وعلامة هذا الإيثار شيئان:
أحدهما: فعل ما يحب الله وإن كانت النفس تكرهه وتهرب منه.
الثاني: ترك ما يكرهه ربه وإن كانت النفس تحبه وتهواه.
فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيها شديدة والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه، فحقيقٌ بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة، ويحتمل فيه خطرًا يسيرًا لمُلْكٍ عظيم وفوزٍ كبير؛ فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسيرٌ منه يُرَقَّى العبد، ويسيِّره ما لا يرقي غيرُه إليه في المُدَدِ المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار.
والذي يسهله على العبد أمور:
أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة.
الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته.
الثالث: قوة صبره وثباته. اهـ كلام ابن القيم -عليه رحمة الله-.
ومشهد الإيثار مشهد عظيم رائع، يظهر في رمضان أكثر من غيره، فإن مجرد تركك للطعام والشراب رغم شهوتك الشديدة إلى تناوله طلبًا لرضا الله؛ هذا هو معنى الإيثار، فاشهد هذا المشهد، وعامل الله به دومًا، وقد ذكر لك الإِمام معاني الإيثار بالتمام والكمال، فما بقي عليك إلا العمل بعد الفهم العميق للكلام، هذه هي العبادة؛ فهل من سألك؟!
стр. 142
المشهد السابع: استشعار المعانى الإيجابية للصوم:
بعض الناس يظن أن الصيام كبت وحرمان، ولكني أقول لهم: إن الهدف من الصيام ليس الكبت والحرمان، وإنما الصيام وسيلة إلى غاية نبيلة، إنه التدريب على السيادة والقيادة، قيادة النفس وضبط زمامها، وكلها عن أهوائها ونزواتها، بل إنه التسامي بتلك القيادة إلى أعلى مراتبها، فلقد كنت في بحبوحة الإفطار إنما تحمي جوفك عن تناول السحت والخبيث، فأصبحت في حظيرة الصيام تفطمه حتى عن الحلال الطيب.
ولقد كنتَ بالأمس تكف لسانك عن الشتم والإيذاء، فأصبحت اليوم تصونه حتى عن رد الإساءة وعن إجابة التحريش والاستفزاز، فإن خاصمك أحد أو شاتمك، لم تزد على أن تقول: إني صائم، هكذا ملكت بالصيام زمامي شهوتك وغضبك.
وإنه لصبر يجر إلى صبر، ونصر يقول إلى نصر، فلئن كان الصيام قد علمك أن تصبر اليوم طائعًا مختارًا في وقت الأمن والرخاء، فأنت غدًا أقدرُ على الصبر والمصابرة في البأساء والضراء وحين البأس، ولئن كان الصيام قد علمك كيف تنتصر اليوم على نفسك، فلقد أصبحت به أجدر أن تنتصر غدًا على عدوك، وتلك عاقبة التقوى، التي أراد الله أن يرشحك لها بالصيام.
إن هذا الهدف الذي صورناه وحددناه، إنما يقوم في منتصف الطريق الذي رسمه الله للصائمين، وإن في نهاية هذا الطريق هدفًا آخر، بل أهدافًا أخرى أهم وأعظم.
وفي الحق أنه لو كان كل ما يطلب من الصائم هو أن يكف نفسه عن شهواتها وانفعالاتها، ولم يكن أمامه عمل إيجابي جديد يسد به هذا الفراغ، إذًا لكانت تجربة الصيام انتقاصًا للطاقة العاملة من ناحية، دون إمداد لها من ناحية
стр. 143
أخرى، وإذًا لكانت على حد تعبير العلماء "تخلية" بلا "تحلية"، أو تجارة مأمونة الخسارة، ولكنها لا ربح فيها ولا غنيمة.
فهل شريعة الصيام في الإِسلام هى تلك الصور العارية الجرداء؟
كلا .. إنها عبادة ذات شطرين، وليس شطرها الأول إلا تمهيدًا وإعدادًا لشطرها الثاني، إنها شجرة جذعها الصبر، ولكن الله لا يريد للصائم أن يترك هذا الجذع قاحلًا ماحلًا، بل يريد أن ينبت على جوانبه أغصانًا من الشكر، وأن يتوج هامته بأوراق وثمار من الذكر والفكر، وإن من تأمل كلمة التقوى التي عبر بها القرآن الكريم في حكمة الصيام، يجدها منطوية على هذين الشطرين.
فهي في شطرها الأول: كف وانتهاء، وابتعاد واجتناب.
لكنها في شطرها الثاني: إقبال واقتراب، وإنشاء وبناء.
وإذًا فليس الشأن كل الشأن في أن يغلق الصائم منافذ حسه، ويسكت صوت الهوى في نفسه؛ فذلك إنما يمثل إغلاق أبواب النيران؛ ولكن الشأن الأعظم في أن يكون إغلاق منافذ الحس فتحًا لمسالك الروح، وأن يكون إسكات صوت الهوى تمكينًا لكلمة الحق والهدى، فتلك هي مفاتيح أبواب الجنان.
ومن كان في شك من أن هذا الجانب الإيجابي، هو الهدف الأخير لشريعة الصوم، فليقرأ كتاب الله يجد دلائله مبثوثة في تضاعيف آيات الصيام، وليطالع سنة رسول الله ﷺ ، يجد معالمه مبسوطة في هديه النبوي قولًا وفعلًا، والعجيب في هذا التوجيه أن الإِسلام لم يترك الأمر بالصيام دعوة مرسلة، بل وضع له مناهج معينة، ورسم له خططًا مفصلة؛ ذلك أنه لمَّا جعل شهر الصيام موسمًا لانطلاق الروح من عقالها؛ فتح فيه للأرواح بابين تتدفق منهما: بابًا إنسانيًّا، وبابًا ربانيًا.
