهب، حتى تطيب نفس المقرض بأن يقرض أخاه ولا ينتظر زيادة مادية، وإنما ينتظر الأجر من الله. الشرط الرابع: الخلو عن خيار الشرط: اتفق الفقهاء على منع اشتراط الخيار في الصرف، وعلى كونه فاسداً، ولكنهم اختلفوا في صحة العقد إذا اشتمل عليه. فذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في المذهب عندهم إلى أن الصرف لا يصح مع خيار الشرط؛ (فإن شُرط الخيار فيه لهما أو لأحدهما فسد الصرف؛ لأن القبض في هذا العقد شرط بقائه على الصحة، وخيار الشرط يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، فيمنع صحة القبض) (١). ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق، ثم افترقا عن تقابض، ينقلب إلى الجواز عند الحنفية خلافاً لزفر (٢). وقال الحنابلة: لا يبطل الصرف باشتراط الخيار فيه، كسائر الشروط الفاسدة في البيع، فيصح العقد ويلزم بالتفرق، ويبطل الشرط ويلغو (٣). والراجح مذهب الحنابلة.

стр. 15

المبحث الثالث القبض الشرعي في تجارة العملات المطلب الأول: القبض الحقيقي: اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن التقابض في الصرف يكون بتناول النقود أو السبائك أو نحوها باليد، ويطلقون «يداً بيد» على تقابض البدلين في مجلس العقد (١). أي بالتعجيل والنقد (٢). جاء في المصباح المنير «بعته يداً بيد» أي حاضراً بحاضر. والتقدير: في حال كونه ماداً يده بالعوض، وفي حال كوني ماداً يدي بالمعوض، فكأنه قال: بعته في حال كون اليدين ممدودتين بالعوضين (٣). وقال الحنفية: إن معنى «يداً بيد»، إنما هو التعيين دون التقابض. وقوله ﷺ : «يداً بيد» أي عيناً بعين. ولكن نظراً لكون النقدين لا يتعينان بالتعيين، ولا يتحقق التعيين فيهما قبل التقابض، اعتبر التعيين دون التقابض في غير الصرف من بيع الأموال الربوية ببعضها، وذلك لحصول المقصود، وهو التمكن من التصرف بالتعيين فيها؛ بخلاف النقدين؛ فحيث إنهما لا يتعينان إلا بالقبض، اشترط في الصرف التقابض (٤). والراجح قول الجمهور لأن قوله ﷺ : (يداً بيد) حقيقة في يد الإنسان، فلا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، يؤيد ذلك قوله ﷺ : (إلا هاء وهاء).

стр. 16

وقوله (هاء) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء (هاك) أي خذ. فأسقطوا الكاف منه وعوضوه المد بدلاً من الكاف. وقول الرسول ﷺ : «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء» أي إن هذه البياعات لا تجوز إلا إذا قال كل واحد منهما لصاحبه «هاء» أي خذ وهات، والمراد به القبض (١). فيشترط القبض الحقيقي (٢)، أو الحكمي (٣) في بيع الأثمان، بعضها ببعض، وما يأخذ حكمها من العملات (٤)، ويتحقق القبض شرعاً في العقود المبرمة بالإنترنت بكل الوسائل المتعارف عليها في القبض الحقيقي أو الحكمي (٥). ومن صور القبض الحقيقي، أن يسلم البائع المبيع إلى المشتري، ويسلم المشتري الثمن إلى البائع في مجلس العقد، قبل افتراقهما، وإن طالت مدة المجلس. ومن صوره تطارح الدينين، أو اقتضاء أحد النقدين من الآخر، فإن الدائن أو المدين بنوع من النقود له أن يصرفها من دائنه بنقد آخر، وفي هذه الحال يجب على المدين أن يدفع له البدل من النقد الآخر في مجلس العقد، بخلاف الدائن فإنه لا يلزمه أن يسلم النقد المبدل منه، ويكون صرفاً بعين وذمة في قول أكثر أهل العلم (٦)، أو المقاصة من دين سابق، فإذا انشغلت ذمة الدائن بمثل ماله على المدين في الجنس والصفة ووقت الأداء، برئت ذمة المدين مقابلة بالمثل، فيسقط الدينان إذا تساويا في المقدار، وهذا تطارح للدينين. أما إن تفاوتا في القدر سقط من الأكثر

стр. 17

بقدر الأقل، وبقيت الزيادة، فتقع المقاصة في القدر المشترك، ويبقى أحدهما مديناً للآخر بما زاد (١) لحديث ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير وآخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء (٢). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (٣) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. والقول بأن تطارح الدينين ونحوه قبض حكمي (٤) غير مسلم، لأنه قد تم قبض النقود قبضاً فعلياً، يداً بيد، من مُتطارحي الدين، أو المتقاصين، وكون هذا القبض سابقاً للعقد، لا يؤثر في اختلاف الوصف. ومثل أن يعقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المؤسسة، في حال شراء عملة بعملة أخرى، ثم يودع المشتري في حساب البائع الثمن مباشرة، فهذا قبض حقيقي. أما إذا كان بحوالة مصرفية تدخل في حساب البائع، قبل افتراقهما من مجلس العقد (٤)، فيرى البعض أنه قبض حكمي. ونظراً لتطور استخدام وسائل التقنية مما أدى لسرعة تنفيذ الحوالة في هذا الزمن بواسطة الجوال والمحيل في بيته أو مكتبه أو في أي مكان، ودخولها في حساب المحال إليه في أقل من دقيقة وتمكنه من التصرف فيها فإني أرى أن هذا قبض حقيقي.