فأما انطلاق الروح الباب الإنساني: فذلك أنه أرشدنا إلى أن يكون
стр. 144
زهدنا في الطعام والشراب ليس قبضًا وإمساكًا بالحفظ والادخار، بل بسطًا وسخاء بالبذل والإيثار: لا تسد أيها الصائم جوعتك، ولا تنقع غلتك فحسب، ولكن أطعم الجائع واسق الظمآن، وهذا هو الصوم كما فهمه إمامنا الأعظم صلوات الله عليه، فقد كان أجود ما يكون في رمضان، حتى إنه كان فيه أجود من الريح المرسلة.
وما زكاة الفطر في آخر رمضان إلا الحلقة الختامية، والمظهر العلني الجماعي لهذه الحركات النفسية الفردية، التي تحولت فيها فضيلة الصبر، إلى فضيلة الشكر، اتباعا لإرشاد القرآن الكريم حين يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما انطلاق الروح في رمضان من الباب الرباني؛ فذلك أن الإِسلام فتح فيه للطاعة مسالك مسلوكة، ورسم لها سُبُلًا ذُلُلًا، تسبيح وتحميد، تكبير وتمجيد: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، تضرع وابتهال، ودعاء وسؤال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ركوع وسجود، وقيام وتشمير ونهوض: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، وما الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إلا نهاية الشوط في السير، إقبالا على الله وانقطاعا بالكلية إليه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ألا وإن ذِروة الأمر وسِنامُه في هذا الجانب الرباني، إنما هو في مناجاة الله بكلامه، وفي مدارسة كتابه، كما كان يفعل الرسول المصطفى من البشر، والرسول المصطفى من الملائكة، إذ كانا يتدارسان القرآن في رمضان في كل عام، ولأمر ما نَوَّه الله بهذه الصلة الوثيقة بين رمضان وبين القرآن، وجعلها
стр. 145
أولى المناقب والمزايا التي اختص بها هذا الشهر المعظم، فقال جلت حكمته: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ فكان ذلك إيماء لنا بأن نجعل حظ رمضان من القرآن أوفر الحظوظ.
لما كان الأصل العمل والجهاد في سبيل الله؛ فإن رسول الله ﷺ جاهد في رمضان ليصل إلى أعلى درجة في العبادة، دائمًا في المركز الأعلى، فكان عند الموت يقول: "بل الرفيق الأعلى" (١)، شرط بشرط، ولكل سلعة ثمن.
أما صوم النُّوَّم .. أما صوم البطالين .. فمال هؤلاء والجنة؟!
مالك أنت والمحبة وأنت أسيرُ الحبة، تعلقتَ بها تعلقَ الرضيع بالظِئر، والقوم ما أعاروها الطرف .. فالنبي ﷺ كان يصوم ويجاهد .. يصوم ويقوم .. يصوم ويتلو .. يصوم ويدعو .. يصوم ويصلي .. يصوم ويعلِّم .. يصوم ويتلقى القرآن ويعلمه ويدعو به وإليه .. بأبي أنت وأمي ونفسي يا رسول الله ﷺ .
لذلك إخوتاه فإن الصيام ليس موسمًا للنوم، إنك مسلم، فلابد أن تكون عالي الهمة تطلب القمة؛ لأنك صاحب دين قيِّم .. في هذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾، توجد قراءة أخرى وهي دينًا قيِّمًا، وذلك الدين القيِّم يجعلك حين تسلم وتستسلم: تصوم وتبذل جهدك وتستعين بالله ﷻ ، قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، أيها الناس .. أيها الإخوة .. أيها الأخوات .. إذا أردتم النجاح؛ فاستعينوا بالصبر والصلاة .. والتزموا العبودية أينما حلَّت ركائبها.
стр. 146
المشهد الثامن: الجود والإحسان:
قال ابن عباس ﵄: "كان رسولُ الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكونُ رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسه القرآن. كان رسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل ﵇ أجودَ بالخير من الريحِ المُرْسَلَة" (١).
الله الكريم يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده، قال : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ومن أسماء الله الحسنى "المنَّان"؛ فهو سبحانه يحبُّ المدح، ورمضان شهرٌ كثير البركات عظيمُ الخيرات، جَادَ اللهُ فيه على عباده بأنواعٍ من النعم؛ فوجب أن يكون للعبد في المقابل أنواعٌ من الجُود شكرًا لهذه النعم؛ أسْوةً بالنبي محمَّد ﷺ ؛ فإنه وإن كان أجودَ من الريح المرسلة في غير رمضان؛ إلا أنه كان يصير أجودَ من ذلك في رمضان.
إننا نريدُ أيها الأخُ الكريم أن تُظهر لله أنواعًا من الجود في رمضان:
- أطعم الفقراء والمساكين، من طعامك الذي تأكله على مائدتك أو أفضل.
- تصدق بصدقة من أعزِّ ما تملِك.
- أكرم فقيرًا بأكثر مما يتمنى.
نريد منك مظاهر جود لم تحدث من قبل .. اقتسم عمرُ مالَهُ مع الله، وخرج أبو بكر من مالِهِ كُلِّه، فماذا أنت فاعل؟
واعلم أنه لم تُستجلب نِعمُ اللهِ قط وإكرامُهُ وفضلُه بمِثلِ الجودِ وإكرامِ خلقِه.
رمضان والقرآن
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
رمضان شهر القرآن العلاقة بينهما وثيقة والارتباط عظيم.
فلابد من الحديث عن القرآن بتفصيل شديد والعناية به في هذا الشهر الفضيل عناية خاصة ولذلك إليكم هنا الفصل الماتع عن القرآن الكريم فاقرأ بِرَوِيَّة ولا تتعجل كى تعمل.
القرآن. . كتاب الله الخالد، الذي أخرج الله به هذه الأمة من الظلمات إلى النور فأنشأها النشأة الأولى وبدلَّها من بعد خوفها أمنا، ومكّن لها في الأرض، ووهبها مقوماتها التي بها صارت أمة، ولم تكن من قبل شيئًا، وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض، ولا ذكر في السماء، فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم الشهر الذي نزل فيه القرآن ..
القرآن .. كتاب هذه الأمة، هو روحها وباعثها، وقوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها، وهو بيانها وترجمانها، هو دستورها ومنهجها، وهو زاد الطريق ..
ولكن ستظل هناك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث وإقعية في حياة هذه الأمة، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك.
стр. 149
سيظل هناك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقع الحياة البشرية، بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسًا ووقائع وأحداثًا حية.
آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بهذه الآيات سماء وهذه الآيات لتلك السماء كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم، وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه أعراف الضمائر فابتز أنفالها.
ضمائر العرب امتنعت عن القرآن بما استوعر فيها من العادات والأخلاق، فنفد إليها وابتزها وغلبها على أمرها ..
كم صدوا عن سبيله صدًّا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردا، ولعمري من يرد على الله القدر؟
ألفاظٌ إذا اشتدت فأمواج البحر الزاخرة، وإذا لانت فأنفاس الحياة الآخرة، متى وُعِدت من كرم الله جعلت الثغور تضحك في وجوه الغيوب.
وإن أُوعِدت بعذاب الله جعلت الألسن ترعد من حُمَّى القلوب.
معان هي عذوبة ترويك من ماء البيان، ورقة تستروح منها نسيم الجنان، ونور تبصر به في مرآة الإيمان وجه الأمان، تَرِفُّ بندى الحياة على زهرة الضمير، وتحلق في أرواحها من معاني العبرة معنى العبير ..
يجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطراتُ الماء.
ويتصل بالروح فكأنما يَمُدُّ لها بسبب إلى السماء ..
ألفاظٌ لم تعهد كَلْمَ أحداقِها، وثمراتٌ لم تَنْبُت في قَلَمِ أوراقها، ونورٌ عليه رونق الماء فكأنما اشتعلت به الغيوم، وماءٌ يتلألأ من النُّور فكأنما عُصِر من النجوم ..
стр. 150
وهل رأوا إلا كلاما تضيءُ ألفاظُه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور الله، وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، وأين نور القمر من كفٍّ يحسِب صاحبُها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!
وهيهات هيهات، دون ذلك دَرْجُ الشمسِ وهي أم الحياة في كفن، وإنزالُها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن.
لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، ولذلك إن تمادى أهل الباطل في طغيانهم يعمهون، فستظل آياته تلقف ما يأفكون، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨] (١).
فضائل القرآن:
(١) القرآن رحمة:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، أولم يكفهم أن يعيشوا مع السماء بهذا القرآن، يشعرهم أن عين الله عليهم، وأنه معنيٌّ بهم يتنزل عليهم كلامه، يحدثهم بما في نفوسهم، وهم هذا الخلق الصغير الضئيل التائه في ملكوت الله الكبير ..
واللهُ بعد ذلك يكرمهم حتى أنه ينزل عليهم كلماته تتلى عليهم، والذين يؤمنون هم الذين يجدون مسَّ رحمةِ الله في نفوسهم، وهم الذين يتذكرون فضل الله وعظيم منته على البشرية بهذا التنزيل، ويستشعرون كرمه وهو
стр. 151
يدعوهم إلى حضرته وإلى مائدته وهو العلي الكبير، وهم الذين ينفعهم هذا القرآن؛ لأنه يحيا في قلوبهم، ويفتح لهم عن كنوزه، ويمنحهم ذخائره ويشرق في أرواحهم بالممعرفة والنور ..
(٢) القرآن طمأنينة:
الإيمان بكلام الله والعيش معه طمأنينة في القلب واستقامة على الطريق، وثبات على الدرب، وثقة بالسند، واطمئنان للحِمى، ويقين بالعاقبة، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
الحياة في ظلال القرآن نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه، أي تكريم للإنسان يفوق هذا التكريم العلوي الجليل أن يخاطبه الله ﷻ ويفهم؟!، أي نعمهّ أعظم من نزول القرآن؟!، نعمة لا يسعها حمد البشر، فحمد الله نفسه على هذه النعمة فقال ﷻ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١].
أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟، أي مقام كريم يتفضل به على الإنسانِ القليل الصغير خالقُه الكريم؟
هي منة الله على الإنسان في هذه الأرض .. المِنَّة التي وُلِد الإنسان معها ميلادًا جديدًا، ونشأ بها الإنسان نشأة جديدة ..
وليس أشقى على وجه الأرض ممن يُحرْمون طمأنينة الإنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتور الصلة بما حوله في الكون؛ لأنه
стр. 152
انفصم من العروة التي تربطه بالله، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين ..
هذا القرآن العجيب، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء.
(٣) القرآن صانع الرجال:
لقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى، ولقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثارًا، فكم غَيَّر الإِسلامُ والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ.
الذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال وهو تاريخ الأمم والأجيال، وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار والتقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بين ظاهر الإنسان وباطنه، في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، في علاقات الناس بعضهم ببعض ..
(٤) القرآن شفاء:
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، في القرآن شفاء، القرآن رحمة لمن خالطت
стр. 153
قلوبهم بشاشة الإيمان فأشرقت، وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة ..
في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيرضى ويستروح الرضا عن الله والرضى عن الحياة.
والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثمَّ هو رحمة للمؤمنين ..
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط.
وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء المجتمعات.
(٥) القرآن حماية بعد الهداية:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وأسوأ ما يفعله قرين بقرينة أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة، ثم لا يدعه يفيق أو يتبين الضلال فيتوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم، حتى تفاجئهم النهاية وهم سادرون، هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال.
فالقرآن يحميك في طريقك إلى الله، ويصرف عنك شياطين الجن، ويعطيك من الحجة ما تغلب به شياطين الإنس.
(٦) القرآن حياة القلوب:
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
стр. 154
الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، لا يأس من قلبٍ خَمَد وجمد وقسا وتبلَّد، فإنه يمكن أن تَدُبَّ فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور، وأن يخشع لذكر الله، فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأُكُل والثمار، وكذلك القلوب حين يشاء الله، وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب، كما تحيا الأرض وما يمدها بالغذاء والري والدفء.
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]، هم لا يسجدون ولكن: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، لا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ ..