стр. 18

المطلب الثاني: القبض الحكمي: المراد بالقبض الحكمي هو: ما يقوم مقام القبض الحقيقي، ويأخذ حكمه. وقد قال الفقهاء بالقبض الحكمي في أحوال كثيرة، وأقاموه مقام القبض الحقيقي. وهو ما يستند فيه إلى شيء مادي مثل: الشيك المصدق، إذا كان له رصيد قابل للسحب، بالعملة المكتوب بها عند استيفائه، وتم حجز المؤسسة له. أو سلمت دافعه إشعاراً بقبضه. أو القيد المصرفي في حساب المشتري، فيكون له من الأحكام ما للقبض الحقيقي. وقد صدر بهذا قرار كل من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة، (١) ومجمع الفقه الإسلامي بجدة. وأرى اعتبار هذه الوسائل قبضاً؛ لاستنادها إلى شيء مادي، وهو ما أقصده عند قولي بجواز القبض الحكمي، في هذا الكتاب أو غيره. على أن يكون هذا القيد ممثلاً حقيقياً لدخول كامل مبلغ الثمن في حساب العميل. أما إذا كان القيد لا يقابله دخول الثمن والمثمن في حساب العاقدين، فإنه حينئذ يكون حيلة فاسدة، ولا يصح أن يكون قبضاً؛ إذ يقع كثيرًا أن تبيع المصارف كميات من الذهب، أو العملات الأخرى دون أن يكون عندها المقدار المبيع؛ وذلك لعلمها أن المشتري لا يطلب استلام ذهبه، أو عملته التي اشتراها؛ لأنه يعتمد على القيود الدفترية فقط. وبيع المصارف عملات غير مملوكة لها، فضلاً عن أن تكون موجودة لديها حرام، والعقد باطل شرعاً؛ لأنه فاقد لشرطي الحلول والتقابض، لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (٢). قال الترمذي: حديث حسن، وقال عنه في رواية أخرى: حسن صحيح. ولأن القيد الدفتري -والحالة هذه- لا يمثل قبضاً، وإنما هو وسيلة خداع.

стр. 19

ومن صوره تسلم البائع قسيمة الدفع الموقعة من حامل بطاقة الائتمان (المشتري)، في الحالة التي يمكن فيها للمؤسسة المصدرة للبطاقة أن تدفع المبلغ إلى قابل البطاقة بدون أجل. وفي جميع ذلك، يجب على المصرف أو المؤسسة، اتخاذ الاحتياطات والإجراءات اللازمة، للتثبت من هوية المتعاملين معها عبر الشبكة، والتحقق من أهليتهم للتعاقد على الوجه الصحيح؛ حماية لأموال المتعاقدين. ومن صور القبض الحكمي: في غير الصرف التخلية بين المشتري والمبيع، بحيث يكون سالماً له، ويتمكن من قبضه. وحكموا بالقبض، ولو لم يتم بالفعل في هذه الحالة، على تضييق وتوسيع في اعتبار التخلية قبضاً في بعض البيوع دون بعضها، أو في أكثرها. أما في الصرف فقد نص الفقهاء على أنه لا تكفي التخلية، وأنه لا بد من القبض باليد، كما بيناه في شروط الصرف، وهو ما يراه المؤلف لحديث ابن عمر ﵄ قلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير. فهذا جائز لا لأنه مخلى بين البائع وبين الثمن الذي باع الإبل به، وإنما لأنه باعه ممن هو قابض له؛ ولأن المطلوب في الصرف المناجزة، وصرف ما في الذمة أسرع مناجزة من صرف المعينات؛ لأن صرف ما في الذمة ينقضي بنفس الإيجاب والقبول والقبض من جهة واحدة، وصرف المعينات لا ينقضي إلا بقبضها معاً، فهو معرض للعدول، فصرف ما في الذمة أولى بالجواز (١). يؤيده أنه لا يجوز بيعها على شخص آخر، ولو كانت التخلية كافية في الصرف؛ لجاز بيعه تلك الدراهم التي لم يقبضها على شخص آخر. جاء في المنتقى للباجي: «إن حلول ما في الذمة يقوم مقام حضور ما هي مشغولة به، والقبض يتنجز فيه بإبرائها منه» (٢).