هذا أثر القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه، العارفة بطبيعته وقيمته، وإني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار النوم عنهم فرحًا.
رمضان والقرآن:
قال ابن رجب ﵀ في "لطائف المعارف": "الصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص كشهوة فضول الكلام المحرمة، والنظر المحرم والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب .. منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواف، فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرم الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني.
стр. 155
قال بعض السلف: إذا احتُضرِ المؤمن يقال للملك: شُمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، فيقاله: ثم قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله .
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، أما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب القرآن خصما له يطالبه بحقوقه التي ضيعها" اهـ.
وقد "كان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة" (١).
قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعَرْضِ القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفي الحديث أن المدارسة بين جبريل ﵇ وبين النبي ﷺ كانت ليلًا، فيدل ذلك على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن ليلًا، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] " اهـ.
قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة" (٢)، وقال ﷺ : "يأتي القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّه، فيلبس تاج
стр. 156
الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلَّة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارْقَ، ويُزاد بكل آيةٍ حسنة" (١).
قال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيُحَيَّر عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به؛ لذهب عنهم النوم فرحًا بما رزقوا.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن ..
وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان ..
وقال ربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة.
وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخل العشر ختم في كل ليلة مرة ..
وكان النخعى يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث ..
وكان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وفي غير رمضان في كل ست ليال ..
стр. 157
إخوتاه ..
هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن عباد الله، وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيكم بين أظهركم ويُسْمَع.
وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع، وتراكمت علينا ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع ..
كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشباب منه ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفمالنا فيهم أسوة؟، ما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بين الصفا والمروة، كلما حسنت مِنَّا الأقوال ساءت الأعمال ..
فهل من توبةٍ صادقة وعزيمةٍ ماضية .. نتلو كتاب الله بالتدبر والفهم فيكون لنا شافعًا عند ربنا فيرفع ما بنا من غمة ..
هيا لنفهم القرآن مع كيفية تحصيل لذة القرآن:
أيها الإخوة ..
إذا عرفنا الآن أهمية القرآن في العودة بالأمة .. وعرفنا كيف نحفظه ونتعلمه كما حفظه الصحابة؛ لنتربى عليه وعرفنا ما هو المطلوب منا بالنسبة للقرآن في نقاط محددة .. بقي أن نعرف كيف نحصل لذة تلاوته وقراءته، لا سيما ونحن في شهر القرآن.
стр. 158
تحصيل لذة التلاوة وقراءة القرآن (١):
اعلم أن هذه اللذة لن تحصل إلا بتوافر آداب ظاهرة وآداب باطنة عند تلاوة القرآن العظيم ..
أما الآداب الظاهرة:
(١) آداب في القارئ:
أن يكون القارئ على وضوء، وأن يكون واقفًا على هيئة الأدب والسكون إما قائمًا وإما جالسًا، مستقبل القبلة، مُطْرقًا برأسه، غير متربع ولا متكئ، ولا جالسًا على هيئة التكبر، فإن قرأ على غير وضوء أو كان مضطجعًا في فراشه؛ كان له أيضًا فضل؛ ولكنه دون ذلك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، فأثنى على الكل؛ ولكن قدم القيام في الذكر، ثم القعود، ثم الذكر مضجعًا.
(٢) آداب في مقدار القراءة:
وللقراءة عادات مختلفة، في الاستكثار والاختصار، والمأثور عن عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود وأُبيِّ أنهم كانوا يختمون القرآن في كل جمعة، يقسمونه سبعة أحزاب.
(٣) الترتيل:
الترتيل هو المستحب في تلاوة القرآن؛ لأنا سنبيِّن أن المقصود من القراءة التفكير، والترتيلُ مُعِينٌ عليه؛ ولذلك نعتت أمُّ سلمة ﵂ عنها قراءة
стр. 159
رسول الله ﷺ ؛ فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، قال ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله هَذْرَمَةً، وجَلِيُّ أن الترتيل والتؤدة أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرًا في القلب من الهذرمة والاستعجال.
(٤) البكاء:
وهو مستحب مع القراءة، ومنشؤه الحزن؛ وذلك أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره؛ فيحزن لا محالة ويبكي.
(٥) أن يراعى حق الآيات:
فإذا مر بآية سجدة سجد، وكذلك إذا سمع من غيره سجدة سجد إذا سجد التالي، ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة، وقد قيل في كمالها: إنه يكبر رافعًا يديه لتحريمه من وقوف ثم يهوي ساجدًا، ثم يرفع ويستكمل القراءة.
(٦) آداب الترتيل:
أن يقول في مبتدإ قراءته: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر، وإذا مر بآية دعاء واستغفار دعا واستغفر، وإن مر بمرجوٍّ سأل، وإن مر بمخوِّفٍ استعاذ، يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه.
(٧) الإسرار بالقراءة:
فهو أبعد عن الرياء والتصنع؛ وهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه، فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش على مُصَلٍّ؛ فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر
стр. 160
فيه، ولأنه. يطرد النوم في رفع الصوت، ويزيد في نشاطه للقراءة، ويقلل من كسله، فمتى حضره شيءٌ من هذه النيات؛ فالجهر أفضل.
(٨) تحسين القراءة:
وترتيبها من غير تمطيط مفرط يغيِّر النظم؛ فذلك سُنَّة، وفي الحديث: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" (١)، وفي آخر: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٢)، فقيل: أراد به الاستغناء، وقيل: أراد به الترنم وترديد الألحان به، وهو أقرب عند أهل اللغة، واستمع ﷺ إلى قراءة أبي موسى فقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود" (٣)، وُيروى أن أصحاب الرسول ﷺ كانوا إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورةً من القرآن.
وأما الآداب الباطنة:
(١) فهم عظمة الكلام:
فهم عظمة الكلام وعلوه والاعتراف بفضله ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه، فلينظر كيف لطفّ بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه؟، وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طيِّ حروفٍ وأصوات هي صفات البشر، إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله إلا بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كُنْهِ جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرشٌ ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسَبُحَات نوره، ولولا تثبيت الله لموسى ﵇، لما أطاق سماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دَكًّا.
стр. 161
لا بد لك أيها التالي للقرآن أن تعرف أن القرآن كلام الله وأن صفة التكليم من صفات الجلال للرب جل وعلا، وربك ﷻ إذا تجلى لشيء لم يقم لعظمة جلاله سبحانه شيء، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فافهم واعرف أيها الحبيب المحب أن صفة الكلام من صفات الملك ﷻ ولها عظمة من عظمته سبحانه، وكما أنه سبحانه كما ثبت في الحديث أن "حجابه النور لو كشفه لأحرفت سبحات وجهه ما امتد إليه بصره من خلقه" (١)؛ فلابد من حجاب لهذه الصفة.
فجعل الله وهو الرحيم بعباده الكريم الحروفَ والأصوات كأنها حجاب لصفة الكلام؛ لتستطيع القلوب والعقول مطالعة هذه الصفة وإلا لصار الخلق دكًّا كما جرى للجبل، قال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ﴾ [الحشر: ٢١].
فأحمد الله أيها التالي للقرآن على هذه المنة العظيمة أن تتمكن من تلاوة القرآن الذي هو كلام الله، والكلام صفة من صفات الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
(٢) التعظيم للمتكلم:
فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وأن في تلاوة كلام الله غايةُ الخطر، فإنه تعالى قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقُه محروسٌ عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان
стр. 162
متطهرًا، فباطنُ معناه أيضًا بحُكم عِزِّه وجلالِه محجوبٌ عن باطن القلب إلا إذا كان القلب متطهرًا من كل رجْس، ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير.
وكما لا يصلح لِمَسِّ جِلدِ المصحفِ كلُّ يَدٍ، فلا يصلح لتلاوةِ حروفه كلُّ لسان، ولا لنيل معانيه كلُّ قلب.
فتعظيمُ الكلام تعظيمُ للمتكلم، ولن تَحْضُرَه عظمةُ المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حضر بباله العرشُ واستواءُ ربِّه عليه، والكرسيُّ الذي وَسِع السموات والأرض، واستحضر مشهد السموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضته مترددون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهذا غاية العظمة والتعالي، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ومن ثَمَّ تعظيم الكلام.
(٣) حضور القلب وترك حديث النفس:
قيل في تفسير: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، أي بجدٍّ واجتهاد، وأَخْذُه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تُحَدِّث نفسك بشيء؟، فقال: أو شيءٌ أحبُّ إليَّ من القرآن حتى أحدِّثَ به نفسي!
وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية.
وهذه الصفة تتولد عمَّا قبلها من التعظيم، فإن المعظِّمَ للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان
стр. 163
التالي أهلًا له، فكيف يُطْلَبُ الإنس بالفكر في غيره وهو متنزه ومتفرج، والذي يتفرج في المتتزهات لا يتفكر في غيرها، فقد قيل: إن القرآن ميادين، وبساتين، ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ورياض.
فإذا دخل القارئ الميادين، وقطف من البساتين، ودخل المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديباج، وتنزه في الرياض، استغرقه ذلك وشغله عما سواه، فلم يعزب قلبه، ولم يتفرق فكره.
(٤) التدبر:
وهو وراء حضور القلب، فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه، وهو لا يتدبره، والمقصود عن القراءة التدبر؛ ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن.
قال عليٌّ ﵁: لا خير في عبادة لا فِقه فيها، ولا في قراءةِ لا تدبر فيها.
وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد الآية فليردد إلا أن يكون خلف إمام، فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإِمام بآية أخرى كان مسيئًا، مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهوِ متفكر في آية قرأها إمامه فهذا وسواس.
روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوسواس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟، فقال: لأن تختلف فيَّ الأسنة أحب إليَّ من ذلك؛ ولكن يشتغل قلبي بموقفى بين يدي ربي ، وأني كيف، أنصرف، فَعَدَّ ذلك وَسْواسًا، وهو كذلك؛ فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهم ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.
وعن أبي ذر قال: قام رسول الله ﷺ بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي:
стр. 164
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقام سعيد بن جبير يردد هذه الآية ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقال بعظهم: إني لأفتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر.
وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أَعُدُّ لها ثوابًا وحُكِيَ عن أبي سليمان الدارني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها فيها أربع ليال أو خمس ليال، ولولا أني اقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.
وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها، وقال هبعضهم: لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغتُ منها بعد، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمت نفسي مقام الأُجَرَاء، فأنا أعمل مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة. (يعني باليومية فهناك ختمة يومية. ومجامعة: يعني كل جمعة. ومشاهرة: يعني كل شهر. ومسانهة: يعني كل سنة).
(٥) التفهم:
وهو أن يستوضح عن كل آية ما يليق بها؛ إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء ﵈، وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
أما صفات الله فكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
стр. 165
الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١]، وكقوله تعالى: ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]، فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معانٍ مدفونة لا تنكشف إلا للمُوَفقين، وإليه أشار عليٌّ ﵁ بقوله لما سئل: هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن؟، فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه.
وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله جلاله، إذا الفعل يدل على الفاعل فتدل على عظمته.
وأما أحوال الأنبياء ﵈: فإذا سمع منها كيف كُذِّبوا وضُربوا وقُتِلَ بعضهم؛ فليفهم منه صفة الاستغناء لله عن الرسل والمرسَلِ إليهم، وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في مُلْكه شيء، وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله وإرداته لنصرة الحق.
وأما أحوال المكذبين، كعاد وثمود وما جرى عليهم، فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته، وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه، وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة وتنفذ فيه القضية، وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له، وإنما لكل عبد من القرآن بقدر رزقه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه، فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه، ومن لم يكن له فَهْمٌ في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في
стр. 166
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦]، والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.
(٦) التخلي عن موانع الفهم:
لا بد من التخلية قبل التحلية؛ فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحَجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعُمِّيَت عليهم عجائب أسرار القرآن.