стр. 20

المطلب الثالث: قبض البعض: إذا حصل التقابض في بعض الثمن دون بعضه، وافترقا بطل الصرف فيما لم يقبض باتفاق الفقهاء. واختلفوا فيما تم فيه التقابض على قولين: القول الأول: صحة العقد فيما قبض وبطلانه فيما لم يقبض. وهذا رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول عند المالكية (١)، وقالت به هيئة المعايير الشرعية (٢)، وعلل الحنفية لذلك بأنه: يتقدر الفساد بقدر ما لم يقبض، ولا يشيع لأنه طارئ، ولا يكون هذا تفريقاً للصفقة (٣). وقال الحنابلة: وذلك بناءً على تفريق الصفقة (٤)؛ إذ إنها تصح في الصحيح، وتفسد في الفاسد منها. القول الثاني: بطلان العقد في الكل، وهو قول عند المالكية، ووجه آخر عند الحنابلة (٥). والراجح مذهب الجمهور، وهو صحة الصرف فيما قبض، وبطلانه فيما لم يقبض، لاختصاص البطلان بالمبطل، وليس من الأدلة ما يدل على سريان البطلان إلى الصحيح.

стр. 21

المبحث الرابع الموقف الشرعي من إبرام العقد بوسائل الاتصال الحديثة إبرام العقد عبر الإنترنت أو أي من الوسائل التي سبق ذكرها، يأخذ أحكام التعاقد بين حاضرين. وتسري عليه جميع أحكامه، كاشتراط اتحاد المجلس، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف الشرعي، وما إلى ذلك من أحكام. فإذا صدر القبول من الطرف الآخر، مستوفياً ما ذكرنا من الشروط، ينعقد العقد، لأن من المقرر فقهاً، أنه متى أعلن القابل عن رضاه بالإيجاب توافقت الإرادتان وتم العقد. وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي ونصه: «إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما هي الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق هذا على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب)، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجّه إليه وقبوله» (١). ومن حق الطرف الراغب في التعاقد أن يتأمل الأمر المعروض عليه، ما داما في مجلس العقد، ولا يلزمه القبول فورًا خلافًا للشافعية. والتعاقد يعد في هذه الحالات -من حيث الأصل- تعاقداً بين حاضرين من حيث الزمان، وغائبين من حيث المكان، ما لم يتفرقا من المجلس. أما إذا تفرقا من المجلس وقد جعل الموجب للطرف الثاني، مدة من الزمن، أكثر من فترة مجلس

стр. 22

العقد -في غير الصرف-، فإن التعاقد يكون حينئذ بين غائبين زماناً ومكاناً، والمعتبر في المجلس هو الاتحاد الزماني (١)، أما التعاقد بين الطرفين بواسطة الكتابة عبر الإنترنت، أو بالمراسلة عبر البريد الإلكتروني، أو عبر الموقع، فإنه يأخذ حكم التعاقد بين غائبين. ويرى بعض الفقهاء انعقاد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله ولا يشترط علم الموجب بالقبول. وأرى أن اشتراط علم الموجب بالقبول في هذه المعاملات، هو الذي يوافق مقاصد الشريعة في حفظ المال، نظراً لطبيعة التعاقد عبر هذه الوسائل في هذا العصر، وللحاجة الماسة إلى التثبت، تلافياً لاحتمال الاستغلال من بعض المتعاملين. وقد اشترط ذلك المعيار الشرعي للمعاملات المالية بالإنترنت؛ إذ جاء فيه ينعقد العقد باستخدام الإنترنت -أياً كانت طريقة التعاقد- عند علم الموجب بقبول الطرف الآخر، ولا يكفي لانعقاد العقد مجرد صدور القبول (٢). وفي بيع العملات بوسائل الاتصال الحديثة، يبدأ مجلس العقد من دخول الراغب في التعاقد إلى الموقع، وإصدار الإيجاب للطرف الثاني، ويستمر مجلس العقد حتى قبول القابل أو خروجه من الموقع. أو انقطاع التواصل، ما دام أنه لم يخرج أي منهما من مجلسه. أما الرسالة الإلكترونية الموجهة عبر الموقع على الشبكة، أو عبر البريد الإلكتروني، المتعلقة بالعقد المزمع إبرامه، فإنها لا تعتبر إيجاباً، إذا كانت لا تتضمن بيان جميع الحقوق والالتزامات الجوهرية، أو كان مرسلها قد اشترط لنفسه الحق في رفض العقد، ولو قبل الطرف الآخر، إذ إن من شروط الإيجاب شرعاً أن يكون باتًّا منجزًا لا يحتمل أمرًا آخر (٣).

стр. 23

ولما بيناه فيما سبق فإن التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة -ومنها الإنترنت- بين عاقدين في مكانين متباعدين، جائز شرعاً؛ من حيث صحة صيغة العقد، وتنشأ عنه ذات الآثار المترتبة على إجراء العقد في مكان واحد. والإيجاب المحدد المدة، الصادر بإحدى الوسائل المشار إليها، يظل ملزماً لمن أصدره أثناء تلك المدة، ما داما في المجلس. ولا يتم العقد إلا عند القبول والتقابض الحقيقي، أو الحكمي، كما بيناه.