وحُجُبُ الفهم ثلاثة:
أولها: أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وُكِّلَ بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف، يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأمله مقصورًا على مخارج الحروف فأنى تكشف له المعاني؟، وأعظم ضحكة للشيطان ممن كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس.
ثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيده معتقده عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده، فصار نظره موقوفًا على مسموعه.
فإن لمع له برق على بعد، وبدَا له معنى من المعاني التي تُبَاين مسموعه؛ حَمَلَ عليه شيطان التقليد حملةً وقال: كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرورٌ من الشيطان فيتباعد منه ويتحرز عن مثله، ومثله من يقرأ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وما يحتويه
стр. 167
معنى الآية من علو الله على كل مخلوقاته وهيمنته وتصرفه في كل الموجودات، فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في التأويل ووجوب تنزيه الله عن الجهة، فيُحرَم من تجليات تأمل صفة العلو والاستواء، وهي من الصفات التي تكررت في القرآن بغرض التنبيه على جلال الله وعظمته وحقيقة علوه على خلقه.
ثالثها: أنا يكون مُصِرًّا على ذنب أو متصفًا بكبرٍ أو مبتلى في الجملة بهوَى في الدنيا مطاع؛ فإن ذلك سببُ ظلمة القلب وصدئه،، وهو كالخبث على المرآة، وهو أعظم حجابٍ للقلب، وبه حُجِبَ الأكثرون.
وكلما كانت الشهوات أكثر تراكمًا كانت معاني الكلام أشدَّ احتجابًا، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا، قَرُبَ علي المعنى فيه، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة، وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]، فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة؛ فليس ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.
(٧) التخصيص:
وهو أن يقدِّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قَدَّر أنه هو المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدا فكمثلِ ذلك أن هذا الوعيد يَخُصُّه، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء عَلِمَ أن السمر غيرُ مقصود، وإنما المقصود ليعتير به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي ﷺ وأمته، ولذلك قال تعالى: ﴿وَكُلًّا
стр. 168
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، فليُقَدِّر العبدُ أن الله ثبَّت فؤاده بما قصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى.
وكيف لا يُقدِّر هذا والقرآن ما أُنْزِل على رسول الله ﷺ الرسول الله خاصة؛ بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؛ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، وقال : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وإذا قُصِد بالخطابِ جميعُ الناس فقد قُصِدَ الآحادُ، فهذا القارئ الواحد مقصودٌ، فماله ولسائر الناس، فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، قال محمَّد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسةَ القرآن عملَه، بل يقرؤه كما يقرأُ العبدُ كتابَ مولاه الذي كتبه له ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قَبِلِ ربنا بعهود نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات، وكان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟، إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقال قتادة: لم يجالس أحدٌ القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
стр. 169
(٨) التأثر:
وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل آية يقرؤها فهمٌ وحال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيرها، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التقييد غالب على آيات القرآن، فلا يرى ذكر المغفرة إلا مقرونًا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، ذكر أربعة شروط، وحيث اقتصر شَرَطَ شرطًا جامعًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره، ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حالُه الخشيةَ والحزن.
ولذلك قال الحسن: واللهِ ما أَصبح اليوم عبدٌ يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه، وقل فرحه، وكثر بكاؤه، وقل ضحكه، وكثر نَصَبه وشغله، وقَلَّت راحته وبطالته.
وقال وُهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئًا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن، وتفهمه، وتدبره، فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة.
فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت؛ وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح.
وعند ذكر الله صفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعًا لجلاله واستشعارًا لعظمته.
стр. 170
وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله كذكرهم لله ولدًا وصاحبة -تعالى الله عن ذلك- يغض الصوت وينكسر في باطنه حياءً من قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها.
وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، ولما قال رسول الله ﷺ لابن مسعود: "اقرأ علي" قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، رأيت عينيه تذرفان بالدمع؛ فقال لي: "حسبك الآن" (١)؛ وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية ﷺ .
ولقد كان من الخائفين من خَرَّ مغشيًا عليه عند آيات الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات.
فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيًا في كلامه، فإذا قال: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، ولم يكن خائفًا كان حاكيًا.
وإذا قال: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيا.
وإذا قال: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة.
فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات؛ كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن علي نفسه في قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، وقال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا
стр. 171
تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وقال : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، إلى غير ذلك من الآيات ..
وكان داخلًا في معنى قوله : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، يعني التلاوة المجردة، وقوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]؛ لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضًا عنها؛ ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفًا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالكَ ولكلامي وأنت معرضٌ عني، دع عنك كلامي إن لم تتب إليَّ.
ومثال ذلك: العاصي إذا قرأ القرآن وكرره، مثال من يكرر كتاب الملك كل يوم مرات، وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصرٌ على دراسة كتابه؛ فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت.
ولذلك قال يوسف بن أسباط: إني لأَهُمُّ بالقرآن فإذا ذكرتُ ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والاستغفار.
والمعرض عن العمل به أريد بقوله : ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ولذلك قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه" (١)، وفي بعض الروايات "فإذا اختلفتم فقوموا عنه"، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا
стр. 172
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال ﷺ : "إن أحسن الناس صوتًا بالقرآن إذا سمعته رأيت أنه يخشى الله تعالى" (١).
وقال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيًا فانتهرني وقال: جعلتَ القرآن عليَّ عملًا، اذهب فاقرأ على الله ، فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك.
لهذا كان شغل الصحابة ﵃ في الأحوال والأعمال، فمات رسول الله ﷺ عن عشرين ألفًا من الصحابة، لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين منهم، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم، ولما جاء واحدٌ ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، قال: يكفي هذا وانصرف، فقال ﷺ : "انصرف الرجل وهو فقيه" (٢)، وأنما العزيز مثلُ تلك الحالة التي مَنَّ الله بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية.
فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى، بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وبقوله : ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، أىِ تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها، فإن المقصر في الأمر يقال: إنه نسى الأمر، وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثير بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعمل يترجم، والقلب يتعظ.
стр. 173
(٩) الترقي:
وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله لا من نفسه، فدرجات القرآن ثلاث. أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله واقفًا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير: السؤال والتملق والتضرع والابتهال.
الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم.
الثالثة: أن يرى في الكلام المتكلم، وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه مُنْعمْ عليه، بل يكون مقصورَ الهم على المتكلم، موقوف الفكر عليه، كأنه مستغرقٌ بمشاهدة المتكلم عن غيره، وهذه درجة المقربين، وما قبله درجة أصحاب اليمين، وما خرج عن هذا؛ فهو من الغافلين.
(١٠) التبري:
وأعني به أن يتبرأ العبد من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعيد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك؛ بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوق إلى أن يلحقه الله بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصرين؛ شهد على نفسه هناك، وقدَّرَ أنه المخاطب خوفًا وإشفاقًا.
ولذلك كان ابن عمر ﵄ يقول: أستغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم، فما بال الكفر؟، فتلا قوله : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقيل ليوسف بن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟، قال: أستغفر الله من تقصيري سبعين مرة.
стр. 174
فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيتُه تقصيره سببَ قربه، فإن من شهد البعد في القرب لُطِف به في الخوف، حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد مُكِرَ به في الأمن، الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه.
ومهما كان مشاهدًا نفسه بعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله" انتهى كلام الغزالي ﵀.
هذه هي المراتب العشرة لتحصيل لذة تلاوة القرآن أيها الحبيب، ولن تستطيع فهمها بمجرد مرور نظرك عليها لأول مرة؛ بل تحتاج إلى تأمل ومذاكرة مع غيرك من إخوانك أو مشايخك لتلقيح الأفكار وتفتيح الأفهام، ثم العمل.
ولن يفتح لك من أول مرة إدراك ما ذكرت لك، لكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة وصبر نأنٍ لكي يحصل لك.
هيا ابدأ فرصة رمضان مع فتوحاته ونوره .. هيا أبدأ لتنطلق في هذه الأيام المباركة .. هذا هو العلم؛ فأين العمل أيها الطالب لرضا ربك؟
إخوتاه ..
الذكر دواء الحياة ومشاكلها، وجلاء القلوب وقوتها، من لزمه سعد في دنياه وأُخراه، وكيف لا والنبي ﷺ يقول: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ "، قالوا: بلى، قال: "ذكر الله تعالى" (١).
وأفضل الذكر القرآن .. وقد جاءكم موسم القرآن .. شهر رمضان شهر
стр. 175
القرآن .. فالبدارَ البدارَ يأ أمة القرآن، يقول رسول الله ﷺ : "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (١)، ويقول ﷺ : "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب منعته "الطعام والشراب في النهار فشفعني فيه، ويقول القرآن أي رب منصته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان" (٢).
إخوتاه ..
القرآن كلام الله، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه .. فداوموا على تلاوته، وأكثروا من قراءته في شهر رمضان، والتزموا بما ذكرناه آنفًا من الآداب، الظاهرة والباطنة .. وفقنا الله وإياكم لما قاله ربُّنا في أول كتابه: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
استدرك مهم
أيها الأخوة ..
بعد أن ذكرنا أهمية القرآن وحال السلف مع القرآن في رمضان لا يفوتني أيها الإخوة استدراك هام.
هذا الاستدراك توبة للأمة ككل؛ لإصلاح حال الأمة مع القرآن كي يصلح الله حال الأمة في الواقع المرير، فافهم معي علمني الله وإياك الحكمة وفصل الخطاب:
إن توصيف واقع الأمة الإِسلامية اليوم هو كلمة واحدهّ: "التِّيه". . نعم: الأمة الآن في مرحلة التِّيه -نسأل الله أن يعفو عنا-. . ولن نخرج من هذه
стр. 176
المرحلة إلا بتغيير أنفسنا ليتغير واقعنا؛ فإن لله سننًا ربانية؛ لا تتغير ولا تتبدل، وهو سبحانه القائل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وبعد أن جرَّبتِ الأمة مرارًا وتكرارًا كل الوسائل في إعادة كرامتها ومقدساتها؛ لم يعد أمامها إلا الحل الأول والأولى والأصل الذي غفلت عنه .. القرآن الكريم.
ولذا فإن الأمة بحاجة إلى مشروع قومي تتفق عليه في التربية على القرآن، وتتوحد حوله ليخرجها مما في فيه، ليعيدها إلى مجدها السليب ونهضتها المفقودة.
أيها الإخوة ..
"لقد أنزل الله القرآن كتاب هداية وشفاء وتغيير وتقويم لهذه الأمة، وهذا هو سر معجزته، وإن تعلُّم قراءته، وترتيله، وحفظه، وسائل مساعدة يتيسر من خلالها الانتفاع بتلك المعجزة، ومما يدعو للأسف أن الأمة قد ابتعدت طوال القرون الماضية عن جوهره، والسبب الذي أنزل عن أجله، فتعاملت مع تلك الوسائل على أنها غايات، وتسابق المسلمون على قراءته وحفظه في أقل وقت ممكن، دون أن يصاحب ذلك اهتمام بالمعاني الإيمانية التي تحملها آياته.
القرآن حاضرٌ معنا بقُرَّائه وحُفَّاظِه، وغائبٌ عنا بالأفراد القرآنيين الذين يُعرفون بسيمهاهم، قرآنا يمشي على الأرض.
القرآن حاضرٌ معنا في المساجد وحلقات التعليم ومدارس التحفيظ والإذاعات ووسائل الإعلام؛ لكنه غائبٌ عنا بأثره ومفعوله.
стр. 177
القرآن حاضرٌ معنا بطبعاته الفاخرة، وتغليفاته المبهرة، وآياته التي تزين الجدران، وتُرسم على المشغولات الذهبية؛ لكنه غائبٌ عن دوره الحقيقي في قيادة الحياة وتوجيهها إلى الله .