стр. 24

المبحث الخامس التوكيل في المتاجرة بالعملات الوكالة في الصرف جائزة عند جمهور العلماء؛ الحنفية، والشافعية، والحنابلة والراجح عند المالكية (١)، بل ذكر ابن المنذر الإجماع عليه، كما حكاه الحافظ ابن حجر عنه (٢)؛ لما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً. وقال في الميزان مثل ذلك (٣). وقوله: في الميزان مثل ذلك: أي الموزون مثل ذلك، لا يباع رطل برطلين. قال ابن حجر: «ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لتفويضه ﷺ أمر ما يكال ويوزن إلى غيره، فهو في معنى الوكيل عنه، ويلتحق به الصرف» (٤). واستدل له أيضاً بأن عمر وابنه ﵄ قد وكلا في الصرف. أما أثر عمر بن الخطاب فعن طريق موسى بن أنس عن أبيه: «أن عمر أعطاه آنية مموهة بالذهب، فقال له: اذهب فبعها، فباعها من يهودي بضعف وزنه، فقال له عمر: أردده، فقال اليهودي: أزيدك؟ فقال له عمر: لا إلا بوزنه» (٥). وبما أثر عن عبد الله بن عمر من طريق الحسن بن سعد قال: «كانت لي عند ابن عمر دراهم، فأصبت عنده دنانير، فأرسل معي رسولاً إلى السوق، فقال: إذا

стр. 25

قامت على سعر فأعرضها عليه، فإن أخذها، وإلا فاشتر له حقه، ثم اقضه إياه» (١)، والأثران أخرجهما البخاري معلّقين. ووصل إسنادهما ابن حجر، وقال: إسناد كل منهما صحيح (٢). ويدل كل منهما على جواز الوكالة في الصرف. أما إذا كان وكيلاً في القبض فقط؛ فيجوز ذلك عند الحنفية والحنابلة والراجح عند المالكية، ويشترطون أن يقبض الوكيل قبل تفرق العاقد (٣). أما الشافعية فلا يجيزون الوكالة في القبض في الصرف، وهو قول عند المالكية (٤). والراجح قول جمهور الفقهاء بجواز التوكيل في تجارة العملات. ويلزم في الوكيل توفر الشروط اللازمة للأصيل، ويجوز أن يوكل شخصاً في التعاقد، وآخر في القبض.

стр. 26

المبحث السادس حكم المصارفة بالوديعة المصرفية المصارفة بالوديعة جائزة عند المالكية والحنابلة، وقيد المالكية الجواز إذا كانت الوديعة حاضرة (١). وبناءً عليه فإن الوديعة المصرفية تكون جائزة عندهما؛ إذ لا فرق بين الوديعة المصرفية وغير المصرفية، بل إن الوديعة المصرفية أولى بالجواز لحضورها، وضمان المودَع لها، وإمكانية تسليمها للمودع عند طلبها. ويتخرج القول بجوازها على مذهب الحنفية والشافيعة والرواية الأخرى عند المالكية؛ لأن منعهم الصرف بالوديعة، معلل بعدم دخولها في ضمان المودَع، أو لعدم حضورها، وهذا غير متحقق في الوديعة المصرفية في العصر الحاضر، قال الباجي: «ولأن حق المودع متعلق بعين مال-[أي المال المودَع]- ولم يتعلق بذمة الشخص المودع، فلا يجوز أن يصارف به إلا عند حضوره» (٢). ويقول الإمام الشافعي: «وإذا كان للرجل عند الرجل دنانير وديعة، فصارفه فيها، ولم يقر الذي عنده الدنانير أنه استهلكها حتى يكون ضامناً، ولا أنها في يده حين صارفه فيها، فلا خير في الصرف؛ لأنه غير مضمون ولا حاضر» (٣). فتعليل المانعين بغياب الوديعة، أو عدم ضمانها، غير موجود في الودائع المصرفية في هذا العصر؛ لأنها موجودة، ومضمونة على المصرف، وهي وإن سميت وديعة، فقد كيّفها مجمع المنظمة أنها قرض (٤). وقال بذلك كثير من الباحثين المعاصرين، وذلك لأن الوديعة لو تلفت لا يضمنها المودَع، والودائع

стр. 27

المصرفية في هذا العصر يضمنها المصرف؛ ولأن الوديعة لا يجوز تصرف المودَع بها، ولا خلطها بماله، والمصارف تتاجر بالودائع، وتخلطها بأموالها؛ لكل هذا فهي قرض، وقبض المصرف لها قبض ضمان، وما دام ذلك كذلك، فإنه بناءً على آراء وشروط أصحاب المذاهب الأربعة في الوديعة، تجوز المصارفة بالوديعة المصرفية عندهم؛ يقول الصاوي: «لأنه لما دخل على الضمان المرتهن أو المودع صار كأنه حاضر في مجلس الصرف» (١).

стр. 28

الفصل الثاني الاتجار في العملات بالسعر الحاضر والآجل والأسعار التبادلية وكيفية تصحيح ما يمكن تصحيحه منها وفيه مبحثان: المبحث الأول: صور الاتجار في العملات بالسعر الحاضر والآجل والأسعار التبادلية. المبحث الثاني: كيفية تصحيح الاتجار فيما يمكن تصحيحه من صور الاتجار في العملات.