نفتتح به الحفلات، ونصنع منه المسابقات، وننشئ له الكليات، ومع ذلك لا نجني من وراء هذا الاهتمام ثمارًا حقيقية تظهر في واقعنا، وتصطبغ بها حياتنا.
فماذا حدث نتيجة هذا التعامل الشاذ القرآن؟
توقفت المعجزة القرآنية، أو كادت تتوقف عن العمل، وابتعد المسلمون عن سر عزهم ومجدهم وعلوهم عند الله، قال تعالى ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] فازدادت الفجوة بين الواجب والواقع، والقول والعمل، ولم يعد يظهر في الأمة أجيال قرآنية يتمثل فيها القرآن كما حدث في الجيل الأول، ذلك الجيل العظيم.
ألسنا من أهل القرآن؟!
قد يقول قائل: ولكني أقرأ القرآن وأختمه مرة كل شهر -على الأقل- وأحفظه، بل وأعمل على تعليمه للناس، وأعتبر نفسي من أهل القرآن، بل ويتعامل مَنْ حولي معي على هذا الأساس، رغم أنني أشعر داخلي بغير ذلك، فلا يوجد فارق في السلوك بيني وبين غيري ممن لا يهتمون بالقرآن كاهتمامي به؛ بل إنني أشعر مثلهم بتلك القيود التي تكبلني وتمنعني من فعل ما يرضي الله والتضحية من أجله.
نعم، هذا وصفٌ دقيق لحال البعض مع القرآن، وهذا مما يَزيد الأمر صعوبة، أن يعتبر الواحد منا أن اهتمامه بلفظ القرآن وشكله قد جعله من أهل القرآن، مع أن أهل القرآن هم العاملون به، المنتفعون بمعجزته.
стр. 178
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "حامل القرآن حامل راية الإِسلام لا يلهو مع من يلهو ولايسهو مع من يسهو".
إن تلاوة ألفاظ القرآن، وحفظ آياته يقدر عليها الصغير والكبير، المؤمن والمنافق، البر والفاجر، بل والكفار، وبالتالي لايمكن لهؤلاء أن يصبحوا من أهله بمجرد حفظهم وكثرة قراءتهم لألفاظه، ولله دَرُّ عمر بن الخطاب حين قال: لا يغرركم من قرأ القرآن؛ ولكن انظروا من يجمل به.
ويؤكد هذا المعنى ابن القيم فيقول: قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا .. ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظ القرآن ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
قال رسول الله ﷺ في ذكر علامات الساعة: "يخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُوقون من الدين كما يمرق السهمُ من الرَّمِيَّة" (١).
إن المطلوب من قراء القرآن بالإضافة إلى القراءة والحفظ، شيءٌ آخر في غاية الأهمية، المطلوب هو الانتفاع بمعجزته في تغييرنا ووضعنا في القالب الذي يُرضي الله ، المطلوب أن نستخدم القرآن كوسيلة تقودنا للصلح مع الله، ومن ثم نتأهل للدخول في دائرة حمايته وكفايته ونصرته، وهذا لن يتم من خلال قراءته باللسان فقط ولو آلاف المرات.
هذا لن يتم بحفظ حروفه وترك لآلئه وكنوزه ..
هذا لن يتم إذا جعلنا المذياع يذيع آياته طيلة الليل والنهار، ونحن غافلون عنه، منشغلون بغيره ..
стр. 179
لن يصبح أولادنا قرآنيين بمجرد حفظهم لألفاظ القرآن, وإن حفظوه كله ..
سيصبح أولادنا قرآنيين عندما يتعلمون ما في الآيات من معان وإيمان, ويطبقون ما فيها من عمل , بعد أن يحفظوها, وإن أدى إلى حفظهم لأجزاء قليلة من القرآن, فهذا خيرٌ لهم ولأمتهم من أن يكونوا مجرد حفظة وفقط, وإن جمعوا الأمرين -أقصد حفظه كاملًا مع فهمه والعمل به- فهو الأولى بل وهو المطلوب في هذه الأيام؛ فهذا علو همةٌ, وزيادة طاعة, ونصرة الأمة.
جاء رجل إلى أبي الدراداء فقال: إن ابني جمع القرآن, فقال: اللَّهم غُفْرًا؛ إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع".
كيف ربى النبي ﷺ الصحابة على القرآن؟
ما ذكرناه هو أيضًا للشباب والكبار .. وانظر كيف تربى الصحابة, يقول الإِمام القرطبي ﵀ في مقدمة تفسيرة تحت عنوان "باب كيف التعلم والفقه لكتاب الله تعالى وسنه نبيه ﷺ , وما جاء على أنه سُهِّلَ على من تقدم العمل به دون حفظه":
ذكر أبو عمرو الداني عن عثمان وابن مسعود وأُبَيّ: أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل؛ فيعلمنا القرآن والعمل جميعًا, وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ قال: كنا إذا تعلمنا عشرَ آياتٍ من القرآن؛ لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها.
وعن نافع عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة, فلما ختمها نحر جَزورًا.
стр. 180
وقال عبد الله بن مسعود: إنا صَعُبَ علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسَهُلَ علينا العملُ به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به.
وعن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب الرسول ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به.
وقال خلف بن هشام البزار: ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا؛ وذلك أنا روينا أن عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورًا شُكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يديَّ فيقرأ ثلث القرآن لا يُسقط منه حرفًا، فما أحسب القرآن إلا عاريةً في أيدينا.
وقد قال أهل العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكَتْبِه، دون معرفته وفَهْمه؛ فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلًا قليلًا مع الليالي والأيام.
وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث: شعبة وابن عطية ومَعْمر، قال معمر: سمعت الزهري يقول: من طلب العلم جملة فاته جملة؛ وإنما يُدرك العلم حديثًا وحديثين، والله أعلم.
وقال معاذ بن جبل ﵁: اعلموا ما شئتم فلن يأجرَكم الله بعلمكم حتى تعملوا.
وقال ابن عبد البر: رُوي أن العلماء همتهم الدِّراية، وأنَّ السفهاء همتهم الرواية" اهـ.