стр. 29

المبحث الأول صور الاتجار في العملات بالسعر الحاضر والآجل والأسعار التبادلية المطلب الأول: الاتجار في العملات بما يسمى بالسعر الحاضر: يتم التعاقد بيعاً وشراءً في العملات المطلوبة، بين المصارف التجارية في أنحاء العالم، حسب الخطوات التالية: - ١ - الاتفاق بين الطرفين، عن طريق الهاتف أو أي وسيلة أخرى، على بيع أو شراء مقدار من عملة من العملات، ثم تبادل مراسلي كل من الطرفين، وعنوانهما، وأرقام حساباتهما لديهما. ٢ - يؤكد الطرفان الاتفاق الذي تم بينهما برسالة عن طريق أي وسيلة اتصال معتبرة. ٣ - يطلب البائع من مراسله تحويل المقدار المشترى من حسابه إلى حساب الطرف الآخر، إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر، حسب رغبة الطرف الآخر. ويطلب المشتري من مراسله تحويل قيمة العملة المباعة إلى حساب الطرف الآخر، إما في نفس المصرف، أو في مصرف آخر، حسب رغبة الطرف الآخر. إلا أنه لا يدخل الثمن في حساب البائع، ولا المثمن في حساب المشتري إلا بعد يومي عمل، أو ٢٤ ساعة على الأقل، إن حول في حسابه بالعملة التي ضارب بها من ليرات أو ريالات مثلاً، فإن كان بالدولار فإنه يحتاج وقتاً أكثر؛ إذ إنه لا يتم إلا عن طريق البنك المركزي الأمريكي، فيحتاج إلى ثلاثة أيام عمل على الأقل.

стр. 30

ولا تحسب أيام العطلات الرسمية في حساب تواريخ الاستحقاق؛ فلو تعاقد مصرفان كل منهما في بلد آخر يوم الجمعة، فإن تاريخ الاستحقاق هو يوم الثلاثاء؛ لأن يومي السبت والأحد هما يوما عطلة رسمية في أوروبا، وتحديد مهلة اليومين يعتبر من متطلبات إجراءات التسوية بين المتعاملين. كما يضاف إلى ذلك الفرق الزمني بين الأسواق البعيدة عن بعضها في أنحاء العالم، فهناك فرق زمني يتراوح بين ٥ - ٦ ساعات بين أوروبا وأمريكا، ويزداد هذا الفارق كلما اتجهنا إلى غرب أمريكا، وكذلك بالنسبة للفارق الزمني بين أسواق الشرق الأقصى (طوكيو، هونج كونج، سنغافورة وأوروبا) (١). وسبب تأخير هذه العملية يوما عمل، ليتأكد الطرفان من كل جوانب العملية، وتدقيقها، وإنجاز أعمالها الكتابية (٢). وعند وصول العملة إلى حساب المشتري، ووصول قيمتها إلى حساب البائع، يصل إلى كل منهما إشعار من مراسله بوصول المبلغ إلى حسابه. وهذه الصورة لا تجوز شرعاً، لأنه لا يتحقق فيها التقابض لا الحقيقي ولا الحكمي في مجلس العقد، وهو شرط لصحتها، كما في الأحاديث الصحيحة التي سبق ذكرها. وتسمى عقوداً عاجلة لأنه يقصد منها التسليم الفعلي (٣)، حتى لو تأخر، والواقع أن تسميتها بعقود عاجلة لا يمثل الحقيقة.

стр. 31

المطلب الثاني: الاتجار في العملات بالسعر الآجل: يتم بيع وشراء العملات بطريقة العمليات الآجلة؛ وذلك بعقود كتابية يتبادلها الطرفان، يتم فيها الاتفاق على أسعار هذه العملية عند التعاقد، بينما لا يتم التقابض للثمن والمثمن إلا في وقت لاحق، تكون الأسعار فيه قد تغيرت غالباً. والفرق بين الحاضرة والآجلة، أن الحاضرة يتم التسليم فيها بعد أيام، أما الآجلة فتسليمها بعد شهر أو عدة شهور. وهناك تواريخ تكاد تكون ثابتة للعمليات الآجلة، وهي شهر، وشهران، وثلاثة أشهر، وستة أشهر، وسنة، ولا يبدأ الأجل من يوم إتمام العملية، بل بعد يومي العمل العائد لها. والعمليات التي تقل عن ستة أشهر هي الأكثر تداولاً، أما العقود التي تزيد عن ذلك فهي أقل تداولاً (١). ويقول بعض الاقتصاديين: إن شراء العملات بالسعر الآجل، يمكِّن رجال الأعمال أن يتجنبوا مخاطر التغير في سعر الصرف، أثناء الفترة من وقت التعاقد إلى تاريخ الدفع (٢). الحكم الشرعي: الحكم الشرعي لهذه العملية أنها حرام، وعقدها باطل، لا يعتد به شرعاً، ولا تترتب عليه آثاره؛ لفقد شرط من شروط الصرف، وهو التقابض، فقد قال ﷺ : «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان بيداً بيد» (٣). وقد صدر بهذا قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة؛ إذ جاء فيه: (إذا تم عقد الصرف، مع الاتفاق على تأجيل قبض البدلين أو أحدهما إلى تاريخ

стр. 32

معلوم في المستقبل، بحيث يتم تبادل العملتين معاً في وقت واحد، في التاريخ المعلوم، فالعقد غير جائز؛ لأن القبض شرط لصحة تمام العقد ولم يحصل) (١)، كما صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة (٢). ويرى بعض الباحثين أن هذا من المواعدة في الصرف، وأنه جائز (٣)؛ تخريجاً على ما نسب للإمام الشافعي وابن حزم من قولهما بجواز المواعدة في الصرف (٤). وهذا التخريج لا يصح؛ لأن قول الإمام الشافعي حمل على غير مراده؛ إذ إنه يقول «وإذا تواعد الرجلان الصرف، فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة، ثم يقرانها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ماشاء» (٥)، فقول الشافعي: أن يشتري الرجلان الفضة ثم يقرّانها عند أحدهما تعيين للعين التي يقع الوعد بشرائها. وقوله: حتى يتبايعاها دليل على أنه لا اعتبار لذلك الوعد؛ إذ لا بد من عقد جديد فالاحتجاج برأي الشافعي وابن حزم احتجاج في غير محله؛ لأن قولهما بالجواز هو في الوعد غير الملزم؛ يقول ابن حزم: ( … تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعاً) (٦). ولأن واقع الحال في أسواق الصرف، يثبت أن ما يتعامل به المضاربون عقدٌ، وليس وعداً؛ لأنه يتم فيه تحديد سعر كل من العملتين، والتزام كل طرف بالوفاء به، في الوقت المحدد، حتى لو تغيرت الأسعار، فلو كان وعداً غير ملزم لتنصلت المصارف من الوفاء به في الوقت المحدد، ولما رأيت أحداً من المتعاملين - في حالة تغير الأسعار لغير صالحه- يقبل الخسارة، أو يفوت على نفسه فرصة تحقيق مكسب كبير، من أجل وعد غير ملزم (٧).

стр. 33

ولأن من شروط الصرف الحلول، فإذا كان العوضان أو أحدهما مؤجلاً بطل الصرف بلا خلاف بين العلماء (١)، وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة بعدم جواز المواعدة في الصرف (٢). المطلب الثالث: العمليات التبادلية: عمليات الصرف التبادلية -أي المقايضة- هي التي يتم فيها شراء عملة أو بيعها مقابل عملة أخرى، في سوقين مختلفتين، إحداهما حاضرة والأخرى آجلة. كشراء عملة مما يسمى بالسوق الحاضرة، وفي ذات الوقت تباع هذه العملة المشتراة في السوق الآجلة. أو تشترى من السوق الآجلة العملة التي بيعت في السوق الحاضرة (٣) (فإذا كان زيد يشتري الفرنك الفرنسي من السوق الحاضرة بالدولار، ثم يبيع هذه الفرنكات التي اشتراها بعقد آجل لمدة ستة أشهر بالدولار، والمتعامل يقصد من وراء هذه العملية الاستغناء عن الدولار لمدة ستة أشهر ليستفيد من الفرنك الفرنسي للفترة نفسها، وبعد انقضاء الفترة يعود المتعامل إلى المركز نفسه الذي كان عليه عند البداية) (٤). وحيث إن هذه الصورة تجمع بين الصورتين السابقتين؛ التي إحداهما: تسمى بالسعر الحاضر، ولا يتم فيها التسليم والتسلم إلا بعد يومين فأكثر، والأخرى تسمى بالسعر الآجل، وكلتا الصورتين غير جائزتين؛ لعدم وجود القبض في مجلس العقد. ولأن هذه العملية قائمة على اشتراط عقد صرف في عقد صرف آخر (٥)، فإن عمليات الصرف التبادلية غير جائزة، وعقدها باطل لا يعتد به شرعاً.

стр. 34

المبحث الثاني كيفية تصحيح الاتجار فيما يمكن تصحيحه من صور المعاملات السابقة نظراً لأن شراء وبيع العملات هو أحد وسائل الاستثمار، التي يمكن للأفراد والمصارف والمؤسسات الإسلامية والأفراد التجارة فيها؛ رغبة في زيادة أرباحها، وتنويعاً في وسائل استثمارها؛ وإنشاء المواقع التجارية على شبكة الإنترنت جائز، لما فيها من المصالح، ولأن الأصل في المعاملات الإباحة، بشرط استيفائها جميع الشروط الشرعية. وهي لا تختلف عن العقود التي تبرم بالطرق الأخرى إلا من جهة وسيلة إبرامها. وحيث إن هذه العملية تتم بين عاقدين كل منهما في بلد بعيد عن العاقد الآخر، مثل أن يكون المشتري بنك فيصل الإسلامي البحريني، والبائع بنك لندن. ولأن أهم مانع فيها هو تأخر القبض. فإنه يمكن تصحيح صورة الاتجار في العملات التي تسمى البيوع الحاضرة، أما ما عداها من الصور فإنه لا يمكن تصحيحه. المطلب الأول: كيفية تصحيح البيوع التي تسمى البيوع الحاضرة إذا كان الثمن والمبيع بعملتي البلدين. يمكن تصحيح الصورة المذكورة إذا توافر فيها ما يلي: أن يتم إقباض الثمن في حالة تبادل عملات بلدي المصرفين بإحدى الطرق التالية: ١ - أن تتخذ المصارف الإسلامية، أو بعضها، أو أحدها وكيلاً موحداً أو متعدداً لها، في كل سوق من أسواق الصرف والسلع العالمية أو بعضها، التي يكثر نشاطها فيها؛ تسهيلاً لمعاملاتها، وتقليلاً لنفقاتها، واطمئناناً على سلامة مشترياتها

стр. 35

من المخالفات الشرعية أوالغش، ويمكن أن يكون الوكيل فرعاً لأحد المصارف الإسلامية، ودور الوكيل هو القيام بتنفيذ العقود وإبرامها والقبض والإقباض، بعد أن يتلقى الأوامر من المصرف المُوكِل، وبعد أن يقوم المصرف المذكور بالدراسة، والمساومة، ولا يبقى إلا إبرام العقد، حينئذ يوجه أوامره إلى وكيله لإتمام صفقة العملة المشتراة، أو المباعة. فإذا كان مصرف فيصل البحريني-مثلاً- وكيلاً فإنه يجب عليه أن يتولى العقد والقبض والإقباض، من بنك لندن، ويجب عليه أن يطبق شروط الصرف التي سبق بيانها. ٢ - إذا كان للمشتري حساب في المصرف المشترى منه، فإنه يقتطع قيمة المبيع من الحساب الموجود لديه (١). ٣ - إذا لم يكن لديه حساب فعليه أن يتبادل فتح الحسابات الجارية مع جميع المصارف التي يرغب في التعامل معها، والتي تتعامل بالسوق الحاضرة، وذلك بقيم تتناسب مع حجم التعامل المراد تنفيذه مع كل مصرف على حدة، وحينئذ يتفق معه على تحويل المبلغ المستحق له في حسابه لدى المصرف نفسه، كما يقوم هو بتحويل المبلغ المستحق للمصرف الآخر في حساب المصرف الآخر لديه. ٤ - تسليم شيك مصدق من قبل الوكيل. ٥ - تحويل قيمة الصفقة بموجب شيك آلي بواسطة (سويفت)، إذا تحقق وصوله إلى المصرف المشترى منه النقود، أثناء وجود الوكيل العاقد في ذلك المصرف. وسويفت (٢) هي نظام للرسائل النمطية الآمنة Secured Sandardized Messaging Services، بطريقة مضمونة، وسريعة لتبادل الرسائل

стр. 36

الإلكترونية بين البنوك والمؤسسات المالية، ويمكن أن تتضمن هذه الرسائل الحوالات المالية أو المبادلات التي تجري في الأوراق المالية وأوامر الشراء ونحو ذلك. والميزة التي تقدمها سويفت هي الأمان التام، كما يذكر المختصون، ولذلك تستخدمها البنوك في إصدار أوامر الحولات، فيمكن للبنك المحلي إصدار أمر على بنك خارجي مراسل بالقيد في حساب عميل له مبلغ من المال، يسحب من حساب ذلك البنك المحلي لدى البنك المراسل، وبهذه الطريقة يمكن أن يتم القيد بصورة سريعة جدا. وقد طورت سويفت مؤخراً نظاماً مماثلاً، لا يعتمد على الاتصالات الهاتفية الإلكترونية، بل على شبكة الإنترنت، ويتميز بنفس المستوى من الضمان والسلامة والأمان، ويمكن للبنوك تبادل الرسائل وأوامر الشراء والبيع بواسطته (١). وقد ظهر لي جواز هذا العقد؛ لأن القيد الدفتري في حساب المشتري في المصرف يعتبر قبضاً، -كما سبق بيانه- وأما أن المصرف الذي اشتريت العملة منه هو الذي يقبض المبيع من نفسه فجائز أيضاً؛ لأن الوكالة في الصرف جائزة كما سبق بيانه. قال البهوتي: «فإن أذن له -أي في مصارفة نفسه- جاز، فيتولى طرفي عقد المصارفة»، وقال: «ويصح قبض وكيل من نفسه لنفسه» (٢). وقال ابن جزي: «تجوز الوكالة على الصرف إن تولى الوكيل العقد والقبض وأمن التأخير» (٣). فمصرف لندن -وهو البائع- يمكن أن يقبض ثمن العملة المباعة بأي طريقة من

стр. 37

الطرق التي سبق بيانها. ويمكن أن يقبض العملة المشتراة من نفسه للمشتري، ويقيدها في حساب المشتري (بنك فيصل الإسلامي البحريني)، وإذا كان المشتري مصرف لندن، ولديه رصيد من العملة للمصرف البحريني، وباعه أو باع جزءاً منها على مصرف لندن، واقتطعها مصرف لندن من الحساب الذي لديه، وقبض ثمن العملة المشتراة قبل الافتراق من المجلس وإن تباعدا، صح العقد، ويمكن تخريجه على ما ذكره الفقهاء من جواز المصارفة بالوديعة. وما دام أنه يصح للوكيل التعاقد مع نفسه -إذا أذن له الموكل كما هو مذهب المالكية والحنابلة ووجه عند الشافعية (١) - فإن مجرد قبض ثمن الصرف، أو المثمن فيه، إذا كان العاقد هو المالك يكون جائزًا من باب أولى. أما البيوع الآجلة فإنه لا يمكن تصحيحها إلا بإلغاء التأجيل، ووجوب القبض بإحدى الوسائل المذكورة في مجلس العقد، على ما بينا في وجوب اتحاد المجلس زماناً، وإن لم يتحد مكاناً، وفي هذه الحالة تصبح بيوعاً حاضرة. المطلب الثاني: حالة تبادل عملات غير البلدين بين المصرف الإسلامي المحول وبين مصرف أجنبي، فتتبع أي من الخطوات التالية: ١ - يعقد المصرف الإسلامي اتفاقيات مع كل مصرف من المصارف التي تتعامل بالسوق الحاضرة كل على حدة، يتم الاتفاق فيها على تبادل فتح الحسابات الجارية، بقيم تتناسب مع حجم التعامل المتفق عليه. ويتفق معه على الأمور التالية: أ- أن يقوم المصرف الأجنبي، بتحويل المبلغ المستحق للمصرف الإسلامي، من حسابه إلى حساب المصرف الإسلامي، لدى المراسل نفسه، الذي يحتفظ فيه

стр. 38

المصرف الأجنبي برصيده من هذه العملة، وهذا لا يستغرق وقتاً؛ لأن التحويل تم من حساب إلى آخر داخل مصرف واحد. ب- على المصرف الإسلامي أن يقوم بتحويل المبلغ المباع من حسابه لدى مراسله إلى حسابه لدى مراسل المصرف الأجنبي في البلد نفسه، وهذا لا يستغرق وقتاً؛ فعادة ما تتبادل المصارف في البلد الواحد فتح الحسابات فيما بينها، مما يجعل عملية التحويل تتم في دقائق. ج- ثم يقوم المصرف الإسلامي بتحويل المبلغ المباع مرة أخرى من حسابه لدى مراسل المصرف الأجنبي إلى حساب المصرف الأجنبي لدى المراسل نفسه، وهذه العملية تتم في عدة دقائق أيضاً، لأن التحويل تم من حساب إلى حساب آخر داخل مصرف واحد. د- يرسل مراسل المصرف الأجنبي إلى المصرف الإسلامي الإشعار المفيد بدخول المبلغ المستحق له إلى حسابه عن طريق الإنترنت، أو أي وسيلة اتصال أخرى سريعة. هـ- يرسل مراسل المصرف الإسلامي إلى المصرف الأجنبي إشعاراً بدخول المبلغ المستحق له إلى حسابه عن طريق الإنترنت أو نحوه. و- يعد الإشعار المتبادل بين الطرفين -عن طريق الإنترنت أو نحوه في مجلس العقد دون انقطاع - تقابضاً حكمياً، تترتب عليه آثار التقابض الحقيقي، لأن كل مصرف أصبح يملك التصرف بالمبلغ المحول له في حسابه، لدى المصرف الآخر، بمجرد انقضاء مجلس العقد. إن وسائل تبادل العملات المذكورة تخلو من المحظور الشرعي، الذي يعيق التعامل في عمليات الصرف الحاضرة، ويؤدي إلى بيع العملات بطرق مشروعة، وإلى تحقيق الأهداف التي يسعى إليها المتعاملون.

стр. 39

الفصل الثالث ما هية تجارة العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بتجارة العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة وحمايتها المبحث الثاني: التعريف بالفوركس وأشهر صوره المبحث الثالث: حكم بيوع الفوركس

стр. 40

المبحث الأول التعريف بتجارة العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة وحمايتها المطلب الأول: التعريف بتجارة العملات عبر وسائل الاتصال الحديثة: شهدت المتاجرة بالعملات النقدية، في هذا العصر، توسعاً كبيراً، في التقانة المصرفية، من أبرز مظاهرها، انتشار ما يسمى البنوك الإلكترونية، أو بنوك الإنترنت، ولها أسماء أخرى نحو هذه، وتختلف هذه البنوك عن البنوك المعروفة؛ إذ يتمكن الشخص بواسطتها من إدارة حساباته، وإنجاز أعماله المتصلة بالبنك، سواءٌ أكان في المنزل أم المكتب، أم في أي مكان، وأي وقت يرغبه. ويعد الإنترنت من أهم وسائلها؛ إذ يمكن للعميل الاتصال بالبنك مباشرة بواسطته، وإجراؤه لمختلف التعاملات. وهي بنوك افتراضية، تنشئ لها مواقع إلكترونية على الإنترنت، لتقديم خدمات مماثلة للخدمات التي يقدمها موقع البنك المعروف؛ من سحب، وإيداع، وتحويل، دون انتقال العميل إليها. المطلب الثاني: التوقيع الإلكتروني وحجيته: المضاربات في العملات عبر الوسائل الحديثة، عرضة لاختراق خصوصياتها، والتزوير أو الغش من خلالها. بل قد تخصصت عصابات محترفة لاقتحام مواقع الإنترنت، والدخول على الحسابات المالية، والعبث بها، تحويلاً وسرقة، أو تعطيلاً وتخريباً للمعلومات، وغير ذلك من أعمال القرصنة؛ لذا فإن حمايتها، من أهم القضايا التي عنيت بها الدول، فنياً، بتطوير التقنية، وقانونياً بسن القوانين التي تعاقب مرتكب هذه الجرائم، ومنها النظام السعودي، فقد نص على أنه
следующие страницы →